القائمة الرئيسية

الصفحات

الوسائل البديلة لحل المنازعات الاسرية

الوسائل البديلة لحل المنازعات الاسرية






196-الوسائل البديلة لحل المنازعات الاسرية
 - هناء كبكبي - دبلوم. د. ع. م

المقدمة العامة:
مدخل عام:
يعرف العالم اليوم ظاهرة مجتمعية تتمثل في الطرق البديلة لتسوية المنازعات، تطورت الى جانب الآليات الرسمية لفضها، ويقصد بها مجموعة من الآليات التي يمكن اعتمادها لحل النزاعات بمشاركة وموافقة أطرافها، وهي ليست بديلة عن القضاء، لأنها تجري تحت إشرافه ([1]). ومن تم فهي بديلة عن بعض المساطر والإجراءات القضائية ([2]).
إن الطرق البديلة لتسوية المنازعات ليست آلية جديدة، وإنما هي قديمة جدا قدم الانسانية، وكانت موجودة وفعالة. لكن الجديد هو ضرورتها في وقت يحتاج إليها الجميع على مختلف المستويات والمجالات. هذه الضرورة أفرزتها المعضلة التي يواجهها القضاء منذ أمد بعيد في مختلف الأنظمة القضائية عبر العالم، تتجلى في تراكم أعداد هائلة من القضايا، بسبب التأخير في إصدار الأحكام، البطء في الحسم في النزاعات، تعدد أوجه الطعن عبر مختلف درجات التقاضي، زيادة على اتسام إجراءات التبليغ بالتعقيد، وانعدام الفعالية. كما أن معضلة تضخم وتراكم القضايا ليست حكرا على الدول النامية، بل تعاني منه أيضا وبدرجات متفاوتة الدول المتقدمة بدورها مع فارق في نوعية وموضوع القضايا. هذه الأزمة عرفتها أمريكا في أول الأمر على مستوى الدول المتقدمة وما فتئ أن امتد الأمر الى الدول الأخرى كانجلترا وفرنسا.
والمغرب بدوره أولى في الآونة الأخيرة اهتماما كبيرا بهذه الوسائل حيث نظم المشرع بعضا منها في عدد من قوانينه، ومنها التحكيم في قانون المسطرة المدنية، الصلح في قانون الأسرة، في الميدان التجاري والجنائي ...
وإذا كانت هذه المجالات خصبة لقيام النزاعات، تتطلب إعمال هذه البدائل، فإن اللجوء للوسائل البديلة يزداد أهمية متى تعلق الأمر بالمنازعات الأسرية نظرا لطبيعة العلاقة التي تربط بين مكونات الأسرة. هذه الأخيرة التي قد تتصدع أحيانا وتفسد خاصة ونحن نعلم أن النفس أمارة بالسوء، فالصراعات التي قد تنشب بين أفراد الأسرة الواحدة في غالب الأحوال تكون حول النكاح، أو الصداق، أو الطلاق وما يترتب عنه، والنسب، وقد يتجاوزه الأمر الى بعض الجرائم التي قد تنشب بين الأصول والفروع والأقارب. كل هذا يدفعنا للبحث والحديث عن الطرق البديلة لتسوية المنازعات الأسرية.
إن الطرق البديلة لتسوية المنازعات الأسرية تعمل لحل الخلافات التي تقوم داخل مؤسسة الأسرة، حيث تعمل الجهات الموكولة إليها من أجل الحل، والتسوية الودية، والبحث عن الاتفاق من خلال لغة الحوار على خلاف الاجراءات القضائية.
وهناك عدة أنواع من الطرق البديلة أهمها الصلح والوساطة والتحكيم غير الملزم، التقييم المحايد والتسوية الودية أمام القاضي ... وهي تختلف حسب الأنظمة تستهدف حل الخلافات بشكل ودي باتفاق الأطراف، وبعضها يقتضي تدخل القضاء في مرحلة ما والبعض الآخر يجد مشروعيته انطلاقا مما تم التعاقد عليه. وبخصوص النزاعات الأسرية يعتبر الصلح والوساطة أهم البدائل الممكن إعمالها في هذا المجال ([3]).
