القائمة الرئيسية

الصفحات

الحق في العقاب 


  الدكتور  أحـــمـــد لــطــفــى الـــســـيــد



الباب الأول 
 فلسفة الحق في العقاب

1- تمهيد وتقسيم :
     ما من فكرة تنشأ ولا مبدأ يسود إلا ويوقف وراءه فلسفة تمهد له وتدعمه. ولا تشذ عن ذلك فكرة الحق في العقاب ذاتها. وقد ارتبط نشوء الفلسفة التي تدعم حق الدولة في العقاب بالتطور الذي طرأ على المجتمعات الإنسانية وانتقالها من مرحلة البداوة إلى مرحلة النظم القانونية ، من الأسرة إلى العشيرة ثم القبيلة ثم المدنية وأخيراً الدولة ككيان سياسي معاصر.

 لذا فليس من المقبول القول بأن الحق في العقاب قديم قدم الوجود الإنساني ذاته. فإذا كانت الجريمة حقيقة وظاهرة إنسانية وجدت مع وجود الإنسان ، إلا أن رد الفعل العقابي تجاه الفعل الإجرامي لم يكن يمثل استعمالاً لحق الجماعة في العقاب. فرد الفعل الغريزي تجاه الاعتداء لا يمكن النظر إليه بحسبانه عقوبة ، ففعل الإنسان هذا إنما يتماثل مع ردود الأفعال الغريزية للطيور والحيوانات التي تدفع عن نفسها وأقرانها قوي العدوان المختلفة ، ومن المعلوم أن هذا السلوك الغريزي الحيواني لا يمكن أن يكون عقوبة. فالحق في العقاب ما نشأ إلا مع ظهور الجماعة الإنسانية المنظمة ، وتطور معنى السلطة في الجماعة ، وكذلك تطور المنظور الديني للمجتمع وانتقاله من مرحلة العقيدة المبنية على الأساطير إلى العقائد القائمة على دعائم سماوية أو فكرية. كما أن هذا الحق قد تطور مع انتقال المجتمعات من مرحلة الزراعة إلى مرحلة الاقتصاديات الصناعية.

خلال هذا التطور كله نشأت وتطورت العديد من المدارس الفكرية - خاصة منذ القرن الثامن عشر - التي تؤسس لفكرة الحق في العقاب ، الأمر الذي يعتبر بداية النشأة الحقيقية لفكرة العقاب في العصور الحديثة. وعلى هذا فإننا سوف نقسم هذا الباب إلى فصلين : نبين في الأول فلسفة الحق في العقاب في المجتمعات القديمة ، وفي الثاني نعرض للحق في العقاب في الفلسفات الحديثة.


الفصل الأولفلسفة الحق في العقاب في المجتمعات القديمة


2- تمهيد وتقسيم :
     لقد ارتبط ظهور العقوبة بظهور الجريمة ذاتها ، الأمر الذي يمكن معه القول بأن العقوبة لصيقة بالإنسانية.  ولما كان نظام العقاب يرتبط في حقيقته بمشكلة الحرية والسلطة ، ولا يمكن الفصل بين الأمرين ، بحسبان أن وجود سلطة ذات سيادة أمر لازم لممارسة الحق في العقاب ، لذا ففي المراحل الأولى للإنسانية ارتبطت فكرة العقوبة بفكرة الانتقام من الجاني مرتكب الجريمة. الانتقام الذي بدأ أولاً بمرحلة الانتقام الفردي دون تدخل من الجماعة (القبيلة أو العشيرة) ، ثم انتقل إلى الانتقام ذو الطابع العام الذي تتولاه السلطة السياسية ضد الخارجين على مصالح الجماعة.

ولقد اصطبغت العقوبة في نهايات تلك الفترة بالطابع الديني على اثر ظهور المسيحية والفكر الكنسي ، فظهرت فكرة العقاب بهدف التفكير. وفي مرحلة لاحقه أضيف إلى العقوبة هدف جديد هو هدف الردع ، والذي يعني الرغبة في منع وتحذير الكافة من الإقدام على ارتكاب الجريمة في المستقبل. ويشمل هذا كلاً من الجاني ذاته ، وهذا هو مضمون الردع الخاص ، ويشمل بقية أفراد الجماعة ، وهذا هو مضمون الردع العام.

على هذا النحو فإننا سوف نقسم هذا الفصل المتعلق ببيان فلسفة العقاب في المجتمعات القديمة إلى مبحثين يبينان المراحل التي مر بها الحق في العقاب في الفكر القديم.

المبحث الأول
الأساس الانتقامى للحق في العقاب

3- تمهيد :
     يمكننا داخل هذا المبحث التمييز بين مرحلتين ، الأولى مرحلة الانتقام الثأري والثانية مرحلة الانتقام المتعادل.

4- أولاً : مرحلة الانتقام الثأري :
     في العصور القديمة لم تكن الدولة قد ظهرت كتنظيم سياسي وككيان على النحو المعروف في زماننا هذا. لذا فكان أساس الحق في العقاب يغلب عليه طابع الانتقام ، حيث لا توجد سلطة عليا تمارس هذا الحق. فقد ترك لكل فرد الحق في دفع الأذى والضرر الواقع عليه بنفسه انتقاماً وثأراً من الجاني ، بغض النظر عما إذا كان العدوان مقصوداً أم لا . فالفرد كان ينظر إلى الجريمة على أنها شر يجب أن يرد عليه بشر مثله. لذا فلا عجب أن يسود في تلك المرحلة الثأر بحسبانه الأذى المقابل للضرر الناشئ عن الجريمة .

وتختلف صور رد الفعل الانتقامي بحسب ما إذا كان الجاني ينتمي إلى ذات الجماعة أم ينتمي إلى جماعة أخرى. ففي الحالة الأولى كان العقاب يأخذ طابع التأديب الذي قد يصل إلى حد قتل الجاني أو طرده من الجماعة. وهذا العقاب كان يوقعه الزعيم أو السيد ، الذي كان له سلطة الحياة والموت على كل رعاياه. وهي سلطة تنتمي في حقيقتها إلى سلطة الأبوة أكثر مما تنتمي إلى معنى السلطة السياسية المعروفة في وقتنا الحالي .

أما في الحالة الثانية ، حيث ينتمي الجاني إلى جماعة أخرى (أسرة أو قبيلة أو عشيرة) ، وحيث لا توجد سلطة عليا يخضع لها كل من الجاني والمجني عليه ، فكان من الطبيعي أن يأخذ الحق في العقاب صور الانتقام الشامل على هيئة حرب بين الجماعتين ، حيث تهب الجماعة لنصرة المجني عليه والانتقام من الجاني وأفراد جماعته. وكان من الطبيعي والحال كذلك أن يكون الانتقام والثأر مبالغ فيهما ولا يوجد بينهما وبين الضرر الناشئ عن الجريمة أي تتناسب ، لاسيما وأن هذا التجاوز ذاته لم يكن معاقباً عليه . فلم يكن يوجد حائل أو مانع - قانوني أو أدبي - يحول بين المجني عليه وأفراد جماعته وبين المبالغة في العقاب. وقد يفسر هذا التجاوز في تلك المرحلة البدائية أن الجريمة كان ينظر في جزء منها على أنها إساءة للقوى الإلهية وانتهاك للأمر أو نهي ديني ، وكان ينظر للعقاب الشديد والجسيم والمتجاوز على أنه محاولة للاستبقاء رضاء الآلهة .

5- ثانياً : مرحلة الانتقام المتعادل :
     مع انتقال الجماعة الإنسانية إلى طور جديد من حياتها وزيادة نفوذ وهيمنة السلطة العامة في الجماعة ، بدأت المراحل الأولى لوضع القيود للحد من الانتقام الثأري والمتجاوز ، بحيث يكون العقاب متعادلاً ومتوازناً مع الضرر الناشئ عن الجريمة.

وكانت أولى الصور لتحقيق هذا التعادل ظهور مبدأ القصاص Loi du talion أو ما يسمى بشريعة المثل ، ليكون العقاب مماثلاً للجريمة كماً وكيفاً. فظهر ما نطلق عليه في لغتنا العامية "العين بالعين والسن بالسن" فالقاتل يقتل ، والضارب يعاقب بالضرب ، وشاهد الزور يقطع لسانه ، والسارق تقطع يده وهكذا. وقد ظهر هذا المبدأ لدى غالبية الشعوب الشرقية القديمة وفي تشريعاتها ، كشريعة بابل - وأشهرها قانون حمورابي في القرن السابع عشر قبل الميلاد - والقانون الموسوي وقانون مانو الهندي في عام 1200 قبل الميلاد وكذلك في القانون الفرعوني القديم .

وللقصاص في الشريعة الإسلامية مكانته كركن من أركان سياستها العقابية ، وذلك بسند من القرآن الكريم لقوله تعالى "النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص" . وأيضا قوله سبحانه "الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى" .

ومن بين الصور التي أمكن من خلالها تحقيق هذا الانتقام المتعادل النظام المعروف باسم الدية Régime de composition ، والذي عرفته على وجه الخصوص في ذلك الوقت روما القديمة من خلال قانون الألواح الإثنى عشر . 
والدية عبارة عن مبلغ من المال يتقاضاه المجني عليه أو عشيرته في مقابل تنازلها عن الثأر أو القصاص. فالدية تنطوي في واقع الأمر على مقابل ثمن حياة المعتدي الذي يكون تحت سيطرة المجني علية أو عشيرته .

وكانت الدية في مراحلها الأولى اختيارية ، كثمن للصلح لا يمكن إقراره إلا عن طريق التراضي واتفاق الجاني والمجني عليه أو عشيرته. وكانت تتسم الدية الاختيارية بالمغالاة في التقدير إشباعا لغريزة الانتقام. ثم تحولت هذه الدية ، ومع تطور السلطة في الجماعة وازدياد نفوذها ، إلى ما يعرف بالدية الإجبارية Composition obligatoire ، وهي مقادير محددة من واقع العرف لكل جريمة يلتزم المعتدي بأدائها ، كما يلتزم المجني عليه بقبولها ، الأمر الذي استتبع بالطبع استقطاع مبلغ من هذه الدية كي يؤول إلى السلطة مقابل تدخلها للإقرار الأمن. وتطور الدية على هذا النحو جعل منها في النهاية عقوبة بالمعنى العام ، أي الجزاء الذي توقعه السلطة العامة على كل من يخرج على قواعد وأعراف الجماعة ويهدد نظام الأمن فيها . وبهذا المعنى الأخير أخذت الشريعة الإسلامية إذ أجازت للمجني عليه أو لولي الدم أن يتنازل عن حقه في القصاص مقابل الدية المقررة شرعاً .

غير أنه يجب التأكيد على أن هذه الحدود الرامية لجعل الانتقام متعادلاً مع الجريمة اقتصرت في غالب الأحيان على حالة ما إذا كان المجرم منتمياً لذات الجماعة ، أما في الفرد العكسي ، ففي الغالب لم يكن ليفلح نظام القصاص أو الدية ، وعادة ما تنشأ الحروب فيتحول الانتقام من الطابع الفردي إلى الانتقام الجماعي أو العام . 

المبحث الثانيالأساس الردعى والتكفيرى للحق في العقاب


6- تمهيد :
     إن ظهور الغرض الردعي والتكفيري للحق في العقاب إنما يرجع في الحقيقة إلى سببين أو يستند على دعامتين ، مهدا لخروج العقاب من حيز الانتقام وإرضاء الآلهة إلى آفاق أخرى كالردع والتكفير والإصلاح. وهذين العاملين نوجزهما في الآتي :

7- أولاً : الدراسات الفلسفية الإغريقية :
     أدى ظهور الفلسفات الإغريقية القديمة ، وخاصة على يد أفلاطون وتلميذه أرسطو ، إلى تطوير الأساس المتعلق بالحق في العقاب. فبعد أن كان الحق في العقاب حتى هذه المرحلة يمتزج بالطابع الديني ، بحيث ينظر للعقوبة على أنها محاولة لاسترضاء الآلهة ، بدأ ظهور طابع أخر للعقاب هو الطابع السياسي المتمثل في المحافظة على النظام الاجتماعي. فالجريمة ليست فقط إساءة للقوى الإلهية ولكنها أيضاً تمثل اضطراباً اجتماعياً.

وعلى هذا الأساس فقد نادى أفلاطون بمبدأ شخصية العقوبة ، وأن يكون من بين أهداف العقوبة الردع على أمل توقي المجتمع شرور الجريمة في المستقبل. وهى ذات المبادئ التي نادى بها أرسطو محاولاً جعل غرض إصلاح الجاني من بين أهداف الجزاء الجنائي إلى جانب الردع كوظيفة أساسية. أي أن العقوبة استهدف بها تحقيق أمرين هما الردع والإصلاح .
  
8- ثانياً : الفكر والدراسات الكنسية :
     كان لدخول المسيحية أرجاء الإمبراطورية الرومانية واعتبارها الدين الرسمي لها أثره على النظرة للحق في العقاب. فكان لهذه الديانة الفضل في المناداة بالمساواة بين الناس في العقاب ، الأمر الذي كانت تنكره بعض الشرائع والتي كانت تخص الأسياد بعقوبات تختلف عما يطبق على العبيد (كالإعدام مثلاُ الذي خصص كعقوبة للعامة من الناس وللعبيد).

وعلى أثر الدراسات الكنسية بدأت العقوبة تستند إلى مبدأ التكفير عن الخطيئة المتمثلة في الجريمة. هذا التكفير لا يستهدف الانتقام من الجاني بل محاولة تطهير نفسه وتهذيبه وإصلاحه. من هنا كان بداية ظهور الأساس الإصلاحي والتهذيبي للجزاء الجنائي. الأمر الذي استوجب تعزيز الدراسات التي تهتم بشخص المجرم والعوامل الداخلية للنفس الآثمة. لذا فلا عجب أن ظهور فكرة المسئولية الفردية والإثم الجنائي والخطأ والإسناد كان يرجع إلى الفكر الكنسي.

إلا أنه رغم هذا الأثر الإيجابي للفكر الكنسي فإنه يظل لتلك الفترة من حياة الإنسانية آثارها السلبية ، التي نشأت بفعل جمع رجال الكنيسة بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية وإدخالهم في عداد الجرائم كل ما يمس المصالح الدينية والعقاب عليها بأشد وأبشع العقوبات ، حتى ولو كان الأمر لا يخرج عن كونه نوع من الفكر الإنساني. فظهر ما نسميه في أيامنا هذه الإرهاب الفكري تحت مسميات عديدة كالهرطقة L’hérésie ، والزندقة La blasphème  ، وانتهاك المحرمات Le sacrilège. كما أتخذ الدين في تلك الفترة ستاراً للتخلص من الخصوم السياسيين والمفكرين الذين يحفزون العامة على الخروج على سلطة الكنيسة. لذا فلم تفلح دعوات رجال الكنيسة ومفكريها المطالبة بالإقلال من قسوة العقوبات المفرطة.

