القائمة الرئيسية

الصفحات

الحق في العقاب 



الدكتور أحمد لطفي السيد 





الباب الثالث
اقتضاء الحق في العقاب

240- تمهيد وتقسيم :
         ينصرف تعبير اقتضاء الحق في العقاب إلى الكيفية التي يتم بها تحقيق أغراض الجزاء الجنائي ، كالتزام يقع على عاتق الدولة وسلطاتها المعنية بمكافحة الظاهرة الإجرامية. 

وقد أبانت الصفحات السابقة عن استقرار الجزاء الجنائي على صورتين رئيسيتين أحدهما يشمل العقوبة الجنائية والآخر يتعلق بالتدابير الاحترازية. وأوضحنا أن الأولى جزاء ينطوي على معنى أخلاقي يهدف إلى إيلام الجاني من أجل ردعه وإثناءه عن سلوك سبيل الجريمة مرة أخرى. كما تهدف إلى زجر وترهيب العامة كي يتجنبوا تقليد الجاني في مسلكه. أما الثانية -أي التدابير - فذات غرض تأهيلي وعلاجي ولا تنطوي على إيلام مقصود. فجل غرضها كبح جماح الخطورة الإجرامية الكامنة لدى شخص المجرم كي لا تتحول إلى إجرام فعلي في المستقبل.

ورغم تلك الازدواجية الجزائية إلا أنه ما زالت للعقوبة غلبتها في التشريعات الجنائية ، بل وتحتل العقوبة السالبة للحرية القاسم الأعظم منها. والاعتماد على هذا النمط العقابي ، أي في صورتها السالبة للحرية ، خلق ما يعرف بالسجون أو ما يطلق عليه المؤسسات العقابية ، بحسبانها الأماكن التي تنفذ فيها هذه العقوبات. وبدخول المحكوم عليه المؤسسة العقابية تبدأ مرحلة جديدة من مراحل الدعوى والخصومة الجنائية . 

وعلى ذلك فإن اقتضاء الحق في العقاب يوجب تحديد أسلوب المعاملة العقابية ، سواء من الناحية المادية أو من الناحية القانونية ، الذي يتناسب مع شخصية وظروف كل مجرم في ضوء ما يسفر عنه فحص الشخصية. وهذه المرحلة - خاصة في النظام المصري - يوكل أمرها إلى جهة الإدارة ، لكون هذه المرحلة توجب تدخل العديد من المتخصصين ، كالأطباء ورجال الدين والأخصائيين الاجتماعين والنفسيين ورجال التعليم وكافة المعنيين بوضع برامج التأهيل والتهذيب والإصلاح داخل المؤسسة العقابية.

وفي ضوء ذلك فإننا سوف نقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول نحدد في أولهما الإطار المكاني للتنفيذ العقابي السالب للحرية - أو ما يطلق عليه المؤسسات العقابية - وفي ثانيهما نحدد التنظيم المادي للمعاملة العقابية ، وفي الفصل الأخير نبين التنظيم القانوني للمعاملة العقابية.




الفصل الأولالإطار المكاني للتنفيذ  العقابى

(المؤسسات العقابية) Les établissements pénitentiaires

241- تمهيد :
     إن بدء التنفيذ العقابي - خاصة في حالات سلب الحرية – يعد أهم المراحل التي تلي وقع الجريمة عموماً. فعليه يتوقف محو الضرر الاجتماعي الناشئ عن الجريمة وإرضاء الشعور بالعدالة ، وعليه يتوقف مدى النجاح في إعادة المجرم مرة أخرى إلى حظيرة المجتمع كعضو نافع فيه.

ومن أجل تحقيق هذه الأغراض بذلت العديد من الجهود من أجل إصلاح أماكن التنفيذ العقابي ومن أجل الارتقاء بأساليب المعاملة العقابية. وعلى هذا فسوف نقسم هذا الفصل إلى مبحثين نحدد في أولهما ميكانيزم التنفيذ العقابي ، وفي ثانيهما أنواع المؤسسات العقابية.

المبحث الأول  
ميكانيزم التنفيذ العقابي

242- تمهيد :
     يقصد بتحديد ميكانيزم التنفيذ العقابي رسم صورة للكيفية التي يسير عليها التنفيذ العقابي منذ صدور الحكم الجنائي بالإدانة. ونهدف من هذه النقطة أن نوضح بعض المبادئ العامة لهذه المرحلة ، سواء انصب الأمر على عقوبة سالبة للحرية أو غيرها من أشكال العقوبات ، وكذلك بيان أهم الاتجاهات الحديثة في التنفيذ العقابي ، خاصة الدعوة إلى تدخل القضاء الجنائي في مرحلة التنفيذ العقابي.

243- أولاً : بعض المبادئ الحاكمة للتنفيذ العقابي :
     يقصد بالتنفيذ إعمال ما يقضي به حكم نهائي – كأصل عام - صادر عن القضاء الجنائي، في دعوى جنائية صحيحة وبناء على أمر صادر عن سلطة التنفيذ . فالتنفيذ ما هو إلا إعمال ما يقض به حكم نهائي بالإدانة صـادر عـن قضـاء الحكم. أي أن مرحلة التنفيذ لا تبدأ إلا عندما تنتهي إجراءات الدعوى الجنائية بصدور الحكم البات.

ولا يعد التنفيذ واقعة ماديه , بل هو حاله قانونية تتجسد في علاقات قانونية تنشأ بين الدولة كشخص معنوي والمحكوم عليـه. وتفرض تلك العلاقة عدداً من الالتزامات المتبادلة بين الدولة والمحكوم عليه. فعلي الأخير أن يخضع ويتقدم لتنفيذ ما جاء بالحكم الصادر بالا دانه ، كمـا أن علي الدولـة ألا تنفـذ عقوبة أخرى خلاف ما جاء بالحكم .
ويكشف لنا هذا التعريف عن أن الحكم الجنائي هو سند التنفيذ Titre d’exécution ، وبدونه لا يجوز الالتجاء إلى السلطة المختصة بإجراء التنفيذ. فالحكم الجنائي الصادر بالإدانة هو الكاشف عن تحقق المسئولية الجنائية وعن إلحاق الضرر بالمجتمع ووجوب العقاب. أو هو بالأحرى الذي يعطي التبرير للدولة – ممثلة في سلطتها التنفيذية - لاستعمال حقها في العقاب.

واستلزام حكماً جنائياًُ لبدء التنفيذ العقابي أمر يستوجبه التمسك بمبدأ الشرعية الجنائية في شقها العقابي ، المتضمن أن لا عقوبة إلا بحكم قضائي (م66 من الدستور المصري) ، بحسبان أن القضاء هو حارس الحريات. والحكم الجنائي لا يوصف بهذه الوصف إلا إذا كان صادراً عن محكمة مختصة وفقاً لما تحدده القوانين الإجرائية والقوانين المنظمة للسلطة القضائية للدولة. وعلى هذا تؤكد المادة 409 إجراءات جنائية مصري بقولها "لا يجوز توقيع العقوبات المقررة بالقانون لأية جريمة إلا بمقتضي حكم صادر من محكمة مختصة بذلك".
والأصل ألا تنفذ إلا الأحكام النهائية , أي التي استنفذت كافة طرق الطعن العادية (المعارضة والاستئناف) . ألا أنه يمكن البدء في تنفيذ بعض الأحكام حتى ولو تكن نهائية. ومن قبيل ذلك ما تنص عليه المادة 463 من قانون الإجراءات الجنائية من أن الأحكام الصادرة بالغرامة والمصاريف تكون واجبه التنفيذ فوراً ، ولو مع حصول استئنافها. وكذلك الأحكام الصادرة بالحبس في سرقة أو على متهم عائد أو ليس له محل إقامة ثابت بمصر ، وكذا الحال في الأحوال الأخرى إذا كان الحكم صادر بالحبس , وإلا إذا قدم المتهم كفالة بأنه إذا لم يستأنف الحكم لا يفر من تنفيذ الحكم الذي يصدر ، وكل حكم صادر بعقوبة الحبس في هذه الأحوال يعين فيه المبلغ الذي يجب تقديم الكفالة به..وفي عجز ذات المادة أشارت إلي أنه إذا كان المتهم محبوساً حبساً احتياطياً , يجوز للمحكمة أن تأمر بالتنفيذ المؤقت ولو مع حصول الاستئناف. 

وتقضي المادة 464 إجراءات جنائية بأن تنفذ أيضا العقوبات التبعية المقيدة للحرية المحكوم بها مع عقوبة الحبس طبقا للمادة 463. كما تنص المادة 467 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه يجوز تنفيذ الحكم الغيابي بالعقوبة إذا لم يعارض فيه المحكوم عليه في ظرف العشره أيام التالية للإعلان بالحكم الغيابي. كما أن للمحكمة عند الحكم بالتضمينات للمدعي بالحقوق المدنية أن تأمر بالتنفيذ المؤقت مع تقديم كفالة ولو مع حصول المعارضة أو الاستئناف بالنسبة لكل المبلغ المحكوم به أو بعضه ولها أن تعفي المحكوم له من الكفالة.

وأخيراً تقضي المادة 468 إجراءات بأن للمحكمة عند الحكم غيابياً بالحبس مدة شهر فأكثر إذا لم يكن للمتهم محل إقامة بمصر , أو إذا كان صادراً ضده أمر بالحبس الاحتياطي , أن تأمر بناء علي طلب النيابة العامة بالقبض عليه وحبسه.

ويعطي المشرع المصري للنيابة العامة سلطه تنفيذ الأحكام (م461 إجراءات جنائية) باعتبارها ممثلة عن المجتمع وتنوب عنه في المطالبه بالحق في العقاب . بل أن المشرع المصري يوجب علي تلك السلطة المبادرة إلي تنفيذ الأحكام الواجبة التنفيذ الصادرة في الدعوى الجنائية ولها من أجل القيام بهذا الالتزام أن تستعين بالقوة العسكرية مباشرة (م462 إجراءات جنائية) .

ويسند أمر التنفيذ الفعلي للعقوبات إلي السلطة التنفيذية وفقاً للتشريع المصري ممثلة في وزارة الداخلية ، وعلى الأخص مصلحة السجون فـي حالة العقوبات السالبة للحرية. وهنا توجب المادة 41 إجراءات جنائية بأن لا يحبس أي إنسان إلا في السجون المخصصة لذلك, كمـا لا يجوز لمأمور أي سجن قبـول أي إنسان فيه إلا بمقتضي أمر موقع عليه من السلطة المختصة ، ولا يبقيه بعد المدة المحددة بهذا الأمر. فعمل النيابة العامة ينحصر خلال مرحلة التنفيذ في إصدار الأمر به فقط ، أي إعمال منطوق الحكم الجنائي .

ومن أجل درء التعسف والعدوان علي حريات الأفراد مـن قبل السلطة التنفيذيـة القائمة علي أمر التنفيذ العقابي أجازت المادة 42 إجراءات جنائية لكـل مـن أعضاء النيابة العامـة ورؤساء ووكلاء المحاكم الابتدائية والاستئناف زيارة السجون العامة والمركزية الموجودة في دوائر اختصاصهم والتأكد من عدم وجود محبوس بصفة غير قانونية. ولهم أن يطلعوا علي دفاتر السجن وعلي أوامر القبض والحبس وأن يأخذوا صوراً منها وأن يتصلوا بأي محبوس ويسمعوا منه أي شكوى يريد أن يبديها لهم ، وعلى مديرو وموظفي السجون أن يقدموا لهم كل مساعده لحصولهم علي المعلومات التي يطلبونها.

244- ثانيا: الاتجاهات الحديثة في التنفيذ العقابي:
     لعل أبرز ما طرأ على التنفيذ العقابي في السنوات الأخيرة هـو اعتراف بعـض الدول بمبدأ تدخل القاضي الجنائي في مرحلة التنفيذ.  فهـذا الاتجاه ـ على حـد قول البعض ـ يعد ثورة حقيقية في التشريع الجنائي . وقد لاقت هذه الفكرة في مهدها مناهضة من قبل الفقه التقليدي بحجة أن تنفيذ الأحكام هو عمل مادي بحت لا يتلاءم إلا مع وظيفة الإدارة العقابية. يضاف إلى ذلـك قـولهم بـأن الاعتـراف للقاضي بدور في مرحلة التنفيذ هو اعتداء على مبدأ الفصل بين السلطات , الذي يوكل أمر التنفيذ إلي السلطة التنفيذية كاختصاص أصيل لها , والقول بغير ذلك قد يصادم بين السلطات بعضها ببعض .

والواقع أننا لا نؤيد هذا الاتجاه التقليدي الذي لم يعد مقبولاً التسليم به في ظل أفكار الدفاع الاجتماعي التي تعطي للإدارة حرية فـي التقدير والاختيار بين أنواع الجزاءات الجنائية وكيفيه تنفيذها على المحكوم عليه. فلم يعد حكم الإدانة يتضمن تحديداً كافياً للعقوبة أو للتدبير, بل يترك هذا التحديد إلي مرحلة التنفيذ الفعلي للجزاء وفقاً لمجموعة من الظروف والعوامل التي تتصل فـي الغالـب بشخص المحكوم عليه.

هذا التطور في المفاهيم العقابية أوجب عدم الفصل بين تنفيذ العقوبة وبين مـن أصدر الحكم بالإدانة. فالتنفيذ في الحقيقة ما هو إلا امتداد للدعوى الجنائـية. ويجب أن تمتد يد القاضي إلي هذا الشق التنفيذي كي يتحقق مـن أن الجـزاء المحكوم به سوف يحقق أغراضه التي تمثلها القاضي فـي ذهنه حال النطق بالجزاء على مرتكب الفعل الإجرامي. فإذا كان الجزاء الجنائـي - عقوبـة أم تدبير - يرنو إلي تحقيق التأهيل والإصلاح - أي علاج المجرم من مرضه المتمثل في عوامل الإجرام الكامنة - كي يعدو شخص نافع في المجتمـع ، فكان من المتعين القول بوجوب أن يتحقق القاضي من أن الجزاء كعلاج قد أتي ثماره وحقق إغراضه تجاه المحكوم عليه. شأن القاضي في ذلك شأن الطبيب الذي يشخص حالـه المريض ويصـف لـه الدواء وعليه الاستمرار في متابعة مريضه حتى يتأكد من أن العلاج قـد حقـق فوائده المرجوة.

وطالما أن الاتجاهات العقابية الحديثة تعطي لجهة الإدارة الحرية فـي تحديـد المعاملة العقابية الملائمة للمحكوم عليه - كأن تقرر مثلا إفادة المحكوم عليـه من نظام الإفراج الشرطي أو نقل المحكوم عليه من مؤسسة إلي أخري أو مـن نظام معاملة إلي نظام أخر - فكان لابد من مد سلطه القضاء إلي الإشراف على أداء الإدارة العقابية ، فقد يمس أسلوب المعاملة العقابية المتبع بقوة وحجية الحكم الجنائي الصادر. وحيث أن تحديد قوة الأحكام ومضمونها عمل قضائي فكان ولابـد مـن قبـول مشاركة القضاء الذي أصدر الحكم في تنفيذ مضمونه ومتابعة هذا التنفيذ.

ولا يقدح في ذلك القول بتصادم القضاء مع الإدارة العقابية , ذلـك أنـه يـمكن التغلب علي هذا الأمر بتحديد اختصاصات كل من القاضي الذي يسمي حال ذلك قاض التنفيذ أو قاضي تطبيق العقوبات - والإدارة العقابية. فيعهد إلي الإدارة القيام بالأعمـال الماديـة كالتنظيم الداخلي للمؤسسة العقابية وتوجيه سير العمل فيها وتوقيع الجـزاءات التأديبية من أجل حفظ النظام ومنح المكافآت ، في حين يتـرك للقـاضي - قاضي التنفيذ - الرقابة علي كل ما من شأنه تعديـل وضع المحكـوم عليه كما حدده الحكم. فيسند له كل ما يتعلق بمدة العقوبة أو التدبير وتعديل أسلوب التنفيذ وتقريـر مدي أحقية المحكوم عليها من الاستفادة من نظام الإفراج الشرطي وإلغاءه حال منحه وتعديل الالتزامات المفروضة علي الخاضع لهـذا النظام. كذلك يختـص برقابة تنفيذ الالتزامات المفروضة حال تقرير نـظام الـوضع تـحت الاختبـار والتعديل فيها بالزيادة أو النقص أو الإعفاء منـها. وأخيـراً يختص بنظـر إشكالات التنفيذ .

ولقد تجاوبت العديد من الدول مع هذا الاتجاه الحديث , وكان أولهـا القـانون الإيطالي في عام 1930 والذي تنص المادة 144 منه علي خضوع تنفـيذ العقوبـات السالبة للحرية لرقابة قاضي الإشراف   Juge de surveillance. وقـد وسع قانـون العقوبات الجديدة الصادرة في 24 يوليو عام 1975 مـن اختصاصـات هـذا القاضي لتشمل ابداء الـرأي بشأن الإفراج الشرطي بالنسبة للمحكـوم عليـه وكذلك مدي السماح لهذا الأخير بالعمل خارج المؤسسة العقابية. وتأخذ بعـض الدول بنظام محكمة تنفيذ العقوبات , ومنـها القانون البرتغالي الصـادر عـام 1944 , والذي أوكل إلي محكمة مشكلة من قاضي فرد النظـر في كـل مـا يتعلق بتنفيذ العقوبات أو التدابير ، سواء مـا يتعلق بمدتها أو ما يتعلـق بنمـط المعاملة العقابية المطبق. وبهذا أيضا أخذ القانون الفيـدرالي الألمانـي الصادر في 17 مارس 1976 بأن خصص في محاكم الدرجـة الأولي دوائـر للتنفيـذ العقابي ومشكلاته .

ويعد التشريع الفرنسي من بين التشريعات التي سبقت الجميع في الأخذ بنظـام قاضي التنفيذ, بل أن هذا النظام قد عرف عملياً منذ الثورة وقبل النص عليـه تشريعيا حيث كان يعهد إلي قاضيين بالإشراف علي تنفيذ العقوبات ، أحدهما كان رئيس لجنة تنظيم السجون المركزية والأخر رئيس لجنه مساعده المفرج عنهم.

وكانت النقلة الحقيقية في عام 1949 عندما أقر المشرع الفرنسي نظام قاضي تنفيذ العقوبات والذي يلحق بكل مؤسسة عقابية تنفذ فيها عقوبات تزيـد علي سنه. ويعهد إلي هذا القاضي بالنظر في كل ما يتعلق بالتنفيذ العقابي فيما عدا  منح الإفراج الشرطي  , الذي بقى من اختصاص وزير العدل. وقد صدر قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي الحالي عـام 1958 آخـذاً بمـا أسماه قاضي تطبيق العقوبات Juge d’application des peines (م721) والذي يعين بقرار من وزير العـدل بعد أخذ رأى مجلس القضاء الأعلى لمـدة ثـلاث سنوات قـابلة للتجديد . ووفقا للمادة 722 إجراءات فرنسي فإن قاضي تطبيق العقوبات يختص بالإشراف علي تنفيذ العقوبات وتحديد نوع المعاملة العقابية بالنسبة للمحكوم عليه ومنح تراخيص الإقامة في الخارج في حالة الوضع تحت الاختبار وتقرير نظام شبه الحرية وكذلك اقتراح منح الإفراج الشرطي وإبداء الرأي فـي إلـغاءه. كذلـك يختص بتقرير نقل المحكوم عليه من درجة إلى أخرى في المؤسسات التي تأخذ بالنظام التدريجي.

المبحث الثانىأنواع المؤسسات العقابية


245- تمهيد وتقسيم :
     يرتبط ظهور المؤسسات العقابيـة - السـجون - بظهور العقوبـات السالبة للحرية. مما يعني أن فكرة السجون ليسـت قديمة كما قد يعتقد البعض , فعمرها الزمني يرجع إلي قرنين فقط من الـزمان. فالعقوبات التي كانت تسود في الماضي كانت تأخذ طابع العقوبـات البدنية كالإعـدام وقطـع الإطراف والجلد , ولم يكن السجن - الذي كان يأخذ صورة الحصون والقلاع والأقبيـة - إلا مكانا للتحفظ علي الأشخاص لحين محاكمتهم أو لحين تنفيذ العقوبـة البدنية عليهم.  ولم تكن الدولة - التي لم تكن سلطتها في ذاك الوقت قد قويت - تتولي إدارة السجون. بل كان يعهد بذلك إلي أحد الأشخاص الذي كان يهدف في الغالب إلى  تحقيق الربح , الأمر الذي جعله يفرض إتاوات علي المساجين دون أن يهتـم بالإنفاق على تحسين المرفق الذي يديره.

وكانت بشائر حركة إصلاح السجون قد بدأت علي يد رجال الكنيسة , الذين قاوموا بشـدة العقوبات البدنية ودعوا إلى فتح الطريق من أجل التكفير والتوبـة ، الأمر الذي أوجب الاهتمام بإصلاح الأماكن التي يجري فيها وضـع المذنبيـن. فظهر في ذلك الأثناء نظام الحبس الانفرادي الذي يسمح للمحكوم عليـه بتأمل ذنبه والندم عليه بالتقرب والطاعة للرب.

وفي أواخر القرن الثامن عشر بدأت الدعوة إلي إصلاح السجون تـأخذ مظهراً علمياً علي يد العالم الإنجليزي جون هوارد Johon Howard , الـذي أبرز - من خلال دراسته لأحوال السجون في عدد من البلدان الأوربية والتي نشرها من خلال مؤلفه "حالة السجون في انجلترا وويلز" (1777) - ضرورة الاهتمـام بإصلاح وتهذيب وإرشاد المسجونين ، وذلك عن طريق الاهتمام بالتعاليم الدينية ودفعهم إلى اكتساب حرفه أو مهنة أثناء التنفيذ العقابي تعينـهم علي مواصلة الحياة بعد خروجهم إلي المجتمع.

ولقد توالت الدعوات الفردية بعد هـوارد إلـي أن تأسست الجمعيـة الدوليـة للعقوبات والإصلاحيات في عام 1880 بهدف الحد من شدة العقوبات والاهتمام بشخص المحكوم عليه والسعي بأن يكون الهدف الاسمي للعقوبة هـو الإصلاح والتأهيل. ولقد أسفرت جهود الجمعية في عام 1933 عن وضع مجموعة مـن القواعد النموذجية لمعاملة المسجونين ، والتي أقرتها الجمعية العامة لعصبة الأمـم عام 1934 .

وخلال تلك الرحلة الطويلة ، التي امتدت منذ العصور الـوسطي إلى وقتنا الحالي ، يمكن القول أن التطور قد كشف عن ثلاثة أنواع مـحددة مـن المؤسسات العقابية , هي المؤسسات المغلقة Les établissements fermes  والمؤسسات المفتوحة établissements ouverts Les والمؤسسات شبه المفتوحة   Les établissements semi-ouverts. وسوف نوالي شرح هذه الأنواع في النقاط التالية ، مع بيان موقف المشرع المصري من الأخذ بها.

246- أولا: المؤسسات العقابية المغلقة :  
     فكرة السجون أو المؤسسات المغلقة Les établissements fermés  هي الصورة التقليديـة الأولي بين مختلف الأنواع من المؤسسات العقابية. وتستند هذه الفكرة إلـي نظرة خاصة للمجرم باعتباره شخصاً خطراً علي المجتمع يتعين عزلة خـلال فتـرة معينة يخضـع خلالها لنظام رقابي صارم وقاس من حيث المعاملة العقابية ، يكفل تحقيق الردع  والزجر بالنسبة للمحكوم عليه.

وتتميز هذه السجون بموصفات خاصة من حيث نظامها العقابي وحراستها وقسوة العقوبات التأديبية التي توقع على من يخالف النظم الداخلية لها.

ولما كان الهدف الرئيسي لتلك المؤسسات هو الردع , فإن هذا النوع غالباً مـا يخصص للمجرمين المحكوم عليهم بعقوبات طويلة المدة وللمجرمين الخطرين ولمعتادي الإجرام , ولكل من يثبت أنه لن يجدي في ردعه إلا الخضوع لنظام عقـابي مفرط في الشدة والقسوة .

ولا شك أنه يعيب تلك المؤسسات - بأسوارهـا العالية وبعدها عن المدن وحراستها المشددة - أنها تضفي علي الحياة داخلها جواً يخالف تماماً طابع الحياة العادية في المجتمع , بما يفصم العلاقة بين المسجـون وبيـن العالم الخارجي , فينمي هذا داخله مزيد من العداء للمجتمـع ولإدارة السجن , ويضعف داخله إرادة التأهيل ويضعف من ملكاته الفرديـة مـما يجعـل عمـل القائمين علي إدارة المؤسسة العقابية في التأهيل أمر لا طائل منه. كما أن هـذا المؤسسات في سبيل إنشائها وإدارتها تكلف الدولة مبالغ طائلة لما تتطلبه مـن طاقم إداري كبير وحجم منشات ضخم .

247- ثانيا: المؤسسات العقابية المفتوحة:
     لعل خصوصية المؤسسات العقابية المفتوحة Les établissements ouverts  توجب علينا أن نبين عدة أمور بشأنها أولها يتعلق ببيان مضمون هذه الفكرة وثانيها يرتبط بتحديد المعايير التي على أساسها يتم اختيار نزلاء تلك المؤسسات وأخرها يتعلق بتقييم هذا النوع من المؤسسات.

248- أ : مضمون فكرة المؤسسات المفتوحة وتطبيقاتها :
     المؤسسات المفتوحة هي علي النقيض التام من المؤسسات المغـلقة , ذلك أنها نوع من السجون المتخصصة تتميز بغياب العوائق المادية التـي تحـول دون هروب المحكوم عليه , مثل الأسوار العالية والقضبان والحراس. ففيـها تتـرك النوافذ والأبواب مفتوحة , ولا يستخدم فيها وسائل القسر والقهـر لحمـل المحكوم عليهم علي الخضوع لنظام المؤسسة أو للأساليب التأهيلية أوالعـلاجية. فهـي تعتمد أساساً على الثقة الممنوحة للمحكوم عليهم واقتناعهـم الشخصـي بالبرامـج الموضوعة من قبل الإدارة العقابية . 

وغالباً ما توضع هـذه المؤسـسات خارج المدينة أو في الريف , مع وبالقرب من المناطق الحضرية كي يسهل الحصـول علـي الضروريات اللازمة لإعاشة النزلاء والقائمين علي تنفيذ العقاب ، وحتى يمكـن الاتصال بالاختصاصيين في برامج التأهيل والعلاج عند اللزوم. وعادة ما تتخذ المؤسسة شكل منطقة زراعية يحوطـها بعـض الأسلاك الشائكة أو الحواجز البسيطة لتحدد معالمها ، وبداخلها يمـارس النزلاء الأعمال الزراعية والصناعات الملحقة بها .

