القائمة الرئيسية

الصفحات

مجلـس العقـد وأثـــــره في عقود التجارة الإلكـترونية

مجلـس العقـد  وأثـــــره في عقود التجارة  الإلكـترونية

مجلـس العقـد
 وأثـــــره في عقود التجارة
 الإلكـترونية 





مجلـس العقـد
 وأثـــــره في عقود التجارة
 الإلكـترونية 
دراســـة مقــــارنة 
فــي 
الفقه الإسلامي والقانون الوضعي

إعــــــداد
د/ أسامة عبد العليم الشيخ
أستاذ الفقه المقارن المساعد
بقسم الشريعة- جامعة أم القرى


بسم الله الرحمن الرحيم 
 سبحــانك لا علـــــم لـنا إلا ما علمتــــنا إنك أنت العليم الحكيم 
( سورة البقرة : آية رقم 32 )

المقـدمــــــــة
    الحمد لله الذي أكمل لنا الدين ، وأتم علينا النعمة ، وجعل أمتنا ولله الحمد خير أمة ، وبعث فينا رسولا منا يتلو علينا آياته ، ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة ، أحمده على نعمه الجمة .
    وأشهد أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة تكون لمن اعتصم بها عصمة ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله للعالمين رحمة ، وفرض عليه بيان ما أنزل علينا ، فأوضح لنا كل الأمور المهمة ، وخصه بجوامع الكلم ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة تكون لنا نورا من كل ظلمة ، وسلم تسليما كثيرا.

وبعــــد :
   فإنه قد شاعت في هذا العصر التطورات الإلكترونية ، وأصبح العالم كله قرية واحدة ، من خلال شبكة الإنترنت ؛ بحيث يستطيع أي شخص أن يتعرف ما يحدث في أي مكان في بلده وفي العالم وهو جالس في بيته ، فالإنترنت أصبح لغة العصر،  نستطيع من خلاله أن نتسوق ما نريده من سلع ، حيث أصبح العالم كله سوقا تجارية واحدة ، يمكن لأي مواطن في أي مكان أن يتجول فيها ، ويجري عملياته التجارية من بيع وشراء وتسويق دون أن يغادر مكانه وهو جالس في بيته لا يتكلف مشاق السفر ، وذلك من خلال المواقع المخصصة لذلك .

   ومن ثم : فقد حاولت الدخول في هذا المجال من خلال تخصصي في دراسة الفقه المقارن ؛ فهناك من العقود التي من الممكن أن تتم من خلال شبكة الإنترنت ، بحيث يكون البائع – فردا ، أو شركة أو نحو ذلك – في دولة ، والمشتري في دولة أخرى ، وقد تناولت بعض الأبحاث كيفية إبرام هذه العقود وشروطها إلى غير دلك مما يتطلب لإبرام أي عقد من العقود في القانون الوضعي ، وقد رأيت أن خصص بحثي هذا في جزئية يتناولها الكثير من الباحثين – غالبا – بإيجاز ، ألا وهي جزئية ( مجلس العقد في عقود التجارة الإلكترونية) ، حتى يمكن لنا أن نتعرف حدود هذا المجلس ، متى يبدأ ، ومكانه ، وشروطه ، وما يترتب عليه ، ونحو ذلك من المسائل التي نتناولها بتفصيل يتفق مع المقام ، وستكون هذه الدراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي قدر الإمكان .
وعلى هذا فإنه يمكن تقسيم هذا البحث على النحو التالي :
تمهيـــد : في ارتباط الإنترنت والتجارة الإلكترونية بالعقد الإلكتروني .
الفصل الأول :مفهــوم العقد الإلكتروني .
الفصل الثاني :مفهوم مجلس العقد الإلكتروني ، وبيان طبيعته .
الفصل الثالث :أركان مجلس العقد الإلكتروني .
الفصل الرابع :الآثار المترتبة على مجلس العقد الإلكتروني .
الفصل الخامس :انتهاء مجلس العقد الإلكــتروني .
راجيا من المولى – عز وجل – أن يوفقني في الإلمام بهذه العناصر ، وما يتعلق بها من أحكام ، دون خلل أو تقصير ؛ حتى يكون هذا البحث مفيدا لكل من يطلع عليه .
                         
والله الموفــــق
                                               د/ أسامة عبد العليم الشيخ
                                                 المنصورة 9من ربيع الثاني 1428هـ 
                                                       الموافق 26من إبريل 2007 م
                                              





تمهيــــــد في ارتباط الإنترنت والتجارة الإلكترونية بالعقـــد الإلكتروني

   مفهوم التجارة الإلكترونية : 
     تتضمن التجارة الإلكترونية – كمفهوم عام – أي شكل للصفقة التجارية يتفاعل فيها الأطراف إلكترونيا بدلا من المبادلات المادية أو العقود المالية المباشرة (1).
    وقد عرفت التجارة الإلكترونية بتعريفات متعددة تتقارب في معناها ، ولا تخرج عن هذا المضمون :
    فقد ذهب البعض إلى تعريفها بأنها : نوع من التجارة يتم من خلال أي وسيط إلكتروني بما في ذلك التجارة التي تتم عبر التليفزيون والفاكس ، وكذلك عبر الإنترنت ، وشبكات الاتصال المخصصة لذلك .
    وهناك تعريف ثان للتجارة الإلكترونية وهو أكثر ملائمة للتجارة التي تعتمد على الإنترنت ، حيث قيل بأن التجارة الإلكترونية : عبارة عن تكامل وسائل الاتصال وإدارة البيانات والإمكانات الأمنية التي تسهل تبادل المعلومات المتعلقة ببيع السلع والخدمات(2).
    كما عرفت بأنها مفهوم جديد يشرح عملية بيع أو شراء أو تبادل المنتجات والخدمات والمعلومات من خلال شبكة كمبيوترية ، ومن ضمنها الإنترنت .
    وقد قيل بأن تعريف هذا المصطلح يختلف بحسب وجهة النظر التي تعرفه :
فعالم الاتصال يعرف التجارة الإلكترونية بأنها : وسيلة من أجل إيصال المعلومات أو الخدمات أو المنتجات عبر خطوط الهاتف أو عبر شبكات الكمبيوتر أو عبر أي 
وسيلة تقنية (مادية غير ملموسة).
ومن وجهة نظر الأعمال التجارية : فهي عملية تطبيق التقنية من أجل جعل المعاملات التجارية تجري بصورة تلقائية وسريعة.
في حين أن الخدمات : تعـرف التجارة الإلكترونية بأنهـا : أداة من أجـل تلبية رغبات الشركات والمستهلكين والمدراء في خفض كلفة الخدمة والرفع من كفاءتها والعمل على تسريع إيصال الخدمة.
وأخيرا فإن عالم الإنترنت يعرفها :بالتجارة التي تفتح المجال من أجـل بيع وشراء 
المنتجات والخدمات والمعلومات عبر الإنترنت(1).
الإنترنت (internet) : كلمة إنجليزية الأصل تتكون من مقطعين هما inter وتعني البينية أو الاتصال ، أما الثانية net وتعني الشبكة ، وإذا جمعنا الكلمتين معا فإن المعنى الكامل المتحصل هو الشبكة المتصلة أو البينية(2) .
ويعرف الإنترنت بأنه : "مجموعة من أجهزة الحاسب الآلي مرتبطة ببعضها البعض الأخر بطريقة تمكن من تبادل المعلومات باستخدام التكنولوجيا الحديثة(3) ".
وقد بدأت الإنترنت في نهاية الستينات ؛ حيث عهدت وزارة الدفاع الأمريكية إلى وكالة مشروعات الأبحاث المتقدمة (advanced research project agency) بمهمة إنشاء شبكات حواسيب يتصل بعضها ببعض ، وكان هدف هذه الوكالة أساسا إجراء أبحاث في مجال الدفاع لضمان تفوق الـولايات المتحدة الأمريكية في مجال أبحاث الدفاع خاصة بعدما أطلق الروس مركبتهم الفضائية ( سبوتنيك ) سنة    1957 (4). ويعزى سبب ذيوع الإنترنت وانتشارها إلى قلة كلفة هذه الوسيلة إذا ما قورنت بوسائل الاتصال الأخرى ، واستغنائها عن الورق في الكتابة ، فضلا عن دمجها لخصائص الوسائط المتعددة من تلفاز وحاسوب وهاتف معاً ( صوت وصورة ونص ) وتوفيرها لإمكانيات مذهلة في التواصل بين البشر أينما كانوا متجاوزة بذلك حدود الزمان والمكان . وقد بدأ استخدام الإنترنت في الأغراض التجارية عام 1992 ، عندما ظهرت ( www ) كمروج للسلع والخدمات،ومن هنا بدأ إقبال رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات والشركات التجارية على تلك المواقع وأصبحوا يبرمون الصفقات عن طريق مراسلاتهم عبر البريد الإلكتروني(1)، ثم عن 
طريق عرض منتجاتهم وخدماتهم من خلال مواقع لهم على شبكة الإنترنت(2). 
     وقد مر استخدام الإنترنت في التجارة الإلكترونية بعدة خطوات ارتبطت بالتطـورات التقنية التي طرأت على استخدام الشبكة ويمكن إجمالها في المراحل 
الآتية(1):-
المرحلة الأولى : استخدام المنشآت التجارية للشبكة في صـورة مواقـع إعلانية 
تعرف العملاء ومستخدمي الويب(1) بنشاط المنشأة ومنتجاتها .
المرحلة الثانية : وهي أكثر تقدما ، حيث قامت المنشآت التجارية بنشر المعلومات
عن نشاطاتها التجارية كما امتلأت المواقع بالصور والرسومات الجذابة لمنتجات وخدمات المنتجين .
المرحلة الثالثة : نتيجة استخدام أحدث أنواع التقنية أصبح من السهل على العميل التعرف على مواقع الإنترنت من خلال عناصر التصفح البسيطة ، وبذلك تخطى رجال الأعمال مرحلة الإعلان والترويـج إلى مرحلة إتمام عمليات البيع عن طريق الإنترنت .
    وأصبح الأمر كالتالي : يقوم المشتري باختيار ما يرغب في شرائه ويخطر البائع الذي يقوم بدوره بإرسال السلعة إليه ، ويتم الدفع عن طريق أنظمة الدفع الإلكتروني ومن أهمها بطاقات الائتمان ، كما يتم التوقيع على العقد الإلكتروني عن طريق شفرة معينة يستحيل تزويرها .
     وقد ازداد في الآونة الأخيرة حجم التجارة الإلكترونية بشكل رهيب حتى أن هناك دراسة خلصت إلى أن الدلائل تشير إلى أن 60% من النمو الاقتصادي خلال السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين سيرجع في المقام الأول إلى التجارة الإلكترونية والتعامل في تكنولوجيا المعلومات عموما(1).
     كما تؤكد الإحصائيات أن حركة التجارة الإلكترونية في ازدياد مستمر ففي عام 2000 حققت التجارة الإلكترونية فائضا قدره 275 مليـون دولار وهـذا الفائض 
وصل في عام 2003 إلى 100 مليار دولار لتعاملات الأفراد و1000 مليار دولار 
لتعاملات الهيئات(2).
   مما سبق نستنتج: أن العقد الإلكتروني نشأ وترعرع في حضن الإنترنت وبين أذرع التجارة الإلكترونية .



الفصــل الأولمفهوم العقــد الإلكتروني 

    قد يثور تساؤل هام عن الفرق بين العقود التقليدية التي نعرفها جميعا ، وبين عقود التجارة الإلكترونية ، وهي ما يطلق عليه بالعقود الإلكترونية .
وفي هذا الفصل نتناول مفهوم العقود الإلكترونية ، ومدي العلاقة بينها وبين العقود التقليدية ، كما نبين أهمية هذه العقود ، وما يمكن أن يكون محلا لها.
ونتناول هذه النقاط من خلال مبحثين رئيسيين :
المبحث الأول : مفهوم العقـد التقليـدي 0
المبحث الثاني : مفهوم العقـد الإلكتروني والتمييز بينه وبين العقد التقليدي0


المبحث الأول
مفهوم العقد التقليدي 
أولا : العقـد في اللغـة :- 
     يطلق العقد ويراد به الربط والشد ، يقال عقدت الحبل من باب ضرب فانعقد ، والعقد ما يمسكه ويوثقـه ، ومنه قيل :عقـدت البيع ، ونحوه ، وعقـدت اليمين وعقدتها بالتشديد توكيد ، وعقدة النكاح وغيره إحكامه وإبرامه...
ويطلق العقد على العهد ، وعاقده عاهده ...(1).
ويطلق العقد على الربط الحسي والمعنوي ، فالحسي كربط الحبل ، والمعنوي كربط الإيجاب والقبول في عقد البيع والإجارة ...(2).

ثانيا : العقد في اصطلاح الفقهاء :
     يطلق العقد في اصطلاح الفقهاء على معنيين : معنى عام - معنى خاص ، وذلك على النحو التالي :-
أولا : المعنى العام : وهو كل ما يعقده (بعزمه) الشخص أن يفعله هو، أو يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه ... فيسمى البيع والنكاح والإجارة وسائر عقود المعاوضات عقودا ؛ لأن كل واحد منهما ألزم نفسه التمام عليه والوفاء به ، وسمي اليمين على المستقبل عقدا ؛ لأن الحالف قد ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من فعل أو ترك ، والشركة والمضاربة ونحوها تسمى أيضا عقودا ؛ لما وصفناه من اقتضائه الوفاء بما شرطه على كل واحد من الربح والعمل لصاحبه وألزمه نفسه ،  وكذلك العهد والأمـان ؛ لأن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها ، وكذلك كل شـرط شرطـه إنسان على نفسـه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد ، وكذلك
النذور وإيجاب القرب ، وما جرى مجرى  ذلك ...(1).
ثانيا : المعنى الخاص : وبهذا المعنى يطلق العقد على ما ينشأ عن إرادتين لظهور أثره الشرعي في المحل(2).
وبهذا المعنى عرفه الجرجاني(3) بقوله :العقد هو ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول .
كما عرفه الزركشي(4) بقوله : العقد هو ارتباط الإيجاب بالقبول الالتزامي ، كعقد البيع والنكاح وغيرهما .
كما عرفته مجلة الأحكام العدلية(5) ، فقد نصت المادة (103) على أن : العقد هو التزام المتعاقدين وتعهدهما أمرا ، وهو ارتباط الإيجاب بالقبول ....

ثالثا : العقد في القانون الوضعي :
    لم ينص في القانون صراحة على تعريف محدد للعقد ؛ قصدا إلى تجنب التعريفات التي هي من صنع الفقهاء لا من صنع المشرع ...
وعرفه فقهاء القانون بأنه : توافق إرادتين على إحداث أثر قانوني بإنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو انتهائه(6).
وهذا التعريف يستفاد من نص المادة 89 من القانون المدني المصري بأنه : ( يتم 
العقد بمجرد أن يتبادل طرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين ) .
 ومعنى توافق الإرادتين : تراضيهما كما يتراضى البائع والمشتري ، والمستأجر والمؤجر، أما الأثر القانوني المترتب على هذا التوافق فمثل تسليم البائع الشيء المبيع للمشتري ، ودفع المشتري الثمن إلى البائع .
أما التعديل فقد يتمثل في نقص الأجرة أو زيادتها في عقد الإيجار ، وكذلك الثمن في عقد البيع(1).


المبحـــث الثـانيمفهــوم العقــد الإلكـــتروني 

    يتميز العقد الإلكتروني بصفته العالمية التي تغطي كل دول العالم لكونه يتم في معظم الأحيان عن طريق شبكة المعلومات ( الإنترنت ) ، كما يتميز أيضا بصفته الانفتاحية ، فالشبكة متاحة لكل من يرغب الدخول فيها ، ويتميز العقد الإلكتروني أخيرا بصفته الإلكترونية لكونه يتم بواسطة أجهزة وبرامج إلكترونية تنقل إرادة المتعاقدين بعضهم إلى بعض دون حضور مادي معاصر لهم ، وبالتالي فهو عقد ينتمي إلى طائفة العقود عن بعد (1).

ماهية العقد الإلكتروني : 
    ذهب الفقهاء في تعريف العقد الإلكتروني إلى اتجاهات متعددة  :-
فقد ذهب بعض الفقه إلى تعريفه بأنه : اتفاق يتلاقى فيه الإيجاب بالقبول على شبكة دولية مفتوحة للاتصال عن بعد وذلك بوسيلة مسموعة مرئية ، وبفضل التفاعل بين الموجب والقابل (2).
وقيل هو: ذلك العقد الذي ينطوي على تبادل للرسائل بين البائع والمشتري ، والتي تكون قائمة على صيغ معدة سلفا ومعالجة إلكترونيا ، وتنشئ التزامات تعاقدية(3).
وقيل هو : ذلك العقد الذي يتلاقى فيه الإيجاب والقبول عبر شبكة اتصالات دولية باستخدام التبادل الإلكتروني للبيانات ، وبقصد إنشاء التزامات تعاقدية (4).
فالعقد الإلكتروني إذن : هو التقاء إيجاب صادر من الموجب بشأن عرض مطروح بطريقة إلكترونية ، سمعية أو مرئية أو كليهما على شبكة للاتصالات والمعلومات بقبول مطابق له صادر من الطرف القابل بذات الطرق دون الحاجة إلى التقاء الأطراف المادي والتقاؤهم في مكان معين بهدف تحقيق عملية أو صفقة معينة يرغب الطرفان في إنجازها (1) . 

صورة العقد الإلكتروني : يعد العقد  C lick Wrap Contract الصورة الأكثر شيوعا للعقد الإلكتروني ، وهو عقد مصمم لبيئة النشاط (على الخط) كما في حالة الإنترنت ، وذلك بوجود (وثيقة) العقد مطبوعة على الموقع متضمنة الحقوق والالتزامات لطرفيه ( المستخدم ، وجهة الموقع ) منتهية بمكان متروك لطباعة عبارة القبول أو للضغط على إحدى العبارتين ( اقبل ) أو ( لا اقبل ) أو عبارات شبيهة ، وترجع تسميته المشار إليها إلي حقيقة أن إبرام العقد يتم بالضغط (click)  على أداة الماوس ، إما على أيقونة الموضع المتضمنة عبارة ( أنا أقبل ) أو في المساحة المخصصة لطبع هذه العبارة لغايات وضع المؤشر فيها عبر الضغط بالماوس(2).  

