القائمة الرئيسية

الصفحات

الطب الشرعي والأدلة الجنائية

الطب الشرعي والأدلة الجنائية




بسم الله الرحمن الرحيم

إن للطب الشرعي أهمية بالغة في التأثير على القرار القضائي في المادة الجزائية ويظهر ذلك جليا على مستويين:
- التكييف القانوني للوقائع.
- إقامة الدليل.
وتناولنا في هذا العرض وبصفة موجزة هذا الموضوع وفقا للخطة التالية:
المحور الأول: دور الطب الشرعي في التكييف القانوني للوقائع.
1 – الوفاة.
2 – الجروح.
3– الاعتداءات الجنسية.
المحور الثاني: دور الطب الشرعي في إقامة الدليل.
1– تحقيقات الشرطة القضائية.
2– التحقيق القضائي.
3 – المحاكمة.

==============================================================

46-المحور الأول: دور الطب الشرعي في التكييف القانوني للوقائع:



إن للطب الشرعي دور كبير في تشخيص الجريمة، وفي تحديد الفعل الإجرامي ونتائجه، لذلك فإنه يؤثر بصفة مباشرة على تحريك الدعوى العمومية من طرف النيابة وعلى التكييف القانوني للوقائع ويظهر ذلك جليا في حالة الوفاة وفي الجروح بمختلف أشكالها ومسبباتها، وفي الجرائم الجنسية وسنتناول فيما يلي هذه المواضيع بشيء من التفصيل.
===============================================================
47-الوفاة:

- يعرف الموت على أنه توقف الأعمال الحيوية للجسم المتمثلة في التنفس ودوران الدم وعمل الجهاز العصبي، فيصبح من غير الممكن إعادة هذه الأجهزة للعمل بشكل تلقائي، وغالبا ما تكون الوفاة طبيعية من دون عنف ناتجة عن كبر أو مرض، وقد تكون نتيجة عنف من دون أن يكون هذا العنف عمل إجرامي كالحادث (Accident ) أو نتيجة انتحار الشخص أي وضع الشخص حد لحياته بصفة إرادية، وقد تكون نتيجة عمل إجرامي.
- العمل الإجرامي قد يكون ظاهرا وتسهل معاينته على الجثة كالذبح وبعض الجروح العميقة كما قد يكون غير ظاهرا كالتسمم والجروح الداخلية، وللطبيب الشرعي دور كبير في تحديد أسباب وظروف الوفاة، وبالتالي له دور في التأثير على تحريك الدعوى العمومية وتوجيهها في حالة الوفاة و لما كان الأمر كذلك نصت المادة 62 من قانون الإجراءات الجزائية على أنه في حالة العثور على جثة شخص وكان سبب الوفاة مجهولا أو مشتبها فيه سواء كانت الوفاة نتيجة عنف أو بغير عنف ينتقل وكيل الجمهورية إلى المكان إذا رأى لذلك ضرورة ويصطحب معه أشخاصا قادرين على تقدير ظروف الوفاة.

- الأفعال الإجرامية التي تسبب الوفاة قد تشكل جريمة القتل العمدي المنصوص عليها في المادة 254 من قانون العقوبات وهو إزهاق روح إنسان عمدا أو قد تشكل جريمة القتل الخطأ المنصوص عليها في المادة 288 من قانون العقوبات أي دون توافر نية القتل عند الفاعل بل يتسبب في ذلك نتيجة رعونة أو عدم احتياط أو عدم انتباه أو عدم مراعاة الأنظمة، وقد تقترف جريمة القتل العمدي بسبق الإصرار أو الترصد (المادة 255 من قانون العقوبات)، وقد يكون الفعل الإجرامي ضربا وجروحا عمدية أدت إلى الوفاة دون قصد إحداثها (المادة 264/4 من قانون العقوبات)، وقد يكون ضحية القتل أصول الفاعل أو طفلا حديث العهد بالولادة (المادتين 258 و259 من قانون العقوبات).
كما قد يكون الفعل الإجرامي المسبب للوفاة هو التسمم والذي لا يمكن كشفه بالعين المجردة، وعرف التسمم في المادة 260 من قانون العقوبات على أنه اعتداء على حياة إنسان بتأثير مواد يمكن أن تؤدي إلى الوفاة عاجلا أو آجلا وتعتبر الجريمة تامة حتى وإن لم تحدث الوفاة.
- في الحالات المذكورة أعلاه فإن الخبرة الطبية الشرعية تساعد في تشخيص الجريمة وتحديد التكييف القانوني وذلك استنادا إلى معطيات موضوعية يستنتجها الطبيب الشرعي بفحص المكان الذي وجدت فيه الجثة، وبفحص الجثة وفتحها ومعاينة الجروح وعددها، ومواضعها مما قد يساعد على معرفة سبب الوفاة إن كان قتلا أو انتحارا ومعرفة النية الإجرامية للقاتل واستنتاج عنصر الإصرار كما أن التحاليل المخبرية المتممة قد تساعد في إقامة الدليل العلمي عما سبب الوفاة وكشف جرم التسمم مثلا ومن ثمة تحريك الدعوى العمومية.
==============================================================