وفكرة المؤسسات المفتوحة ليست بالفكرة الحديثة ، فقد ظهرت أواخـر القـرن التاسع عشر ونمت في أعقاب الحرب العالمية الثانية نظراً لتزايد عـدد المحكـوم عليهم بسبب ظروف الحرب ، الأمر الذي أوجب وضـع المحكوم عليـهم فـي مبان عادية ومعسكرات بهدف تشغيلهم لصالح المجهود الحربي  .

وقد تكون هذه المؤسسات منفصلة , أي عبارة عن مبـان متخصصة يـودع فيهـا النزلاء الذين يثبت بشأنهم ومن واقع معايـير التصنيف المختلفة صلاحيتـهم للخضوع لهذه المعاملة العقابية المتميزة. وقد تكون هذه المؤسسات عبـارة عن أقسام ملحقة في سجن أخر قد يكون مغلق وقد يكون شبـه مفتوح , بحيث ينتقل إلـي القسم المفتوح من يكون علي وشك الإفراج عنه بهدف البدء في تأهيله وتدريبيه علي حياه أقرب إلي حياه المجتمع العادية.

ولقد أوصت المؤتمرات الدولية بالأخذ بهذا النمط من المؤسسات وشجعت عليه. ومن قبيل ذلك المؤتمر الدولي الثاني عشر الجنائي والعقابـي المنعقد في لاهاي 1950 ، وكذلك مؤتمر الأمـم المتحدة لمكافـحة الجريمة ومعاملـة المذنبين المنعقد في جنيف عام 1955. وبهذه التوصيات أخذت دول كثيرة منها بلجيكا وهولندا وسويسرا وإيطاليا وفنلندا وانجلترا والولايات المتحدة .

وقد بدأت فرنسا الأخذ بنظام المؤسسات المفتوحة منذ يوليو عام 1948 عندما أنشأت ما يسمي المركز الزراعي بكازابياندا  Centre agricole de  Casabiande  في جزيرة كورسكا Corse  ثم تحول أسمة إلى مركز الحبس للنظام المفتوح ، يوضع فيه المحكوم عليهم الذين تتراوح أعمارهم بين 30 ، 50 عاما ، وغالبا مما لا يسبق إدانتهم من قبل. وهناك أيضا مركز السجن المفتوح للمحكوم عليهم الشباب Centre de détenus ouvert pour jeunes condamnés  أو ما يسمي بمركز السجن المفتوح بمدينة أورمنيجن  La prison-école d’Ormingen ، وفيه يوضع المحكوم عليهم الذين يتراوح سنهم بين 18 ، 28 سنة . 
249- ب : معايير اختبار النزلاء بالمؤسسات المفتوحة : 
     تثير المؤسسات المفتوحة التساؤل حول المعيار الذي علي أساس يتم اختيار النزلاء بها. وتتوزع الاتجاهات في هذا الشأن إلي ثلاثة  : فيذهب اتجاه إلي جعل المعيار هو معيار مدة العقوبة , فإذا ما كانت هذه العقوبة طويلة المدة كان الإيداع واجباً بإحدى المؤسسات المغلقة. وعلي العكس إذا ما كانت العقوبة تقصيرة المدة فيمكن إيداعهم بالمؤسسات المفتوحة. وبالطبع يعيب هذا الرأي اعتماده علي معيار غير واضح إذ لا يوجد معيار ثابت لفكرة العقوبة قصيرة المدة. كما يؤخذ عليه اعتماده علي قرينة غير مطلقة ، إذ يعتبر أن طول المدة يكون أمارة علي عدم الثقة في المحكوم عليهم , وهي أمارة أو قرينة غير مطلقة الصحة. إذ يمكن للمحكوم عليه بعقوبة قصيرة المدة أن يكون أكثر خطورة من غيرة من المحكوم عليهم بعقوبات طويلة المدة.

ويذهب اتجاه أخر إلى وجوب اعتبار المؤسسة المفتوحة مرحلة تمهيديه سابقة علي الإفراج , بحيث لا يودع المحكوم عليه مباشرة في المؤسسة المفتوحة , بل لابد من معاملته معامله تدريجية , بحيث لا يكون الاستفادة من نظام المؤسسات المفتوحة إلا في نهاية مدة العقوبة المحكوم بها. ويعيب هذا الرأي نظرته بعين الشك في كافة المحكوم عليهم , فلا مبرر لأن يودع في مؤسسة عقابية مغلقة من يكون جدير منذ بدء العقوبة بالثقة وقابليته للإيداع في مؤسسة مفتوحة. خاصة إذا علمنا أن الإيداع في أحد المؤسسات المغلقة لمن هم جديرون منذ البداية بالإيداع في مؤسسة مفتوحة قد يجعل منهم أعضاء فاسدين خلال مرحلة التنفيذ وقبل إقرار نقلهم إلي درجة عقابية أخف .

وفي رأينا أن المعيار الواجب الإتباع يجب أن يستند إلي أساس علمي يقوم علي إجراء الاختبارات الملائمة من الناحية الطبية والنفسية والاجتماعية لتحديد أي من بين المحكوم عليهم يكون جدير بالثقة في الإيداع في مؤسسة مفتوحة .

250- ج : تقييم نظام المؤسسات المفتوحة :   
     لا شك أن لهذا النوع من المؤسسات العديد من المزايا التي يمكن أن نوجزها في الأتي :
*- لا يوجد في هذا النوع من المؤسسات فصم بين حياة المحكوم عليه العادية وبين حياته داخل المؤسسة العقابية , إذ يبقي داخل المؤسسات المفتوحة علي اتصال بالعالم الخارجي , مما يسهل عمليه التأهيل والإصلاح من قبل الإدارة العقابية.
*- يجنب نظام هذه المؤسسات المحكوم عليه الآثار السلبية للمخالطة بين المحكوم عليهم , خاصة إذا كان المحكوم عليه مجرماً بالصدفة ولم تتأصل نوازع الشر داخله ، أو كان محكوم عليه بعقوبة قصيرة المدة ولم تكن الجريمة في حياته إلا حادثا عرضيا.
*- يمكن هذا النوع من المؤسسات قيام المحكوم عليه بإعمال واجب الرقابة والإشراف علي أسرته وتقديم العون لهم من ناتج ما يحصل عليه من عمل داخل المؤسسة. ولا شك أن هذا يجنب انحراف بعض الأسر علي أثر دخول عائلهم السجن.
*- يحفظ هذا النوع من المؤسسات التكامل الجسدي والنفسي للمحكوم عليه فلا يشعرهم بالملل والتوتر وغيرها من الأمراض التي يعانيها غيرهم من نزلاء المؤسسات المغلقة. 
*- عادة ما يكتسب النزيل بالمؤسسة المفتوحة عملا أو مهنه تمكنه من إيجاد فرصة عمل ومواصلة حياته بعد الإفراج عنه. خاصة أن ظروف العمل الزراعي والصناعي بهذه المؤسسات لا تختلف كثيراً عن ظروف العمل العادي خارج المؤسسة.
*- وأخيراً فإن هذه المؤسسات قليلة التكلفة, كما أنها تدر عائداً إنتاجياً يسوق داخل المجتمع , فتصبح المؤسسات العقابية أداة في دفع عجلة النمو الاقتصادي وليس عبئاً علي الدولة .
ورغم كل تلك المزايا إلا أنه قيل بعدة عيوب في شأن تلك المؤسسات نلخصها في الآتي :
*- أنها قد تتيح هروب النزلاء بكل سهولة نظراً لضعف الحراسة والأمن بها. وقد شهدت فرنسا هذه النماذج في أعوام 1978 و 1979 وفي عام 1988 .  وفي رأينا أن هذا النقد لا يقلل من قيمة هذه المؤسسات , فهروب السجناء أمر محتمل في كافه أنواع المؤسسات , كما أن الهروب من هذا النوع من المؤسسات يرجع إلى فشل أنظمة الاختبار وقياسات فحص الشخصية المطبقة لاختيار النزلاء لا إلى عيب في ذات المؤسسات نفسها. والواقع أنه لا معنى لهروب المحكوم عليه من المؤسسة المفتوحة إذ قد يعرضه هذا الهروب لعقوبة أطول مدة من تلك المحكوم بها أصلاً أو نقله إلى أحد المؤسسات المغلقة. ويبقي في جميع الأحوال أن حالات الهرب من هذه المؤسسات أقل كثيراً من تلك المعروفة في المؤسسات المغلقة.
*- وقيل في نقد هذا النوع من المؤسسات أنها تقلل من الأثر الرادع للعقوبة سواء بالنسبة للمحكوم عليه ذاته أو بالنسبة لغيرة من أفراد المجتمع. إذ يعطي نظام هذه المؤسسات الانطباع بأن المحكوم عليه يمارس حياته العادية وبالتالي فلا خوف من العقوبة التي تنفذ بداخلها. وفي رأينا أن هذا النقد غير دقيق أيضاً , ذلك أن هدف الردع ليس هو الهدف الوحيد للعقوبة وفقاً لمفاهيم السياسة العقابية الحديثة. فضلا عن أن الأثر الرادع للعقوبة يتحقق من مجرد سلب الحرية سواء نفذت العقوبة السالبة للحرية في مؤسسة مغلقة أو مؤسسة مفتوحة.
*- وقيل أيضاً في نقد نظام المؤسسات المفتوحة أنها قد تعرض نزلائها للخطر , نظراً لما تسمح به من حرية اتصال بالعالم الخارجي , بما يسمح بعبور بعض الممنوعات - كالمخدرات والعقاقير - إلى داخل المؤسسة العقابية. والواقع أن هذا النقد مبالغ فيه أيضاً ، إذ أن الإيداع في هذه المؤسسات لا يتحقق إلا بعد الخضوع لاختبارات فحص الشخصية التي تثبت صلاحية وجدارة المحكوم عليه بالثقة فيه من قبل الإدارة العقابية , مما يجعل المحكوم عليه يدرك أنه ليس من مصلحته الإخلال بالنظام المتبع داخل المؤسسة. ويمكن عموماً تفادي هذا النقد بإقامة هذه المؤسسات في أماكن ريفية قليلة الكثافة السكانية .
   
251- ثالثا: المؤسسات العقابية شبه المفتوحة :  
     تمثل المؤسسات العقابية شبه المفتوحة Les établissements semi-ouverts مرحلة وسطي بين نوعي المؤسسات المغلقة والمؤسسات المفتوحة ، بحيث تجمع بين مزايا هذين النوعين الآخرين. فهي مؤسسات متوسطة الحراسة تحيطها أسوار ليست عالية كما هو الحال في المؤسسات المغلقة , ولا يوجد بها قضبان حديدية علي النوافذ. وقد تكون هذه المؤسسات سجناً مستقلاً أو مجرد قسم مستقل داخل مؤسسة مغلقة ينتقل إليها النزيل بعد فترة من عقوبته وفقاً للتحسن الذي يطرأ علي شخصيته ، وهو النظام المتبع في غالبية الدول .

ونزلاء هذا النوع من المؤسسات فئة من المحكوم عليهم الذين تدل دراسة واختبارات فحص الشخصية عليهم أن نظام المؤسسات المغلقة لن يجدي في إصلاحهم كما أنهم ليسو جديرين بالثقة الكاملة حتى يمكن إيداعهم في مؤسسة مفتوحة. بمعنى أخر هم فئة من النزلاء متوسطي الخطورة الإجرامية ممن تتطلب حالتهم معاملة وسطاً بين الحذر الشديد وبين الثقة الكاملة .

والواقع أن فكرة المؤسسات شبه المفتوحة تتوافق مع نظام التفريد التنفيذي للعقوبة , إذ أن تنوع المؤسسات يراعي حالة كل محكوم عليه ويتيح اختيار المؤسسة العقابية التي تتوافق مع ظروف كل محكوم عليه ودرجة خطورته الإجرامية. لذا ففي الغالب ما تشتمل المؤسسات شبه المفتوحة علي أقسام متدرجة من حيث الشدة والحراسة وينتقل المحكوم عليه بين درجة وأخري حسب التطور والتحسن الذي يطرأ علي سلوكه إلى أن يفرج عنه. وغالباً ما تشتمل المؤسسات شبه المفتوحة علي مزارع وورش صناعية وأماكن تعليمية وتثقيفية وأماكن لقضاء أوقات الفراغ .  

252- رابعا: المؤسسات في النظام العقابي المصري :
     لبيان أنواع المؤسسات العقابية في التشريع المصري يجدر بنا أولاً أن نعطي نبذة عن تاريخ النظام العقابي المصري.

253- أ : النظام العقابي المصري تاريخياً:
     حتى نهاية القرن التاسع عشر لم تعرف مصر سجون بالمعنى الفني الدقيق للكلمة. فلم ترعى الدولة هذا الأمر بإنشاء مبان خاصة يتوافر فيها الاشتراطات الصحية وأساليب التفريد العقابي ونظم التصنيف بين المحكوم عليهم. فلم تفرق النظم العقابية السائدة في تلك الفترة بين معتادي الإجرام ومبتدئيه , بين المجرمين البالغين وصغار السن , بين متوسطي الخطورة ومرتكبي الجرائم شديدة الخطورة. وكان النزلاء عاماً يتلقون نظاماً عقابياً قاسياً ، كالوضع في قيود حديدية والجلد وغيرها من طرق المعاملة اللاإنسانية.

ولم يختتم القرن التاسع عشر سنواته العشر الأخيرة حتى بدأت الدولة تنظر بعين الاعتبار لنظام السجون بهدف إصلاح أحوالها وفق ما وصلت إليه النظم العقابية في ذاك الوقت. لهذا صدرت لائحة السجون في 13 مارس 1885 ، فقررت بعض الضمانات للمحكوم عليهم بإخضاع السجون لإشراف النائب العمومي والمديرين والمحافظين ، وحددت الجزاءات التأديبية التي يمكن أن توقع علي المساجين عند مخالفة النظام داخل المؤسسة العقابية.
ثم صدرت في عام 1901 لائحة جديدة للسجون نصت علي حق المسجون في التعليم والعمل. وفي  ذاك الأثناء أقامت الدولة عدد من المنشئات العقابية التي تراعي الاشتراطات الصحية المتطلبة في المؤسسات من هذا القبيل.

من بعد ذلك بلغ النظام العقابي المصري مرتبة أعلى بصدور المرسوم بقانون رقم 180 لسنه 1949 والذي أعمل قواعد التصنيف بين المحكوم عليهم فقسمهم إلي فئتين (أ) و (ب) ، مع السماح بإنشاء سجون خاصة. كما قرر هذا المرسوم الأخذ بالنظام التدريجي عن طريق خضوع المحكوم عليه لفترة انتقال قبل لإفراج عنه لا تقل عن ستة شهور ولا تزيد عن سنه إذا زادت مدة العقوبة علي خمس سنوات.

ومن أجل مواكبة الاتجاهات العقابية الحديثة أصدر المشرع المصري قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنه 1956 وكذلك اللائحة الداخلية للسجون الصادرة بقرار وزير الداخلية رقم 79 لسنه 1961 .

254- ب : أنواع المؤسسات العقابية في التشريع المصري : 
     تأخذ مصر – بحسب الأصل -بنظام المؤسسات العقابية المغلقة لكافة المجرمين أيا كانت ظروفهم حسب مدة العقوبة. فتنص المادة الأولى من قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنه 1956 على أن "السجون على أربعة أنواع : ليمانات , سجون عمومية, سجون مركزية, وسجون خاصة تنشأ بقرار من رئيس الجمهورية يقيم فيها فئات المسجونين اللذين يودعون بها وكيفية معاملتهم وشروط الإفراج عنهم , ويصدر وزير الداخلية قرار بتعين الجهات التي تنشأ فيها السجون من كل نوع ودائرة كل منها".

255- الليمانات:
     الليمانات Les bagnes هي السجون التي يتم فيها تنفيذ عقوبة السجن المؤبد والمشدد. علي أن المشرع يعفي من تنفيذ هذه العقوبة في الليمانات النساء إطلاقاً ، والرجال الذين جاوزوا سن الستين من عمرهم ، وكذلك المرضي الذين تكشف ظروفهم الصحية عن عدم قدرتهم علي تحمل نظام الليمانات ( م15 ، م30 ، م34 من قانون تنظيم السجون) . كذلك يعفى من البقاء في الليمان كل من قضي نصف مدة العقوبة المحكوم بها أو ثلاث سنوات أي المدتين أقل متى كان سلوكه حسناً خلالها (م3 ج من قانون السجون). وتنفذ عقوبات هؤلاء جميعاً بالسجون العمومية.

ويوجد في مصر ثلاثة ليمانات ، اثنان منها في طره بمحافظة القاهرة ، والثالث في أبو زعبل بمحافظة القليوبية. 

256- السجون العمومية  :
     توجد السجون العمومية Les pisons centrales في كل جهة بها محكمة ابتدائية. ووفقا للمادة    الثالثة من قانون السجون فإن داخل هذه المؤسسات تنفذ الأحكام الصادرة بعقوبة السجن إلي جانب عقوبات السجن المؤبد والمشدد بشأن المحكوم عليهم الذين يعفون من قضائها داخل الليمانات. كما ينفذ فيها أحكام الحبس لمدة تزيد علي ثلاثة أشهر إلا إذا كانت المدة الباقية وقت صدور الحكم عليهم أقل من ذلك (بسبب خصم مدة الحبس الاحتياطي) ولم يكونوا مودعين من قبل في سجن عمومي ( م3/د من قانون السجون).

كما يودع بالسجون العمومية الأشخاص الذين يكونون محلاً للإكراه البدني إذا كان هذا السجن أقرب إلي النيابة أو ضاق بهم السجن المركزي. كذلك المحبوسون حبساً احتياطياً يضعون في السجون العمومية في أماكن خاصة بهم (م14 من قانون السجون). 

257- السجون المركزية  :
     وفقا للمادة الرابعة من قانون السجون ينفذ بالسجون المركزية Prisons Locales - التي تكون ملحقة بأقسام ومراكز الشرطة وخاضعة لرقابة وإشراف مأموريها –المحكوم عليهم بعقوبة الحبس مدة لا تزيد علي ثلاثة أشهر أو المحكوم عليهم مدة تزيد على ذلك إذا كانت المدة المتبقية للتنفيذ وقت صدور الحكم أقل من ثلاثة أشهر (بسبب خصم مدة الحبس الاحتياطي).

وكذلك تنفذ أحكام الإكراه البدني في السجون المركزية إلا إذا ضاقت بهم فينقلون إلى السجون العمومية ، أو إذا كان السجن العمومي أقرب إلى مقر النيابة (م14 من قانون السجون).

والواقع أنه لا يوجد فارق بين السجون العمومية والسجون المركزية فكلاهما يخضع لذات النظام العقابي ويكلف فيها المحكوم عليهم بذات الأشغال , وما الفارق بينهما إلا بصدد مدة العقوبة فقط ، وكان ذلك من بين حججنا في تأييد فكرة توحيد العقوبات السالبة للحرية.
258- السجون الخاصة:
     السجون الخاصة Les prisons spécialisés  نوع من السجون المتخصصة من حيث فئات المحكوم عليهم أياً كانت مدة عقوبات. وقد جاء النص عليها في قانون رقم 180 لسنة 1949 وأعيد النص عليها في قانون السجون الحالي (م1). إلا إنه لم ينشأ حتى الآن سجون خاصة بمصر لتطلبها عدد من الخبراء والمشرفين والفنيين وقدرات مادية ومالية كبيرة.

ولا يفوتنا أن نشير إلى أنه إذا كان المشرع المصري لا يعرف – بحسب الأصل - إلا السجون المغلقة أياً كانت ظروف المحكوم عليهم ، إلا أن التجارب والأنواع الأخرى من المؤسسات العقابية ليست بالغريبة علي النظام العقابي المصري. حيث أخذت مصر بنظام المؤسسات العقابية شبة المفتوحة حينما أنشئت سجن المرج متوسط الحراسة بناء علي قرارات وزير الداخلية في أغسطس 1956. وهو نوع من السجون العمومية الذي أنشئ بغرض نقل المحكوم عليه إليه في الفترة السابقة على الإفراج بقصد إعادة تأهيله.

وقد جاء الأخذ بفكرة هذا السجن شبة المفتوح أو متوسط الحراسة علي أثر توصيات حلقة دراسات الشرق الأوسط لمكافحة الجريمة ومعاملة المسجونين التي عقدت بالقاهرة سنه 1953 حول السجون المفتوحة ، وكذلك تنفيذاً لما أوجبته المادتين69 و80 من لائحة السجون بالمرسوم رقم 108 لسنة 1949 من ضرورة أن يمر المسجون الذي تزيد مدة بقائه في السجن على خمس سنوات بفترة انتقال.

وفي عام 1965 تكررت تجربة المؤسسات شبه المفتوحة في مصر بإنشاء معسكر عمل للمسجونين بمديرية التحرير بموجب قرار مدير مصلحة السجون الصادر في 30 نوفمبر 1965. وبهذا السجن يودع المحكوم عليهم الذين لا تقل أعمارهم عن عشرين عاماً ولا تزيد على خمس وأربعين عاماً متى كان الحكم صادر بعقوبات قصيرة المدة ، ومتى ثبت حسن سيرهم وسلوكهم وكان لا يوجد منهم خطورة على الأمن العام ولا يخش هروبهم.

وهذه التجارب تكررت فيما بعد بالعديد من المناطق الجديدة بهدف استصلاحها , من ذلك سجن الطريق الصحراوي وسجن القطا وسجن دمنهور .

الفصل الثانىالتنظيم المادي للمعاملة  العقابية


259- تمهيد وتقسيم :
     يقصد بالتنظيم المادي للمعاملة العقابية مقدار ما يسمح به نظام المؤسسه العقابية من حرية للنزلاء في الاتصال بين بعضهم البعض. وتتنوع المؤسسات في ذلك إلى أربعة نظم مختلفة. فإما أن يكون نظام المؤسسة جمعي  أو مشترك Régime commun  ، يسمح فيه بالاتصال بين النزلاء في كل وقت. وإما أن يكون نظام فردي Régime cellulaire ، ويقتضي الفصل التام بين النزلاء في كل وقت ليلاً ونهاراً. وإما أن يكون نظام مختلط Régime mixte ويقتضي الجمع بين النزلاء نهاراً والفصل بينهم ليلا.  وإما أن يكون نظاماً تدريجياً progressif  Régime ، يقتضي البدء مع النزلاء بمستوي عقابي صارم والتدرج معهم نحو التخفيف شيئا فشيئا إلى حين الإفراج عنهم.

والواضح من هذه الأنواع أن النظامين الأولين – الجمعي والفردي - يقومان علي المغالاة، أما النوعين الآخرين - المختلط والتدريجي - فيقومان على الجمع بين مزايا النظامين الأولين ومحاولة تلافي عيوبها ، أي أنها أنظمة توفيقية. ولكل من هذه الأنظمة سوف نخصص مبحثاً.
المبحث الأول
النظام الجمعي Régime en commun

260- أولاً : مضمون النظام الجمعي :
     جوهر النظام الجمعي عدم الفصل بين المحكوم عليهم خلال مدة تنفيذ العقوبة السالبة للحرية كاملة سواء أكان ليلاً أو نهاراً ، وسواء في مكان المبيت أو العمل أو الترفية أو الطعام. ولا يغير من طبيعة النظام أن تقسم الإدارة العقابية المحكوم عليهم إلى طوائف على أساس السن والجنس. كأن تخصص الإدارة داخل المؤسسة العقابية أقسام للبالغين وأخري لصغار السن أو أن تخصص أقسام للنساء وأخري للرجال .

261- ثانياً : تقييم النظام الجمعي :
    يمتاز النظام الجمعي بعدد من المزايا منها :
*- يمتاز النظام الجمعي بكونه يتوافق مع الطبيعة البشرية التي تنزع إلي الاجتماع والاتصال بالآخرين. فالإنسان حسب الفطرة كائن اجتماعي محب للتواجد بين مجموع.
*- أن النظام الجمعي قليل النفقات إذ لا يستوجب الإكثار من الإنشاءات أو من  عدد رجال الإدارة.
*- هذا النظام يتفادى المشاكل الصحية التي قد يتعرض لها المحكوم عليه إذا ما عزل بمفردة عن بقية أقرانه , كالتوتر والاضطرابات النفسية والعقلية.
*- قد يسهم هذا النظام في تطبيق الاستفادة من وسائل الإنتاج الحديثة فيضاعف من إنتاجية المؤسسة العقابية.

بيد أن هذا النظام يعيبه الكثير من السلبيات التي نوجزها على النحو التالي :
*- فقد قيل أنه نظام يفسد أكثر مما يصلح Ce régime corrompt plus qu’il amende     , حيث يسمح هذا النظام بالاختلاط بين السجناء الصالح منهم مع الطالح المبتدئ مع العائد فتنتقل عدوي الجريمة وتتشكل العصابات الإجرامية , التي تمارس عملها الإجرامي بعد الخروج من المؤسسة. فتصبح هذه الأخيرة وكأنها معاهد لتدريس الجريمة.
*- يضاف إلي ذلك أن الجمع بين النزلاء ليلاً ونهاراً ينمي روابط الصداقة بينهم مما قد يهدد النظام الداخلي للسجن ويساعد علي تزايد حالات العصيان والإضراب سواء عن العمل أو عن الطعام.

وقد حاول البعض التأكيد علي أن هذه الانتقادات مبالغ فيها, إذ أن نظام الجمع في ذاته ليس معيباً ، بل إن جوهرة يتوافق مع الطبيعة الإنسانية. وربما ما قيل بشأنه من عيوب يعود إلى غياب أساليب التأهيل. وبالتالي يمكن تفادي عيوب هذا النظام إذا ما تم تصنيف المحكوم عليهم بحيث لا يتم الجمع إلا بين الطوائف المتقاربة في السن وفي الظروف الاجتماعية ودرجة الخطورة الإجرامية .
المبحث الثاني
 النظام الانفرادى (البنسلفانى)
         Régime cellulaire ou pennsylvanien 
     
262- أولاً : مضمون النظام الانفرادي ونشأته :
     النظام العقابي الانفرادي هو علي النقيض من النظام الجمعي ، إذ يقوم هذا النظام على أساس الفصل التام بين النزلاء ليلاً ونهاراً وتنقطع الصلة بينهم بحيث يقضي كل مسجون عقوبته منفرداً في زنزانة خاصة بالسجن لمنع الاختلاط الضار بين المسجونين. وفي داخل هذه الزنزانة يمارس النزيل أنشطتة ولا يبرحها إلا حين انتهاء العقوبة.