ولقد استمر الحال هكذا أبان العصور الوسطى وظهور الملوك الذين يستندون في حكمهم إلى مبدأ التفويضي الإلهي ، والذين لجئوا لتدعيم حكمهم إلى إضفاء المزيد من القسوة على العقوبات واستخدام أبشع الوسائل في تنفيذها. فجعلت عقوبة الإعدام وبتر الأعضاء عقوبة لجرائم الخيانة وعدم الولاء للملك والهروب من الجيش ، وكلها جرائم تهدف إلى تدعيم سلطان الدولة والحكم. ولهذا غلب في مجال العقاب طابع الردع على طابع الإصلاح ، الأمر الذي أدى إلى تطبيق العقوبة أحياناً على صغار السن وعلى المكره وعلى المجانين والحيوانات وجثث الموتى . بل وتوارى مبدأ المساواة الذي حاولت المسيحية تدعيمه. ففي تلك الفترة كانت العقوبات تختلف باختلاف المركز الاجتماعي للجاني وكذلك تختلف وسيلة التنفيذ. كل هذا كان يدعمه ما يتمتع به القضاة من سلطة مطلقة في التجريم والعقاب.

الفصل الثانى
الحق في العقاب في الفلسفات العقابية الحديثة
9- تمهيد وتقسيم :
     لما كان سمة الفكر الإنساني هي التبدل والتطور ، فكان لابد من ظهور اتجاهات فكرية ومذهبية وفلسفية تعمل على تطوير النظام الجنائي الذي استقر طيلة العصور الوسطى. وكان للكتابات الإصلاحية التي حمل لوائها العديد من الفلاسفة والمفكرين أمثال كريتوس (1583– 1645) ، وهوبز (1588– 1679) ، ولوك (1632– 1755) ، ومونتيسكيو (1686– 1755) ، وروسو (1712– 1778) ، وفولتير (1689– 1755) ، وبيكاريا (1738– 1794) ، أثرها في التمهيد لقيام ثورات سياسة كالثورة الفرنسية التي عملت على تطوير النظام الجنائي والعقابي. فكان لها الفضل في إصدار إعلان حقوق الإنسان والمواطن في عام 1789 والذي كرس مبدأ الشرعية الجنائية والمساواة أمام القانون (م 6 من الإعلان)   وإحلال العقوبات السالبة للحرية محل العقوبات البدنية ووضع القيود على سلطة القضاء في التجريم والعقاب. فكما يقول مونتسكيو في مؤلفة "عن روح القوانين" "أنه من قبيل المبدأ الأبدي أن كل إنسان يحوز سلطة يسعى إلى إساءة استخدامها إلى أن يجد حدود تحده" .

وهذه الحدود ، فيما يتعلق بالحق في العقاب ، هي ما نسميها بالمدارس العقابية. والتي حاول مفكريها وضع الأسس والحدود التي ترسم للسلطة - المتمثلة في الدولة - كيفية وأسلوب ومقدار حقها في العقاب ، كما تحدد أيضاً الأهداف والغايات التي ترمي إلى تحقيقها من وراء توقيع العقاب.

وتتنوع المدارس العقابية بدءً من القرن الثامن عشر إلى وقتنا الحالي. ويمكننا أن نميز وفق التسلسل التاريخي بين المدارس التقليدية بطابعها النظري المجرد والمدرسة الوضعية بطابعها المفرط في استقراء الواقع ، ثم المدارس التوفيقية بين المذاهب السابقة ثم المدارس المعاصرة، سواء مذهب الدفاع الاجتماعي أو الاتجاه النيوكلاسيكي المعاصر.

ولكل من هذه المذاهب سوف نخصص مبحثاً مستقلاً نكشف فيه عن السياسة الجنائية لكل مذهب في مكافحة الظاهرة الإجرامية وعن الأساس الذي الأساس الذي اعتمده كل اتجاه للحق في العقاب.
المبحث الأول
السياسة الجنائية التقليدية
  La politique criminelle classique

10- تمهيد وتقسيم :
     لا ينتظم الفكر العقابي التقليدي في اتجاه مذهبي واحد. فداخل الاتجاه التقليدي يمكننا أن نميز بين المدرسة العقابية التقليدية الأولى أو المدرسة الكلاسيكية ، التي ترى أن الردع العام هو الهدف الأساسي للعقوبة ؛ وبين المدرسة التقليدية الحديثة أو النيوكلاسيكية والتي تضيف إلى هدف الردع العام هدفاً أخر للعقوبة ألا وهو تحقيق العدالة. ولكل من المدرستين سوف نخصص مطلباً.

المطلب الأول
المدرسة الكلاسيكية  L’école classique 

11- أولاً : نشأة الاتجاه الكلاسيكي :
     ترجع نشأة هذه المدرسة إلى وقت كان يسود فيه نوع من الخلل في النظام الجنائي ككل. فالعقوبات كانت تتسم بالشدة والقسوة وعدم التناسب مع قدر الضرر والخلل الاجتماعي الذي أحدثته الجريمة ، كما أن القضاء قد أصابه التحكم والهوى والرغبة فقط في إرضاء الحاكم ، وبعيداً عن تحقيق المساواة بين المواطنين.

ويظل الفضل في الثورة على هذا الاستبداد الجنائي إلى الفيلسوف والمفكر الإيطالي سيزار بونزانا دي بيكاريا Cesar Bonesana de Beccaria (1735– 1794) وذلك من خلال مؤلفة الشهير "عن الجرائم والعقوبات (1767)"  (Die delitti e delle pene)  ، الذي يعد بحق نقطة تحول في تاريخ القانون الجنائي عامة .  وقد أعقب هذه المحاولة للثورة على النظام الجنائي القائم محاولات أخرى على يد كل من العام الإنجليزي جيرمي بنتام Jeremy Bentham (1778– 1832) والعالم الألماني أنسلم فويرباخ ِAnselme Feuerbach (1775– 1833) والعام الإيطالي فيلاميجري Filamgerie (1702– 1788) .
12- ثانياً : الدعائم الفلسفية للمدرسة الكلاسيكية :
     استمد بيكاريا الأساس الفلسفي لأرائه وللمدرسة التقليدية ككل من نظرية العقد الاجتماعي Le contrat social التي شيدها المفكر الفرنسي جان جاك روسو Rousseau في مؤلفه الذي يحمل ذات الاسم (1762). ووفقاً لهذه النظرية فإن أساس حق الدولة في العقاب يرجع إلى تنازل الأفراد عن بعض حرياتهم وحقوقهم للجماعة في سبيل المحافظة على الباقي منها. ومن ثم يكون جزاء الخروج على الجماعة بالقدر اللازم فقط لحمايتها. فهذا القدر هو ما يلزم حتماً للإقامة السلطة في الجماعة حتى تتمكن من إقرار الأمن والمحافظة على حقوق وحريات الأفراد فيها. فأفراد المجتمع -كما يرى روسو ومن وراءه بيكاريا - قد تعاقدوا على العيش في سلام وولاء لسلطة موحدة ، وبالتالي فإن الجريمة تعتبر إخلال بتنفيذ هذا العقد وتوجب توقيع العقاب.

فهذا التصور هو التبرير الأخلاقي والقانوني للجزاء الجنائي. فالأفراد تنازلوا للسلطة العامة (الدولة) عن حقهم في الدفاع عن أنفسهم وعن أموالهم ، وبالتالي فإن سلطة الدولة في العقاب ليست سوى حاصل جمع تلك الحقوق جميعاً وما زاد عن ذلك فلا يظل في حدود سلطتها. ومن ثم فإن توقيع العقاب في تلك الحالة يعتبر خرقاً للعقد الاجتماعي ونقضاًَ له. ويترتب على هذا التحليل عدة نتائج نوجزها في الأتي :

13- أ : الشرعية الجنائية أساس التجريم والعقاب :
     إذا كان للمدرسة التقليدية فضل ، فلن يكون سوى إظهار أهمية إعمال  مبدأ الشرعية الجنائية في مجال التجريم والعقاب ، بحيث لا تكون هناك جريمة ولا عقوبة إلا بمقتضى نص قانوني واضح ومحدد ، وبحيث يقطع على القضاء كل سبيل للتحكم والهوى. فالتشريع وحده هو السبيل لتقرير العقوبات مثلما هو الحال في مجال التجريم. وهذا الأمر يستلزم الاستقلال التام بين السلطتين التشريعية والقضائية , فإلى الأولى يسند أمر تقرير الجرائم والعقوبات والى الثانية يسند أمر تطبيقها. لذا فلا يجوز للقضاة إعمال القياس في التجريم أو في العقاب , كما لا يجوز لهم إعمال التفسير الموسع الذي يخرج عن حدود النص الجنائي الواضح. فليس للقاضي أن يجرم ما ليس مجرماً ولا أن يعاقب بعقوبة غير التي نص عليها المشرع.

ولقد سجل إعلان حقوق الإنسان والمواطن البدايات الأولى لهذا المبدأ في عام 1789 بإعلانه أنه "لا يجوز إطلاقاً عقاب شخص إلا بناء على قانون سابق على ارتكاب الجريمة و ليس للقانون أن ينص على عقوبات غير ضرورية". كما أقرت مدونة العقوبات الفرنسية في عام 1791 هذا المبدأ بصورة جامدة تمثلت في أخذها بمبدأ العقوبات المحددة والثابتة Peines fixes. 

14- ب : المنفعة أساس الحق في العقاب :  
     لا يجوز للسلطة العامة (الدولة) أن تسرف في الحق في العقاب ولا أن تستعمله إلا بالقدر الذي يحقق المنفعة العامة المتمثلة - كما يرى بيكاريا ، في منع الجاني من تكرار جرمه في المستقبل ومنع أقرانه من تقليده. ففائدة العقوبة لا علاقة لها بالجريمة وقد وقعت بالفعل وإنما في نفعها في منع وقوع الجريمة مستقبلاً. فكأن وظيفة العقوبة – علي حد قول بيكاريا – هي الردع والزجر وليس التمثيل والتنكيل بكائن حساس ولا هو إزالة الجريمة .  هذا الردع ينصرف إلي الجماعة ككل ، وهو ما يطلق عليه الردع العام ، وكذلك ينصرف إلي المجرم نفسه بترهيبه بالعقوبة وإنذاره ، وهو ما يسمي بالردع الخاص.

     ولما كانت المنفعة هي أساس الحق في العقاب فكان لزاماً ألا تتعسف الجماعة في تقدير العقوبة بحيث تتجاوز مقدار الضرر الناشئ عن الجريمة. فيكفي لكي تكون العقوبة عادلة أن يفوق الألم أو الأذى الذي تمثله العقوبة مقدار الفائدة أو المنفعة التي يتوقع الجاني حصولها بعد ارتكابه للجريمة. فالمجرم حينما يوازن بين ألم العقوبة ومنفعة الجريمة ويجد أن الأولي هي التي تعلو سوف يحجم عن القيام بما يضر الجماعة. وفي هذا يقول بيكاريا "كي تتوصل العقوبة إلي أغراضها ، فإن الضرر الناجم عن العقوبة ينبغي فقط أن يتجاوز المنفعة التي سيتحصل عليها من الجريمة ، وفي هذا التجاوز للضرر ، فإن بوسع المرء أن يضمن فاعلية العقوبة وأن يفسد المنفعة التي تتحقق من الجريمة ، وكل ما يتعدى ذلك فهو تزيد وغير ضروري" .

وكان لفكرة المنفعة - كأساس للحق في العقاب - صداها لدي بقية أنصار المدرسة التقليدية رغم تنوع التفسيرات عندهم لهذه الفكرة. فالفليسوف الإنجليزي جيرمي بنتام نادي بفكرة منفعة العقوبة في مؤلفة مبادئ الأخلاق والتشريع Principes de morale et de législation  ومؤلفة عن التشريع المدني والجنائيDe législation civile et pénale ومؤلفة نظرية العقوبات والمكافآت Théorie des peines et des récompenses (1818). علي أن هذا الفقيه يفهم المنفعة من منظور أن الإنسان أناني بطبعة تحركه منفعته الخاصة وأن النفس الإنسانية محكومة بقانون اللذة والألم. لذا فإن العقوبة يجب أن تنصرف إلي تحقيق أكبر قدر من الألم بما يفوق المنفعة المتوقعة من الجريمة ، وهذا وحدة هو الكفيل بمكافحة الجريمة. فمهمة العقوبة لا ينبغي أن تتعلق بتحقيق المعاني المجردة - كالعدل مثلا - وإنما بتحقيق منفعة ما ، أو كما يقول "إن ما يبرر العقاب هو منفعته أو بالأدق ضرورته" .  فالقيود التي يضعها المشرع لا تكون مبررة إلا حيث تهدف إلي تحقيق منفعة ما دون نظر للعدالة أو الأخلاق ، وليس هناك محل للعقاب إلا حيث يكون هناك منفعة. 

وذات التصور نجده عند العالم أنسلم فويرباخ الذي يرى أن الإنسان يندفع في تيار الجريمة بدافع اللذة التي يستشعرها بارتكابه لها ، لذا فإن العقوبة لن يكون لها من نفع إلا حيث تفوق هذه اللذة. فكأن هذا الفيلسوف يبرر العقوبة بفكرة "الإكراه النفسي" .