48-الجروح:


- الجروح هي انفصال في الجسم نتيجة عنف أو صدام وتشمل من الناحية القانونية كذلك الكدمات والسحجات والكسور والحروق، والجروح قد تكون بسيطة وتلتئم خلال بضعة أيام وقد تكون خطيرة تطول مدة التئامها وقد تتسبب في عاهات دائمة كما قد تكون الجروح مميتة، والجروح من الوجهة الطبية الشرعية تختلف حسب الوسائل المستعملة في إحداثها وتتمثل في:

- السحجات ( erosion . excoriation . egratignure ): التي تحدث نتيجة احتكاك الجلد بسطح خشن مما يؤدي إلى تلف الطبقة الخارجية وتختلف السحجات حسب مسبباتها (أظافر، حبل، اصطدام).
- الكدمات ( echymoses ): وتتمثل في تمزق الأوعية الدموية، والأنسجة تحت الجلد وتسببها أداة صلبة.
- الجروح الرضية ( plaies contuses ): ويصاحب هذا النوع من الجروح انكسار في العظام وتمزق في الأحشاء وينتج عن الاصطدام بجسم صلب ( حوادث السيارات، السقوط ) أو بسبب التمدد المفرط.
- الجروح بأداة قاطعة المفتوحة (plaies par instruments tranchants): وتسببها أداة قاطعة ( سكاكين، قطع الزجاج ).
- الجروح الطعنية (plaies par instruments tranchants-piquants):وتسببها آلة ذات رأس مدبب وقاطع في نفس الوقت أو دون أن يكون قاطعا وتسمى جروح وخزية.
- الكسور ( Fractures ): التي هي من الناحية القانونية جروح.
يظهر مما تقدم أن الجروح تختلف حسب الأداة المستعملة لإحداثها كما تختلف عواقب الجروح المحدثة في جسم الإنسان وتبعا لذلك تختلف العقوبات التي يفرضها القانون على مسبب الجروح وإن تشخيص الطبيب الشرعي للجروح وتحديد نسبة العجز يؤثر بصفة مباشرة على التكييف القانوني وعلى نوع الجريمة، أي مخالفة أو جنحة أو جناية حسب التقسيم العام للجرائم الوارد في المادة 27 من قانون العقوبات.
ونصت الفقرة الثالثة من المادة 264 من قانون العقوبات على عقوبة جنائية في حالة ما إذا أدت أعمال العنف إلى فقد أو بتر إحدى الأعضاء أو الحرمان من استعماله أو فقد البصر أو فقد أبصار إحدى العينين أو أية عاهة مستديمة أخرى، وإن الاجتهاد القضائي يعتبر العاهة الدائمة هو فقد أي عضو أو فقد منفعته جزئيا أو كليا.

ويستعين القضاء بالأطباء لإثبات وجود العاهة وتحديد نسبة العجز الجزئي الدائم بالرجوع إلى مقدار النقص الوظيفي الذي تركته العاهة الدائمة.