وترجع بدايات هذا النظام إلي العهود الأولى للكنيسة المسيحية التي كانت تري أن العزلة مدعاة إلى مراجعة النفس وتطهيرها من الخطيئة. ثم عرفته سجون أخرى مدنية كسجن أمستردام في هولندا في نهايات القرن السابع عشر وسجن سان ميشيل في روما وسجن ميلانو عام 1759. ثم طبق هذا النظام في فيلادلفيا في نهاية القرن السابع عشر 1790 تحت تأثير أفكار جون هوارد John Howard    وفي ولاية بنسلفانيا عام 1827. لذا يطلق أحيانا علي هذا النظام أسم النظام الفيلادلفي Régime philadelphien  أو النظام البنسلفاني .Régime pennsylvanien  

وفي منتصف القرن التاسع عشر بدأ هذا النظام يلاقي قبولاً في عدد من الدول أخري. ففي فرنسا أخذ بنظام العزلة التامة L’isolement complet   عام 1840. وفي عام 1853 كان عدد السجون الانفرادية قد بلغ 49 سجناً تشتمل على 4485 زنزانة. وفي عام 1875 أنشئت الجمعية العامة للسجون  Société Général de  Prisons   بهدف التوسع في نظام السجون الانفرادية , إلا أن التكاليف المالية الباهظة التي يتطلبها تطبيق هذا النظام وقفت حائلا دون ذلك , مما أدى إلي تقلص عدد السجون الانفرادية حتى وصل العدد إلي 50 سجنا انفراديا فقط .

وعلي ذات المنوال سارت بلجيكا , إذ أنشئت العديد من السجون الانفرادية في لوفان Louvain عام 1860. وصدر عام 1870 قانون يقرر تطبيق النظام الانفرادي علي كافة العقوبات السالبة للحرية طويلة المدة أو قصيرة المدة. واستمر الحال هكذا إلي أنه تم التخلي عن هذا النظام القاسي في 1945 بالنسبة لتنفيذ العقوبات السالبة للحرية طويلة المدة.

263- ثانياً : تقييم النظام الانفرادي :
     إذا أردنا تقدير هذا النظام العقابي , فإننا يمكننا القول بأنه يتفادى العيوب التي قيلت بشأن النظام الجمعي والناشئة عن الخلطة الكاملة بين المحكوم عليهم. فهذا النظام الذي يقوم على العزل التام يتيح لكل نزيل أن يتأمل في جرمته ويولد لدية الرغبة في التوبة والندم.

بيد أن هذا النظام يعيبه أنه يصطدم بالطبيعة والفطرة الإنسانية التي تنحو نحو الانضمام والترابط والتجمع وتأبى العزلة والانفراد , الأمر الذي يؤدي بالمحكوم عليه – خاصة بعقوبة سالبة للحرية طويلة المدة - إلى التعرض للكثير من المشاكل والاضطرابات العصيبة والنفسية. مما قد يدفعه إلى التفكير في الانتحار أحياناً أو على أقل تقدير إلى الهرب من المؤسسة العقابية. فضلا عن ذلك فإن هذا النظام يتطلب الأخذ به تخصيص تكاليف مالية باهظة مما قد يشكل عبئاً علي الدولة. إذ يتطلب هذا النظام إنشاء عدد ضخم من الزنازين وتعيين عدد أكبر من السجانيين والحراس والمشرفين الإداريين والأخصائيين النفسيين والأطباء…الخ. كما أن هذا النظام يضعف إدارة المحكوم عليه وتجاوبه مع الإدارة العقابية مما يجعل من برامج التأهيل والتثقيف والتهذيب أمراً لا طائل من ورائه.

ولا شك أن تلك العيوب كانت وراء التراجع الذي شهده هذا النظام في كل دول العالم تقريباً ، حتى أنه لم يعد مأخوذ به إلا في بعض الأحيان كمرحلة من مراحل النظام التدريجي وإما بصدد طوائف معينة من المحكوم عليهم. من قبيل ذلك المحكوم عليهم شديدي الخطورة أو المصابين بشذوذ أو مرض نفسي وعصبي ، أو عندما يكون المحكوم عليه خاضعاً لعقوبة قصيرة المدة ويرجى ابعاده عن الوسط السيئ للمؤسسة العقابية وتجنيبه مضار الاختلاط ببقية المحكوم عليهم ، أو أن يكون المحكوم عليه من طائفة معينه , كالمحكوم عليهم في جرائم الرأي والذين يرجى عدم اشعارهم  بالمهانة باختلاطهم بالمجرمين في الجرائم العادية .

المبحث الثالث
النظام المختلط ( الأوبراني) 
  Régime mixte ou Auburnien

264- أولاً : مضمون النظام ونشأته :
     يهدف النظام المختلط إلي محاولة التوفيق بين النظامين السابقين الانفرادي والجمعي من أجل الاستفادة من مزاياهما والحد من أثارهما السلبية. فيقرر هذا النظام الجمع بين المحكوم عليهم نهاراً في أماكن العمل والترفيه والراحة والفصل بينهم ليلاً أثناء النوم. وتجنيباً لأثار الاختلاط النهاري يتم فرض الالتزام بالصمت مع كافة المحكوم عليهم , لذا يطلق علي هذا النظام أحياناً اسم النظام الصامت Régime de silence.

وقد بدأت تجربة هذا النظام في سجن مدينة أوبرين  Auburin في ولاية نيويورك عام 1818، لذا يسمي هذا النظام بالنظام الأوبراني. ووفقا لنظام هذا السجن يجلس كل محكوم عليه في ظهر زميله وعين كل منهم منكفئة إلى أسفل. ويمكن للأقارب المحكوم عليه زيارته أثناء العمل دون أن يكون للمحكوم عليه الحق في رؤيتهم. كما يحرم المحكوم عليه من حق القراءة والكتابة أو متابعة البرامج التدريبية.
265- ثانياً : تقييم النظام المختلط : 
     لا شك أن النظام المختلط يتفادى عيوب النظامين الجمعي والانفرادي ويجمع بين الكثير من مزاياهما. فهو لاشك يتجاوب مع حقائق النفس البشرية التي تسعى إلى الاجتماع بالآخرين مما يعطي للمحكوم عليه حياه أقرب للحياة الطبيعية. كما أن هذا النظام يهيئ السبيل إلي تنظيم العمل الجماعي والاستفادة من أساليب الإنتاج.

ومن ناحية أخرى يتلافى هذا النظام مضار الاختلاط السيئ , إذ أن فرض الصمت الكامل نهاراً والعزل بين المحكوم عليهم ليلاً لا يعطي فرصة للاتفاقات الإجرامية والأحاديث المخلة. كما أن هذا النظام يجنب المحكوم عليه مخاطر التعرض للمشاكل النفسية والعصبية التي كانت تنشأ عن تطبيق النظام للانفرادي.

وأخيراً فإن هذا النظـام قليل التكاليف إذا ما قورن بالنظام الانفرادي علي الرغم مما يتطلبه النظـام المختلط من إنشاء زنازين بعدد المحكوم عليهم , إلا أن تلك الزنازين لا تكون معدة إلا للنوم فقط ، وبالتالي تكون أقل تكلفة فيما لو جهزت بغرض ممارسـة كافة مظاهر الحياة اليومية.

غير أنه يعيب هذا النظام أنه يفرض نظام قاسي في العمل أثناء النهار بإلزام المحكوم عليهم بالصمت ، وهو أمر يصعب تنفيذه من الناحية العملية. لذا بدأت بعض الدول من التخفيف من قاعدة الصمت أثناء اجتماع المحكوم عليهم في العمل وأماكن الطعام والترفية ، مما يجعل لهذا النظام الكثير من المزايا التي تفوق النظامين الجمعي والانفرادي ، الأمر الذي حدا بالكثير من الدول إلى الأخذ به ، بل وجعله أحياناً مرحلة من مراحل النظام التدريجي في الدول التي تأخذ بهذا النظام الأخير .

المبحث الرابع
النظام التدريجى (الأيرلندي) 
Irlandais Régime progressif ou

266- أولاً : مضمون النظام ونشأته : 
     يقوم النظام التدريجي علي تقسيم مدة العقوبة السالبة للحرية إلى مراحل مختلفة يطبق في كل مرحلة نظام عقابي يختلف عما يطبق في المراحل الأخرى. بحيث تتدرج هذه المرحل من الشدة إلى التخفيف ، وفقاً لما يطرأ على سلوك المحكوم عليه من تحسن ، حتى الوصول إلى أقل المراحل شدة وهي الأقرب للحياة الطبيعية والتي تسبق الإفراج النهائي. فكأن هذا النظام يهدف إلى تهيئة المحكوم عليه وإعداده للانتقال من حياة سلب الحرية إلى حياة الحرية الطبيعية.
وقد طبق هذا النظام في الجزر القريبة من استراليا في علم 1840 ، ثم انتقل إلى أيرلندا حيث تحددت معالمه الكاملة علي يد العلامة ولتر كروفتن Walter Crofton  لذا يسمي هذا النظام أحياناً بالنظام الأيرلندي.  ثم عرفته الدول الأوربية الأخرى كسويسرا وإنجلترا. وطبق في فرنسا في العديد من السجون المركزية وسجون المدرسة Les prisons-écoles  في الفترة ما بين عام 1945 وعام 1958 ، إلى أن تم العدول عنه نهائياً بالقانون الصادر في 28 يوليو 1978 .

وعادة ما يقسم هذا النظام إلى ثلاث مراحل. في المرحلة الأولى يطبق النظام الانفرادي ، حيث يعزل المحكوم عليه في زنزانة خاصة خلال الفترات الأولي من العقوبة السالبة للحرية، يمارس فيها حياته اليومية من مأكل ومشرب ، مع السماح له أحياناً بالتريض والترفيه في أوقات محددة كي يتم تجنب مساوئ النظام الانفرادي.

وفي المرحلة الثانية - وهي القسم الأكبر من مدة العقوبة السالبة للحرية - يطبق النظام المختلط ، بحيث يجتمع النزلاء ببعضهم البعض نهاراً في أماكن العمل والطعام والترفيه والراحة مع الفصل بينهم ليلاً أثناء النوم ، بحيث يأوي كل واحد منهم إلى زنزانته الخاصة. ولتفادي عيوب النظام الجمعي والمختلط يجب على الإدارة العقابية أن تصنف المحكوم عليهم إلى فئات ، فتجمع نهاراً بين أفراد الطائفة الواحدة المتجانسة.

وفي المرحلة الأخيرة يستفيد المحكوم عليه الذي يثبت تجاوبه مع المراحل السابقة ويثبت حسن سلوكه من نظام يعرف باسم نظام الثقة. وهي مرحلة تسبق الإفراج النهائي ، يتدرب خلالها المحكوم عليه على مواجهة الحياة الطبيعية. ويتم ذلك عن طريق وضعه في جناح خاص بعيداً عن السجن والسماح له بارتداء الملابس المدنية والسماح له بزيارات دورية في فترات قصيرة ، وقد يسمح له أحياناً بالاستفادة من نظام الإفراج تحت شرط أو نظام شبة الحرية.

267- ثانياً : تقييم النظام التدريجي :
لا شك أن النظام التدريجي هو أفضل الأنظمة العقابية علي الإطلاق , ذلك أنه ينمي في المحكوم عليه روح الانضباط وحسن السلوك ، إذ بذلك يمكنه الانتقال إلى نظام عقابي أخف. كما أنه نظام يقوم على تأهيل المحكوم عليه وتدريبه على حياه الحرية الطبيعية شيئاً فشيئاً ، فيتفادى عيوب الانتقال إلى الإفراج النهائي المفاجئ.

ورغم تأييدنا لهذا النظام إلا أنه لا يسلم من النقد. فقد قيل أن المزايا التي تحققها إحدى مراحل النظام التدريجي قد تمحوها المرحلة التالية لها. فمثلا إذا كان العزل والصمت المفروضان على المحكوم عليهم في المرحلة الأولى يهدفان إلى تفادي تأثير الاختلاط بينهم وبين المجرمين شديدي الخطورة , فإن انتقال المحكوم عليهم إلى المرحلة التالية الأخف قسوة ، والتي يتاح لهم فيها الاختلاط نهاراً وتبادل الأحاديث خلال فترات التجمع ، قد يطيح بما حققته المرحلة الأولي.
يضاف إلى ذلك أن معتادي الإجرام , لما لهم من خبرة إجرامية وسجونية , يكونوا قادرين على التحايل على الإدارة العقابية وإيهامهم بحسن سلوكهم ومن ثم وجوب استفادتهم من الانتقال إلى مرحلة تالية أخف. وهذا على عكس المحكوم عليه المبتدئ الذي لا يطيق حياة سلب الحرية ويبدو سلوكه عدوانياً تجاه رجال الإدارة ولا يتجاوب معهم ، مما يوقعه أحياناً تحت طائلة العقاب التأديبي ، فلا يستفيد بلانتقال إلى مراحل تالية أخف في النظام العقابي.

والواقع أن تلك العيوب لا تنال من مزايا هذا النظام. ولا يسعنا من أجل تفادي تلك العيوب إلا الدعوة إلى الاهتمام بعلوم فحص الشخصية وتصنيف المجرمين ، بحيث يتم الكشف من خلالها على حقيقة التقدم الذي يطرأ على سلوك المحكوم عليه قبل الانتقال به إلى مراحل تالية. كما أن يفضل في خلال المرحلة الأولى - أي مرحلة العزل - الإكثار من برامج التهذيب والتثقيف حتى ينتقل المحكوم عليه إلى المرحلة التالية وقد أوقظت داخله مشاعر الثقة وتحمل المسئولية.

268- ثالثاً : موقف المشرع المصري من النظام التدريجي : 
     لقد تجاوب المشرع المصري مع النظام العقابي التدريجي عندما نص في المادة 13 من قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنه 1956 بأن يقسم المحكوم عليهم إلى درجات لا تقل عن ثلاثة. كما نصت المادة الرابعة من قرار وزير الداخلية رقم 81 لعام 1959 على وجوب تشكيل لجنه في كل سجن تكون مهمتها وضع المحكوم عليه في الدرجة الملائمة له مستعينة في ذلك بتقدير ظروفه الشخصية وبنوع الجريمة التي ارتكبها وبالعقوبة المحكوم عليه بها. 

وتنص أيضاً المادة 18 من قانون السجون على أنه إذا ذات مدة بقاء المحكوم عليه في السجن على أربع سنين وجب قبل الإفراج عنه أن يمر بفترة انتقال , على أن يراعى التدرج في تخفيف القيود أو منح المزايا. كما توجب المادة 46 من لائحة السجون الداخلية عزل المحكوم عليه عشرة أيام عند بدء تنفيذ العقوبة.

ورغم تقديرنا لهذا التجاوب من قبل المشرع المصري مع هذا النظام من أنظمة التنفيذ العقابي إلا أنه يعيب نظام التدرج في التشريع المصري أن الدرجات الثلاث التي نص عليها المشرع إنما تحددت في ضوء اعتبارات أساسها الجريمة والعقوبة ، في حين أن ضابط التدرج كان يجب أن يكون مقتضيات التأهيل والتهذيب.

ويمكننا القول بأن ما وضعه المشرع المصري ما هو إلا نظام تصنيف في بدء تنفيذ العقوبة وليس خلقاً لمراحل عقابية تدريجية وفق ما يقتضيه النظام التدريجي الصحيح. كما أن مرحلة العزل التي نصت عليها المادة 46 من اللائحة الداخلية للسجون إنما وضعت للاعتبارات صحية وليس كمرحلة من مراحل النظام التدريجي. للأجل هذا قلنا أن خطة المشرع المصري هى نوع من التجاوب مع النظام التدريجي وليس تبنى كامل له ، وهو ما يجب على المشرع المصري أن يعاود النظر فيه .  

 الفصل الثالث
التنظيم القانوني للمعاملة العقابية

269- تمهيد وتقسيم :
     إن تحقيق الجزاء الجنائي - عقوبة أم تدبير – لأغراضه يتوقف في حقيقة الأمر على ما تعتمده الإدارة العقابية من تنظيم قانوني لأساليب المعاملة المطبقة على المحكوم عليه داخل المؤسسة العقابية. 

من أجل ذلك اعتمدت الدول عدد من الأساليب العقابية - بعضها قد يمثل حقاً للمحكوم عليه - من أجل تأهيل المحكوم عليه وإعادته مرة أخرى عضواً متكيفاً مع بيئته الاجتماعية المحيطة به. وبحيث أصبح المحكوم عليه وليس فعله هو محل اهتمام الدراسات المتعلقة بمرحلة التنفيذ العقابي ، أو كما يقولون "المحكوم عليه هو الذي يدخل السجن ، أما جريمته فتبقى خارج الأسوار" . وبقدر سلامة تلك الأساليب يكون تحقيق الأهداف المنشودة من الجزاء الجنائي ، خاصة السالب منه الحرية.

إلا أن الدراسات العقابية المختلفة قد أثبتت أن المعاملة العقابية داخل السجن لا تحقق دائماً أغراض العقوبة خاصة التأهيل والتقويم. من هنا اتجهت النظم العقابية إلى الأخذ بوسائل مختلفة تطبق خارج المؤسسة العقابية للحد من الآثار التي ترتبها العقوبات السالبة للحرية ، ومن أجل محاولة تأهيل المحكوم عليه في الوسط الحر.

ولكل من أساليب المعاملة العقابية ، سواء داخل المؤسسة العقابية ، أو خارجها سوف نخصص مبحثاً مستقلاً.

المبحث الأول أساليب المعاملة العقابية الداخلية


267- تمهيد وتقسيم :
     يقصد بأساليب المعاملة العقابية الداخلية ما تتبعه الإدارة العقابية من وسائل داخل المؤسسة من أجل أن يحقق الجزاء الجنائي هدف الإصلاح والتأهيل. وتتحصل أهم أساليب المعاملة العقابية الداخلية في العمل والرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم والتهذيب ونظام الجزاءات التأديبية والمكافأة.

غير أن تنفيذ هذه الأساليب يوجب بداءة دراسة المحكوم عليه دراسة كاملة حتى يمكن في ضوء ذلك تحديد أسلوب المعاملة الأمثل والذي يتفق مع ظروفه. من هنا كان يلزم أن يسبق دراسة أساليب المعاملة العقابية داخل المؤسسات العقابية دراسة ما يسمى بالتصنيف العقابي للمحكوم عليهم. 

المطلب الأول
التصنيف العقابي

268- تقسيم : 
     لبيان المقصود بالتصنيف العقابي للمحكوم عليهم Reclassement des détenus يجدر بنا أن نبين على التوالي مفهومه ، ومعاييره ، ونظمه ، ثم موقف المشرع المصري منه.

269- أولاً : مفهوم التصنيف  العقابي : 
     يقصد بالتصنيف العقابي تقسيم المحكوم عليهم إلى طوائف متجانسة من حيث الظروف ثم توزيعهم على المؤسسات العقابية ، بهدف إخضاع أفراد كل طائفة للمعاملة العقابية الملائمة لتأهيلهم .

ويقتضي إعمال التصنيف بهذا المعنى القيام بعمل فني سابق تبدأ به مرحلة التنفيذ يسمى الفحص ، وذلك بإجراء دراسة كاملة عن المحكوم عليهم بهدف تحديد أسلوب التنفيذ وبرامج المعاملة الملائمة. ويقوم بهذا الفحص السابق على التصنيف مجموعة من الفنيين بمختلف التخصصات.

وقد ينصب الفحص على الحالة البدنية للمحكوم عليه ويسمى بالفحص البيولوجي للكشف عما يعانيه المحكوم عليه من أمراض. وقد يتم ذلك في المؤسسة العقابية ذاتها أو في إحدى المستشفيات عند اللزوم. وقد يستهدف الفحص الكشف عن الحالة العقلية والعصبية للمحكوم عليه ، بهدف عزل المحكوم عليهم الذين يعانون من أمراض نفسية أو عقلية. وقد يستهدف الفحص دراسة نفسية المحكوم عليه ، أي قياس ذكائه وقدراتة المختلفة ومعرفة ميوله واتجاهاته والكشف عن النواحي الانفعالية والمزاجية عنده. وقد يستهدف الفحص أخيراً الكشف عن طبيعة وظروف البيئة الاجتماعية للمحكوم عليه ، خاصة مجتمع الأسرة ومجتمع العمل والأصدقاء ، لما لهذه الأوساط من أثر في توجيه الفرد أحياناً نحو لجريمة.

وعلى هذا الفحص السابق نصت المادة 16 من اللائحة الداخلية للسجون بقولها "يخصص لكل مسجون سجل يتضمن بحثاً شاملاً عن حالته من النواحي الاجتماعية والنفسية وما يطرأ عليها من تحسن أو انتكاس".

ويعتبر التصنيف كمرحلة لاحقة على الفحص من أهم الخطوات اللازمة لتحقيق أهداف السياسة العقابية ، ذلك أن هذا التصنيف يحقق غرضاً هاماً ألا وهو عزل المحكوم عليهم الذين يخشى تأثيرهم الضار على غيرهم من المذنبين بسبب ماضيهم الإجرامي أو فساد أخلاقهم ، فضلاً عن تقسيمهم إلى فئات في ضوئها تحدد نوع المعاملة العقابية التي تناسب كل فئة .

270- ثانياً : معاييرالتصنيف العقابي :
     توجد عدة معايير يمكن الاستناد إليها من أجل تصنيف المحكوم عليهم عقابياً ، وهي بالتحديد سبعة معايير  نوجزها على النحو التالي : 
*- السن : بحيث يتم تقسيم المحكوم عليهم إلى فئتين رئيسيتين ، هما فئة الأحداث وفئة البالغين. وفي داخل كل فئة يمكن التميز بين مراحل سنية معينة ، كأن يقسم البالغين إلى شباب وإلى شيوخ ناضجين. ويهدف هذا المعيار إلى تجنب الاختلاط السيئ بين الشباب والأحداث أو بين الناضجين من الشيوخ وبين من هم أقل منهم سناً ، باعتبار أن الشباب والأحداث أكثر استجابة لبرامج التأهيل والإصلاح.
*- الجنس : لاشك أن مقتضيات المعاملة العقابية السليمة توجب الفصل بين الرجال والنساء منعاً لنشوء العلاقات الشاذة بينهما ، مما يؤثر على سلوك المحكوم عليه وتجاوبه مع البرامج التأهيلية التقويمية. وإعمال هذا المعيار في التصنيف يقتضي إنشاء سجون خاصة للرجال وأخرى للنساء  مع إخضاع الأخريات إلى معاملة عقابية خاصة تتفق مع تكوينهم الجسماني وقدرتهم على تحمل برامج الإصلاح والتقويم.
*- الماضي الإجرامي : وفقاً لهذا المعيار يتم تصنيف المحكوم عليهم إلى طوائف متنوعة ، فيكون منهم المجرمين المبتدئين والمجرمين العائدين أو المعتادين على الإجرام ، وذلك من أجل تجنب انتقال عدوى الجريمة من الطائفة الأشد خطورة إلى الطائفة الأقل. ولاشك أن هذا المعيار يراعى قابلية طائفة المبتدئين من المجرمين للتأهيل والإصلاح بشكل أسرع مما هو عليه الحال بشأن طائفة المعتادين على الجريمة ، مما يوجب إخضاع هذه الطائفة الأخيرة لبرامج أشد قسوة وصرامة من الطائفة الأولى.
*- مدة العقوبة : بناءً على هذا المعيار يتم تصنيف المحكوم عليهم إلى ثلاث طوائف : الأولى تضم المحكوم عليهم بعقوبات قصيرة المدة والتي  لا تتعدى سنة على الأكثر ، والثانية تضم فئة المحكوم عليهم بعقوبات متوسطة المدة التي لا تتجاوز ثلاث سنوات على الأكثر ولا تقل عن سنة ، أما الطائفة الثالثة فتضم المحكوم عليهم بعقوبات طويلة المدة والتي تجاوز الثلاث سنوات. وعلة هذا التصنيف هو عدم الجمع بين المحكوم عليهم بعقوبة قصيرة المدة مع غيرهم من طوائف المحكوم عليهم لما لهذا الجمع من أثر سيئ ناشئ عن سهولة انتقال عدوى الجريمة من فئة إلى أخرى. كما أن فئة المحكوم عليهم بعقوبة قصيرة المدة عادة لا يخضعون لبرامج تأهيلية نظراً لقصر مدة ، ويكتفى غالباً بعزلهم في أماكن خاصة داخل المؤسسة العقابية.
*- نوع الجريمة : في ضوء هذا المعيار يتم تقسيم المحكوم عليهم إلى طوائف متنوعة ، كأن يفرق بين المحكوم عليهم في الجرائم العمدية والجرائم غير العمدية ، أو يفرق بين المحكوم عليهم في جرائم الدم أو جرائم المخدرات وبين المحكوم عليهم في الجرائم الأخرى. فكل نوع من تلك الأنواع مجرميها متفردي الشخصية. فالمحكوم عليهم في جرائم الدم عادة ذوي طبيعة عدوانية وعدائية للمجتمع إذا ما قورنوا بغيرهم من المحكوم عليهم ، مما يوجب إخضاعهم إلى معاملة عقابية تميل إلى الشدة والقسوة.
*- الحالة الصحية : على أساس هذا المعيار يتم تقسيم المحكوم عليهم إلى طائفة الأصحاء وطائفة المرضى. وداخل هذه الطائفة الأخيرة يتم التمييز بين المحكوم عليهم بحسب نوع المرض ، وما إذا كان مرض عضوي أو مرض نفسي أو مرض عقلي. وعلة هذا التقسيم واضحة ، التي تتمثل في عدم انتشار العدوى بين النزلاء ، بالإضافة إلى إخضاع المحكوم عليهم المصابين بأمراض معينة إلى معاملة عقابية يغلب عليها طابع العلاج. 
*- حكم الإدانة :طبقاً لهذا المعيار يتم الفصل بين المحكوم عليهم نهائياً بالإدانة وبيم من صدر ضده فقط أمر بالحبس الاحتياطي أو من يكون خاضعاً لنظام الإكراه البدني تنفيذاً للأحكام الصادرة بالغرامة عند عدم التنفيذ اختياراً أو بالطريق المدني (التنفيذ الجبري). فلا شك أن المحكوم عليهم نهائياً بالإدانة هم الذين يحتاجون إلى الخضوع إلى برامج التأهيل والإصلاح والتهذيب. أما طائفة المحبوسين احتياطياً فلم يثبت بعد إدانتهم ومن ثم يستفيدون من قرينة البراءة لحين ثبوت إدانتهم ، لذا وجب أن تفرد لهم معاملة خاصة لاحتمال براءتهم. أما طائفة الخاضعين للإكراه البدني فلأنهم لا يخضعون لسلب الحرية إلا لمدة قصيرة ، ولأن نوازع الشر لم تتأصل  بداخلهم ، لذا ففي العادة لا يخضعون لبرامج تأهيلية اكتفاءً باستنفاذ الغرض الذي من أجله سلبت حريتهم بعد قضاء مدة الإكراه البدني.