محل العقــد الإلكــتروني : يستخدم العقد الإلكتروني لكافة التصرفات محل الاتفاقات على الشبكة ، وبشكل رئيسي إنزال البرامج أو الملفات عن الشبكة ، الدخول إلي خدمات الموقع وتحديدا التي تتطلب اشتراكا خاصا في بعض الأحيان أو مقابل مالي أو لغايات الحصول على الخدمة ( كالمحادثة ومجموعات الأخبار أو الإعـلان والأدلـة) أو لغـايات التسجيل والالتـزام العقـدي بإنفـاذ الخـدمـة 
المعـروضة مجـانا بشـروط المـوقع كخدمات البريـد المجاني والاستضـافة 
المجانيـة وغـيرها،وكـذلك لإبــرام التصـرفات القـانـونية علـى الخـط 
كالبيـع والشـراء ،والاستئجـار،وطلـب القـرض،وإجـراء عملـية حـوالة 
مصرفية وإبـرام بـوالص التأمين ، ودفـع الثمن ، وغيرها(1).
أهمية العقــد الإلكــتروني :
    إن تقنية العقود الإلكترونية توفر قدرة التعاقد على الشبكة وفي بيئتها،والحصول 
على الخدمات والبضائع والمصنفات بأرخص الأسعار ، ومن خلال قوائم اختيار معروفة وواسعة ،ومن أي موقع أو مصدر للموردين على الخط ، كما تتيح للمورد تحديد التزاماته بوضوح وتحديد نطاق المسؤولية عن الخطأ والأضرار جراء التعاقد أو بسبب محل التعاقد كأخطاء البرمجيات ومشاكلها ، وتساهم في تسهيل المقاضاة بين الطرفين لما تقرره من قواعد شاملة بالنسبة للحقوق والالتزامات(2).
تمييز العقـد الإلكتروني عن العقـد التقليدي :
     مما سبق يتبين لنا أن التعاقد الإلكتروني يتفق مع التعاقد التقليدي في أنهما ينعقدان بتوافق إرادتي المتعاقدين ، أي تطابق الإيجاب والقبول ، وهذا ما نصت عليه المادة ( 89) من القانون المصري ، إلا أن التعاقد التقليدي يقوم بين شخصين حاضرين من حيث الزمان والمكان ؛ حيث يتم تبادل الإيجاب والقبول في مجلس العقد في المواجهة ، وهو ما يقتضي التواجد المادي لكل من طرفي التعاقد في مكان واحد ، ولا يتحقق ذلك في التعاقد الإلكتروني ، فالمفترض في هذا التعاقد أن يوجد المتعاقدان في مكانين منفصلين ، بل قد يفصل بينهما مئات أو آلاف الأميال ، ومن ثم فإن التعاقد التقليدي هو تعاقد بين حاضرين ، بينما الانفصال المكاني في التعاقد الإلكتروني يجعل منه تعاقدا من طبيعة خاصةوالراجح أنه تعاقدا بين غائبين(3).
الفصل الثاني
مفهوم مجلس العقد الإلكتروني ، وبيان طبيعته 
    في هذا الفصل نبين ماهية مجلس العقد الإلكتروني ، وذلك من خلال بيان أنواع مجلس العقد بصفة عامة  ، وفي أي نوع من الممكن أن يندرج مجلس العقد الإلكتروني .
ثم نحاول بيان طبيعة العقد الإلكتروني هل هو تعاقد بين حاضرين ، أم تعاقد بين غائبين ، أم تعاقد ذو طبيعة خاصة ؛  وذلك حتى يتسنى لنا معرفة الأحكام التي تطبق على مجلس العقد في هذه العقود ؟
وهذه النقاط نتناولها بالتفصيل من خلال مبحثين رئيسيين :-
المبحث الأول : مفهوم مجلس العقد الإلكتروني 0
المبحث الثاني : طبيعة مجلس العقد الإلكتروني 0


المبحث الأول مفهـوم مجلس العقـد الإلكتروني

أصـل نظـرية مجلـس العقـد :-
    يرى العلامة السنهوري أن نظرية مجلس العقد لم تعالج علاجا خاصا في الفقه الفرنسي ، أما الفقه الإسلامي فقد صاغ لها نظرية بلغت من الإتقان مدى كبيرا ، فلا يطلب من المتعاقد الآخر القبول فورا ، بل له أن يتدبر بعض الوقت ، ولكن من جهة أخرى لا يسمح له أن يمعن في تراخيه إلى حد الإضرار بالموجب بإبقائه معلقا مدة طويلة دون الرد على إيجابه ، فوجب إذن التوسط بين الأمرين ، ومن هنا نبتت نظرية "مجلس العقد"(1) . 
أنــواع مجلـس العقــد :
    مجلس العقد إما أن يحضره المتعاقدان ، وإما أن يكون أحد المتعاقدين غير موجود به ، ولما كان الأصل في التعاقد أن يكون بين حاضرين سمي المجلس الذي يحضره المتعاقدان بـ(المجلس الحقيقي) ،وسمي المجلس الذي لم يوجد فيه أحد المتعاقدين بـ(المجلس الحكمي) .
 وعلى هذا الأساس يتنوع مجلس العقد إلى نوعين : حقيقي- وحكمي، وفيما يلي نبين مفهوم هذين النوعين :
أولا : مفهوم مجلس العقد الحقيقي:
مفهوم المجلس فـي اللغـــة : 
    المجلس موضع الجلوس ، والجمع المجالس ، وقد يطلق المجلس مجازا على الطائفة من الناس تخصص للنظر فيما يناط بها من أعمال تسمية للحال باسم المحل يقال : اتفق المجلس، ومنه مجلس الشعب ، ومجلس العموم ، والمجل الحسبي(2).
فـي الاصــطلاح : اختلفت العلماء في تعريف لمجلس العقد ؛ تبعا لاختلافهم في مدى اعتباره وحدة زمانية أم وحدة مكانية ، وكان خلافهم على النحو التالي :-
التعريف الأول : ذهب البعض إلى تعريف مجلس العقد الحقيقي بأنه: الوحدة الزمنية 
التي تبدأ من وقت صدور الإيجاب ، وتستمر طوال المدة التي يظل فيها العاقدان منصرفين إلى التعاقد ، دون ظهور إعراض من أحدهما عن التعاقد ، وتنتهي بالتفـرق ، وهـو مغادرة أحــد العاقدين للمكان الذي حصل فيه العقد ، وفي حكم التفرق حصول التخاير ، وهو أن يخير أحدهما الآخر في إمضاء العقد أو   رده (1).
  فهذا التعريف اعتبر مجلس العقد هو الفترة الزمنية التي يجتمع خلالها طرفي التعاقد(2) .

التعريف الثاني : وذهب البعض الآخر إلى أن مجلس العقـد الحقيقي هو المجلس 
الذي يجمع المتعاقدين في مكان واحد ، فيكونان على اتصال مباشر بحيث يسمع 
أحدهما كلام الآخر مباشرة حال كونهما منصرفين إلى التعـاقد ، لا يشغلهما عنـه 
شاغل (1) .
وقد اعترض على هذين التعريفين : بأنهما يعرفان مجلس العقد تعريفا قاصرا؛ 
حيث إن مجلس العقد الحقيقي لا بد فيه من عنصر الزمان حيث يبـدأ بصـدورالإيجاب ، وأيضا عنصر المكان الذي ينعقد فيه المجلس ، وهذا مما لم يوجد في كلا التعريفين ؛ حيث اقتصر التعريف الأول على عنصر الزمان دون عنصر المكان ، واقتصر التعريف الثاني على عنصـر المكان دون عنصر الزمان(1)0

التعريف الثالث : وذهب البعض إلى تعريفه بأنه : الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد ، بأن كانا واقفين أو جالسين ، فيجب أن يستمرا على هذه الهيئة(2).
وقد اعترض على هذا التعريف : بأنه يخلط بين فترة مجلس العقد وفترة المفاوضات ، فضلا عن أنه يجرد المجلس من عنصري الزمان والمكان فلا اعتبار لهما ما داما على هيئتهما التي كانا عليها منذ صدور الإيجاب (3).

التعريف الرابع: وأخيرا قيل بأن مجلس العقـد هو مكان وزمان التعاقد والذي يبدأ بالانشغال البات بالصيغة ، وينفض بانتهاء الانشغال بالتعاقد (1).
وهذا التعريف يشمل ما يقوم عليه مجلس العقد من المكان والزمان ، كما يشمل تحديد بداية هـذا المجلس وذلك بقـوله " والذي يبدأ بالانشغال البات بالصيغة" كما 
يشمل تحديد وقت انتهاء المجلس بقوله " وينفض بانتهاء الانشغال بالتعاقد(2) .
ومن ثم : فإن هذا التعريف من الوضوح والبيان الذي يجعله راجحا على غيره من التعريفات الأخرى .
ثانيا : مفهوم مجلس العقد الحكمي(الافتراضي) : 
    يمكن تعريف هذ المجلس بأنه المجلس الذي يكون أحد المتعاقدين غير حاضر فيه ، كما هو الحال في العقد الإلكتروني(3) .
   فالأصل أن يكون مجلس العقد مجلسا بين حاضرين ؛ لأن الأصل في التعاقد هو أن يكون بين حاضرين(1) ، فإذا حث ما يخالف هذا الأصل وكان التعاقد بين غائبين سمي مجلس العقد حينئذ الذي يتم فيه التعاقد بمجلس العقد الحكمي ، وينطبق هذا الكلام على التعاقد الإلكتروني ، حيث يوجد أحدهما في مكان ويوجد الآخر في مكان آخر ويتم التعاقد عبر وسيط هو شاشة الحاسب الآلي . 

وصفــوة القـول : إن مجلس العقد الإلكتروني هو : ذلك المجلس الذي يجمع بين متعاقدين لا يجمعهما مكان واحد من خلال شبكة الإنترنت ، والذي يبدأ من وقت الاطلاع على الإيجاب المرسل من خلال هذه الشبكة ، وذلك كما سنبينه في الصفحات التالية إن شاء الله 

المبحث الثاني
طبيعـة التعـاقـد الإلكـتروني 
    يثور التساؤل عند دراسة التعاقد الإلكتروني هل هو تعاقد بين حاضرين ، أم تعاقد بين غائبين ؟ 
ذلك أن أحكام التعاقد بين حاضرين تختلف عن أحكام التعاقد بين غائبين ، فمعرفة طبيعة هذا التعاقد تجعلنا نعرف أي من هذه الأحكام يمكن أن نطبقها على مجلس العقد الإلكتروني .
آراء العلماء حول طبيعة العقد الإلكتروني :-
     الصورة التي نحن بصددها وهي أن شخصين يتعاقدان عن طريق شبكة الإنترنت على سلعة معينة تجعلنا نقول أن هذا التعاقد هو تعاقد بين غائبين ؛ وذلك لعدم وجود الشخصين في مكان واحد وقت التعاقد ، غير أن العلماء ليسوا متفقين على هذا القول ، ولكنهم اختلفوا في طبيعة هذا التعاقد على النحو التالي : 
- ذهب اتجاه فقهي : إلى أن التعاقد الإلكتروني هو تعاقد بين غائبين زمانا ومكانا شأنه في ذلك شأن التعاقد بطريق المراسلة أو التعاقد بطريق التليفون ، ولا يختلف عنهم إلا في الوسيلة التي يتم بها ؛ حيث أصبحت وسيلة التعاقد إلكترونية (1).
ويذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن ما يبرر أن التعاقد الإلكتروني هو تعاقد بين غائبين هو أن ثمة فاصلا زمنيا بين صدور القبول وعلم الموجب به(2) .

- وذهب اتجاه آخر: إلى أن التعاقد الإلكتروني هو تعاقد بين حاضرين ؛ حيث يكون العاقدان على اتصال مباشر فيما بينهما ، فليس هناك فاصلا فيما بين صـدور القبول من الطرف الموجـه إليه الإيجـاب والعـلم به ، ويكون مجلس 
العقد حينئذ مجلسا حكميا ، تطبق عليه قواعد التعاقد بين حاضرين (1).

- وذهب اتجاه ثالث : إلى أن التعاقد الإلكتروني هو تعاقد بين حاضرين من حيث الزمان وبين غائبين من حيث المكان(2) .
ويذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن التعاقد عبر شبكة الإنترنت يتم بوسيلة سمعية بصرية كما هو الحال في استخدام الشبكة الرقمية للخدمات المتكاملة ، مما يسمح بالتفاعل بين طرفين يضمهما مجلس واحد حكمي افتراضي ، ولذا فإن التعاقد الإلكتروني يعتبر تعاقدا بين حاضرين من حيث الزمان ، ولأن طرفي التعاقد يتواجدان في أماكن مختلفة سواء داخل الدولة أو خارجها فإن التعاقد حينئذ يكون بين غائبين.
ويضيف البعض إلى أن هذا التكييف يسري إذا كان الاتصال بين مقدم العرض والمتلقي في حالة القبول عن طريق الضغط أو ملامسة زر الموافقة أو عن طريق غرف المحادثة والوسائل المرئية ، بعكس ما إذا كان القبول عن طريق البريد الإلكتروني فقد لا يتحقق فيه الاتصال اللحظي ؛ نظرا لأن جهاز الكمبيوتر الموجب قد يكون مغلقا وقت بث الرسالة القابل مثلا ، أو أن يكون هناك عطلا في الشبكة يعوق وصول القبول فيحول دون الاتصال اللحظي ، ولذا فإنه إذا تم التعاقد عن طريق البريد الإلكتروني ففي هذه الحال إذا لم يوجد فاصل زمني بين الإيجاب والقبول يكون التعاقد بين حاضرين من حيث الزمان غائبين من حيث المكان ، أما إذا وجد فاصلا بينهما فيكون التعاقد بين غائبين زمانا ومكان (3).
- وذهب اتجاه آخر : إلى أن التعاقد الإلكتروني هو تعاقد بين غائبين ذو طبيعة خاصة ؛ ذلك أنه لا يمكن إعطاء وصف التعاقد بين حاضرين للعقد الإلكتروني ، لأن أطراف التعاقد لا يتبادلون عملية الإيجاب والقبول من خلال الوسائل المادية التقليدية كالخطابات والتي تستغرق فترة زمنية بين إرسال القبول ووصوله إلى من وجه إليه ، إنما يكون من خلال تبادل الرسائل إلكترونيا عبر شبكة الإنترنت ، حيث يتحقق لهم الاتصال المباشر ، فإن غاب الالتقاء المادي للمتعاقدين إلا أن هناك نوعا من الالتقاء الافتراضي المتزامن ، كما لا ينطبق أيضا على التعاقد الإلكتروني وصف التعاقد بين غائبين ؛ لأن التعاقد بين غائبين يقوم على فكرة تفاوت المسافات والزمن معا ، في حين أن التفاوت الزمني غير موجود بالنسبة للتعاقد الإلكتروني ، 
حيث يكون طرفا العقد على اتصال في وقت واحد (1) . 

وصفــوة القــول : 
    إنه ليس هناك اتفاقا على كون التعاقد الإلكتروني تعاقدا بين حاضرين أم تعاقدا بين غائبين ؛ نظرا لعدم وجود طرفي العقد في مكان واحد عند التعاقد ، ولأن قبول التعاقد يشبه إلى حد كبير القبول في التعاقد بالرسالة .     
والأقرب إلى القبول هو القول بأن التعاقد عن طريق شبكة الإنترنت تعاقدا بين غائبين ، كالتعاقد بالرسالة ، ويكون جهاز الحاسب الآلي وسيلة لإرسال الرسالة ، ويؤيد هذا قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17-23 شعبان  1410 الموافق 14 – 20 (مارس) 1990م ، فبعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، قرر ما يلي :-
أولاً: إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه، وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة أو السفارة ( الرسول ) ، و ينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي (الحاسوب) ، ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجَّه إليه وقبوله0000(1) .

    وعلى هذا: فإنه يمكن القول بأن التعاقد التجاري الذي يتم من خلال شبكة الإنترنت هو تعاقد بين غائبين ، تنطبق عليه أحكام التعاقد بين غائبين في الفقه الإسلامي والقانون المدني ، ولذا فإننا في الصفحات التالية نحاول بيان هذه الأحكام ونختار منها ما يناسب طبيعة هذه المعاملات الإلكترونية ، سواء في الفقه الإسلامي أو القانون المني .


الفصــل الثالــثأركـــان  مجلس العقـد الإلكــتروني 

تمهـيــد :
  سبق أن ذكرنا أن العقد الإلكتروني عبارة عن التقاء إيجاب صادر من الموجب بشأن عرض مطروح بطريقة إلكترونية ، سمعية أو مرئية أو كليهما على شبكة للاتصالات والمعلومات بقبول مطابق له صادر من الطرف القابل بذات الطرق، دون الحاجة إلى التقاء الأطراف المادي في مكان معين بهدف تحقيق عملية أو صفقة معينة يرغب الطرفان في إنجازها (1).
   
   وتبين لنا من خلال العرض السابق لآراء العلماء حول طبيعة التعاقد الإلكتروني أنه عبارة عن تعاقد تم ما بين غائبين وفقا لما جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي ؛ حيث إنه يتم عن طرق الرسائل المتبادلة بين المتعاقدين من خلال البريد الإلكتروني لكليهما ، أو عن طريق المواقع التجارية المتخصصة ، ومن ثم فإنه تسري عليه أحكام التعاقد بالرسالة بين غائبين .

  والتعاقد بين غائبين هو الذي لا يكون فيه المتعاقدين في مكان واحد ، بل في مكانين مختلفين ، قرية ، أو مدينة ، أو حتى دولة أخرى .
فهذا التعاقد يتميز بوجود فترة زمنية تفصل بين الإيجاب وبين القبول ، كما لو أوجب تاجر في القاهرة ببيع بضاعته بإرسال رسالة إلى تاجر في المنصورة أو باريس مثلا -  سواء كانت الرسالة عن طريق رسول أو عن طريق البريد ، أو كما هو في موضوعنا عبر شبكة الإنترنت - وعندما تصل الرسالة إلى الموجه إليه الإيجاب يتدبر الأمر ، فإما أن يوافق التاجر المرسل إليه على هذا الإيجاب ، فينعقد 
العقد حينئذ ، أو لا يوافق على هذا الإيجاب فلا ينعقد العقد ويسقط الإيجاب . 
 ولكن قد يثور تساؤل في غاية الأهمية يتعلق بالوقت الذي يبدأ فيه مجلس العقد الإلكتروني ، هل ينعقد بمجرد صدور الإيجاب من الموجب أم بوصول الإيجاب إلى علم الموجه إليه ؟ وأيضا مكان هذا المجلس هل هو مكان الموجب أم مكان وصول الرسالة الإلكترونية ،؟
لذا فمن خلال هذا الفصل نتحدث عن أركان مجلس العقد الإلكتروني ، وذلك من خلال مبحثين رئيسيين :
المبحث الأول : الركــن المعنوي ( وقت انعقاد المجلس).
المبحث الثالث : الركــن المــادي (مكان مجلس العقد) .