15- ج : حرية الاختيار المطلقة Libre arbitre absolu أساس المسئولية الجنائية ( المسئولية الأخلاقية )
     لما كانت وظيفة العقوبة وهدفها لدى أنصار المدرسة الكلاسيكية هى الردع بشقية العام والخاص ، وأن هذا الردع يقوم علي أساس خلقي ، يتمثل في تقويم وتهذيب إرادة المجرم ، فكان لابد من تحديد المسئولية الجنائية وحصرها في كل شخص أهل لتحملها من واقع ثبوت الإرادة وحرية الاختيار لديه ، الأمر الذي لا يتوافر لدي عديمو الإرادة ولدي من يثبت جنونه أو صغر سنة. فالمجرم لدى أنصار المدرسة التقليدية ليس إنساناً وحشياً أو مريضاً أو كافراً ، بل هو فرد خالف عن وعي وإرادة العقد الاجتماعي. فهو إنسان حر الإرادة والاختيار لكنه أساء باختياره وإرادته استعمال حريته . وحرية الاختيار تلك - أي حرية الموازنة والخيرة بين طريق الخير وطريق الشر - لدى أنصار المدرسة الكلاسيكية متساوية لدى جميع الأفراد ، مما يوجب المساواة التامة بين جميع المجرمين الذين يتمتعون بملكتي الإدراك والتميز. وقد ترتب مع هذه المساواة أن اعتمدت هذه المدرسة مبدأ العقوبة ذات الحد الواحد ، بحيث ينحصر دور القاضي في تطبيق العقوبة المقررة قانوناً. وعلى هذا النحو فلا يوجد أي صدى لمبدأ تفريد العقوبة ، أي المغايرة في المعاملة العقابية من جان إلى أخر حسب ظروف وشخصية كل مجرم على حدة. كما انتفى لدى أنصار هذه المدرسة الأخذ بفكرة المسئولية المخففة أو الأخذ بنظام العفو الخاص. فضوابط التجريم والعقاب ضوابط مادية وموضوعية مجردة.

ولقد تأثر قانون العقوبات الفرنسي الصادرة في 1791 في أعقاب الثورة الفرنسية بهذه الفكرة عن المساواة ، التي يطلق عليها البعض فكرة المساواة الحسابية والتي تتطلب خضوع المخاطبين بأحكام القاعدة الجنائية لذات التجريمات ولذات العقوبات دون النظر للأي عوامل شخصية تتعلق بالإنسان المجرم .

16- ثالثاً : تقدير السياسة العقابية الكلاسيكية :
     لا يمكن عند تقديرنا للدعائم الفلسفية للمدرسة التقليدية أن ننكر فضل تلك المدرسة على القانون الجنائي عامة. فلذلك الاتجاه الفضل في الدعوة إلى إقرار مبدأ الشرعية الجنائية في مجالي التجريم والعقاب ، وإظهار أهمية الأخذ بالمسئولية الأخلاقية القائمة على الخطأ الشخصي ، والدعوة إلى التخفيف من قسوة العقوبات ، ومنع الوسائل الوحشية في التنفيذ العقابي. ولعل أفضل ما يحسب لتلك المدرسة – على حد قول الفقيه الفرنسي ريموند سالي Raymond Saleilles - أنها دعت لإلغاء كافة السبل التي تدفع القضاة إلى التحكم والهوى .

بيد أن تلك المدرسة لم تفلت من النقد وقد تعدت أوجه القصور بشأنها والتي يمكن إيجازها في الآتي :

*- لقد نحت المدرسة الكلاسيكية نحو التجريد المطلق ، حيث أقامت أسس التجريم والعقاب على قواعد موضوعية مجردة لا تراعي شخص المجرم وعوامل انحرافه والظروف الفارقة من جان إلى أخر. ولقد ترتب على عدم مراعاة الفروق الفردية أو الجانب الشخصي في كل مجرم على حدة أن فشلت المدرسة التقليدية في تحقيق المساواة التي دعت إلى الأخذ بها. فتحقيق العدالة والمساواة يتطلب دراسة ومراعاة كافة الظروف الشخصية لكل مجرم التي تدعوه إلى الانحراف وسلوك سبيل الجريمة. فالطابع التجريدي المحض أسفر في الحقيقة عن ظلم ناشئ عن التطرف في الجزاء ، الذي وإن تناسب مع ماديات الواقعة الإجرامية إلا أنه لا يناسب ظروف المجرم الشخصية على مستوى الواقع العملي. فمعاملة المجرم العائد على قدم المساواة مع المجرم البادئ هو عين الظلم .
*- إن إصرار المدرسة الكلاسيكية على ربط الجزاء بعوامل موضوعية مجردة دفعها إلى جعل هذا الجزاء ثابتاً لا سلطان للقاضي عليه رفعاً أو خفضاًً ، وبالتالي فقد أهملت هذه المدرسة واجب تحقيق العدالة بحسبانه أحد أهداف العقوبة. فالجزاء المحدد الثابت لكل المجرمين المترفين لفعل واحد لا يمكن أن يكون رادعاً لهم جميعاً ، حيث أن اختلافهم في التكوين الخلقي والنفسي من شأنه أن يجعل هذا الجزاء ناقصاً بالنسبة لبعضهم وكافياً بالنسبة للبعض الآخر ومتجاوزاً للبعض الأخير. وهكذا تفقد العقوبة وظيفتها في الردع بالنسبة للبعض الأول وتصبح ظالمة للبعض الأخر .
*- كما أخذ على هذه المدرسة المغالاة في وظيفة الردع العام أو الخاص ، فهذه الوسيلة مهما قيل من خطورتها كوظيفة اجتماعية للتشريع العقابي لا ينبغي التعويل عليها إلا بعد استنفاذ الوسائل الأخرى للعلاج بما يكفل تهذيب وإصلاح وتأهيل المجرم بحيث لا يعاود ارتكاب الجريمة مرة أخرى. فكما يقول البعض "فارق كبير بين مجتمع يحكمه تشريع يقدر نوازع الإرادة البشرية حق قدرها ، ويتصدى لعلاج انحرافاتها في رفق وحكمه ، وبين تشريع يسلط على المجتمع - بحجة تحقيق الردع العام أو الخاص – سياطاً من الإرهاب لا تصنع فضيلة حقيقية ، بل نفوساً شرسة متحفزة للعدوان كلما أتيحت لها فرصة وهي متاحة أبداً – حتى لو افتقد العدوان أسبابه ، ومهما اشتط الشارع في عقابه" .
*- وفي النهاية فقد أخذ على هذه المدرسة أنها أخذت من فكرة العقد الاجتماعي التي قال بها روسو أساساً فلسفياً لها تقيم على أساسه فكرة الحق في العقاب ، والمعلوم أن هذه الفكرة – العقد الاجتماعي – لم يقم على وجودها دليل قاطع من الناحية التاريخية .

المطلب الثانيالمدرسة النيوكلاسيكية L’école néo-classique


17- تمهيد :
     لم تكن المدرسة النيوكلاسيكية أو التقليدية الجديدة فكرة عارضة أو مرحلة منفصلة في الفكر الجنائي الحديث ، ولكنها تمثل امتداد طبيعي لما سبقها من أفكار ومفاهيم تتعلق بفكرة الحق في العقاب. ولذلك فقد احتفظت هذه المدرسة بالكثير من المبادئ التي قامت عليها المدرسة التقليدية ، فلم يزل المجرم في نظرها إنساناً خالف عن وعي وإرادة العقد الاجتماعي الذي ارتضاه ، كما أنها أسست المسئولية الجنائية على فكرة حرية الاختيار. بيد أن تلك المدرسة قد عمدت إلى إضافة مبادئ جديدة تستهدف دراسة شخصية المجرم وإقرار التفاوت النسبي بينهم في الظروف والإرادة ومن ثم في حرية الاختيار.

ولإظهار أكثر لمبادئ تلك المدرسة يجدر بنا أن نتعرض أولاً للدعائم الفلسفية لها قبل بيان أوجه النقد التي قيلت بشأنها .

18- أولاً : الدعائم الفلسفية للمدرسة النيوكلاسيكية :
     تتحدد الدعائم الفلسفية للاتجاه النيوكلاسيكي في عنصرين ، يتصل الأول بفكرة العدالة المطلقة كأساس للحق في العقاب ويتعلق الثاني بحرية الاختيار النسبية كأساس للمسئولية الجنائية.

19- أ : العدالة المطلقة أساس الحق في العقاب :
     إذا كانت فكرة العقد الاجتماعي التي قال بها المفكر الفرنسي جان جاك روسو هي دعامة وركيزة الأساس الفلسفي للمدرسة التقليدية وكل أفكارها حول الحق في العقاب ، فإن أنصار المدرسة النيوكلاسيكية – ومنهم الفقيه جيزو Guizot في مؤلفه عن عقوبة الإعدام في الجرائم السياسية (1822) La peine de mort en matière politique , وجو فروي Jouffroy في مؤلفه عن القانون الطبيعي (1830) Traité de droit naturel ومنهم أيضاً الفقهاء روسي Rossi وأورتولان Ortolan وجارو Garraud وجارسون Garçon وشارل لوكا Charles Lucas - قد أقاموا دعائم هذه المدرسة على الأفكار المستمدة من الفلسفة المثالية الألمانية التي يمثلها الفليسوف إيمانويل كانت Kant حول "العدالة المطلقة"La justice absolue  . وهذه العدالة المطلقة هي التي تمثل أساس الحق في العقاب وليس المنفعة كما كان يقول أنصار المدرسة التقليدية .

ونقطة البدء عند كانت ، هي إقراره بمبدأ الحرية ، وهي القيمة الخلقية العليا وبغيرها يصبح القانون مدعاة للسخرية. وهذه الحرية هي حق طبيعي للفرد لا منحه ، إذ للإنسان في أعماقه قدرة في الاختيار أسمى - على حد قول البعض - من قانون السببية الذي يحكم الظواهر الطبيعية . ويصبح العقاب - كما يرى كانت - هو المقابل الحتمي لحرية الإرادة التي دفعت الجاني إلى سلوك سبيل الجريمة ، وذلك بصرف النظر عن فكرة منفعة العقوبة. فالحرية إذا ما أسيئ استخدامها حق العقاب ، وهذا هو منطق العدل أو هذه هي العدالة المطلقة.

ولتأكيد كانت على فكرة عدالة العقاب بغض النظر عن نفعيته ضرب لنا المثال الشهير الذي أسماه "الجزيرة المهجورة" L’île abandonnée ، والذي يقول فيه لو فرض ووجدت جماعة إنسانية تعيش في جزيرة ثم قررت هذه الجماعة أن تنفض وتترك هذه الجزيرة ، فإن واجب العدالة يقتضي أن تقوم الجماعة بتنفيذ أخر حكم إعدام صدر عن السلطة العليا فيها ، رغم أن هذا التنفيذ عديم الجدوى بالنسبة للجماعة لأنها على وشك الانفضاض ولا يعود عليها بأي نفع. وما التنفيذ في تلك الحالة إلا لإرضاء الشعور بالعدالة مجرداً عن أي شعور أخر باعتباره فكرة ترتبط بالنواميس الخلقية التي تشعر بها الجماعات.

وتلك الفكرة تتطابق أيضاً مع ما قال به الفيلسوف الألماني هيجل الذي يرى أن الجريمة هي نفي للقانون وأن العقوبة هي نفي لهذا النفي ، وبالتالي فالعقوبة تأكيد للقانون.

وإذا كانت فكرة العدالة المطلقة هي أساس الحق في العقاب لدى أنصار تلك المدرسة إلا أنهم حاولوا التوفيق بين تلك الفكرة وفكرة نفعية العقوبة التي قال بها أنصار المدرسة التقليدية. وكان من نتيجة هذا المنهج التوفيقي أن قال أنصار المدرسة التقليدية الجديدة "النيوكلاسيكية" أن العقوبة ينبغي ألا تجمع بين العدالة والمنفعة الاجتماعية ، فهي – أي العقوبة – تهدف إلى العدالة ولكن في حدود تحقيق المنفعة الاجتماعية. فالعدالة هي مصدر سلطة المجتمع في العقاب والمنفعة هي المعيار الذي يتحدد به نطاق استعمال هذه السلطة. وعلى هذا فلا ينبغي للعقوبة - كما يقول الفقيه الفرنسي أورتولان  - أن تكون أكثر مما هو عادل ولا أكثر مما هو نافع أو ضروريPas plus qu’il n’est juste pas plus qu’il n’est nécessaire.

20- ب: حرية الاختيار النسبية أساس المسئولية الجنائية :
     لقد تداركت المدرسة النيوكلاسيكية النقد الذي وجه إلى المدرسة السابقة في أخذها بمبدأ المسئولية الجنائية القائمة على أساس حرية الاختيار ، منظوراً إليها على أنها حرية ذات طابع مطلق ومتكافئ لدى جميع الأفراد حال خروجهم على أحكام القانون. فالحرية لدى أنصار الاتجاه الجديد حرية نسبية وغير متساوية. فأما أنها نسبية فلأن هذه الحرية هي قدرة مقاومة الدوافع والميول المختلفة ، وهذه القدرة مقيدة بما جبل عليه الإنسان من طباع وبما يعتمل داخله من عوامل وراثية وتكوين فطري وما يحيط به من ظروف خارجية تتعلق بالبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها .

وأما أن هذه الحرية غير متساوية عند الجميع ، فلأنها تتفاوت باختلاف الميول والنزعات من إنسان إلى أخر وفي الإنسان الواحد من وقت إلى أخر. وعلى هذا اعتمدت هذه المدرسة مبدأ المسئولية الجنائية المتفاوتة أو غير المتكافئة ، حيث يراعى في تقدير المسئولية إلى جانب العوامل الموضوعية المتصلة بالواقعة الإجرامية ذاتها ، بعض الظروف والعوامل الشخصية المتصلة بالمجرم ذاته. 

وعلى هذا دعت هذه المدرسة لتبني مبدأ تفاوت العقوبات بين حدين أقصى وأدنى ، كي يكون للقاضي الجنائي السلطة التقديرية بين الحدين حسب ظروف كل واقعة وحسب شخصية كل جان. كما أولت هذه المدرسة عناية بدارسة التأثيرات النفسية والبيولوجية والاجتماعية التي تؤثر في الجانب الشخصي للمسئولية الجنائية. كذلك اهتمت بالعناصر الشخصية المشددة للعقاب كعنصر سبق الإصرار والتمايز في المسئولية بين من يرتكب الجريمة والنفس هادئة وبين من يرتكبها في حالة استفزاز. ومن هنا عرف مبد المسئولية الجنائية المخففة ، كما كان لهذه المدرسة الفضل في انتشار أنظمة التخفيف العقابي التي من صورها نظام الأعذار القانونية والظروف القضائية المخففة ووقف التنفيذ. وهي حلول اعتمدتها الكثير من التشريعات منها قانون العقوبات الفرنسي في عام 1832 وقانون العقوبات الألماني في عام 1889 وكذلك قوانين العقوبات المصرية المتعاقبة بدءً من عام 1883 ومروراً بعام 1904 وانتهاء بقانون العقوبات الحالي لعام 1937 .