271- ثالثاً : نظم التصنيف العقابي :
      للتصنيف العقابي أنظمة ثلاثة هى : نظام التصنيف الداخلي ، أو نظام مكتب التصنيف، ونظام التصنيف الإقليمي ، ونظام التصنيف المركزي.

272- أ : نظام التصنيف الداخلي :
     يقوم نظام التصنيف الداخلي ، المسمى أحياناً نظام مكتب التصنيف ، على أساس استقبال المحكوم عليهم داخل المؤسسة العقابية من قبل عدد من الأخصائيين والفنيين في النواحي المختلفة من أجل فحص كل محكوم عليه على حدة. وفي ضوء هذا الفحص يتم إعداد تقرير عن حالة المحكوم عليه كي يتم على أساسه تحديد نوع المعاملة العقابية الملائمة لكل محكوم عليه. وبهذا النظام أخذت بعض الولايات الأمريكية وكذلك الدنمارك.

وقد ألمح المشرع المصري إلى هذا النظام في المادة 30 من اللائحة الداخلية للسجون عندما أوجب وجود أخصائي نفسي في كل مؤسسة عقابية يكون مسئولاً عن دراسة شخصية المسجون وقياس ذكائه وقدراته المختلفة ، ومعرفة ميوله واتجاهاته ، والكشف عن النواحي الانفعالية والمزاجية عنده ، وكذلك رسم السياسة لخطة المعاملة والعلاج والتوجيه ، بما فيها التوجيه للناحية المهنية التي يصلح لها المسجون. وكذلك المادة 46 من اللائحة التي أشارت إلى وضع المحكوم عليه عند قبوله في السجن تحت الاختبار الصحي مدة عشرة أيام لا يختلط خلالها بالمسجونين الآخرين. 

ويعاب على نظام التصنيف الداخلي أنه غالباً ما يكون رأي الجهاز الذي يجري التصنيف استشارياً فقط بالنسبة للإدارة العقابية ، لاعتماد الجهاز على أخصائيين فنيين بعيدين عن العمل الإداري العقابي ، مما يجعل من تنفيذ توجيهاتهم أمراً صعب التحقيق من الناحية العملية .

273- ب : نظام التصنيف الإقليمي : 
     يقوم هذا النظام على تقسيم إقليم الدولة إلى عدة مناطق ، يكون بكل إقليم مؤسسة عقابية أو أكثر ويوجد بداخل كل مؤسسة جهاز يتولى تصنيف المحكوم عليهم الداخلين في اختصاصه الإقليمي. ويأخذ بهذا النظام عدد قليل من الدول منها السويد ونيوزيلاند.

ويعيب هذا النظام أنه قد لا يؤدي إلى توحيد المعايير الخاصة بتصنيف المحكوم عليهم ، كما أن أراء الأجهزة الموجودة بالمؤسسات دائماً استشارية بالنسبة للإدارة العقابية.

274- ج : نظام التصنيف المركزي :
     يقوم هذا النظام على أساس مبدأ وحدة جهاز التصنيف العقابي. بمعنى وجود جهاز تصنيف واحد يختص بكافة المحكوم عليهم من كافة الجوانب البيولوجية والنفسية والاجتماعية على كل إقليم الدولة ، وكذلك وضع برامج المعاملة العقابية الملائمة لكل محكوم عليه. وتكون لقرارات وتوجيهات هذا الجهاز القوة الملزمة قبل  القائمين على الإدارة العقابية.

وقد أخذ المشرع الفرنسي بهذا النظام عندما أنشأ عام 1950 ما يسمى مركز التوجيه القومي Centre d’orientation national بمدينة فريزن Fresnes ، الذي يتضمن نحو 124 زنزانة ويستقبل كل شهر حوالي مائة من المحكوم عليهم بعقوبة سالبة للحرية ليقضي فيه المحكوم عليه حوالي أربعة أسابيع من أجل فحصه من قبل لجنة متخصصة يرأسها قاضي. وتتولى هذه اللجنة وضع تقرير عن حالة المحكوم عليه يعرض على رئيسها كي يحدد في ضوء ما جاء به نوع المعاملة والمؤسسة العقابية المناسبة.

وقد أوجب المرسوم الصادر في 25 مايو 1975 إعداد ما يسمى بمذكرة التوجيه La notice d’orientation ، وتشتمل هذه المذكرة على مجموعة من المعلومات كالبيانات الشخصية للمحكوم عليه وحالته المدنية ومهنته ووضعه الأسري ووسائل إعانته وسوابقه ووضعه المادي وقرار الاتهام وكذلك رأي رئيس المحكمة الذي أصدر حكم الإدانة. 

ويحرر هذه المذكرة مدير المؤسسة العقابية ثم ترسل إلى قاضي التنفيذ كي يبدي رأيه حول المحكوم عليه ونوع المعاملة التي يقترحها. ثم يرسل هذا الملف إلى المدير الإقليمي للخدمات العقابية الذي يكلف بمخاطبة الإدارة المركزية التي تتخذ بشأن المحكوم عليه قراراً نهائياً في ضوء ما جاء من معلومات بمذكرة التوجيه. ولهذه الإدارة أن تقوم بإجراء تحقيق تكميلي حول المحكوم عليه إذا كان لذلك مقتضى .

وقد أخذت بهذا النظام دول أخرى كاليابان إذ أنشئت مركزاً بمدينة ناركنال Narkanal  يقيم فيه المحكوم عليه لمدة شهرين يخضع خلالهما لفحص شامل من النواحي البدنية والنفسية والاجتماعية قبل أن يتقرر إرساله إلى مؤسسة عقابية معينة تناسب حالته في ضوء ما يسفر عنه الفحص.

وكذلك فإن إيطاليا قد أخذت بهذا النظام عندما أنشئت عام 1954 مركزاً تصنيف بمدينة ريبيبيا Rebibbia يكون تابعاً للإدارة العامة لمؤسسات الوقاية والعقاب بوزارة العدل. وفي البداية فإن هذا المركز كان ذو هدف طبي ، أي من أجل تقسيم المحكوم عليهم من الناحية الصحية فقط ، إلى أن عدل غرض هذا المركز في عام 1956 كي يمتد التصنيف إلى النواحي البدنية والنفسية والعقلية والاجتماعية .

275- رابعاً : التصنيف العقابي في التشريع المصري :
276- أ : نظم التصنيف في التشريع المصري : 
     يمكن الإشارة إلى ثلاثة أنواع من نظم التصنيف في القانون المصري على النحو التالي :
*- التصنيف الداخلي : شكلت في عام 1956 لجان داخل المؤسسات العقابية برئاسة مدير السجن وعضوية طبيب وأخصائي اجتماعي ومهندس من أجل تصنيف المحكوم عليهم وفقاً لقدراتهم البدنية والعقلية ، من أجل تحديد نوع العمل والمعاملة العقابية الملائمة.
*- سجن الاستقبال والتوجيه : قد تم إنشاء هذا السجن في عام 1963 في منطقة طره للاستقبال المحكوم عليهم بالسجن المؤبد أو المشدد أو السجن أو الحبس لمدة تزيد على سنة. ويوضع المحكوم عليهم في هذا السجن لمدة ثلاثين يوماً كي يتم فحصهم عن طريق مجموعة من الأخصائيين تشمل أطباء ووعاظ ومدرسين. ويلزم كل من هؤلاء الأخصائيين بتقديم تقرير عن حالة المحكوم عليه إلى لجنة التوجيه كي تقرر توزيعهم على الليمانات أو السجون.
*- مراكز الاستقبال : وقد أنشئت هذه المراكز بدور التربية بالجيزة لتصنيف المحكوم عليهم من الأحداث من قبل مجموعة من الأخصائيين في مختلف النواحي تمهيداً لإحالتهم إلى أمكان الإيداع المناسبة مع تحديد أسلوب المعاملة العقابية الملائم.

277- ب : معايير التصنيف في التشريع المصري :
     أوجب قانون السجون وكذلك لائحته الداخلية الفصل بين فئات متنوعة من المحكوم عليهم، وتوزيعهم بالتالي على المؤسسات العقابية وفقاً لعدة معايير على النحو التالي :
*- السن : كانت توجب المادة 364 إجراءات جنائية قبل إلغائها تنفيذ العقوبات المقيدة للحرية على الأحداث الذين لم يبلغوا السابعة عشر في أماكن خاصة منفصلين عن غيرهم من المحكوم عليهم. كما توجب المادة 373/ب من اللائحة الداخلية عزل المحكوم عليهم ممن تجاوزوا السابعة عشرة ولم يبلغوا الخامسة والعشرين عن بقية المسجونين.
*- الجنس : توجب المادة الرابعة من اللائحة الداخلية للسجون أن يخصص سجن خاص بالنساء المحكوم عليهن بعقوبة السجن أو بالسجن المؤبد أو المشدد. وقد أنشئ في يوليو من عام 1957 سجن خاص بالنساء في منطقة القناطر بموجب القرار الوزاري رقم 42 لسنة 1957. أما النساء المحكوم عليهن بغير العقوبات السابقة فيودعن في أماكن منفصلة عن الرجال في السجون العمومية أو المركزية حسب الأحوال.
*- نوع العقوبة ومدتها وسوابق المحكوم عليه : أوجبت المادة 367 من اللائحة الداخلية للسجون في فقرتها الأولى الفصل بين المحكوم عليهم بالحبس البسيط أو الحبس مع الشغل لمدة أقل عن سنة وبين المحكوم عليهم بما لا يجاوز تلك المدة. وداخل كل طائفة من هذه الطوائف يعزل من لهم سوابق عن المحكوم عليهم لأول مرة. كذلك نص قانون السجون في المواد من 1 إلى 4 على توزيع المحكوم عليهم على الليمانات والسجون العمومية والمركزية وفقاً لنوع العقوبة المحكوم بها.
*- نوع الجريمة : وفقاً للمادة 371 من اللائحة الداخلية للسجون يقسم المحكوم عليهم طبقاً لنوع الجريمة التي ارتكبها كل منهم. وعلى ذلك يلزم الفصل بين مرتكبي جرائم الدم وبين مرتكبي جرائم المخدرات وبين أولئك وبين مرتكبي جرائم الأموال أو غيرها من الجرائم.
*- الحالة الصحية : توجب المادة 371 من اللائحة الداخلية للسجون التفرقة بين المحكوم عليهم من حيث البنية. وتوجب المادة 19 من قانون السجون إخضاع المرأة الحامل عند شهرها السادس لمعاملة طبية خاصة من حيث الغذاء أو التشغيل أو النوم حتى تضع حملها ويمضي عليها أربعون يوماً. ولا يجوز حرمان الحامل أو الأم من الغذاء لأي سبب كان ، مع وجوب توفير الرعاية الكاملة لطفلها من غذاء وملبس وعلاج.
*- الحبس الاحتياطي : توجب المواد من 14 إلى 16 من قانون السجون عزل المحبوسين احتياطياً في أماكن خاصة بعيداً عن بقية المحكوم عليهم. ولهؤلاء الحق في ارتداء ملابسهم الخاصة وإحضار ما يلزمهم من الغذاء من خارج السجن أو شرائه من داخل السجن.
*- جنسية المحكوم عليه : تقضي المادة 940 من قانون السجون بأن لوزير الداخلية أن يخصص مكاناً في السجن العمومي لقبول الأجانب الذين يؤمر بحجزهم مؤقتاً تمهيداً لابعادهم عن البلاد بالتطبيق للأحكام المرسوم بقانون رقم 74 لسنة 1952 في شأن جوازات السفر وإقامة الأجانب والقوانين المعدلة له. ويعامل هؤلاء الأجانب المعاملة التي يقررها وزير الداخلية.

ونأمل من جانبا – ومن أجل إعمال مبدأ تفريد المعاملة العقابية - أن يأخذ المشرع المصري في اعتباره عند تصنيف المحكوم عليهم أن يخصص سجوناً أو على الأقل أقساماً مستقلة داخل المؤسسة العقابية لبعض المحكوم عليهم في جرائم الرأي والجرائم السياسية ، مع تقرير معاملة خاصة لهم بالنظر إلى أن أثار تنفيذ العقوبة عليهم تكون مختلفة عن تلك المعرفة بالنسبة للمحكوم عليهم في القضايا الجنائية العادية .

المطلب الثاني
الـعـــمـــــــــــل الـــعـــقـــــــابــــي

278- أولاً : نشأة العمل العقابي :
     يمكننا التأكيد على أن العمل في السجون Le travail pénitentiaire يرجع إلى فترات لم يكن فيها المعنى الحالي للسجن قد ظهر ، بحسبانه مكاناً لتنفيذ العقوبة الجنائية لا مكاناً للتحفظ على الأفراد لحين محاكمتهم أو لحين تنفيذ العقوبة البدنية عليهم. فحتى في العصور القديمة والوسطى عرف نظام العمل في السجون ، حيث كان المتحفظ عليهم يسخرون في الأعمال الشاقة مثل تجديف السفن وأعمال المناجم أو يرسلون إلى المستعمرات بهدف التنكيل بهم وإيلامهم.

ثم بدأ العمل العقابي يظهر داخل المؤسسات العقابية خلال القرن السادس عشر في هولندا عندما تم إنشاء ما يعرف بمنازل عمل أمستردام Les maisons du travail d’Amsterdam . بيد أنه في تلك الأثناء لم يكن العمل داخل المؤسسة العقابية إلا وسيلة للإيلام المحكوم عليه والحد من طاقته البدنية وخطورته الإجرامية ، فهو أقرب إلى أن يكون عقوبة تكميلية إلى جانب العقوبة السالبة للحرية .

وقد استمر الحال هكذا حتى بدايات القرن التاسع عشر وظهور الدعوات الفكرية للحد من قسوة العقوبات والاهتمام بشخص المحكوم عليه والسعي نحو إصلاحه وتأهيله ، بحيث يغدو هذا الإصلاح هو هدف العقوبة الأسمى ويعلو على الإيلام والتكفير. وكان من ثمار هذه الأفكار أن تغيرت النظرة للعمل في السجون. فلم يعد هذا الأخير أحد عناصر العقوبة بل أصبح أداة ووسيلة للتأهيل تهدف إلى الحفاظ على التكامل الجسدي والنفسي للمحكوم عليه. ولقد راج هذا المفهوم مع ظهور فكرة السجون الجماعية (النظام الأوبراني) التي تقوم أساساً على فكرة تشغيل المحكوم عليهم في الأعمال الصناعية والزراعية بما يعود بالفائدة على الدولة وعلى المحكوم عليه أيضاً.

279- ثانياً : العمل العقابي في المؤتمرات الدولية : 
     إن أهمية العمل العقابي قد جعلت منه موضوعاًً للبحث من قبل العديد من المؤتمرات الدولية. ويمكننا أن نشير هنا بصفة خاصة إلى المؤتمر الدولي الذي انعقد في لاهاي La Hayes بهولندا في عام 1950 ، والذي أوصى بثمان توصيات عن العمل العقابي نذكرها على النحو التالي  :
*- أن ينظر إلى طبيعة العمل في السجون كأحد وسائل المعاملة العلاجية للمسجونين ، واعتباره حقاً لهم جميعاًُ ، ولو أنه التزام كذلك. وأن تتحمل الدولة عبئ تدبيره لهم ، على أن يكون لهم الحق في اختيار العمل الذي يريده كل منهم في حدود ما تسمح به احتياجات التدريب وإدارة السجن ونظامه.
*- تنظيم العمل في ظروف مشابهة للعمل الحر.
*- أهمية هذا التشابه في تحقيق الأغراض التربوية والاقتصادية والاجتماعية للعمل في السجون.
*- دحض دعوى منافسة عمل السجناء للعمل وللصناعة في خارج السجن.
*- وجوب التعويض عن إصابات العمل وأمراض المهنة وتمتع السجناء بنظم التأمين الاجتماعي القائمة في البلاد.
*- وجوب أن يتقاضى المسجون أجراً عن عمله يحسب على أساس القواعد السائدة خارج السجن.
*- أن يكون الغرض من العمل بالنسبة للمجرمين الصغار هو قبل أي اعتبار أخر تعليمهم حرفه. ويلزم لذلك تنويع الحرف لمواجهة كل احتياجات هذا التعليم.
*- وجوب توفير أسباب استغلال المسجون لوقت فراغه في ممارسة هواياته فضلاً عن أوجه النشاط الذهني والتدريب الرياضي.

كما يمكننا كذلك أن نشير إلى ما قرره مؤتمر جنيف الدولي الجنائي العقابي عام 1955 من أنه "لا يعتبر العمل عقوبة إضافية وإنما هو وسيلة للسير قدماً بتأهيل المسجون وتدريبه على العمل وتكوين عادات أفضل خاصة بالعمل لدية". كما أكد هذا المؤتمر في توصياته على أن مصالح المسجونين وتدريبهم المهني يجب ألا يخضع لمقتضيات تحقيق ربح مالي من الصناعة في السجن .

وهكذا انتهى العمل العقابي الآن إلى أن أصبح وسيلة لتأهيل المسجون وعنصراً يهدف إلى تقويمه ولا شأن له بالعقوبة المقضي بها.

281- ثالثاً : أغراض العمل العقابي : 
     يهدف عمل المحكوم عليه داخل المنشئات العقابية إلى تحقيق العديد من الأغراض : فهو أولاً وسيلة لمنع البطالة السجونية التي قد تدفع المحكوم عليه إلى التمرد على النظام الداخلي للمؤسسة العقابية . فقد لوحظ أن المحكوم عليه الذي لا يعمل ينصرف تفكيره إلى أنه ضحية لمظالم وهمية ويزداد من حقده على نظام المؤسسة والعاملين فيها فيتجه إلى الإخلال بالنظام القائم فيها. فالعمل العقابي يستنفذ الطاقات الجسدية المعطلة للمحكوم عليه بما يجعله يصرف تفكيره إلى الأشياء المفيدة ويجعله راضياً عن نفسه وعن معيشته في السجن ، الأمر الذي من شأنه أن يسهل من تعاونه مع الإدارة العقابية ونجاح كل مجهود يبذل من أجل تهذيبه وتأهيله .

يضاف إلى ذلك أن العمل العقابي يحقق غرض العقوبة ، حيث أن للعمل في السجون طبيعة عقابية. يؤكد ذلك أن كثير من القوانين تجعل السجن المؤبد أو المشدد عقوبة لبعض الجرائم شديدة الخطورة ، كما أنها تفرق في عقوبة الحبس كمثال لأخف العقوبات السالبة للحرية بين الحبس البسيط والحبس مع الشغل. وقد يكون العمل بديلاً عن الحبس إذا لم يفي المحكوم عليه بما عليه من غرامات أو المصاريف أوما يجب رده من تعويضات ، فيما يعرف بنظام الإكراه البدني الذي يمكن للمحكوم عليه أن يطلبه قبل أن تصدر النيابة الأمر به .

وإذا كان من بين أغراض العقوبة إعادة تأهيل المحكوم عليه ، فلا شك أن أداة ذلك هو إخضاع المحكوم عليه للعمل العقابي. فبهذا الطريق يمكن تدريب المحكوم عليه على حرفة معينة تتلاءم مع ميوله واستعداده الشخصي وتساعده على الاستمرار في مباشرتها بعد الإفراج عنه ، مما يباعد بينه وبين الإجرام في المستقبل.

ولا شك أنه يسهل تأهيل المحكوم عليه عن طريق العمل كلما كان النظام العقابي للمنشأة يقترب من الحياة العادية والطبيعية للإنسان (النظام الأوبراني). فهذا النظام الأخير يتيح أكبر فرصة لاجتماع المحكوم عليهم نهاراً ويهيئ فرصة العمل الجماعي ، مما يساعد على تنمية قدرات المحكوم عليه وإكسابه مهارات فنيه جديدة . وتزداد فرصة التأهيل أكثر كلما كان العمل يمارس خارج المنشأة العقابية. حيث يتيح له ذلك التدريب على الوسائل الفنية الحديثة التي تتطابق مع ما سوف يراه من أدوات عند خروجه من المؤسسة ، كما يساعد أداء العمل في الوسط الحر على حفظ التوازن النفسي والبدني للمحكوم عليه وحفظ صلاته وروابطه الأسرية والاجتماعية.   

على أن للعمل أيضاً غرض اقتصادي سواء بالنسبة للنزيل أو بالنسبة للدولة. فالعمل يساعد المحكوم عليه على ادخار جزء من مقابل العمل الذي يتقاضاه داخل المؤسسة يساعده حين الإفراج عنه على مواجهة الأعباء المادية للحياة. كما أن العمل العقابي يحقق مصلحة اقتصادية بالنسبة للدولة. فهو من ناحية يساعد في تخفيف العبء الإنفاقي للدولة حيث تستقطع هذه الأخيرة جزء من أجر عمل المحكوم عليه مقابل تعهدها بإعاشته. ومن ناحية أخرى فإن العمل السجوني أداة لزيادة الإنتاج والتنمية في الدولة ، حيث يدر العمل عائداً مالياً لها ناتج عن بيع ما تنتجه ورش العمل داخل وخارج المؤسسات العقابية. على أنه يجب أن يظل هذا الغرض بالنسبة للدولة غرض ثانوي بحيث إذا كان هناك تعارض بين مقتضيات تأهيل المحكوم عليه وبين زيادة الإنتاج وربحية الدولة فإنه يجب التضحية بهذا الغرض الأخير .

وتتنوع الأعمال التي يمكن أن يكلف بها المحكوم عليه. فقد تكون تلك الأعمال صناعية أو زراعية. وفي رأينا أنه يجب أن يترك للنزيل الحق في اختيار ما يناسبه من عمل ، على أن يكون هذا العمل منتجاً حتى يقبل عليه المحكوم عليه وأن يكون نوعه وأسلوبه مطابقاً لما هو كائن خارج المؤسسة العقابية  ، وأن يتقرر له مقابل عادل يتقاضاه المحكوم عليه حتى يشعر بقيمة العمل ويتعلق به ويدفعه إلى الاستمرار فيه بعد انقضاء مدة العقوبة.

وبصفة عامة – ووفقاً لما تنص عليه البند رقم 71/1 من قواعد الحد الأدنى لمعاملة المذنبين – يجب ألا يكون العمل في السجون ذا طبيعة مؤلمة . ونري أن العمل يكون كذلك إذا كان يزيد على قوة المسجون البدنية ، أو إذا كان يوقع به ألماً لا مبرر له ، أو كان يشكل خطراً على صحة المسجون .

282- رابعاً : التنظيم القانوني للعمل العقابي :
     تعتمد الدول ثلاثة أنظمة متنوعة من أجل تنظيم العمل في السجون. فقد يتم ذلك عن طريق نظام المقاولة العامة L’entreprise générale أو بأسلوب التوريدLa concession أو وفقاً لنظام الاستغلال المباشر La régie directe.

283- أ : نظام المقاولة العامة : 
     وفقاً لنظام المقاولة تعهد الدولة إلى أحد المقاولين بالانفاق الكامل على المحكوم عليهم من مأكل وملبس وأجور عمل. ويترك لهذا المتعهد أمر تحديد أنواع العمل التي يكلف المحكوم عليهم بأدائها ، وشروط ووسائل العمل. ويلزم المقاول وفق هذا النظام بأن يمد المحكوم عليهم بكل مستلزمات الإنتاج وأن يتولى هو بيع المنتجات لحسابه الخاص وأن يتحمل كافة الأخطار المرتبطة بالعمل وكذلك كافة المخاطر الاقتصادية المرتبطة بالإنتاج. وغالباً ما تقدم الدولة إلى المقاول دعم مالي حيث تزيد في الغالب نفقات تشغيل المحكوم عليهم على ما يحصل عليه مقابل بيع منتجات المؤسسة .

وبالرغم من أن هذا النظام لا يرهق خزينة الدولة ، مما حدا ببعض الدول إلى الأخذ به مع بدء الثورة الصناعية في أوربا ، إلا أنه يتعارض مع مقتضيات تأهيل المحكوم عليهم. فالمقاول هدفه الرئيسي هو تحقيق ربح من وراء تشغيل المحكوم عليه بغض النظر عن ظروفهم الاجتماعية والصحية والنفسية. بالإضافة إلى أن المقاول في هذا النظام يتمتع بنفوذ كبير داخل المنشأة العقابية وعلى المسجونين الأمر الذي قد يأتي بنتائج سلبية خطيرة تمس أمن ونظام المؤسسة العقابية .

284- ب : نظام التوريد :
     طبقاً لأسلوب التوريد تختار الإدارة العقابية صاحب الامتياز Confectionnaire الذي يمد النزلاء بالمواد الأولية والآلات ويحتفظ بحق بيع منتجات السجن لحسابه الشخصي. على أن يترك لتلك الإدارة الحق في الإشراف على المسجونين  والحق في اختيار المحكوم عليهم المكلفين بالعمل مراعية في ذلك ظروفهم الصحية والنفسية واستعداداتهم وقدراتهم الخاصة .

وتحصل الدولة مقابل توريد الأيدي العاملة على مبلغ من المال من صاحب العمل. وهذا المقابل يمثل مكافأة لها وليس مرتباً نظراً لعدم وجود عقد تأجير خدمات لا بين صاحب العمل والمحكوم عليه ، ولا بين هذا الأخير والإدارة العقابية. فما هو قائم يوصف بأنه محض عقد إداري وليس عقد عمل بالمعنى الدقيق للكلمة . وقد يتحدد هذا المقابل وفق نظام الإنتاج بالقطعة حيث لا يدفع للدولة مقابل توريد الأيدي العاملة مبلغاً محدداً جزافاً أو مراعياً فيه أنه أجر للعمل ولكنه يحدد بالنظر إلى أنه ثمناً لكل قطعة تسلم إليه .

ويعيب هذا النظام أن يؤدي إلى التضحية أحياناً ببعض الاعتبارات العقابية في مقابل الاعتبارات الاقتصادية ، فضلاً عن عدم إقبال رجال الأعمال على هذا النظام لأنه لا يحقق مصالحهم إذ يحرمهم من الإشراف الكامل على رؤوس أموالهم المستغلة وفق هذا النظام .

285- ج : نظام الاستغلال المباشر :
     بناءً على نظام الاستغلال المباشر تتولى الإدارة العقابية بنفسها تشغيل المحكوم عليهم والإنفاق الكامل عليهم والإشراف على الإنتاج وتحمل مخاطره الاقتصادية ولا تستعين بأحد في هذا المجال. فتقوم بتقديم الآلات والمواد الأولية وتختص بالإنفاق الكامل على النزلاء ثم تسويق المنتجات لحسابها .

وتتنوع أغراض الاستغلال المباشر : فإما أن يكون الإنتاج مخصصاً لاستهلاك المؤسسات العقابية أو غيرها من المصالح الحكومية (الإنتاج للاستهلاك) ،  وإما أن يكون الإنتاج بغرض البيع للجمهور في السوق الحرة (الإنتاج للتسويق) ، وإما أن تستفيد الدولة من تشغيل المسجونين في المزارع الحكومية والطرق العامة وغير ذلك من الخدمات العامة (التشغيل للخدمات العامة) .

