القائمة الرئيسية

الصفحات

مسؤولية سائق السيارة وتأصيلـها فـي الفقـه الإســلامي

مسؤولية سائق السيارة وتأصيلـها فـي  الفقـه الإســلامي

مسؤولية سائق السيارة
وتأصيلـها فـي  الفقـه الإســلامي




مسؤولية سائق السيارة

وتأصيلـها 

فـي

الفقـه الإســلامي


إعداد

الدكتور / عبد العزيز عمر الخطيب
الأستاذ المشارك في جامعة الملك خالد
كلية الشريعة وأصول الدين
قسم الفقه

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة : أهمية البحث ، ومنهجه .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله سيد الأولين والآخرين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، وعلى من اقتفى أثرهم إلى يوم الدين .... وبعد .
فإن موضوع مسؤولية سائق السيارة من الموضوعات المهمة التي تحتاج من أهل العلم والبحـث مزيد عناية لبيان حكم الشـرع في حوادث ما فتئت تزداد يوماً بعد يوم .
ولعل الطريق الأمثل في ذلك هو جمع الأصول والقواعد العامة ، والخاصة ، التي تنتظم كثيراً من المسائل ، وتضمن لكل ذي حق حقه .
   وللعلم نقول : إن فقهاءنا المتقدمين لم يغفلوا هذا الجانب من الحياة ، بل توسعوا فيه بما يناسب ما كان معروفاً في زمنهم من وسائل النقل كالدواب والسفن الشراعية ، ولكن كلامهم المبني على مآخذ الأحكام الأصلية من قرآن وسنة وإجماع وقياس يضع أمام الباحث المعاصر أصولاً عامةً يمكن تطبيقها على كل ما جد ، ويستجد في عالم المواصلات الأرضية ، والبحرية ، والجوية ، مع ضرورة الملاحظة للفوارق بين الوسائل القديمة والجديدة ، وبين نظام السير القديم والجديد .
ولعلنا في هذا البحث نؤدي جزءاً من هذا الواجب في بيان أحكام ما يستجد في حياة الناس ، ليبقى الشرع بأحكامه العادلة الواضحة هو الحكم في الناس إلى قيام الساعة .
   وسوف أتبع المنهج العلمي المؤصل في كتابة البحث إن شاء الله تعالى .


 منهـجي في البحـث .

1_ تخريج الآيات وعزوها إلى سورها ، وبيان أرقامها في السور .
2_ تخريج الأحاديث بما يؤدي الغرض الفقهي ، وربما أقتصر على تخريج الشيخين أحياناً خشية الإطالة في التخريج طالما أن الحديث صحيح ، ومن روايتهما .
3_ العناية بلفظ الحديث ، وأخذه من مصادره ، وعدم الاقتصار في نقله من مصادر الفقه .
4_ محاولة الجمع لقواعد عامة في الفقه تنتظم حظر الضرر بالآخرين والتعويض عليه عموماً .
5_ ذكر القواعد الخاصة بتضمين السائق والمتسبب في الحادث من خلال مجلة الأحكام العدلية العثمانية المستقاة من المذهب الحنفي ، ومن مصادر الفقه الأخرى ، وعزوها إلى مصادرها .
6_ الرجوع في استقاء الأحكام المذهبية إلى المصادر المعتمدة في كل مذهب ونقل القول المعتمد في المذهب فقط إلا نادراً عند الحاجة أذكر القول الآخر مع بيانه .
7_ تلخيص البحث بعد الانتهاء منه بفقرات مختصرة بما لا يزيد على صفحة واحدة .
8_ وضع الفهارس العلمية للبحث في نهايته .
   والله أسأل أن يهلمني الصواب فيما أقول ، وأن يغفر زللي حين أخطئ .
                              
                             وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .


   خطـة البحـث . 
1_ المقدمة ، وفيها بيان أهمية البحث ، ومنهج البحث .
2_ التمهيد ، ويشتمل على ثلاث مسائل :
              أ_ نظام المرور ضرورة يقتضيها العصر .
              ب_ طاعة الحاكم واجبة فيما يضعه من نظم .
              ج_ مخالفة النظام تسبب الحوادث المروعة .
3_ المبحث الأول : الإضرار بالآخرين محظور ، ومضمون .
4_ المبحث الثاني : القواعد الفقهية المقررة للضمان ، وتعيين الضامن .
             المطلب الأول : القواعد الفقهية العامة المقررة للضمان .
             المطلب الثاني : القواعد الفقهية الخاصة بتعيين الضامن ( السائق أو         المتسبب ) .
5_ المبحث الثالث : مسؤولية السائق ، والتزاماته .
             المطلب الأول : مسؤولية السائق ، وتطبيقاتها .
             المطلب الثاني : التزامات السائق المالية حال القتل : عمداً أو خطأً .
6_ المبحث الرابع : أحكام تتعلق بقيادة السيارة .
             المطلب الأول : أحوال المخالفات المرورية .
             المطلب الثاني : عقوبة المخلفات المرورية .
             المطلب الثالث : واجب رجل المرور .
7_ المبحث الخامس : أثر التوعية في تقليل حوادث المرور .
8_ ملخص البحث .
9_ قائمة المراجع العلمية .

ـ3ـ

التمهيــد

تمهيداً للدخول في البحث ، وما يتعلق به من أحكام ومسائل أضع بين يدي القارئ الكريم نقاطاً ثلاثاً ، تكون توطئة للبحث .
الأولى : نظام المرور ضرورة يقتضيها العصر .
أمام هذه النقلة السريعة في كل جوانب الحياة ، واستغناء الإنسان عن كثير من وسائل الحياة القديمة في النقل والاتصالات ، حتى في بعض أساليب التعامل المالي بين الناس ، كان لا بد من بحث كل المستجدات على ضوء الفقه الإسلامي وطبعها بالطابع الذي يتلاءم مع ما جاء به الشرع الحكيم باعتباره الخاتم لكل الرسالات السماوية ، والملائم لكل ظروف الحياة وتطوراتها .
وهذا البحث ، والتنظير _ بينه وبين ما وضعه الفقهاء من قواعد وضوابط استنبطوها من نصوص الشرع _ يقع على كاهل أهل العلم والفقه في الشرع وهو الأمانة التي يؤدونها إلى من بعدهم .
ومما استجد في هـذا العصـر وزاد حتى صار ضرورة الوقـت وسائل النقـل _ السيارات _ إلا أن هذه الوسيلة _ وهي نعمة كبرى _ قد يساء استخدامها من قبل البعض ، فكان من لوازم ضرورياتها أن يوضع نظام يضبط استخدامها ويحمل المسؤولية كلها لمستخدمها ، إذ هي آلة في يده يتصرف بها كيف يشاء ، فانحصرت المسؤولية فيه ، أي في السائق ، وقد أبح وضع هذا النظام ضرورة تقوم عليها حياة الناس ، بحيث تختل أمور حياتهم وتضطرب باختلاله . والذي يضع هذه النظم هو الحاكم _ ومن ينوب عنه _ رعاية لمصالح الأمة ، وتدبيراً لشؤونها وذلك من خصوصياته ، وواجبات الأمة عليه . وأساس ذلك مراعاة المصلحة لهم