المبحث الأول
الركن المعنوي ( وقت انعقاد مجلس العقد الإلكتروني) 
- العبرة بوصول الإيجاب إلى علم الموجه إليه :
    لا خلاف بين الفقهاء(1) في أن مجلس التعاقد بين غائبين عن طريق الرسالة ونحوها يبدأ منذ وصول الإيجاب إلى علم الموجه إليه .
   فوصول الإيجاب إلى مجلس من وجه إليه هذا الإيجاب عن طريق الرسالة أو الكتابة إنما هو نقل الإيجاب ماديا إلى مجلس القبول .
    وعلى ذلك فلا يبدأ حكم الإيجاب والقبول بالكتابة إلا من وقت وصول الكتاب وقراءته وفهم ما فيه ، وذلك في العقود التي يتوقف انعقادها على الطرف الآخر ورضاه كالبيع والزواج ...وكذا في الرسالة فإن حكمها يبدأ من وقت أدائها وبلوغها(1).
   وفي هذا الصدد نحاول بيان مفهوم الإيجاب سواء في الفقه الإسلامي أو القانون الوضعي ، ومدى توافق هذا المفهوم مع الإيجاب الإلكتروني . 
مفهوم الإيجاب في الفقه الإسلامي :
اختلف الفقهاء في بيان معنى الإيجاب على النحو التالي :
- ذهب الحنفية(2) إلى أن الإيجاب هو : ما يذكر أولا من كلام أحد المتعاقدين الدال على التراضي . فلا عبرة بمن يصدر منه الإيجاب سواء كان البائع والمشتري.
- بينما ذهب المالكية(3)، والحنابلة(4) ، والزيدية (5) ، والإمامية(6) إلى أن الإيجاب هو:ما يصدر من البائع ، مثل بعتك ، وملكتك ونحو ذلك . فالعبرة حينئذ بصدور الإيجاب من البائع .
- أما الشافعية(7) فقد ذهبوا إلى أن الإيجاب هو:  كل ما يدل على التمليك دلالة قوية مما اشتهر وتكرر على ألسنة حملة الشرع ، كبعتك بكذا أو ملكتك بكـذا ، وهـذا مبيع منك بكذا  أو أنا بايعه لك بكذا 0
وهذا المعنى للإيجاب هو نفس المعنى الذي يدل عليه تعريف فقهاء المالكية والحنابلة ، والزيدية ، والإمامية ؛ لأن التمليك يكون من البائع .
مفهوم الإيجاب في القانون الوضعي :-
    لم يتضمن القانون الوضعي نصا يبين ماهية الإيجاب صراحة ، ومع ذلك فقد عرفه رجال القانون بأنه : عرض بات وكامل للتعاقد وفقا لشروط معينة يوجهه شخص إلى آخر للتعاقد معه ، بحيث إذا ما اقترن به قبول مطابق له انعقد      العقد (1).
ويلاحظ بصفة مبدئية أن صاحب الإيجاب - أي الموجب - هو ذلك الطرف الذي يقدم عرضا بالتعاقد ، يصادفه قبول بغير تعديل أو تحفظ ، ولذلك فالموجب ليس دائما هو صاحب الاقتراح المبتدأ بالتعاقد ، فقد يدخل شخصان في مفاوضات صعبة وطويلة ، وبناء على مبادرة من أحدهما تتخللها عروض وعروض مضادة ، وفي هذه الحال لا بد عندما تنتهي المفاوضات إلى موقف محدد من الطرفين أن نحدد من هو الموجب ومن هو القابل ؛ لأن هذا التحديد يكتسب أهمية في حالة التعاقد بين غائبين لبيان مكان وزمان انعقاد العقد ، فالعقد ينعقد وفقا للمادة 97 من القانون المدني : " في المكان والزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول ، ما لم يوجد اتفاق أو عرف يقضي بغير ذلك ، ويفترض أن الموجب قد علم بالقبول في المكان وفي الزمان اللذين وصل فيهما هذا القبول " وبالتالي يكون تعيين الموجب وتعيين القابل أمرا هاما في تسكين انعقاد العقد زمانا ومكانا ...
وعلى هذا إذا تحفظ الشخص الذي توجه إليه الإيجاب أو قدم تعديلا على ما عرض 
عليه ، فإن هذا التحفظ أو ذلك التعديل يعتبر إيجابـا من جانبه ينتظر قبـولا من المرسل إليه وهكذا ....(2).

مفهوم الإيجاب الإلكتـروني : يمكن تعريف هذا الإيجاب بأنه تعبير عن إرادة الراغب في التعاقد عن بعد ؛ حيث يتم من خلال شبكة دولية للاتصالات بوسيلة مسموعة مرئية ، ويتضمن كافة العناصر اللازمة لإبـرام العقد بحيث يستطيع من 
يوجه إليه أن يقبـل التعـاقد مباشـرة(1).
    
     وليس هناك خلاف بين الإيجاب التقليدي وبين الإيجاب الإلكتروني كما هو واضح إلا في الوسيلة المستخدمـة للتعبير عن الإرادة ؛ فلفظة إلكـتروني إذا ما أضيفت إلى الإيجاب فلا تنال من أصلـه المتمثـل في المعنى المراد منه وفقا للنظرية التقليدية في الالتزامات وقانون العقد ، فالمسألة مجرد وصف لا أكثر بسبب اختلاف وسيلة التعبير عن الإرادة في عصر رقمي قوامه إلكترونيات تتجسد في وسائل الاتصال الحديثة عن طريق النقر على الحاسب الإلكتروني ليظهـر التعبيـر عن الإرادة على شاشة هذا الحـاسب ...(2).
     
    والإيجاب الإلكتروني قد يكون إيجابا خاصا موجها إلى أشخاص محددين ، وهو يتم في الغالب في عـروض التـعاقد بواسـطة البريد الإلكتروني، أو بـرنامج المحادثة ، وقد يكون إيجابا عاما موجهـا إلى أشخاص غير محددين ، وهو ما يحدث في حالة التعاقد عبر مواقع الويب التجارية المنتشرة على شبكة الإنترنت(3) ، ويجب أن يتضمن الموقع التجاري الشيء المبيع من حيث مقـداره ونوعه وكميته
وثمنه ، والطريقة التي يتم بها أداء الثمن ، وغيرها من المسائل التي يعدها صاحب الموقع ضرورية (1)

وصفـوة القــول : بعد بيان مفهوم الإيجاب في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي ، ثم بيان مفهوم الإيجاب الإلكتروني ، يلاحظ أن مفهوم الإيجاب في العقود الإلكترونية لا يخرج عن مفهومه في العقود التقليدية ، فلا يختلف إلا في الوسيلة التي يتم التعبير بها عن إرادة المتعاقدين .
وقد أخذ فقهاء القانون في بيان مفهوم الإيجاب بما ذهب إليه فقهـاء الحنفية ؛ حيث ذهبوا إلى أن الإيجاب هو ما يصدر أولا من أحد المتعاقدين من لفظ يدل على التمليك ، ويكون متضمنا كافة العناصر الجوهرية والرئيسية ، سواء كان ذلك صادرا من البائع أو المشتري .

المبحث الثانيالركن المادي (مكان مجلس العقد الإلكتروني)


العبرة بمحل وصول الإيجاب إلى الموجه إليه :
    اعتبر الفقهاء أن محل مجلس التعاقد بالرسالة أو الكتابة بين غائبين هو محل وصول الإيجاب إلى الموجه إليه الإيجاب ، وقد نص على ذلك صراحة فقهاء الأحناف في كتبهم (1) .
   وقد بينت ذلك فتوى مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره السادس في شعبان 1410هـ حيث قرر " أنه إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد ، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة ، ولا يسمع كلامه ، وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة أو السفارة – الرسول – وينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي – الكمبيوتر – ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه الإيجاب وقبوله" (1) .
    
وعلى هذا فإن محل مجلس العقد في التعاقد بين غائبين هو محـل بلـوغ الإيجاب 
إلى المتعاقد الغائب أي محل أداء الرسالة أو بلوغ الكتاب .

وتطبيقا لذلك : يكون محل مجلس العقد الإلكتروني حينئذ هو محل الاطلاع على العرض الموجه من أحد الأشخاص للتعاقد عبر شبكة الإنترنت ، سواء على البريد 
الإلكتروني ، أو على المواقع التجارية المخصصة لذلك ، وسواء كان الإيجاب موجها لهذا الشخص بعينه أو لكافة الأشخاص . 

الفصـل الرابـع 
الآثـــار المترتبـة على مجلـس العقـد الإلكتروني
     بعد بيان مفهوم مجلس العقد الإلكتروني ، وعناصره التي يتكون منها ، نتحدث في هذا الفصل عما يترتب على مجلس العقد ، من انعقاد للعقد أو عدمه.
وأيضا مدى جواز رجوع الموجب في إيجابه قبل صدور القبول من الطرف الآخر  
وأيضا نتحدث عن مدى إلزام من وجه إليه الإيجاب بقبوله .
وأخيرا نبين حق كلا المتعاقدين في الرجوع في العقد بعد انعقاده .
ونحاول في كل هذه المسائل أن نوضح آراء الفقه الإسلامي ، والقانون الوضعي ؛ ولذا فإن هذا الفصل يمكن تقسيمه إلى أربعة مباحث ، وذلك على النحو التالي :-
المبحث الأول : انعقـاد العقــد .
المبحث الثاني حق العـدول عن الإيجـاب ( خيار الرجـوع) .
المبحث الثالث : قبول الإيجـاب أو رفضه (خيار القبــول) .
المبحث الرابع : الرجوع في الإيجاب أو القبول بعد صدورهما (خيار المجلس).




المبحــث الأول انعقـــــاد العقــــد 

    يترتب على مجلس العقد الذي توافرت عناصره من صدور رسالة من شخص يعبر فيها عن إيجابه بيع بضاعة مثلا ، ثم وصول هذه الرسالة إلى الطرف الآخر الذي وجهت إليه – بأي وسيلة من الوسائل كالإنترنت مثلا – إما أن يقبل المرسل إليه الإيجاب فينعقد هذا العقد ، وإما أن لا يقبل فينفض المجلس ولا ينعقد العقد ، ولكن إذا انعقد العقد فيثور تساؤل هام عن وقت إبرام هذا العقد ومكانه حينئذ ، هل هو وقت ومكان إعلان القبول ممن وجه إليه الإيجاب ، أم هو زمان ومكان علم الموجب بالقبول ؟
ومما يثار في هذه الحال أيضا الشروط الواجب توفرها في مجلس العقد لانعقاد العقد صحيحا .
لذا فإننا نتحدث في هذا المبحث عن هذه المسائل من خلال مطالب ثلاثة :
المطلب الأول : قبــول الإيجــاب .
المطلب الثاني : وقـت إبـرام العقـد الإلكـتروني ومكـانه.
المطلب الثالث : الشروط الواجـب توافرها في مجلس العقد لصحة العقد .



المطلــب الأول
قبـــول التعاقـــد
مفهوم القبـول في الفقه الإسلامي :
اختلف الفقهاء في تعريفهم للقبول ، وقد ظهر هذا الخلاف عند تعرضهم للإيجاب والقبول في عقد البيع بصفة خاصة ، وكان خلافهم على النحو التالي : -
- ذهب الحنفية(1) إلى أن القبول هو: ما يذكر ثانيا من الطرف الآخر سواء كان بعت أو اشتريت.
- بينما ذهب المالكية(2)، والحنابلة(3) ، والزيدية (4) ، والإمامية (5) إلى أن القبول هو : ما يصدر من المشتري بأي لفظ دال على الرضا بالبيع ، بأن يقول المشتري ابتعت ، أو قبلت ، وما في معناه .
أما الشافعية(6) فقد ذهبوا إلى أن القبول هو : ما دل على التملك دلالة قوية ، كاشتريت ، وتملكت ، وقبلت ، ورضيت .

مفهـوم القبـول في القانون الوضعي :
    لم يرد نص صريح في القانون الوضعي يبين ماهية القبول ، ومع ذلك فقد عرفه رجال القانون بأنه : الإرادة الثانية في العقد ، حيث يرتضي الشخص الإيجاب الذي وجه إليه بكل عناصره ، حتى يتم التوافق بين قبـوله وبين الإيجاب 
الصادر من الموجب (7) 0
وبذلك يكون رجال القانون قد أخذوا بما ذهب إليه الحنفية من أن القبول هو الإرادة الثانية في التعاقد ، وذلك إذا كان الإيجاب قد صدر متناولا جميع العناصر الأساسية والجوهرية في التعاقد .

القبــول الإلكتـروني :
    لا يختلف مفهوم القبول الإلكتروني عن المفهوم التقليدي للقبول سوى أنه يتم عبر وسائط إلكترونية من خلال شبكة الإنترنت ، فهو قبول عن بعد ، يكون مطابقا للإيجاب(1).
ففي العقد الإلكتروني عبر الخط يعرض المهني رغبته في التعاقـد قاصدا الالتزام  أي يصدر منه إيجاب بات ، ثم في أثناء المدة المعينة للصلاحية يكون المستهلك متدبرا أموره بروية ليصدر قبوله الذي من شأن مطابقته للإيجاب أن يتم العقد بمراعاة الضوابط الخاصة التي تفرضها وجود التقنيات الرقمية كوسيط بين طرفين يتعاقدان عن بعد...(2).