21- ثانياً : تقدير السياسة العقابية النيوكلاسيكية :
     لا ريب أنه يعود لهذه المدرسة الفضل في توجيه الأنظار نحو الاهتمام بالجوانب الشخصية للمسئولية وما يترتب على ذلك من وجوب تحقيق التناسب بين العقوبة ودرجة المسئولية التي تقاس بصفة أساسية على أساس مقدار حرية الاختيار المتوافر حال ارتكاب الواقعة الإجرامية ، مع مراعاة كل الجوانب الشخصية التي قد تؤثر في هذه الحرية. فالمساواة الحسابية في حرية الاختيار أمر يتنافى مع منطق هذه المدرسة ، وهو اتجاه ولا شك موفق.

 بيد أن هذه المدرسة قد اعترى النقص بعض جوانبها ، ومن قبيل ذلك :
*- أن دعوة هذه المدرسة للتخفيف من قسوة العقوبات ووضع العقوبات بين حد أدنى وحد أقصى أظهر فيما بعد مشكلات عقابية أخرى تتعلق بالعقوبات قصيرة المدة ، التي انتشرت بفعل إعمال قواعد التخفيف أو ما نسميه بالظروف المخففة للعقاب التي ظهر على يد تلك المدرسة. ومن المعلوم أن لهذا النوع من العقوبات مثالبة ، حيث أن قصر فترة العقوبة لا يتيح الفرصة  لإصلاح وتهذيب الجاني ، بل يمكن لهذه العقوبات أن تساهم في انتقال عدوى الجريمة نتيجة اختلاط المجرمين المحكوم عليهم بعقوبات قصيرة المدة بغيرهم من عتاة المجرمين داخل المؤسسة العقابية.
*- أنه إذا كانت هذه المدرسة تجعل من حرية الاختيار ودرجتها أساس المسئولية الجنائية ، فإن هذا الأمر يقتضي بدأه إيجاد مقياس أو معيار واضح على أساسه يمكن قياس مقدار الحرية المتوافر حال ارتكاب الواقعة الإجرامية ، وهي أمور من المتعذر قياسها بأسلوب علمي دقيق.
*- على الرغم من محاولة الاتجاه النيوكلاسيكي التوفيق بين فكرتي منفعة العقوبة وعدالتها بيد أنه قد أغفل تماماً الاهتمام بفكرة الردع الخاص كهدف من أهداف العقوبة ، بمعنى أنها قد أهملت جوانب الإصلاح والتهذيب المتعلقة بالجاني والتي تحول بينه وبين معاودة ارتكاب الجريمة مرة أخرى.





المبحث الثانى السياسة الجنائية الوضعية La politique criminelle positive


22- أولاً : نشأة السياسة الوضعية :
     يرجع ظهور المدرسة الوضعية الجنائية في أواخر القرن التاسع عشر على يد الثلاثي الإيطالي الشهير سيزار لومبروزو C. Lombroso (1836-1909) وأنريكو فري E. Ferri (1856-1929) ورافائيل جاروفالو R. Garofalo(1851-1934) إلى الفشل الذي لاقته المدارس التقليدية في مكافحة الظاهرة الإجرامية ، وكذلك التشريعات التي أخذت بها. فلقد كشفت الإحصائيات الجنائية عن ازدياد نسبة الإجرام في تلك الدول التي طبقت تلك السياسة الجنائية في مواجهة الانحراف الجنائي. ولعل هذا الفشل يرجع إلى تعلق السياسة الجنائية التقليدية بأفكار فلسفية (العقد الاجتماعي – العدالة المطلقة – نفعية العقوبة) مجردة حول الجريمة والعقوبة وإعطاء الاهتمام الأكبر للجريمة على حساب المجرم ، فكأنها قد عالجت أثار الفعل وأهملت مصدر الفعل ذاته. وهذه الأزمة التي واجهت المذهب التقليدي – كمذهب مجرد وميتافيزيقي – يعود إلى ظهور الدراسات التي وجهت النظر نحو منهج الملاحظة والتجربة في دراسة السلوك الإنساني وكذلك ظهور الدراسات الإحصائية المتعلقة بالظواهر الاجتماعية .

ومن بين ما ساعد على انتشار المذهب العقابي الوضعي ظهور بعض الدراسات الإيطالية على يد الفقيد الإيطالي إليرو Ellero والذي أوضح إستحالة التناسب بين الجريمة والعقوبة ، ومن ثم إستحالة تحقيق العدالة الجنائية المطلقة. فتلك العدالة لن تكون في جميع الأحوال إلا عدالة نسبية أو اتفاقية ، الأمر الذي يهدم بالتالي المسئولية الأخلاقية كأساس لتحقيق تلك العدالة. وقد تابع دراسات إليرو فقيه إيطالي أخر هو جيوفاني بوفيو G. Bovio الذي أوضح أن الجريمة ما تنشأ إلا نتيجة مساهمة العديد من العوامل الطبيعية والاجتماعية إلى جانب الإرادة الفردية الآثمة. وهو استخلاص ذو قيمة عالية يمثل أحد أسس المدرسة الوضعية. غير أن هذا الفقيه لم يستطع أن يكون من ذلك نظرية عامة ، أو يستخلص النتائج المنطقية لهذا التحليل .

غير أن عماد المدرسة الوضعية المعتمدة على منهج الملاحظة والتجريب في استخلاص وتحليل النتائج قد قام على أكتاف الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت  Aujuste Compte عندما شرع في نشر مؤلفة المكون من ستة أجزاء المعنون باسم "دروس الفلسفة الوضعية" (1803-1842).

ولقد تلقف الإيطالي سيزار لومبروزو (1836-1909) - والذي كان يعمل أستاذاً للطب الشرعي والعصبي بجامعة برافيا وطبيباً للأمراض العقلية في السجون الإيطالية - هذا المنهج التجريبي وبدأ يجري أبحاثاً تطبيقية تعتمد على منهج الملاحظة في دراسة الظاهرة الإجرامية. وقد ضمن نتائج بحوثه في مؤلفه الشهير الإنسان المجرم  L’homme criminel (L’Umo delinquento1876) وكذلك مؤلفه الأخر عن "الجريمة أسبابها وعلاجها" Le crime : ses causes et Remèdes (1901). وقد عمد لومبروزو إلى إظهار ما قد يتميز به المجرمون من صفات تشريحية وجسدية وعضوية ، كعدم انتظام حجم الجمجمة وضيق الجبهة وبروز العظام الخاصة بالوجهين وطول الفك وبلادة الإحساس ...الخ .

وقد اعتقد لومبروزو في كون المجرم يحمل علامات ارتدادية وراثية Atavisme قد تدفعه في ظل ظروف معينة إلى سلوك سبيل الجريمة. ومن هنا غلب دور الوراثة لديه كعامل من عوامل الجريمة. وقد اعتمد لومبروزو تقسيماً خماسياً للمجرمين - وهو تقسيم يساهم في إنجاح المعاملة العقابية تجاه كل طائفة – يستند إلى نوع العوامل والظروف التي تساهم في تكوين السلوك الإجرامي. وهذه الطوائف هي المجرم بالفطرة Criminel instinctif ou né وأن المجرم العاطفي Criminel passionnel والمجرم المعتاد أو بالعادة Criminel d’habitude والمجرم المجنون Criminel aliéné والمجرم بالصدفة Criminel d’occasion .

أما رفائيل جاروفالو Raffaele Garofalo (1852-1932) - القطب الثاني من أقطاب المدرسة الوضعية وأستاذ القانون الجنائي بجامعة نابولي - فقد عرف بتمييزه بين الجرائم الطبيعية التي تنافي مشاعر العدل والقيم الخلقية لكافة المجتمعات (كالقتل والسرقة وشهادة الزور ...الخ) وبين الجرائم المصطنعة التي يتوقف تجريم الفعل فيها على القيم المستمدة من النظام السياسي والاجتماعي السائد ، ومن ثم تتفاوت فيها التشريعات. وكان هذه التقسيم هو أساس مؤلفة "علم الإجرام" La Criminologie (1885). وفي ضوء هذا التقسيم اعتبر جاروفالو المجرم الحقيقي هو الذي يرتكب الجريمة الطبيعية ومن ثم لابد من أن يتميز بمعاملة عقابية خاصة. كما أعطى هذا العالم للعوامل البيولوجية أهمية خاصة واعتبر أنها هي المحرك لتفعيل دور العوامل الاجتماعية في الدفع للارتكاب الجريمة .

ثم تابع عالم الاجتماع والنائب بالبرلمان الإيطالي أنريكو فيري (1856-1928) هذه الدراسات ، ولكنه نحي في دراسة الجريمة إلى استظهار بعض العوامل الاجتماعية لما ظهر من قصور في تفسير الظاهرة على أساس العوامل الداخلية للمجرم وحدها .
ويرى فيري أن هناك مجموعة من العومل تتفاعل بينهما لتكوين الحدث الإجرامي وتتلخص في عوامل أنثروبولوجية Facteurs anthropologiques وعوامل طبيعية وجغرافية Facteurs physiques et consomo-telluriques وأخيراً عوامل اجتماعية Facteurs sociaux ، وأنه يتفاوت لدى كل جان أياً كان نوعه وفي كل جريمة أياً كان نوعها مدى قوة العامل سواء أكان ينتمي إلى الدوافع البيولوجية أم الطبيعية أم الاجتماعية أم إلى دوافع خاصة به.

ومن خلال هذه النظرية الخاصة للجريمة وضع فيري ما يسمى "بقانون  الإشباع  والتشبع الإجرامي     Saturation et de la satisfaction criminelle والذي مؤداه أنه إذا تكاتفت عوامل طبيعية مع ظروف اجتماعية معينة ، فينتج حتماً عدداً معيناً من الجرائم لا يزيد ولا ينقص . وقد ضمن فيري هذه الأفكار مؤلفه عن "علم الاجتماع الجنائي" La sociologie criminelle الذي ظهر بالإيطالية في عام 1884.

23- ثانيا : الدعائم الفلسفية للسياسة الوضعية :
     تتلخص الدعائم الفلسفية للسياسة الوضعية في المجال الجنائي في ثلاث دعائم ، أولها تتصل بمنهج هذه المدرسة في البحث ، والثانية ترتبط بطبيعة المسئولية الجنائية ،  أما الأخيرة فتعود إلى سبل مكافحة الجريمة.

24- أ : اعتماد التجريبية منهجا للبحث :
     مما لاشك فيه أن السمة الأساسية للسياسة الجنائية الوضعية هى منهجها في البحث. فعند أنصار تلك المدرسة أن الجريمة ظاهرة لا يمكن مواجهتها إلا بالأسلوب الواقعي والمنهج التجريبي القائم على الملاحظة واستخلاص النتائج ، أي باستخدام المعطيات التي تتوصل إليها علوم الاجتماع والنفس والطب ، وليس باللجوء إلى الافتراضات النظرية غير المدروسة. وفى هذا يقول أنريكو فيري "إذا كنا نطلق على مدرستنا وصف الوضعية ، فما ذلك إلا لأننا نتبع نظاماً فلسفياً معيناً ، والذي هو نظام أوجست كونت ، القائم على أسلوب الملاحظة والتجريب. فلم يعد فيها بالتالي محل للنظر إلى الجاني كدمية حية يخضع لتطبيق صيغ نظرية نشأت من تخيلات نظرية ، وعلى ظهر هذه الدمية يتعين على القاضي أن يلصق رقم مادة من التشريع العقابي ، ثم تصبح هذه الدمية الحية نفسها رقما عند تنفيذ العقوبة" .

25- ب : اعتماد المسئولية القانونية بديلاً عن المسئولية الأخلاقية :
     إن أهم ما تؤمن به الفلسفة الوضعية هو أن الجريمة هى نتاج مجموعتين من العوامل ، الأولى داخلية تتصل بالتكوين العضوي والنفسي للمجرم ، والأخرى خارجية تتعلق بظروف المجرم الاجتماعية والبيئية. والمجموعتين في مجملهما عوامل حتمية ، لا يملك الإنسان حيالها أدنى قدر من الحرية. فالإنسان المجرم ليس حراً في تصرفاته ، بل هو مسير شأنه شأن بقية أفراد المجتمع. فتلك المدرسة تستبعد مبدأ حرية الاختيار وتعتنق مبدأ الجبرية أو الحتمية.
ويترتب على ذلك أنه إذا ما كان الجاني منقاداً حتما للجريمة بتأثير عوامل وقوى داخلية وخارجية حتمية لا دخل لإرادته فيها ، فمن العبث القول بوجود المسئولية الأخلاقية المستندة إلى مبدأ حرية الاختيار والإرادة تجاه هذا المجرم. فلدى أنصار هذه المدرسة أصبحت المسئولية مسئولية قانونية أو اجتماعية ، يكون بموجبها الإنسان مسئولاً باعتباره عضو في المجتمع ، سواء توافر لديه الإدراك أو التميز أم لحقه عارض من عوارض الأهلية العقلية. أي سواء كان عاقلاً أم مجنوناً ، مميز أم غير مميز ، ويجب عندئذ أن يخضع إلى التدابير التي تحد من خطورته الإجرامية.

هذه المسئولية الاجتماعية أو القانونية كبديل عن المسئولة الأخلاقية تستند إذاً إلى فكرة الخطورة الإجرامية ولا تستند إلى درجة الخطأ. ففي كل حالة إجرامية يتعين إجراء فحص لتقدير مدى الخطورة الكامنة في الشخص لتقدير التدبير الاجتماعي الملائم والمعاملة (طبية – نفسية – تربوية) الملائمة للمجرم ، على أساس خطورته وليس على أساس الواقعة الإجرامية ودرجة جسامتها. فرد الفعل القضائي أو التدبير يقدر على أساس شخصية المجرم وما تفصح عنه خطورته على مصالح الغير المشروعة. فإذا كانت الاتجاهات التقليدية تقرر مبدأ "لا عقوبة إلا بنص" فإن الفكر الوضعي على المستوى الجنائي يأخذ بمبدأ "لا تدبير بدون خطورة".

26- ج : اعتماد التدابير كأسلوب لرد الفعل تجاه الجريمة :
     لما كانت الخطورة الإجرامية - وليس الخطأ ولا جسامة الواقعة الإجرامية - هي أساس المسئولية عند الاتجاه الوضعي ، لذا وجب اعتماد أسلوب التدابير كوسيلة للدفاع الاجتماعي تجاه الجريمة. وكان لزاماً على هذا النحو الاهتمام بتصنيف المجرمين حسب الفروق النفسية والاجتماعية والعضوية ، وحسب تغلب العوامل الداخلية أو الخارجية في الدفع للجريمة ، كل هذا بهدف تسهيل مهمة القاضي في تطبيق التدبير الملائم وتحديد أنسب طرق المعاملة العقابية.