 

ـ4ـ

جلباً للمنفعة ودفعاً للمضرة والمفسدة(1) .
قال الخليفة الراشد عمر : لو مات جمل ضياعاً على شط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه(2) .
الثـاني : طاعة الحاكم واجبة فيما يضعه من نظم .
وهي نتيجة حتمية عقلية ، إذ لو لم تلزم طاعته فيما ينظر لكان وضعه لها باباً من العبث وضياع الوقت مقابل مصلحة المجتمع وأمنه .
إن وجوب هذه الطاعة مستمد من القرآن الكريم ، مصدر التشريع ومنهل الأحكام ، قال تعالى : يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (3).
   قال ابن العربي :
حقيقة الطاعة هي : امتثال الأمر ، كما أن المعصية ضدها ، وهي مخالفة الأمر . وقال أيضاً في بيان الآية : والصحيح عندي أنهم _ أي أولي الأمر _ الأمراء والعلماء(4) .
وينبغي أن نلاحظ هنا الارتباط الوثيق بين : طاعة الله ، وطاعة رسوله ، وطاعة أولي الأمر ، وقد أوضح هذا الارتباط رسول الله بقوله : (( من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن يعصني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني ))(5)ولا شك أن التقيد بنظام المرور داخل في وجوب
ـــــــــــــــــــ
(1) الفقه الإسلامي وأدلته . للدكتور وهبة الزحيلي 6/701و711 .
(2) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى 3/305 ، وأبو نعيم في الحلية ( ولكن شاة بدل الجمل ) 1/53.
(3) سورة النساء آية 59 .
(4) أحكام القرآن لابن العربي 1/451 ، وينظر أيضاً : أحكام القرآن للجصاص 2/264 ، فتح الباري 13/120 .
(5) رواه البخاري في أول كتاب الأحكام برقم /6718/ ومسلم في الإمارة ( باب : وجوب طاعة الأمراء في غير معصية برقم 4724 ) واللفظ لمسلم .
الطاعة ، لأنه لم يوضع إلا لمصلحة الفرد والمجتمع،وحفاظاً على أرواح الناس وأموالهم ، فهو لازم التنفيذ من الرعية(1).ومصدر هذا اللزوم النصوص الشرعية ، ومنها الآية والحد المذكوران ، وبالتالي تكون المخالفة لهذه الأنظمة معصية تستحق العقوبة المنظمة بحسب نوع المخالفة وطبيعتها وخطورتها ، ويرجع تقدير ذلك إلى الحاكم .
وقد صدر عن مجمع الفقه الإسلامي قراره رقم ( 75/2/د8 ) المتضمن أن المجلس نظر إلى تفاقم حوادث المرور فقرر ما يلي :
الالتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية ، لأنه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات بناء على دليل المصالح المرسلة ، وينبغي أن تشتمل هذه الأنظمة على الأحكام الشرعية التي لم تطبق في هذا المجال بما تقتضيه المصلحة أيضاً من سن الأنظمة الزاجرة بأنواعها ، ومنها التعزير المالي لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور ، لردع من يعرض أمن الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى أخذاً بأحكام الحِسبة المقررة(2) .

ثالثاً : مخالفة النظام سبب الحوادث المروعة .

الحق أن أغلب الحوادث المؤلمة ، والتي يذهب ضحيتها المال والأشخاص سببها مخالفة أنظمة المرور ، وتتلخص في الأسباب الآتية :
1_ السرعة المفرطة . والواقع أنه لا يمكن لأي سائق أن يحدد لنفسه السرعة لان ذلك يختلف باختلاف سعة الطريق وضيقه ، وزحمة السير وقلته ، بل يختلف من سيارة لأخرى ، ولذا نقول : إن كانت الدولة قد حددت سرعة معينة يجب التقيد بها بحسب الإمكان والظروف ، لأن طاعة ولي الأمر _ كما أسلفنا _
ـــــــــــــــــــ
(1) الفقه الإسلامي وأدلته 6/704 .
(2) مجلة شباب ، العدد ( 13 ) ذو الحجة 1420هـ .
ـ6ـ
واجبة ، وخاصة فيما فيه مصلحة للناس ، ولا تنبغي السرعة زيادة على ذلك إلا عند الضرورة والحاجة فعلاً ، لئلا يحدث ما ليس بمحمود فيندم السائق عندئذ ، ولات حين مندم ، وجاء في الحـديث عن أنس قال : قال رسول الله : (( التأني من الله ، والعجلة من الشيطان )) (1) .
   قال ابن القيم _ رحمه الله _ :
إنما كانت العجلة من الشيطان ، لأنها خفة وطيش ، وحِدّة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحِلْم ، وتوجب وضع الشيء في غير محله ، وتجلب الشرور وتمنع الخُيور ، وهي متولدة بين خلقين مذمومين:التفريط ،والاستعجال قبل الوقت(2) .
2_ مجاوزة الإشارة .
لاشك أن الإشارة وضعت لتنظيم حركة السيارات عند التقاطعات ، فيعرف كل سائق متى يقف ، ومتى يتحرك ، وقطعها من أخطر المخالفات المرورية ، لان قاطعها غالباً ما يأتي مسرعاً ليتمكن من التجاوز قبل تحرك الآخرين ، فإذا به يفاجأ بمرور شخص ، أو بتحرك الآخرين بحسب إشارتهم الخضراء ، فيصدم الشخص أو يصدم السيارة ، فيحدث ما لا تحمد عقباه لنفسه وللآخرين .
فهل تجاوز الإشارة والحالة هذه جائزة ؟ أرى أنه ينبغي القطع بعدم الجواز ، حتى وإن كانت التقاطعات الأخرى خالية خشية المفاجأة .
وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين _ رحمه الله _ عن ذلك فأجاب :
بالنسبة لقطع الإشارة ، أنه لا يجوز ، لأن الله تعالى قال : يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم النساء 59 . وولاة الأمر
ـــــــــــــــــــ
(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان وحكم السيوطي في الجامع بضعفه برقم /3390/ لكن له شواهد تقويه ، ولذا حسنه الشيخ الألباني _ رحمه الله  _في صحيح الجامع برقم /3011/ .
(2) فيض القدير للمناوي 3/277 نقلاً عن ابن القيم ، رحمهما الله تعالى . 

