القائمة الرئيسية

الصفحات

تشريح واقع الطب الشرعي بالجزائر

تشريح واقع الطب الشرعي  بالجزائر 




من إعداد السيد/
بن مختار أحمد عبد اللطيف
نائب عام مساعد

خطة العرض
المقدمة:
I . مكانة الطب الشرعي في المنظومة الإستشفائية والتعليمية ومركزه القانوني:
01 – تعريف الطبيب الشرعي.
02 – مهام الطبيب الشرعي.
03 – مكانة الطب الشرعي في المنظومة الإستشفائية.
04 – مكانة الطب الشرعي في المنظومة التعليمية.
05 – المركز القانوني للطب الشرعي في المنظومة التشريعية.
II . الإشكالات والعوائق التي تعترض مهنة الطب الشرعي:
01 – إنعدام التنسيق بين القائمين بالتحقيق والطب الشرعي.
02 – البطء في إنجاز التقارير.
03 – صعوبة قراءة تقرير الطبيب القضائي.
04 – تحرير الشهادات الطبية المثبتة للعجز.
05 – حساسية تسخير الطبيب الشرعي لمعاينة الخطأ الطبي.
الخاتمة.

المقــدمــة

يعتبر الطب الشرعي أحد الطرق العلمية التي تقود المحقق إلى كشف غوامض الجريمة والتعرف على الحقائق وجمع الأدلة والقرائن التي تساعده على كشف مرتكبي الجرائم وتقديمهم للمحاكمة.
ومع تطور الجريمة أصبح اللجوء إلى الوسائل العلمية لإستخراج الأدلة والقرائن التي لا تقبل الدحض ومواجهة المجرمين بها أمرا ضروريا بل حتميا.
- إن زمن الإعتراف هو سيد الأدلة قد ولى وحل محله الدليل العلمي الذي يكون على أساسه القاضي قناعته.
إن الإعتماد على إستخراج الأدلة والقرائن بالوسائل العلمية كالطب الشرعي مثلا يضيق من هامش الخطأ وبذلك يكون حكم العدالة صائبا ومقنعا.
ولكن هل إرتقى الطب الشرعي في بلادنا إلى هذا المستوى الراقي وما هي مكانته في المنظومة الإستشفائية والتعليمية وما هو المركز الذي أفرده القانون له ؟.
وما هي الإشكالات والعوائق التي تعترض طريقه ؟.
كل هذه التساؤلات نحاول الإجابة عنها من خلال هذا العرض.
I . مكانة الطب الشرعي في المنظومة الإستشفائية والتعليمية ومركزه القانوني:
إن مهمة الطب الشرعي هي مهمة مرتبطة بالمرفق العام وهو مساعد من مساعدي مرفق القضاء، ولا تتنافى هذه المهمة مع مهمته المتمثلة في التعليم والبحث العلمي.
وقبل التطرق بالتفصيل إلى مكانة الطب الشرعي في المنظومة الاستشفائية والتعليمية وكذا مركزه القانوني يجدر بنا أن نعرف الطبيب الشرعي ونعرف بمهامه.
1 – تعريف الطبيب الشرعي:
عند حصوله على شهادة الطب العام بعد الدراسة لمدة 07 سنوات في كلية الطب، للطبيب العام أن يتخصص في إحدى التخصصات مثل أمراض القلب، طب العيون، طب النساء، الجراحة …… إلخ.
وكذا الطب الشرعي الذي يعتبر تخصصا من التخصصات المذكورة وتمتد هذه الدراسة التخصصية على مدار 04 سنوات يدرس فيها المواد التالية:
الطب الشرعي القضائي والجنائي .................................... سنة واحدة.
الطب الشرعي المتعلق بعلم السموم .................................... ستة أشهر.
تعويض الأضرار الجسمانية ........................................... ستة أشهر.
قانون الطب وأخلاقيات مهنة الطب ................................. ستة أشهر.
الطب العقلي الشرعي الاكلينيكي ..................................... ستة أشهر.
علم الأمراض الطب الشرعي .......................................... ستة أشهر.
طب السجون .................................................. ...... ستة أشهر.
ويصادق على شهادة التخصص بعد إجراء إمتحان على المستوى الوطني ويوزع الأطباء بعد ذلك حسب ترتيبهم على المستشفيات أو المراكز الإستشفائية الجامعية.
2 – مهام الطبيب الشرعي:
وتتمثل مهمة الطبيب الشرعي في إجراء الفحوصات على الأشخاص ضحايا الإعتداءات الجسدية أو حوادث المرور أو حوادث العمل وتسلم لهم شهادات وصفية للإصابات مع تحديد مدد العجز كما يختص الطبيب الشرعي وحده بإجراء تشريح الجثث بناء على طلب السلطة المختصة وتحديد أسباب الوفاة.
كما يمكن أن ينتدب الطبيب الشرعي كخبير في المسائل الفنية المرتبطة بإختصاصه من طرف القضاء سواء كانت القضايا مدنية أو جزائية.
بالإضافة إلى هذه المهام فإن الطبيب الشرعي العامل بالمراكز الإستشفائية الجامعية يزاول مهنة التعليم والبحث العلمي.

3 – مكانة الطب الشرعي في المنظومة الإستشفائية:

لا يمكن فصل مهمة الطب الشرعي عن المهمة الإستشفائية ولكن ما هي المكانة المخصصة للطب الشرعي في المنظومة الإستشفائية الجزائرية.
إنه الإبن الفقير ببساطة فالطب الشرعي لم يحتل مكانته الطبيعية وما يزال ينظر إليه على أنه طب الموتى أو الأموات فلا تعطى له الأولوية فيما يخص تكوين الأطباء الشرعيين أو مد مصالح الطب الشرعي بالإمكانيات اللازمة للقيام بالمهام المنوطة به على أحسن وجه.
ويكفي معرفة عدد الأطباء الشرعيين الممارسين على مستوى التراب الوطني والمقدر عددهم الإجمالي بحوالي 145 طبيبا شرعيا حتى نقف عند فداحة العجز المسجل، إذ أن هذا العدد القليل لا يمكنه أن يواجه الزخم الكبير من المهام المطلوبة منه خصوصا أن هذا النقص الفادح في عدد الأطباء الشرعيين لا يقابله وسائل عمل متوفرة حديثة، فمصالح الطب الشرعي تعاني نقصا فظيعا في وسائل العمل حتى الأساسية منها.
إن العدد القليل من المترشحين للتخصص في ميدان الطب الشرعي يفسره إحجام الأطباء على التخصص في الطب الشرعي وهو الشيىء الذي يمكن تفسيره بإنعدام المحفزات بجميع أنواعها.
كما يعزى ذلك إلى الظروف الصعبة التي يمارس فيها الأطباء الشرعيون مهامهم، فمعظم الهياكل القاعدية التي تأوي مصالح الطب الشرعي في المستشفيات غير ملائمة تماما وغير مزودة بوسائل العمل الأساسية، بحيث أنه تم تحويل مصالح حفظ الجثث في المستشفيات إلى مصالح للطب الشرعي كما تنعدم المخابر المرتبطة بعمل الطبيب الشرعي واللازمة لإجراء التحاليل الخاصة بـ:
- Sérologie.
- Toxicologie.
- Bistologie.
بحيث يضطر الطبيب الشرعي لإجراء هذه التحاليل إلى الإتصال بمخابر المصالح الأخرى وهو ما يؤدي إلى تعطيل إنجاز المهمة المكلف بها.
كما أنه لم يول الطب الشرعي بالإهتمام والعناية من طرف السلطات العمومية، حيث أنه لم يتم إنشاء معاهد متخصصة في الطب الشرعي ضف إلى كل ذلك الأتعاب الضئيلة التي يتقاضاها نظير خدماته والتي تحط من قيمته العلمية والإجتماعية كل ذلك مرده إلى إنعدام الإرادة السياسية للنهوض بهذا القطاع وتغليب عقلية أو فكرة أن الطب الشرعي هو طب الأموات والأولوية تمنح للأحياء وليس للأموات.
4 – مكانة الطب الشرعي في المنظومة التعليمية:
إن إرتباط الطب الشرعي بالقضاء هو إرتباط وثيق ولا يمكن التكلم عن التحقيق الجنائي في قضايا القتل ومختلف الإعتداءات الجسدية الأخرى دون التطرق إلى الطب الشرعي ولكن من المستعمل لأعمال الطب الشرعي؟
هو القاضي وضابط الشرطة القضائية بالدرجة الأولى إذن من المفروض أن يكون هذا المستعمل أو المستفيد على دراية كافية على الأقل بمبادئ الطب الشرعي وخطوطه العريضة.
إن قراءة شهادة وصفية لإصابات أو قراءة تقرير تشريح جثة وفهم محتواه وإستغلاله يتطلب إلماما بالمبادئ العامة للطب الشرعي.
وقد إنتبه المشرفون على تكوين القضاة إلى هذه النقطة الأساسية، حيث أدرجت مادة الطب الشرعي ضمن مواد التدريس لطلبة المدرسة العليا للقضاء وكذلك الحال بالنسبة لطلبة المدرسة الوطنية للإدارة فرع القضاء سابقا إذ أن مادة الطب الشرعي تدخل ضمن تكوينهم الأساسي.
وتدرس مادة الطب الشرعي بالمدرسة العليا للقضاء في السنة الأولى بكم ساعي يقدر بـ 42 ساعة ورغم ذلك تبقى طريقة التدريس تشكل نقطة سوداء بحيث تدرس المادة باللغة الفرنسية ويمتحن فيها الطلبة حسب إختيارهم باللغة الفرنسية أو اللغة العربية.
ولم تكن الجامعة، كلية الحقوق تدرس مادة الطب الشرعي لطلبتها وهو ما يشكل عائقا للمتخرجين منها الذين يمارسون مهام القضاء أو يمتهنون المحاماة وهم الذين يتعاملون مع قضايا يدلي فيها الطب الشرعي برأية.
كما أن المدارس المعنية بتكوين ضباط الشرطة القضائية والتابعة للأمن الوطني أو الدرك الوطني لا تدرس مادة الطب الشرعي لطلبتها كمادة أساسية وإنما تنظم لهم محاضرات حول الطب الشرعي بصفة غير منتظمة ويدخل ذلك ضمن التكوين العام.
لذلك يجب تدارك النقص المسجل في هذا المجال وإدراج مادة الطب الشرعي كمادة أساسية تدرس في كليات الحقوق ومد ا رس تكوين ضباط أعوان الشرطة القضائية.
5 – المركز القانوني للطبيب الشرعي في المنظومة التشريعية:
لم نجد للأطباء الشرعيين أثرا في قانون الإجراءات الجزائية رغم دورهم البارز في مجال التحقيق الجنائي غير أنه بالرجوع إلى نص المادتين 49 و 62 من قانون الإجراءات الجزائية نجد تلميحا للطبيب الشرعي.
فقد جاء في الفصل الأول من الباب الثاني من ق إ ج وتحت عنوان في الجناية أو الجنحة المتلبس بها، المادة 49 أنه إذا إقتضى الأمر إجراء معاينات لا يمكن تأخيرها فلضابط الشرطة القضائية أن يستعين بأشخاص مؤهلين لذلك وعلى هؤلاء الأشخاص الذين يستدعيهم لهذا الإجراء أن يحلفوا اليمين كتابة على إبداء رأيهم بما يمليه عليهم الشرف والضمير.
وإذا إعتبرنا الطبيب الشرعي من الأشخاص المؤهلين لإجراء معاينات في مجال إختصاصه فيمكن لضابط الشرطة القضائية أن يستعين بالطبيب الشرعي لإجراء معاينات فقط.
وهو ما أشارت إليه المادة 82 من القانون رقم 70/20 المؤرخ في 19 فيفري 1970 والمتعلق بالحالة المدنية أنه إذا لوحظت علامات أو آثار تدل على الموت بطرق العنف أو طرق أخرى تثير الشك فلا يمكن إجراء الدفن إلا بعدما يقوم ضابط الشرطة بمساعدة طبيب بتحرير محضر عن حالة الجثة والظروف المتعلقة بالوفاة وكذا المعلومات التي إستطاع جمعها حول أسماء ولقب الشخص المتوفي وعمره ومهنته ومكان ولادته ومسكنه.
ونصت المادة 62 من قانون الإجراءات الجزائية على أنه: " إذا عثر على جثة شخص وكان سبب الوفاة مجهولا أو مشتبها فيه … كما ينتقل وكيل الجمهورية إلى المكان إذا رأى لذلك ضرورة ويصطحب معه أشخاصا قادرين على تقدير ظروف الوفاة كما يمكنه أن يندب لإجراء ذلك من يرى …… ".
فمن هم هؤلاء الأشخاص القادرين والمؤهلين على تقدير ظروف الوفاة ؟ إنهم الأطباء الشرعيون.
ولكن في هذه الحالة ينتدب الطبيب الشرعي كشخص قادر ومؤهل وليس كخبير، لذلك فهو يؤدي اليمين ولو كان خبيرا معتمدا كما نصت على ذلك الفقرة 3 من المادة 62 من ق إ ج ولأن تعيين الخبراء هو من إختصاص جهة الحكم أو التحقيق وليس من إختصاص النيابة أو إختصاص الضبطية القضائية وهنا أفتح قوسا للتساؤل هل يجوز لضابط الشرطة القضائية المنتدب من طرف وكيل الجمهورية أن يسخر الطبيب الشرعي لإجراء تشريح الجثة؟ إذا طبقنا القياس في هذه المسائل فإنه يجوز له ذلك على أن يشير ضابط الشرطة القضائية في محضره أنه منتدب من طرف وكيل الجمهورية (في حالة إكتشاف جثة) ولكن بالرجوع إلى أحكام المادة 27 من المرسوم رقم 75/152 المؤرخ في: 15 ديسمبر 1975 والمتضمن تحديد قواعد حفظ الصحة فيما يخص الدفن ونقل الجثث وإخراج الموتى من القبور وإعادة دفنهم نجدها تنص على أنه إذا حدثت الوفاة ضمن الشروط المحددة في المادة 82 من قانون الحالة المدنية السابق ذكرها يمكن لوكيل الجمهورية أن يطلب عمليات تشريح جثمان ميت، إذن حسب ما سبق لوكيل الجمهورية فقط الأمر بإجراء تشريح جثة.
ويمكن أن يكون الطبيب الشرعي خبيرا معتمدا فينتدب من جهات الحكم أو التحقيق لإجراء خبرة وفي هذه الحالة فإنه يلتزم بالأحكام المنصوص عليها في المادة 143 وما يليها من قانون الإجراءات الجزائية وهي:
- أن يؤدي اليمين إذا لم يكن مقيدا في جدول الخبراء.
- أن يؤدي مهمته تحت رقابة القاضي الآمر.
- أن يلتزم بالمدة المحددة له لإجراء الخبرة.
- أن يكون على إتصال بالقاضي الآمر ويحيطه علما بتطورات أعماله.
- يمكن له أن يستعين بفنيين يعينون بأسمائهم ويؤدون اليمين.
- أن ينوه في تقريره على كل فض أو إعادة فض للأحراز التي إستلمها.
- يجوز له تلقي أقوال أشخاص غير المتهم.
- له أن يستجوب المتهم بحضور القاضي الآمر.
- يودع تقرير خبرته والأحراز لدى كاتب الجهة القضائية التي أمرت بالخبرة.
- يعرض في الجلسة عند طلب مثوله نتيجة أعماله بعد حلف اليمين.
وقد وجدنا لذكر الطبيب الشرعي أثرا أيضا في القانون رقم 85-05 المؤرخ في 16/02/1985 المتضمن قانون حماية الصحة وترقيتها وبالضبط في المادة 164 من هذا القانون التي نصت على ( لا يجوز إنتزاع الأنسجة والأعضاء من الأشخاص المتوفين إلا بعد الإثبات الطبي والشرعي للوفاة …… إلخ ).
إذا في حالة إنتزاع الأنسجة والأعضاء لابد أولا من إثبات حالة الوفاة عن طريق الطب الشرعي وهو ما أكدته أيضا الفقرة 03 من المادة 167 من نفس القانون التي نصت على: ( يجب أن يثبت الوفاة طبيبان عضوان في اللجنة وطبيب شرعي وتدون خلاصاتهم الإثباتية في سجل خاص في حالة الإقدام على إنتزاع الأنسجة …… إلخ ).
كما نصت المادة 165 من نفس القانون على أنه ( يمنع إنتزاع الأنسجة أو الأعضاء قصد زرعها …… أو إذا كان الإنتزاع يعوق التشريح الطبي الشرعي … إلخ ).
وهو الشيئ الذي يقرره الطبيب الشرعي المكلف بإجراء التشريح بطبيعة الحال.
كما نصت المادة 168 من نفس القانون على أنه: ( يمكن إجراء تشريح جثة في الهياكل الإستشفائية بناء على ما يلي:
- طلب السلطات العمومية في إطار الطب الشرعي.
- طلب من الطبيب المختص قصد هدف علمي ).
ولكن من هي هذه السلطة العمومية؟ ولماذا لم تسم صراحة بإسمها ؟ وهل هناك سلطة غير سلطة القضاء يمكنها أن تطلب تشريح الجثة في إطار الطب الشرعي؟ هذه الأسئلة أيضا تضاف إلى التساؤل الذي طرحناه سابقا عن الجهة التي من صلاحيتها طلب تشريح جثة عندما تكلمنا عن ضابط الشرطة القضائية.