فالصلح يعتبر وسيلة فعالة لإنهاء الخصومة، ووضع حد للنزاع في أقصر الآجال، وبأقل التكاليف، كما يرسخ ثقافة الحوار والتسامح، وينمي العلاقات الاجتماعية والعائلية ويحافظ على أواصر المودة ويحقق الأمن والاستقرار على مستوى الأسرة والمجتمع بصفة عامة ([4]). أما الوساطة فيمكن تعريفها بأنها المساعي التي يقوم بها شخص محايد بين أطراف النزاع من أجل الوصول الى حل ودي. هذان الطريقان لتسوية النزاعات يرتبطان ([5]) من خلال كونهما مسلسلان لإدارة الخلافات، يعملان على إعادة الحوار والتواصل بين أفراد الأسرة ويحملانها للوصول الى اتفاقات وتسوية في صا لح الأسرة ككل.
إن ما يميز الصلح والوساطة هو غياب كل سلطة للقرار الممنوحة للوسيط أو المصا لح، حيث يبقى للأطراف وحدهم اتخاذ قرار الاتفاق والتسوية الودية من عدمه ([6]). هذه المميزات تعبر بدون شك عن سبب جعل هذين البديلين الأصلح للأسرة بالاضافة الى أن النزاعات الأسرية هي ذات مواصفات وميزة خاصة، ذلك أنها تتضمن أشخاصا تجمعهم علاقات ترابط تستمر في الزمان، والنزاعات الأسرية قبل أن تكون نزاعات قانونية هي نزاعات ذات روح وماهية عاطفية ووجدانية، كما أن الفرقة والطلاق له انعكاسات على جميع أفراد الأسرة خاصة الأطفال.
فبعد هذا المدخل العام، وقبل بسط أوجه دراستنا للموضوع يتعين في البداية الوقوف عند بعض عناصر الطرق البديلة لتسوية النزاع الأسري ويتعلق الأمر بنشأتها وتطورها في العالم والوقوف على أسباب إعادة إحيائها، للتطرق في الختام للأهمية والاشكالية التي تجب معالجتها من خلاله وذلك من خلال الفقرات التالية:

الفقرة الاولى: نشأة الطرق البديلة لتسوية المنازعات الأسرية وأسباب تنامي اللجوء إليها.

الطرق البديلة لتسوية المنازعات الأسرية هي مؤسسة جديدة، شكلت في أول الأمر محط دراسة مجموعة من السيولوجيين بعد الوقوف على التحولات الكبيرة التي عرفتها الأسرة في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد نشأت في أول الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية في بداية السبعينات بهدف إيجاد حلول بديلة للنظام القضائي التقليدي ([7]) ومنها انتقلت الى فرنسا في نهاية الثمانينات، بوصفها مقاربة جديدة ومكملة للقانون في مجال تسوية الخلافات المرتبطة بالطلاق وانفصال الأزواج.
وإذا كان الصلح كطريق بديل قائما قبل هذا الوقت، فإن الوساطة الأسرية تتسم بالجدة. فقد قام في سنوات السبعينات محامي أمريكي Jean colsin)) بالابحاث الاولى في هذا المجال حينما حاول انطلاقا من تقنيات التحكيم التقليص من آثار الطلاق. وفي نفس السياق قام محامي آخر من الولايات المتحدة بولاية أطلنطا هو كولغر (coolgher) بفتح أول مركز للوساطة الأسرية، وفي نفس الوقت اهتم جهاز العدالة بهذه الأداة، وتعتبر ولاية كاليفورنيا أول ولاية تتبنى قانونا يلزم الآباء في وضعية نزاع على حضانة الأبناء بزيارة وسيط أسري، وقد تبعتها في ذلك العديد من الولايات، حتى أن اللجوء الى الوساطة الأسرية سيعمم بسرعة على التراب الأمريكي الى أن وصل الى كندا وباقي دول أوربا.