ـ7ـ

وضعوا علامات تقول للإنسان : قف ، وعلامات تقول للإنسان سِرْ . فهذه الإشارة بمنزلة القول ، وكأن ولي الأمر يقول لك : قف أو يقول : سر ، وولي الأمر واجب الطاعة . ولا فرق بين أن تكون الخطوط الأخرى خالية ، أو فيها من يحتاج إلى من يفتح له الخط(1) .
3_ أسباب أخرى .
ثمة أسباب أخرى للحوادث ينبغي التنبيه عليها لتجتنب ، كالنعاس ، والتفحيط(2) وإهمال السيارة ، وعدم العناية بها وخاصة الكوابح ( الفرامل ) . كل هذه أسباب لوقوع حوادث مؤلمة تتلف الأموال والأرواح ، وإن كانت نسبة الحوادث فيها أقل مما سبقت الإشارة إليه ، ولكن لا بد من التنبه إليها والعلم بأخطارها ، وأنها مسؤولية السائق يتحمل نتائجها من حيث الإثم والتفريط ، لتقصيره أو لعبثه بالسيارة وتعريضها للتلف والإتلاف 
(1) فتاوى وتوجيهات في الإجازة والرحلات ، للشيخ ابن عثيمين _ رحمه الله _ ص80 .
(2) التفحيط : كلمة مولدة شاعت على ألسنة ، وهي ضرب من العبث بالسيارة يفعله بعض من الشباب الطائش ، بحيث يضغطون على البنزين فتسرع العجلات بالدوران وهي على رقم(غيار ) لا يمكنها من السرعة فيصدر للعجلات صوت مزعج للآخرين واحتكاك شديد بالأرض يسرع إلى إتلاف العجلات. 

ـ8ـ


المبحث الأول : الإضرار بالآخرين محظور ، ومضمون .

قال تعالى : ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً (1) .
انطلاقاً من هذا النص الكريم ، أقول : إن من تكريم الله للإنسان أن شرع من الأحكام _ في تنزيله _ وعلى لسان رسوله _ ما يحفظ له حياته ويصونها ، ويحفظ له ماله لأنه وسيلة حياته الكريمة ، وجعل العدوان عليه وعلى ماله بأي شكل جريمة تستوجب العقوبة في الآخرة ، والغرامة والتضمين في الدنيا ، فليس في الإسلام دم أو مال يطل ( أي يبطل ويضيع هدراً بغير دية أو عوض ) .
قال تعالى : ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً (2) .
وقال:ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله...(3) .
وفي الحديث من خطبته في حجة الوداع أنه قال : (( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا .... الحديث ))(4) .
ومن هنا كان الحفاظ على النفس والمال اثنين من الضروريات الخمس التي ضمنها الإسلام للإنسان ، وحماها من كل اعتداء (5). والتعويض عن الأضرار يشمل
ـــــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء آية 70 .
(2) سورة النساء آية 93 .
(3) سورة النساء آية 92 .
(4) رواه البخاري في الحج ( باب : الخطبة أيام منى برقم 1654) ومسل في الحج ( باب : حجة النبي برقم 2941) . وأبو داود /1905/ وابن ماجه /3074/ .
(5) الموافقات للشاطبي 2/10 ، أصول الفقه للشيخ محمد أبي زهرة ص367 .
ـ9ـ
 الأضرار الواقعة على النفس الإنسانية ، المقدر منها كالديات ، وغير المقدر كالأروش(1) ، ويشمل الأضرار المالية الواقعة على الأعيان كالإتلافات(2) .
فالإضرار بالآخرين في أنفسهم وأموالهم حرام مضمون ، وهذا أصل ثابت في الشرع بنصوص القرآن والسنة .
ـ فأما القرآن الكريم ، فالآية المتقدمة في موضوع العدوان على النفس ، وقوله تعالى أيضاً في الأموال : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين . ففهمناها سليمان وكلاً ءاتينا حكماً وعلماً ...(3) والنفش : هو الرعي ليلاً ، فهو مضمون على الراعي . روى ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن مسعود في هذه الآية : قال : كرم قد أثبت عنا قيده ، فأفسدته ، قال : فقضى داود في الغنم لصاحب الكرم ، فقال سليمان : غير هذا يا نبي الله ، قال : وما ذاك ؟ قال : يدفع الكرم إلى صاحب الغنم ، فيقوم عليه حتى يعود كما كان ، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها ، حتى إذا كان الكرم كما كان ، دفعت الكرم إلى صاحبه ، ودفعت الغنم إلى صاحبها ، فذلك قوله : ففهمناها سليمان (4) .
وأياً كانت أقوال العلماء في تفسير الحكم ، هل هو وحي من الله وكان حكم سليمان ناسخاً لحكم أبيه ، أو باجتهاد منهما ولكل واحد منهما عليهما السلام مأخذه في اجتهاده ، وهل كل منهما مصيب فيما حكم ، وهل حكمهما المبين منسوخ في شرعنا ... إلى غير ذلك . فإن الذي يهمنا أن الآية أثبتت هذا الأصل
ـــــــــــــــــــ
(1) الأروش : جمع أرْش ، كفَلْس وفلوس ، وهي دية الجراحات . المصباح المنير ( أرش ) .
(2) نظرية الضمان للأستاذ الدكتور فوزي فيض الله ص 14 .
(3) سورة الأنبياء آية 78و79 .
(4) جامع البيان عن تأويل القرآن للإمام الطبري 10/67_68 ، وينظر أيضاً : تفسير ابن كثير 3/195.
ـ10ـ
الشرعي ، وهو وجوب الضمان بالتعويض عن الإضرار بأموال الآخرين ، وإن كانت الكيفية المذكورة منسوخة في شرعنا قطعاً(1) ؛ وأننا قد نتخذ من هذا الأصل قاعدة ننطلق منها ، فنقول لمن صدم سيارة لآخر _ وكان الحق على الصادم _ عوضْه عن ضرره ، أو أصلحها له حتى تعود كما كانت .
ولهذا قال ابن العربي بعد كلام طويل ساقه حول الآية في تحرير المسألة :
وليس في هذا ( أي الضمان ) اختلاف لما يروى عن النبيَّيْن المتقدميْن صلى الله عليهما وسلم في أصل الضمان ، وإنما هو خلاف في صفته(2).
ـ وأما السنة : فأحاديث كثيرة . منها ، ما رواه أنس بن مالك قال : أهدت بعض أزواج النبي إلى النبي طعاماً في قصعة ، فضربت عائشةُ القصعةَ بيدها،فألقت ما فيها ، فقال النبي :((طعام بطعام ، وإناء بإناء)) (3)وفي رواية البخاري : (( فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة )) أي دفع للرسول حامل الطعام قصعة عائشة الصحيحة بدلاً مما كسرت .
ومنهـا : مارواه حَرام بنُ سعد بن مُحَيِّصة ، أن ناقـة للبراء بن عازب دخلت حائط(4)رجل فأفسدت فيه ، فقضى رسول الله (( أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها))(5)أي مضمون على أهلها.
ـــــــــــــــــــ
(1) ينظر : الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11/203 وما بعدها .
(2) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي 3/1268 . وينظر أيضاً : أحكام القرآن للجصاص 3/291.
(3) رواه البخاري في المظالم ( باب : إذا كسر قصعة أو شيئاً لغيره برقم 2349 ) وأبو داود /3567/ والترمذي /1359/ واللفظ له .
(4) حائطاً : أي بستاناً ، جمعه حوائط . ينظر : المصباح المنير ، مادة ( حوط ) .
(5) رواه مالك في الموطأ ( القضاء في الضواري والحرية 2/117 ) ، وأبو داود /3570/ ، وعبد الرزاق في المصنف /18437/ ، وابن ماجه /2332/ .
ـ11ـ
   قال ابن عبد البر : هذا الحديث وإن كان مرسلاً فهو حديث مشهور أرسله الأئمة ، وحدث به الثقات ، واستعمله فقهاء الحجاز ، وتلقوه بالقبول ، وجرى في المدينة العمل به(1) .
ـ وقد أجمع أهل العلم والفقه استناداً إلى ما ذكرنا من النصوص ، على أن الدماء والأموال مصونة في الشرع ، وأن الأصل فيها الحظر ، وأنه لا يحل دم الإنسان ، ولا يحل ماله إلا بحق(2) .