المطلب الثانيوقت إبرام العقد الإلكتروني ومكانه 

    إذا كان محل مجلس العقد الإلكتروني هو محل وصول الرسالة الإلكترونية ، فيثور التساؤل حينئذ عن وقت ومكان إبرام العقد .
    وقد اختلف ما ذهب إليه الفقه الإسلامي في هذا الصدد عما ذهب إليه القانون المدني ، ولذا فنبين أولا موقف الفقه الإسلامي ، ثم موقف القانون المدني، وذلك على النحو التالي :
أولا : موقف الفقه الإسلامي :
     اعتبر الفقهاء عند التعاقد بالكتابة أو المراسلة أن الوقت الذي يعبر فيه الموجه إليه الإيجاب حين وصول الكتاب أو الرسالة إليه عن قبول التعاقد في المكان الذي يكون فيه هو وقت انعقاد العقد ومكانه .
يقول الكاساني(1) : " أما الرسالة فهي أن يرسل رسولا إلى رجل ويقول للرسول : بعت عبدي بكذا ، فإذا بلغ الرسول المرسل إليه وهو المشتري ، وقال في مجلسه ذلك : قبلت انعقد البيع ".
وقال ابن عابدين : " صورة الكتابة أن يكتب : أما بعد فقد بعت عبدي فلانا منك بكذا فلما بلغه الكتاب قال في مجلسه ذلك : اشتريت ، تم البيع "(2) .
وقال الخطيب الشربيني : " ....ويشترط القبول من المكتوب إليه حال الاطلاع ليقترن بالإيجاب بقدر الإمكان...(3)" .
وقال البهوتي : " وإن كان المشتري غائب عن المجلس فكاتبه البائع أو راسله : إني بعتك داري بكذا أو إني بعت فلانا ونسبه بما يميزه داري بكذا ، فلما بلغه الخبر قبل البيع صح العقد ..."(4).
   وعلى هذا : فإن العقد ينعقد بمجرد القبول وإعلانه طالما لم يرجع الموجب عن 
إيجابه أي كان الإيجاب باتا(1).
     وبتطبيق ذلك على العقود الإلكترونية التي تتم عبر شبكة الإنترنت : يمكن القول أن العقد الإلكتروني ينعقد في الفقه الإسلامي بمجرد العلم بالإيجاب من خلال العرض على الشبكة ثم الرد برسالة إلكترونية تعبر عن الموافقة على التعاقد بكافة الشروط المذكورة في العقد . 
ثانيا : موقف القانون الوضعي :
    كانت مسألة تحديد مكان انعقاد العقد وزمانه مثارا للجدل والخلاف بين رجال القانون وذلك قبل صدور القانون المدني الحالي ، وظهرت آراء شتى في هذا الصدد ، وهي(2)  :
- ما ذهب إليه اتجاه إلى القول بأن العبرة في انعقاد العقد هي بإعلان القبول ، ومعنى ذلك أن العقد يعتبر منعقدا متى أعلن من توجه إليه الإيجاب عن قبوله ؛ حيث إنه بهذا الإعلان تلتقي إرادته بإرادة الموجب وتتطابق معها .
ووفقا لهذا الاتجاه فإن لحظة إبرام العقد الإلكتروني ، هي اللحظة التي يحرر فيها الموجه إليه الإيجاب مجرد رسالة إلكترونية تتضمن القبول دون تصـديرها وإرسالها ، أو هي اللحظة التي يضغط فيها على الأيقونة المخصصة للقبول (3).
- وذهب اتجاه آخر إلى أن العبرة بتصدير القبول وليس بإعلانه ؛ لأن مجرد الإعلان لا يجعل منه قبولا نهائيا ما دام حبيسا في حوزة صاحبـه ، لذلك يجب حينئذ تصدير القبول ، فبمجرد هذا التصـدير بإرسـال الخطاب الذي يحتـويه أو 
تسليمه لرسول ذهب ليبلغه للموجب أو تسليم البرقية إلى موظـف البرق ، فإذا تم 
مثل هذا التصدير يعتبر الإعلان عن القبول نهائيا لا رجعة فيه .
ووفقا لهذا الاتجاه فإن العقد يعتبر مبرما منذ لحظة خروج الرسالة الإلكترونية المتضمنة قبول الموجه إليه الإيجاب ، ودخولها في سيطرة الوسيط الإلكتروني ، مقدم خدمة الإنترنت ، ولا يشترط حينئذ وصول الرسالة إلى صندوق البريد الإلكتروني الموجود في موقع الموجب على شبكة الإنترنت (1) .
- وهناك أيضا من ذهب إلى أن العبرة في انعقاد العقد هي بتسليم القبول للمرسل إليه ، ففي هذا الوقت فقط ينعقد العقد ، سواء علم الموجب بالقبول أو لم يعلم ؛ لأن التسليم يعتبر قرينة على العلم .
وتطبيقا لذلك في مجال التعاقد الإلكتروني يكون التعاقد منعقدا في لحظة وصول الرسالة أو دخولها إلى صندوق البريد الإلكتروني على جهاز الكمبيوتر الخاص بالموجب ، ولو لم يكن الأخير قد فتح صندوق بريده الإلكتروني ، أي ولو لم يكن قد علم بمضمون الرسالة ، فالعبرة بتسلم القبول ، وليس بالعلم به (2).
- وأخيرا ذهب البعض إلى أن العقد ينعقد بالعلم بالقبول ، فبغير هذا العلم لا ينتج تعبير القبول أثــره القانوني ، ويضيف هـذا الاتجاه إلى أن وصول القبول إلى من وجه إليه يعتبر قرينة على العلم إلى أن يثبت صاحب المصلحة العكس.
ووفقا لهذا الاتجاه فإن العقد الإلكتروني يعد مبرما عندما يعلم الموجب علما حقيقيا بالقبول ، بأن يفتح صندوق بريده الإلكتروني ويطلع على محتويات الرسالة الإلكترونية للقابل ويعلم أنه قد قبل بالفعل الإيجاب المعروض عليه (3).
    هذا ما ذهب إليه رجال القانون بإيجاز ، أما فيما يتعلق بالتقنين المدني ، فنرى 
أن المادة (89) من هذا التقنين قد نصت على أنه : " يتم العقد بمجرد أن يتبادل طرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين ..." معبرة باستلزامها تبادل التعبيرين معا على هذا النحو اعتناق الاتجاه القائل بأن العقد ينعقد بالعلم بالقبول.
وقد فسرت ذلك المادة (91) من ذات القانون فنصت على أن : " ينتج التعبير عن الإرادة أثـره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه ، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك " . 
كما نصت المادة (97) من ذات القـانون على أن ( يعتبر التعاقـد ما بين الغائبين قد تم في المكان وفي الزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول ، ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني يقضي بغير ذلك .
ويفترض أن الموجب قد علم بالقبـول في المكان وفي الزمان اللذين وصل إليه فيهما هذا القبول) .
فقد عبر المشرع بهذين النصين الأخيرين عن اعتناقه لنظرية العلم بالقبول ، ومؤدى ذلك بداهة أن القبول بوصفه تعبيرا عن الإرادة لا يصبح نهائيا إلا في الوقت الذي يستطيع فيه الموجب أن يعلم به ، فلا يعتبر التعاقد تاما إلا في هذا الوقت ، وقد جعل المشرع في كلا النصين وصول التعبير قرينة على العلم تيسيرا لعبء الإثبات .
والملاحظ : أن المادة (91) قد وضعت القاعدة العامة في هذا الشأن فجعلت التعبير عن الإرادة منتجا لأثره في الوقت الذي يصل فيه إلى علم من وجه إليه ، وجعلت التعبير قرينة على العلم به ما لم يثبت العكس ، وهذه القاعدة كما تنطبق على القبول الذي ينعقد به العقد تنطبق على كافة صور التعبير عن الإرادة الأخرى تعاقدية كانت كالإيجاب ، أو غير تعاقدية كالإجازة والإبراء .
أما نص المادة ( 97) فيطبق هذه القاعدة على القبول باعتباره أحد التعبيرين اللذين ينعقد بهما العقد .
وعلى هـذا : فإن النص الأخير قد حدد زمان ومكان انعقاد العقد فيما بين الغائبين 
وذلك في الزمان والمكان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول .
غير أن هذا الحكم لا يسري إذا انصرفت نية المتعاقدين إلى مخالفته صراحة أو ضمنا ، أو حيث يقضي لقانون بغير ذلك ، كما إذا اتفق المتعاقدان أن العقد لا ينعقد 
إلا بتسليم الشيء محل التعاقد ، أو كان القانون يقضي بهذا الشرط (1).

وصفـوة القــول :
    إن القانون المدني اعتبر لحظة علم الموجب بالقبول هي وقت انعقاد العقد الإلكتروني ، وأن مكان التعاقد هو المكان الذي يكون فيه الموجب عند العلم بالقبول وقد خالف في ذلك ما ذهب إليه الفقه الإسلامي من أن العبرة في وقت التعاقد ومكانه بوقت إعلان الموجه إليه الإيجاب بقبول التعاقد في المكان الذي يكون فيه عند وصول الإيجاب إليه ، وهذا ما ذهب إليه الاتجاه الأول في الفقه القانوني .
وتطبيقا لذلك : فإن وقت انعقاد العقد الإلكتروني هو وقت علم الموجب بالقبول ، وأن مكان انعقاده يكون هو المكان الذي يكون الموجب فيه عند العلم بالقبول .


المطلب الثالثالشروط الواجب توافرها في مجلس العقد لانعقاد العقد

    إذا كان انعقاد العقد من آثار مجلس العقد ، فإن الفقهاء قد قيدوا هذا الأثر بشروط يجب توافرها حتى يكون صحيحا، وهذا الشروط منها ما يتعلق بالإيجاب الذي يبتدئ مجلس العقد باطلاع الموجه إليه هذه الإيجاب عليه ، كما تتعلق بالقبول الذي يصدر جوابا عن هذا الإيجاب .
    وفيما يلي نبين هذه الشروط  في الفقه الإسلامي ومدى اعتبار القانون الوضعي لها ، وذلك على النحو التالي :
أولا : أن يكون الإيجاب والقبول بصيغة الماضي : لا خلاف بين الفقهاء(1) في صحة عقد البيع متى كان الإيجاب المرسل من البائع بصيغة الماضي ، وبلفظ البيع أو ما يدل عليه ، وصدر القبول من الموجه إليه الإيجاب أيضا بصيغة الماضي بما يدل على الشراء أو القبول ، مثل أن يقول البائع بعت ، ويقول المشتري اشتريت ؛ لأن هذه الصيغة وإن كانت للماضي وضعا ، لكنها جعلت إيجابا للحال في عرف أهل اللغة والشرع  والعرف قاض على الوضع(2). 
حكم التعاقد  بلفظ الأمــر: اختلف الفقهاء في صحة انعقاد البيع بصيغة الأمر كما 
لو أرسل شخص لآخر فقال له :( بعني ) كذا بكذا ، فقال : بعتك ، وذلك على النحو التالي : 
الرأي الأول :  ذهب المالكية(3) ، والشافعية في قول(4) ، والحنابلة(5) إلى أن البيع 
ينعقد بصيغة الأمر .
واستدلوا على ذلك : بأن لفـظ " بعني " يـدل على الـرضا فيصـح به البيع(1).
الرأي الثاني : ذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن البيع لا ينعقد بصيغة الأمر .
وممن ذهب إلى هذا الحنفية(2)، والشافعية في قول إذا لم يقل المشتري بعد ذلك اشتريت أو قبلت- (3) ، والحنابلة في المشهور(4) ، والإمامية(5)، والإباضية في قول إذ لم يقل المشتري اشتريته أو رضيته بكذا أو نحو ذلك بعد قول البائع بعته لك بكذا (6).
واستدلوا على ذلك : بأن الشخص قد يقول لآخر( بعني ) لاستبانة الرغبة في       البيع (7)، وهو أشبه بالاستدعاء أو الاستعلام (8).
ولأنه لو تأخر عن الإيجاب لم يصح البيع فلا يصح إذا تقدم ، ولأن هذا اللفظ قد عري عن القبول(9).
وقد أجيب عن ذلك : بأنه لما كان المطلوب في انعقاد البيع ما يدل على الرضـا 
عـرفا استوى لفظ الأمـر مع الماضي ، فقول المشتري لمن سلعته في يده بعني 
سلعتك بكذا ليس صريحا في إيجاب البيع من جهة المشتري لاحتمال أمره بـه أو 
التماسه منه فيحتمل رضاه به وعدمه ، لكن العرف دال على رضاه به (1) .
الـرأي الراجـح : والذي يتضح لي هو انعقاد البيع بصيغة الأمر ؛ وذلك لدلالة هذه الصيغة على عنصر الرضا الذي يتطلبه الشارع ، وقد جرى العرف على أن يقول شخص لآخر بعني هذه السلعة بكذا فيقول له الآخر بعتك هذه السلعة. 
حكم التعاقد بصيغة المضارع : اختلف الفقهاء فيما إذا كانت صيغة عقد البيع بلفظ المضارع ، كأن يرسل البائع للمشتري  فيقول له :( أبيعك هذه السلعة) أو يقول المشتري: (تبيعني) ، ونحو ذلك ، هل ينعقد البيع أم لا وذلك على رأيين :-
الرأي الأول : ذهب أصحاب هذا الرأي إلى جواز انعقاد البيع بصيغة المضارع .
وممن ذهب إلى هذا الحنفية (2)، والمالكية (3)، والشافعية (4).
وقد اشترط الحنفية أن يكون من صدر منه الصيغة ناويا الإيجاب .
واستدل الحنفية على ذلك : بأنه قد اشترط النية ههنا وإن كانت صيغة أفعل للحال هو الصحيح ؛ لأنه غلب استعمالها للاستقبال إما حقيقة أو مجازا ، فوقعت الحاجة إلى التعيين بالنية (5). 
الرأي الثاني : ذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن البيع لا ينعقد بصيغة المضارع .
وممن ذهب إلى هذا الحنابلة (6) ، والإمامية (7) .
واستدلوا على ذلك  : بأن ذلك ليس بقبول ولا استدعاء ، فلم يصح (1).

الراجــــح : يتضح لي أن الرأي الأول القائل بانعقاد البيع هو الأولى بالقبول ؛ لأن هذه الصيغة يصح التبايع بها ، وكما سبق فالحنفية اشترطوا النية حتى يتم البيع بها ، وبإظهار النية يزول احتمال قصد البيع من عدمه.
وإذا قيل بأن الطرف الذي لم يبدأ بالكلام قد يقول لا أرضى بعد رضا من بدأ بالكلام ، وذلك كما لو قال البائع: أبيعك فقال المشتري: قبلت ، ثم قال البائع بعد ذلك لا أرضى بالبيع ، وإنما أردت الوعـد ، حلف البائع على ذلك ، فإن نكـل من توجهت إليه اليمين لـزمه البيع ، وهكـذا يقال للمشتري إذ افعل ذلك(2) .
ومن ثم : فإن النية هي الأساس في إتمام هذا البيع من عدمه ، وتظهر النية بتوجه اليمين على من ينكر نيته .
حكم التعاقد بصيغة الاستفهام :
     لا ينعقد البيع بصيغة الاستفهام ، وذلك بأن يرسل المشتري للبائع فيقول له : أتبيع هذا الشيء بكذا؟ أو أبعته مني بكذا ؟ فقال البائع : بعـت ، فلا ينعقـد حينئذ ما لم يقل المشتري اشتريت ، وكذا إذا قال البائع للمشتري(3).
 واستدلوا على ذلك  : بأن ذلك ليس بقبـول ولا استدعـاء (4).
وصفـوة القول : إن الفقهاء المسلمين يؤثرون صيغة الماضي لانعقاد العقد على العموم ؛ لدلالتها على الوجود والتحقق ، وباعتبارها المظهر الواضح للتعبير عن الإرادة في مرحلتها النهائية ، وصيغة الماضي وإن كانت للماضي وضعا ، ولكنها جعلت إيجابا للحال في عرف أهل اللغة والشرع فينعقد بها العقد دون بحث في  النية .
أما غير صيغة الماضي فيجب الرجوع إلى الظروف والملابسات والبحث في النية للوقوف على إرادة إنشاء العقد ، فإن دلت الصيغة على إرادة إنشاء العقد ، وكانت واضحة الدلالة على المراد دلالة بينة غير محتملة لمعنى آخر انعقد العقد بهذه الصيغة ، فالمناط وضوح الدلالة وعدم الاحتمال في صلاحية العبارة لأن تكون إيجابا أو قبولا ، ولا يغفل عرف الناس وعادتهم في هذا الصدد ...(1).

وصفوة القول : إن الغرض من الحديث عن الألفاظ التي يصح بها التعاقد هو الوصول إلى اللفظ الذي يدل صراحة على مراد المتعاقدين دون لبس أو غموض؛ حتى يمكن لكل منهما الوفاء بالتزاماتهما فور التعاقد.
لذلك نرى أن فقهاء القانون لما عرفوا الإيجاب قالوا إنه: عرض بات وكامل للتعاقد وفقا لشروط معينة يوجهه شخص إلى آخر للتعاقد معه ، بحيث إذا ما اقترن به قبول مطابق له انعقد العقد(2). 
فالإيجاب يجب أن يكون صريحا ؛ لأنه إعراب عن الإرادة بقصد إبرام عقد بشروط معينة يحددها الموجب ، ولذلك يجب أن يخرج هذا الإعراب عن الإرادة إلى الطرف الآخر حتى يلم به(3) . 
ومـع ذلك : فإن عقود التجارة الإلكترونية لا يكتفى فيها بمجرد قول أحدهما بعتك، أو أبيعك، أو بعني، أو هل تبيعيني، أو نحو ذلك من الألفاظ التي قد يثور خلاف بشأن صلاحيتها في إتمام الصيغة ، لما لهذه العقود من مخاطر عظيمة ، مما يستوجب أن تكون الألفاظ الواردة صريحة وحاسمة في التعاقد من عدمها ؛ حتى يمكن لكل من الطرفين الوفاء بالتزاماته بمجرد الانتهاء من التعاقد دون أي شك في إتمام التعاقد من عدمه .
ثانيا :موافقة القبول الصادر في مجلس العقد للإيجاب:ومعنى ذلك أن يقبل المشتري ما أوجبه البائع وبما أوجبه ، فإن خالفه بأن قبل غير ما أوجبه، أو بعض ما أوجبه، أو بغير ما أوجبه ، لا ينعقد من غير إيجاب مبتدأ موافق (1).
والموافقة بين الإيجاب والقبول تكون في قدر الثمن ،فلو قال البائع : بعتك هذا بعشرة فقال المشتري : اشتريته بثمانية لم ينعقد .
وتكون الموافقة أيضا في النقد وصفته والحلول والأجل ، فلو قال البائع : بعتك بألف جنيه مصري فقال المشتري : اشتريته بمائة ريال سعودي.
أو قال : بعتك بألف صحيحة فقال المشتري : اشتريت بألـف مكسرة ، أو بألف نصفها صحيح ونصفها مكسرة .
 أو قال بعتك بألف حالة فقال المشتري بألف مؤجلة ، أو قال البائع بألف مؤجلة إلى رجب فقال المشتري إلى شعبان ، لم يصح البيع في ذلك كله(2) .
كما تكون الموافقة في جنس المبيع ، فإذا أوجب البيع في الأرض فقبل في السيارة لم يصح .
وتكون الموافقة أيضا في قدر المبيع ، فإذا أوجب في سيارتين مثلا  فقبل في إحداهما لا ينعقد البيع في هذه الحال .
والسبب في ذلك يرجع إلى أمرين : 
أولهمـا : أن القبـول في أحدهما تفريق للصفقة على البائع ، والصفقة إذا وقعت مجتمعة مـن البائع لا يمـلك المشتري تفريقها قبل التمام ؛ لأن مـن عـادة التجار ضم الرديء إلى الجيد ؛ تـرويجا للـرديء بواسطة الجيد ، فلو ثبت للمشتري ولاية التفريق لقبل الجيد دون الرديء ، فيتضرر البائع ، والضرر منفي ، ولأن غرض الترويج لا يحصل إلا بالقبول فيهما جميعا ، فلا يكون راضيا بالقبول 
في أحدهما .
ثانيهما : إن القبول في أحدهما يكون إعراضا عن الجواب بمنزلة القيام عن المجلس ، فهو رد للإيجاب لا قبول له .
وكذلك لو أوجب البيع في كل الأرض فقبل المشتري في نصفها لا ينعقد ؛ لأن البائع يتضرر بالتفريق ؛ لأنه يلزمه عيب الشركة .
ثم إذا قبل المشتري بعض ما أوجبه البائع كان هذا شراء مبتدأ من البائع فإن اتصل به الإيجاب من البائع في المجلس ، فينظر:-
فإن كان للبعض الذي قبله المشتري حصة معلومة من الثمن جاز وإلا فلا .
وبيان ذلك : إذا قال البائع : بعتك هاتين السيارتين بألف جنيه فقبل المشتري في إحداهما ، وبين ثمنها ، فقال البائع : بعت ، يجوز حينئذ ، فإذا لم يبين ثمنها لا يجوز...هذا إذا لم يبين البائع حصة كل من السيارتين  ، بأن قال بعت منك هاتين السيارتين بألف جنيه ، فأما إذا بين ، بأن قال : بعت منك هاتين السيارتين هذه بخمسمائة وهذه بخمسمائة ، فقبل المشتري في إحداهما دون الأخرى جاز ؛ لانعدام تفريق الصفقة من المشتري ، بل البائع هو الذي فرق الصفقة ؛ حيث سمى لكل واحد منهما ثمنا على حدة ، وعلم أنه لا ضرر له فيه ، ولو كان فهو ضرر مرضي به ، وأنه غير مدفوع .
وإذا خاطب البائع رجلين فقال : بعتكما هاتين السيارتين أو هذه السيارة، فقبل أحدهما دون الآخر لا ينعقد ؛ لأنه أضاف الإيجاب إليهما جميعا ، فلا يصلح جواب أحدهما جوابا للإيجاب ...(1).