ويمتاز هذا النظام بأن المحكوم عليهم يخضعون للإشراف الكامل من جانب الإدارة العقابية مما يمكنها من توجيه العمل لهدف الإصلاح والتأهيل.

إلا أنه قد عيب على هذا النظام أنه أحياناً يثقل الميزانية العامة للدولة حيث تتحمل هذه الأخيرة بنفقات تشغيل المحكوم عليهم ، وقد تتحمل بخسارة لكون إنتاج المؤسسة العقابية أقل جودة عن نظيره في السوق الحر لنقص المهارات الفنية أو وسائل التقنية الحديثة .

بيد أنه لا تجب المبالغة في هذا النقد حيث أن الاعتبار الاقتصادي في العمل العقابي يجب ألا يطغى على الوظيفة التأهيلية والتهذيبية للعمل في السجون. من أجل هذا أوصى البند رقم 73/1 من قواعد الحد الأدنى لمعاملة المذنبين بأنه من المفضل أن تقوم مصلحة السجون بإدارة مصانعها ومزارعها إدارة مباشرة وليس عن طريق متعهدين خصوصيين. وهو النظام المعمول به في السجون المصرية .  

286- خامساً: الطبيعة القانونية للعمل ومقابله :
287- أ : طبيعة العمل العقابي :
     يثور التساؤل عما إذا كان العمل العقابي التزاماً يتحمله المحكوم عليه أم أنه حق قبل الدولة. يتجه الرأي الغالب في الفقه إلى اعتبار أن العمل العقابي كما أنه التزام يتحمله المحكوم عليه فهو في الوقت نفسه حق له إزاء الدولة . فهو مزيج بين الحق والواجب ، وإن غلبت مظاهر الالتزام أو الواجب على مظاهر الحق.

وكون العمل العقابي يغلب عليه طابع الالتزام يعود إلى أن العمل داخل المؤسسات الأصل فيه الإلزام والاستثناء أن تعفى بعض الفئات منه لاعتبارات خاصة يقدرها المشرع . فقد نصت المادة 24 من قانون تنظيم السجون على أنه لا يجوز تشغيل المحبوسين احتياطاً أو المحكوم عليهم بالحبس البسيط والخاضعين للإكراه البدني  إلا إذا رغبوا في ذلك. كما أنه إذا رفض السجين أو امتنع عن القيام بالعمل توقع عليه الجزاءات التأديبية التي تقررها اللائحة الداخلية للسجون وذلك لأن العمل أسلوب للتهذيب والتأهيل وعنصراً في المعاملة العقابية .

وبالرغم من أن العمل له طبيعة الالتزام إلا أنه في ذات الوقت يعد حقاً للمسجون ، وذلك لأن صفة المحكوم عليه كإنسان تلقى على عاتق المجتمع توفير عمل له ، كما أن وصف العمل بأنه أسلوب للتهذيب والتأهيل يبني على اعتباره حقاً للمحكوم عليه ؛ إذ التأهيل وفقاً للاتجاهات العقابية الحديثة حق حتى لمن انحرف سلوكه وسلك سبيل الجريمة . ويؤكد طبيعة العمل كحق أنه لا يجوز حرمان السجين منه على سبيل العقوبة التأديبية ، حيث يعد ذلك تعسف من الدولة في استعمال حقها في العقاب.

288- ب : طبيعة مقابل العمل :
     تستوجب العدالة الجنائية وإنسانية الجزاء الجنائي حصول المحكوم عليه لمقابل العمل نظير ما قام به من جهد إنتاجي أو خدمي داخل أو خارج المؤسسة العقابية. فالعمل ليس جزاء جنائي وإنما وسيلة لتحقيق التأهيل والإصلاح ويبعد تماماً عن العقوبة التي تقف عند حد سلب الحرية. فلا شك أن مقابل العمل يشعر المحكوم عليه بقيمة العمل ويمنحه الثقة في نفسه وفي قدرته على إشباع حاجاته بالطريقة الشريفة بعد الإفراج عنه.
وحق المحكوم عليه في مقابل العمل ثابت في المواثيق الدولية وفي التشريعات الوطنية. فتنص الفقرة الثانية من المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل فرد ، وبدون تمييز ، الحق في أجر المثل عن العمل الذي يؤديه". وينص البند رقم 76 من قواعد الحد الأدنى لمعاملة المسجونين على أنه يجب أن يثاب المسجون على عمله طبقاً لنظام مكافآت عادلة. وطبقاً لهذا النظام ، يجب السماح للمسجونين بإنفاق جزء على الأقل من مكاسبهم لشراء الأشياء المصرح لهم بها وإرسال جزء آخر لأسرهم. ويجب أن ينص النظام أيضاً على احتفاظ إدارة السجن بجزء من مكاسب السجين لتوفير حصيلة تسلم إليه عند الإفراج عنه.

وقد قررت المادة 25 من قانون تنظيم السجون حق المحكوم عليهم في الحصول على مقابل أعمالهم في السجن ، وعهدت إلى اللائحة الداخلية للسجون بتنظيم هذا الأمر. وقد خصصت اللائحة الداخلية للسجون الفصل الثاني منها لبيان الأحكام المنظمة لأجور المسجونين (المواد من 8 إلى 14) . 

وطبقاً للمادة 26 من قانون تنظيم السجون فإنه لا يجوز توقيع الحجز على أجر المحكوم عليه وذلك دون إخلال بحق إدارة لسجن في خصم مقابل الخسائر التي تسبب فيها المسجون. ويجوز للمسجون التصرف في نصف الأجر المستحق . أما باقي ما  يستحقه المحكوم عليه من أجر فيصرف له عند الإفراج أو لورثته الشرعيين عند الوفاة.

ورغم أن حق المحكوم عليه في مقابل العمل متفق عليه  ، إلا أنه قد ثار خلاف حول طبيعة هذا المقابل ، هل يمثل أجراً أم أنه مجرد منحة أو مكافأة يحصل عليها المحكوم عليه ؟

يذهب نفر من الفقه إلى أن المقابل مجرد منحه أو مكافأة تمنحها الإدارة العقابية للمحكوم عليه. وعلة ذلك أنه لا توجد علاقة تعاقدية بين النزيل والإدارة العقابية. فالأجر أثر لعقد العمل ، وعمل المسجون لا يحكمه لا عقد ولا قانون العمل . فضلاً عن كون العمل مفروض على النزيل ؛ والالتزام بالعمل يتنافى مع تقرير أجر لمن يقوم به. يضاف إلى ذلك أن الإدارة العقابية تغطي نفقات النزيل وإعاشته من مسكن وطعام وعلاج وترفيه فلا يكون هناك محل – والحال كذلك – لأن تلتزم بدفع أجر مقابل أداء العمل . وكون هذا المقابل مجرد منحة أو مكافأة  يرتب أثراً مؤداه أنه ليس للمحكوم علية الحق في أن يتقاضى كل المقابل. بل يتم توزيعه إلى أجزاء ، قد يخصص منها جزء لتعويض المجني عليه وقد يوضع جزء تحت تصرف المحكوم عليه وقد يرسل جزء لأسرته. وبالجملة فهو ليس حراً في كيفية التصرف في المقابل ، لذا فهو أقرب للمنحة منه للأجر.  
ويضفي اتجاه أخر – نميل إلى تأييده - صفة الأجر على المقابل الممنوح للمحكوم عليه نظير العمل العقابي. لأنه وإن كان العمل التزام على المحكوم عليه فهو أيضاً حق له كما سبق الذكر ، ومن ثم وجب الاعتراف له بالمزايا المتفرعة عن هذا الحق وأهمها أجر هذا العمل. ولا يلزم قيام علاقة تعاقدية مبناها عقد العمل كي يوصف هذا المقابل بكونه أجراً. فقد يستحق النزيل الأجر استناداً إلى نصوص القوانين واللوائح والتنظيمات المباشرة. ولا يغير كذلك من كون المقابل له طبيعة الأجر قيام الدولة بالانفاق على المحكوم عليه وإعاشته أو كون المحكوم عليه مقيد في التصرف في الأجر ، إذ أن ذلك يتعلق بكيفية توزيع الأجر ، وهذا أمر لاحق على تقرير مبدأ الأجر ذاته .

المطلب الثالثالرعــــــاية الــصــحيـــة  


289- تمهيد وتقسيم :
     مما لا شك فيه أن الرعاية الصحية La protection hygiénique داخل المؤسسة العقابية تسهم إسهاماً فعالاً في تأهيل المحكوم عليهم وإعدادهم لمواجه الحياة في المجتمع بعد الإفراج عنهم ، خاصة إذا كان الدافع لارتكاب الجريمة إصابة المحكوم عليه بأحد الأمراض. فالرعاية الصحية العلاجية تؤدي إلى انتزاع هذا الدافع الإجرامي حتى لا يؤدي بالمحكوم عليه إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى في المستقبل. كما أن الرعاية الصحية تعمل على احتفاظ النزلاء بقواهم البدنية والنفسية والعقلية خلال فترة الإيداع فتحميهم من الاضطرابات المرضية التي قد تؤثر سلباً على المحكوم علية وتعوقه فيما بعد عن القيام بدوه في المجتمع وكسب رزقه عن طريق مشروع وشريف . ولهذه الرعاية أيضاً دورها في التهذيب ، ذلك أن نظام المؤسسة العقابية يفرض على النزيل الالتزام ببعض القواعد الصحية فيعتادها وتصبح جزءً من حياته اليومية ، الأمر الذي ينعكس على أفراد أسرته وعلى البيئة المحيطة به فيمنع تفشي الأمراض بينهم.

لأجل هذا أصبحت الرعاية الصحية – المنقوصة كثيراً في واقعنا العقابي المصري والعربي  -  حقاً للمحكوم عليه ، تلتزم الدولة بتوفيرها مجاناً للسجين ، حتى لا تتحول العقوبة السالبة للحرية إلى عقوبة بدنية إذا ما ترك المحكوم عليه يعاني من الأمراض والآلام خلال فترة سلب الحرية.   

290- أولاً : طرق الرعاية الصحية :
     تتم الرعاية الصحية داخل المؤسسات العقابية بأحد أسلوبين : إما أسلوب الوقاية وإما أسلوب العلاج. 
291- أ : أسلوب الوقاية :
     يقصد بالوقاية إيجاد حد أدنى من الاحتياطيات تستهدف توقي إصابة النزلاء بالأمراض المعدية ، إذ لا يمثل ذلك خطورة فقط على المحكوم عليهم وإنما على بقية أفراد المجتمع ككل. فتفشي مرض بين المحكوم عليهم يؤدي إلى معاناتهم آلاماً تفوق القدر الذي تستوجبه العقوبة ، ومن ناحية أخرى فإن انتشار الأمراض بين المحكوم عليهم قد يمتد إلى خارج أسوار السجن عن طريق زوار المحكوم عليهم أو من العاملين بالمؤسسة العقابية ورجال الإدارة .

ويتعلق أسلوب الوقاية بعدة نواحي تتصل بالمحكوم عليه في فترة تنفيذ العقوبة وأهم هذه النواحي ما يتعلق بالوقاية في مكان تنفيذ العقوبة وبنظافة المحكوم عليه وبغذاءة وبالرياضة التي يمارسها. يضاف إلى هذا ما يجب أن يتوافر من رعاية إذا كان النزيل سيدة حامل.

292- الوقاية في مكان تنفيذ العقوبة :
     توجب فكرة الوقاية أن تتوافر في جميع أجنحة المؤسسة العقابية بعض الاشتراطات الصحية سواء من حيث المساحة أو التهوية أو الإضاءة أو المرافق الصحية أو النظافة. فالأماكن المخصصة للنوم يجب أن تكون ذات مساحة معقولة بالنسبة لعدد النزلاء ، وأن يدخلها قدر كاف من الهواء والضوء وأن يكون لكل نزيل سرير لنومه وأغطيه كافية لوقايته من البرد. ويجب أن تكون الأماكن الأخرى المخصصة للعمل أو القراءة أو للتهذيب على قدر معقول من حيث التهوية والتدفئة والإضاءة. ويجب أن يتوافر عدد من دورات المياه لكي يتاح للنزلاء قضاء حاجاتهم في أي وقت وبصورة تتفق مع الكرامة الإنسانية .

ولإعمال الوقاية في مكان التنفيذ يجب على إدارة السجن التأكد من تطهير الغرفة التي حصل بها مرض معد ووضع المسجون بها وعزل المسجونين المصابين ووضع علامات مميزة على جميع الأواني والمفروشات المخصصة لهم (المادتان 48 و49 من اللائحة الداخلية للسجون).


293- النظافة الشخصية للمحكوم عليه :
     تمثل النظافة الشخصية للمحكوم عليه أهم سبل الوقاية داخل المؤسسة العقابية. وتشمل نظافة المحكوم عليه نظافة بدنه ونظافة ملابسه. فيجب أن يزود النزيل بالأدوات اللازمة لاستحمامه في أوقات دورية منتظمة تتلاءم مع درجة برودة الجو. ويجب على المؤسسة أن توفر للنزيل الأدوات التي تمكنه من العناية بشعره وبلحيته ، وأن تسهل له فرصه قصه مرة كل شهر على الأقل وبتقليم أظافره بشكل دوري خلال مدة الإيداع (م45 من اللائحة الداخلية للسجون).

ويجب أن تشمل الوقاية ملابس المحكوم عليه التي يتسلمها فور دخوله المؤسسة العقابية. ويجب أن تختلف هذه الملابس باختلاف فصلي الشتاء والصيف حتى تسهم في المحافظة على صحة المحكوم عليه ، وأن يتم استبدالها في فترات دورية منتظمة .

294- غذاء المحكوم عليه :
     يجب أن تكون الوجبات الغذائية المقدمة للنزلاء بالمؤسسة العقابية متنوعة وكافية من حيث الكمية والقيمة الغذائية ، وأن تعد بطريقة نظيفة وتقدم بطريقة لائقة تحفظ إنسانية وكرامة المحكوم عليه. ويجب أن تتناسب كمية الطعام مع سن وحالة المحكوم عليه الصحية ونوعية العمل الذي يقوم به. ويجب أن تتنوع وجبات الطعام فلا تقدم وجبات متكررة لفترة طويلة. كما يراعى تقديم وجبات خاصة لأي نزيل يقرر الطبيب المسئول عن السجن حاجته لذلك . ويجب على الإدارة العقابية أن توفر للنزيل حاجته الطبيعية من ماء الشرب النظيف .

295- رياضة المحكوم عليه البدنية :
     لا ريب أن توفير وسائل ممارسة الرياضة البدنية داخل المؤسسة العقابية يسهم في المحافظة على صحة المحكوم عليهم.  وتتخذ الرياضة البدنية إحدى صورتين : صورة تمرينات تتم تحت إشراف مدرب مختص ، وهذه التمرينات في أغلب التشريعات إلزامية بالنسبة للشباب واختيارية لغيرهم أو في الأحوال التي يقرر طبيب السجن إعفائهم منها. والصورة الأخرى هي النزهة اليومية في مكان طلق الهواء داخل المؤسسة العقابية. وتفيد هذه النزهة الأشخاص الذين يودعون في مؤسسات تتبع النظام الانفرادي أو يعملون في أماكن مغلقة داخل السجن .

296- الرعاية الخاصة للنساء الحوامل :
     تستوجب قواعد الوقاية الصحية توفير رعاية طبية للمحكوم عليهن الحوامل حتى لا يتعرضن لمخاطر صحية خلال هذه الفترة الحرجة. ويتطلب ذلك وضع نظام خاص للمعاملة العقابية لهن ، يسمح بمقتضاه لهن بالخضوع لفحص طبي دوري خلال فترة الحمل ، وبالانتقال إلى مستشفى عام حين اقتراب موعد الوضع ، أو إتمام عملية الوضع داخل السجن تحت اشراف الأطباء المتخصصين. وعندما يخرج الطفل إلى الحياة يجب أن توجه إليه رعاية خاصة ، فهو شخص برئ لا يجوز أن يتحمل أثر من آثار العقوبة المحكوم بها على والدته. فتستخرج له شهادة ميلاد لا يذكر فيها مكان الولادة إذا تمت هذه الأخيرة داخل المؤسسة العقابية. ويجب أن تتوافر في السجن دار للحضانة يودع فيها الأطفال إذا ما سمح ببقائهم مع أمهاتهم خلال قضائهن فترة العقوبة .

297- ب : أسلوب العلاج :
     تشمل الرعاية الصحية إلى جانب أسلوب الوقاية من الأمراض المحتملة أسلوب العلاج لمن ثبت مرضه من بين المحكوم عليهم سواء قبل دخولهم السجن أو أثناء تواجدهم فيه. وهذا حق للمحكوم عليه تجاه الدولة ؛ إذ لا يستطيع المحكوم عليه اللجوء بنفسه للطبيب خلال التنفيذ العقابي. ويتولى مهمة هذا العلاج جهاز من الأطباء في التخصصات المختلفة يعاونهم هيئة تمريض تختارهم الإدارة العقابية دون تدخل من قبل المحكوم عليه. وفي هذا توجب المادة 33 من قانون تنظيم السجون أن يكون في كل ليمان أو سجن غير مركزي طبيب أو أكثر ، أحدهم مقيم ، تناط به الأعمال الصحية وفقاً لما تحدده اللائحة الداخلية. ويكون للسجن المركزي طبيب فإذا لم يعين طبيب كلف أحد الأطباء الحكوميين بأداء الأعمال المنوطة بطبيب السجن.

ويبدأ الأسلوب العلاجي تجاه المحكوم عليه بما يسمى الفحص أو التشخيص. وتوجب المادة 46 من اللائحة الداخلية للسجون التأكد من وضع المسجونين المقبولين حديثا تحت الاختبار الصحي لمدة عشرة أيام. وبمجرد إيداع المحكوم عليه في السجن يقوم الطبيب بفحصه فإن اكتشف وجود مرض لديه يوصي بالعلاج اللازم وبأسلوب المعاملة الملائمة له. وإذا كان المرض من الأمراض المعدية فيجب عزله حتى لا ينتقل إلى باقي المحكوم عليهم .

وفي هذا يوجب البند رقم 24 من قواعد الحد الأدنى لمعاملة المذنبين على أن يوقع الطبيب الكشف على كل مسجون عقب قبوله بالسجن بأسرع ما يمكن للكشف عما يحتمل أن يكون مصاباً به من مرض جسماني أو عقلي واتخاذ كل التدابير الضرورية. وتنص المادة 27 من اللائحة الداخلية للسجون على أنه "يجب على الطبيب أن يكشف على كل مسجون فور إيداعه السجن ، على ألا يتأخر ذلك عن صباح اليوم التالي. كما يجب عليه أن يفحص المسجونين المرضى يومياً وأن يأمر بنقل المريض إلى مستشفى السجن إذا لزم الأمر. كما يجب عليه أن يزور المحبوسين انفرادياً ، وأن يعود كل مسجون من غير هؤلاء مرة في الأسبوع على الأقل.

ويشمل العلاج الأمراض البدنية وكذلك علاج المحكوم عليهم المصابون بأمراض عقلية. وقد يصل المرض العقلي إلى الحد الذي يوجب نقل المصاب إلى مستشفى الأمراض العقلية على أن تحسب فترة العلاج من فترة العقوبة. كذلك يمتد نظام العلاج ليشمل معالجة الأمراض النفسية. لذا نرى ضرورة وجود طبيب نفسي ، خاصة الخبراء منهم في علاج حالات الإدمان الكحولي والمخدرات. وأياً ما كان نوع المرض تلتزم الإدارة العقابية بتقديم الأدوية التي يوصي بها الطبيب المعالج ، على أن يكون كل ذلك مجاناً .
وقد ثار جدل في الفقه حول تطلب رضاء المحكوم عليه المريض بالعلاج ، إذ من المعلوم أن قبول المريض بالعلاج شرط ضروري لتدخل الطبيب. ويعود هذا الجدل إلى كون الرعاية الصحية هي أحد أساليب المعاملة العقابية والتي يلتزم المحكوم عليه بالخضوع لها دون أن يكون له دور في تحديد مضمونها أو كيفية أدائها. ومن هنا ذهب رأي إلى أن المحكوم عليه يخضع للعلاج جبراً عنه دون أن يكون له الحق في الرفض. حتى لو استخدمت وسائل طبية حديثة غير مستقرة في الوسط الطبي ، وحتى لو كانت تؤدي إلى المساس بالبدن أو الإهدار للكرامة الآدمية طالما أنها تؤدي إلى تأهيل المكوم عليهم في نهاية الأمر.

ونري أن هذا الرأي يتعارض مع المبادئ المستقرة في النظم العقابية الحديثة. ذلك لأن المحكوم عليه – شانه شأن أي شخص من الأشخاص العاديين - له جميع الحقوق المتصلة به كإنسان. فسلب الحرية لا يعني إهدار آدميته وكرامته وحقه أيضاً في العلاج بالوسائل المتعارف عليها طبياً.

وللتوفيق بين الرعاية الصحية كأسلوب للمعاملة العقابية وبين حق المحكوم عليه في رفض العلاج كحق إنساني نرى التمييز بين العلاج كصورة من صور الجزاء الجنائي والعلاج كوسيلة من وسائل المعاملة العقابية. ففي الحالة الأولى نرى أن يخضع النزيل للعلاج جبراً عنه دون انتظار لموافقته. ويكون ذلك في حالة كون المرض كان أحد العوامل الإجرامية ، كما هو الحال بالنسبة لمدمني الخمر والمخدرات. فالخضوع لبرنامج علاجي يعتبر جزاءً جنائياُ في صورة تدبير احترازي. أما عندما يكون العلاج وسيلة من وسائل المعاملة العقابية فإن رضاء المحكوم عليه أمر ضروري سواء كان المرض بدنياً أو عقلياً أو نفسياً بشرط ألا يؤدي العلاج إلى إهدار كرامته وإنسانيته ، وأن يكون وسيلة العلاج مستقر عليها في مجال الطب .

وفي جميع الأحوال لا يجب أن يكون المحكوم عليهم "حقل تجارب" ، حتى ولو ثبت نجاح وسيلة العلاج في استئصال العوامل الإجرامية المرضية عندهم. لذا فإننا لا نوافق مثلاً على الأساليب العلاجية المتمثلة في تعقيم الشواذ جنسياً أو استئصال أعضائهم التناسلية لأن في ذلك إهدار لكرامتهم وانتقاص من آدميتهم على الرغم من إمكانية نجاح مثل هذه الوسائل في إصلاحهم وتأهيلهم .

وتستوجب الرعاية الصحية العلاجية أن يكون هناك مكان لاستقبال المرضى من النزلاء فضلاً عن الأجهزة الطبية اللازمة للكشف على المرضى وإجراء العمليات الجراحية إذا لزم الأمر . فإذا استوجبت حالة المحكوم عليه علاجاً خاصاً وجب نقله إلى مستشفى تخصصي .

وتوجب في النهاية المادة 35 من اللائحة الداخلية للسجون أن يقوم الطبيب المعالج بإعداد تقرير طبي عن حالة أي مسجون سواء عرض عليه عن طريق إدارة السجن أو شاهد حالته بنفسه في العيادة أو أثناء مروره على المسجونين. وإذا ثبت له أن المحكوم عليه مصاب بمرض يهدد حياته بالخطر ويعجزه عجزاً كلياً ، يعرض أمره على مدير القسم الطبي للنظر في الإفراج عنه .

المطلب الرابع
الرعــــــــــاية الاجتماعية 

281- أولاً : مضمون الرعاية الاجتماعية :
     تمثل الرعاية الاجتماعية La protection sociologique أهم أساليب المعاملة داخل المؤسسات العقابية. فعن طريقها يمكن معرفة المشاكل التي يمر بها المحكوم عليه ومحاولة حلها لكي يستطيع المحكوم عليه الاستجابة لأساليب التأهيل وهو مطمئن النفس هادئ البال. وعن طريقها يمكن أيضاً الإبقاء على الصلة بين المحكوم عليه والمجتمع ؛ بما يسهم في تحقيق الغرض التأهيلي للجزاء الجنائي . لأجل هذا اهتمت النظم العقابية المختلفة بالإشراف الاجتماعي في السجون سواء تمثل في صورة إدارة للخدمة الاجتماعية العقابية كما في النظام الفرنسي ، أم في صورة أخصائي كما هو الحال في النظام المصري . فقد نصت المادة 32 من قانون تنظيم السجون على أن "يعين في كل ليمان أو سجن عمومي أخصائي أو أكثر في العلوم الاجتماعية والنفسية" .

282- ثانياً : وسائل الرعاية الاجتماعية :
     للرعاية الاجتماعية وسائل متنوعة يمكن أن نذكر منها على الأخص : دراسة مشاكل النزيل ، وإعداد برامج لشغل أوقات الفراغ داخل المؤسسة ، وأخيراً تنظيم الصلة بين المحكوم عليه والعالم الخارجي.

283- أ : دراسة مشاكل المحكوم عليه :
     إن أول وسائل الرعاية الاجتماعية هي محاولة حل المشاكل المتنوعة التي يعاني منها المحكوم عليه ، والتي منها ما يتعلق بأسرة المحكوم عليه ، ومنها ما يتعلق بحياة المحكوم عليه داخل المؤسسة العقابية. ففي ظل هذه المشاكل فإن المحكوم عليه يجد نفسه مكتوف الأيدي وعاجز عن التوصل لحل المشاكل فتتسم نفسيته بالقلق والاضطراب وبالتالي لا تحقق برامج التأهيل دورها المنشود. فقد يخلف المحكوم عليه وراءه زوجة مريضة تفتقر إلى الدواء أو محل عمل لا يوجد من يديره. وقد يكون المحكوم عليه في حالة نفسية سيئة نتيجة لسلب حريته داخل السجن .

وعلى ذلك تبدو أهمية دور الأخصائي الاجتماعي الذي يساعد المحكوم عليه على مواجهة مشاكله سواء تلك التي تطرأ بعد إيداعه المؤسسة العقابية أم تلك التي كان يعاني منها قبل إيداعه بالسجن.

ويجب على الأخصائي الاجتماعي أن يكسب ثقة المحكوم عليه حتى يستطيع الإلمام بالمشاكل التي يعاني منها ، وأن يحاول أن يخفف عنه مرحلة سلب الحرية خاصة في مراحلها الأولى. وأن يعاونه على تفهم دور الإدارة العقابية المتمثل في محاولة إعداده لمواجهة ظروف الحياة بعد انقضاء فترة العقوبة وحتى لا ينزلق مرة أخرى في تيار الجريمة . وقد يستوجب الأمر من الأخصائي النزول إلى الوسط الذي كان يعمل فيه المحكوم عليه أو يعيش فيه من أجل جمع المعلومات الكافية عن حالة النزيل ، كي يتم اختيار أسلوب المعاملة المناسب له.