وعلى العموم تبقى أسباب نزوع دول العالم للأخذ بهذه البدائل في أغلبها واحدة يأتي في مقدمتها التطور السوسيولوجي للأسرة. هذا الانتقال للأسرة يرجع الى عدة عناصر أساسية أهمها ([8]).
ـ نمو نسبة الطلاق اليوم حيث يشكل نسبة زواج واحد مقابل 3 حالات من الطلاق وأصبح طريقا لحل النزاع.
ـ ظهور أنواع جديدة للأسرة حيث بالاضافة الى الأسرة النووية تطورت الأسرة الأحادية التي تتكون من الأب والاطفال، أو الأم والأطفال ...
ـ كما أنه من أسباب ظهور هذه البدائل الحاجة الى طريق جديد لتسوية النزاعات الأسرية هذه الحاجة أصبحت ملحة أولا لدى الأطراف المتنازعة يشعر من خلاله أطراف العلاقة باستقلالية أكبر في اتخاذ قراراتهم، وحرية في إدارة النزاع القائم بينهم، واسترجاع الثقة في قدرتهم على الوصول أنفسهم بمساعدة طرف مستقل لحل النزاع الذي يعترضهم. كذلك فإن الاتفاق الذي تسفر عليه هذه البدائل كالصلح والوساطة تكون له حظوظ أوفر للتطبيق كما إذا تعلق الأمر بقرار أو حكم قضائي ملزم، هذه الحاجة لطريق جديد لحل النزاعات الأسرية عند الأطراف تجد أساسها كذلك في انعدام الثقة في العمل القضائي ([9]) الذي أصبح يتسم ويوصف بالبطئ، ارتفاع التكاليف والتعقيد بالاضافة الى كونه غير مضمون في مقابل رغبة الأسر المتنازعة إنهاء النزاع سريعا، وبأقل التكاليف وهو ما لا يوفره النظام القضائي في الوقت الراهن، في حين أن الوساطة تسعى الى تخفيض وتقليص التكاليف المادية ([10]).
وأخيرا إن الحاجة الى طريق بديل جديد تفرضها مصلحة الطفل التي يجب أخذها بعين الاعتبار في هذا النوع من النزاع فقد أكد الباحثون السوسيولوجيون على المشاكل الكبيرة التي تسببها الفرقة والطلاق لكل الأطفال في حين أن الوساطة أو الصلح تحمل الأطراف على الاتفاق والتفاهم حول مصلحة وراحة أطفالهم ([11]).
وإذا كان هذا غرض الأطراف فإن بروز طريقة جديدة لتسوية النزاع الأسري تعبر عن رغبة القضاة والقضاء بل يتجاوز ذلك الأمر الى ضرورة مستعجلة.
فكما سبقت الاشارة الى ذلك يعيش العالم في السنوات الأخيرة أزمة القضاء بتنامي النزاعات الأسرية التي لم يتمكن معها جهاز العدالة من مواكبة هذه الوضعية الاجتماعية، حيث أصبح النظام القضائي سلبيا في معالجة شقاق الأسرة الذي ينتهي دائما بالطلاق والفرقة، وطرف فائز وآخر خاسر. في حين أن توفر طريق بديل كالصلح أو الوساطة سيوفر لغة الحوار ويمكن الأطراف من التواصل من جديد من أجل الوصول الى حل يرضي الطرفين معا. فإقبال رجال القضاء على هذه البدائل يرجع من جهة الى أن القاضي لا يتوفر على الوسائل الضرورية لحل هذا النوع الخاص والمميز من النزاع، ويفضل انتداب هذه المهمة الى شخص آخر يتوفر على قدرة أكبر كالمصالح أو الوسيط باعتباره محترفا. فالقاضي يمكنه أن يبث في النزاع ويقول كلمة القانون في الموضوع لكنه لا يستطيع أن يختم خلاف الطرفين بصفة مطلقة بحل يرضي الطرفين معا، ومن جهة أخرى فإن القاضي يشعر بنوع من العياء والسأم عند فصله في هذا النوع من القضايا ذلك أنه يعمل أكثر على الواقع منه على القانون([12]).