II . الإشكالات والعوائق التي تعترض مهنة الطب الشرعي:

تعترض مهنة الطب الشرعي عدة إشكالات وعوائق يمكن حلها أو تخطيها وذلك بتوفر الإرادة اللازمة لذلك وبذل قليل من المجهود وتوفر الإمكانيات اللازمة، ويمكن حصر هذه العوائق والإشكالات في النقاط التالية:
01 – إنعدام التنسيق بين القائمين بالتحقيق والطبيب الشرعي:
- بمجرد إبلاغ وكيل الجمهورية بحادث وفاة أو إكتشاف جثة وسواء إنتقل وكيل الجمهورية إلى مكان الحادث أم لا فإنه وبعد تحرير التقرير الإخباري الأولي مرفقا بالشهادة الطبية المثبتة للوفاة من طرف ضابط الشرطة القضائية، يقوم وكيل الجمهورية بتحرير تسخيرة للطبيب الشرعي للقيام بإجراء تشريح جثة وتحديد أسباب الوفاة بهذه العبارات المقتضبة المستعملة كنموذج جاري العمل به دون تحديد مهمة الطبيب الشرعي بكل دقة.
ونجد في أغلبية الأحيان أن الطبيب الشرعي يجيب على أسئلة هو الذي طرحها علما أنه في أغلب الأحيان إن لم نقل في مجملها فإن الطبيب الشرعي لا ينتقل إلى مكان الحادث ولا يستلم إلا الجثة بملابسها أو بدون ملابس ولا يحاط علما بظروف وملابسات الوقائع، ولا تسلم له الأحراز والمحجوزات ويعمل بمنأى عن ضابط الشرطة القضائية المكلف بالتحقيق وعن وكيل الجمهورية.
وكذلك الحال بالنسبة لضابط الشرطة القضائية الذي لا يتصل بالطبيب الشرعي لتزويده بالمعلومات الأولية وذلك لحسن توجيه التحقيق الإبتدائي ( إسترجاع مقذوف من الجثة لإرساله إلى مخبر الشرطة العلمية لإجراء الخبرة الباليستية مثلا ).
02 – البطء في إنجاز التقرير:
كثيرا ما يتأخر الطبيب الشرعي لأسباب موضوعية أو ذاتية في إنجاز التقارير المطلوبة منه وهو ما يعطل الإجراء القضائي الذي يتخذه وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق في الملف، إذ أن لتقرير الطبيب الشرعي أهمية حيوية يتوقف عليه التصرف القانوني فيما يتعلق بالمتابعة القضائية أصلا ( هل يتعلق الأمر بجريمة قتل أو إنتحار ).
أو التكييف القانوني للوقائع ( جناية أو جنحة – قتل عمدي أو ضرب وجرح مفضي إلى الوفاة ).
03 – صعوبة قراءة تقرير الطبيب الشرعي:
كثيرا ما تصعب قراءة تقرير الطبيب الشرعي عن تشريح جثة وذلك لصياغتها بأسلوب علمي دقيق وإستعمال مصطلحات طبية يصعب فهمها على غير المختصين خصوصا وأننا أشرنا قبل هذا إلى قلة أو إنعدام تكوين القضاة في مجال الطب الشرعي.
لذلك ونظرا لأهمية تقرير الطبيب الشرعي والتبعات التي تنتج عنه يمكن دعوة الأطباء إلى إستعمال لغة علمية مبسطة أو كحل وسط دعوة الطبيب الشرعي إلى تقديم شروحات وافية عن تقريره وبلغة مبسطة يفهمها غير المختصين خصوصا إذا كنا نعلم أنه في محكمة الجنايات التي تختص بالنظر في قضايا القتل العمدي أو الضرب والجرح العمدي المفضي إلى الوفاة أو إحداث عاهة مستديمة يشكل فيها محلفون شعبيون رغم أن هذا الإجراء قد يثقل كاهل الطبيب الشرعي ولكن في المقابل نقترح أن يتم التكفل بأتعابه وتنقله ضمن مصاريف القضاء الجنائي.
04 – تحرير الشهادات الطبية المثبتة للعجز:
- إن معظم الشهادات الطبية المثبتة للعجز والمحررة من طرف الطبيب الشرعي إن لم نقل كلها محررة باليد، وبخط كثيرا ما يكون غير مقروء.
إضافة أن هناك شهادات تثبت عجزا مبالغا فيه وهنا أسأل هل هناك جدول ( Un barème ) يتم بموجبه تحديد مدة العجز بالنظر إلى الإصابات وقد لاحظنا في حالات عديدة تباينا في مدد العجز لإصابات متقاربة لأشخاص مختلفين كما تمنح شهادات مثبتة لعجز نتيجة صدمة نفسية أو إرتفاع ضغط الدم أو إرتفاع أو إنخفاض نسبة السكري.
كما لاحظنا تضخيما لمدة العجز في الإصابات الناتجة عن حوادث المرور.
ولاحظنا أيضا تناقضا ظاهرا في شهادتين مسلمتين لشخص واحد في نفس التاريخ، الأولى تثبت إصابات وعجزا والأخرى لا تعاين فيها أية إصابات ولا تثبت أي عجز فالأولى سلمت للمعني على أساس أنه ضحية ضرب وجرح والثانية والخاصة بنفس الشخص سلمت لضباط الشرطة القضائية ليضمها بالمحضر المحرر ضد ذلك الشخص وكأن الطبيب الشرعي يريد أن ينفي تعرض ذلك الشخص إلى ضرب أثناء حجزه للنظر.

05 – حساسية تسخير الطبيب الشرعي لمعاينة الخطأ الطبي:

- يطرح الإشكال بحدة عند تكليف طبيب شرعي لمعاينة خطأ طبي إرتكبه زميل له، والإشكال يطرح وبحساسية أكثر عند إجراء خبرة مضادة حيث تظهر فوارق في التقارير تكاد تكون جوهرية.
إن عامل تضامن أصحاب المهنة الواحدة ( L’esprit de corp ) يمكن أن يكون ذا تأثير على مهمة الطبيب الشرعي وهو شيئ مفهوم ولكن غير مقبول لذلك يجب إيجاد آلية أو طريقة تكفل الأمانة العلمية للطبيب الشرعي.
لذلك نقترح ولتخفيف الضغوط النفسية التي تتجاذب الطبيب الشرعي عند أداء هذه المهمة أنه عند ندبه يخطر مجلس الأطباء ( Le conseil de lordre ) بهذه المهمة، ولهذا المجلس أن يبدي ملاحظاته حول هذه المهمة، مثلما هو الحال بالنسبة للمحامي الذي يتأسس في قضية ضد زميل له. ولأن الطبيب الشرعي في هذه الحالة لا يكون مسخرا وإنما يكون منتدبا لإجراء الخبرة وتنطبق عليه الأحكام المتعلقة بالخبير طبقا للمواد 149 من قانون الإجراءات الجزائية ولا يقع بذلك تحت طائلة قانون العقوبات.
الخاتمـــة
إن الطب الشرعي كمهمة إستشفائية يجب أن يرتب في مكانته الطبيعية بتشجيع البحث والتعليم في هذا المجال وكمهمة مساعدة للقضاء يجب أيضا أن يرتب في مكانته اللائقة ولا يتأتى ذلك إلا بصياغة تنظيم خاص لمهنة الطب الشرعي وتحديد علاقته بالقضاء والضبطية القضائية وإعطاء الإمكانيات الحديثة اللازمة لممارسة المهام المنوطة به وتحفيز الممارسين لهذه المهنة ماديا ومعنويا.
كما أنه يجب من جهة أخرى إعطاء تكوين مركز للمتعاملين مع الطب الشرعي من قضاة وضباط الشرطة القضائية حتى يحدث التجاوب المطلوب.
وبالتكامل بين هذه الأطراف الثلاثة القاضي وضابط الشرطة القضائية والطبيب الشرعي نحقق الغاية التي يسعى لها الجميع وهي حسن سير التحقيق وإظهار الحقيقة.