 كما يجب على الأخصائي الاجتماعي أن يقوم بالاتصال بأسرة المحكوم عليه وأن يعاونها في حل مشاكلها وأن يطمئن النزيل بعد ذلك بحلها حتى تهدأ نفسه وتثمر معه أساليب المعاملة المختلفة في تأهيله وتهذيبه .

284- ب : برامج شغل أوقات الفراغ :
     يهدف هذا الأسلوب من أساليب الرعاية الاجتماعية إلى تهذيب وإصلاح المحكوم عليه. فمن الضروري تنظيم شغل أوقات الفراغ بما يعود على النزيل بالنفع ويساعده على تنمية شخصيته وقدراته وعلى كيفية التوافق مع غيره من الأفراد. ولتنظيم أوقات فراغ المحكوم عليهم صور متعددة منها إعداد أنشطة ثقافية ورياضية وفنية وترويحية داخل المؤسسة العقابية. وجدير بالذكر أن للأخصائي الاجتماعي دور أساسي في توجيه النزلاء إلى حسن استغلال وقت فراغهم واختيار النشاط المناسب لكل نزيل والذي يتفق مع رغباته حتى يتحقق الغرض التأهيلي للجزاء الجنائي .

285- ج : تنظيم اتصالات السجين بالعالم الخارجي :
     أصبح من بين المبادئ المستقرة في السياسة العقابية الحديثة وجوب العمل على توفير صلات للسجين بالعالم الخارجي ، وذلك حتى لا يبقى في عزلة جامدة عن المجتمع الذي سيعود إليه يوماً ما من جديد بعد الإفراج عنه. من هنا تبرز أهمية الاتصال باعتباره أسلوب من أساليب الرعاية الاجتماعية التي تخفف من صدمة الإفراج التي تصيب النزلاء الذين يفقدون كل اتصال بالعالم الخارجي خلال فترة العقوبة. كما تبرز أهميته باعتباره أحد السبل التي تساعد المحكوم عليه على الاستجابة لبرامج التأهيل والأداة الفعالة في التخفيف من قسوة الضغوط النفسية التي يعاني منها المحكوم عليه داخل السجن .

ولتنظيم الصلة بين المحكوم عليه والعالم الخارجي يمكن اللجوء إلى عدة طرق : فقد يتم ذلك عن طريق التراسل مع الغير خارج أسوار السجن ، وقد يتم ذلك عن طريق السماح بأن يتلقى المحكوم عليه زيارات داخل السجن ، فضلاً عن الإبقاء على الصلة الأسرية للمحكوم عليه أو التصريح للنزيل بالخروج المؤقت من المؤسسة العقابية.

286- المراسلات  Les correspondances:
     لقد أصبح حق المحكوم عليه في التراسل أحد الحقوق المستقرة في النظم العقابية الحديثة، وإن خضع هذا الحق لقيود معينة. ولقد تطورت النظرة إلى هذا الحق في السياسة العقابية الحديثة عنه في السياسة العقابية القديمة ، فقد كان هذا الحق مقيداً بعدد معين من الرسائل وقاصر على أفراد أسرة المحكوم عليه والمدافع عنه فحسب. أما في السياسة العقابية الحديثة فإن هذا الحق بدأ يقترب من حد الإطلاق ولا يقيده قيد سواء من حيث عدد المراسلات أو من حيث الأشخاص . وأصبح يكتفي فقط بالرقابة على هذه الرسائل من قبل إدارة السجن في الأحوال التي يخشى فيها أن تكون هذه المراسلات سبباً لمعاونة السجين على الهرب أو إخلاله بالنظام داخل المؤسسة  ، أو حينما يساهم الإطلاع على مراسلات المحكوم عليه في تأهيله ، كأن يمكن الإطلاع من كشف المشاكل الشخصية أو الأسرية للنزيل فيحاول رجال الإدارة العقابية حلها كي يتسنى الإسراع بتأهيل المحكوم عليه .

وقد أكد  قانون تنظيم السجون المصري حق المحكوم عليه في التراسل (م38). وأجازت المادة 60 من اللائحة الداخلية للسجون للمحبوسين احتياطياً و للمحكوم عليهم بالحبس البسيط التراسل في أي وقت ، ولباقي المحكوم عليهم بمعدل خطابين كل شهر وتلقي ما يرد إليهم من خطابات .  وفى سبيل تيسير حق المراسلة للسجناء والمعتقلين نصت المادة 67 من اللائحة التنفيذية لقانون السجون على أن تصرف إدارة السجن للمسجونين الورق والأدوات اللازمة لكتابة خطاباتهم.

287- الزيارات :
     تتيح غالبية الأنظمة العقابية الفرصة أمام المحكوم عليه لتلقي الزيارات Les visites داخل المؤسسة العقابية ، سواء من أفراد أسرته ، أو من أفراد آخرين ، إذا كان ذلك يفيد في تأهيله. وتكون الزيارات في مواعيد دورية ولفترة محدودة ، على أن تتم الزيارات بحضور أحد العاملين في المؤسسة العقابية ليراقب الحديث ويمنع تسليم أي شئ غير مسموح به للمحكوم عليه. ولرجال الإدارة  أن تنهي الزيارة في أي وقت إذا وجدت أن الحديث الذي يدور بين الزائر والمحكوم عليه فيه ما يهدد نظام المؤسسة.

وغالباً ما يتم الفصل بين المحكوم عليهم والزوار سواء عن طريق حاجز من الأسلاك الحديدية المتشابكة التي تمنع تصافحهم أو بجلوس المحكوم عليه وزائريه متقابلين على منضدة مستطيلة يفصل بينهم حاجز مثبت في منتصف المائدة. وفي المؤسسات المفتوحة تتخذ الزيارة صورة الجلسة العائلية. وعادة ما يخضع المحكوم عليه وزواره للتفتيش الذاتي قبل وبعد الزيارة .

ونظمت اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956 موضوع الزيارة في المواد من 60 حتى المادة 80. فتنص المادة 60 على انه "للمحكوم عليه بالسجن البسيط والمحبوسين احتياطيا الحق في التراسل في أي وقت ولذويهم أن يزروهم مرة واحدة كل أسبوع في أي يوما من أيام الأسبوع عدا أيام الجمع والعطلات الرسمية ما لم تمنع النيابة أو قاضي التحقيق ذلك بالنسبة إلي المحبوسين احتياطيا طبقا للمادة 141 من قانون الإجراءات الجنائية. كما نصت المادة 64  على أن يكون للمحكوم عليه بالسجن المؤبد أو المشدد أو السجن والحبس مع الشغل الحق في التراسل ولذويهم أن يزروهم بعد مضي شهر من تاريخ تنفيذ العقوبة ثم تكون زيارتهم وتراسلهم ما دام سلوكهم حسنا علي الوجه الأتي :
*- تكون الزيارة مرة واحدة شهريا للمحكوم عليه بالسجن المؤبد أو المشدد المنفذ عليهم باليمانات.
*- تكون الزيارة مرة كل ثلاثة أسابيع للمحكوم عليهم بالسجن أو الحبس مع الشغل أو المحكوم عليهم بالسجن المؤبد أو المشدد المنقولين من الليمانات للسجون العمومية .

كما نصت المادة  66 على أن للمسجون عند نقله إلى سجن في بلد أخر الحق في التراسل ولذويه أن يزوروه مرة واحدة قبل أو بعد نقله ولو لم يحل ميعاد المراسلة أو الزيارة العادية المستحق له ولا تحسب هذه الزيارة والمراسلة من الزيارات أو المراسلات المقررة للمسجون. ويستثني من ذلك المسجون المنقول إلى سجن أخر لصالح الضبط أو المسجون المجازي بالنقل إلى اليمان.

 أما عن مدة الزيارة العامة فقد أوضحتها المادة 71 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم السجون بقولها "تكون مدة الزيارة العادية ربع ساعة ، ويجوز لمدير السجن أو المأمور إطالة المدة إذا دعت لذلك ضرورة. وأجازت المادة 40 من قانون السجون للنائب العام أو لمدير عام السجون أو من ينيبه أن يأذنوا لذوي المسجون بزيارته في غير مواعيد الزيارة العادية إذا دعت الضرورة ذلك. ومدة تلك الزيارة الخاصة – وفقاً للمادة 71 من اللائحة التنفيذية - يجوز أن تزيد على هذه الربع ساعة على ألا تجاوز نصف ساعة". 

288- الصلة الأسرية للمحكوم عليه  :
     لا شك أن إبعاد المحكوم عليه عن أسرته يؤثر كثيراً على حالته النفسية مما يؤدي إلى عرقلة البرامج التي تهدف إلى تأهيله. لأجل ذلك يجب المحافظة على الصلات الأسرية Les relations familiales بين النزيل وأفراد أسرته. ويتحقق هذا الاتصال - فضلاً عما تقدم - بالسماح للنزيل بتلقي الإعانات المالية ذات الطابع الغذائي وتمكين النزيل من الإطلاع على ما يهمه من أخبار في نطاق عائلته وجعل عائلته على دراية مستمرة بأحواله .

وقد نص البند رقم 79 من قواعد الحد الأدنى على هذا الأسلوب من أساليب الرعاية الاجتماعية بقوله "يجب أن يوجه اهتمام خاص نحو المحافظة على صلات المسجون بأسرته ، وتحسين هذه الصلات وفق ما تقتضيه مصلحة الطرفين".

289- تصاريح الخروج المؤقت :
     يقصد بتصاريح الخروج المؤقت Permissions de sortir السماح للمحكوم عليه بالخروج من المؤسسة العقابية لمدة قصيرة تستدعيها ظروف طارئة. وتمنح هذه التصاريح في الغالب لاعتبارات إنسانية كالسماح للمحكوم عليه برؤية عزيز لديه مريض أو مشرف على الموت أو الاشتراك في جنازته . و لا شك أن هذا النظام يساعد على تأهيل المحكوم عليه وحفظ صلاته بالعالم الخارجي. 

وقد نصت المادة 85 من اللائحة الداخلية للسجون على جواز السماح للمحكوم عليه في فترة الانتقال – أي الفترة التي تسبق الإفراج عنه – بأجازة لا تجاوز ثمانية وأربعين ساعة خلاف مواعيد المسافة إذا دعت إلى ذلك ضرورة قصوى أو ظروف قهرية. ويبين من تلك المادة أن النظام المصري لا يعرف نظام التصاريح المؤقتة للخروج من المؤسسة العقابية في غير فترة الانتقال ، وهو أمر لا بد من مراجعته تأسياً بالنظم العقابية الحديثة التي بدأت توسع من حالات منح هذه التصاريح فأجازتها في حالات البحث عن عمل أو لحضور اختبار معين .

المطلب الخامس
تعــليم المحكوم عليه

290- أولاً : مضمون تعليم المحكوم عليه :
     لقد أصبح لتعليم المحكوم عليه La pédagogie du détenu في النظام العقابي الحديث دوراً أساسياً لا يقل بحال من الأحوال عن دوره في المجتمع الحر. فهو وسيلة لمحو الأمية والجهل وهما عاملان إجراميان دون شك. وبالتالي فهو وسيلة لاستئصال عوامل الجريمة وإزالة أسباب العودة إلى الإجرام في المستقبل. كما أن التعليم يساهم في تأهيل المحكوم عليه. فالمفرج عنه المتعلم يستطيع أن يحصل على فرصة للكسب الشريف. وهو وسيلة لتنمية الإمكانيات الذهنية والملكات الفكرية للمحكوم عليه مما يودي بدوره إلى تغيير في أسلوب تفكيره وطريقة حكمه على الأشياء ومنهجه في التصرف. وبالتالي يمكن التعليم المحكوم عليه من الانتقال من فئة تفتقر إلى التفكير السليم وتقف على حافة الجريمة إلى فئة أخرى من ذوي التفكير المستنكر للإجرام والسلوك المنحرف .

وقد اعترفت غالبية التشريعات بأهمية تعليم المسجونين  وجعلته جزءً من خطتها العقابية الهادفة إلى التأهيل . وقد أكد على ذلك البند رقم 77/1 ، 2 من قواعد الحد الأدنى بقوله تتخذ إجراءات لمواصلة تعليم جميع السجناء القادرين علي الاستفادة منه بما في ذلك التعليم الديني في البلدان التي يمكن فيها ذلك ، ويجب أن يكون تعليم الأميين والأحداث إلزاميا ، وأن توجه إليه الإدارة عناية خاصة . ويجعل تعليم السجناء في حدود المستطاع عمليا متناسقا مع نظام التعليم العام في البلد ، بحيث يكون في مقدورهم بعد إطلاق سراحهم أن يواصلوا الدراسة دون عناء.  

وقبل صدور قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنه 1956 لم يكن للتعليم دور في عملية الإصلاح والتأهيل إلا في حالات قليلة جداً. وكان تقرير التعليم للسجون أول الأمر بالقانون الصادر رقم 128 لسنة 1946 الذي أدخل بعض التعديلات على القانون رقم 110 لسنة 1944 والخاص بمكافحة الأمية ونشر الثقافة الشعبية في الدولة والذي نص في مادته الحادية عشر على وجوب تعليم المسجونين. وتبع ذلك صدور المرسوم بقانون رقم 180 لسنة 1949 بلائحة السجون التي نصت على ضرورة تعليم المحكوم عليهم نظرا لأهمية التعليم في الإصلاح والتأهيل. كما نص على ضرورة تيسير مواصلة السجناء لتعليمهم وأداء الامتحانات.

وبالرغم من ذلك ظلت الإدارة العقابية في مصر تتخذ السجن كأداة للعقاب وسلب الحرية واقتصر تعليم السجناء علي محو أميتهم في بعض الحالات.

وبصدور المرسوم بقانون رقم 396 لسنة 1956 الخاص بتنظيم السجون أصبح للتعليم في السجون بعض الجدية. وقد أبرزت المذكرة الإيضاحية لهذا القانون دور التعليم في الإصلاح والتأهيل بقولها  " لوحظ أن المسجون لو ترك وشأنه داخل السجن دون إشراف أو توجيه لأتجه بكليته إلى التفكير في الجريمة وتقليد غيره من المجرمين ؛ ومنعاً لذلك رؤى أن تقوم إدارة السجن بتعليم المسجونين وتهيئة سبل الثقافة لهم حتى يشغلوا وقت فراغهم بما يعود عليهم بالفائدة الذهنية ويباعد بينهم وبين استيعاب عوامل الإجرام" 
وعلى هذا تنص المادة 28 من قانون تنظيم السجون على أن "تقوم إدارة السجن بتعليم المسجونين مع مراعاة السن ومدى الاستعداد ومدة العقوبة". وأناطت المادة 29 من ذات القانون بوزير الداخلية بالاتفاق مع وزير التربية والتعليم بوضع منهج الدراسة للرجال والنساء وذلك بعد أخذ رأي مدير عام السجون .   

291- ثانياً : تنظيم تعليم  المحكوم عليهم :
     يثير تنظيم التعليم تحديد الكيفية التي تقدم بها إلى المحكوم عليهم. ولا شك أن هذه الكيفية تتمثل في الدروس والمحاضرات وهي المستخدمة في التعليم الأولي. بيد أنه لا يجب أن يقتصر أسلوب التعليم على هذه الطريقة ، بل يجب أن يمتد ليشمل طريقة المناقشات الجماعية بحيث يجتمع المدرسين بالمحكوم عليهم لمناقشة موضوع معين ويستمعون لأرائهم في هذا الموضوع و يرشدونهم إلى الخطأ والصواب بشأنه. ولا شك أن هذه الطريقة من شأنها أن تشعر المحكوم عليهم بكيانهم واحترام شخصياتهم.

ويوجب التنظيم الجيد للتعليم في السجون إعداد هيئة تدريس تتولى القيام بالعملية التعليمية داخل المؤسسة العقابية . وتقرر المادتان 1131 و 1132 من دليل العمل بالسجون أن يستعان في القيام بأعمال التدريس  بأقسام محو الأمية بالمؤسسات العقابية عدد من المدرسين يندبون لذلك من بين مدرسي مديريات التربية والتعليم أو من العاملين المدنيين والعسكريين بمصلحة السجون الذين تتوافر فيهم شروط القيام بهذا العمل الفني من حيث المؤهل الدراسي والكفاءة الفنية. ويجوز الاستعانة بالمتطوعين من المحكوم عليهم إذا كانوا على درجة من التعليم إذا كانت إمكانيات الإدارة العقابية لا تسمح بتعيين أعداد كافية من المدرسين. أما القائمين على التدريس بالقسم الثاني للتعليم العام فلابد أن يكونوا مدرسون فنيون معينون لذلك يعاونهم عدد من المحكوم عليهم الذين يحملون مؤهلات داخل المؤسسة العقابية.

292- ثالثاً : مستوى تعليم  المحكوم عليهم :
     يثور التساؤل حول مستوى التعليم الذي يجب أن يتلقاه المحكوم عليه. هل يجب أن يتقيد التعليم في السجون بمستوى معين لا يجوز أن يرتفع المحكوم عليه فوقه ؟ في هذا الصدد ذهب البعض إلى أن مستوى تعليم المحكوم عليه يجب أن يقف عند الحد الذي هو عليه في بيئته الطبيعية قبل دخوله المؤسسة العقابية ؛ كي لا يشعر المحكوم عليه أنه أصبح أعلى تعليماً وثقافةً من مستوى أبناء بيئته فيصبح من العسير اندماجه فيهم حين الإفراج عنه. والواقع أن هذا الرأي تعوزه الدقة ذلك لأن المحكوم عليه إذا ارتفع مستوى تعليمه فإن ذلك يعزز من مكانته في البيئة التي كان يعيش فيها ويحظى باحترام لم يكن يحظى به من قبل. وحتى لو لم يستطع الاندماج في بيئته فإنه يستطيع الاندماج في بيئة أرفع مستوى وأكثر استقامة. وعلى ذلك فلا يجوز الوقوف عند حد معين من التعليم في المؤسسة العقابية ، وذلك في حدود الإمكانيات المتاحة للمؤسسة العقابية. فقد تسمح قدرات المؤسسة بتيسير التعليم الجامعي والدراسات العليا للمحكوم عليهم عن طريق المراسلة أو الانتساب . وإلى هذا ألمح المشرع المصري حينما أوجب في المادة 31 من قانون تنظيم السجون على إدارة السجن أن تشجع المسجونين على الإطلاع والتعليم وأن تيسر الاستذكار للمسجونين الذين على درجة من الثقافة ولديهم الرغبة في مواصلة الدراسة وأن تسمح لهم بتأدية الامتحانات الخاصة بهم في مقار اللجان . على أنه لا يجب أن يقل مستوى التعليم في السجون عن الحد الذي يستلزمه محو أمية المحكوم عليه ، أو ما يسمى بالتعليم الأولي. ويجب أن يكون هذا التعليم إلزامياً (البند 77 من قواعد الحد الأدنى). وتنفيذا لهذا صدر القرار الوزاري رقم 1026 لسنة 1972 بشأن منهج تعليم وتثقيف المسجونين والذي جاء وفقاً لما جاء بمناهج وزارة التربية والتعليم تنفيذاً للقانون رقم 67 لسنة 1970 في شأن تعليم الكبار ومحو الأمية. ووفقاً لهذا قسم المشرع المصري التعليم العام في السجون المصرية إلى مستويين هما المستوى الأساسي الإجباري والمستوى الاختياري. ويجري الامتحان لمنهج المستوي بمعرفة إدارة التعليم والوعظ بمصلحة السجون وتقوم إدارة المؤسسة العقابية بتنفيذ منهج التعليم بمستوييه. وتشترط المادة 58 من قانون تنظيم السجون والمادة 1137 من دليل العمل بالسجون فيمن يلحق بمدرسة السجن وهي :
*- ألا يزيد سن المحكوم عليه على 45 سنه.
*- ألا تقل المدة الباقية من حكمه عن ستة أشهر.
*- ألا يكون مصاباً بعاهة عقلية أو جسمية تمنعه من التعليم.
 كما يجب على الإدارة العقابية أن تيسر سبل التعليم الفني Formation technique ou professionnelle للمحكوم عليهم من أجل المعاونة على تأهيلهم مهنياً ومن أجل مساعدتهم على الكسب الحلال بعد انقضاء مدة العقوبة. وعلى هذا أكدت المادة 71/5 من قواعد الحد الأدنى بقولها "يوفر تدريب مهني نافع للسجناء القادرين على الانتفاع به".

وينظم التعليم الفني بالمؤسسات العقابية المصرية القانون رقم 75 لسنة 1970 في شأن التعليم الفني. وينقسم هذا التعليم إلى تعليم فني صناعي وزراعي وتجاري. ويشترط لالتحاق المحكوم عليه بهذا النوع من التعليم عدة شروط منها: 
*- أن يكون الطالب حاصل على الإعدادية أو ما يعادلها.
*- ألا يزيد سن الطالب على ثماني عشر سنه .   
293- رابعاً : وسائل تعليم المحكوم عليهم :
294- أ: المكتبة  :
     تعد المكتبة La librairie من أهم وسائل التعليم داخل المؤسسة العقابية ؛ ففيها يجد المحكوم عليه السبيل لاستكمال ثقافته ورفع الملل المصاحب لسلب الحرية. ويجب أن تعد المكتبة وتنتقي كتبها حتى يكون لها التأثير الذي تقتضيه اعتبارات التأهيل. ومن الملائم تخصيص أوقات للقراء في المكتبة تحت إشراف الإدارة العقابية ، مع إتاحة الفرصة للنزلاء باستعارة الكتب لقراءتها في محبسهم . 

وقد اعترف النظام العقابي المصري بأهمية مكتبه السجن ، فأوجب بالمادة 30 من قانون تنظيم السجون أن تنشأ في كل سجن مكتبة للمسجونين تحوي كتباً دينية وعلمية وأخلاقية تشجع المسجونين على الانتفاع بها في أوقات فراغهم. وتردد ذات الأمر المادة 40 من قواعد الحد الأدنى بقولها "يزود كل سجن بمكتبة مخصصة لمختلف فئات السجناء تضم قدراً وافياً من الكتب الترفيهية والتثقيفية على السواء ، ويشجع السجناء على الإفادة منها إلى أبعد حد ممكن".

295- ب : الصحف :
     تعد الصحف Les journaux من وسائل التعليم غير المباشر. ويتجه الرأي الغالب في الفقه إلى إجازة دخول الصحف العامة إلى المؤسسة العقابية. والحجة في ذلك هي الإبقاء على الصلة بين المحكوم عليه والمجتمع الخارجي. فضلاً عن ذلك فإن الحق في العلم هو حق لكل شخص باعتباره إنساناً ، ومن ثم ينبغي أن يظل للمحكوم عليه هذا الحق لا تجرده العقوبة منه. وإلى هذا أشارت المادة 30 من قانون تنظيم السجون بقولها " يجوز للمسجونين أن يستحضروا على نفقتهم الكتب والصحف من جرائد ومجلات وذلك وفق ما تقرره اللائحة الداخلية" . 

كما يتجه الرأي الراجح في الفقه إلى تحبيذ إصدار صحيفة خاصة بالمؤسسة العقابية ، يتولى تحريرها السجناء بأنفسهم تحت إشراف الإدارة العقابية ، باعتبار أن ذلك يمثل نافذة لهذه الأخيرة على مشاكل وميول المحكوم عليهم .



المطلب السادس
تهذيب المحكوم عليه

296- تقسيم :  
     لا يكتمل للتعليم - كأحد أساليب المعاملة العقابية الداخلية - دوره في التأهيل إلا بالاهتمام بتهذيب المحكوم عليهم  L’éducation des détenus. فالتعليم والتهذيب وجهان لعملة واحدة ولا يقوم أحدهما بدون الأخر. والتهذيب نوعان : إما تهذيب ديني وإما تهذيب خلقي.

297- أولاً : التهذيب الديني  :
     لقد عرف التهذيب الديني L’éducation religieuse أول ما عرف مع النشأة الأولى للسجون. فقد كان رجال الدين المسيحي يقومون بزيارة السجون لحض النزلاء على الندم والتوبة والتقرب إلى الله. فالقائمين على الإدارة العقابية في ذاك الوقت كانوا من رجال الدين . ورغم إسناد مهمة الإدارة العقابية حالياً في غالبية التشريعات إلى المدنيين إلا أنه يظل رغم ذلك لرجال الدين دور كبير في تهذيب وتأهيل المحكوم عليهم. إذ تستعين بهم المؤسسات العقابية في تنمية الوازع الديني لدى المذنبين ، الذين يكون أكثر تضرعاً إلى الله وهم في مرحلة سلب الحرية أكثر مما كانوا عليه قبلها ؛ مما يسهل عملية التأهيل وكبح جماح عوامل الجريمة المتأصلة في النفس. وقد أكدت على هذه الأهمية المادة 42 من قواعد الحد الأدنى بقولها "يجب أن يسمح لكل مسجون بإشباع متطلبات حياته الدينية على قدر المستطاع عملياً وذلك عن طريق حضور الخدمات الدنية التي تنظم في المؤسسة وحيازته لكتب التعليم والإرشاد الديني الخاصة بمذهبه". 

ولحسن أداء الوظيفة التهذيبية يتعين اختيار رجل الدين بعناية فائقة. فيجب أن يكون على علم بقواعد دينه ، ويقتضي ذلك حصوله على مؤهل دراسي يثبت ذلك. ويفضل أن يلحق رجل الدين قبل أداءه لمهامه داخل المؤسسة العقابية بدورات تدريبية للتعرف على مجتمع السجن وطبيعة المشاكل التي تواجه المسجون داخلة وعلى الدوافع المختلفة للجريمة. يضاف إلى ذلك ضرورة اختيار رجل الدين ممن يعرف عنه صلاح السلوك ونزوعه للاهتمام بمشاكل الآخرين والرغبة في المساعدة على حلها (م21 من اللائحة الداخلية) . 

ويناط برجال الدين العاملين بالمؤسسات العقابية إدارة الشعائر الدينية وإلقاء المحاضرات والوعظ والإفتاء. ويمكن لرجل الدين – بعد موافقة الإدارة العقابية - أن يقوم بتنظيم مناقشات جماعية لإتاحة الفرصة أمام المحكوم عليهم لعرض استفساراتهم وبيان حكم الدين فيها. وعليه أن يجتمع بالمحكوم عليه الذي يطلب ذلك أو يقدر رجل الدين أنه في حاجة إلى هذا الاجتماع . وتوجب المادة 32 من قانون السجون أن يكون لكل ليمان أو سجن عمومي واعظ أو أكثر لترغيب المسجونين في الفضيلة وحثهم على أداء الفرائض الدينية . وتلزم المادة 21 من اللائحة الداخلية للسجون الواعظ بأن "يزور كل مسجون يغلب عليه الشذوذ وعدم الاستقامة باذلاً جهده في إصلاحه".