ـــــــــــــــــــ
(1) التمهيد لابن عبد البر 13/172 ، والاستذكار له أيضاً 7/205 .
(2) المغني 7/360و11/443 ، الإفصاح لابن هبيرة 2/‌22، رحمة الأمة لأبي عبد الرحمن الدمشقي ص173.
ـ12ـ

المبحث الثاني : القواعد الفقهية المقررة للضمان ، وتعيين الضامن .

إن من المؤكد أن الإحاطة بمسائل الحوادث واعتبار السائق ضامناً فيها أمر بعيد المنال ، ولذا نجد أنفسنا مضطرين للبحث عن قواعد عامة مستمدة من نصوص الشريعة ، وفتاوى الصحابة وأقضيتهم ، وربما للبحث في بطون المراجع الفقهية المطولة ، فلعلنا نجد لبعض هذه المستجدات نظيراً أو مشابهاً فنلحقها بما ذكره الفقهاء الأولون ، والله المستعان ، وسوف أقسم هذا البحث إلى مطلبين :
المطلب الأول : القواعد العامة في منع الضرر وضمانه .
المطلب الثاني : القواعد الخاصة في تعيين الضامن للضرر .
المطلب الأول : القواعد العامة في منع الضرر وضمانه .
القاعدة الأولى : لا ضرر ولا ضِرار(1) .
الضرر :إنزال الضرر بالغير .
والضِّرار : بكسر الضاد ، من ضره وضارّه ، بمعنى واحد ، إذا ألحق به ضرراً فيكون الثاني تأكيداً للأول ، ولكن المشهور _ والأولى _ أن بينهما خلافاً ، لأن حمل اللفظ على التأسيس أولى من حمله على التأكيد ، لإفادته معنى جديد زائداً على الأول .
واختلف في الفرق على أقوال ، أحسنها :
أن معنى الأول : ( الضرر ) إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً .
ومعنى الثاني ( الضِّرار ) إلحاق مفسدة بالغير على وجه المقابلة والمجازاة . ولكن الأفضل أن يعفو عنه أو يأخذ حقه فقط(2) .
ـــــــــــــــــــ
(1) هذه القاعدة نص حديث نبوي :رواه مالك في القضاء(باب:القضاء في المرفق)وابن ماجه/2341/ والدار قطني 4/228 وغيرهم ، وهو حديث حسن بتعدد طرقه ، حسنه النووي في أربعينه .
(2) النهاية لابن الأثير 3/81 ، لسان العرب ، مادة ( ضرر ) .
ـ13ـ
قلت : وهذا أليق بلفظ الضرار ، إذ الفِعال مصدر قياسي لـ ( فاعَلَ ) الذي يدل على المشاركة .
وهذه القاعدة تشير إلى أن مقابلة الضرر بمثله لا يحل شرعاً _ إلا استثناء كالقصاص _ ولمن وقع عليه الضرر أن يعفو أو يأخذ عوضاً عنه فمن صدمت سيارته من آخر عن قصد أو غير قصد ليس له أن يصدم سيارة المعتدي وإنما عليه أن يعفو أو يأخذ العوض حتى تعود سيارته كما كانت .
ومن هنا ندرك أن المقصود بمنع الضرار نفي فكرة الثأر المحض الذي يزيد في دائرة الضرر _ ولو على وجه المقابلة _ بغير انتفاع ، وأن المشروع تضمين المتلف مثل ما أتلف أو قيمته ، فإن فيه نفعاً بتعويض المضرور ، وتحويلاً للضرر نفسه إلى حساب المعتدي ، فأصبحت مقابلة الإتلاف بالإتلاف مجرد حماقة يتنزه عنها التشريع المنزل من حكيم حميد .
ثم إن هذه القاعدة مقيدة إجماعاً بغير ما أذن به الشرع من الضرر كالقصاص والحدود وسائر العقوبات ، فهي مطلوبة شرعاً _ وإن كان فيها ضرر _ حفاظاً على الحقوق وأمن المجتمع ، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، على أن العقوبات لم تشرع في الأصل إلا لدفع الضرر (1) .