ـ إن الطرق البديلة لتسوية النزاعات الأسرية تستجيب لحاجة الأسرة والقضاء من أجل تسيير أفضل للنزاع الأسري.
الفقرة الثانية: الوسائل البديلة لتسوية المنازعات الأسرية في الشريعة الاسلامية والاعراف المغربية:
تحتل الوسائل البديلة لحل المنازعات مكانة هامة في الشريعة الاسلامية خاصة الصلح لأنه يقطع المنازعة، ويحد الخصومة ويؤدي الى نشر المودة والوئام بين أفراد المجتمع الاسلامي. فبه يحل الوفاق محل الشقاق ويقضي على البغضاء بين المتنازعين ولذلك أجمعت عليه جميع مصادر التشريع الاسلامي، فهو مشروع بالكتاب والسنة والاجماع. وتشمل هذه البدائل جميع النزاعات في كل المجالات ومنها النزاع بين الأزواج والأقارب وهو الذي يهمنا هنا.
فالاسلام لم يجعل الأسرة مثالية فيمكن أن تحصل داخلها نزاعات وخصومات إلا أنه يحث على حل تلك المشاكل بصورة ودية تحافظ على وحدة الأسرة، وتحفظ لكل واحد فيها كرامته. وقد تولى الله تعالى في كتابه العزيز تبيان الوسائل الودية لفض النزاع الأسري في غير ما موضع. يقول تعالى: "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير" ([13]).
ويقول عز وجل في آية أخرى: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله من أهله وحكما من أهلها إن يريد إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا" ([14]).
فمن خلال الآيتين الكريمتين نجد أن الله عز وجل يحث على الصلح والتحكيم قبل التفريق وهدم الأسرة تحقيقا للغاية التي خلقت من أجلها والتي هي الاستمرارية والتعايش وتكثير سواد الأمة الاسلامية. كما أن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام كان شديد الميل الى إصلاح ذات البين بين الأطراف المتنازعة باعتباره أول قاضي في الاسلام فصل بين المسلمين في جميع نوازلهم ومنها قضايا الطلاق والخلافات الأسرية، فبالرغم من ذمه للكذب فقد أباحه إذا كان من أجل التوفيق والاصلاح بين الزوجين حيث قال عليه السلام: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا"، وقال ابن حجر العسقلاني: "إن العلماء اتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقا عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أولها ([15]). وقال كذلك: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما" ([16]). وقال النبي عليه السلام لأبي أيوب: ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله، تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا" ([17]).
إن الصلح كطريق بديل منهج نبوي قويم عمل به عليه الصلاة والسلام وأخذه عنه الخلفاء الراشدون والصحابة الكرام حيث أجمعوا على مشروعيته وأهميته وتمكنوا عن طريق إعماله من حل الخصومات التي كانت تعرض أمامهم وفي هذا الصدد يقول عمر بن الخطاب: "ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن".
وعلى امتداد عصور التاريخ الاسلامي حافظ الفقهاء والقضاة على الصلح كآلية لحل الخلافات والخصومات وبرعوا في تقعيد قواعده وحصر حالاته وأركانه وشروطه ولا يخلوا كتاب في الفقه الاسلامي من باب خاص بالصلح ([18]).