298- ثانياً : التهذيب الخلقي :
     يقصد بالتهذيب الخلقي L’éducation moralisatrice  بث الفضيلة الأخلاقية والقيم السامية في نفس المحكوم عليه. وتبرز أهمية التهذيب الخلقي في محاولة التغلب على القيم الفاسدة التي دفعت النزيل إلى السلوك الإجرامي ، وإبدالها بقيم ومثل أخلاقية قويمة. ولكي يؤدي التهذيب الخلقي دوره المنشود يجب أن يكون القائمون عليه ممن تتوافر لديهم معرفة خاصة بقواعد علم النفس والاجتماع والأخلاق والقانون والعلوم الاجتماعية بصفة عامة ، حتى يمكنهم فهم شخصية المحكوم عليه واكتساب ثقته وتوجيهه في تصرفاته بما يتفق ومعايير السلوك العام في المجتمع .   ولا شك أن أيسر السبل لتحقيق أغراض التهذيب الخلقي هي اللقاء الفردي بين الأخصائي الاجتماعي والمحكوم عليه ؛ حيث يتاح للأخصائي التعرف على شخصية النزيل الذي يتقابل معه ، ويسهل عليه مناقشته وإقناعه بعدم سلامة أفكاره ومسار معتقداته وقيمه التي دفعته إلى سلوك الجريمة. ويمكن من أجل بلوغ هذا التهذيب أن تعقد مناقشات جماعية يحضرها الأخصائي ويقوم بمناقشة موضوع معين مع النزلاء وسماع وجهة نظرهم فيه .


المطلب السابع
الجزاءات التأديبية والمكافأت
  

299- تمهيد :
     يستمد نظام الجزاءات التأديبية والمكافآت Sanctions disciplinaires et récompenses أهميته من وجوب سيادة النظام في المؤسسة العقابية كوسط تتعاظم فيه احتمالات التمرد بالنظر إلى طبيعة الأشخاص الذين يجمعهم هذا المكان. وإذا عدت الجزاءات التأديبية هي الوسيلة الأصلية لتدعيم النظام في المؤسسات العقابية ، فإن ثمة وسيلة أخرى أثبتت فعاليتها هي وسيلة المكافأة التي تمنح للمحكوم عليه عن حسن سلوكه. وكلاً من الوسيلتين السابقتين تعتمدان على شعورين إنسانيين هما الخوف والأمل. فالجزاءات التأديبية تستغل الخوف من الإيلام وفقد المزايا ، أما المكافآت فتستغل الطموح والأمل في الحصول على المزايا والتطلع إلى أسلوب أفضل للمعيشة داخل المؤسسة العقابية .

300- أولاً : الجزاءات التأديبية:
     يستوجب الخروج على النظام الداخلي للمؤسسة العقابية فرض عدد من الجزارات التأديبية Sanctions disciplinaires   تمثل في جوهرها إيلام إضافي يكمل الإيلام الناشئ عن سلب الحرية. وهذا الإيلام يستهدف بصفة أساسية المساهمة في تهذيب وتأهيل المحكوم عليه. لذا فقد بدأت تتجرد هذه الجزاءات حديثاً من طابع الانتقام وتتصف بالاعتدال . ويعلل هذا التطور بالحرص على صيانة قدرات المحكوم عليه البدنية والنفسية وصيانة كرامته وكون المغالاة في الجزاء التأديبي قد يعرقل جهود التأهيل بما يتركه من عداوة بين المحكوم عليه والإدارة العقابية. ويتجه النظام العقابي المصري إلى حصر المخالفات التأديبية في السجن. وهذه تبدأ من عدم الطاعة إلى إحداث حريق عمداً بالسجن أو إثبات أمراً مخالف لنظام السجن أو مخل بأمنه. وإذا شكل الفعل الواحد الذي يرتكبه النزيل جريمة تأديبية وجريمة جنائية في ذات الوقت كالتعدي على أ حد حراس أو أحد الزملاء أو سرقة كمال مملوك للغير  فإن المادة 78 من قانون تنظيم السجون ألزمت مدير السجن أو مأموره بإبلاغ النيابة العامة عن كل جناية تقع من المسجونين أو عليهم وعن الجنح التي تقع منهم أو عليهم إذا كانت خطيرة أو كانت ظروف المهنة من شأنها أن تجعل الجزاء لتأديبي غير كاف. 

وقد حددت المادة 43 من قانون تنظيم السجون الجزاءات التأديبية التي يمكن أن توقع على النزيل عند ارتكابه لمخالفة تأديبية في : الإنذار ، أو الحرمان من كل أو بعض الامتيازات المقررة لدرجة المسجون أو فئته لمدة لا تقل عن ثلاثين يوماً ، أو تأخير نقل المسجون إلى درجة أعلى من درجته ، أو تنزيل المسجون إلى درجة أقل من درجته ، أو الحبس الانفرادي لمدة لا تزيد عن خمسة عشر يوماً ، أو وضع المحكوم عليه بغرفة التأديب المخصوصة التي تعنيها اللائحة الداخلية لمدة لا تزيد عن ستة أشهر. وللمحكوم عليه – شأنه شأن الإنسان العادي – الحق في محاكمة عادلة عند مسائلته تأديبياً وفق المتعارف عليه في المحاكمات الجنائية. فله الحق في العلم بالتهمة (م44/4 من قانون السجون) والحق في الدفاع (م30/2 من قواعد الحد الأدنى) وما يتفرع عنه كحقه في الاستعانة بمحام ومناقشة الشهود . ونرى استكمالاً لأوجه المحاكمة العادلة في المجال التأديبي داخل السجون أن يجري التأديب بمعرفة قضاة متخصصين وليس من قبل مجالس تأديب خاصة مشكلة من ضباط السجن إعمالاً للمادة 68 من الدستور التي تقضي "بأن لكل مواطن الحق في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي" ؛ دون أن تفرق في ذلك بين مسجون وشخص عادي أو بين محاكمة جنائية وغيرها من المحاكمات.  

301- ثانياً : المكافآت   :
     تعد المكافآت Récompenses  أحد الوسائل الهامة في المحافظة على النظام الداخلي للمؤسسة العقابية ؛ فضلاً عن كونها وسيلة لتشجيع المحكوم عليه على انتهاج السلوك القويم. ومن ثم يمكن اعتبارها في ذاتها نظاماً تهذيبياً يفوق الدور النوط بالجزاءات لتأديبية في هذا الصدد . وتتخذ المكافآت صور متعددة من أهمها السماح بزيادة المراسلات والزيارات العائلية وزيادة الوجبات الغذائية ، وتغيير نظام الزيارة بحيث لا توجد فواصل بين النزيل وزواره. ومنها أيضاً السماح للمحكوم عليه بالاشتراك في الأنشطة الترفيهية على نحو مكثف أو إطالة مدة النزهة اليومية ، أو التخفيف في العمل وتغييره. وقد تأخذ المكافأة صورة المنح المالية التي يكون لها قيمة معنوية كبيرة وتبث الثقة في نفس المحكوم عليه وتدفع أقرانه بالمؤسسة للإقتداء به. ومن أمثلة المكافآت في النظام العقابي المصري السماح بنقل المحكوم عليه من درجة إلى أخرى داخل السجن أو منحه – وفق شروط معينة - إفراجاً شرطياً قبل انتهاء مدة العقوبة.

المبحث الثاني
 أساليب المعاملة العقابية الخارجية

302- تمهيد وتقسيم : 
     لا تقتصر المعاملة العقابية على ما تطبقه الإدارة العقابية من أساليب داخل السجون ، وإنما تمتد هذه المعاملة إلى ما تأخذ به التشريعات المعاصرة من نظم تطبق في الوسط الحرMilieu libre خارج المؤسسة العقابية. ولقد سبق لنا من قبل استعراض بعض هذه النظم في معرض الحديث عن بدائل العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة  ، كنظام الوضع تحت الاختبار وإيقاف التنفيذ مع الوضع تحت الاختبار والإعفاء من العقوبة وتأجيل النطق بها ونظام شبه الحرية. لأجل هذا سوف يقتصر حديثنا في هذا المبحث على بعض أساليب المعاملة العقابية الخارجية الأخرى ، كنظام الإفراج تحت شرط (الإفراج الشرطي) ، الذي لا يتطلب سلب الحرية وإنما مجرد تقيدها ، ونظام الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم.

المطلب الأول
الإفراج تحت شرط

303- أولاً : مضمون الإفراج تحت شرط وحكمته : 
     الإفراج تحت شرط - أو الإفراج الشرطي La libération conditionnelle - أحد أساليب المعاملة العقابية بمقتضاه يفرج عن المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية قبل انقضاء مدتها وذلك لفترة معينة للتأكد من حسن سلوكه واستقامته. فإذا انقضت تلك المدة دون أن يخل المفرج عنه بشروط الإفراج صار هذا الإفراج نهائياً ، أما إذا ثبت خروجه على تلك الشروط أعيد من أفرج عنه مرة أخري للمؤسسة العقابية لاستكمال مدة العقوبة السالبة للحرية .

وقد ظهرت الدعوة لهذا النظام على يد القاضي دي مارساني De Marsangy في منتصف القرن التاسع عشر ، وأخذ به المشرع الفرنسي لأول مرة بالقانون الصادر في 4 أغسطس 1885 ، ومنه انتقل النظام إلى دول أخرى في أوروبا وخارجها. ولا شك أن الأخذ بهذا الطريق من طرق المعاملة العقابية قد جاء على أثر التطور الذي شهدته العقوبة وغلبة دورها في التأهيل على وظيفتها في تحقيق العدالة والردع العام. فإذا كانت اعتبارات العدالة والردع العام توجب أن تحدد مدة العقوبة السالبة للحرية بحيث تتناسب مع الجسامة الموضوعية والشخصية للجريمة ، فإن اعتبارات التأهيل توجب ألا تطول هذه المدة إلى ما يجاوز المدى المتطلب لتحقيق هذا التأهيل. فإن جاوزت العقوبة تلك المدة وجب اختصارها عن طريق الإفراج المؤقت عن المحكوم عليه، على أن يخضع هذا الأخير خلال فترة الإفراج إلى عدد من الشروط والالتزامات تمهد – إن التزم بها – للإفراج النهائي عنه . فالسياسة العقابية الحديثة – التي تعلي من الوظيفة التأهيلية للعقوبة – تسلم بوجوب أن يسبق كل إفراج نهائي إفراج مؤقت حتى يمكن التأكد من اندماج المحكوم عليه من جديد في مجتمعة وأنه صار يسلك طريقاً سوياً في الحياة.

وتبدو الحكمة من هذا النظام جلية واضحة والتي تتمثل في تشجيع المحكوم عليه على سلوك مسكاً قويماً خلال مدة تنفيذ العقوبة كي يتسنى له الاستفادة من نظام الإفراج تحت شرط. كما يهدف هذا النظام إلى التدرج بمعاملة المحكوم عليه من مرحلة سلب الحرية الكاملة إلى مرحلة تقيد الحرية بالإفراج المؤقت عنه تمهيداً للإفراج النهائي عنه فيتجنب بذلك مساوئ الإفراج المفاجئ عنه.

304- ثانياً : شروط الإفراج تحت شرط : 
     يبين من مطالعة المواد من 52 إلى 64 التي يضمها الفصل الحادي عشر من قانون تنظيم السجون أن المشرع المصري قد وضع عدة شروط لتقرير الإفراج الشرطي عن المحكوم عليه . وبعض تلك الشروط يتعلق إما بالمحكوم عليه ، وإما بمدة العقوبة ، وإما بالالتزامات المالية في ذمة المحكوم عليه ، وإما بمقتضيات الأمن العام. ولا يتطلب المشرع شروطاً متعلقة بالجريمة أو بالعقوبة. فكل محكوم عليه من أجل جريمة أياً كانت – جناية أو جنحة - ، وبأية عقوبة سالبة للحرية – سجن مؤبد أو سجن مشدد أو سجن أو حبس - يمكن أن يمنح الإفراج الشرطي.

فتوجب المادة 52 من قانون السجون أن يكون سلوك المحكوم عليه خلال مدة وجودة في السجن يدعو إلى الثقة لتقويم نفسه. وهكذا يكون الإفراج الشرطي مكافأة للمحكوم علية على سلوكه القويم أثناء مدة تنفيذ العقوبة السالبة للحرية. ويقصد بحسن السلوك هنا أن ينبئ وضع المحكوم عليه في المؤسسة عن احتمالية استمراره هكذا أثناء الإفراج المؤقت عنه. فتقدير سلوك المحكوم عليه يجب أن يكون متجهاً نحو المستقبل .

ومن حيث مدة العقوبة توجب المادة سالفة الذكر أن يمضي المحكوم عليه ثلاثة أرباع مدة العقوبة المحكوم بها بما لا يقل عن تسعة أشهر. كما يجب أن لا تقل المدة اللازمة للإفراج الشرطي عن عقوبة السجن المؤبد عن عشرين سنة. والحكمة من اشتراط حد أدنى للعقوبة مقداره تسعة أشهر لتقرير الإفراج الشرطي هو استبعاد هذا النظام في حالة الحكم بعقوبة قصيرة المدة ؛ لأن ابتسار العقوبة أقل من ذلك يصعب معه تحقيق أغراضها ويصعب معه كذلك تقدير الجدارة بالإفراج. أما علة اشتراط مرور عشرين سنة من بدء تنفيذ عقوبة السجن المؤبد لتقرير الاستفادة من الإفراج الشرطي فيعود إلى كونها في الأصل غير محددة المدة وتستغرق حياة المحكوم عليه فوجب أن يحدد لها المشرع قدراً جزافياً يرتبط غالباً بالمدة التي ينتظر أن تمتد خلالها حياة الشخص متوسط العمر .

ولا مشكلة في حساب المدة إذا كانت العقوبة واحدة. أما إذا تعددت العقوبات ، فإن المادة 54 من قانون تنظيم السجون تنص على أنه إذا تعددت العقوبات المحكوم بها لجرائم وقعت قبل دخول المحكوم عليه السجن يكون الإفراج على أساس مجموع مدد هذه العقوبات. فإذا كانت العقوبات من نوع واحد ضمت مددها وتعين أن يمضي المحكوم عليه ثلاثة أرباع المدد مجتمعة. أما إذا كانت العقوبات من أنواع مختلفة ضمت مددها وتعين البدء في استفاء ثلاثة أرباعها من أشد العقوبات المحكوم بها ثم من العقوبة التي تليها شدة. ويترتب على هذا الضم أنه إذا كانت مدة إحدى العقوبات أقل من تسعة أشهر بحيث لا يجوز تقرير الإفراج الشرطي بشأنها ، فإنه بضم مدة هذه العقوبة إلى مدد عقوبات أخرى قد تزيد مدتها على تسعة أشهر ويكون الإفراج الشرطي حينئذ ممكناً ، شريطة أن تكون تلك العقوبات قد حكم بها قبل دخول المؤسسة العقابيةً .

وتنص المادة 54 من قانون تنظيم السجون في فقرتها الثانية على أنه "إذا ارتكب المحكوم عليه أثناء وجوده في السجن جريمة فيكون الإفراج على أساس المدة الباقية عليه وقت ارتكاب هذه الجريمة مضافاً إليها مدة العقوبة المحكوم بها عليه من أجل ارتكابها".

وتقضي المادة 55 من قانون تنظيم السجون في فقرتها الأولى على أنه "إذا كان المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية قد قضى في الحبس الاحتياطي مدة واجباً خصمها من مدة العقوبة فيكون الإفراج عنه تحت شرط على أساس كل المدة المحكوم بها".        

وتتطلب المادة 52 أيضاً ألا يكون في الإفراج عن المحكوم عليه خطورة على الأمن العام. ونرى أنه ليس هناك ارتباط بين حسن سلوك الشخص المزمع الإفراج عنه وبين تأثيره على الأمن العام. فقد يكون سلوك المحكوم عليه حسناً داخل المؤسسة العقابية إلا أن خروجه يشكل خطورة معينة على الوسط الخارجي ، كأن يترتب على خروج النزيل تجديد النزاع بين أسرته وأسرة المجني عليه. ويترك للسلطة العامة أمر تقدير تلك الخطورة بلا معقب عليها ، الأمر الذي قد يكشف عن بعض صور التعسف في منح الإفراج الشرطي بحجة المساس بالأمن.

وأخيراً تستوجب المادة 56 من قانون تنظيم السجون لمنح الإفراج الشرطي أن يكون المحكوم عليه قد أوفى بالالتزامات المالية المحكوم بها عليه من المحكمة الجنائية في الجريمة وذلك ما لم يكن من المستحيل الوفاء بها. وعلة تطلب ذلك أن عدم وفاء المحكوم عليه بتلك الالتزامات – رغم استطاعته - يكشف عن عدم ندمه على جريمته وعدم جدارته بالإفراج ، والعكس إن هو أوفى. كما أن عدم الوفاء قد يعزز من المخاطر التي تهدد الأمن العام إذا ما أفرج عن المحكوم عليه فيسقط بذلك أحد الشروط المتطلبة لتقرير الإفراج.

والالتزامات التي يتعين الوفاء بها هي الغرامة والتعويضات والمصاريف المقضي بها فقط من المحكمة الجنائية دون المحكمة الجنائية. ونرى أن الوفاء بتلك المبالغ واجب حتى ولو كانت ناشئة عن جريمة غير التي دخل بسببها المؤسسة العقابية. 
         
305- ثالثاً : طبيعة الإفراج تحت شرط : 
     تتعدد طبيعة الإفراج لشرطي وفقاً للغرض المرجو منه : فيمكن اعتباره منحة ومكافأة للمحكوم عليه على حسن سلوكه داخل المؤسسة العقابية ، كما يمكن اعتباره مرحلة من مراحل تنفيذ العقوبة السالبة للحرية حين يكون من الملائم إخضاع المفرج عنه لعدد من الالتزامات في الوسط الحر للتحقق من التأهيل الذي بدت بوادره داخل المؤسسة العقابية. وأخيراً يمكن اعتبار الإفراج الشرطي تدبيراً مستقلاً للتأهيل الاجتماعي .

306- أ : الإفراج تحت شرط كمنحة :  
     لقد نظر إلى الإفراج الشرطي في بداية تطبيقه على أنه منحة تهذيبية الهدف منه مكافأة المحكوم عليه على حسن مسلكه أثناء تنفيذ العقوبة. وبالتالي كان قضاء المحكوم عليه فترة معينة داخل المؤسسة العقابية كافياً للإفراج عنه قبل انقضاء كل مدة العقوبة بصرف النظر عن التحقق من إصلاحه بالفعل ، ومدى توافر إمكانية التأهيل الاجتماعي .

وقد ترتب على هذه النظرة عدة نتائج منها  : 
*- أن حسن سلوك المحكوم عليه داخل المؤسسة العقابية يعد شرطاً جوهرياً لإمكان الإفراج عنه قبل انتهاء مدة العقوبة التي حددها الحكم. فلم يكن المزمع الإفراج عنه يخضع لأي شروط أو التزامات. وكانت الحجة التي تقال لتبرير ذلك أن التهديد بإلغاء الإفراج الشرطي إذا خالف المفرج عنه القانون بارتكابه جريمة لاحقة كافي لأن يدفعه إلى تقويم نفسه.
*- أنه لا محل لتطلب رضاء المحكوم عليه لمنح الإفراج الشرطي ، والحجة في ذلك أن الإفراج الشرطي نظام عقابي تطبقه السلطة التي يخولها القانون ذلك ، ولا محل لتدخل المحكوم عليه في تطبيق هذا النظام ، فضلاً عن أن المحكوم عليه قد يجهل الطريق الصحيح إلى تأهيله.
*- أنه لا تأثير للإفراج الشرطي على الحكم القضائي الصادر بالعقوبة ، فالمفرج عنه يعد قي الواقع في مرحلة من مراحل التنفيذ العقابي. ويستتبع ذلك أن حظر الإقامة لا يبدأ في السريان إلا بعد أن تنقضي المدة المتبقية من العقوبة المحكوم بها. كما أن الفترة التي يجوز اعتبار المتهم خلالها عائداً إذا ارتكب جريمة تالية (م49/2عقوبات) لا تبدأ من تاريخ الإفراج الشرطي ولكن من تاريخ انتهاء تنفيذ العقوبة. وكذلك فإن الحرمان من أداء الشهادة أمام المحاكم إلا على سبيل الاستدلال (م25/3عقوبات) تلحق بالمفرج عنه شرطياُ ولا تنقضي إلا إذا انتهت المدة المتبقية من العقوبة. وأخيراً فإن المدة المطلوب سريانها من أجل رد الاعتبار القضائي أو القانوني لا تبدأ إلا من يوم الانقضاء التام للعقوبة.

ولا يداخلنا الشك في أن اعتبار الإفراج تحت شرط بمثابة مكافأة للمحكوم عليه على حسن سلوكه داخل المؤسسة العقابية يعد انعكاس للأفكار الكلاسيكية في السياسة العقابية ، التي كانت تقدر العقوبة بقدر الجسامة الموضوعية للواقعة الإجرامية لا وفقاً لشخصيته مرتكبها وظروفه ؛ ولم تكن ترى في العقوبة إلا وسيلة للردع العام وإرضاء العدالة لا وسيلة للتأهيل والإصلاح. وبالجملة كانت النظرة إلى العقوبة على أنها سداد لدين أخلاقي يدين به المجرم نحو المجتمع بارتكاب جريمته. تلك النظرة التي نأسف لاستمرارها في التشريع المصري إلى الآن.

307- ب : الإفراج تحت شرط  كمرحلة للتنفيذ العقابي :
     لقد تطور الإفراج الشرطي في ظل السياسة العقابية الحديثة إلى أن أصبح وسيلة تفريد للمعاملة التهذيبية للمحكوم عليهم. ولقد كان المشرع الفرنسي سباقاً في ذلك بإصداره مرسوماً في أول إبريل من عام 1952 حدد فيه الشروط الخاصة التي يمكن أن يخضع لها المفرج عنه شرطياًُ ونص لأول مرة على لجان مساعدة المفرج عنه شرطياًُ.  وبذلك أقر هذا المرسوم الدور التهذيبي لنظام الإفراج الشرطي.

وقد ترتب على هذه النظرة عدة نتائج منها  : 
*- وجوب ارتباط الإفراج الشرطي برضاء المحكوم عليه. وعلة ذلك أن هذا النظام أصبح يهدف إلى التأهيل والتقويم ، الأمر الذي لا يتحقق إلا إذا توافرت بالفعل لدى المحكوم عليه الإرادة الكاملة للاستفادة من المعاملة العقابية التي ينطوي عليها هذا النظام.
*- وجوب خضوع المفرج عنه لتدابير رقابة وإشراف ومساعدة التي تكفل تحقيق التأهيل الاجتماعي للمفرج عنه. وينبغي أن تكون مدة الإفراج الشرطي مناسبة بحيث تسمح بمتابعة جهود إعادة التأهيل والإصلاح عن طريق تلك التدابير.

وبالرغم من أن الإفراج لشرطي أصبح ذا مضمون تربوي وتهذيبي إلا أنه لم يقم بما كان مرجواً منه في تأهيل وإصلاح المحكوم عليهم ، وذلك يعود بصفة أساسية إلى استمرار ارتباط الإفراج الشرطي بالعقوبة المحكوم بها. والدليل على ذلك أن مدة الإفراج الشرطي والالتزامات الخاصة التي يمكن أن يخضع لها المفرج عنه كانت تستمد تحديدها من حكم الإدانة ، وكذلك فإن تدابير الرقابة والإشراف كانت تنتهي بانقضاء مدة العقوبة المحكوم بها ، حتى ولم يكن قد تحقق تأهيل وإصلاح المفرج عنه ، وهو ما يحدث في الغالب عندما تكون مدة الإفراج الشرطي قصيرة جداً. وكذلك فإن الجزاء الذي كان يوقع على المفرج عنه عند مخالفته للالتزامات والقيود التي تفرض عليه كان مستمد أيضاً من حكم الإدانة. فهذا الجزاء لم يكن إلا إلغاء الإفراج الشرطي وعودة المفرج عنه إلى المؤسسة العقابية ليستوفي المدة المتبقية من العقوبة.

308- ج : الإفراج تحت شرط كتدبير مستقل للتأهيل الاجتماعي : 
     كانت لأفكار مدرسة الدفاع الاجتماعي الفضل في التنبيه إلى ضرورة فصم الصلة التي تربط الإفراج الشرطي بالعقوبة ، بحيث ينظر إلى الإفراج الشرطي كتدبير مستقل لتأهيل والإصلاح الاجتماعي ، ولم يعد ينظر إليه كأسلوب لتنفيذ العقوبة.

ولقد قطع المشرع الفرنسي في هذا السبيل شوطاً كبيراً بعد التعديلات التي أدخلها في قانون الإجراءات الجنائية سنة 1958 على نظام الإفراج الشرطي. فقد سمح المشرع الفرنسي بأن تتجاوز مدة الإفراج الشرطي مدة العقوبة المحددة  في الحكم ، حيث أجازت المادة 732 من قانون الإجراءات الفرنسي للوزير المختص إطالة تدابير المساعدة والرقابة إلى ما بعد انقضاء العقوبة المحكوم بها ، لمدة لا تزيد عن سنة. وتظهر فائدة هذا النص عندما لا تكون مدة الإفراج الشرطي كافية لاستفادة المفرج عنهم من برامج التأهيل والإصلاح .

كما جعل المشرع الفرنسي تدبير حظر الإقامة يسري من تاريخ الإفراج الشرطي وليس عقب انقضاء تنفيذ العقوبة الملحق بها. كما تبدأ المدة التي يتعين انقضائها لرد الاعتبار من تاريخ الإفراج الشرطي إلا إذا كان المفرج عنه عائد فإن المدة تسري من تاريخ تمام تنفيذ .

وقد أوجب المشرع الفرنسي خضوع المفرج عنهم إفراجاً شرطياً لعدد من تدابير الرقابة والمساعدة يحددها قاضي تطبيق العقوبات ويشرف على تنفيذها. ومثال ذلك الإلزام بالإقامة في مركز إيواء أو استقبال يعد للمفرج عنهم ، أو حظر التردد على بعض الأشخاص أوالأماكن ، أو الامتناع عن ممارسة بعض المهن التي تسهل للمفرج عنه ارتكاب الجريمة ، أو الإلزام بالخضوع لعلاج طبي معين.