موقف القانون الوضعي من هذا الشرط :
    نصت المادة (96) من القانون المدني المصري على أنه : (إذا اقترن القبول بما يزيد في الإيجاب أو يقيد منه أو يعدل فيه اعتبر رفضا يتضمن إيجابا جديدا ) .
فالواضح من هذا النص أن تعبير الموجه إليه الإيجاب عن القبول يجب ألا يتضمن 
ما يزيد أو يقيد أو يعدل من الإيجاب ، حتى يمكن القول بأن من صدر عنه قد قبل التعاقد بالشروط التي تضمنها الإيجاب ، فإذا تضمن شيئا من ذلك فلا يمكن اعتباره قبولا ينعقد به العقد ، وإنما يعتبر إيجابا جديدا يلزم لانعقاد العقد به قبوله من الطرف الآخر .
وعلى هذا : فلو عرض شخص على آخر أن يبيعه سيارته بثمن معين على أن يسلمها له بعد شهر مثلا ، فوافق بشرط أن يتسلم السيارة فورا ، فإن هذه الموافقة لا تعتبر قبولا ينعقد به العقد ، وإنما تعتبر إيجابا جديد معدلا للإيجاب الأول ،ويلزم قبوله من الطرف الآخر حتى ينعقد به العقد .
وإذا صدر الإيجاب متضمنا المسائل الجوهرية محتفظا بالمسائل التفصيلية لاتفاق لاحق فوافق الطرف الموجه الإيجاب مع تحديد هذه المسائل على نحو معين في الوقت ذاته ، فإن هذه الموافقة لا تعتبر قبولا ، وإنما تعتبر إيجابا جديدا نظرا لعدم مطابقتها للإيجاب الأول ، وكذلك الأمر إذا حدد الطرف الأول المسائل التفصيلية فاقترح الطرف الثاني إرجاء البت فيها لاتفاق لاحق(1) .

وصفـوة القول : إنه لا خلاف بين ما نص عليه القانون المدني في هذا الشأن وبين ما ذهب إليه الفقه الإسلامي وأنه لا بد من مطابقة القبول الصادر في مجلس العقد للإيجاب الصادر في ذات المجلس حتى ينعقد العقد المراد انعقاده صحيحا .

   وفيما يتعلق بعقود التجارة الإلكترونية فمما لا شك فيه أن مثل هذه العقود تشتمل على جميع العناصر التي يتم الاتفاق عليها مسبقا من كلا الطرفين ، وأن الإيجاب الصادر من الطرف الأول يكون واردا على هذه العناصر ، ومن ثم فإن القبول الصادر من الطرف الآخر يجب أن يكون مشتملا على كل هذه العناصر حتى ينعقد العقد ، دون أن يشتمل على أية إضافات أو تعديلات . 

ثالثا : صدور القبول عند وصـول الإيجاب :- 
   اشتـرط الفقهـاء أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد  ، فيجب على الطرف الموجه إليه الإيجاب أن يعبر عن إرادته بالقبول في مجلس علمه بالإيجاب ، فإذا علم الموجه إليه بالإيجاب ولم يصدر منه ما يدل على قبول هذا الإيجاب في مجلس علمه بالإيجاب ، ثم صدر منه الإيجاب في مكان آخر فإنه لا يعتبر قبولا حينئذ(1).









المبحـث الثانيحـق العـدول عن الإيـجاب(خيـار الرجــوع) 

   قد يعبر شخص عن رغبته في التعاقد مع أحد الأشخاص أو مع الجمهور ، فيقوم بإرسال الرسالة الإلكترونية إلى هذا الشخص أو إلى الجمهور، ثم يعدل عن رأيه بالرجوع عن هذا الإيجاب ، فهل يحق له ذلك أم لا ؟  
أولا : موقف الفقه الإسلامي من حق الموجب في الرجوع عن الإيجاب :                      
     اختلف الفقهاء في حق الموجب في الرجوع عن إيجابه في هذه الحال على     رأيين :-
الرأي الأول : ذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن للموجب خيار الرجوع عن إيجابه إلى أن يصدر القبول من الطرف الموجه إليه الإيجاب ، أو ينفض المجلس.
وممن ذهب إلى هذا الحنفية(1)، والشافعية(2) ، والحنابلة (3) ، والزيدية(4).
واستدلوا على ذلك بأدلة من المعقول ، وذلك من وجوه ثلاثة :
أولهـا : إنه لم يثبت للطرف الموجه إليه الإيجاب حق يبطله رجوع الموجب عن هذا الإيجاب ؛ حيث إن الثابت له بعد الإيجاب حق التملك ، والموجب هو الذي أثبت له هذه الولاية فله أن يرفعها كعزل الوكيل .
ثانيها : إن حق التملك الذي للطرف الآخر لا يعارض حقيقة الملك ، فلو لم يجز الرجوع للموجب لزم تعطيل حق الملك بحق التملك ، وهذا لا يجوز(1).
ثالثها : إن الالتزام لا يتحقق إلا إذا وجد العقد ، والعقد لا يتم إلا بتطابق الإيجاب والقبول ، فما لم يوجد قبول لا يعتبر العقد موجودا ومن ثم لا ينشأ التزام ، ومن هنا جاز للموجب الرجوع عن إيجابه قبل القبول ، إذ لم يوجد بعد التزام يمنعه من الرجوع(2).
الرأي الثاني : ذهب المالكية(3) إلى أنه إذا كان العقد من عقود المعاوضات وكان الإيجاب بصيغة الماضي ، فإنه لا يجوز الرجوع فيه حتى يقبل الطرف الآخر أو يرفض ، أما إذا كان الإيجاب بغير صيغة الماضي فإنه يملك الرجوع قبل قبول الطرف الآخر .
واستدلـوا على ذلك : بأن الموجب قد بذل ذلك من نفسه وأوجبه عليها ، فليس من حقه الرجوع بعد ذلك(1).
والراجــح : هو رأي جمهور الفقهـاء أن من حـق المـوجب العدول عن رأيه 
والرجوع عنه ؛ حيث إن العقد لم يتم بعد ، والقول بغير ذلك إلزام بما لا يلزم وهذا لا يصح ، وإذا كان الموجب هو الذي أوجب ذلك على نفسه فمن حقه أن يتروى مرة ثانية ، ما دام أن الطرف الآخر لم يعبر عن قبوله التعاقد .
ووفقا لهذا الرأي الراجح يكون من حق الموجب في عقود التجارة الإلكترونية أن يعدل عن إيجابه بعد صدوره منه ما دام أن الموجه إليه الإيجاب لم يقبل التعاقد .
موقف القانون الوضعي من حق الموجب في العدول عن إيجـابه :
   نصت المادة (91) من القانون المدني على أنه : ( ينتج التعبير عن الإرادة أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه ، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ما لم يقم الدليل على عكس ذلك ).
فوفقا لهذه المادة لا يترتب على مجرد صدور الإيجاب من الموجب أي التزام طالما لم يتصل الإيجاب بعلم من وجه إليه ، فالإيجاب تعبير عن الإرادة موجه إلى الموجب له ، فلا يكتمل له كيانه القانوني ولا يكون صالحا لترتيب آثاره القانونية إلا باتصاله بعلم الموجب له ، أما قبل ذلك فيجوز للموجب أن يرجع عن إيجابه ، ويمنع وصول الإيجاب إلى من وجه إليه بأن يسترد رسالته مثلا.. بحيث يصل الرجوع إلى من وجه إليه الإيجاب قبل وصول الإيجاب إليه أو يصلان معا(2).
ومن ثم فإن المشرع المصري قد أقر الأصل في عدم إلزام الإيجاب ، غير أنه عاد واستثنى من هذا الأصل حالة اقتران الإيجاب بميعاد للقبول ، فجعل الإيجاب ملزما في هذه الحال حتى ينقضي الميعاد، وقد نص على ذلك في المادة (93) وذلك بأنه : ( إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد)، وهذا الميعاد قد يكون معينا صراحة في الإيجاب ، وقد يستفاد من ظروف التعاقد أو من طبيعة المعاملة ، أو حتى من قواعد القانون .
    وعلى هذا: فإذا كان التعبير عن الإيجاب بالمراسلة فإن هذا الظرف يفيد اقتران الإيجاب بميعاد ضمني للقبول يتمثل في الوقت الذي يتسع للعلم بالإيجاب والبت فيه والرد عليه ووصوله إلى علم الموجب (1).

الرجوع عن الإيجاب الإلكتروني :
    ووفقا لهذه القواعد : فإن للموجب في الإيجاب الإلكتروني الرجوع عن إيجابه ، ويكون ذلك بسحبه من موقع عرضه على شبكة الإنترنت بشرط أن يعلن عن رغبته في الرجوع عن الإيجاب ، فيعدم بذلك أثره القانوني ، ولا يكون لهذا العدول أي أثر قانوني إلا إذا علم به الموجب له ، ويقع عبء إثبات ذلك على       الموجب(2) .

    وقد ذهب البعض إلى أنه ينبغي الخروج عن القاعدة العامة بخصوص رجوع الموجب في إيجابه وذلك في العقود الإلكترونية ، وذلك بأن يتم إلزام الموجب بأن يحدد الوقت اللازم لصلاحية إيجابه ، وأن يقوم بإعلام المستهلك(الموجه إليه الإيجاب) بهذا الوقت(3).
وهذا الرأي يهدف إلى حماية المستهلك واستقرار المعاملات الإلكترونية ، وتوفير الثقة في التعامل ، مما يتطلب اعتبار الموجب ملزما بإيجابه ولو إلى مدة محددة ليتدبر الموجب له أمره وترتيب شئونه بالرد بقبول الإيجاب أو رفضه(4).
المبحـث الثالـث
قبــول الإيـجـاب أو رفضــه (خيـار القبـــول) 
   إذا وجـه الإيجـاب إلى شخص ما فهل يلـزمه قبـول هذا الإيجاب أم لا ؟
فيما يلي نبين موقف الفقه الإسلامي والقانون الوضعي من هذه المسألة :
أولا : موقف الفقه الإسلامي من حق الموجه إليه الإيجاب في قبوله أو رفضه :
   لا خلاف بين الفقهاء(1) في أن من وجه إليه الإيجاب لا يلزمه ذلك الإيجاب ، بل له أن يقبله أو يرفضه ما دام المجلس قائما.
  وقد استدلوا على الحق في قبول الإيجاب أو رفضه ممن وجه إليه بما يلي : 
أولا : النصوص الدالة على اشتراط الرضا في العقود(2) ، سواء من الكتاب أو من السنة النبوية ، ومن هذه النصوص ما يلي :
أولا : من الكتاب : قوله تعالى:يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم        رحيما (1) .
ثانيا : ومن السنة : استدلوا بما روي عن أبي حرة الرقاشي عن عمه عن النبي – صلى الله عليه وسلم– أنه قال (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)(2) 
وأيضا : بما روي عن أبي سعيد الخدري– رضي الله عنه – عن النبي- صلى الله عليه وسلم – أنه قال : (....ثم إنما البيع عن تراض)(3).
وجه الدلالة : إن الموجه إليه الإيجاب لو لم يكن مختارا في الرد والقبول لكان مجبورا على أحدهما وانتفى التراضي(4) .
- كما استدلوا من السنة أيضا بما روي عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- عن النبي – صلى الله عليه وسلم – (ثم البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار)(5).
وجـه الدلالة : فقد قيل بأن المراد بالمتبايعين المتساومان ، وأن الخيار الثابت لهما قبل التفرق عن بيعهما هو خيار القبول وخيار الرجوع ، فإن المشتري بعد إيجاب البائع إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل ، والبائع له الرجوع عن الإيجاب ما لم يقبل   المشتري (1).

ثانيا :موقف القانون المدني من خيار القبول :
     الأصل هو حرية الإنسان في أن يتعاقد أو لا ، فمن يرفض إيجابا وجه إليه لا يكون مسئولا عن هذا الرفض ، ولا يجوز البحث في بواعثه .
    ومن ثم : فإنه يكون لمن وجه إليه الإيجاب كامل الحرية في قبوله أو رفضه ، ومع ذلك فرفض الإيجاب ممن وجه إليه قد يرتب مسئولية تقع على عاتقه ، وقد أشارت إلى ذلك المادة (136) من المشروع التمهيدي للقانون المدني المصري ؛ حيث نصت على أنه : (يجوز لمن وجه إليه الإيجاب أن يرفضه ما لم يكن قد دعا إليه ، فلا يجوز في هذه الحالة أن يرفض التعاقد إلا إذا استند إلى أسباب    مشروعة ) ، وقد حذفت هذه المادة لعدم ضرورتها ، على اعتبار أنها ليست إلا تطبيقا للقواعد العامة في التعسف في استعمال الحقوق والحريات .
   وعلى ذلك : فإن هناك أحوالا تقتضي الظروف فيها فرض الرقابة على استعمال الشخص لحريته في رفض التعاقد ، فعدم إجراء نظرية التعسف على أصل التعاقد هو أصل فحسب يتصور الخروج عنه في بعض الأحوال ، ومن هذه الحالات حالة ما إذا كان من وجه إليه الإيجاب هو الذي دعا إليه كالتجار الذين يوجهون النشرات والإعلانات إلى الجمهور ، وحالة أصحاب الفنادق والمطاعم الذين يفتحون أبوابهم لاستقبال النزلاء والزبائن ، وأصحاب الأعمال الذين يعلنون عن حاجتهم إلى عمال لشغل الوظائف الحالية لديهم ، ففي مثل هذه الحالات إذا ما وجه الإيجاب إلى من دعا إليه فرفضه ، وجب أن يكون الرفض مبنيا على مبـرر مشروع ، وإلا كان متعسفا في هذا الرفض ، فيسأل عن تعـويض الضرر الناتج عنه(1) 0
   وهذه القواعد لا تختلف في العقود التي تتم عبر شبكة الإنترنت ، فالشخص الموجه إليه الإيجاب عبر البريد الإلكتروني أو على المواقع المتخصصة يحق له قبول الإيجاب أو رفضه بالقيد السابق ذكره .

وصفـوة القـول : إنه لا خلاف بين ما ذهب إليه رجال القانون من حق الموجه إليه الإيجاب في قبوله أو رفضه مستندين إلى الأصل في حرية التعاقد ، وأيضا نص المادة (136) من المشروع التمهيدي للقانون المدني المصري  وبين ما ذهب إليه الفقهاء المسلمين في هذا الشأن .
وما ذهب إليه رجال القانون من مسئولية من وجه إليه الإيجاب عند رفضه في حالة ما إذا كان هو الذي دعا إليه لا يخالف قواعد الفقه الإسلامي التي تنفي الإضرار بالآخرين كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ) وقد نص الفقهاء على أن ( الضرر يزال ) .