وإذا كان الاسلام قد اهتم بإعمال الوسائل البديلة لتسوية النزاعات فإن الأمر كان متجدرا قبل ذلك في المجتمع المغربي من خلال الأعراف القبلية المحلية حيث تنوعت هذه الأخيرة بتنوع القبائل والأجناس فالعرف في سوس يختلف عنه في جبال الأطلس الكبير ... وهذه الاعراف تختلف قوة وضعفا حسب البيئات وظروف الحياة، وكانت هذه الأعراف تدون في سجلات يتوارثونها عن بعضهم البعض، ولكل فريق سجل خاص بأعرافه وتقاليده حسب الزمان والمكان، ويمكن تعيدله حسبما يتطلبه العصر باجتهاد كبار القوم العارفين بالأعراف وتتضمن هذه السجلات جميع الجوانب الشخصية، الجنائية ... ويتم التقاضي حسب اختلاف القبائل وأنواع القضايا فأحوال المحاكمة عندهم كانت فطرية تمتاز بالسرعة والبساطة فالمحكمون يسمعون الخصمين ويدققون في جميع أنواع الأدلة، والظاهرة الغالبة عليهم أنهم يلجأون الى الصلح اولا فيحاولون استرضاء الأطراف فإن توفقوا فذاك، أو يصدرون الحكم الذي يوافق تقاليدهم ([19]).
ويعتبر المجتمع البربري نمودجا لاعمال هذه الأعراف لفض النزاعات حيث تحتل الأسرة به مركزا بارزا وهي تحظى بتمثيلية لدى المجتمعات المحلية من خلال رئيسها "رب الأسرة" لدى الجماعة، ومن أهم اختصاصات هذه الأخيرة الفصل في المنازعات الأسرية من طرف أعضائها بحيث يتدخلون لاقرار الصلح كلما وقع نزاع بحيث لا يلجأ الى الحكم المخزني إلا في حالة استحالة التسوية الودية بواسطة تحكيم الجماعة. هكذا وتعرض المنازعات الأسرية على قاضي الجماعة "أمزارفو" بشكل رضائي من لدن الزوجين وعلى طرفي العلاقة الادلاء بالحجج على ادعاءاتهما أمام الجماعة حتى يتسنى لها تكوين رأي في الموضوع، أما في حالة غياب هذه الحجج أو عدم كفايتها فإنه يتم تأجيل النظر في النزاع الى وقت لاحق مع اختيار حكم معروف بنزاهته وأخلاقه توكل له مهمة ترصد ومتابعة الزوجين قصد تقديم تقرير على ما عاينه تتمكن الجماعة في ضوءه القيام بدور الوساطة أو حسم الخلاف بين الزوجين ([20]).
وبعد الفتح الاسلامي وتأثر المغاربة بتعاليم الاسلام صارت هذه الأعراف تتأثر بتعاليمه فكان شيخ القبيلة إذا حلت به النازلة يستشير من يأنس فيه القدرة على فهم الشريعة الاسلامية ليعرف وجه الحكم فيما يخالفها من الأعراف فيعدل منها ما خالف ويبقى ما وافق على ما كان عليه ([21]). وهكذا كانت للمغاربة أحكام عديدة وفق أعرافهم وعاداتهم الشيء الذي يعبر عن تجدر هذه الطرق البديلة في عمق المجتمع المغربي والشريعة الاسلامية باعتبارها الديانة الرسمية لبلادنا.

الفقرة الثالثة: أهمية البحث وإشكاليته:

1 ـ الأهمية:
ـ أمام الموجة العارمة التي يعرفها العالم بتنامي مصطلح الطرق البديلة لتسوية المنازعات وأمام ما تعرفه الأسرة من تحولات عميقة يستقي بحثنا أهميته، الذي سنحاول من خلاله الوقوف على جوانب متعددة تهم الموضوع، وتكتسي ضرورة آنية أولها:
التعريف والتأصيل لهذه الوسائل البديلة لحل النزاعات الأسرية باعتباره موضوعا حيا ومستجدا لمواكبة التطور الذي تعرفه دول العالم في هذا المجال والذي لازال غير معروف بالمغرب.
ـ من جانب القضاء: الضرورة ملحة لتجاوز واقع القضاء الرسمي الذي يشكو العديد من المعوقات التي سبق أن ذكرتها في الاطار العام، وأخص بالذكر طول المساطر وكثرة القضايا نقص كبير في عدد القضاة مما ينعكس سلبا على جودة الأحكام، أضف الى ذلك عدم توفر القاضي على الآليات الضرورية لتسوية هذا النوع الخاص من النزاع.