ولا يتوقف تطبيق التدابير بأنواعها على حدوث الجريمة بالفعل ، فهذه التدابير ابتدعت لمواجهة الخطورة الإجرامية للشخص التي قد تظهر في مرحلة سابقة على وقوع الحدث الإجرامي. وهى على هذا النحو يتعذر تحديد طبيعتها ومدتها مقدماً ، بل تترك لتقدير كل حالة على حدة وبعد متابعة هذه الحالة الفترة الكافية لتقدير ما إذا كانت الخطورة الكامنة قد زالت أم لا .

وتعتمد السياسة الجنائية الوضعية على نوعين من التدابير لمواجهة الخطورة الإجرامية : هما التدابير الوقائية وتدابير الدفاع أو الأمن :

27- التدابير الوقائية أو البدائل العقابية  Les substituts pénaux
     يقصد بهذا النوع من التدابير أو البدائل العقابية كما يسميها أنريكو فيري مجابهه كل الظروف الاجتماعية التي قد تدفع إلى سلوك سبيل الجريمة. ومثال ذلك مكافحة السكر والإدمان والبطالة عن طريق التوعية والتعليم والاهتمام برعاية الطفولة والنشئ وفتح فرص جديدة للعمل …الخ. فكما يقول فيري "إن الطريق المظلم ليلا يكون مسرحا للعديد من الجرائم ولكي نواجه ذلك فيكفي أن يضاء الطريق ليلاً ، فذلك أجدى في الدفاع ومكافحة الجريمة من أن تخصص الدولة عدداً من رجال الشرطة لمراقبة هذا الطريق". فاجتثاث الجريمة من جذورها بالقضاء على أسبابها أفضل من مكافحة أثارها.

وتلك التدابير عادة ما تستخدم قبل وقوع الفعل الإجرامي ، وخاصة لمواجهة حالات الخطورة الفردية والتي قد تفصح عن ميل نحو الجريمة ، ومثال ذلك التدابير التي تطبق في حالات التشرد والاشتباه لمنع حدوث الجريمة في المستقبل .

28- تدابير الدفاع أو الأمن :
     وهى التدابير اللاحقة على الحدث الإجرامي ، وهى تهدف إلى وضع المجرم في ظروف لا يستطيع معها الإضرار بالمجتمع المحيط به. لذا فهى تتنوع من مجرم إلى أخر مما يقتضي دراسة المجرم دراسة شاملة من الناحية الجسدية والنفسية والاجتماعية. فعند بعض المجرمين قد لا تفلح إلا التدابير الإستئصالية كالإعدام أو العزل مدى الحياة ، وعند البعض الأخر قد تفلح التدابير العلاجية كالإيداع في مصحة نفسية أو عقلية ، أو قد تفلح التدابير الاجتماعية كحظر الإقامة في مكان معين أو المنع من مزاولة مهنة معينة .

29- ثالثا : تقدير السياسة الجنائية الوضعية :
     لا يمكننا أن ننكر أن السياسة الجنائية الوضعية كانت ثورة في الفكر الجنائي عامة ، فقد كان لها التأثير الكبير بما ابتدعته من أفكار. فللمدرسة الوضعية الفضل في التأسيس لعلمين من العلوم الجنائية المساعدة ، هما علم الإجرام Criminologie وعلم العقاب Pénologie ، وتوجيه الاهتمام إلى شخص المجرم كعصب عملية المكافحة بعد أن كان التوجه كله ينصب على الواقعة الإجرامية ذاتها. كما يعود الفضل لهذه المدرسة في إظهار فكرة الخطورة الإجرامية وجعلها مناط المسئولية والعقاب ، واعتماد أسلوب التدابير الوقائية وتدابير الدفاع الاجتماعي كوسيلة للحد من الخطورة الإجرامية.

وكان لفكر هذه المدرسة أثره في الدعوة للأخذ بنظم جنائية جديدة ، مثل العفو ووقف التنفيذ والإفراج الشرطي والإبعاد وتأجيل النطق بالعقوبة  والوضع تحت الاختبار. تلك النظم التي تبنتها الكثير من التشريعات ، منها قانون العقوبات الإيطالي لعام 1930 والبولندي لسنة 1932 والسويسري في عام 1937. كما تأثر بها المشرع المصري في عام 1908 بإصداره قانون الأحداث المشردين. كما أخذ بها المشرع المصري في قانون العقوبات الحالي لعام 1937 عندما أخذ ببعض التدابير الوقائية (كالمصادرة – وغلق المنشأة …الخ). كما اعتمد أسلوب التدابير مشروع قانون العقوبات لعام 1967 عندما ميز بين التدابير الجنائية التي تطبق على المجرم بعد ثبوت ارتكابه لفعل إجرامي وبين تدابير الدفاع الاجتماعي التي تهدف لمواجهة حالات الخطورة الإجرامية المجردة قبل وقوع الفعل الإجرامي (كالتشرد والاشتباه).

إلا أن هذه الثورة الفكرية لم تسلم من النقد ، على أننا يجب أن نؤكد أن هذا النقد كان موجها بصفة أساسية لفكرة المسئولية الاجتماعية عند أنصار هذه المدرسة وقيامها على أساس الجبر (مبدأ الجبرية أو الحتمية) ، أما سياستها العقابية فقد ظلت - إلى حد بعيد - بمنأى عن النقد الجاد.

 ومن بين ما قيل في انتقاد هذه المدرسة :
*- إقرارها لإمكان خضوع الشخص لبعض التدابير الوقائية قبل وقوع الجريمة يمكن أن يعد اعتداء صارخ على الحرية الفردية ، وتعدي على مبدأ الشرعية الجنائية ، الذي يوجب توجيه الإنذار بالأفعال المحظورة قبل توقيع العقاب بالفعل .
*- القول بمبدأ الحتمية والجبرية للسلوك الإنساني - ومنه السلوك الإجرامي - أمر لم يقم عليه دليل علمي ، بل هو محض افتراض مجرد. ومن المعلوم أن تلك المدرسة لا تعتمد على أسلوب الافتراضات المجردة بل تعتمد على أسلوب التجريب العلمي والملاحظة ، فمن أين لها بهذا الافتراض ؟
*- حتى لو سلمنا بالقدرية المطلقة أو مبدأ الجبرية فإن ذلك سوف يتعارض مع البنيان الجنائي الذي يقوم عليه أي مجتمع معاصر ، أو ما يسميه البعض التعارض مع مبدأ "القانونية الجنائية" . فالحالة الخطرة ، أو الخطورة الإجرامية التي تقول بها هذه المدرسة ، لا يمكن الكشف عنها إلا عن طريق الجريمة ذاتها ، فإذا أبعدنا تلك الجريمة "كفكرة قانونية جنائية مستقرة" فكيف يمكن الكشف عن الحالة الخطرة للشخص ؟ وحتى لو قلنا أن الكشف عن تلك الحالة يمكن التوصل إليه قبل وقوع الجريمة من خلال الظروف التي يعيش فيها الشخص مثلا ، والتي قد تنبئ عن إمكانية ارتكابه لجريمة في المستقبل ، فإنه من العبث أن يخضع الشخص لأي تدبير على أساس هذا المظهر المادي الذي يعايشه دون مراعاة للجوانب النفسية لديه من حيث القصد أو الإهمال. وهى أمور لا تبنى إلا على حرية الاختيار التي تنفيها المدرسة الوضعية.

ولا يسعنا إلا أن نردد مع البعض قوله بأنه "لو قدر لأي تشريع وضعي أن يقيم عمد المسئولية على أساس من التسليم بصحة القضاء والقدر وانتفاء الاختيار على وجه مطلق ، لما كان في ذلك أية خطوة للإمام ، بل خطوت عديدة إلى الوراء ، وإلى أنظمة غامضة بعيدة عن أن ترضي احتياجات الجماعات المتحضرة" . فحرية الاختيار يجب أن تظل هى أساس المسئولية الجنائية وهو ما لا ترضي به تلك المدرسة.

وما يؤكد أن حرية الاختيار يتعين أن تظل ركيزة إنسانية أساسية ، وعليها يجب أن تقوم دعائم المسئولية الجنائية ، أن كافة التشريعات والمشروعات الوضعية التي حاولت إحلال المسئولية القانونية والاجتماعية محل المسئولية الأخلاقية لم يكتب لها النجاح. ومن ذلك مشروع فيرى Ferri في سنة 1921 والذي أخذ بالمسئولية القانونية حينما نص على أن "الفاعلين والشركاء مسئولين قانوناً عن الجريمة إلا إذا كان هناك سبب يبيح الفعل". إلا أنه اعترف بالمساهمة المعنوية في الجريمة وبالإكراه وبأن التدابير الاحترازية ذات الطابع العقابي لا تتخذ حيال المجانين وضعاف العقول الذين لا يستطيعون السيطرة على تصرفاتهم. مما يعنى الاعتراف بفكرة حرية الاختيار والإرادة رغم الرغبة في إنكارها.

ومن ذلك أيضا قانون العقوبات السوفيتي الصادر في أول يناير عام 1937 الذي أقر مبدأ المسئولية القانونية ثم وقع في التناقض في المادة 11 منه  عندما نص على أن الأشخاص المسئولين هم الذين يتصرفون بادراك ويقدرون نتائج تصرفهم ويرغبون في هذه النتائج. وهو ما يعنى الاعتراف بمبدأ حرية الاختيار والمسئولية الأدبية .

*- كما عيب على هذه المدرسة تجاهلها للاعتبارات الردع العام والعدالة من نطاق أغراض الجزاء الجنائي.
*- وأخيراً فإنه لم يقم دليل علمي على ما اعتمدته هذه المدرسة في مجال تصنيف المجرمين على أسس عضوية ونفسية ، فهناك ممن تتوافر فيهم تلك الصفات ولم يقترفوا جرما قط ، في حين أنه وقعت أشبع الجرائم ممن لا تتوافر فيهم تلك الصفات. فهذا التضييف لا يصلح اعتماده في تحديد المعاملة العقابية.

المبحث الثالثسياسات الوسط التوفيقية الجنائية Les politiques criminelles conciliatrices 


30- تمهيد :
     كان من الطبيعي أن يُحدِث التصادم بين أفكار المدرسة التقليدية والمدرسة الوضعية نوع من عدم الاستقرار في الفكر الجنائي ، الأمر الذي أدى إلى ظهور مذاهب أو مدارس - أطلق عليها مذاهب الوسط أو المذاهب التوفيقية – حاولت أن تحدث التوائم أو التعادل بين المذاهب جميعها قديمها وحديثها. فلقد عيب على المدرسة التقليدية أو الاتجاه الكلاسيكي أن أسرف في الاعتداد بالجريمة باعتبارها كيانا قانونيا مجرداً يكفى التثبت من أركانه من أجل استحقاق العقاب ، دون الأخذ في الاعتبار ظروف المجرم الشخصية. فكانت النظرة لهذا الأخير على أنه كائن مجرد لا دور له في تقدير الجزاء. كما عيب على المدرسة الوضعية تطرفها في الاهتمام بشخصية المجرم وخطورته ، دون الأخذ في الاعتبار حقيقة الواقعة الإجرامية من كونها مزيج من جوانب مادية أو موضوعية وجوانب أخرى شخصية ، الأمر الذي دعاها إلى إنكار حرية الاختيار ومبدأ المسئولية القائمة على الخطأ الجنائي وتجاهل أفكار المنع العام والعدالة.
وفى ضوء ذلك حاولت التيارات الفكرية اللاحقة على المدرسة الوضعية الاهتمام بالجريمة من حيث جسامتها وشخصية المجرم وحالته الخطرة ، كنوع من الوسطية أو التوفيقية في الفكر الجنائي. ويمثل هذا الاتجاه تيارات ثلاثة نبرزها في النقاط التالية.

31- أولا : المدرسة الوضعية الانتقادية L’école critique
     تسمى المدرسة الوضعية الانتقادية أحياناً بالمدرسة الثالثة La troisième école  "Terza scuola" لمجيئها بعد المدرسة الكلاسيكية والمدرسة الوضعية. ولقد تزعم هذه المدرسة عديد من الفقهاء الإيطاليين أمثال برناردينو أليمينا B. Alimena وإيمانويل كارنفالي E. Carnovale وجامباتيستا أمبالومينى G. Impollomeni.

وأول ما يميز المدرسة الوضعية الانتقادية أو المدرسة الثالثة أنها تنازلت عن البحث في مشكلة التسيير والتخيير واعتبرتها مشكلة هامشية مما أسقط أول محكات التطرف والتناقض بين الفكر التقليدي والفكر الوضعي. فآلمينا مثلا - الذي تعود إليه تسميه هذا الاتجاه بالوضعية الانتقادية عندما نشر مؤلفة المعنون بذات الاسم في عام (1892)  - يرى أنه ما دامت الجريمة ظاهرة اجتماعية فإن العقاب ينبغي أن تكون له وظيفة اجتماعية هو الأخر. تلك الوظيفة هى الدفاع عن المجتمع لا إيلام المجرم بصرف النظر عن كونه قد اختار الجريمة حراً أو مجبراً. فالمجتمع في دفاعه عن نفسه لا تعنيه حرية المجرم وجبريته ، لأن تلك مشكلة فلسفية لا تنال من حقه في الدفاع عن نفسه ضد المخيرين والمسيرين سواء بسواء .

كما يميز هذا الاتجاه التوفيقي القول بإمكانية الجمع بين العقوبة والتدابير. فكارنفالي - الذي تعود إليه تسمية الاتجاه بالمدرسة الثالثة La Terza scuola - يؤكد على ضرورة الإبقاء على كل من العقوبة والتدابير ليتم النطق بإحداها حسب كل حالة على حده وفق ظروف وأسس محددة. ويتأتى ذلك من الجمع بين كل من الخطأ والخطورة كأسس للمسئولية الجنائية. فالخطأ الذي لا يتوافر إلا لدى من تتوافر فيهم الأهلية الجنائية لا يردعه إلا العقوبة  بينما لا توجه التدابير إلا للمجرمين عديمي أو ناقصي الأهلية. فكما يؤكد هذا الفقيه ، فإن المفهوم العقابي لابد وأن يتسع ليشمل كافة الوسائل الصالحة للدفاع ضد الجريمة.