المبحث الرابع
الرجوع في الإيجاب أو القبول بعد صدورهما
 (خيـــار المجلــــس)
    قد يثور تساؤل هام عن مدى جواز رجوع أي من المتعاقدين فيما صدر منه من إيجاب أو قبول وذلك بعد انعقاد العقد ، لأي سبب من الأسباب كأن يرى أن هذا العقد الذي تم ليس في مصلحته ، أو أنه غبن في هذا التعاقد ونحو ذلك من     أسباب .
موقف الفقه الإسلامي من خيار المجلس  :اختلف الفقهاء في مدى جواز رجوع المتعاقدان فيما صدر منهما بعد انعقاد العقد على رأيين :
الرأي الأول : ذهب الشافعية(1)،وابن حبيب من المالكية(2)، والحنابلة(3) إلى أنه يجوز للموجب الرجوع في إيجابه ، وللقابل الرجوع في قبوله بعد انعقاد العقد من الطرفين ما داما في مجلس العقد لم يفارقاه ، وهذا ما يطلقون عليه خيار المجلس .
غير أنهم اختلفوا هل يعتبر الخيار بمجلس المكتوب إليه (الموجه إليه الإيجاب) أم أن الخيار مرتبط بمجلس كل منهما .
فذهب بعضهم : إلى أن العبرة في الخيار بمجلس المكتوب إليه ، ومن ثم يكون للموجه إليه الإيجاب الرجوع عن قبوله مادام في مجلس قبوله لم يفارقه ، كما يثبت أيضا الخيار للموجب حتى يفارق القابل مجلسه أو ينقطع خياره(4). 
بينما ذهب البعض الآخر: إلى أن العبرة في الخيار في هذه الحال بمجلس كل منهما 
وقت وصول الرسالة أو المكتوب إلى الموجه إليه الإيجاب ، ومن ثم فيكون للموجه 
إليه الإيجاب الرجوع عن قبوله مادام في مجلس قبوله إلى أن يفارق هذا المجلس ، 
كما يكون للموجب الرجوع في إيجابه ما دام في مجلسه الذي يكون فيه عند وصول 
الرسالة للموجه إليه الإيجاب وينقطع الخيار بمفارقته لهذا المجلس ، ولا عبرة بمجلس الموجه إليه الإيجاب(1).
ووفقا لما ذهب إليه الشافعية من حق كلا المتعاقدين من الرجوع عن الإيجاب والقبول بعد صدورهما : فإنه يجوز للمتعاقدين عبر الإنترنت بالبريد الإلكتروني أو غيره الرجوع فيما صدر منهما من إيجاب أو قبول ، فإذا وافق الموجه إليه الإيجاب على العرض الموجه إليه وذلك عن طريق إرسال رسالة عن طريق البريد الإلكتروني أو عن طريق الضغط على  زر" أوافق" فيكون له في هذه الحال أن يرجع عن هذا القبول ، وذلك بإرسال رسالة أخرى في ذات الوقت الذي ما زال فيه على الموقع مع الموجب ، فيكون هذا رجوعا منه ، وأيضا يكون للموجب أن يرجع في إيجابه بإرسال رسالة بريدية إلى الموجه الإيجاب يخبره فيها بالرجوع عن إيجابه مادام القابل مستمرا في الحديث معه على شبكة الإنترنت ولم يفارقه وفقا للرأي الأول عند الشافعية ، أو ما دام الموجب في مجلسه الذي هو فيه عند وصول الرسالة الإلكترونية إلى الموجه إليه الإيجاب وفقا للرأي الثاني عند الشافعية ، وإن كان من الصعوبة إثبات مكان كل منهما وقت التعاقد .
الرأي الثاني : ذهب الحنفية(1)،والمالكية ما عدا ابن حبيب(2)إلى أن التعاقد يتم بالإيجاب والقبول ولا رجوع فيه وإن لم يفترقا عن المجلس . فهؤلاء لا يقولون بخيار المجلس .
فوفقا لهذا الرأي : فإنه بمجرد قبول الموجه إليه الإيجاب الإلكتروني التعاقد بشروطه فإنه لا يجوز له الرجوع حينئذ عن هذا الإيجاب ولو كان في مجلسه ، كما لا يجوز للموجب الرجوع في إيجـابه بعد صدور القبـول من الموجـه إليه الإيجاب ولو كان القابل في مجلسه لم يفارقه .
الأدلــــة
أدلة أصحاب الرأي الأول : استدل أصحاب هذا الرأي على ما ذهبوا إليه بأدلة من السنة ، والمعقول ، وذلك على النحو التالي :
أولا : الدليل من السنة:
    استدل أصحاب الرأي الأول على أنه يحق لكلا المتعاقدين الرجوع فيما صدر منهما من إيجاب أو قبول إذا كان مجلس العقد ما زال قائما لم ينفض بأدلة من السنة النبوية ، ومنها :
1- ما روي عن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن  النبي – صلى الله عليه   
وسلم – أنه قال : ( ثم البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا 
بيع الخيار )(1).
2- عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر- رضي الله عنهما -  يقول قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ( ثم كل بيعين لا بيع بينهما إلا بيع الخيار)(2).
3- وعن نافع أنه سمع عبد الله بن عمر يقول قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : ( ثم إذا تبايع المتبايعان بالبيع فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما عن خيار فإذا كان بيعهما عن خيار فقد وجب ، زاد بن أبي عمر في روايته قال نافع : فكان إذا بايع رجلا فأراد أن لا يلقيه قام فمشى هنية ثم رجع إليه )(3).
4- كما روي عن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه  وسلم – أنه قال : ( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ،أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب 
البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع )(4).
وجــه الدلالة : تدل هذه الأحاديث وغيرها مما ورد في هذا الباب على أن كل واحد من المتعاقدين بالخيار في إمضاء العقد أو فسخه ما داما في المجلس لم    يتفرقا(5)، وهذا ينطبق على التعاقد بين غائبين بالرسالة – كما سبق .
وقال السيوطي في قوله صلى الله عليه وسلم ( إلا بيع الخيار ) فيه ثلاثة أقول:  أصحها: أنه استثناء من أصل عام أي هما بالخيار إلا بيعا جرى فيه التخاير وهو اختيار إمضاء العقد ، فإن العقد يلزم به وإن لم يتفرقا بعد .
 والثاني : أن الاستثناء من مفهوم الغاية أي أنهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيعا شرط فيه خيار يوم مثلا ، فإن الخيار باق بعد التفرق إلى مضي الأمد المشروط . والثالث : أن معناه إلا البيع الذي شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس يلزم البيع على هذا الوجه ... (1).
وقد اعترض على هذا الاستدلال باعتراضات ثلاثة :
الاعتراض الأول : الخيـار المذكور هنا محمول على خيار الرجوع والقبول ما داما في التبايع ، وهو أن البائع إذا قال لغيره : بعت منك كذا فله أن يرجع ما لم يقل المشتري اشتريت ، وللمشتري أن لا يقبل أيضا ، وإذا قال المشتري : اشتريت منك بكذا كان له أن يرجع ما لم يقل البائع : بعت ، وللبائع أن لا يقبل أيضا ...(2) 
الاعتراض الثاني : يحمل المتبايعان على المتساومين مجازا ؛ لمصير حالهما إلى البيع ، ويحمل الخيار على خيار القبول ، ويكون الافتراق بالأقوال(3).
وأجيب عن ذلك من وجوه خمسة:
أولهــا : إن تسميـة المتسـاومين متبـايعين مجـاز، فالحمل على الحقيقة أو ما يقرب منها أولى . وقال البيضاوي : من نفى خيار المجلس ارتكب مجازين؛ لحمله التفرق على الأقوال ، وحمله المتبايعين على المتساومين ، وأيضا فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه ، لأنه يصير تقديره أن المتساومين إن شاءا عقدا البيع ، وإن شاءا لم يعقداه ، وهو تحصيل حاصل ، لأن كل واحد يعرف ذلك(4).
واعترض على ذلك: بأن تسميتهما متبايعين بعد الفراغ من البيع مجاز أيضا ، فلم قلتم إن الحمل على هذا المجاز أولى ؟
وقد أجيب عن ذلك : بأن هذا المجاز أقرب إلى الحقيقة من مجاز لم توجد حقيقته أصلا عند إطلاقه ، وهو الحمل على المتساومين(1) .
ثانيها : أن اللفظ لا يحتمل هذا التأويل ؛ إذ ليس بين المتبايعين تفرق بقول ولا اعتقاد ، إنما بينهما اتفاق على الثمن والمبيع بعد الاختلاف فيه .
ثالثها : هذا التأويل يبطل فائدة الحديث ؛ إذ قد علم أنهما بالخيار قبل العقد في إنشائه وإتمامه أو تركه .
رابعها : أنه صلى الله عليه وسلم قال في الحديث : " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار " فجعل لهما الخيار بعد تبايعهما ، وقال : "وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع ".
خامسها: كما أنه يرده تفسير ابن عمر للحديث بفعله ، فإنه كان إذا بايع رجلا مشى خطوات ليلزم البيع ...(2).
الاعتراض الثالث : يحمل الحديث على ما إذا قال المشتري للبائع " بعني " ، فيقول البائع : " بعتك " فإن أبا يوسف قال له الخيار ما دام في المجلس وهذه صورة تفرد بها الحنفية ، فلا بد أن يقول عندهم " اشتريت "، وإن كان قد استدعى البيع ، وحملوا عليه قوله صلى الله عليه وسلم في البخاري في آخر الحديث ( أو يقول أحدهما للآخر اختر ) أي اختر الرجوع عن الإيجاب أو الاستدعاء ،وقيل يحمل على اختيار شرط الخيار ، فيكون معنى الحديث : المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، فلا خيار أو يقول أحدهما لصاحبه اختر ، فلا تنفع الفرقة ، ولذلك لم يرد إلا بيع الخيار بهذه الزيادة(3).
أجيب عن ذلك: بأنه لا خفاء بضعف هذا الوجه من وجوه أيسرها كونه بني على 
مذهب الغير (4).
ثانيا :الدليل من المعقول : كما استدل أصحاب الرأي الأول على حق المتعاقدين في الرجوع فيما صدر منهما من إيجاب أو قبول ماداما في مجلس العقد بالمعقول ووجهه :
إن الخيار شرع رخصة للتروي ودفـع الضرر(1)، ومن ثم يتمكن من يرى من المتعاقدين أن التعاقد لا يعود عليه بالنفع في الرجوع فيما صدر منه من إيجاب أو قبول ؛ دفعا للضرر عن نفسه .
أدلة أصحاب الرأي الثاني : استدل أصحاب الرأي الثاني على لزوم العقد بالإيجاب والقبول ، فلا يجوز لأي من المتعاقدين الرجوع فيهما بعد التعاقد ولو كانا في المجلس بأدلة من الكتاب ، والمعقول ، وذلك على النحو التالي : 
أولا : الدليل من الكتاب : استدل أصحاب هذا الرأي على ما ذهبوا إليه بأدلة من الكتاب العزيز ، منها :-
1-قوله تعالى :  يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجار عن تراض منكم 0000(2).
وجه الدلالة : تقتضي هذه الآية جواز الأكل بوقوع البيع عن تراض قبل الافتراق ، إذ كانت التجارة إنما هي الإيجاب والقبول في عقد البيع ، وليس التفرق والاجتماع من التجارة في شيء ، ولا يسمى ذلك تجارة في شرع ولا لغة ، فإذا كان الله قد أباح أكل ما اشترى بعد وقوع التجارة عن تراض فمانع ذلك بإيجاب الخيار خارج عن ظاهر الآية مخصص لها بغير دلالة (3) .
وقد اعترض على هذا الاستدلال : بأن التراضي هو التخاير بعد عقد البيع قبل الافتراق من المجلس ، وبه قال ابن عمر ، وأبو هريرة ، وشريح ، والشعبي ، وابن سيرين، والشافعي (4).
وقد أجيب عن ذلك : بأن تأويل الآية " إلا تجارة تعاقدتموها وافترقتم بأبدانكم عن تراض منكم فيها " وهذه دعوى إنما يدل مطلق الآية على التجارة على الرضا ، وذلك ينقضي بالعقد ، وينقطع بالتواجب ، وبقاء التخاير في المجلس لا تشهد له الآية لا نطقا ولا تنبيها (1).

2- كما استدلوا بقول الله عز وجل  يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ....(2) 
وجه الدلالة :-
     ففي هذه الآية إلزام لكل عاقد بالوفاء بما عقد على نفسه ،وذلك عقد قد عقده كل واحد منهما على نفسه فيلزمه الوفاء به ، وفي إثبات الخيار نفي للزوم الوفاء به 
وذلك خلاف مقتضى الآية(3).
3- كما استدل أصحاب الرأي الثاني بقول الله تعالى :  يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجـل مسمى فاكتبوه ) إلى قوله تعالىإلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ...(4)
وجه الدلالة :-
    فقد دلت هذه الآية بما تضمنته من الأمر بالإشهاد على عقد المداينة وعلى التبايع والاحتياط في تحصين المال تارة بالإشهاد وتارة بالرهن أن العقد قد أوجب ملك المبيع للمشتري وملك الثمن للبائع بغير خيار لهما ؛ إذ كان إثبات الخيار نافيا لمعاني الإشهاد والرهن ونافيا لصحة الإقرار بالدين.
وبيان ذلك : إن الله تعالى أمر في هذه الآية بالإشهاد على البيع ، ثم أمر عند عدم الشهود بأخذ الرهن وثيقة بالثمن ، وذلك مأمور به عند عقد البيع قبل التفرق ؛ لأنه قال تعالى ...إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ... فأمر بالكتاب عند عقده المداينة ، وأمر بالكتابة العدل ، وأمر الذي عليه الدين بالإملاء ، وفي ذلك دليل على أن عقده المداينة قد أثبت الدين عليه بقوله تعالى:  ...وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا... ، فلو لم يكن عقد المداينة موجبا للحق قبل الافتراق لما قال ...وليملل الذي عليه الحق...، ولما وعظه بألا يبخس منه شيئا وهو لا شيء عليه ؛ لأن ثبوت الخيار له يمنع ثبوت الدين للبائع في ذمته ، وفي إيجاب الله تعالى الحق عليه بعقد المداينة في قوله تعالى وليملل الذي عليه الحق ) دليل على نفي الخيار وإيجاب البتات ، ثم قال تعالى :           واستشهدوا شهيدين من رجالكم تحصينا للمال واحتياطا للبائع من جحود المطلوب أو موته قبل أدائه ، ثم قال تعالى  ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا  ولو كان لهما الخيار قبل الفرقة لم يكن في الإشهاد احتياط ولا كان أقوم للشهادة ، إذ لا يمكن للشاهد إقامة الشهادة بثبوت المال . ثم قال تعالى : ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) " وإذ " للوقت ، فاقتضى ذلك الأمر بالشهادة عند وقوع التبايع من غير ذكر الفرقة .
ثم أمر الله تعالى برهن مقبوض في السفر بـدلا من الاحتياط بالإشهاد في الحضر 
فقـال :وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ...(1) وفي إثبات 
الخيار إبطال الرهن ، إذ غير جائز إعطاء الرهن بدين لم يجب بعد(2).
وقد يعترض على ذلك : بأن أمـر الله تعالى بالكتابة والإشهـاد محمـول على الغالب في أن المتبايعين لا يفترقان حتى ينقضي ذلك كله(3).
ويجاب عن ذلك : بأن الغالب ضد ذلك ، وكيف يتصور بقاء الشهود حتى يقوم المتعاقدان ؟ وهذا لم يعهد ولم يتفق(4).
الدليل من المعقول : كما استدل أصحاب الرأي الثاني على ما ذهبوا إليه من عدم القول بخيار المجلس بالمعقول ، وذلك من وجوه عدة ، منها :
1- إن العقد قد تم من المتعاقدين مطلقا دون شرط ، والعقد المطلق يقتضي ثبوت الملك في العوضين في الحال ، فالفسخ من أحد العاقدين يكون تصرفا في العقد الثابت بتراضيهما أو في حكمه بالرفع والإبطال من غير رضا الآخر ، وهذا لا يجوز ، ولهذا لم ينفرد أحدهما بالفسخ والإقالة بعد الافتراق ، كذا هذا (1).
وقد اعترض على ذلك : بأن هذا قياس فاسد الوضع ، فإنه في معارضة        النص(2).

2- لو صح خيار المجلس لتعذر تولي واحد طرفي العقد ، كشراء الأب لابنه الصغير والوصي والحاكم ؛ لأن ذلك مجمع عليه ، فيلزم على القول بصحة خيار المجلس ترك العمل بالدليل ولا يلزم من عدم صحته ذلك ، وكذلك يلزم على الصحة ذلك فيما يسرع إليه الفساد من الأطعمة كالهرائس والكنائف ، ولا يلزم على عدمها فيه ذلك(3). 
وقد أجيب عن ذلك : بأن كلام الشارع في خيار المجلس خرج على الغالب ، وحيث لا يتعذر(4).
3-خيار المجلس مجهول العاقبة فيبطل كخيار الشرط المجهول العاقبة أو النهاية في الزمان ، فإن خيار المجلس ليس له ضابط إلا الافتراق ، وقد يطول ، ومثل ذلك مجمع على بطلانه في خيار الشرط الذي صرح به ، فأولى أن يقتضي بطلان ما لم يصرح به في العقد(5) .
وقد اعترض على ذلك:بأن هذا الخيـار مضبـوط بالاعتبـار وما يلزمه غالبا من 
التفاوت معفو عنه ، بخلاف ما نظر به من خيار الشرط لمجهول الزمان(1).

4- إن خيار المجلس مشتمل على الغرر، وبيان ذلك : أن الأصل في العقود اللزوم لذوي الحاجات من الأعواض ، فإن العقد لا يقع إلا لحاجة ؛ إذ العقود أسباب لتحصيل المقاصد من الأعيان ، والأصل ترتيب الأسباب على مسبباتها حتى تندفع بذلك الحاجة ، وهي لا تندفع بالتخيير و ثبوت خيار المجلس ؛ إذ لا يدري كل واحد 
منهما ما يحصل من الثمن والمثمن فيحصل الغرر ولا تندفع الحاجة (2).
وقد اعترض على ذلك : بأن ذلك من الغرر المعفو عنه فإنه ليس مما يعظم ، فإن المجلس في غالب العادة لا يطول طولا يقتضي ذلك(3).

5- كما استدلوا بعمل أهل المدينة ، وهو مقدم على خبر  الواحد ، فإن تكرر البيع عندهم مع عدم المجلس بين أظهرهم يدل على مشروعيته دلالة قاطعة والقطع مقدم على الظن(4).
وقد اعترض على ذلك من وجهين :
أولهما: بأنه لا نسلم بأن هذه المسألة من إجماع أهل المدينة ؛ لأن هذا الإجماع إما أن يكون إجماع سابق أو إجماع لاحق على الإمام مالك ، والأول باطل ؛ لأن ابن عمر – رضي الله عنهما – رأس المفتين في المدينة في وقته ، وقد كان يرى إثبات خيار المجلس ، والإجماع اللاحق باطل ؛ لأن ابن أبي ذئب – من أقران مالك ومعاصريه – وقد أغلظ على مالك لما بلغه مخالفته للحديث.
ثانيهما : لا نسلم بأن إجماع أهل المدينة مقدم على خبر الواحد مطلقا ، فإن الحق الذي لا شك فيه أن عملهم وإجماعهم لا يكـون حجة فيما طريقه الاجتهاد والنظر؛ 
لأن الدليل العاصم للأمة من الخطأ في الاجتهاد لا يتناول بعضهم ، ولا مستند للعصمة سواه ، وكيف يمكن أن يقال : بأن من كان بالمدينة – رضوان الله عليهم – يقبل خلافه ما دام مقيما بها فإذا خرج عنها لم يقبل خلافه ؟ فإن هذا محال ، فإن قبول خلافه باعتبار صفات قائمة به حيث حل(1) .
الرأي الراجــح :-
     بعد عرض آراء الفقهاء في مدى ثبوت خيار المجلس للمتعاقدين ، وأدلة كل رأي ، وما ورد عليها من اعتراضات ، يتضح لي أن ما ذهب إليه الشافعية من ثبوت خيار المجلس لكلا المتعاقدين ، بحيث يحق لأي منهما الرجوع في العقد بعد انعقاده ما داما في مجلس القبول لم يتفرقا ، ولم يختارا نفاذ العقد ، هو الأولى بالقبول ؛ أخذا بالتصريح الوارد في الحديث ، وحملا للفظ المتبايعين على حقيقته ولكن ينبغي ألا يتعسف أي منهما في استعمال هذا الحق ، بحيث يترتب على ذلك إلحاق الضرر بالطرف الآخر .

وبناء على ذلك : 
    يكون لأي من المتعاقدين إلكترونيا بعد انعقاد العقد - وذلك بالتعبير عن الإيجاب والقبول عن طريق البريد الإلكتروني أو عن طريق المواقع المتخصصة - أن يرجع فيما صدر منه ما دام أن كليهما مازال في مجلس القبول ، ولكن مع ذلك فإنه من الصعوبة إثبات أن المتعاقدين ما زالا في مجلس القبول ؛ باعتبار أن شبكة الإنترنت شبكة دولية ، قد يكون كل منهما في بلد أو دولة تختلف عن التي يوجد فيها الآخر ، ومن الممكن فتح البريد الإلكتروني للشخص وكذا كافة المواقع المتخصصة من أي جهاز وليس ذلك مقتصرا على جهازه هو ، ومن ثم فمن الممكن للشخص أن يفتح أكثر من جهاز في وقت واحد وفي أمكنة مختلفة فيتم العقد وهو على جهازه ، ثم يتم الرجوع على جهاز آخر وفي مكان آخر، وهذا لا يجوز؛ لأن المتعاقدين في هذه الحال تفرقا عن مجلس القبول .

لذا : فالأولى بالنسبة للعقود التي تتم عبر شبكة الإنترنت أن تكون نافذة بمجرد قبول التعاقد ، وذلك بعد استيفاء كافة الشروط المتفق عليها من كلا المتعاقدين .