ويتابع بجنحة الجروح الخطأ المتسبب للغير برعونته أو عدم احتياطه في مدة عجز مؤقت عن العمل تتجاوز ثلاثة أشهر (المادة 289 من قانون العقوبات)، ويتابع بجنحة الضرب والجروح العمدية من أحدث عمدا جروحا للغير تسبب له مدة عجز مؤقت عن العمل تزيد عن 15 يوم (المادة 264/1 من قانون العقوبات).
- وتعد مخالفة إذا كانت مدة العجز تساوي أو تقل عن 15 يوم بشرط أن لا يكون هناك سبق إصرار أو ترصد (المادة 442/1 من قانون العقوبات)، فإذا كان هناك سبق إصرار أو ترصد أو حمل أسلحة فإن المتسبب في جروح للغير يتابع بجنحة بغض النظر عن مدة العجز (المادة 266 من قانون العقوبات).
===============================================================

49-الإعتداءات الجنسية:


- لقد نص قانون العقوبات على جريمة هتك العرض (
 في المادة 336 من قانون العقوبات ومن عناصر جريمة هتك العرض وقوع الجماع بإدخال العضو التناسلي في فرج الضحية، ونص على الفعل المخل بالحياء في المواد 334 و335 من قانون العقوبات والفعل المخل بالحياء قد يكون بعنف ضد بالغ أو قاصر أو دون عنف على قاصر، وقد يكون ضد ذكر أو أنثى.

- في مثل هذه الجرائم كثيرا ما يطلب من الطبيب الشرعي فحص الضحية لبيان صحة وقوع الاعتداء وبالتالي قيام الجريمة، وهكذا في جريمة هتك العرض (الاغتصاب) فإن تمزق غشاء البكارة عند وجوده وما يرفق ذلك من نزيف دموي هو العلامة الرئيسية التي تساعد على تشخيص هتك العرض ولو أن غشاء البكارة لا يتمزق دائما عند الإيلاج كما قد يترافق هتك العرض أو الفعل المخل بالحياء بدفق منوي سواء في مهبل المرأة أو على ثياب وجلد الضحية، ويبحث الطبيب الشرعي كذلك على علامات عامة ناتجة عن مقاومة الضحية للفاعل، ونستدل على عدم رضا الضحية بظهور هذه العلامات على شكل كدمات أو سحجات أو خدوش، كما أن الوطء الشرجي يترك علامات تدل على إيلاج القضيب في الشرج.

- إن فحص الطبيب الشرعي للضحية وبحثه عن العلامات المذكورة أعلاه يساعد في إثبات الركن المادي للجريمة بإقامة الدليل العلمي وقد يطلب من الطبيب تشخيص الحمل الذي يدل على وقوع الفعل الجنسي، وفي حالات أخرى فإن تشخيص الوضع وتقدير المدة التي مضت على الولادة قد يهم القضاء، وقد يحدث وأن تجهض المرأة وتتخلص من محصول الحمل دون سبب صحي وهي جريمة معاقب عليها ( المواد من 304 إلى 310 من قانون العقوبات ). 

- وتشخيص الإجهاض قد تكون نقطة الإنطلاق لكشف جرائم جنسية إذ أن الضحية لا تتقدم دائما بشكوى في مثل هذه الجرائم فقد تكون قاصرة والإجهاض هنا هو الدليل على وقوع الفعل الجنسي، كما قد يساعد في كشف جرائم جنسية أخرى كالفواحش (المادة 337 مكرر من قانون العقوبات ).

المحور الثاني: دور الطب الشرعي في إقامة الدليل

إن الدليل في المادة الجزائية يكتسي طابعا في منتهى الأهمية، ذلك أنه يتوقف عليه إدانة المتهم أو تبرئته ومهمة جمع الدليل وتمحيصه من اختصاص الشرطة القضائية وجهات التحقيق القضائي ( قاضي التحقيق، غرفة الاتهام، جهات الحكم بمناسبة التحقيق التكميلي )، ونظرا لما يقدمه الطب الشرعي في هذا المجال وعلى مستوى تحقيقات الشرطة القضائية والتحقيق القضائي والمحاكمة فإننا سنتعرض في هذا المحور إلى ما يقدمه هذا العلم في كل مرحلة من هذه المراحل وكذا القيمة القانونية لما يقدمه وقبل ذلك يستوجب علينا أولا تحديد ماهية الدليل الطبي الشرعي ؟ 

لم يورد المشرع الجزائري حصرا لأدلة الإثبات في المادة الجزائية عموما، غير أنه أورد أحكاما تخص صدقية الدليل Loyauté de la preuve، وتتعلق بتنظيم أساليب إقامة الدليل الطبي الشرعي لحماية حقوق المجتمع والفرد من التجاوزات في البحث عن هذا الدليل وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى عدم نص المشرع الجزائري على آليات لإلزام الأطراف بالخضوع إلى أخذ عينات طبية شرعية لا سيما العينات الجينية Les prélèvements génétiques.