هذا الجمع بين كلا من العقوبة والتدابير يؤكد أن المسئولية الجنائية لدى أنصار مذاهب الوسط إنما هى مسئولية أخلاقية قانونية معاً ، أساسها الخطأ والخطورة جنباً إلى جنب. 
وأخيراً يميز هذا الاتجاه أن الجزاء الجنائي يستهدف أن يحقق كلا من الردع العام والردع الخاص. فالجزاء أو حق العقاب - كما يقول كرنفالي - هو تعبير عن ضرورة سياسية وليس انتقاماً أو ثأراً من المجرم ، وهو وسيلة لوقاية المجتمع من ارتكاب جرائم مستقبلية سواء من قبل ذات المجرم أو من قبل غيره من الأفراد. فعلى المجتمع أن يوفر بالجزاء الأثر النفسي الكفيل بقمع النفوس وردعها ، سواء لدى المجرم ذاته أو لدى بقية أقرانه .
32- ثانيا : الاتحاد الدولي لقانون العقوبات L’Union International de Droit Pénal
     تكفل الاتحاد الدولي لقانون العقوبات - الذي أنشئ في عام 1881 على يد كل من الأساتذة فان هامل Van Hamel الأستاذ بجامعة أمستردام وأدولف برانز Adolf Prins الأستاذ بجامعة بروكسل وفون ليست Von Liszt الأستاذ بجامعة برلين - بمحاولة التوفيق بين كلا من السياستين الجنائية التقليدية والوضعية ، وذلك من خلال سلسلة من المؤتمرات بدأت في عام 1889.

ويمكننا أن نحدد أهم ما يميز هذا الاتجاه التوفيقى في النقاط التالية :
*- اعتمد أنصار هذا الاتجاه سياسة جنائية تبتعد عن الافتراضات الفلسفية ، كما هو الحال عند أنصار المدرسة الوضعية ، ومن ثم فقد اتبعوا منهجاً تجريبياً يهتم أول ما يهتم بشخص المجرم لإصلاحه ومنعه من العودة لمقارفة الجريمة مرة أخرى. وعلى هذا فكان طبيعياً أن يكون للتفريد العقابي أهميته لدى هذا الاتجاه ، بحيث يكون لكل مجرم نوع متميز من المعاملة العقابية. في ضوء ذلك قام أعضاء الاتحاد بوضع نوع من التصنيف بين المجرمين ، يميز بين المجرمين بالتكوين أو بالفطرة ،  والذي تدفعه عوامل بيولوجية ونفسية إلى سلوك سبيل الجريمة ، وبين المجرمين بالصدفة الذين تدفعهم للجريمة مجموعة عوامل خارجية تتصل بالظروف الاجتماعية والبيئية.
*- تمثل العقوبة الجنائية الجزاء الأول للجريمة لدى أنصار هذا الاتجاه ، والتي تستهدف المنع العام والمنع الخاص إلى جانب تحقيق العدالة وإصلاح المجرم والحد من خطورته في المستقبل ، الأمر الذي قد لا يتحقق إلا باستئصاله كلياً من المجتمع.
*- تعتبر التدابير بأنواعها المختلفة جزاء احتياطي عند هذا الاتجاه ، لا يلجأ إليه إلا عند عجز العقوبة عن تحقيق أغراضها. وفى حالة اللجوء إلى هذه التدابير ، يدعو الاتحاد إلى احاطتها من قبل المشرع بذات الضمانات التي تحيط بالعقوبة ، كالشرعية والشخصية والقضائية ، على نحو ما سنحدده فيما بعد.
*- يمكن للخطورة الإجرامية أن تكون أساسا لتوقيع الجزاء الجنائي ، حتى قبل وقوع الجريمة بالفعل ، وذلك من خلال توقيع بعض التدابير المانعة أو تدابير الأمن على بعض الأشخاص الذين تكشف حالتهم الشخصية وظروفهم الاجتماعية عن ميل نحو الجريمة ، ولو لم يكونوا قد أجرموا بالفعل ، وهو الحال في شأن حالات الإدمان والسكر وتعاطى المخدرات والتشرد .

بيد أن هذا الاتحاد قد توقف نشاطه على أثر نشوب الحرب العالمية الأولى ولوفاة مؤسسيه. وقد استمر الحال هكذا إلى حين تأسيس الجمعية الدولية لقانون العقوبات  L’Association Internationale de Droit Pénal في باريس عام 1924 والتي أحيت مبادئ الاتحاد الدولي لقانون العقوبات. وتعقد الجمعية الدولية مؤتمرات دورية كل خمس سنوات في بلد من البلدان ، وعادة ما تمهد الجمعية الدولية لمؤتمرها الدوري بالعديد من الحلقات النقاشية التمهيدية Colloques préparatoires تتناول كل حلقة منها وجه من أوجه المشكلة التي سوف يتناولها المؤتمر العام ، فتنصب حلقة على المشكلة من وجه نظر القسم العام وثانية عن القسم الخاص ، وثالثة عن جوانبها الإجرائية ، وتخصص الأخيرة للجوانب الجنائية الدولية . وتنشر الجمعية أعمالها وتوصياتها في المجلة الدولية لقانون العقوبات Revue Internationale de Droit Pénal ، فضلاً عن مجلة الدراسات الجنائية الحديثة Nouvelles études pénales.

ورغم ما بذله الاتحاد الدولي لقانون العقوبات وما تبذله الجمعية الدولية للقانون الجنائي من جهود في محاولة للتوفيق بين المذاهب الجنائية والحد من تطرفها ، وتأكيدها على ضرورة الجمع بين العقوبة والتدابير والاهتمام بتفريد المعاملة العقابية ، إلا أن سياستها عموماً عيب عليها أنها لا ترتبط برباط واحد يجعل منها مدرسة أو نظرية فقهية متكاملة. فأفكارها لا تعدو إلا أن تكون مجموعة من الحلول العملية لعدد من كبار الفقهاء .

33- ثالثا : الحركة العلمية الفنية Le mouvement scientifique technique
     إلى هذا الاتجاه دعا الفقيه الإيطالي فلوريان جرسبينى Florian Grispigni والذي استهدف منه تصحيح النتائج المتطرفة للمدرسة الوضعية. وتتلخص نتائج هذا الاتجاه في الآتي :-
*- أن هدف الجزاء الجنائي – سواء آكان عقوبة أم تدبير ، هو تحقيق الردع الخاص الذي ينصرف إلى شخص المجرم وحده بحيث ينصرف عن المعاودة لسبيل الجريمة مرة أخرى. وعلى هذا فإن هدف الردع العام يمثل هدف احتياطي ، بمعنى أنه إذا تحقق كأثر للردع الخاص فأهلاً ومرحباً ، أما إذا لم يتحقق فإنه يجب التنازل عنه واستبعاد العقوبة والأخذ فقط بالتدبير الذي يكفل الزجر الخاص وحده.
*- أن التدابير التي يعنى بها هذا الاتجاه ويقرر الأخذ بها في حالة عجز العقوبة عن أداء وظيفتها هى فقط تدابير الدفاع أو الأمن ، أي التدابير اللاحقة على ارتكاب الجريمة. وعلى هذا فالاتجاه العلمي لا يقر التدابير الوقائية أو السابقة على ارتكاب الجريمة ، لأن الجزاء الجنائي لا ينبغي توقيعه إلا على أثر فعل إجرامي معين ومحدد سلفاً في التشريع كي لا تكون حريات الأفراد وحقوقهم عرضه للمساس بها ، خاصة في ظل الأنظمة السياسية ذات الطابع الديكتاتوري.
*- أن أساس توقيع الجزاء الجنائي- عقوبة أم تدبير- هو دائماً المسئولية الأدبية أو الأخلاقية. وعلى هذا طرحت الحركة العلمية فكرتا التسيير والتخيير فيما يتعلق بالسلوك الإنساني جانباً باعتبارها مشكلة فلسفية بحتة. على أن هذا الاتجاه يعود ويؤكد على أنه يمكن الاحتفاظ بالمسئولية الاجتماعية أو القانونية التي قالت بها المدرسة الوضعية في الحالات التي تعجز المسئولية الأدبية عن تغطيتها ، كما هو الشأن في حالات العود للجريمة وفى حالات المجرمين الشواذ… الخ ، وذلك حتى تكون مواجهة الظاهرة الإجرامية أعم وأشمل .

المبحث الرابع
السياسة الجنائية المعاصرة
 La politique criminelle contemporaine

34- تمهيد وتقسيم :
     ينصرف مصطلح السياسة الجنائية المعاصرة عندنا إلى حركة الدفاع الاجتماعي التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية ولا زالت مستمرة إلى الآن ؛ وكذلك إلى الاتجاه التوفيقي – أو ما يسمى بالنيوكلاسيكية المعاصرة – والذي يهدف إلى التوفيق بين أفكار مدرسة الدفاع الاجتماعي والسياسة الجنائية التقليدية. وعلى هذا فسوف نقسم هذا المبحث إلى مطلبين نخصص الأول للسياسة العقابية في فكر الدفاع الاجتماعي ، بينما نخصص الثاني لبحث الاتجاه التوفيقي المعاصر.

المطلب الأول
السياسة العقابية في فكر الدفاع الاجتماعي
La politique pénitentiaire de la défense sociale 

35- تمهيد وتقسيم :
     لاشك أن تعبير الدفاع الاجتماعي La défense sociale تعبير موغل في القدم وتمتد جذوره إلى كافة النظريات التي قيلت في السياسة العقابية على مر العصور القديم منها والحديث ، غاية الأمر انه كان يأخذ في كل مرحلة مفهوماً مختلفاً. 

فنراه في المذاهب القديمة التي تسند إلى الدولة ونظام العقاب وظيفة نفعية هدفها الدفاع عن المجتمع ضد عوامل الاضطراب فيها  وعلى الأخص الجريمة. كما نراه أيضا في كتابات الفلاسفة القدماء في العصر الإغريقي أمثال أرسطو وفى العصر الوسيط والحديث لدى ومونتيسكيو وفولتير وبنتام وهوبز وفويرباخ ورومانيوزى. فيقول هذا الأخير تعبيراً عن فكرة الدفاع الاجتماعي "إن غاية القانون الجنائي والعقوبة ليس هو تعذيب أو إيلام كائن حي ، أو إشباع رغبة في الانتقام ، أو التكفير عن جريمة ، أو اعتبارها كأن لم تكن ، ولكن هو إرهاب كل آثم حتى لا يضر مستقبلا بالمجتمع" .
وكان لهذه الفكرة صدى أيضاً لدى الفكر التقليدي – بزعامة بيكاريا – الذي رأى أن هدف العقوبة هو الردع العام على أساس حق المجتمع في الدفاع عن نفسه. كذلك فإن للدفاع الاجتماعي حظ كبير لدى أنصار المدرسة الوضعية ، ولكن بمفهوم جديد مؤداه أن الهدف من النظام الجنائي عامة هو الدفاع عن المجتمع ضد المجرم لا ضد الجريمة ، وهو ما يوجب التضحية بالمجرم في سبيل حماية المجتمع. ولهذا سلمت هذه المدرسة في سبيل الدفاع عن المجتمع بإمكانية توقيع الجزاء الجنائي على أساس الخطورة الإجرامية للشخص لا الفعل الإجرامي أو الواقعة المؤثمة ، مما يوسع من دائرة الجزاء ليشمل كافة المجرمين أيا كان حظهم من الإدراك وحرية الاختيار.

إلا أنه ومنذ بدايات القرن العشرين بدأ الدفاع الاجتماعي يأخذ بعداً جديداً مؤداه أن هدف النظام الجنائي كله لا يجب أن ينصرف للدفاع عن المجتمع ضد المجرم ليقي المجتمع شره وخطره وإنما الهدف هو التوجه للمجرم ذاته من أجل معاونته على استعادة تكيفه مع المجتمع. فالدفاع الاجتماعي في صورته المعاصرة هو حركة نظرية وعملية تهدف إلى توجيه القواعد والتنظيمات الجنائية نحو العمل على استعادة المجرم من خارج المجتمع ليعاود الاندماج فيه مرة ثانية .

ولهذه الحركة المعاصرة للدفاع الاجتماعي اتجاهان أحدهما متطرف ، يتزعمه الفقيه الإيطالي فيليبو جراماتيكا Filippo Grammatica ، وهو الدفاع الاجتماعي التقليدي ، والأخر معتدل بزعامة مارك أنسل Marc Ancel القاضي والمستشار بمحكمة النقض الفرنسية ، المؤسس للدفاع الاجتماعي الجديد. وسوف نفرد لكل اتجاه بعض من الصفحات التالية.

36- أولا : الدفاع الاجتماعي التقليدي (مفهوم جراماتيكا) :
37- تمهيد وتقسيم :
     ينسب الدفاع الاجتماعي المعاصر إلى الأستاذ الإيطالي فيليبو جراماتيكا الذي كان يعمل أستاذاً للعلوم الجنائية بجامعة جنوا ، وأسس بها مركزاً لدراسات الدفاع الاجتماعي في عام 1945 تولى عقد العديد من المؤتمرات العلمية الدولية حول الدفاع الاجتماعي كان أولها في سان ريمو San Remo في عام 1947 وكان ثانيها في لييج Liège في عام 1949 ، والذي خلاله تم إنشاء الجمعية الدولية للدفاع الاجتماعي L’Association Internationale de la Défense Sociale برئاسة جراماتيكا نفسه. ثم تولت الجمعية نفسها عقد العديد من المؤتمرات للدفاع الاجتماعي ، كان من بينها مؤتمر أنفرس Anvers في عام 1954 ومؤتمر ميلانو Milano في عام 1956 وكان أخرها المؤتمر الدولي السابع للدفاع الاجتماعي في عام 1966 في مدينة ليتشي Licci بإيطاليا.

وقد انتقلت عدوى الدعوة للدفاع الاجتماعي إلى الأمم المتحدة في عام 1948 فأنشأت قسماً للدفاع الاجتماعي يتبع المجلس الاقتصادي والاجتماعي بهدف توجيه النشاط في مجال الوقاية عن الجريمة ومعاملة المجرمين ، مع الاهتمام بصفة خاصة بانحراف الأحداث. ومن الصعيد الدولي إلى الصعيد الإقليمي داخل الوطن العربي تسربت أفكار الدفاع الاجتماعي فأنشئت المنظمة الدولية العربية للدفاع الاجتماعي بمقتضى الاتفاقية التي أقرها مجلس جامعة الدول العربية في عام 1960.

هذا الانتشار يوجب علينا أن نبين الدعائم الفلسفية للدفاع الاجتماعي التقليدي قبل أن نستعرض تقديرنا لهذا الاتجاه.

38- أ : الدعائم الفلسفية للدفاع الاجتماعي التقليدي :
     بين جراماتيكا دعائم الدفاع الاجتماعي في مؤلفه "مبادئ القانون الجنائي المقترح" Principi di diritto penale soggettivo في عام 1934 ثم في مؤلفه مبادئ الدفاع الاجتماعي Principi di difesa sociale في عام 1961 .