موقف القانون المدني من خيار المجلس :
    لم يرد في نصوص القانون المدني ما يدل على أنه تناول حق المتعاقدين في خيار المجلس ، بحيث يكون لكل منهما الرجوع في التعاقد ماداما في مجلس العقد ؛ حيث إنه وفقا للقواعد العامة يعتبر العقد لازما لكلا المتعاقدين بعد انعقاده مستوفيا أركانه وشروطه التي تطلبها القانون ، ولا يحق لأي من المتعاقدين الرجوع في هذا التعاقد إلا وفقا لما نص عليه القانون في هذا الشأن .

وقد يتضـح ذلك من نص المادة (97) من هذا القانـون التي تقضي بأنه ( يعتبر التعاقد بين الغائبين قد تم في المكان وفي الزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك . ويفترض أن الموجب قد علم بالقبول في المكان وفي الزمان اللذين وصل فيهما هذا القبول ).
فمؤدى هذا النص أن القبول بوصفه تعبيرا عن الإرادة لا يصبح نهائيا إلا في الوقت الذي يستطيع فيه الموجب أن يعلم به ، فلا يعتبر التعاقد تاما إلا في هذا الوقت . 
ويعتبر هذا النص تطبيقا للمبدأ العام المنصوص عليه في المادة (91) من القانون المدني ، والتي تقضي بأن : ( ينتج التعبير عن الإرادة أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه ، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك ) .
فهذه المادة قد بينت الوقت الذي يصبح فيه التعبير عن الإرادة نهائيا ، بحيث لا يجوز العدول عنه ، وقد اشترطت المادة السابقة حتى يكون التعبير لازما لا رجوع فيه إمكان العلم به ممن وجه إليه ، ويتحقق ذلك في الوقت الذي يصل فيه التعبير إلى من وجه إليه .
وعلى هـذا: لا يكون لأي من المتعاقدين الرجوع في العقد بعد انعقاده مستوفيا كافة أركانه وشروطه ، وهذا ما يتفق مع ما ذهب إليه الحنفية والمالكية ، كما أن هذا الرأي هو الذي يتفق مع طبيعة العقود الإلكترونية .

ومن ثـم: لا يحق لمن تعـاقد عبر الإنترنت أن يرجع في هذا التعاقد بعد تمامه ، حتى ولو كان كلا المتعاقدين ما زال مستمرا على بريده الإلكتروني أو على الموقع 
المتخصص لمثل هذه التعاقدات ، ولم يفارقه . 















الفصــل الخامس
انتهــاء مجلس العقــد الإلكــتروني
    بعد بيان الأركان التي يقوم عليها مجلس العقد الإلكتروني ، وما يترتب عليه من آثار ، نتناول في هذه الفصل كيفية انتهاء هذا المجلس ، وذلك من خلال المبحثين التاليين :
المبحث الأول : انتهاء مجلس العقد قبل التعاقد.
المبحث الثاني : انتهاء مجلس العقد بعد التعاقد .


















المبحث الأول 
انتهاء مجلس العقـد قبـل التعاقـد 
تمهيد :
     بناء على ما سبق بيانه في الفصول السابقة فإن محل مجلس العقد الإلكتروني في الفقه الإسلامي هو محل وصول الإيجاب إلى علم الموجه إليه هذه الإيجاب ، لذلك فإن مجلس العقد يتعلق بالموجه إليه الإيجاب دون الطرف الآخر ؛ حيث إنه لا يكون حاضرا في هذا المجلس.
كيفية انتهاء مجلس العقد قبل انعقاد العقد : 
    بعد وصول الإيجاب إلى علم الموجه إليه وبداية مجلس العقد الذي ينبغي على الموجه إليه الإيجاب أن يقبل هذا الإيجاب أو يرفضه أثناء قيام هذا المجلس ، فإن هذا المجلس قد ينتهي قبل أن يعبر الموجه إليه عن إرادته ، وقد ذكر الفقهاء أسبابا لهذا الانتهاء ، وذلك على النحو التالي :
أولا: ترك الموجه إليه الإيجاب مجلس العقد :
لا خلاف بين الفقهاء(1) في أن الموجه إليه الإيجاب – بصفة عامة سواء كان حاضرا أو غائبا – إذا ترك مجلس العقد ، فلا عبرة لقبوله بعد ذلك ، ويعتبر المجلس منتهيا حينئذ ، ويكون قبوله بعد الانتهاء إيجابا جديدا يحتاج إلى قبول من الطرف الآخر.
وبناء على ذلك : يجب على الموجه إليه الإيجاب عبر الإنترنت عند العلم به إذا كان ذلك عن طريق رسالة موجهة بالبريد الإلكتروني ألا يغلق بريده حتى يعبر عن إرادته سواء بالقبول أو عدمه ، أما إذا كان عن طريق أحد المواقع المتخصصة ، ألا يغلق الموقع إلا بعد التعبير عن إرادته ، وإلا سقط الإيجاب الصادر من الموجب أولا . 
ثانيا : الانشغال عن التعاقد بعمل أو كلام أجنبي :-
    لا خلاف بين الفقهاء في انتهاء مجلس العقد إذا صدر من الموجه إليه الإيجاب فعلا أو كلاما أجنبيا لا علاقة له بموضوع العقد .
غير أن الحنفية(1) والشافعية(2) اعتبروا كل فعل أو كلام أجنبي خارج عن موضوع 
التعاقد يترتب عليه انتهاء مجلس العقد ، ويسقط الإيجاب الصادر من الطرف    الآخر .
والكلام الأجنبي : هو - كما عبر عنه الشافعية - ما ليس من مقتضيات العقد ولا من مصالحه ولا من مستحباته ولو بحسب الأصل(1).
أما إن كان هذا الفعل أو الكلام الصادر من الموجه إليه الإيجاب من مقتضيات العقد كقبض المبيع  أورده بعيب فيه ، أو من مصالحه : كشرط خيار وإشهاد ورهن ، أو من مستحباته: كخطبة بأن قال المشتري بعد تقدم الإيجاب " بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم"  قبلت ، فيعتبر المجلس قائما ويصح التعاقد حينئذ(2) .
أما المالكية(3) ، والحنابلة(4) فقد اشترطا أن يكون ما صدر من الموجه إليه الإيجاب 
من فعل أو قول يقتضي الإعراض عن التعاقد حسب العرف ، فلا يضر الكلام اليسير الذي لا يعتبره العرف إعراضا عن موضوع التعاقد ، حتى ولو لم يكن من مقتضيات العقد ولا من مصالحه أو مستحباته كما يقول الشافعية .
وعلى ذلك : فإنه يمكن القول بأن ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من اعتبار العرف فيما يعد إعراضا عن التعاقد من عدمه هو الأقرب إلى الصواب كما يتفق مع الواقع فمن غير المعقول أن نعتبر أي كلام أو أي عمل صدر من الموجه إليه الإيجاب بعد علمه بالإيجاب وقبل قبوله إعراضا عن التعاقد ، ومن ثم إسقاط الإيجاب وإنهاء مجلس العقد ، لذا كان اعتبار العرف يتمشى مع حال الناس وما يسيرون عليه،  والقاعدة الفقهية تنص على أن : " المعروف عرفا كالمشروط شرطا" .
وبناء على ذلك : يجب على الموجه إليه الإيجاب عبر الإنترنت ألا ينشغل بعمل أو 
كلام أجنبي عن موضوع التعاقد يدل على إعراضه عن التعاقد ، وذلك كما لو تحدث مع الموجب عبر بريده بكلام غير موضوع العقد ، فلو تحدث عن صفقة أخرى ، أو عن أحوال السياسة والاقتصاد ونحو ذلك ، فكل ذلك يعتبر إعراضا عن التعاقد يوجب انتهاء مجلس التعاقد .

ثالثا : سكوت الموجه إليه الإيجاب ( التراخي بين الإيجاب والقبول):
   قد يصل الإيجاب إلى علم الموجه إليه ، ومع ذلك لم يصدر منه ما يدل على قبوله أو رفضه التعاقد ، بل يلتزم السكوت ، ففي هذه الحال يجب أن نميز بين حالتين :
أولهما : إذا كان السكوت مما يقتضي الإعراض عن التعاقد .
ثانيهما : إذا كان السكوت للتروي والتدبر في أمر التعاقد .
الحالة الأولى : السكوت الذي يقتضي الإعراض عن التعاقد :
    لا خلاف بين الفقهاء(1) في انتهاء مجلس العقد بسكوت الموجه إليه الإيجاب عن 
القبـول بعد علمه بالإيجـاب ، إذا كان هذا السكوت مما يقتضي العرف اعتباره إعراضا عن التعاقد .
الحالة الثانية : السكوت للتروي والتدبر في أمر التعاقد: 
     قد تصل الرسالة إلى الموجه إليه الإيجاب غير أنه لا يقوم بالتعبير عن إرادته على الفور ، بل ينتظر فترة للتفكير وتدبر الأمر، ثم يعلن قبوله بعد ذلك، ففي هذه الحال اختلف الفقهاء في  مدى اعتبار مجلس العقد قائما حتى يصح العقد أم لا يعتبر قائما ، ولا يصح أن يصدر القبول بعد ذلك، وذلك على رأيين :-
الرأي الأول : ذهب الحنفية (2)، والمالكية(3) ، والحنابلة(4) إلى أنه لا تشترط فورية 
القبول من الموجه إليه الإيجاب بل يجوز التراخي بين الإيجاب والقبول ، إذا كان موجودا في مجلس العقد ، ولم يقم منه.
واستدلوا على ذلك بالمعقـول ، وذلك من وجهين  :
أولهما : إن في ترك اعتبار الفورية ضرورة ؛ لأن القابل يحتاج إلى التأمل ، ولو اقتصر على الفور لا يمكنه التأمل (1).
ثانيهما : إن حالة المجلس كحالة العقد ، بدليل أنه يكتفى بالقبض فيه لما يعتبر قبضه (2).
الـرأي الثاني : ذهب الشافعية(3) إلى أنه يشترط أن لا يطول الفصل بين لفظي الإيجاب والقبول ، فإن طال لم ينعقد .
واستدلوا على ذلك  : بأن طول الفصل يخرج الثاني عن أن يكون جوابا عن الأول(4).
موقف القانون الوضعي من تأخر القبول  :-
    من خلال ما سبق بيانه من وقت ومكان إبرام العقد في التعاقد بين الغائبين ، وأن القانون المدني قد أخذ بنظرية " العلم بالقبول " في تحديد زمان ومكان التعاقد ، وذلك بالنص على ذلك صراحة في المادة (97)، ومن ثم فلا اعتبار بوقت ولا مكان وصول الإيجاب إلى على الموجه إليه ذلك الإيجاب  ، ولذا فالعبرة في انعقاد العقد أو عدمه بوقت علم الموجب بالقبول ، فلا ينعقد العقد إلا إذا تم القبول قبل انقضاء الميعاد الذي يكون فيه الإيجاب ملزما ، والقبول في القانون المدني تعبير واجب الاتصال(5) فلا يكتمل له كيانه القانوني إلا باتصاله بعلـم من وجه إليه وهو 
الموجب ، فإذا كان القبول لم يتصل بعلم الموجب إلا بعد انتهـاء ميعاد التزامـه 
بإيجابه ، فإن القبول يكون متأخرا ولو كان قد صدر من القابل في خلال الميعاد ، 
فيعتبر إيجابا جديدا ، للموجب الأصلي حرية قبوله أو رفضه(1) .

    وعلى هذا : فإن القانون المدني لم يأخذ بنظرية مجلس العقد فيما بين الغائبين ، فلم يشترط ضرورة صدور القبول من الموجه إليه في المكان الذي علم فيه بالإيجاب (مجلس العقد كما في الفقه الإسلامي) ، بل ترك له حرية التروي والتدبر في الأمر وتقليب الموضوع على جوانبه المختلفة ، حتى إذا استقر على رأي أصدر قبولا لهذا الإيجاب ، ولكن بشرط أن يصل هذا القبول إلى علم الموجب قبل انتهاء المدة المحددة ، وقد تستخلص هذه المدة من طبيعة المعاملة أو من ظروف الحال ، فإذا أرسل شخص إلى آخر رسالة يعرض فيها بيع سلعة معينة دون تحديد مدة للقبول ، فإنه يستفاد من ذلك أن الموجب قد ترك للطرف الآخر مدة تبدأ من وصول الرسالة إليه حتى يبت في هذا العرض ويرسل قبوله للموجب بعد ذلك (2) ، وقد نصت المادة (93) على أنه :( إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أنه ينقضي هذا الميعاد ، وقد يستخلص الميعاد من ظروف الحال أو من طبيعة المعاملة ) .
     ومن ثــم : فإن الموجه إليه الإيجاب عبر الإنترنت يستطيع أن ينتظر فترة من الوقت للتروي والتفكير في أمر التعاقد من عدمه ؛ حيث إنه غير ملزم قانونا بالقبول عند الإطلاع على الإيجاب سواء كان عن طريق بريده الإلكتروني ، أو عن طريق المواقع المتخصصة ، ولكن يتعين عليه أن يرسل القبول  قبل انتهاء المدة المحددة من الموجب 0

     والملاحظ أن الرد على الإيجاب من الموجه إليه عبر الإنترنت لا يستغرق بضع ثوان ؛ حيث إنه بمجرد الضغط على زر ( Ok) أو (NO) يصل هذا الرد فورا إلى الطرف الآخر ، لذلك إذا لم يعين الموجب ميعاد ا للقبول  فلا ينبغي أن يترك الإيجاب ملزما للموجب فترة من الوقت بحجة أن هذا الوقت هو زمن وصول الإيجاب من الموجب والرد عليه من الموجه إليه ، والمعقول أن يعتبر هذا الوقت هو للتفكير والتروي من الموجه إليه الإيجاب قبل القبول ، فإذا تجاوز الموجه إليه الإيجاب الوقت المعتاد لمثل ذلك فيسقط الإيجاب حينئذ ، ويعتبر قبوله بعد ذلك إيجابا جديدا يستطيع الموجب أن يقبله أو لا يقبله .











المبحـث الثانـي 
انتهـاء مجلس العقـد بعـد التعاقـد

     بعد وصول الإيجاب إلى علم الوجه إليه ، ثم قبوله هذا الإيجاب في مجلس العقد ، ففي هذه الحال قد يستمر القابل في مجلسه لا يفارقه ، وقد يترك هذا المجلس بعد إرسال القبول إلى الموجب ، وقد اختلفت آراء الفقهاء في كلتا الحالتين في انتهاء مجلس العقد ، وذلك على النحو التالي :
الحالة الأولى : استمـرار القابـل في مجلس العقـد بعـد القبـول :
  تحدثنا عن حكم هذه الحالة أثناء الكلام عن خيار المجلس ، وبينا ما ذهب إليه الحنفية(1) ، والمالكية(2) من لزوم العقد بالإيجاب والقبول ، بحيث لا يحق لأي من المتعاقدين بعد ذلك الرجوع فيما صدر منه ، ومن ثم ينتهي مجلس العقد – وفقا لهذا الرأي - بمجرد صدور القبول ؛ إذ لا فائدة منه بعد ذلك .
كما بينا رأي الشافعية(3)، والحنابلة(4) من استمرار مجلس العقد بعد التعاقد إذا استمر القابل في مجلسه لم يفارقه ، ومن ثم فيحق لكل من المتعاقدين الرجوع فيما صدر منه بالضوابط السابق ذكرها .
الحالة الثانية : تـرك القابـل مجلس العقـد بعـد القبـول :
    لا خـلاف بين الفقهاء(5) في أن مجلس العقـد ينتهي إذا تـرك القابل بإرادته 
واختياره مجلس العقد بعد قبوله ،وإن كان الحنفية(1)،والمالكية(2) يقولون بانتهائه قبل ذلك ،وذلك بمجرد صدور القبول ؛إذ العقد يكون لازما في هذه الحال، ومن ثم فلا حاجة لاستمرار مجلس العقد ، فحينئذ يعتبر منتهيا.

وتطبيقـا لذلك : فإن الموجه إليه الإيجاب عبر شبكة الإنترنت إذا أصدر قبوله عن طريق الضغط على " الزر" الذي يدل على ذلك ، فإن العقد في هذه الحال يعتبر لازما عند الحنفية والمالكية وينتهي مجلس العقد ، ولا يحق له الرجوع في التعاقد بناء على خيار المجلس ، وذلك كما بينا سابق عند الحديث عن خيار المجلس .
وعند الشافعية والحنابلة يظل مجلس العقد قائما مادام القابل مستمرا في مجلسه ، بأن يكون مستمرا على الموقع الذي تعاقد من خلاله ، أو مازال بريده الإلكتروني مفتوحا لم يغلقه .
وكما بينا سابقا فالذي ينبغي الأخذ به فيما يتعلق بعقود التجارة الإلكترونية هو انتهاء مجلس العقد بمجرد أن يعبر الموجه إليه الإيجاب عن قبوله للتعاقد من خلال الوسائل المخصصة لذلك على شبكة الإنترنت ، ويتأكد ذلك العقد بعلم الموجب بهذا القبول ، وذلك كما هو مأخوذ به في القانون المدني .   




الخــــــــــاتمـــــــة
   بعد استعراض موقف الفقه الإسلامي والقانون الوضعي لمجلس العقد في عقود التجارة الإلكترونية من حيث ماهيته ، وأركانه ، وآثاره ، وانتهائه ، فيمكن القول بأن أهم ما توصنا إليه من خلال هذا البحث ما يلي :
أولا : إن التعاقد الإلكتروني أقرب إلى التعاقد بين الغائبين بالكتابة أو الرسالة ؛ باعتبار أن المتعاقدين لا يجمعهما مكان واحد ، وكان من الصعب القول بأنه تعاقد بين غائبين من حيث المكان ، وبين حاضرين من حيث الزمان ؛ إذ في ذلك خلط بين أحكام مجلس العقد في التعاقد بين حاضرين وبين مجلس العقد في التعاقد بين غائبين ، وأيضا فإن التعاقد قد يكون عن طريق البريد الإلكتروني لكلا المتعاقدين ، بحيث يرسل أحدهما رسالة إلى الآخر تتضمن العقد المتفق على تفاصيله مسبقا ، ولا يطلع عليها الموجه إليه هذه الرسالة إلا بعد يوم أو يومين ونحو ذلك ، وذلك عندما يقوم بفتح بريده الإلكتروني للاطلاع على ما فيه من رسائل .