ـــــــــــــــــــ
(1) شرح الزرقاني على الموطأ 4/40 ، شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقاء ص113 .
ـ14ـ

القاعدة الثانية : الضرر يزال(1) .
هذه القاعدة إحدى القواعد الكلية ، ولها أهمية كبيرة ، لأنها تدخل في كل أبواب الفقه التي فيها رفع ضرر واقع أو متوقع ، فهي توجب إزالة الضرر عن المضرور وترميم آثاره بعد الوقوع .
ـ ففي ميدان الحقوق العامة : إذا أوقف سيارته في طريق الناس بحيث يضر بالسيارات المارة أو بالمشاة المارين ، فإنه يمنع من ذلك إزالة للضرر المتوقع .
ومن هنا قال الفقهاء : إذا شرع ميزابه على الطريق العام ، أو تعدى عليه ببناء دَكّة(2)بحيث يضر بالمرين يمنع من ذلك ، ويزال إن أحدثه إزالة للضرر ، بل لو تضرر بذلك شخص فهذا المالك ضامن لتعديه(3) .
ـ وفي ميدان الحقوق الخاصة : إذا صدم بسيارته فإنه يضمن عوض ما أتلف من نفس أو مال ، لأنه ضرر ، والضرر يزال ، أي يجب إزالته عن المضرور ، ولا يكون ذلك إلا بتعويضه عن الضرر ، والضرر أحد أسباب ثلاثة للضمان في الفقه الإسلامي(4) . فإن كان الضرر على النفس فالدية أو الحكومة(5) ، وإن كان على المال قُوّم من قبل أهل الخبرة الثقات .
ـــــــــــــــــــ
(1) ينظر : الأشباه والنظائر للسيوطي ص83 ، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص105 .
(2) الدَّكّة : المكان المرتفع يبنيه الشخص عند باب داره ليجلس عليه ، ويكون ذلك على الرصيف (أي في طريق المارة ) . المصباح المنير ، والمعجم الوسيط . مادة ( دكّ ) .
(3) الدر المختـار بحاشية ابن عابدين 6/592 ، الدسوقي على الشرح الكبير 5/35 ، نهاية المحتاج 7/357 ، المغني 12/98 .
(4) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1/37 ، نظرية الضمان في الفقه الإسلامي د/فوزي فيض الله ص19.
(5) هي العوض المالي الذي يقدره الحاكم لجرح في الجسم أو كسر عظم أو شجاج في الرأس .

ـ15ـ
القاعدة الثالثة:المرور في الطريق مباح بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه.
هذه القاعدة ذكرها غير واحد من الفقهاء ، والبعض الآخر ذكر المعنى(1) ،  فكأن الجميع متفقون عليها من حيث المضمون .
والطريق من المرافق العامة المشتركة بين الناس جميعاً ، فلكل واحد الحق في المرور به والوقوف فيه ، وله سائر الانتفاعات ولو بدابته أو سيارته ، ولكن بشرط أن لا يحدث فيه ضرراً للناس وهو قادر على التحرز منه . فإن خالف فهو مضار آثم، ضامن ، لم يؤد الطريق حقه .
ففي الحديث عن النبي أنه قال : (( إياكم والجلوس في الطرقات ، قالوا يا رسول الله ما لنا بدٌّ من مجالسنا ؛ نتحدث فيها ، قال رسول الله : فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ، قالوا : وما حقه ؟ قال : غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر )) (2).
وجه الاستدلال :
أن الحديث أباح الجلوس في الطريق ، ومثله سائر الانتفاعات ، ولكن بشرط السلامة وعدم الأذى والإضرار بالآخرين (3)، فإن آذى فهو ضامن . ويؤيد ذلك ويوضحه أكثر ما روي أن النبي قال : (( من أوقف دابة في سبيل من سبل المسلمين ، أو في سوق من أسواقهم ، فأوطأت بيد أو رِجْل ، فهو ضامن ))(4) .
ـــــــــــــــــــ
(1) ينظر : الدر المختار بحاشية ابن عابدين 6/602 ، نهاية المحتاج للرملي 5/342 ، المغني لابن قدامة 12/545 ، درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر 2/639 ( المادة 932 ) .
(2) رواه البخاري في المظالم ( باب : أفنية الدر والجلوس فيها ...برقم 2333 ) ومسلم في اللباس والزينة ( باب : النهي عن الجلوس في الطرقات برقم 5528 ) وغيرهما .
(3) ينظر : فتح الباري لابن حجر 5/135 .
(4) رواه الدار قطني 3/179 . وفيه سري بن اسماعيل الهمداني ، وهو متروك الحديث كما قال ابن حجر في التهذيب 3/459 . قلت : لكن القواعد الشرعية تؤيده كما سيتضح ذلك فيما بعد .
ـ16ـ
وجه الاستدلال :
أنه ضمّن ما أوطأته دابته _ ومثلها السيارة _ وإن كان انتفاعه في الطريق حقاً ثابتاً له ولغيره من الناس .
وحيث كان قادراً على التحرز ومنع الضرر ولكنه لم يحترز فإنه يضمن ، لأنه تعسف في استعمال حقه ، فلو كان راكباً سيارته في شارع فتناثر من تحت عجلاتها طين أو حصى فأتلف ثياباً أو كسر زجاجاً أو غير ذلك ، ضمن إن كان مسرعاً لأنه بإمكانه أن يحترز عن الإضرار بالسير الهادئ المعتاد الذي لا ينتج عنه ما ذكر . ولكنه فعل غير المعتاد فضمن لتعديه ، وعليه نصت مجلة الأحكام العدلية إذ تقول في المادة /932/ ما نصه :
( لكل أحد حق المرور في الطريق العام مع حيوانه أيضاً ، فلذلك لا يضمن المار راكباً على حيوانه في الطريق العام الضرر والخسارة الذين لا يمكن التحرز عنهما ) (1).
وقال الخطيب الشربيني :
ويحترز راكب الدابة عما لا يعتاد فعله له كركض شديد في وَحَل ، فغن خالف ضمن ما تولد منه لتعديه ، وفي معنى الركض في الوحل الركض في مجتمع الناس واحتراز بالركض الشديد عن المعتاد فلا يضمن ما يحدث عنه ، فلو ركضها كالعادة ركضاً ومحلاً وطارت حصاة لعين إنسان لم يضمن(2) . فتحصل من ذلك أن المرور في الطريق لراكب السيارة مباح بشرط السلامة والتحرز عما قد يحدث من ضرر ، ولا يكون ذلك إلا بمراعاة : واقع الحال ، وقواعد المرور .
ـــــــــــــــــــ
(1) درر الحكام شرح مجلة الأحكام 2/639 ، وينظر أيضاً : رد المحتار 6/604 ، نظرية الضمان للدكتور فوزي فيض الله ص176 .
(2) مغني المحتاج للخطيب الشربيني 4/270_271 .
ـ17ـ
وبناءً على هذه النصوص والقواعد العامة ، وعلى ضوئها ، استخلص الفقهاء قواعد وأحكاماً خاصة تحمل المسؤولية الشرعية والمدنية للسائق المتسبب في إزهاق روح أو إتلاف مال .
فلنستعرض هذه القواعد الخاصة ، وشيئا ًمن تطبيقات الفقهاء عليها ، ولنحاول نقل ما ذكروه من المسائل إلى نظيراتها مما استحدث ، مستمدين العون والسداد من الحكيم الوهاب في مبحث خاص .