309- رابعاً : السلطة المختصة بالإفراج تحت شرط : 
     لا تنهج التشريعات نهجاً واحداً في تحديد السلطة المختصة بتقرير الإفراج الشرطي. فهناك من التشريعات من أوكل هذا الأمر إلى السلطة التنفيذية ممثلة في القائمين على التنفيذ العقابي. وبهذا أخذ المشرع المصري الذي أناط الاختصاص بالإفراج الشرطي لمدير عام السجون (م53 من قانون تنظيم السجون). وأعطت المادة 63/3 من القانون الأخير للنائب العام سلطة النظر في الشكاوى التي تقدم بشأن الإفراج تحت شرط واتخاذ ما يراه كفيلاً برفع أسبابها. فللإفراج الشرطي في القانون المصري طابع إداري.

بينما ذهبت تشريعات أخرى إلى تخويل جهة قضائية الاختصاص بمنح وإلغاء الإفراج الشرطي ، سواء كانت تلك الجهة القضائية قضاء تنفيذ أو كانت قضاء حكم.
فبعض الدول ذهبت إلى تخويل قاضي متخصص بالتنفيذ سلطة إصدار قرار الإفراج الشرطي. مثال ذلك قانون الإجراءات الجنائية البرازيلي الذي أعطى هذا الاختصاص إلى قاضي تنفيذ العقوبات بناء على اقتراح المجلس العقابي أو طلب المحكوم عليه ، وبعد أخذ رأي النيابة العامة . وفي ألمانيا نص قانون محاكم الأحداث على اختصاص القاضي الذي يقع عليه عبء الإشراف على تنفيذ العقوبات بإصدار قرار منح الإفراج الشرطي بالنسبة للمحكوم عليهم الأحداث (المادتان 88 ، 89 من قانون محاكم الأحداث) . 

وهناك من التشريعات من لم يخول قاضي التنفيذ سوى سلطة إبداء الرأي بمنح الإفراج الشرطي مع جعل سلطة إصدار القرار في يد الإدارة العقابية. وهذا ما ذهب إليه المشرع الإيطالي بالنسبة لقاضي الإشراف (م.176 عقوبات إيطالي – م.144 إجراءات جنائية. وأخذ به أيضاً المشرع الجزائري (م180 وما بعدها من قانون تنظيم السجون) .

وكان التشريع الفرنسي يخول في السابق قاضي تنفيذ العقوبات حق تقرير الإفراج الشرطي إذا لم تتجاوز مدة العقوبة السالبة للحرية المحكوم بها ثلاث سنوات (م. 730 إجراءات جنائية المعدلة بالقانون رقم 72-1226 الصادر في 29 ديسمبر 1972) ، فإذا ذادت المدة المحكوم بها عن ذلك فكان يرفع الأمر إلى وزير العدل ، الذي له سلطة إصدار الأمر بالإفراج الشرطي بعد أخذ رأي اللجنة الاستشارية للإفراج الشرطي في وزارة العدل .

وبصدور القانون رقم 516-2000 الصادر في 15 يونيو 2000 ، والمسمى قانون تدعيم قرينة البراءة La loi renforçant la présomption d’innocence المعدل للكثير من النصوص الواردة في قانون الإجراءات الجنائية ، حرص المشرع الفرنسي على تأكيد الطبيعة القضائية للإفراج الشرطي. فقد جعل تقرير الإفراج الشرطي أو إلغاءه من اختصاص قاضي تطبيق العقوبات إذا كانت العقوبة السالبة للحرية المنطوق بها أقل من عشر سنوات ، أو إذا كانت المدة المتبقية منها أقل من ثلاث سنوات (م. 722-1 مضافة بقانون الإجراءات الجنائية) ؛ وفي غير هاتين الحالتين تختص المحكمة الإقليمية للإفراج الشرطي Juridiction régionale  - كجهة قضائية بديلة عما كان مخولاً في السابق من سلطة لوزير العدل - بطلبات منح أو إلغاء الإفراج الشرطي.   

وتلك المحكمة الإقليمية تنشأ في دائرة كل محكمة استئناف ، برئاسة أحد قضاة الاستئناف وعضوية اثنين من قضاة تطبيق العقوبة. وتختص بفحص طلبات منح أو إلغاء الإفراج الشرطي المقدمة سواء من المدعي العام أو المحكوم عليه ، وتصدر حكمها مسبباً بعد مرافعة في جلسة حضورية (م. 730 فقرة 1 ، 2 معدلة إجراءات جنائية). وتقبل أحكام تلك المحكمة الطعن عليها بالاستئناف خلال عشرة أيام من تاريخ الإعلان بالحكم أمام المحكمة الوطنية للإفراج الشرطي Juridiction nationale ، المشكلة برئاسة رئيس محكمة النقض أو أحد مستشاري النقض وعضوية اثنين من قضاة النقض ، وممثل عن الجمعيات الوطنية لاندماج المحكوم عليهم وممثل عن الجمعيات الوطنية لمساعدة المجني عليهم. وهكذا يكون المشرع الفرنسي في حقيقة الأمر قد أنشأ بالقانون الجديد سالف الذكر قضاءً من درجتين متخصصاً في الإفراج الشرطي Juridiction spécialisée en matière de  libération conditionnelle . 

والحق أن بعض الدول وإن جعلت الاختصاص بمنح وإلغاء الإفراج الشرطي لجهة قضائية إلا أنها لم تفرد لذلك قضاءً متخصصاً ؛ بل جعلت الأمر منوط بقضاء الحكم فيها. هذا الاتجاه نجد له صدى في قانون العقوبات اليوناني حيث تختص بمنح الإفراج الشرطي محكمة الجنح التي تقع في دائرة اختصاصها المؤسسة العقابية منعقدة في غرفة المشورة (م. 10/2عقوبات). وفي بولونيا خول القانون الصادر في 29 مايو 1975 محكمة الدرجة الأولى منعقدة في غرفة المشورة الاختصاص بمنح الإفراج الشرطي . وتنفرد المجر بحكم خاص في هذا الشأن. فوفقاً لقانون عقوباتها الصادر سنة 1961 والمعمول به في أول يونيو 1962 فإن المحكمة المختصة بنظر الدعوى هي التي تقرر – بحكم نهائي غير قابل للطعن عليه إلا للخطأ في تطبيق القانون - مدى إمكانية منح الإفراج الشرطي في المستقبل من عدمه (م.39 عقوبات) .

310- خامساً : آثار الإفراج تحت شرط :
     يترتب على الإفراج الشرطي تقرير الإعفاء المؤقت من تنفيذ العقوبة مدة معينة. وتلك المدة تسمى مدة الاختبار أو التجربة وتتفاوت التشريعات في تحديدها. ففي التشريع المصري فإن تلك المدة هي خمس سنوات في حالة السجن المؤبد محسوبة من تاريخ الإفراج المؤقت أو بقية مدة العقوبة في حالة العقوبات السالبة للحرية الأخرى. أما في التشريع الفرنسي فإنه وفقاً للمادة 732/2 ، 3 فإن فترة التجربة تكون هى المدة المتبقية من العقوبة إذا كانت هذه الأخيرة مؤقتة ، ويمكن زيادة تلك المدة بحد أقصى سنة. أما إن كانت العقوبة مؤبدة فإن فترة التجربة تتراوح بين خمس إلى عشر سنوات. 

ولعل أهم الآثار التي يمكن أن تترتب على منح الإفراج الشرطي إمكانية إخضاع المفرج عنه لعدد من تدابير المساعدة والرقابة ولعدد من الالتزامات التي تعين على تأهيل المفرج عنه.

غير أن التشريعات قد تباينت في هذا نتيجة اختلاف كل منها في النظرة إلى الإفراج الشرطي. فالبعض من التشريعات يرى عدم فرض التزامات على المفرج عنه على اعتبار أن حسن سلوك المحكوم عليه داخل المؤسسة العقابية كافي لتوقع استمرار المحكوم عليه في احترام القانون بعد الإفراج عنه ، فضلاً على أن التهديد بإلغاء الإفراج الشرطي إذا وقعت من المفرج عنه جريمة في المستقبل كافي لأن سلوك الطريق القويم. وهذا الاتجاه يتفق مع النظرة التقليدية للإفراج الشرطي باعتباره منحة تهذيبية الهدف منه مكافأة المحكوم عليه على حسن سلوكه أثناء تنفيذ العقوبة المحكوم بها. وبهذا أخذ القانون الروماني الذي لم يفرض أي التزامات على المفرج عنه شرطياً ، سوى عدم ارتكاب جريمة جديدة قبل انتهاء المدة المتبقية من العقوبة المحكوم بها .
بيد أن المفهوم الحديث للإفراج الشرطي ، باعتباره أسلوباً للمعاملة التهذيبية في الوسط الحر يهدف إلى تأهيل المحكوم عليه اجتماعياً ، يوجب إخضاع المفرج عنه لمجموعة من الالتزامات يتعين عليه احترامها حتى لا يتعرض للإلغاء الإفراج الشرطي. وفي ظل هذا المفهوم فإن كثير من التشريعات تذهب إلى فرض التزامات على المفرج عنه شرطياً لمساعدته على التقويم والتأهيل. وداخل هذا الاتجاه تذهب بعض التشريعات - كالقانون الألماني والسويسري - إلى إخضاع المفرج عنه لذات الالتزامات التي يجوز فرضها على من يحكم عليه بالعقوبة مع إيقاف التنفيذ والوضع تحت الاختبار. بينما يفرق البعض الآخر - كالتشريع الفرنسي - بين التزامات عامة يخضع لها كل مفرج عنهم ، لا يجوز تعديلها وتشبه إلى حد كبير الالتزامات العامة التي تفرض على الخاضع للاختبار القضائي ، وبين التزامات أخرى خاصة يحددها القرار الصادر بمنح الإفراج الشرطي بالنظر إلى شخصية المفرج عنه ويكون من الجائز التعديل فيها (م 731 من قانون الإجراءات الفرنسي) .

أما بالنسبة للتشريع المصري ، فقد نصت المادة 57 من قانون تنظيم السجون على أنه "يصدر بالشروط التي يرى إلزام المفرج عنهم تحت شرط بمراعاتها قرار من وزير العدل...". وتنفيذاً لذلك صدر قرار وزير العدل في 11 يناير عام 1958 والذي فرض على المفرج عنه عدد من الالتزامات التي تهدف إلى إخضاعه لرقابة الدولة والتزامه سلوكاً يباعد بينه وبين ارتكاب الجرائم. وتتحصل تلك الالتزامات في وجوب أن يسعى المفرج عنه بصفة جدية للتعيش من عمل مشروع ، وأن يكون حسن السير والسلوك وألا يتصل بذوي السيرة السيئة ، وأن يقيم في الجهة التي يختارها ما لم تعترض جهة الإدارة وألا يغير محل إقامته بغير إخطار جهة الإدارة ، وأن يقدم نفسه مرة واحدة كل شهر لجهة الإدارة التابع لها محل إقامته .

ويعاب على خطة المشرع في تنظيمه لالتزامات الإفراج الشرطي أنها لم تقرن ذلك بتنظيم تدابير مساعدة تضمن للمحكوم عليه إمكانيات التأهيل والإصلاح وأنها وضعت بصورة مجردة بحيث لا يمكن تفريد الإفراج الشرطي بحسب شخصية المفرج عنه. بمعنى أنها جعلت كل الالتزامات من قبيل الالتزامات العامة التي تفرض على كافة المحكوم عليهم المزمع الإفراج عنهم. يضاف إلى ذلك أن المشرع المصري لم يسمح بتعديل هذه الالتزامات بما يجعلها تتفق مع التطور الذي يطرأ على شخصية المفرج عنه ومقتضيات تأهيله.

311- سادساً : إلغاء الإفراج تحت شرط :
     تنتهج التشريعات فيما يتعلق بإلغاء الإفراج الشرطي أحد مذهبين ، إما تقرير الإلغاء كجزاء على مخالفة المفرج عنه شرطياً للالتزامات المفروضة عليه ، وإما تقرير الإلغاء في حالة فشل المعاملة التأهيلية التي ينطوي عليها الإفراج الشرطي في تأهيل وإصلاح المفرج عنه. 
والاتجاه الأول يتطابق مع المفهوم الكلاسيكي للإفراج الشرطي كمنحة معلقة على شرط هو عدم إخلال المفرج عنه بالالتزامات المفروضة عليه في قرار الإفراج ، بحيث إذا ما تحقق الشرط ألغيت هذه المنحة (الإفراج الشرطي). وبهذا أخذ التشريع المصري إذ صرحت المادة 59 من قانون تنظيم السجون بأنه "إذا خالف المفرج عنه الشروط التي وضعت للإفراج ولم يقم بالواجبات المفروضة عليه ألغي الإفراج وأعيد إلى السجن ليستوفي المدة المتبقية من العقوبة المحكوم بها عليه. ويكون إلغاء الإفراج في هذه الحالة بأمر مدير عام السجون بناء على طلب رئيس النيابة في الجهة التي بها المفرج عنه ويجب أن يبين في الطلب الأسباب المبررة له".

وقد نصت المادة 60 من قانون تنظيم السجون على أنه "لرئيس النيابة العامة من تلقاء نفسه أو بناء على طلب المدير أو المحافظ إذا رؤي إلغاء الإفراج أن يأمر بالقبض على المفرج عنه وحبسه إلى أن يصدر مدير عام السجون قراره بشأنه ، ولا يجوز أن تزيد مدة الحبس على خمسة عشر يوماً إلا بإذن من النائب العام".

أما الاتجاه الآخر فينظر إلى إخلال المفرج عنه للالتزامات المفروضة عليه باعتباره يكشف عن أن المعاملة التأهيلية التي أنطوى عليها الإفراج الشرطي لم تنجح في تأهيل وإصلاح المفرج عنه ، مما يقتضي أن تحدد أسباب الإلغاء على نحو يسمح بتقدير شخصية المفرج عنه، وتبين مدى صلاحيته لنظام الإفراج الشرطي. وقد أخذ بهذا الاتجاه المشرع الفرنسي فأجاز إلغاء الإفراج الشرطي في حالتي سوء السلوك أو عدم الخضوع لإجراءات المساعدة والرقابة أو عدم مراعاة الالتزامات الخاصة ، أو صدور حكم جديدة بالإدانة (م733 إجراءات فرنسي) . 

وتختلف إجراءات الإلغاء بحسب ما إذا كان قرار الإفراج الشرطي قد صدر من وزير العدل أم من قاضي تطبيق العقوبات. ففي الحالة الأولى يتقرر الإلغاء بمعرفة وزير العدل بناء على اقتراح قاضي تطبيق العقوبات ، وبعد أخذ رأي اللجنة الاستشارية للإفراج الشرطي. أما في الحالة الثانية فيمكن لقاضي تطبيق العقوبات إلغاء الإفراج الشرطي بعد أخذ رأي لجنة الاختبار (م733 إجراءات جنائية) . ويترتب على إلغاء الإفراج الشرطي سلب حرية المفرح عنه ، وخضوعه لذات المعاملة العقابية التي كان يخضع لها قبل الإفراج الشرطي أو معاملة عقابية أخرى وفقاً لمدى ما طرأ على سلوكه في الفترة التي أمضاها خارج المؤسسة العقابية.

ووفقاً للمادة 59 من قانون تنظيم السجون يترتب على إلغاء الإفراج الشرطي أن يمضي المحكوم عليه في المؤسسة العقابية كل الفترة المتبقية من العقوبة. ويتطابق هذا الحكم مع المفهوم التقليدي للإفراج الشرطي باعتباره منحة معلقة على شرط فاسخ هو الإخلال بالالتزامات المفروضة على المفرج عنه. أما بالنسبة للتشريع الفرنسي فقد منح السلطة صاحبة الاختصاص بإلغاء الإفراج الشرطي (وزير العدل أو قاضي تنفيذ العقوبة) حق تقدير التنفيذ الكلي أو جزء من المدة الباقية من عقوبة المحكوم عليه (م733/3 من قانون الإجراءات الجنائية). 
312- سابعاً : تحول الإفراج تحت شرط إلى إفراج نهائي :
     يترتب على انقضاء المدة المتبقية من العقوبة دون أن يلغى الإفراج الشرطي أن يتحول هذا الأخير إلى إفراج نهائي. فإذا ما كانت العقوبة هي السجن المؤبد فإن الإفراج يصبح نهائياً بمرور خمس سنوات من تاريخ الإفراج المؤقت (م61 من قانون تنظيم السجون). ويترتب على هذا التحول أنه لا يجوز إلغاء الإفراج وأن تنقضي الالتزامات التي كانت مفروضة على المفرج عنه. واستثناء من ذلك أجازت المادة 61 من قانون السجون في فقرتها الثانية إلغاء الإفراج رغم صيرورته نهائياً ، أي ولو انقضت المدة المتبقية من العقوبة أو مدة الخمس سنوات في حالة المحكوم عليه بعقوبة السجن المؤبد ، "إذا حكم في أي وقت على المفرج عنه في جناية ، أو جنحة من نوع الجريمة السابق الحكم عليه من أجلها يكون قد ارتكبها في خلال المدة المتبقية من العقوبة أو خلال خمس سنوات إذا كانت العقوبة بالسجن المؤبد...". وعلة هذا الاستثناء أن ارتكاب المفرج عنه لجناية أو جنحة خلال مدة الإفراج يدل على عدو جدارته به. فإذا كان أمر تلك الجناية أو الجنحة ظل خفياً لحين أن أصبح الإفراج نهائياً فيكون المفرج عنه قد تحصل على الإفراج بطريق الغش مما يجيز إلغاءه.

والواضح من المادة 61 أن المشرع يتطلب أن يرتكب المفرج عنه جناية أياً كان نوعها ولو لم تكن هذه الجناية من نوع الجريمة الأولى. فإذا كان ما ارتكبه المفرج عنه مجرد جنحة وجب أن تتماثل تماثلاً حقيقياً مع الجريمة الأولى جناية كانت أم جنحة. ومثال ذلك أن يرتكب المفرج عنه جنحة سرقة صيرورة الإفراج نهائياً وكان قد سبق الحكم عليه من أجل جناية أو جنحة سرقة. على أنه يشترط أن تكون هذه الجريمة قد وقعت خلال مدة الإفراج ولو لم يصدر فيها حكم إلا بعد صيرورة الإفراج نهائياً. فإذا وقعت الجريمة بعد تلك المدة فلا يجوز إلغاء الإفراج.

ويشترط في جميع الأحوال أن يصدر الأمر بالإلغاء خلال خمس سنوات من تاريخ الحكم الصادر في الجريمة الثانية ولو كان ذلك بعد صيرورة الإفراج نهائياً.

ومن الجدير بالذكر أن إلغاء الإفراج الشرطي لا يمنع من إمكان تقريره مرة أو مرات أخرى إذا تبين أن سلوك المحكوم عنه قد تحسن سلوكه إلى حد لم يعد معه محتاجاً إلى المعاملة العقابية التي تطبق في داخل المؤسسة العقابية. ويقتضي الإفراج التالي توافر الشروط العامة للإفراج الشرطي. وبهذا أخذ المشرع المصري في المادة 62 من قانون تنظيم السجون .

المطلب الثاني
الرعــــاية اللاحقــــة

313- أولاً : مضمون الرعاية اللاحقة :
     عادة ما يواجه المفرج عنهم عند خروجهم من المؤسسة العقابية ما يسمى "بأزمة الإفراج" التي تنشأ عن الاختلاف بين ظروف الحياة التي اعتاد عليها داخل المؤسسة العقابية وبين الحياة خارجها ، حيث يصادف حرية قد ينحرف في استعمالها ومسئولية قد يعجز عن تحملها ومطالب مادية قد يفشل في توفيرها. وقد يلقى صدوداً من أفراد المجتمع المحيط نظراً لماضيه الإجرامي فيعيش معزولاً دون مأوى أو عمل ، مما قد يقتل داخله جرعة التأهيل التي تشربها خلال فترة قضاء العقوبة فيعود مسرعاً إلى سلوك سبيل الجريمة مرة أخرى. 

لأجل هذا اتجهت السياسة العقابية الحديثة إلى الاعتراف للمفرج عنه بحقه في الرعاية اللاحقة  L’assistance poste pénitentiaire ou  post-pénale بقصد مساعدته مادياً ومعنوياً على استعادة مكانته في المجتمع بعد انقضاء فترة سلب الحرية. فالرعاية اللاحقة تعتبر أسلوباً تكميلياً للتنفيذ العقابي تهدف إلى استكمال ما تم تطبيقه من أساليب معاملة وبرامج تأهيل داخل المؤسسة العقابية ، وحتى لا تذهب المشاكل التي تعترض المفرج عنه بكل ما حققته له هذه الأخيرة من إصلاح وتهذيب .

ولم تعد الرعاية اللاحقة في ظل السياسة العقابية الحديثة رعاية فردية تقوم على اعتبارات الشفقة والعطف وبدافع ديني أو إنساني. بل هي التزام على الدولة قبل المحكوم عليه تفرضه وظيفتها في رسم  السياسة الجنائية المتعلقة بمكافحة الجريمة وكذلك وظيفتها في تطبيق سبل المعاملة العقابية. فالرعاية اللاحقة جزء من المعاملة العقابية التي تطبقها الدولة على المحكوم عليه وتستهدف بها إتمام التأهيل - إذا لم تكن مدة العقوبة كافية لتحقيق هذا الغرض - أو لمساندة المفرج عنه حتى يظل التأهيل الذي حققته أساليب المعاملة داخل المؤسسة العقابية قائماً ومؤثراً بداخله. فهي على هذا النحو الجزء الأخير من المعاملة العقابية .

ولا يعني بأي حال من الأحوال التزام الدولة بالرعاية اللاحقة للمفرج عنهم أن تغل يد الأفراد والهيئات الخاصة عن المساهمة في جهود الرعاية اللاحقة. فالمجتمع في ذلك يمثل وحدة عضوية واحدة. وإلى هذا أشارت المادة 64 من قواعد الحد الأدنى لمعاملة المذنبين بقولها "أن واجب المجتمع لا ينتهي بالإفراج عن المسجون ، لذلك يجب أن توجد هيئات حكومية أو خاصة قادرة على مد المسجون المفرج عنه برعاية لاحقة فعالة تهدف إلى تقليل التحامل عليه وإلى إعادة تأهيله الاجتماعي. كما توصى المادة 80 من ذات القواعد بأن توجه العناية اعتباراً من بدء تنفيذ العقوبة إلى مستقبل المسجون عقب الإفراج عنه. كما يجب العناية ومساعدته على المحافظة على صلاته بالأشخاص أو الهيئات الخارجية التي يمكنها رعاية مصالح أسرته وإعادة تأهيله الاجتماعي ، أو إنشاء صلات من هذا القبيل".

 وإذا كان الأصل أن تمتد الرعاية اللاحقة أن إلى جميع المفرج عنهم ، إلا أن بعض التشريعات قد ميزت بين الرعاية الإجبارية والرعاية الاختيارية . مثال ذلك التشريع الفرنسي الذي قرر أن يخضع للرعاية الإجبارية المفرج عنهم شرطياً وأن تقدم المساعدة بصورة اختيارية إرادية للمفرج عنه نهائياً. وتخطر الإدارة العقابية المسجون المفرج عنه – شرطياً أو نهائياً - بالمساعدة التي ستقدم له محل إقامة من لجنة رعاية المفرج عنهم.

وفيما يتعلق على الأخص بحالات الإفراج النهائي يقوم المساعد الاجتماعي L’assistant social بإجراء مقابلات من المسجون لبحث المساعدات التي يحتاجها واتخاذ ما يلزم من اتصالات في هذا الشأن مع لجنة رعاية المفرج عنهم Le comité de probation et d’assistance aux libres. وإذا قبل المفرج عنه نهائياً أن يكون تحت إشراف لجنة رعاية المفرج عنهم تقوم اللجنة بتعيين مندوب يختص بتقديم المساعدة له.

ومن بين صور المساعدة العمل على حل مشاكل المفرج عنه العائلية أوالشخصية ، أو تدبير سكن مؤقت أو عمل ملائم له. ويمكن أن تقدم اللجنة مساعدات مادية كالملابس وتذاكر السفر والمبالغ النقدية والمعاونة في استخراج أوراق الهوية الشخصية . ويمكن أن تمتد الرعاية اللاحقة إلى تقديم وسائل علاجية للمفرج عنهم المرضى بدنياً أو عقلياً أو نفسياً. ومثال ذلك أيضاً علاج الشواذ ومدمني الخمور والمخدرات بحسبان أن ذلك يساهم في استئصال عوامل الإجرام التي قد تدفع إلى سلوك سبيل الجريمة مرة أخرى.

314- ثانياً : الرعاية اللاحقة في التشريع المصري :
     لقد أقر المشرع المصري نظام الرعاية اللاحقة حينما أوجب في المادة 64 من قانون تنظيم السجون أن تخطر إدارة السجن وزارة الشئون الاجتماعية والعمل بأسماء المحكوم عليهم قبل الإفراج عنهم بمدة كافية لا تقل عن شهرين لكي يتسنى في هذه المدة تأهيلهم اجتماعياً ، وإعدادهم للبيئة الخارجية مع بذل كل أسباب الرعاية والتوجيه لهم. وتقضي المادة 46 من اللائحة الداخلية لقانون تنظيم السجون بأن يعطى المسجون عند الإفراج عنه مكافأة مالية مناسبة عن عمله تحددها اللائحة الداخلية. ويراعى في تحديدها والتصرف فيها أن تكون دون الأجر العادي لمثله ، مع عدم جواز تصرف المسجون في المكافأة مادام في السجن. 

 ومن صور الرعاية اللاحقة في النظام العقابي المصري ما تنص عليه المادة 88 من اللائحة الداخلية للسجون من وجوب تقديم الملابس اللائقة للمفرج عنه للظهور بها في المجتمع. ومن ذلك أيضاً ما تنص عليه المادة 14 من نفس اللائحة حينما أوجبت صرف نصف الأجر المستحق للمفرج عنه والذي يعتبر رصيداً له يمنح عند الإفراج.

وتقوم الدولة – ممثلة في وزارة الشئون الاجتماعية وقسم الرعاية اللاحقة بمصلحة الأمن العام بوزارة الداخلية - بالشق الأكبر من واجب الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم. فلا تألوا هذه الأجهزة جهداً في تقديم المساعدات للمفرج عنهم سواء في صور إلحاقهم بعمل شريف أو تيسير حصولهم على مأوى أو تقديم بعض المساعدات النقدية.

ولا بد من الاعتراف بأن دور الدولة في الرعاية اللاحقة يظل قاصراً نظراً لضعف الإمكانيات المادية لأجهزتها. ولا يتسنى تعويض هذا النقص إلا بتدخل الجمعيات الخاصة والمجتمع المدني ، ممثلاً في رجال الأعمال وأصحاب المشروعات الصناعية والتجارية ، فتصبح مكافحة الظاهرة الإجرامية رسالة المجتمع كافة. 




(اللهم اجعل هذا العمل خالصا لوجهك الكريم) والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل

تعليقات