ـ من جانب الأسرة: مما لاشك فيه أن النزاعات الأسرية هي ذات طبيعة خاصة ومميزة، كما أنها تشمل أشخاصا تجمعهم علاقات ترابط مستمرة في الزمن نابعة من الهدف الذي أنشئت من أجله وهو الاستمرارية، هذه العلاقة الخاصة التي يستحب فيها الحل الودي الذي هو الأصل بعيدا عن اللجوء الى القضاء والعلانية المخالفة لطابع السرية والحساسية الذي يجب أن يطبع العلاقة الأسرية.
ـ من الناحية العملية: تبرز الأهمية كذلك من ضرورة تخفيف العبء عن القضاء وعلى الخصوم بتفادي طول المساطر والتعقيد وكثرة المصاريف وعلى مستوى تحقيق العدالة الذي قد لا يحققها الحكم القضائي لمجموعة من الاعتبارات.
2 ـ الاشكالية:
ـ تحدثنا في الفقرتين السابقتين عن نشأة، وأسباب ظهور الطرق البديلة، حضورها في الشريعة الاسلامية والأعراف المغربية. لكن الذي يشكل جوهر إشكالية بحثنا هو:
الى أي حد يمكن أن تساهم الطرق البديلة لتسوية النزاعات في حل الخلافات الأسرية؟ وما مدى إمكانية تطبيقها وتفعيلها داخل المجتمع المغربي على المستوى القانوني والواقعي؟
هذا الاشكال المحوري يأخذ عدة أبعاد يقتضي حصرها الاجابة عن مجموعة من التساؤلات ارتأينا صياغتها على الشكل التالي:
1 ـ ما نوع الطرق البديلة لتسوية المنازعات المعمول بها في مجال الأسرة؟
2 ـ كيف تساهم هذه الوسائل في الحفاظ على كيان الأسرة.
3 ـ ما هي الطرق المعتمدة في المغرب؟ وما أسباب عدم نجاح تطبيقها؟
4 ـ ما مدى إمكانية تطبيق نماذج أخرى على النزاعات الأسرية المغربية؟ وما معيقات تطبيقها؟
5 ـ ما الوسائل الضرورية والآليات لإنجاحها؟
وإذا كانت الأسرة هي المعينة من خلال هذا البحث، فإنه في إطار توضيح بعض المفاهيم التي تبدو غامضة فإننا سنعتمد من خلاله التركيز على الأسرة النووية التي تتكون من الزوج والزوجة والأطفال وذلك باعتبارها هي الأسرة الأصل اليوم بعد تطورها وانتقالها من الأسرة ممتدة الى الأسرة النووية ولكونها تشكل النسبة الأكبر في القضايا المعروضة على المحاكم، كما أنه بخصوص النزاعات الأسرية سنكتفي بالتطرق للطلاق الذي يعتبر السبب الأول والرئيسي لكل نزاع وبالطبع لبعض آثاره حيث خارج هذا الاطار لا يوجد نزاع مادامت العلاقة الزوجية قائمة، وإن كانت لا تخلوا من مشاكل بسيطة لا تتعدى جدران بيت الزوجية([22])،بالاضافة الى بعض الجرائم البسيطة التي تقع بين أفرادها.
خاتمة:
إن نجاح الصلح والوساطة كنظامين بديلين لتسوية المنازعات الأسرية رهين بمدى الاستعداد الذي يمكن أن تبديه الأطراف المتنازعة في التفاوض والتصالح، وتسوية النزاع واستيعابهم لجدوى هذه العدالة اللينة، السريعة والفعالة والتي لا تتطلب أية شكلية للحصول على رضى الطرفين. وإنما المهم هو أن يكون هناك اتفاق على اللجوء لهذه الوسيلة من طرف المتنازعين. فرهان تطبيقها مقبول ونجاح التجربة رهين بتوعية الفاعلين في الحقل القضائي والقانوني، والمجتمع المدني والمشاركة الإيجابية لوسائل الاعلام، وتوافقها مع التقاليد المحلية الخاصة، وتفهم الجهة التشريعية لهذه الثورة القضائية الإيجابية والفعالة، التي تهدف البحث عن مصالح الأطراف في أسرع وقت ممكن وبأقل تكلفة، وفي غياب القيود القانونية وحث الأطراف على صياغة الاتفاق في جو من التراضي والاقناع ودون أن يخلف النزاع رواسب.