المطلب الثاني : القواعد الفقهية الخاصة بتعيين الضامن( السائق أو المتسبب ) .

القاعدة الأولى : المباشر [ أي السائق هنا ] ضامن ، وإن لم يكن متعدياً .
هذه القاعدة ذكرها الفقهاء بعبارات متقاربة ، إلا أنهم متفقون على مضمونها(1) وهي من أهم القواعد المتبعة في مسألة ضمان الضرر .
وأصل هذه القاعدة المـادية الثانية والتسعون من مجلة الأحكـام العدليـة بلفظ ( المباشر ضامن ، وإن لم يتعمد ) والمراد بالتعمد التعدي ، لأن الأموال مضمونة في العمد والخطأ ، والفرق أن الخطأ لا إثم فيه ، ولكنهما في الضمان سواء ، ولهذا يضمن الصغير والمجنون ما يحدثانه من إتلافات وإن كان فعلهما لا يوصف بالإثم والتقصير ،لأن المقصود بالضمان تعويض المالك إذْ ليس في الإسلام _ كما ذكرنا _ دم أو مال يطل(2) ، وإنما هو مضمون لصاحبه(3) .
روي أن رجلاً استأجر ثلاثة يحفرون له حائطاً ، فضربوا في أصله جميعاً ، فوقع فمات أحدهم ، فاختصموا إلى شريح(4) ، فقضى على الباقين بثلثي الدية(5). أي لأن المباشرة كانت من الثلاثة جميعاً فتحمل الميت الثلث وبقي له الثلثان .
فالمباشر للإتلاف بدابة أو سيارة ضامن مطلقاً ، تعمد ذلك أو كان خطأً ، تعدى أو لم يتعدّ ، فمن كان يحمل على دابة أو سيارة أشياء ثم مر بسوق عام _ مثلاً_
ـــــــــــــــــــ
(1) ينظر : رد المحتار لابن عابدين 6/603 ، الذخيرة للقرافي المالكي 8/259 ، شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقاء ص385 .
(2) يطل : يهدر ، فلا يكون له دية أو عوض . النهاية في غريب الحديث 3/136 .
(3) الدر المختار 6/146 ، الشرح الكبير بحاشية الدسوقي 4/480 ، نظرية الضمان للدكتور فوزي فيض الله ص202و210 .
(4) هو أبو أمية ، شريح بن الحارث بن قيس الكندي ، أصله من اليمن ، من أشهر القضاة الفقهاء في الإسلام ، ولي قضاء الكوفة خمساً وسبعين سنة لعمر وعثمان وعلي ومعاوية ، كان ثقة في الحديث مأموناً في القضاء ، عمّر طويلاً ومات بالكوفة سنة ثمان وسبعين للهجرة ) . ينظر : حلية الأولياء 4/132، شذرات الذهب 1/85 .
(5) رواه ابن أبي شيبة في المصنف 5/447 برقم /27866/ .
ـ19ـ
فوقعت منه حاجة فأتلفت روحاً أو مالاً ضمن ، لأنه مباشر ، والمباشر ضامن ولو انفلتت عجلة السيارة وهو يمشي في الطريق فأصابت شخصاً أو مالاً فأتلفته ضمن لأن ذلك دليل تقصيره في عدم الشد والإحكام ، ولأنه أيضاً مباشر ، والمباشر ضامن مطلقاً(1) . لأن حقوق الغير مضمونة شرعاً في كل حال : العمد والخطأ . فالقاتل عمداً أو خطاً ضامن ، ولكن في حال الخطأ أو عدم التعدي ينتفي عنه وصف الإثم فقط ، للحديث : (( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه )) (2) .
قال ابن رجب الحنبلي :
والأظهر _ والله أعلم _ أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما ، لأن الأمر مرتب على المقاصد والنيات ، والناسي والمخطئ لا قصد لهما فلا إثم عليهما وأما رفع الأحكام عنهما فليس مراداً من هذه النصوص(3) .
ولهذا قال ابن غانم البغدادي :
المباشر ضامن ، وإن لم يتعد ، والمتسبب لا يضمن إلا إذا كان متعدياً(4) . فلا يشترط لتضمين المباشر للإتلاف تعمد أو تعد ، سواء كان فعله محظوراً في أصله _ ولو من قبل ولي الأمر _ كالسرعة الزائدة ، أو تجاوز الإشارة الحمراء ، أو سيره في طريق معاكس ، أو مباحاً كسيره بسيارته في الشارع مع مراعاته لنظام السير ، لعموم القاعدة في كل الأحـوال ، إلا أن مجلة الأحكام العدليـة
ـــــــــــــــــــ
(1) رد المحتار على الدر المختار 6/603 ، نظرية الضمان للدكتور فوزي فيض الله ص184 .
(2) رواه ابن ماجه /2044/ والبيهقي 7/356 وغيرهما ، وحسنه النووي في الأربعين .
(3) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ص456 . ط1 دار الريان ، القاهرة 1407هـ .
(4) مجمع الضمانات لابن غانم البغدادي الحنفي 1/345 .
ـ20ـ