وتتلخص أهم أفكاره في الدفاع الاجتماعي في النقاط التالية :

39- هدم المفاهيم الجنائية التقليدية وإحلالها بمفاهيم الدفاع الاجتماعي :
     يبدأ جراماتيكا أفكاره بانتقاد المفاهيم التقليدية للقانون الجنائي المرتبطة بالجريمة والمسئولية الجنائية ، على أساس أن هذه المفاهيم ما زالت تجعل من الفعل الإجرامي محوراً للنظام الجنائي ، مع التغافل عن شخص الفاعل نفسه. وعلى هذا ارتبطت المسئولية بالواقعة المسندة وصار تطبيق العقوبة يجرى على نحو تلقائي لا يحتاج سوى النظر إلى الجريمة والعقوبة المقررة. ففي القانون الجنائي التقليدي يرتكز بنيان الجريمة على مقدار ما تمثله من ضرر على المجتمع أو خطر عليه ، كما أن العقوبة ترتبط بالجسامة الذاتية للسلوك ومدى كثافة ما يمثله من ضرر ومقدار ما ينتج عنه من خطر ، ومن ثم تصبح العقوبة موضوعية المعيار لا علاقة بينها وبين شخص الفاعل.

وعلى هذا فيرى جراماتيكا إلغاء قانون العقوبات بمفاهيمه المرتبطة بالجريمة والمسئولية وإحلاله بقانون أخر للدفاع الاجتماعي ، يستعاض فيه عن الجريمة باسم "الانحراف أو العصيان الاجتماعي" وبدلاً من المجرم يستبدل به "الشخص المضاد للمجتمع" أو صاحب السلوك اللااجتماعي ، وأن يستبدل بالعقوبة بعض تدابير الدفاع الاجتماعي.

وعلى هذا فإن جراماتيكا يرى في الدفاع الاجتماعي نظاماً قانونياً مستقلاً يحل محل القانون الجزائي لا أن يندمج فيه أو يتكامل معه .

40- إحلال فكرة التكيف الاجتماعي محل المسئولية الجنائية :
     انتقد جراماتيكا فكرة المسئولية الجنائية بمفهومها التقليدي المرتبط بالجريمة وبالخطأ قائلاً أن هذا المفهوم قاصر عن أن يدفع عن المجتمع حالات الانحراف التي لا ترقى إلى مستوى الجريمة ، كما لا تكفل الحماية الوقائية للمجتمع قبل وقوع الجريمة نفسها. لذا فإن جراماتيكا يقترح استبدال فكرة المسئولية الجنائية بفكرة أوسع هى فكرة "التكيف الاجتماعيSociabilité".

ولديه أن القانون المقترح - "قانون الدفاع الاجتماعي" – يجب أن يهدف إلى مناهضة كل شكل من أشكال عدم التكيف الاجتماعي ، سواء ظهر عدم التكيف في صورة جريمة أو ظهر في أي شكل أدنى من ذلك. وهو في هذا السبيل يقترح استخدام عدد من تدابير الدفاع الاجتماعي يكون غرضها الوقاية والعلاج والتربية ، وأساسها الدراسة العلمية والتجريبية وفق معطيات العلوم الإنسانية ، كتشغيل العاطلين ونشر التعليم والتثقيف بالنسبة للأميين وعلاج المرضى والشواذ … الخ. وتلك التدابير ليست جزاءات ولكنها وسائل تربوية وعلاجية ووقائية تنفذ على الفرد غير المتكيف اجتماعيا (مجرم أو غير مجرم) إكراهاً ، على نحو ما يحدث بالنسبة للمريض بمرض معدٍ أو المجانين ، وتنفذ في أماكن أبعد ما تكون عن معنى السجن.

وقد اشتراط جراماتيكا في هذه التدابير - والتي ستحل محل العقوبات - أن تكون موحده ، وأن تشتمل على تدابير وقائية ، وأن تكون غير محددة المدة بحيث يمكن تعديلها أو تبديلها أو إلغائها خلال التنفيذ ، وفق ما تسفر عنه عمليات الرقابة على شخصية الإنسان غير المتكيف اجتماعياً .

41- الجوانب الشخصية للفرد كأساس للدفاع الاجتماعي :
     لقد نادى جراماتيكا بجعل الجوانب الشخصية للفرد ، سواء الاجتماعية أو البيولوجية أو النفسية ، وليس جسامه الضرر الناشئ عن الجريمة ، محوراً لاهتمام قانون الدفاع الاجتماعي المقترح. وعلى هذا فالجزاء (التدابير الاجتماعية عند جراماتيكا) ينبغي أن يرتبط لا بما تحويه الجريمة من ضرر أو بما تمثله من خطر وإنما بالتقدير الشخصي للفاعل على ضوء الظروف التي أحاطت بسلوكه. إذاً ترتبط المسئولية عند جراماتيكا بالحالة النفسية والصحية لصاحب كل سلوك منحرف. وبالتالي تصبح المسئولية الجنائية مجرد إعلان بوجود نفسية فردية مضادة للمجتمع ، أي تنبئ عن فرد غير متكيف اجتماعياً.

على هذا النحو يصبح للجزاء هدف أسمى هو إصلاح هذا الانحراف - "عدم التكيف أو العصيان الاجتماعي" - تمهيداً لعودة الفرد إلى حياة الجماعة الطبيعية. هذا الأمر يقتضى الأخذ بتدابير متنوعة ومتفاوتة بحسب التكوين النفسي وبحسب القالب الاجتماعي للفاعل. فلم يعد المبدأ "هو أن لكل جريمة عقوبتها" ولكن أصبح المبدأ هو أن "لكل شخص غير متكيف اجتماعيًا تدبير يلائمه".

بيد أن جراماتيكا يؤكد على أن بلوغ تلك الأهداف بطريقة متكاملة وعامة يوجب أن تمتد الثورة الإصلاحية لتشمل كل مناحي الحياة الاجتماعية من نظام أسري واقتصادي وتعليمي وصحي. بمعنى أخر وجوب إتباع سياسة اجتماعية تقضي على أسباب الانحراف أو العصيان الاجتماعي في مهده.
42- ب : تقدير الاتجاه الجراماتيكي (الدفاع الاجتماعي التقليدي) :
     يعود الفضل لجراماتيكا في توجيه الأنظار نحو الصفة الإصلاحية للجزاء الجنائي ، واعتبار هذا الإصلاح حق من حقوق الفرد ومقرر لمصلحته إذا ما ثبت انحرافه اجتماعياً. فالكشف عن هذا الانحراف يلقى على المجتمع الالتزام باتخاذ ما يلزم من تدابير من أجل إعادة التلاؤم بين الفرد وحياته النفسية وبين الحياة الاجتماعية. كما يعود له الفضل في الدعوة لتبنى سياسة عامة لإصلاح النظام العائلي والاقتصادي والتعليمي. وربما هذا هو ما دعى عدد من الدول إلى أن تتدخل في تشريعاتها الكثير من مفاهيم الدفاع الاجتماعي ، خاصة بالنسبة للتدابير التي تطبق على طوائف معينة من المجرمين كالأحداث ومرضى العقول والمشردين. ومثال ذلك قانون المتشردين والشواذ الصادر في أسبانيا في عام 1923 ، وقانون تدابير الأمن الصادر في ألمانيا في عام 1927 وقانون الدفاع الاجتماعي الصادر في بلجيكا عام 1930. وكان قانون الدفاع الاجتماعي الكوبي في عام 1934 أوضح القوانين أخذاً بمفاهيم الدفاع الاجتماعي ، حيث قد وضع أسس هذا القانون جراماتيكا نفسه. كما يعد مشروع قانون العقوبات المصري لعام 1967 من أحدث المشروعات التي تبنت بعض مفاهيم الدفاع الاجتماعي ، خاصة فيما يتعلق بالتدابير واجبة الإتباع حيال بعض أنماط الانحراف الاجتماعي.

وبالرغم من كل هذا فإنه عيب على هذا الفقيه تطرفه في الأفكار حين دعى إلى إلغاء فكرة الجريمة والمسئولية الجنائية والمجرم والعقوبة ، أي القضاء على كل مفاهيم قانون العقوبات التقليدية. ولا شك أن من شأن تلك الدعوة - إذا ما طبقت - أن تعرض النظام الاجتماعي كله للفوضى ، كما تعرض مبدأ الشرعية للخطر ، مما قد يوقع العدوان على الحقوق والحريات الفردية. وحتى لو سلمنا بهذا الإلغاء - رغم وضوح الأفكار المبتغى إلغائها - فإن المفاهيم المقترح الأخذ بها ، كعدم التكيف أو العصيان الاجتماعي والشخص المضاد للمجتمع والسلوك اللااجتماعي ، مفاهيم يصعب تحديدها ويشوبها الكثير من الغموض . 

هذا التطرف دعا بعض مؤيدي الدفاع الاجتماعي إلى محاولة تهذيب أفكار جراماتيكا ورد العدوان الذي حاول القيام به على مفاهيم القانون الجنائي التقليدية. وهذا بالفعل ما حاول القيام به المستشار مارك أنسل ، مكونا ما يعرف "بالدفاع الاجتماعي الجديد".

43- ثانيا : الدفاع الاجتماعي الجديد (مارك أنسل) :
44- تمهيد وتقسيم :
     لم تلقى أفكار جراماتيكا (الدفاع الاجتماعي التقليدي) تأييد من بعض أنصار حركة الدفاع الاجتماعي ، خاصة في فرنسا ، الأمر الذي دعا هؤلاء إلى المنادة بوجوب تصحيح مسار هذه المدرسة. ويعود الفضل إلى المستشار مارك أنسل (المستشار بمحكمة النقض الفرنسية) في وضع أسس الدفاع الاجتماعي الجديد ، أو ما يمكن أن نسميه الاتجاه المعتدل للدفاع الاجتماعي. فلقد وضع هذا الفقيه في عام 1940 كتابة "الدفاع الاجتماعي الجديد ، حركة لسياسة جنائية إنسانية" والذي توالت طبعاته كان أخرها عام 1981 .
وسوف نستعرض أهم ما جاء من أفكار في هذا المؤلف ، من خلال بيان الدعائم الفلسفية للدفاع الاجتماعي الجديد ، قبل بيان تقديرنا لهذه الحركة.

45- أ : الدعائم الفلسفية للدفاع الاجتماعي الجديد :
     تتنوع الدعائم الفلسفية للدفاع الاجتماعي الجديد ، فمنها ما يرتبط بمفاهيم القانون الجنائي التقليدية خاصة المسئولية ، ومنها ما يتصل بشخصية المجرم ، وأخيراً ما يتصل بهدف الجزاء الجنائي وطابعه الإنساني.

46- الإبقاء على المفاهيم التقليدية للقانون الجنائي : 
     يضع مارك أنسل سياسة للدفاع الاجتماعي لا تنكر قواعد القانون الجنائي التقليدية ، فهو لا ينكر مبدأ الشرعية ولا يذهب إلى حد إلغاء المسئولية ولا الجزاء. ولديه أن المسئولية الجنائية ينبغي أن يكون مبناها الخطأ القائم على حرية الإرادة. فهو لا يؤمن بالوضعية المادية التي تؤمن بالحتمية ولا تعترف بالخطأ. كما أن محرك هذه المسئولية هو الجريمة وليس الفعل المناهض للمجتمع أو العصيان الاجتماعي كما كان يسميه جراماتيكا.

ويؤكد أنسل على أن المسئولية الجنائية هى الغاية والهدف من النظام الجنائي القائم ، بحيث تؤدى المعاملة العقابية بإنماء روح المسئولية لدى المجرم  نحو المجتمع ، فينصرف عن سلوك سبيل الجريمة في المستقبل. وبالجملة فإن الدفاع الاجتماعي الجديد يقوم على ذات الأسس التي قامت عليها المدرسة التقليدية ولكن مع تطوير هذه الأسس في ضوء ما أظهرته الدراسات الحديثة حول السلوك الإنساني .

47- تدعيم الاهتمام بشخص المجرم :
     إن أخذ شخصية المجرم في الاعتبار وإعطائها وزناً في الدعوى الجنائية ، من خلال دراسة مختلف العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية المتصلة بهذه الشخصية والمؤثرة فيها كعوامل دافعة لارتكاب الجريمة ، يمثل أول سمة لحركة الدفاع الاجتماعي الجديد. فعن طريق الاهتمام بتلك الشخصية وتدعيم الدراسات المتصلة بها يمكن تحديد أنسب طرق المعاملة العقابية ، ويمكن للقاضي تبعا لحالة كل مجرم أن يتخير الجزاء المناسب (عقوبة أو تدبير) ، بما يعين المجرم على التأهيل الاجتماعي والاندماج مرة أخرى في البيئة المحيطة .

وهذه الدراسة لشخصية المجرم هى دراسة علمية. فالدفاع الاجتماعي الجديد يدعو إلى إعداد ما يعرف بملف الشخصية Dossier de personnalité ، الذي يحوى كل ما يتصل بالجوانب الشخصية للمجرم ، والمعد من قبل الخبراء المتخصصين بدراسة السلوك الإنساني ، كالأطباء وعلماء الاجتماع وعلماء النفس والإجرام والدراسات الجنائية ، كي يكون تحت يد السلطات الجنائية في كافة مراحل الدعوى ، بما فيها مرحلة التنفيذ العقابي ذاتها باعتبارها – عند هذا الاتجاه - مرحلة من مراحل الخصومة الجنائية. لذا فإن مارك أنسل يرى أن الاهتمام بالفحص العلمي للشخصية ، للاستعانة به في مراحل الدعوى ، لا يمكن أن يتحقق إلا بعد إجراء التعديلات الضرورية على النظام الإجرائي ذاته الذي يحكم الدعوى الجنائية .

ويمكن هذا الملف القاضي من التعرف على كل ما يتصل بالمتهم. ولا يعنى هذا مجرد التعرف على الظروف الخارجية للفعل الإجرامي والسوابق القانونية للمتهم ، ولا حتى بياناته الشخصية المحفوظة في دوائر الشرطة ، ولكن يمتد هذا إلى تكوينه البيولوجي وردود فعله النفسية ، وتاريخه الشخصي وحالته وبيئته الاجتماعية…الخ .