وبذلك نرى أن ركوب قاطرة الحلول البديلة وخصوصا الوساطة أصبح مطلبا ملحا وممكنا لتلافي تراكم القضايا بمحاكمنا إذا توفرت النوايا الحسنة وتكاثفت الجهود على مختلف الواجهات، خصوصا وأن فكرة الوساطة ليست غريبة على بلادنا، كل ذلك من شأنه أن يساهم في إنجاح هذه التجربة التي ستقدم عليها بلادنا استقبالا على غرار ما سارت عليه العديد من الدول.
الفهرس

مقدمة

القسم الاول: مؤسسة الصلح كطريق بديل وقائم لتسوية النزاعات الأسرية بالمغرب
الفصل الأول: الصلح في النظام القانوني والقضائي المغربي
المبحث الأول: الصلح في القوانين والقضايا المتعلقة بالأسرة
المطلب الاول: الصلح في المادة الأسرية
الفقرة الاولى: الصلح في مدونة الاحوال الشخصية السابقة وقانون المسطرة المدنية
أولا: الصلح أمام قاضي التوثيق
ثانيا: الصلح أمام قاضي الموضوع
ثالثا: الصلح في بعض القضايا المترتبة عن الطلاق والمرتبطة بالأسرة
الفقرة الثانية: نظام الصلح وفق مدونة الأسرة الجديدة
أولا: مسطرة الصلح في قضايا الطلاق
ثانيا: الصلح في قضايا التطليق
المطلب الثاني: الصلح في القانون الجنائي والمسطرة الجنائية المتعلق بقضايا الأسرة
الفقرة الاولى: الصلح في القانون الجنائي المغربي
أولا: القضايا الخاضعة للصلح كطريق بديل لحل النزاعات الأسرية في القانون الجنائي
ثانيا: ضرورة إقرار عدالة تصالحية وتكريس طرق بديلة
الفقرة الثانية: الصلح ضمن مقتضيات المسطرة الجنائية الجديدة
أولا: الصلح مستجد جديد بقانون المسطرة الجنائية
ثانيا: مضمون الصلح كمستجد في قانون المسطرة الجنائية
المبحث الثاني: المؤسسات المرصدة للصلح كطريق بديل لحل النزاعات في قضايا الأسرة
المطلب الاول: معالجة شقاق الزوجين من خلال مؤسسة الحكمين
الفقرة الاولى: مفهوم التحكيم بين الزوجين وأصل مشروعيته
الفقرة الثانية: الشروط الخاصة بالحكمين وحدود سلطتهما
الفقرة الثالثة: موقف المشرع المغربي من التحكيم ومهمة الحكمين
المطلب الثاني: مؤسسة مجلس العائلة
الفقرة الاولى: تكوين مجلس العائلة وتسييره
الفقرة الثانية: المهام المنوطة بالمجلس العائلي
الفصل الثاني: مدى فعالية مؤسسة الصلح في الحد من المنازعات الأسرية: العوائق وآليات التفعيل
المبحث الاول: الصعوبات التي تعوق مسطرة الصلح في قضايا الأسرة
المطلب الاول: عدم نجاح مساطر الصلح
الفقرة الاولى: أسباب قانونية وقضائية
الفقرة الثانية: أسباب تتعلق بالدفاع والمتخاصمين
المطلب الثاني: عدم تقعيل المؤسسات المرصدة للصلح
الفقرة الاولى: معيقات تفعيل مؤسسة التحكيم على المستوى العملي
الفقرة الثانية: غياب دور مجلس العائلة في فض النزاعات الأسرية
المبحث الثاني: آليات تفعيل مساطر الصلح في قضايا الأسرة
المطلب الاول: ضرورة اتخاذ مجموعة من التدابير على عدة مستويات
الفقرة الاولى: الاصلاح التشريعي والقضائي لبعض مقتضيات الصلح الخاصة بالأسرة
الفقرة الثانية: نجاح مسطرة الصلح رهين بضبط سلوكات أطراف الأسرة المتنازعة
المطلب الثاني: تفعيل عمل مؤسسة الحكمين ومجلس العائلة في التوفيق بين أفراد الأسرة المتنازعة.