ويمكن القول بأن قانون الإجراءات الجزائية نظم بالتفصيل أحكام الخبرة كما أشار سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة إلى التقارير الطبية الشرعية لا سيما تقرير تشريح الجثة وتقارير المعاينات المادية إضافة إلى الشهادات الطبية الوصفية وتلك المتعلقة بتحديد مدة العجز عن العمل الذي أشار إليها قانون العقوبات.
وفيما يلي سنتطرق إلى القيمة القانونية للدليل الطبي الشرعي عبر كامل مراحل الإجراءات الجزائية.
===============================================================

50--تحقيقات الشرطة القضائية:



يكتسي في هذه المرحلة الدليل الطبي الشرعي أهمية بالغة بالنظر إلى المرحلة المبكرة التي يجمع فيها (مباشرة بعد وقوع الجريمة)، ونظرا للطابع المؤقت لبعض الأدلة الطبية الشرعية القابلة للزوال أو التغير بالزمن ( إجراء أخذ العينات المنوية على ثياب أو جسم الضحية أو في حالة رفع الجثة ووضعيتها وبعض الآثار الموجودة في مكان الجريمة ).
ويساعد الدليل الطبي الشرعي أولا على إثبات وقوع الجريمة وظروف وقوعها، وثانيا على إثبات نسبتها إلى شخص أو نفيها عنه، إضافة إلى تحديد هوية الضحية في بعض الحالات.

ويجب التمييز في هذه المرحلة بين حالتين:
===============================================================
51-حالة الأولى: التحقيق الأولي 

enquête préliminaire:وهي الحالة التي يتلقى فيها ضابط الشرطة القضائية الشكاوى والبلاغات عن وقوع جرائم ( سواء مباشرة أو عن طريق وكيل الجمهورية ) المواد 12، 17 من قانون الإجراءات الجزائية. فيقوم بإجراءات البحث والتحري وله في هذه الحالة الاستعانة بالأدلة الطبية الشرعية، علما أن المشرع الجزائري لم ينص صراحة على هذه الإمكانية، واكتفى بالنص على جمع الأدلة والبحث عن مرتكبي الجرائم، كما لم يحدد إجراءات جمع الإستدلالات التي تترك لتقدير رجال الضبط القضائي حسب ظروف كل جريمة بضمانات الوجاهية والتي تسمح للمشتبه فيه أو الضحية بمناقشة طريقة تعيين الخبير ونتائج خبرته بالمطالبة مثلا برده أو باللجوء إلى الخبرة المضادة وبالخصوص عندما يكون الدليل الطبي الشرعي يتسم بالطابع المؤقت كما رأينا أعلاه، وهي الحالة التي لا يمكن تداركها على مستوى التحقيق القضائي.
===============================================================

52--لحالة الثانية: الجريمة المتلبس بها: قد تكتشف 
الجريمة فور وقوعها أو بعد ذلك بوقت قصير وخلافا للأحكام التي تنظم التحقيق الأولي وبصفة استثنائية فقد نص المشرع على إعطاء صلاحيات أوسع لضابط الشرطة القضائية في ميدان البحث والتحري عن الأدلة التي تقترب من صلاحيات القاضي المحقق وهذا بالنظر إلى الظروف الخاصة التي تحيط بالجريمة ورد فعل المجتمع الذي يتطلب سرعة التدخل والحفاظ على الأدلة، وفي هذا الإطار نص المشرع الجزائري صراحة بموجب أحكام المادة 49 من قانون الإجراءات الجزائية أنه لضابط الشرطة القضائية حق الاستعانة بالخبراء في المجال الطبي الشرعي على أن يؤدوا اليمين.