العثمانية _ وهي مأخوذة من الفقه الحنفي وقليل من غيره _ ذكرت قاعدة تقول فيها : ( الجواز الشرعي ينافي الضمان )(1)وهذا ظاهر في أن السائق المباشر لا يضمن في حال مراعاة النظام ، لأنه يفعل مباحاً لا يتعدى فيه ، والجواز الشرعي ينافي الضمان ، وهو اعتراض حسن ، إلا أن الفقهاء خصصوا عدم الضمان هذا المفهومَ من القاعدة بالحقوق _ والمرور حق للسائق _ التي لا تتقيد بشرط السلامة ، أما الحقوق التي تتقيد بشرط السلامة فيعتبر الماشي ( أي ومثله السائق) فيها ضامناً مطلقاً كما ذكرنا قبل قليل ، لأنه يتصرف في حقه من وجه وفي حق غيره من وجه ، لكون الطريق مشتركاً بين كل الناس فقيل بالإباحة مقيداً بالسلامة ليعتدل النظر من الجانبين .
قال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي :
الارتفاق بالطريق مشروط بسلامة العاقبة(2) .
   وقال العلامة الزرقاء :
( الجواز الشرعي ) وهو كون الأمر مباحاً ، فعلاً كان أو تركاً ( ينافي الضمان ) لما حصل بذلك الأمر الجائز من التلف .
ولكن بشرطين :
أ_ أن لا يكون الأمر الجائز مقيداً بشرط السلامة .
ب_ أن لا يكون عبارة عن إتلاف مال الغير لأجل نفسه (3).
ـــــــــــــــــــ
(1) ينظر : شرح المجلة لعلي حيدر 1/92 ، شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقاء ص381 .
(2) مغني المحتاج 4/272 .
(3) شرح القواعد الفقهية للعلامة أحمد الزرقاء ص381 ، وينظر أيضاً : درر الحكام شرح المجلة لعلي حيدر 1/43و92 .
ـ21ـ
فلو حصل حريق في دكان جاره فهدمه خشية أن ينتقل الحريق إلى دكانه فهو ضامن ، لأن ذلك وإن كان جائزاً شرعاً قطعاً للمفسدة واضطراراً لدفع الأذى عن نفسه ، لكن إنما فعله لأجل نفسه ، فيضمن ، ولو انحرف بسيارته عن خط سيره اتقاء لدهس شخص فأصاب مالاً لآخر فأتلفه ، فإنه يضمنه ، ولا يعتبر له ارتكاب أخف الضررين برأيه مبرراً لعدم الضمان ، لأن الاضطرار لا يلغي حق الغير(1).
التفريق بين المباشر والمتسبب حال الضمان : 
   بعد ما تقدم من أن المباشر هو الضامن ، سواء كان بفعل مباح _ كما ذكرنا_ أو محظور ، لا بد لنا من تحديد معنى المباشرة بمفهومها الصحيح ، لئلا تلتبس بالتسبب بالإتلاف .
   وقد عرف الفقهاء المباشر بأنه : ( من يحصل التلف بفعله من غير أن يتخلل بين فعله والتلف فعلُ مختار )(2) فإن تخلل بين فعله والتلفِ فعلُ شخصٍ مختارٍ لم تتحقق المباشرة عندئذ ، فلا يضمن ، مثال ذلك : من أصاب بسيارته شخصاً في قدمه فوقع جانباً ، فجاءت سيارة أخرى فدهسته فمات ، فإن الأول لا يضمن ، والضمان على الثاني ، مع أن الأول هنا متسبب بذلك ، ولكن الفقهاء قالوا :
إذا اجتمع المباشر والمتسبب في الإتلاف أضيف الحكم إلى المباشر إذا كان السبب لا يعمل في الإتلاف لو انفرد عن المباشرة ، كما ذكرنا في المثال .
   ولا يشترط في هذا المباشر أن يكون مكلفاً ( أي بالغاً عاقلاً ) فلو كان السائق صغيراً مميزاً _ كما يحدث أحياناً _ فأحدث إتلافاً في نفس أو مال ضمن تعويض
ـــــــــــــــــــ
(1) المجموع للنووي 9/46 وما بعدها ، مجمع الضمانات لابن غانم البغدادي 1/163 .
(2) غمز عيون البصائر للحموي شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي 1/466 ، حاشية القليوبي وعميرة على شرح المنهاج 2/28و 4/98 ، المدخل الفقهي العام 2/1044 .
ـ22ـ
 ما أتلف ، لأن ضمان الإتلافات لا يشترط فيها أهلية الأداء ، بل يكفي في تحمل تبعاتها أهلية الوجوب ، وهي موجودة في الصغير(1) . فعن الزهري وقتادة أنهما قالا : ( مضت السنة أن عمد الصبي والمجنون خطأ ) (2) . أي لا قود عليهما ، وإنما عليهما الضمان كخطأ المكلف .
ولكن ينبغي التمحيص وإمعان النظر في واقع الحال ، هل كان حادث الإتلاف بمباشرة أو تسبب ، لان لذلك تأثيراً في الحكم ، وذلك هو عمل رجال الأمن ، وعليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم في معرفة الحقيقة مراعين في ذلك تقوى الله عز وجل وتحري العدل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً .
ولنعرض بعضاً من نصوص الفقهاء بهذا الخصوص :
قال الإمام الكاساني من الحنفية :
( لو نفرت الدبة من الرجل أو انفلتت منه ، فما أصابت في فورها ذلك فلا ضمان عليه لقوله : (( العجماء جبار )) أي البهيمة جرحها جبار ، لأنه لا صنع له في نفارها وانفلاتها ، ولا يمكنه الاحتراز عن فعلها ، فالمتولد منه لا يكون مضموناً )(3) . فالمباشرة هنا لا يمكن أن تنسب لراكب الدابة ، فلا يضمن ، لأنها خرجت عن إرادته بنفارها فلم يقتدر على المنع .