لأنثروبولوجيا Anthropology
الأنثروبولوجيا
Anthropology

moqatel.com
ظهر هذا المصطلح في بريطانيا عام 1593، وكان المقصود به دراسة الإنسان من جميع جوانبه الطبيعية والسيكولوجية والاجتماعية، وظل يحمل معنى الدراسة المقارنة للجنس البشري. إلا أن تزايد البحث، وخاصة في المجتمعات البدائية، أدى إلى تطورات مهمة في النظر إلى الأنثروبولوجيا، وخاصة في علاقتها بالعلوم المتفرعة منها وغيرها من الدراسات التي تتصل بدراسة الإنسان.
وكلمة "أنثروبولوجيا" من الناحية الاشتقاقية مشتقة من الكلمة الإغريقية Anthropo، أي الإنسان؛ والكلمة Logy أي العلم، أي أن الكلمة في معناها اللغوي هي دراسة الإنسان. ونتيجة لتنوع الأنشطة التي يقوم بها الإنسان، تبنى الأنثروبولوجيون التعريف اللغوي لعلمهم؛ ولذلك يحاولون دراسة الإنسان وكل أعماله، أي كل منجزاته المادية والفكرية، أي الدراسة الشاملة للإنسان. ولهذا فإن الأنثروبولوجيا هي أكثر العلوم التي تدرس الإنسان وأعماله شمولاً على الإطلاق. وهناك دلائل وشواهد عديدة على هذا الشمول؛ فالأنثروبولوجيا تجمع في علم واحد بين نظرتي كل من العلوم البيولوجية والعلوم الاجتماعية، فتركز مشكلاتها، من ناحية، على الإنسان العضو في المملكة الحيوانية، وعلى سلوك الإنسان العضو في المجتمع، من ناحية أخرى. ثم إن الأنثروبولوجيا لا تقتصر على دراسة أي مجموعة من الناس أو أي حقبة تاريخية. بل تهتم بالأشكال الأولى للإنسان وسلوكه بدرجة اهتمامها نفسها بالأشكال المعاصرة؛ إذ يدرس الأنثروبولوجي كلاً من التطورات البنائية للبشرية ونمو الحضارات منذ أقدم الأشكال التي وصلتنا عنها أي سجلات أو بقايا، فضلاً عن الاهتمام بالدراسات المقارنة في سياق اهتمامه بالجماعات والحضارات الإنسانية المعاصرة.
كما تحاول الأنثروبولوجيا كشف وتوصيف المعايير الفيزيقية، التي تميز ***** البشري عن سائر الكائنات الحية الأخرى؛ وكذلك تلك المعايير التي تصلح للتمييز بين الأنواع العديدة داخل الأسرة البشرية نفسها. وتركز الدراسة المقارنة للحضارات اهتمامها على أوجه الاختلاف والتشابه في الثقافات، التي يمكن ملاحظتها بين الجماعات البشرية العديدة التي تعيش على سطح كوكب الأرض، وتحاول أن تحدد وتعرف القوانين أو المبادئ التي تحكم تكون المجتمعات البشرية وثقافاتها وتطورها.
وعلى هذا فإن مصطلح "الأنثروبولوجيا" مصطلح شامل وواسع؛ إذ يشمل دراسة الموضوعات المختلفة، كالتطور البيولوجي والحضاري للإنسان، والعلاقات البيولوجية بين المجتمعات المعاصرة، والمبادئ التي تحكم علاقات الشعوب بعضها بعض. بيد أن الموضوعات البيولوجية والاجتماعية هي موضوعات متداخلة ومتحدة لتركيزها المشترك على دراسة الإنسان؛ لكنها في الوقت نفسه موضوعات منفصلة ومستقلة بعضها عن البعض الآخر، بسبب تخصص علمائها، إما في الموضوعات الإنسانية أو الطبيعية.
وصفوة القول إن الأنثروبولوجيا تهتم بدراسة الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً أو حضارياً؛ فتدرس هذه العلوم الأنثروبولوجية ـ بكافة مجالاتها وميادينها الخاصة ـ أشكال الثقافة وأبنية المجتمعات، مع التركيز على دراسة أشكال المجتمعات الأولية ومعالجة ما يُسمى بأنماط الثقافة البدائية Patterns of primitive culture.
والمجتمعات البدائية من الموضوعات الرئيسية التي تضطلع بدراسته الأنثروبولوجيا، حيث تدرس مختلف فروع الأنثروبولوجيا العامة كيفية تكيف الإنسان البدائي مع مختلف البيئات الفيزيقية والجغرافية والاجتماعية والثقافية.
ووفقاً لذلك فإن الأنثروبولوجيا تهتم بالبحث عن المبادئ، التي تحكم تطور الإنسان فيزيقياً وثقافياً، ولماذا تغير التركيب الفيزيقي للإنسان؟ ولماذا توجد أنماط بشرية متميزة بمثل هذه الكثرة، على الرغم من أصلها المشترك جميعاً؟ وما طبيعة الثقافة؟ وكيف تتغير الثقافات؟ وما العلاقة المنهجية المنظمة بين مختلف جوانب السلوك الاجتماعي والثقافي للإنسان؟ وكيف يستجيب الأفراد للمثل العليا والأهداف التي تحددها لهم الثقافات؟ وما العلاقة بين الثقافة والشخصية؟. فالعالم اليوم بما يضمه من بقايا نادرة متفرقة للماضي البعيد، هو العمل المتاح للبحث الأنثروبولوجي.
فروع الأنثروبولوجيا
من اليسير الاتفاق حول الخطوط العريضة التي تحدد ميدان الدراسة الأنثروبولوجية العامة؛ ولكن من العسير الاتفاق حول الفروع الأساسية للأنثروبولوجيا. فلا يمكن أن تظل صورة تلك الفروع في بلد واحد على حالها عبر السنين. فقد تزداد فروعها وفقاً للتطورات والبحوث الميدانية والنظرية، التي تعمل حتماً على تطوير تلك الفروع أو التعديل منها. وقد تزداد عدداً، وقد تُدمج فروع في بعضها وتُستحدث أخرى، وهكذا. لذلك فعند محاولة التعرض لأقسام الأنثروبولوجيا وفروعها الرئيسية، تقدم صورة تقريبية مصحوبة ببعد زمني يلقي الضوء على تغير تلك الصورة عبر الزمن.
1. الأنثروبولوجيا البيولوجية Biological Anthropology
هو علم يدرس السجل البيولوجي للإنسان، إذ يبدأ بدراسة المكانة الحيوانية للإنسان، ويحاول اقتفاء أصل وتطور الإنسان من خلال الدراسات المقارنة، ويفحص طبيعة الاختلافات العنصرية بين الشعوب والأقوام، كما يدرس أثر العوامل البيئية المختلفة ـ على تشابه واختلاف أعضاء ***** البشري ـ على نمو أو اضمحلال السكان. ويستعمل العالم الأنثروبولوجي الطبيعي تكتيكاً خاصاً في بحوثه وجمع معلوماته، إلا أنه يعتمد في معظم دراساته على علوم مختلفة وكثيرة، أهمها علم التشريح، وعلم الآثار، والكيمياء، وعلم الجيولوجيا، والنبات.
كما تدرس الأنثروبولوجيا الفيزيقية السّمات الفيزيقية للإنسان، أي أنها دراسة الإنسان من حيث هو كائن فيزيقي طبيعي. فتدرس الإنسان العضوي في نشأته الأولى، وفي تطوره عن الرئيسيات، حتى اكتسب الصفات والخصائص الإنسانية في صورة الإنسان العاقل Homo Sapiens؛ لذلك تعالج الأنثروبولوجيا الفيزيقية، مثلاً، حجم الجمجمة، وارتفاع القامة، ولون البشرة، ونوع نسيج الشعر، وشكل الأنف، ولون العين. كما تهتم بدراسة التغيرات العنصرية وخصائص الأجناس، وانتقال السمات الفيزيقية، وتتبع الموروثات الإنسانية. كما تدرس إلى جانب ذلك تطور الإنسان منذ مراحله وأشكاله الأولية، التي كانت تربطه بعالم القردة العليا.
2. الأنثروبولوجيا الاجتماعية Social Anthropology
تهتم الأنثروبولوجيا الاجتماعية بدراسة مجموع البناء الاجتماعي لأي جماعة أو مجتمع، بما يحويه هذا البناء من علاقات وجماعات وتنظيمات. ومن هنا تقترب العلاقة بين الأنثروبولوجيا الاجتماعية وعلم الاجتماع. والمفهوم المحوري في الأنثروبولوجيا الاجتماعية هو البناء الاجتماعي Social Structure؛ فالأنثروبولوجي الاجتماعي يفكر في المجتمع الذي هو تكوين منظم لأجزاء متعددة، وليس في الثقافة وواجبه الأول هو اكتشاف هذا النظام وتفسيره (وهو يتكون من العلاقات القائمة بين الأفراد، وهي علاقات ينظمها مجموعة من الحقوق والواجبات المعترف بها).
تدرس الأنثروبولوجيا الاجتماعية ـ تحت مفهوم البناء الاجتماعي ـ الوحدات الرئيسية المكونة لهذا البناء. والمقصود بالبناء: مجموعة العلاقات والروابط والقواعد المتصلة بقطاع أو جانب معين من جوانب حياة هذا المجتمع. فمجموعة العلاقات ـ مثلاً ـ التي تتعلق بتكوين الأسرة، ونظام القرابة، وتربية الأطفال، وشبكة العلاقات بين الزوجين وبينها وبين الأولاد، والعلاقات مع الأصهار... إلخ، كل ذلك يكوّن ما يُسمى: نظام الأسرة أو النظام العائلي. كذلك الحال لمجموعة العلاقات والروابط والتنظيمات المتصلة بمجال كسب العيش، الإنتاج، والتوزيع، والاستهلاك، والادخار... إلخ. كل ذلك يكون تحت مُسمى: النظام الاقتصادي. أما توزيع القوة في المجتمع وقواعد استخدامها وآثار هذا الاستخدام، فيُدرس تحت اسم النظام السياسي. وهناك قطاع عريض أخير من العلاقات المتصلة بالمعايير الدينية والأخلاقية والفن والجمال هو نظام المعايير أو النظام المعياري، وإذا اقتصر على الدين والأخلاق فيُعرف باسم: النظام الديني. هذه هي أهم الوحدات الرئيسية للبناء الاجتماعي أو النظم الاجتماعية الأساسية، أي التي لا يخلو منها مجتمع، سواء عاش في الماضي، أو يمكن أن يعيش في المستقبل.
3. الأنثروبولوجيا الثقافية Cultural Anthropology
تدرس الأنثروبولوجيا الثقافية أصول المجتمعات والثقافات الإنسانية وتاريخها، وتتبع نموها وتطورها. وتدرس بناء الثقافات البشرية وأداءها لوظائفها في كل مكان وزمان. وتهتم الأنثروبولوجيا الثقافية بالثقافة في ذاتها، سواء كانت ثقافة أسلافنا، أبناء العصر الحجري، أو ثقافة أبناء المجتمعات الحضرية المعاصرة. فجميع الثقافات تستأثر باهتمام دارسي الأنثروبولوجيا الثقافية، لأنها تسهم في الكشف عن استجابات الناس ـ المتمثلة في الأشكال الثقافية ـ للمشكلات العامة التي تطرحها دوماً البيئة الطبيعية، وفي الكشف عن محاولات الناس في الحياة والعمل معاً، وتفاعلات المجتمعات الإنسانية بعضها ببعض.
ويمكن أن تكون دراسة الأنثروبولوجيا الثقافية بطريقتين: 
الأولى، هي الدراسة المتزامنة: أي في زمن واحد، أي دراسة المجتمعات والثقافات في نقطة معينة من تاريخها.
الثانية، هي الدراسة التتبعية أو التاريخية: أي دراسة المجتمعات والثقافات عبر التاريخ.
تتناول الأنثروبولوجيا الثقافية، بمعناها العام، الحياة الثقافية للمجتمعات الإنسانية. وفي هذا الإطار العريض، يتجه علماء الأنثروبولوجيا الثقافية إلى الاهتمام بالفنون المهارية وتصميماتها، وتقنيات تصنيعها.
4. الأنثروبولوجيا الاقتصادية Economical Anthropology
تهتم الأنثروبولوجيا الاقتصادية بدراسة الاقتصاديات القروية أو القبلية الصغيرة. وقد تزامن ظهور الأنثروبولوجيا الاقتصادية ـ علماً فرعياً ـ مع ظهور أساليب العمل الميداني الحديثة، التي أجبرت الأنثروبولوجيين على مقارنة النظريات الاقتصادية والأنثروبولوجية بواقع الإنتاج والتوزيع، والتبادل في الاقتصاديات القبلية أو القروية الصغيرة التي درسوها.
ومن ثم ظهر هذا الفرع من علوم الأنثروبولوجيا محصلة لاهتمام علماء الأنثروبولوجيا بالنظم الاقتصادية في المجتمعات التقليدية، ومحاولة إيجاد صيغة ملائمة لتفسير الظواهر الاقتصادية في هذه المجتمعات. ويرجع الفضل في تحديد مسمى هذا الفرع إلى المؤرخ الاقتصادي جراس، في مقاله الذي عُدَّ نواة لذلك، ونُشر بعنوان: "الأنثروبولوجيا والاقتصاد". وفيه حدد نطاق اهتمام هذا الفرع بأنه الجمع بين الدراسات الأنثروبولوجية والاقتصادية عند الشعوب التقليدية. وبعد ميلاد هذا الفرع، يوضح ريموند فيرث أنه منذ حوالي العقد الرابع من القرن العشرين، بدأ الاهتمام يتزايد بهذا الفرع من الأنثروبولوجيا العامة.
5. الأنثروبولوجيا السياسية Political Anthropology
تهتم الأنثروبولوجيا السياسية بوصف الأنظمة السياسية وتحليلها على مستوى البُنى، والعمليات، أو التمثيل، والتفاعل، خاصة في المجتمعات القبلية التقليدية. ووفقاً لهذا المعنى، فإن ظهورها تخصصاً مستقل يُعد حدثاً جديداً، على الرغم من أن بداياتها ترسخت في إجراء الدراسات على المجتمعات القبلية. أما اليوم، فلا توجد حدود لميادينها البحثية، إذ تحاول الأنثروبولوجيا السياسية، كما يقول ـ بلانديه ـ أن تتجاوز التجارب والمعتقدات السياسية المحددة، كما تنحو لتأسيس علم لدراسة السياسة ينظر إلى الإنسان بصفته إنساناً سياسية Homo Politicos. كما تبحث كذلك في تحديد خصائص التنظيمات السياسية عبر صورها وتجلياتها التاريخية والجغرافية.
6. الأنثروبولوجيا الطبية Medical Anthropology
تُعد الأنثروبولوجيا الطبية أو أنثروبولوجيا الصحة ـ كما يسميها بعض الدارسين ـ أحد الميادين الفائقة التطور في ميدان الأنثروبولوجيا، إلى حد يجعله يكاد يكتسب مرتبة العلم المستقل. ظهر هذا العلم في بداية القرن العشرين، وقد تزايد الاهتمام به نظراً لتزايد الوعي بجذور الثقافة في القضايا الصحية، مثل تطور المرض، وتوزيعه الجغرافي، والوسائل والأساليب التي تعتمد عليها المجتمعات في مواجهته، والطرق المثلى لتحسين الطب الحديث وتطويره في المجتمعات التقليدية.
وقد أوضح لويس مورجان، أهمية الثقافة في مجال الصحة والرعاية الصحية؛ فالثقافة تتحكم إلى حد كبير في الموضوعات الآتية:
أ. نمط انتشار المرض بين الناس.
ب. طريقة الناس في تفسير المرض ومعالجته.
ج. السلوك الذي يستجيب به الناس لانتشار الطب الحديث.
تؤثر الثقافة في أسلوب الرعاية الصحية، فقد تفشل برامج المساعدات الطبية بسبب الاختلافات في ثقافة مقدمي المساعدة عمن يتلقونها، ما يوجد العقبات التي تحول دون الاتصال الفعّال والتعليم والعلاج. كما تلعب الثقافة دوراً مهماً في الصحة والمرض، من خلال التغذية السليمة؛ فتحسين تغذية السكان لا يتحقق إلا من خلال تقديم مواد غذائية مقبولة ثقافياً لديهم. لذا، أخذ الاتجاه الحديث في الأنثروبولوجيا الطبية بالاتجاه الثقافي للرعاية الفيزيقية والعقلية للأفراد داخل سياقهم الاجتماعي.
7. أنثروبولوجيا الجسد Anthropology of Body
ويأتي أخيراً أحدث فروع الأنثروبولوجيا، وهو أنثروبولوجيا الجسد، ويهتم بدراسة عمليات تجميل الجسد، التي عُدّت أسلوباً يتحول فيه الجسد البشري الطبيعي إلى ظاهرة ثقافية. أما الطرق التي تنفذ بها هذه العملية فتشتمل على تغيرات مؤقتة، كارتداء الزي، والتزين، وأسلوب تصفيف الشعر، وتلوين الجسد... إلخ. كما تتضمن تغيرات دائمة مثل الوشم وغير ذلك مما قد تعده المعايير العربية ضرباً من التشويه الجسدي. فبينما يُنظر إلى تجميل الجسد في المجتمعات الحديثة على أنه تعبير عن الموضة، فإنه يُعد في المجتمعات البسيطة ضرباً من الرمزية الاجتماعية والدينية. فتجميل الجسد يجسد عضوية الفرد في الجماعة، كما يشير إلى المكانة وتغير الدور الذي يقوم به الفرد، ويتم ذلك، في الغالب، بالإشارة إلى خصائص حيوانية أو التأكيد على ملامح جنسية. وقد أوضح التحليل البنائي لاستخدام الجسد في الرمزية الاجتماعية، كيف تتأكد الفروق الطبيعية وتستخدم لغة للتحدث عن الفروق والعمليات الثقافية الاجتماعية. لذا، فإن الجسد البشري ينبغي ألاّ يُعد فقط أداة للتعبير الرمزي، كما في تجميل الجسد أو حركته أو رقصه، ولكنه يمكن أن يُعد أيضاً نموذجاً رمزياً.