ثانيا : يبدأ مجلس العقد الإلكتروني في الفقه الإسلامي في الوقت الذي يصل فيه الإيجاب إلى من وجه إليه ، ويقوم بالاطلاع عليه ؛ فقد تصل الرسالة التي تتضمن إيجابا بالتعاقد إلى الطرف الآخر ، ولكن لم يطلع عليها بعد ، وذلك كمن أرسل الإيجاب بالبريد الإلكتروني ، ووصلت الرسالة إلى بريد الموجه إليه الإيجاب ، ولكن لم يطلع على هذا الإيجاب إلا بعد فترة من الزمن ، وذلك عندما فتح بريده الإلكتروني ، فمنذ هذا الحين يبدأ مجلس العقد .

ثالثا : حدد الفقهاء مكان مجلس العقد فيما بين غائبين بمكان وصول الرسالة أو الكتابة إلى علم الموجه إليه الإيجاب ، وبناء على ذلك فقد أمكننا القول بأن مجلس العقد في عقود التجارة الإلكترونية هو المكان الذي يطلع فيه الموجه إليه الإيجاب الإلكتروني على هذا الإيجاب ، ويجب عليه أن يكون صادقا في الإخبار عن هذا المكان ؛ إذ من الصعب إثبات ذلك في العقود التي تتم عبر الإنترنت .
رابعا :  ينعقد العقد الإلكتروني في الفقه الإسلامي بمجرد صدور القبول من الطرف الموجه إليه في مجلس علمه بهذا الإيجاب ، أما في القانون المدني فينعقد العقد في هذه الحال عند علم الموجب بالقبول كما هو منصوص عليه في        المادة (97) . 

خامسا: وفقا لما ذهب إليه جمهور الفقهاء يجوز للموجب الرجوع في إيجابه قبل صدور القبول من الطرف الآخر ، وقد ذهب إلى ذلك أيضا القانون المدني  في المادة (91) منه ، وقد اشترط المالكية لجواز رجوع الموجب ألا يكون الإيجاب بصيغة الماضي ، فإن كان بهذه الصيغة فلا يجوز له الرجوع حينئذ .
ووفقا لما ذهب إليه جمهور الفقهاء والقانون المدني يكون للموجب في الإيجاب الإلكتروني الرجوع عن إيجابه ، ويكون ذلك بسحبه من موقع عرضه على شبكة الإنترنت بشرط أن يعلن عن رغبته في الرجوع عن الإيجاب ، فيعدم بذلك أثره القانوني ، ولا يكون لهذا العدول أي أثر قانوني إلا إذا علم به الموجب له ، ويقع عبء إثبات ذلك على الموجب .

سادسا : لا خلاف بين ما ذهب إليه الفقه الإسلامي والقانون المدني من حرية الموجه إليه الإيجاب الإلكتروني من قبول هذا الإيجاب أو رفضه ؛ إلا إذا كان يترتب على هذا الرفض ضرر بالموجب ، فيكون من باب التعسف في استعمال الحق .

سابعا : يصبح العقد الإلكتروني لازما لكلا المتعاقدين بمجرد صدور القبول من الطرف الموجه إليه الإيجاب ، فلا يجوز لأي منهما الرجوع في التعاقد بعد ذلك حتى لو استمرا في مجلس العقد ولم يفارقاه ، وهو ما ذهب إليه الحنفية والمالكية ما عدا ابن حبيب ؛ حيث ذهب مع الشافعية والحنابلة إلى عدم لزوم التعاقد بمجرد صدور القبول إذا كان القابل ما زال في مجلس القبول لم يفارقه ، ففي هذه الحال يجوز له الرجوع في التعاقد وهو ما أطلقوا عليه( خيار المجلس) .
ثامنا : ينتهي مجلس العقد الإلكتروني قبل التعاقد بترك الموجه إليه الإيجاب مجلس العقد قبل القبول ،أو الانشغال بعمل أو كلام أجنبي، أو بالسكوت الذي يقتضي الإعراض عن التعاقد بحسب العرف .

تاسعا : ينتهي مجلس العقد عند الشافعية والحنابلة : إذا ترك الموجه الإيجاب مجلس العقد بعد قبوله التعاقد والتعبير عن هذا القبول إلكترونيا .
وينتهي عند الحنفية والمالكية بمجرد صدور القبول ولو لم يترك القابل مجلس العقد بل ظل قائما فيه ؛ إذ لا فائدة من هذا المجلس حينئذ ، لأن العقد أصبح لازما بمجرد قبول التعاقد ، فلا يجوز الرجوع فيه . 

والله الموفــــق

 










مصــادر ومــراجع البحــث
1- إبرام العقد الإلكتروني : د/خالد ممدوح إبراهيم ، دار الفكر الجامعي،   2006 م .
2- إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام : لمحمد علي تقي الدين ،المعروف    بـ(ابن دقيق العيد) ، مطبعة السنة المحمدية .
3- أحكام القرآن : للإمام أبي بكر أحمد الرازي الجصاص ، ط: دار الفكر،
4- أحكام القرآن : لمحمد بن عبد الله الأندلسي ، المعروف بابن العربي ، دار الكتب العلمية .
5- أسنى المطالب شرح روض الطالب : لزكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري ، دار الكتاب الإسلامي .
6- الإنترنت وبعض الجوانب القانونية : د/ محمود عبد المعطي خيال ، دار النهضة ، 1998م .
7- الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف : لعلي بن سليمان بن أحمد المرداوي : دار إحياء التراث العربي 0 
8- أنواء البروق في أنواع الفروق : لأحمد بن إدريس القرافي ، بهامش الفروق ، عالم الكتب . 
9- البحر الرائق شرح كنز الدقائق : لزين الدين بن إبراهيم ( ابن نجيم) ، دار الكتاب الإسلامي .
10-بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع : لأبي بكر مسعود بن أحمد الكاساني ، دار الكتب العلمية .
11- بداية المجتهد ونهاية المقتصد : لمحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد شرح وتحقيق : رضوان جامع رضوان ، ط: مكتبة الإيمان .
12- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق : لعثمان بن علي الزيلعي ، دار الكتاب الإسلامي .
13- التجارة الإلكترونية : د/ عماد الحداد ، مكتبة  الأسرة ، 2005 .
14- تحفة المحتاج في شرح المنهاج : لأحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي ، دار إحياء التراث العربي .
15- التجارة الإلكترونية استثمار مضمون: هشام القطان :اقتصاديات الرياض 
      العدد37 آذار 2000 0
16- التعاقد والدفع الإلكتروني تحديات النظامين الضريبي والجمركي الأستاذ / 
      يونس عرب : جزء من أوراق عمل برنامج الندوات المتخصصة حول 
     التجـارة الإلكتـرونية تنظيـم معهـد التدريب والإصـلاح القانـوني –       
     الخرطوم – 2002 م .
17 - التعاقد الإلكتروني عبر الإنترنت : محمد أمين الرومي ، دار المطبوعات الجامعية الإسكندرية ، 2004م.
18 - التعاقد عن بعد  " قراءة تحليلية في التجربة الفرنسية ، مع إشارة لقواعد القانون الأوربي : د/ محمد حسن قاسم ، دار الجامعة الجديدة للنشر والتوزيع ، 2005 م .
19 - التعاقد عبر الإنترنت: د/أسامة أبو الحسن مجاهد ، دار الكتب القانونية ، المحلة الكبرى ، 2002م .
20 - التعريفات : لعلي بن محمد بن علي الجرجاني ، دار الريان للتراث .
21 - التعاقد بوسائل الاتصال الحديثة مع التركيز على البيع بواسطة التلفزيون: د/ محمد السعيد رشدي ، مطبوعات جامعة الكويت ، 1998م .
22 - التاج المذهب لأحكام المذهب : لأحمد بن قاسم العنسي الصنعاني ، مكتبة اليمن .
23 - التاج والإكليل لمختصر خليل : لمحمد بن يوسف العبدري ، المواق ، دار الكتب العلمية .
24 - الجامع لأحكام القرآن : لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي  دار الكتب المصرية .
25 - الجوهرة النيرة : لأبي بكر محمد بن علي الحادي العبادي ، المطبعة الخيرية .
26 - الجوانب القانونية للتعاملات الإلكترونية : د/ إبراهيم السوقي أبو الليل ،  مجلس النشر العلمي ، الكويت ، 2003 م .
27 -حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة : د/ إبراهيم فاضل الدبو مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، الدورة السادسة ، المجلد الثاني .
28 - الحماية الجنائية للتجارة الإلكترونية عبر الإنترنت : د/هدى حامد قشقوش، دار النهضة العربية ، 2000 م .
29 - الحماية الجنائية للتجارة الإلكترونية – دراسة مقارنة : د/ مدحت عبد الحليم رمضان ، دار النهضة العربية ، عام 2001 م .
30 - حماية المستهلك في التعاقد الإلكتروني ، دراسة مقارنة : د/ أسامة أحمد بدر ، دار الجامعة الجديدة ، عام 2005 م .
31 - حاشية الشبراملسي :لأبي الضياء نور الدين علي بن علي الشبراملسي ، مطبوعة بهامش نهاية المحتاج ، در إحياء الكتب العربية . 
32 - حاشية الصاوي على الشرح الصغير : لأبي العباس أحمد الصاوي ، دار المعارف .
33 - حاشية العدوي : لعلي الصعيدي العدوي ، دار الفكر .
34 - حاشيتا قليوبي وعميرة : لأحمد سلامة القليوبي ، وأحمد البرلسي عميرة، دار إحياء الكتب العربية .
35 - حاشية رد المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ، الشهير بابن عابدين ، دار الكتب العلمية .
36 - حاشية البيجيرمي: للشيخ سليمان بن محمد البيجيرمي ، دار الفكر    العربي .
37 - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : لمحمد بن عرفة الدسوقي ، دار إحياء الكتب العربية . 
38 - حاشية الجمل : لسليمان بن منصور العجيلي المصري(الجمل ) ، دار  الفكر .
39 - خصوصية التعاقد عبر الإنترنت : د/ أسامة أبو الحسن مجاهد ، دار النهضة العربية ،عام 2000م .
40 - الخرشي على مختصر خليل : لمحمد بن عبد الله الخرشي ، ط : دار  الفكر.
41 - الخيارات في الفقه الإسلامي : د / عبد العزيز عزام ،دار الهدى للطباعة ، 1983م – 1402هـ .
42 – درر الحكام شرح غرر الحكام : لمحمد بن فراموزا ، المشهور بمنلا خسرو ، دار إحياء الكتب العربية .
43 - درر الحكام شرح مجلة الأحكام : لعلي حيدر ، الناشر دار الجيل .
44 - دروس في مصادر الالتزام : د/ لاشين محمد يونس الغاياتي :  الطبعة الأولى ، عام 2001 م .
45 - الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية : لزين الدين بن علي العاملي الجبعي ، دار العالم الإسلامي – بيروت .
46 - سبل السلام : لمحمد بن إسماعيل الصنعاني الأمير ، تحقيق : محمد بن عبد العزيز الخولي ، الطبعة الرابعة ، 1379هـ ، دار إحياء التراث العربي .
47 - سنن الدار قطني : لعلي بن عمر أبو الحسن الدار قطني البغدادي ، تحقيق : السيد عبد الله هاشم يماني المني ، دار المعرفة – بيروت ، عام 1386هـ 1966م .
48 - سنن ابن ماجة : لمحمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، دار الفكر – بيروت .
49 – شرح البهجة : لزكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري ، المطبعة   الميمنية .
50 - شرح فتح القدير : لكمال الدين بن عبد الواحد بن الهمام ، دار الفكر .
51 - شرح السيوطي : لعبد الرحمن بن أبي بكر أبو عبد الرحمن السيوطي ، مكتب المطبوعات الإسلامية ، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ، الطبعة الثانية ، عام 1406هـ - 1986 م.
52 - شرح أحكـام القانون المدني ( مصادر الالتزام ):د/ مصطفى الجـمال، عام 1991 م .
53 - شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام: لجعفر بن الحسن الهذلي المحقق الحلي ، مؤسسة مطبوعاتي إسماعليان .
54 - شرح كتاب النيل وشفاء العليل : لمحمد بن يوسف بن عيسى أطفيش ، مكتبة الإرشاد .
55 - الشرح الكبير : لأبي البركات سيدي أحمد الدردير، مطبوع مع حاشية الدسوقي ، دار إحياء الكتب العربية .
56 - شرح النووي على صحيح مسلم : لأبي زكريا يحي بن شرف النووي ، الطبعة الثانية ، عام 1392هـ ، دار إحياء التراث .
57 - صحيح مسلم : لمسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري ، دار إحياء التراث العربي .
58 - صحيح ابن حبان : لمحمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي ، تحقيق : شعيب الأرنؤط ، مؤسسة الرسالة – بيروت ، 14144هـ - 1993 م .
59 - صحيح البخاري : لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي ، تحقيق : د/ مصطفى الديب البغا ، الطبعة الثالثة ، عام 1407 هـ - 1987 م ، دار ابن كثير – اليمامة .
60 - طرح التثريب : لعبد الرحيم بن الحسين العراقي ، دار إحياء الكتب العربية .
61 - ضوابط العقود دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي ، وموازنة بالقانون الوضعي ، د/ عبد الحميد البعلي :  مكتبة وهبة  .
62 - عقد الاشتراك في قواعد المعلومات الإلكترونية ، د / فاروق الأباصيري دراسة تطبيقية لعقود الإنترنت ، دار النهضة العربية ، عام 2003 م .
63 - العقد الإلكتروني : د/ سمير عبد السميع الأودن ، منشأة المعارف ، 2005 م .
64 - العناية شرح الهداية : لمحمد بن محمود البابرتي ، دار الفكر .
65 - الغرر البهية في شرح البهجة الوردية : للشيخ زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري ،المطبعة الميمنية .
66 - الفتاوى الهندية : لجماعة من علماء الهند برئاسة الشيخ نظام الدين البلخي  ، دار الفكر .
67 -الفروع : لمحمد بن مفلح بن محمد المقدسي ، عالم الكتب .
68 - الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد ، المخل الفقهي العام ، د/ مصطفى أحمد الزرقاء ، الطبعة التاسعة 1976 م .
69 - القاموس المحيط : لمجد الدين بن محمد بن يعقوب الفيروز آبادي الشيرازي.
70 - القانون الدولي الخاص النوعي : د/ أحمد عبد الكريم سلامة (الإلكتروني – السياحي – البيئي ) ، دار النهضة العربية ، عام 2002 م .
71 - كشاف القناع عن متن الإقناع :لمنصور بن يونس البهوتي، دار الكتب العلمية .
72 - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير : لأحمد بن محمد بن علي الفيومي ، المكتبة العلمية .
73 - مصادر الحق في الفقه الإسلامي مقارنة بالفقه الغربي : د/ عبد الرازق السنهوري ، جامعة الدول العربية ، معهد البحوث والدراسات العربية ، عام 1976م .
74 - مجلس العقد في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي: د/ جابر عبد الهادي ، دار الجامعة الجديدة للنشر – الإسكندرية ، 2001م  .
75 - المجموع شرح المهذب : ليحي بن شرف النووي ، مطبعة المنيرية .
76 - مجمع الأنهر : لعبد الرحمن بن محمد شيخي زادة (داماد افندي ) ، دار إحياء التراث العربي.
77 - مصادر الالتزام : د/ رمضان أبو السعود ، الطبعة الثالثة ، 2003 م .
78 - مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى : لمصطفى بن سعد بن عبدة الرحيباني ، المكتب الإسلامي .
79 - المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود : د/ محمد مصطفى شلبي : دار التأليف ، 1385هـ ، 1966م .
80 - المسئولية الإلكترونية : د/ محمد حسين منصور  ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، 2003 م .
81 - مسند الإمام أحمد بن حنبل  :لأحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني ، مؤسسة قرطبة – مصر .
82 - مسند أبي يعلى : لأحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي تحقيق : حسين سليم أحمد ،  الطبعة الأولى ، عام 1404هـ 1984 م ، دار المأمون للتراث – دمشق .
83 - مشكلات البيع الإلكتروني عن طري الإنترنت في القانون المدني ، دراسة مقارنة : د/ ممدوح محمد خيري هاشم ، دار النهضة العربية ،            عام 2000 م .
84 - المغرب : لناصر الدين بن عبد السيد أبو المكارم المطرزي ، الناشر : دار الكتاب العربي .
85 - المغني : لموفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي ، تحقيق : د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي ، د/ عبد الفتاح محمد الحلو ، دار هجر  .
86 - مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج : لمحمد بن أحمد الشربيني الخطيب ، دار الكتب العلمية .
87 - المنثور في القواعد الفقهية : لبدر الدين بن محمد بن بهادر الزركشي ، وزارة الأوقاف الكويتية .
88 - مواهب الجليل في شرح مختصر خليل : لمحمد بن محمد بن عبد الرحمن الحطاب ، دار الفكر .
89 - الموسوعة الفقهية : وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت .
90 - نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية : لعبد الله بن يوسف أبو محمد 
       الحنفي الزيلعي ، تحقيق : محمد يوسف البنوري ، دار الحديث – مصر .
90- النظرية العامة للالتزام وفقا للقانون الكويتي (دراسة مقارنة) : د/ عبد الحي حجازي الجزء الأول – مصادر الالتزام (العقد والإرادة المنفردة) المجلد الأول ، مطبوعات جامعة الكويت .
91- نظرية العقد في قوانين البلاد العربية ، د/ عبد المنعم فرج الصدة ، دار النهضة العربية ، عام 1974 .
92- النظرية العامة للالتزام ( مصادر الالتزام ) : د/ إسماعيل غانم ، مكتبة عبد الله وهبة  .
93- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج : لمحمد بن شهاب الدين الرملي ، دار الفكر . 
94- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار : لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني خرج أحاديثه وعلق عليه : عصام الدين الصبابطي ، دار الحديث ، 1417هـ- 1997م .
95- الوسيط في شرح القانون المدني الجديد المجلد الأول – نظرية الالتزام بوجه عام – المجلد الأول – (مصادر الالتزام ): د/ عبد الرزاق السنهوري.
96- الوسيط في النظرية العامة للالتزامات ( الكتاب الأول ) ( المصادر الإرادية للالتزام والإرادة  المنفردة ) : د/ حمدي عبد الرحمن ، الطبعة الأولى ، عام 1999م ، دار النهضة العربية .

تعليقات