الفقرة الاولى: وسائل تطوير التحكيم وآلياته
الفقرة الثانية: التغلب على الصعوبات التي تعوق مجلس العائلة
لتحميل القسم الأول من الدراسة من هنا :
[1] - حيث يقضي بالمصادقة على الحلول الودية التي يتوصل إليها الأطراف، ويراقب كل ما له صلة بالنظام العام.
[2] - محمد سلام: دور الطرق البديلة لحل النزاعات في إصلاح القضاء وتأهيله لمواجهة تحديات العولمة. مجلة الملف. العدد 2 نونبر 2003 ص 17.
[3] - تعتبر كل الطرق التي ذكرناها أعلاه التحكيم غير الملزم والتقييم المحايد والتسوية الودية طرق بديلة لحل الخلافات إلا أنها في أغلبها تكون مرتبطة بالمساطر القضائية في قرار المحكم وإن كان غير ملزم في التحكيم، والتسوية الودية التي تكون أمام القاضي والتي قد تؤثر على إرادة الأطراف وفي التقييم المحايد المبكر الذي يحيل على القضاء حيث يعمل الشخص المحايد على التنبئ بالحل القضائي أي بالحكم الذي يمكن أن يصدر إذا ما توجه الطرفان الى المحكمة وبالتالي تبقى الوساطة والصلح أهم هذه البدائل في مجال الأسرة حيث تضمن للأطراف حرية واستقلالية أكبر في إيجاد الحلول المناسبة للنزاع القائم بينهم.
[4] - محمد سلام مرجع سابق ص 17.
[5] - وهذا لا يعني تطابقها فهناك اختلافات جوهرية بينهما سنتطرق لها في الفصول اللاحقة لهذا البحث.
[13] - سورة النساء الآية 128.
[14] - سورة النساء، الآية 35.
[15] -محمد ناصر متيوي مشكوري ومحمد بوزلافة: الوسائل البديلة لتسوية المنازعات الأسرية، أشغال الندوة العلمية التي نظمتها شعبة القانون الخاص بكلية الحقوق بفاس بشراكة مع وزارة العدل وهيئة المحامين بفاس يومي 4 و 5 أبريل 2003. منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية سلسلة الندوات والأيام الدراسية العدد 2-2004 الطبعة الاولى ص 193.
[16] - رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وابن حبان عن عمرو بن عوف. أورده الشيخ سيد سابق في كتابه فقه السنة. المجلد الثالث السلم والحرب ـ المعاملات ص 205.
[17] - الامام القرطبي: الجامع لأحكام القرآن المجلد الخامس ص 385.
[18] - محمد سلام: أهمية الصلح في النظام القضائي المغربي. مجلة الملحق القضائي عدد 35 أكتوبر 2002. ص 17.
[19] - عمر بن عبد الكريم الجيدي: العرف والعمل في المذهب المالكي ومفهومهما لدى علماء المغرب. 1404هـ ـ 1984م. ص (217 ـ 218 ـ 224).
[20] - محمد ناصر المتيوي المشكوري ومحمد بوزلافة: الطرق البديلة لتسوية المنازعات الأسرية، مرجع سابق ص (189 ـ 190).
[21] - عمر بن عبد الكريم الجيدي: مرجع سابق ( ص 219).
[22] - هذا في إطار الاحوال الشخصية، إلا أنه سوف يتم التطرق في الجانب الجنائي على نزاعات ذات طابع جنائي كالخيانة الزوجية والسرقة ...

تعليقات