المصادر والمراجع
1. دينكن ميتشل، "معجم علم الاجتماع"، ترجمة إحسان محمد الحسن، دار الطليعة، بيروت، 1981.
2. سليمان خلف، "الأنثروبولوجيا السياسية: دراسة نقدية للاتجاهات والمناهج في الأنثروبولوجيا السياسية"، حوليات كلية الآداب، جامعة الكويت، الحولية الثانية عشر، 1992.
3. عاطف غيث (تحرير)، "قاموس علم الاجتماع"، تأليف محمد علي محمد وآخرون، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1995.
4. فوزي عبدالرحمن، "الأنثروبولوجيا الاقتصادية: قضايا نظرية ونماذج واقعية"، مطابع الفجر الجديد، القاهرة، 1992.
5. قباري محمد إسماعيل، "علم الاجتماع الثقافي (ومشكلات الشخصية في البناء الاجتماعي)"، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1982.
6. محمد الجوهري وآخرون، "الأنثروبولوجيا الاجتماعية (قضايا الموضوع والمنهج)"، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2006.
7. محمد الجوهري، "الأنثروبولوجيا (أسس نظرية وتطبيقات عملية)"، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1996.
8. محمد ياسر الخواجة، "مدخل إلى الأنثروبولوجيا الثقافية"، مركز المصطفى للطباعة والنشر، طنطا، 2006.
9. ميخائيل لوجان، "الصحة والظروف البشرية"، عرض وتحليل علي مكاوي، في الكتاب السنوي لعلم الاجتماع، العدد السابع، إشراف محمد الجوهري، دار المعارف، القاهرة، 1984.
النظريات العلمية في تفسير الظاهرة الاجرامية
النظريات العلمية في تفسير الظاهرة الاجرامية:

تعددت النظريات التي طرحت بشأن تفسير الظاهرة الاجرامية، فهي ظاهرة فردية وظاهرة اجتماعية في آن واحد، وبالنظر اليها كظاهرة فردية اتخذ بحثها طابعاً بيولوجياً ونفسياً، وبالنظر اليها كظاهرة اجتماعية اتخذ بحثها طابعاً اجتماعياً.