وهي نفس الصلاحيات التي يتمتع بها ضابط الشرطة القضائية في حالة ندبه من قبل وكيل الجمهورية عند العثور على جثة شخص وكان سبب الوفاة مجهولا أو مشتبها فيه ( المادة 62 من قانون الإجراءات الجزائية ).
وفي الأخير تجب الملاحظة بأن المشرع الجزائري لم يحدد إجراءات البحث عن الدليل الطبي الشرعي ولم يحطه بضمانات، كما لم يجعل لهذا الدليل رغم ما يتميز به من دقة وموضوعية قيمة قانونية تسموا عن باقي الأدلة الأخرى ( شهادة شهود، اعتراف … إلخ).
الطب الشرعي في التحقيقات الجنائية
إن مقتضيات العمل في هذا المجال ليست متعلقة فقط بالطبيب الشرعي المتخصص، بل أيضاً بكافة الأطباء ومن يعملون في الحقل الجنائي، مثل ضابط الشرطة، والمحقق الجنائي، وضابط مسرح الحادث، وخبراء الأدلة، وسائر الخبراء الفنيين.
إن التحريات والتحقيقات لن تكون سليمة تماماً أو مجدية، إلا إذا كان فريق البحث والتحقيق الجنائي ملماً بأساسيات ومبادئ علم الطب الشرعي والأدلة التي تساعدهم على معرفة دور كل منهم، وكذلك دور ومكانة الطبيب الشرعي في التحقيقات الجنائية، وبذلك لا تتداخل ولا تتعارض الأدوار عند التعامل مع القضايا المختلفة، ونتجنب بعض المشاكل التي قد تحدث من تدخل البعض من غير ذوي الاختصاص في عمل الآخرين.
الطبيب الشرعي هو الطبيب الذي يستعان بمعلوماته وخبراته الطبية الشرعية لخدمة العدالة عن طريق كشف غموض الجانب الطبي من القضايا المختلفة، التي تعرض عليه، ويعتبر شاهداً فنياً محايداً أمام الهيئة القضائية التي قامت باستدعائه، وعلى الطبيب الشرعي أن يضع في اعتباره أنه لا يعمل لحساب أي جهة، ضماناً للحيدة وتحقيقاً للعدالة.
إن الأدلة المستخدمة في إثبات الأمور الجنائية تتباين في أنواعها منها ما يقدمه الطبيب الشرعي ومنها مايقدمه المحقق الجنائي، وخبراء آخرون فنيون كلٌ في تخصصه، وكلما زاد مقدار التعاون وتم تبادل المعلومات التي يتوصل اليها كل طرف مع الآخر نجحوا في حل غموض الجرائم المعقدة، والتوصل الى الحقيقة الكاملة وتحقيق العدالة. وعند العثور والإبلاغ عن شخص أو أشخاص مطروحين على الأرض بلا حراك في مكان ما، واشتبه في الوفاة، فإنه تبدأ على الفور سلسلة من الاجراءات والاتصالات بجهات متعددة لغرض تحريك فرق بحثية متخصصة، وأخرى معاونة، الى هذا المكان (مسرح الواقعة-مسرح الحادث-أو مسرح الجريمة) لتحقيق الأهداف التالية:
الحفاظ على مسرح الحادث أو الجريمة ومنع العبث به أو بالجثة.
التأكد من حدوث الوفاة وتقديم واجب الاسعاف الأولي في حالة وجود أحياء، والعمل على سرعة نقلهم للمستشفى- فحص ومعاينة مسرح الحادث أو الجريمة- وضع الآثار المادية المختلفة من مسرح الحادث ومن الجثة
- تقدير وقت الوفاة مبدئياً
- وعلى هذا الأساس فإن الفريق الذي ينتقل لمسرح الحادث غالباً ما يتكون من:
ضابط شرطة: وهو أول من يبلغ عن الحادث عن طريق المبلغ، وعادة ما يصطحب معه طبيب الاسعاف للتأكد من حدوث الوفاة وتقديم الاسعاف الأولي في حالة وجود أحياء، وعلى الطبيب القيام بعمله بأقل قدر ممكن من تغيير وضع الجثة، أو محتويات مسرح الحادث، وإذا اشتبه الطبيب في أن الوفاة غير طبيعية يقوم بابلاغ الضابط ليتخذ اجراءاته على الفور، والاتصال بالمحقق الجنائي، وفي الحالات المشتبهة والواضح فيها الوفاة من البداية، يستغني عن طبيب الاسعاف بالطبيب الشرعي، ودور ضابط الشرطة الأساسي هو القيام بالتحريات اللازمة، ولابد أن يكون مع الضابط أحد الجنود المدربين لحراسة مسرح الجريمة، ومنع أي أحد من دخوله أو العبث به أو بالجثة، لحين وصول فريق التحقيق والبحث الجنائي وخبراء الأدلة، ويجب أن يكون جندي الحراسة على درجة كبيرة من الوعي والإدراك والتدريب، بحيث لا يضيف أي آثار من عنده مثل آثار الأقدام -بصمات أو أعقاب سجائر، أو يطمس أي آثار موجودة بمسرح الجريمة.
المحقق الجنائي: ويبلغ بالحالة في مراحل مبكرة من قبل الشرطة، وهو الذي يقوم بتشكيل فرق البحث بمسرح الجريمة وله سلطة التحقيق في القضية
-المصور الجنائي- خبير البصمات- ضابط مسرح حادث أو خبير أدلة جنائية
- الطبيب الشرعي- باقي الخبراء الفنيين يتم استدعاؤهم حسب نوع الجريمة فمثلا: خبير الأسلحة والمفرقعات في حالة الاصابات النارية - خبير الحرائق في حالة الحريق- خبير سموم (كيميائي طبي شرعي) في حالة التسمم- ضابط احراز- يمكن أن يرافق هذه المجموعة ما يسمى بـ(قصاص الأثر).
ويتولى المحقق الجنائي العمل في مسرح الحادث ويقوم بتوزيع الأدوار، فيسمح أولا بدخول المصور الجنائي، ثم خبير البصمات، ثم ضابط مسرح الحادث وخبراء الأدلة الجنائية، والطبيب الشرعي الذي يتعاون مع المحقق الجنائي، وضابط مسرح الحادث في فحص ومعاينة المكان ثم يقوم بفحص ظاهر الجثة، ويجب أن يقتصر فحص ظاهر الجثة على الآثار التي يحتمل ضياعها أثناء نقل الجثة الى المشرحة، ثم الشعر العالق باليدين وتدوين الملاحظات الخاصة بالملابس والتغيرات والرقبة والبقع الدموية، وأخذ الصور الفتوغرافية للاصابات الموجودة بالجثة عن طريق المصور الجنائي، ويترك باقي الفحوصات لاجرائها بالمشرحة، وبعد ذلك تنقل الجثة في حضور الطبيب الشرعي الى مشرحة الطبيب الشرعي بمعرفة المحقق الجنائي، ثم يقوم المصور بتصوير مكانها ويظل جندي الحراسة لتأمين الموقع، ويتم تشريح الجثة من قبل الطبيب الشرعي بعد أخذ الاذن من الجهات المختصة عن طريق المحقق الجنائي، وبعد ورود كافة النتائج والتقارير يقوم الطبيب الشرعي بكتابة تقريره وارساله للمحقق، فالقاضي الذي يساعده في القضية وتحقيق العدالة.
يجب أن يبدأ الطبيب الشرعي دوره حسب الترتيب الآتي: الاطلاع على ظروف القضية (الواقعة) أي الاطلاع على مذكرة الشرطة وتقرير المحقق، لمعرفة ظروف الحادث أو الاطلاع على أي تقارير طبية صادرة من المستشفى أو أشعات أو تحاليل طبية مع استعراض كامل لحالة المتوفي شاملاً نوع الجثة (ذكر أم أنثى)، والعمر، والجنسية، والديانة.
- التعاون مع المحقق الجنائي في فحص ومعاينة المكان الذي وجدت فيه الجثة (معاينة مسرح الجريمة- فحص وتشريح الجثة، وأخذ العينات اللازمة وارسالها الى معامل الياثولوجيا الطبية الشرعية)
- كتابة التقرير النهائي بعد ورود كافة النتائج ( نتائج المعامل الطبية الشرعية والمعامل الجنائية ومعامل الباثولوجي وارساله الى سلطة التحقيق، ومن ثم للقاضي الذي يساعده في اصدار حكمه العادل.