48- الطابع الإنساني للجزاء الجنائي :
     يبقي الدفاع الاجتماعي على فكرة الجزاء الجنائي بشقيه العقوبة والتدابير. إلا أن هذا الاتجاه  يطالب بتوحيد صور الجزاء الجنائي في نظام واحد يكون في مجموعة نموذج لرد الفعل الاجتماعي تجاه الجريمة ، بحيث يكون الجزاء الجنائي عملاً اجتماعياً يهدف إلى حماية المجتمع عن طريق التدابير الاجتماعية والعلاجية والتربوية لشخص الجاني ، بما يحول بينه وبين وقوع الجريمة في المستقبل وبما يكفل إعادة تأهيل الجاني ،كل ذلك في إطار مفاهيم القانون الجنائي التقليدية. فالجزاء الجنائي يطبق لتحقيق هذا الهدف الإنساني ، ألا وهو تأهيل المجرم وعدم تركه يهوى في دروب الجريمة ، بعيداً عن الأفكار الفلسفية المتصلة بعدالة الجزاء أو نفعيته.

والجزاء الجنائي عند فكر هذا الاتجاه له طابع إنساني ، يقوم على احترام وضمان الحرية الفردية. ويظهر ذلك جليا في رفض مارك أنسل وأنصاره للتدابير غير محددة المدة ورفضه للتدابير السابقة على الجريمة أو التدابير الوقائية ، كذلك إعلانة الرفض التام لعقوبة الإعدام لتنافيها - حسب زعمهم - مع القيم الإنسانية واحترام حقوق الإنسان .

49- ب : تقدير حركة الدفاع الاجتماعي الجديد :
     لا يمكننا أن ننكر ما لحركة الدفاع الاجتماعي من مزايا ، ومن قبيل ذلك تأكيدها على ضرورة تخليص القانون الجنائي من الأفكار المجردة والافتراضات الميتافيزيقية التي لا تراعي جوانب الملاحظة والتجريب على مستوى الواقع ، ودعوتها إلى تفعيل دور المؤسسات المتصلة بالجريمة والمجرم سواء على المستوى التشريعي أو القضائي أو العلمي ومحاولة علاج هذه المؤسسات من حالة "تصلب الشرايين" على حد قول مارك أنسل .
ولهذه الحركة الفضل في تأكيد احترام حقوق الإنسان ووجوب إحاطة الجزاء الجنائي بكافة الضمانات ، والدعوة إلى الإشراف القضائي على التنفيذ والتمسك بمبادئ الشرعية الجنائية والمساواة وشخصية العقوبة وتناسب هذه الأخيرة مع الفعل الإجرامي. فلا يستعبد الدفاع الاجتماعي الجديد القانون الجنائي ومفاهيمه التقليدية كما سبق القول . كما كان لهذه الحركة الفضل في تصحيح التناقض الذي وقع فيه جراماتيكا عندما ارتكن إلى نظام وقاية تحكمى أو نظام ردع تقديري ، يكون الفاعل فيه مجرماً من حيث الإثم الذي أتاه ومريضا غير مسئول يستوجب فقط العلاج دون أن يكون للعقاب معنى الجزاء.

على أن أعظم ما قدمته حركة الدفاع الاجتماعي الجديد هو تركيزها على شخصية المجرم من خلال وجوب إعداد ما سمته ملف الشخصية للاستعانة به في مراحل الدعوى المختلفة . وهو الأمر الذي أخذ به المشرع الفرنسي في قانون الإجراءات الجنائية عندما عدل المادة 81/6 بالقانون رقم 466-83 الصادر في 10 يونيه 1983 ملزما قاضى التحقيق Juge d’instruction في الجنايات ببحث الظروف الشخصية للمتهم من حيث مركزه المادي والأسرى والاجتماعي ، والترخيص له بذلك في مواد الجنح. والإجازة له في كافة المواد بإجراء فحص طبي ونفسي لشخصية المتهم (م81/7) .

كما كان لهذه الفكرة - "ملف الشخصية" - أثرها الإجرائي عند بعض الفقهاء عندما اقترحوا تقسيم مراحل المحاكمة إلى مرحلتين ، في الأولى يقرر القاضي الإدانة من الناحية الموضوعية ، أي من حيث ثبوت ونسبة الواقعة الإجرامية إلى المتهم ، وفى الثانية يقرر القاضي الحكم. وهذه المرحة الأخيرة شخصية ينظر فيها القاضي للظروف المتصلة بشخص المتهم "المدان" من حيث وضعه المالي والعائلي والاجتماعي…الخ ، كي يقدر الجزاء المناسب لحالته.

هذا الاقتراح كرسته - إلى حد ما - بعض التشريعات ، منها قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي بالقانون رقم 624-75 الصادر في 11 يوليو 1975 (م 469/3 و 539/1) عندما أجاز للمحكمة بعد أن تقرر الإدانة أن تحكم بتأجيل النطق بالعقوبة L’ajournement  ، عندما يثبت لديها أن الضرر الناشئ عن الجريمة قد زال أو على وشك الزوال وأن الجاني في سبيله للتكيف الاجتماعي مرة أخرى .

إلا أنه رغم هذا الانتشار لمفاهيم الدفاع الاجتماعي الجديد ، فإنها قد تعرضت للكثير من أوجه النقد  ، نوجزها في الآتي :
*- عيب على هذه الحركة افتقارها إلى المنهج الموحد الذي يجعل منها مدرسة أو حركة مذهبية متكاملة ، وليس مجرد شتات أفكار. وقد يبدو أن هذا الأمر كان مقصوداً عند مارك أنسل إذ أنه في رده على هذا النقد قد أوضح أن الدفاع الاجتماعي الجديد  ليس اتجاهاً عقائدياً ولا يرتبط بأي دين ولا لأية عقيدة سياسية. فهو مجرد حركة أو تيار مستقل من الناحية الفكرية ويهدف إلى إرساء مبادئ عامة تحكم رد الفعل الاجتماعي تجاه الجريمة ، من أجل أن تصبح السياسة الجنائية الحديثة معبرة عن جانب من جوانب إدخال الطابع الاجتماعي إلي القانون المعاصر وخاصة القانون الجنائي .
*- كما عيب على هذه الحركة أنها بتوجيهها الاهتمام نحو شخصية المجرم قد ألزمها بالاستناد إلى النتائج التي توصلت إليها علوم إنسانية أخرى ، رغم أن تلك العلوم مازالت في مرحلة التكوين ولم تتأكد بعد ، كعلم الإجرام مثلا. غير أنه مما يخفف من غلواء هذا النقد - وحسب ما يرى مارك أنسل نفسه - أن تلك الحركة استطاعت التقريب بين علماء القانون وعلماء السلوك الإجرامي في فروع العلوم الإنسانية الأخرى ، دون أن يكون رجل القانون تابعاً لعالم الإجرام. فالهدف هو أن يدرك رجل القانون من أنه ليس وحده المختص بمحاربة الجريمة ولكن يشاركه في ذلك أفرع أخرى ، بحيث ينظر للجريمة على أنها حقيقة قانونية ذات طابع اجتماعي دون تغليب لجانب على جانب أخر.

فقانون العقوبات يجب أن يخرج – وهو لحسن الحظ يخرج أخيراً – من عزلته الفخيمة والنظر إليه كعلم اجتماعي يرتبط بالشخصية الإنسانية وبالعلوم المتصلة بها . وكما يقول مارك أنسل : إن إقامة الفرصة للقاضي لفهم الإنسان الذي أمامه من حيث شخصيته ودوافعه ووسطه لا يؤدى إلى دعوة ذلك القاضي إلى الإقلاع عن مهمته الحقيقية (أي النظر للجريمة كحقيقة قانونية تقاس بمعايير قانونية موضوعية لجسامة الفعل) وإنما الهدف من كل ذلك هو التقدم نحو إقامة نوع من العدل الإنساني مما يوجب التخفيف من غلواء النظرة القانونية المجردة للجريمة وإصباغها ببعض السمات الشخصية النابعة من التمايز الفردي والاجتماعي لكل مجرم .

*- كما عيب على هذه الحركة مغالاتها في الهدف التأهيلي للجزاء الجنائي مما يقلل من الهدف والمضمون الأخلاقي لهذا الأخير المتمثل في الردع العام ، ويضعف بالتالي الإحساس بالمسئولية لدى الأفراد ولدى الجماعة. على أن مارك أنسل يرد على هذا النقد بقوله أنه يمكن الوصول لتحقيق الهدف الأخلاقي للجزاء وكذلك الهدف التأهيلي عن طريق الجمع بين كل من العقوبة والتدابير في نظام موحد لرد الفعل العقابي. ولا يعيب ذلك كون كلا النوعين من الجزاءات يستند إلى أسس مختلفة. فبالعقوبة يمكن للقاضي أن يواجه الجريمة على أساس القمع أو الردع العام بالنسبة لبقية أفراد المجتمع (الهدف الأخلاقي) ، وبالتدابير يمكن أن يحقق الهدف الاجتماعي الخاص بتأهيل وإصلاح المجرم عن طريق البرامج العلاجية والتربوية ، بحيث يرتفع التعارض بين العقوبة والتدابير ، ويرتفع التعارض بين الهدف الأخلاقي والتأهيلي للجزاء الجنائي .

وربما الذي جعل هذا الاتجاه يغالي في الهدف التأهيلي للجزاء الجنائي - كما يقول مارك أنسل - هو أن تحقيق الردع العام كهدف للعقوبة أمر يظل غير مؤكد إلى حين تمام تنفيذ العقوبة بالفعل داخل المؤسسة العقابية. فليس حكم القاضي نفسه هو الذي يحقق الأثر الرادع للعقوبة ، فالتفريد العقابي الذي يحدث داخل السجن وأساليب المعاملة المطبقة كثيراً ما تغير في هذا الحكم. فضلاً عن أن الأثر الرادع للعقوبة لا ينبع في الحقيقة من العقوبة ذاتها التي يطبقها القاضي وإنما يحدث نتيجة عوامل أخرى أهم منها ، كسرعة تحقيق العدالة الجنائية وفاعليه دور الشرطة والنيابة العامة والقاضي الجنائي .

المطلب الثاني
السياسة العقابية في النيوكلاسيكية المعاصرة
 Le néo-classique contemporain

50- تمهيد :
     ترتكز السياسة العقابية عند الاتجاه النيوكلاسيكي المعاصر على أفكار العديد من الفقهاء المعاصرين  أمثال جورج ليفاسير  G. Levasseur وروجه ميرل Merle  R. وجان ليوتيه  J. Léautéوجان لارجييه J. Larguier. ويهدف هذا الاتجاه إلى إجراء سياسة توفيقية بين فكر الدفاع الاجتماعي ، كما انتهى إليه مارك أنسل ، وبين السياسة الجنائية التقليدية ، في استعارة واضحة للأفكار الفقيه ريموند سالي R. Saleilles في مؤلفه الذي ظهر في عام 1898 حول تفريد العقوبة. وهو ما سنبينه من استعراض دعائمها الفلسفية وأوجه نقدها .

51- أولاً : الدعائم الفلسفية للنيوكلاسيكية المعاصرة :
     لإعمال النظرة التوفيقية اعتمدت السياسة النيوكلاسيكية المعاصرة على عدد من المبادئ منها :
*- التمسك بالمفاهيم الكلاسيكية عن الجزاء الجنائي كمقابل للجريمة ، وأن الإدانة عن الجريمة تتوقف على المسئولية ، وهو شرط أساسي لكل معاملة عقابية ، دونما بحث نظري أو تجريدي لفكرة التسيير والتخيير في السلوك الإنساني ومنه السلوك الإجرامي. فالمسئولية الجنائية ليست حتماً مسئولية أخلاقية وإلا اعتبر ذلك إهدار لبعض جوانب الجبرية في السلوك البشرى.
*- أنه لتحقيق معنى الإيلام (الردع) ومعنى الإصلاح والتأهيل يجب الاقتصار على العقوبة وحدها كصورة للجزاء الجنائي دونما لجوء إلى فكرة التدابير. فتحدد العقوبة وفقاً لقدرة المجرم على تحمل العقاب والإستفاده منه في المستقبل ، وهو ما أسمته هذه الحركة "أهلية تنفيذ العقوبة". وهذا التحديد يتم في المراحل الأولى للدعوى الجنائية ، أما عند الدخول في مرحلة التنفيذ العقابي ، فإنه يتم إجراء فحص شامل للشخصية الإجرامية للمحكوم عليه من حيث وضعه العائلي  والاجتماعي والمادي ، في ضوء معطيات كافة العلوم الاجتماعية ، بما يمكن من إعمال قواعد التفريد العقابي لكل مجرم ويحقق الهدف الإصلاحي والتأهيلي للعقوبة. وفى ضوء ذلك ترى النيوكلاسيكية المعاصرة إمكانية تحقيق كلا من الردع العام والإصلاح من خلال العقوبة وحدها ودون اللجوء إلى فكرة التدابير الاحترازية التي استعيض بفكرة التفريد العقابي بديلاً عنها.

52- ثانياً : تقدير النيوكلاسيكية المعاصرة :
     أٌخذ على هذا الاتجاه إسقاطه للكثير من الأفكار التي ساهمت في تطوير الفكر الجنائي عامة. ومن قبيل ذلك فكر المدرسة الوضعية عن التدابير ، وخاصة التدابير الوقائية "بدائل العقاب" ، والتي تتخذ حيال الحالات الخطرة التي تكشف عن احتمالية ارتكاب الجريمة في المستقبل .

كما عيب على هذا الاتجاه أنه جعل التفريد عمل من أعمال الإدارة العقابية وليس مهمة القاضي الجنائي أي جعله تفريد تنفيذي فقط. فالقاضي يكتفى بتحديد العقوبة بطريقة قانونية مجردة ، ثم يترك للإدارة العقابية مهمة تحديد أشكال المعاملة العقابية الملائمة في ضوء ما يكشف عنه فحص الشخصية. ولا شك أن الأخذ بهذا الأمر فيه من الخطورة على الأفراد في ظل الأنظمة التي لا تأخذ بنظام الإشراف القضائي على التنفيذ (مثال مصر) ، وتجعل من هذه المرحلة مرحلة منفصلة عن الدعوى الجنائية تتولاها السلطة التنفيذية (وزارة الداخلية في مصر من خلال الإدارة العامة للسجون) ، الأمر الذي يوجب حال الأخذ بهذه المفاهيم النيوكلاسيكية ، إخضاع التنفيذ العقابي للإشراف ما يعرف بقاضي تطبيق العقوبات ، على نحو ما هو معمول به في التشريع الفرنسي ، ولا يخفى ما لتطبيق هذا النظام من مشكلات ، خاصة على الصعيد المالي للدولة.


تعليقات