1ـ نظرية لومبروزو ونموذج الانسان المجرم بالولادة:

عمل الاستاذ سيزاري لومبروزو (1835ـ1909) في بداية حياته طبيباً في الجيش الايطالي ثم عين بعدها استاذاً للطب الشرعي والعقلي في جامعة بافيا ثم في جامعة تورينو. وبحكم امتلاك لومبروزو الروح التأملية وعمله في الجيش ومراقبته للسلوك الاجرامي للجنود قام بوضع اساس فكرته عن السلوك الاجرامي من خلال دراسته للظاهرة العضوية للمجرمين، ووضع خلاصة بحوثه العلميه في مؤلفه الشهير (الانسان المجرم).

حيث ابتدأ رحلته العلمية بالتأمل في سلوك الجنود المنحرفين عن طريق فحصهم ودراسة تكوينهم الجسماني. وكان لومبوزرو يهدف من وراء ذلك ايجاد الخصائص المشتركة بين الجنود المنحرفين ومن ثم مقارنتها مع الخصائص المشتركة للجنود الاسوياء.

وقد لاحظ لومبروزو ان الجنود المنحرفين يتميزون بعدة مميزات جسدية لم تكن موجودة في الجنود الاسوياء، حيث لاحظ ابتداءا ومن الناحية الظاهرية ان الجنود المنحرفين يميلون الى احداث الوشم والرسوم القبيحة على اجسادهم كما وتبين له عند تشريحه لجثث عدد من المجرمين الذين ارتكبوا جرائم تتسم بالعنف والقسوة وجود عيوب خلقية في تكوينهم الجسماني وشذوذ في الجمجمة.

واثباتاً لدور الصفات العضوية قام لومبروزو بتشريح مايقرب من 383 جمجمة لمجرمين متوفين كما فحص حوالي 5907 من المجرمين الاحياء، ومن ابرز الحالات التي درسها حالة لص وقاطع طريق خطر يدعى فيللا، حيث فحصه اثناء حياته وشرح جثته بعد وفاته. وقد وجد تجويفاً في قاع جمجمته مشابهاً لما هو موجود لدى بعض الحيوانات الدنيا كالقرود والطيور، كما وتوصل الى نتائج مشابهة عند دراسته حالة مجرم خطر اخر يدعى فرسيني الذي اعترف بقتل عشرين امرأة بطريقة وحشية وشرب دمائهن، حيث تبين له اتصاف هذا المجرم ببعض الخصائص الجثمانية والتشريحية.

وقد ولد ذلك القناعة لدى لومبروزو بوجود نموذج للانسان المجرم بطبيعته، وهو الشخص الذي ترشحه منذ ولادته خائص بيولوجية معينة لان يصبح مجرماً.

وحسب لومبروزو فأن المجرم نمط من البشر يتميز بخصائص عضوية ومظاهر جسمانية شاذة تنتقل بالوراثة، اطلق عليها وصف علامات الرجعة، يرتد بها المجرم إلى عصور ما قبل التاريخ حيث تتطابق الخصائص البيولوجية للانسان المجرم مع خصائص الانسان البدائي الاول.

بمعنى اخر ان الإنسان المجرم بنظر لومبروزو ما هو الا انسان بدائي يحتفظ عن طريق الوراثة بالصفات البيولوجية والخصائص الخلقية الخاصة بانسان ما قبل التاريخ.

وبالنظر لتعرض نظرية لومبروزو للنقد فقد قام بتعديل بعض ارائه في هذا الشأن، فذهب بشأن الطبيعة الوراثية للاجرام الى ان العلامات الارتدادية لا تحدث لوحدها السلوك الاجرامي وانما يجب ان تتفاعل مع شخصية من يحملها اذا تهيأت الظروف لانتاج السلوك الاجرامي. وانتهى الى القول الى ان العلامات الارتدادية تكون موجودة لدى اغلب المجرمين ولكن ليس كلهم، كما انها يمكن ان توجد لدى غير المجرمين. كما لا يمكن لعامل الوراثة بمفرده ان يرشح السلوك الاجرامي وانما ينبغي ان تتظافر معه عوامل اخرى يكتسبها الفرد بعد الميلاد. 

وفي نهاية الامر توصل لومبروزو الى تقسيم المجرمين الى خمس فئات هي: المجرم بالولادة، المجرم المجنون، المجرم بالعاطفة، المجرم بالصدفة والمجرم بالعادة.

وبالنسبة للانسان المجرم بالولادة، وهو محور نظرية لومبروزو، فانه يتميز عن الانسان العادي بخصائص ومظاهر شذوذ جسمانية من اهمها:

صغر حجم الجمجمة وعدم انتظامها، بروز عظام الوجنتين وضخامة ابعاد الفك والشذوذ في تركيب الأسنان، شذوذ في حجم الاذنين، وكثرة غضون الوجه، عدم انتظام وتشابه نصفي الوجه، ضخامة الشفتين وبروزهما، غزارة شعر الرأس والجسم،والطول المفرط للذراعين،، واستعمال اليد اليسرى وضخامة الكفين.

كما يتميز المجرم بصفات نفسية مختلفة عما هو موجود لدى الانسان لعادي ومنها: القسوة البالغة وعنف المزاج وحب الشر، انعدام الاحساس بالالم والميل الى الوشم، اللامبالاة وعدم الشعور بتأنيب الضمير وعدم الحياء.

وبالاضافة إلى تلك الصفات العامة وقف لومبروزو على بعض الملامح العضوية التي تميز بين المجرمين.

فالمجرم القاتل يتميز بضيق الجبهة، وبالنظرة العابسة الباردة، وطول الفكين وبروز الوجنتين، بينما يتميز المجرم السارق بحركة غير عادية لعينيه، وصغر غير عادي لحجمهما مع انخفاض الحاجبين وكثافة شعرهما وضخامة الانف وغالباً ما يكون أشولاً.

ومع الانتقادات الكثيرة التي وجهت لنظرية لومبروزو فانه سيبقى المؤسس والرائد الأول لعلم الانتروبولوجيا الجنائية.

2ـ ارنست هوتون والانحطاط الجسماني

اعتمد الاستاذ هوتون على علم الاحصاء لدراسة الاجرام،وكان موضوع الدراسة طيف واسع من المجرمين وغير المجرمين موزعين على ثمان ولايات امريكية، وراعى في اختيارهم التماثل نسبياً من حيث الظروف،وكانت العينة محل الدراسة مكونة من (13873) من السجناء، اما الجماعة الضابطة (معيار المقارنة) فتكونت من (3230) انتقاهم هوتون من بين طلبة الجامعات ورجال الاطفاء والشرطة والمرضى الراقدين في المستشفيات، من البيض والسود، واستمرت الدراسة حوالي تسع سنوات.

وخلاصة ما توصل اليه، ان المجرمين يختلفون عن الناس الطبيعين اختلافاً واضحاً في مقاسات اعضائهم الجسمانية، وان مظاهر الشذوذ الجسماني هذه تشابه علامات الرجعة التي قال بها لومبروزو، كما انهم يختلفون في الملامح الخارجية، مثل شكل الانف والاذن والشفة والجبهة ولون العين.

فضلاً عن اتصاف المجرمين بانحطاط جسماني حدده هوتون بـ (107) صفات ترجع اساساً الى العوامل الوراثية. وقرر هوتون، ان لهذا الانحطاط والشذوذ البدني اهميته البالغة في تبرير السلوك الاجرامي لانه علامة الانحطاط العقلي.

واعطى هوتون اهمية خاصة للمقارنة بين طوائف المجرمين حسب نوع الجريمة المرتكبة، وانتهى الى ان كل طائفة تتميز بنوع من الشذوذ البدني تمثل الميل الى ارتكاب نوع معين من الجرائم وهكذا فان الشذوذ والانحطاط الجسماني لدى القاتل هو غيره لدى السارق وعلى النحو الاتي:

ـ ان طوال القامة ضعاف الجسم يميلون الى ارتكاب جرائم القتل وجرائم النهب.