إن خبير التصويرالجنائي له الأولوية في الدخول الى مسرح الحادث ومهمته التقاط عدة صور عامة وتفصيلية لكل من: مسرح الحادث من مختلف الزوايا ومن مسافات مختلفة للجثة مع التركيز على المواضع الاصابية تحت اشراف الطبيب الشرعي كافة الآثار المادية في مواقعها التي وجدت عليها- العودة الى تصوير ظهر ومكان الجثة مرة ثانية، بعد رفع الجثة بواسطة الطبيب الشرعي.
أما بالنسبة لخبير البصمات فيبدأ عمله فور انتهاء المصور الجنائي من التقاط الصور، حيث يقوم بالبحث الدقيق عن البصمات ورفعها والاستعانة بالمصور في التقاط الصور الفتوغرافية، وبعد ذلك يقوم بمضاهاتها مع بصمات المشتبه فيهم، ويجب أن تؤخذ عدة احتياطات منها: عدم رفع بصمات اليدين للجثة الا بعد مناظرتها من قبل الطبيب الشرعي، لبيان وجود أي مظاهر اصابة بها، وتصويرها اثباتاً للواقع وتجنباً لطمسها باللون الأسود- عدم ذر مساحيق اظهار البصمات حول آثار قد تكون لنفاذ مقذوفات نارية، وذلك لاحتمال وجود علامات قرب اطلاق النار حولها، إذا علقت باليدين أي آثار تفيد التحقيق كالشعر مثلا أو الزجاج، فترفع قبل أخذ البصمات.
أما خبير الأسلحة والمفرقعات فإن مهمته الانتقال الى مسرح الحوادث التي تستخدم فيها الأسلحة النارية لرفع السلاح وتأمينه وفحصه لبيان مدى صلاحيته للاستعمال والمدة التقريبية التي انقضت على استعماله وتحديد مسافة واتجاه الاطلاق، وفحص الطلقات لمعرفة الأسلحة التي استخدمت في اطلاقها، وفحص المفرقعات على اختلاف أنواعها.
أما خبير الحرائق فإنه يختص بفحص حوادث الحرائق المختلفة لمعرفة أسباب اندلاع الحريق، وموضع البداية، وبيان وجود مواد مساعدة على الاشتعال، ولمعرفة هل الحريق عرضي أو جنائي.
أما خبير مسرح الحادث فإن دوره ينحصر في التعاون مع المحقق الجنائي والطبيب الشرعي، في وضع فرض منطقي لتسلسل الأحداث في مسرح الحادث، عن طريق دراسة وضعية الجثة، وتحديد العلامات المهمة، والبحث عن الآثار المادية، ورفعها وتحريزها
- أما ضابط الاحراز فيقوم بنقل الآثار المحرزة بطريقة سليمة وتأمينها، حتى لايحدث تلاعب بالآثار المحرزة لحين وصولها الى المعامل للفحص والتحليل.
إن خبير التزييف والتزوير هو خبير خطوط، أو كيميائي أبحاث التزييف والتزوير، ومهمته فحص خطابات التهديد أو الانتحار التي قد يعثر عليها بمسرح الحادث، ومقارنتها بخطوط المشتبه فيهم، أو المجني عليه، وفحص العملات المزيفة والمستندات المزورة.
أما بالنسبة لجزاء المختبر الجنائي فيوجد منهم فريق متنقل، وقد يطلب منهم الانتقال الى مسرح الحادث (خبير أدلة جنائية)، لرفع الآثار المادية التي تمثل فحوصها الكيمائية قيمة للتحقيق وتحريزها، ومهمتهم الفحص المعملي والتحليل الكيميائي للآثار المادية المختلفة الواردة مثل:
فحص بقع الدم أو المني أو اللعاب لمعرفة نوعها وفصيلتها وبصمة الـDNA - فحص الشعر والألياف والملابس وآثار البارود، وآثار تهشم الزجاج، والتربة والطلاء - فحص الآثار المتعلقة بالنباتات والحيوانات (المعمل-البيولوجي).
أما خبراء معامل الكيمياء الطبية الشرعية فإنهم يقومون بفحص الآثار لبيان ما بها من سموم أو مخدرات، وبيان نوعها وكميتها (الكيميائي الطبي الشرعي)، وهؤلاء قد يستدعون لمسرح الحادث في حالات خاصة بالتسمم والمخدرات.

تعليقات