ـ ان طوال القامة ضخام الجسم يميلون الى ارتكاب جرائم الغش والخداع.

ـ قصار القامة ضخام الجسم يميلون الى ارتكاب الجرائم الجنسية.

3ـ فرويد والذات الدنيـا:

سيكموند فرويد، عالم وطبيب نمساوي (1856ـ1939) اهتم بدراسة علم الاعصاب، اتصف بالذكاء الشديد الذي دلت عليه براعته الفائقة في عرض افكاره واستنتاجاته. واثرت افكاره وما برحت تؤثر في نفوس عدد كبير جداً من العلماء والباحثين في نطاق المعمورة ودافعوا عنها بكل قوة كلما تعرضت للنقد والتجريح.

ومن اهم مؤلفاته (مدخل الى التحليل النفسي)، (نظرية الاحلام)، (افكار لازمنة الحرب والموت)، (الاضطراب النفسي في الحياة اليومية).

يذهب فرويد الى ان الكيان النفسي للانسان يتكون من ثلاث اقسام هي الذات الدنيا والذات والذات العليا.

الذات الدنيا: وتمثل الجانب الشهواني من النفس الذي يضم الغرائز والاحاسيس والنزعات الفطرية الموروثة من الانسان البدائي الاول. وهذه الذات، بما تتضمنه من ميول ورغبات كالرغبة في الانتقام وتعذيب الخصوم والاعتداء والافعال الجنسية المحرمة، لا تتوافق مع النظام الاجتماعي المتطور وقيمه في الحياة المدنية المعاصرة.لذلك فان الانسان المعاصر يبقيها مكبوتة في اعماق نفسه بحكم عوامل التربية الاخلاقية التي تتطلب منه الخضوع لقيم ومعايير المجتمع السائدة.

غير ان هذه الغرائز المكبوتة تظهر للسطح كلما تهيأت لها ظروف واحوال ملائمة، فيكون ظهورها اما ظهوراً صريحاً او ظهوراً مقنعاً، بحثاً عن فرصة ذاتية للاشباع.

ويذهب فرويد الى ان الاحـلام تجسد الظهور بشكله المقنع للميول البدائية، وتعبر عن الرغبات المكبوتة في اعماق النفس، كالحب او الكراهية.

وعلى هذا التصور فان حالة النوم الطبيعي تقدم لنا مثلاً رائعاً عن مرونة الحياة العقلية وعن طريقها يمكن ان نفسر الارتداد في حياتنا الانفعالية الى احدى المراحل السابقة للتطور فيكون الحـلم ممثلاً للحياة النفسية اثناء النوم ومن ثم يكون موضوعا للتحليل النفسي.

ووفقاً لتصور فرويد فان الذات الدنيا هي العالم الذاتي الحقيقي الذي يحرص على بلوغ اللذة والابتعاد عن الألـم.

الذات (النفس): وتجسد الجانب الواعي الذي ينسجم مع الواقع والعقل.

وتتصل الذات بالجانب الاجتماعي فتكون وظيفتها القيام بدور وسيط مهمته تحقيق التكييف او التوافق بين الميول والنزعات الغرائزية ولاسيما الجنسية منها من جهة وبين القيم الاجتماعية والاخلاقية والدينية والقانونية من جهة اخرى.

وفشل الذات في وظيفتها هذه قد يؤدي الى انفلات شهوات النفس البدائية من مكامنها بما يتعارض تماما مع تلك القيم، او يؤدي الى التسامي بالنشاط الغريزي عن طريق الابقاء عليه مكبوتاً فيما وراء الشعور.

ويُشبه فرويد الذات بالفارس، ويُشبه الذات الدنيا بالفرس الجامح، فمهمة الفارس كبح جماح الفرس والسيطرة عليها، والا انساق معها نحو الاخطار والاهوال.

الذات العليا: وتمثل ضمير الانسان والجانب المثالي من الحياة النفسية، وفيه تكمن المباديء العليا والقيم السامية التي اكتسبها الانسان اثناء طفولته من والديه ومعلميه ورجال الدين ومن اعتبرهم مثالا يحتذى به اثناء مراحل حياته ومن القيم الاخلاقية والدينية.

والضمير مصدر ردع قوي للشهوات ومنه يستمد العقل القوة اللازمة لضبط الميول والنزعات والغرائز البدائية. 

فوظيفة الضمير مراقبة العقل ومحاسبته عن اي توجه نحو اشباع النزعات بطريقة بدائية ويرشده الى الطريق المتزن لاشباع هذه الرغبات بطريقة مشروعة تتفق مع القيم السائدة، وفي ضوء ما تقدم يرى فرويد ان تآلف وتفاعل الذات الدنيا والذات والذات العليا يحقق الاتزان الداخلي الذي يكون من سمات الشخص الاعتيادي.

الا ان هذا التفاعل لا يتحقق بسهولة فقد ينجم عن تفاعلهما حالة من الصراع وعدم الانسجام مما يؤدي بالفرد الى ارتكاب سلوك مخالف لنظام المجتمع وقيمه السائدة يتمثل في السلوك الاجرامي. فالسلوك الاجرامي هو اما نتيجة عجز الجانب العقلاني (الذات) عن اداء وظيفته، واما نتيجة انعدام الجانب المثالي، ومن ثم تقع الجرائم اما عن طريق انفلات الغرائز والميول الشهوانية، واما عن طريق العقد النفسية التي تُكبت في الجانب اللاشعوري من العقل وتقوم بتوجيه سلوك الانسان وجهة اجرامية دون وعي او ادراك منه. وقد تجرف الذات الدنيا بتيارها الذات وتسخرها لتنفيذ رغباتها ونزعاتها الطائشة.

ويعطي فرويد امثلة عن الخلل والاضطراب الذي يصيب الكيان النفسي نتيجة عجز الضمير والعقل عن اداء وظيفتهما، ومن هذه الامثلة عقدة اوديب وعقدة الذنب.

عقدة اوديب: تتسم العلاقات العاطفية لدى جميع الافراد بنظر فرويد بالازدواج، اي مشاعر الحب والكراهية تجاه الشيء الواحد في نفس الوقت. وحينما يبلغ الطفل مرحلة السادسة من العمر مجتازاً مرحلته الجنسية الذاتية تتجه ميوله نحو اول كائن يؤثر فيه وهو امه ويحرص على ان لا يشاركه احد في حبها وان تبقى خالصة له الا ان امنيته هذه تصطدم بعقبة كبيرة تنافسه في حب امه هي الاب، فيتولد لديه نوع من الغيرة والانانية فيبدأ بكراهيته وعدم الشعور بالراحة عند وجوده مع رغبة شديدة في التخلص منه. الا ان هذه الرغبة تصطدم بنزعة معاكسة لها وهي شعور الطفل بحب ابيه وعطفه وحنانه ورعايته فينشأ في نفس الطفل نوعين متناقضين من الرغبات تجاه الاب هي مشاعر الكراهية والحب. وان لم تقم الذات (العقل) في تكييف هذا الازدواج مع القيم الاجتماعية وذلك بتغليب شعور الحب نحو الاب فان عقدة نفسية خطيرة ستستقر في جانب اللاشعور من عقل الطفل تسمى عقدة اوديب.

ولهذه العقدة اثار سيئة منها، انعدام القدرة على تكوين التوازن النفسي والتكييف الاجتماعي وبالتالي الاتيان بسلوك شاذ.

كما ان البغض اللاشعوري تجاه الاب يولد في نفس الابن شعور بالكراهية تجاه ممثل كل سلطة كالمعلم والمدير ورئيس الدولة وكل جهة سلطوية او رقابية، ويميل الى انتهاك القوانين والانظمة المرعية رسمية كانت ام غير رسمية.

ومن مظاهر عقدة اوديب ان المصاب بها يتعرض لصدمة عنيفة قد تتطور الى انهيار نفسي عند وفاة امه.

ويرى بعض علماء الطب النفسي المعاصرين، انه ينبغي على الوالدين الا يظهرا مشاعر الحب المتبادل امام الاطفال، وانه اذا كان لابد من ذلك، فيجب ان يشركا الاطفال في هذا الوجدان. 

عقدة الذنب: تتحقق عقدة الذنب عندما يطغى على الانسان شعور بالذنب والتقصير، بسبب مغالاة الضمير في تأنيب الذات نتيجة سيطرة استبدادية، فاذا ما غالى الوالدان في توبيخ الطفل ومعاقبته بقسوة فان من شان هذا التصرف الخاطيء من جانب الوالدين ان يسبب خللا كبيراَ في الجانب المثالي للطفل فيكون هذا الجانب قاسياً وصارماً في رقابته وتوجيهه للطفل بحيث انه يجعل من ابسط الهفوات والاخطاء في نظر الطفل خطايا كبيرة يستحق من اجلها العقاب الشديد وبالتالي يستأثر هذا الشعور المرضي بعقل الصغير ويسيطر على ملكاته ويرى فرويد ان شدة الشعور بالخطيئة قد يكون من اقوى البواعث على الاجرام لا نتيجة ارتكاب الجرم ذاته.

ومن جانب اخر فان هذه العقدة تصيب الانسان فتظهر عليه علامات الاضطراب النفسي نتيجة غياب الذات العليا فيرتكب سلوكاً شاذاً غيرمألوف وان لم يصل الى حد الجريمة، ثم يستعيد بعد ذلك الضمير قدرته على التوجيه والمحاسبة وهنا تنشأ عقدة الشعور بالذنب والخطيئة لديه.

ان هذا الشعور يضغط على صاحبه بالتأنيب المستمر ولا يستطيع منه فكاكاً ولا يتمكن من التخلص من هذا الشعور الا اذا عرض نفسه للمتاعب وقد يرتكب الجريمة ليثير نقمة المجتمع عليه ولا تهدأ نفسه الا اذا نال الجزاء المناسب.

4ـ بونجيه والعامل الاقتصادي

يذهب الاستاذ والعالم الهولندي وليم ادريان بونجيه (1876ـ 1940) استاذ علم الاجتماع في جامعة امستردام

الى ان الجريمة هي نتاج العوامل الاقتصادية السائدة في المجتمع الرأسمالي.

ويبدو تأثر بونجيه واضحاً بافكار كارل ماركس وسذرلاند، حيث يرى ماركس ان كل الظوهر السلبية التي تظهر في المجتمع ومنها ظاهرة الجريمة ترجع اساساً الى الخلل الذي يصيب النظام الاقتصادي السائد، ذلك ان نظام الانتاج الاقتصادي يتحكم في نواحي الحياة كافة ومنها النشاط الانساني المكون للسلوك الاجرامي، وان مظاهر الخلل تصيب المجتمع الرأسمالي بسبب طبيعة العلاقات الاقتصادية السائدة وان اصلاح المجتمع كله يتأتي من اصلاح هذا النظام.

بينما يرجع الاستاذ سذلارند السلوك الاجرامي الى الانقلاب الحاصل في القيم والمفاهيم بعد الثورة الصناعة حيث انصب الاهتمام على جمع المال وتكنيزه باية وسيلة وبدون مشقة لتحقيق الرفاهية والسعادة، بحيث ان المال والثروة اصبح يعني القيمة الاجتماعية العالية والادخار فضيلة من الفضائل في حين ان الفقر يعني المذلة والمهانة وقد ادى هذا الانقلاب في المفاهيم والقيم الى زيادة الظاهرة الاجرامية اذ انصب الاهتمام على جمع المال وكنزه اكثر من الاهتمام بطريقة كسبه. فالتاجر في النظام الراسمالي يسعى لبيع سلعته باعلى ربح ممكن حتى لو حصل عليها بابخس الاثمان ويتبع في سبيل ذلك كل الوسائل غير المشروعة كالغش والتزوير والاحتيال والبلاغ الكاذب للصمود امام منافسيه بل وتشويه سمعتهم لازاحتهم عن طريقه لتخلو له الساحة، والافعال المتقدمة ما هي الا جرائم. 

وفي ضوء ذلك يذهب بونجيه الى ان ضغط النظام الاقتصادي الراسمالي على سلوك افراد المجتمع يرتب اثاراً سيئة على ذلك السلوك ومنها الانانية والشعور بالحقد مما يدفع البعض الى ارتكاب الجريمة.

فكل فرد حسب بونجية يكتسب غرائز اجتماعية، ان لاقت ظروفاً اجتماعية صالحة ترسخت في الفرد الغرائز الجيدة مما يعني استبعاد الغرائز الفردية المتسمة بالانانية مما يجعل من سلوكه متسماً بالمحبة والسعي لفعل الخير، بينما اذا لاقت ظروفاً سيئة تأكدت لدى الفرد مشاعر الحقد والانانية ومن ثم تجرف صاحبها نحو الشر والجريمة.

ويقرر بونجيه في النهاية بان الظروف الاقتصادية غير الملائمة للنظام الراسمالي بما تفرزه من فروق اجتماعية واسعة من شأنها ان تثير الحقد والانانية لدى الطبقة العاملة ضد طبقة الرأسماليين ومن ثم يندفع بعض افراد الطبقة العاملة، تعبيراً عن هذه الغرائز الفردية، نحو طريق الشر والجريمة.

5ـ دي توليو والاستعداد الاجرامي

يرى الاستاذ والعالم الايطالي دي توليو (di Tullio.B) أن السلوك الإجرامي لا يمكن تفسيره بارجاعه إلى سبب واحد، كالتكوين البيولوجي او النفي او العامل الاجتماعي او الاقتصادي كلا على انفراد، بل ان اتحاد هذهالعوامل هو الذي يفسر السلوك الاجرامي. واساس نظريته في تفسير السلوك الاجرامي قائم على فكرة التكوين الاجرامي اي الاستعداد الفطري لارتكاب الجريمة وهو ـ حسب وجهة نظره ـ ما يميز المجرم عن غيره من الناس الاسوياء.

فقد ذهب دي توليو الى تصنيف المجرمين على أساس أن الجريمة هي نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الداخلية

(البيولوجية) مع مجموعة من العوامل الخارجية (العوامل الاجتماعية).

ولذلك يذهب دي توليو الى أن هناك أفراد لديهم ميل أو إستعداد جرمي لا يتوافر لدى الاخرين ويستدل توليو على ذلك بالقول ان محفزاً او مؤثرا خارجيا واحدا قد يواجه شخصين الا ان ردة فعل كل منهما تختلف عن الاخر فقد يكون وقعه على احدهما شديداً مما يدفعه الى ارتكاب الجريمة بينما يتصرف الاخر باتزان ويحجم عن ارتكاب الجريمة. فهذه المؤثرات تكون بمثابة محفزات للنزعة الاجرامية الموجودة اصلاً، وترتبط هذه النزعة لديهم بتكوينهم الجسمي والنفسي الخاص مما يميزهم عن الانسان العادي.

وفي ضوء هذا التصور قسم دي توليو الإستعداد الاجرامي من حيث مدى تأثير الاسباب التي تدفع الى ارتكاب الجريمة الى نوعين، الاستعداد الاجرامي العارض والاستعداد الاجرامي الاصيل.

النوع الأول منهما يرجعه الى عوامل إجتماعية وشخصية تكون اقوى من قدرة الجاني على ضبط توازن مشاعره فيخلق لديه استعداد عارض او فجائي يحرك عوامل الجريمة لديه واطلق عليه دي توليلو اسم (المجرم بالصدفة او العاطفي) وهو ذلك الشخص الذي يقع في الجريمة تحت تأثير ضغط ظرف استثنائي خارجي مع توفر بعض العوامل الداخلية الخاصة، اذ يصدر الفعل الجرمي عنه عرضا نتيجة لظرف خارجي كالبطالة والازمات الإقتصادية والهجرة او حالة نفسية طارئة كالاستفزاز الخطير او الانفعال الشديد كاليأس والحقد والشعور بالحيف الاجتماعي، مما يخل بتوازن المانع من الجريمة مع الدافع اليها، ويؤدي ذلك الى تغليب الدافع على قوة المانع لديه فيترتب على ذلك احتمال ارتكابه للجريمة.

وعلى هذا فان الاجرام بالصدفة يرجع أساسا إلى ظروف خارجية تحيط بالمجرم فضلا عن ظروف شخصية...، على أن العوامل الخارجية او النفسية الطارئة هذه لا تقلل من اهمية العوامل الداخلية لدى المجرم، إذ ليس كل من يتعرض لظروف إجتماعية قاسية او ظروف نفسية طارئة يرتكب جريمة.

اما النوع الثاني فيرجعه إلى التكوين الفطري للانسان من الناحيتين الجسمانية والنفسية، وهذا هو الاستعداد الاجرامي الاصيل الذي يدفع الى ارتكاب الجرائم الخطرة واحتراف الاجرام. واطلق عليه دي توليو اسم (المجرم بالعادة أو بالتكوين)، وهو الشخص الذي يعاني من نقص في تكوينه، كالنقص الجسماني أو الخلل في الجهاز العصبي فان تاثير الحالة التكوينية على سلوكه يكون اكثر تاثيراً من الظروف الاجتماعية. ذلك ان المجرم بالعادة يتميز بتوافر ميل داخلي أو تكويني في شخصيته يدفعه الى الاجرام، ففي هذه الحالة تتضاءل المقاومة أو قوة المانع تضاؤلا جسيما امام قوة الدافع مما يخلق لديه ميلاً دائما الى ارتكاب الجريمة.

ويبدو واضحاً ان المجرم بالعادة او بالاصالة يكون اشد خطراً من المجرم بالصدفة، لان المجرمين بالاصالة يتسمون بالعود الى ارتكاب الجريمة واحتراف الاجرام ولا يردعهم عقاب من ارتكاب الجريمة والعود اليها بالنظر لاتصاف استعدادهم الاجرامي بالثبات

تعليقات