   وقال ابن مفلح من المحنابلة :
( إن غلبت الدابة راكبها بلا تفريط لم يضمن ) (4) .
ـــــــــــــــــــ
(1) المدخل الفقهي العام 2/744 ، أصول الفقه لأبي زهرة ص332 .
(2) رواه عبد الرزاق في المصنف 10/70 برقم /18391/ .
(3) بدائع الصنائع 7/273 ، وينظر أيضاً : تكملة البحر الرائق للطوري الحنفي 9/128 وما بعدها.
(4) الفروع لابن مفلح 6/6 نقلاً عن الرعاية ، وينظر أيضاً شرح منتهى الإرادات للبهوتي 6/81  .
ـ23ـ
وقال الرملي الشافعي :
لو كان راكبها يقدر على ضبطها فاتفق أنها غلبته لنحو قطعِ عنان وثيق ، وأتلفت شيئاً لم يضمن على ما قاله بعضهم(1)،والمعتمد كما اقتضاه كلامهما(2)، واعتمده البُلقيني وغيره ، وأفتى به الوالد _ رحمه الله تعالى _ الضمان(3) .
   وقال القرافي المالكي : إن جمحت براكبها ، وعلم أنه مقلوب ضمن ما أصابت ، لأن ركوبه سبب ذلك(4).
والخلاصة أنهم انقسموا إلى قسمين :
1_ الحنفية والحنابلة : قالوا بعدم ضمانه ، لأن المباشرة الفعلية منه لم تتحقق لانعدام إرادته .
2_ والمالكية والشافعية : قالوا بضمانه ، لأنه مباشر حقيقة ، ولم يعتبروا جموح الدابة مؤثراً في إسقاط الضمان .
والذي أراه_والله أعلم_إنه إن كان يعلم أن ذلك من خلق الدابة وعادتها فهو ضامن قطعاً ، لتقصيره في ركوبها وتعريضها لذلك،وإن كان ذلك ليس خلقاً لها وإنما هو طارئ لنفرة من شيء لا يضمن كما هو مذهب الأولين ، ولا يمكن أن ننسب إليه تقصيراً .
ولعل هذا التفصيل أولى مما ذهب إليه الشيخ محمد تقي العثماني من ترجيحه القول الأول دون قيد مطلقاً(5) .
ـــــــــــــــــــ
(1) وهذا موافق لقول الحنفية والحنابلة .
(2) أي كلام الشيخين في المذهب الشافعي ، وهما : الرافعي والنووي .
(3) نهاية المحتاج للرملي 8/39 ، وينظر أيضاً : العزيز شرح الوجيز للرافعي 11/331 .
(4) الذخيرة لشهاب الدين القرافي 12/266 .
(5) ينظر : بحوث في قضايا فقهية معاصرة . للشيخ محمد تقي العثماني ص299، ط1،دار القلم ، دمشق 1419هـ.
ـ24ـ
  وعلى أي حال لا يصح أن نقيس السيارة إذا انفلتت كوابحها على الدابة وندخلها تحت هذا الخلاف ، بل ينبغي القطع _ فيما أراه والله أعلم _ بضمان سائق السيارة لأن ذلك يكون دليلاً على تقصيره في الصيانة وعدم اكتراثه ، وذلك يلزمه بالضمان ، ولا إرادة للسيارة ، بخلاف الدابة فإن لها إرادة قد تطغى على إرادة راكبها فتعجزه .
ومن هنا ذكر الفقهاء أنه إذا لم تتحقق المباشرة من الراكب ، بل كانت بسبب آخر لم يضمن ، وإنما يضمن المتسبب ، لأن المباشرة تكون من قبله .
ولننقل بعض النصوص في ذلك للإيضاح وتحقيق القول .
   قال الإمام محمد _ صاحب أبي حنيفة _ رحمه الله  :
إذا سار الرجل على دابة في الطريق ، فنخسها رجل آخر أو ضربها ، فنفحت(1) رجلاً فقتلته كان ذلك على الناخس دون الراكب . وإذا نفحت الناخس كان دمه هدراً . ولو ألقت صاحبها الذي عليها من تلك النخسة فقتلته ، كان الناخس ضامناً للدية على عاقلته ، ولو وثبت بنخسته على رجل فقتلته أو وطئت رجلاً فقتلته كان ذلك على الناخس دون الراكب(2) .
وبمثل هذا قال : الأئمة الثلاثة الآخرون(3) .
فأنت ترى أنهم متفقون على إلغاء المباشرة واعتبار المسبب هو الضامن . وقد ورد في ذلك أثر لابن مسعود ، أنه ( أقبل رجل بجارية من القادسية ، فمر على رجل واقف على دابة ، فنخس الرجل الدابة ، فرفعت الدابة رجلها ، فلم تخطئ عين الجارية ، فرفع إلى سلمان بن ربيعة الباهلي ، فضمن الراكب ، فبلغ ذلك ابن مسعود ، فقال : على الرجل ، إنما يضمن الناخس ) (4) .
ـــــــــــــــــــ
(1) نفحت الدابة : ضربت بحافرها .
(2) الأصل ( المبسوط ) للإمام محمد بن الحسن الشيباني 4/501 . وينظر أيضاً : الفتاوى الهندية 6/51.
(3) الذخيرة للقرافي المالكي 12/265 ، نهاية المحتاج 8/39 ، المغني لابن قدامة 12/5444 .
(4) رواه ابن أبي شيبة بلفظه في المصنف 5/456 برقم /27949/ ، وعبد الرزاق مختصراً في المصنف 9/422 برقم /17871/ .  
ـ25ـ
وقد ذكر الفقهاء أيضاً أن الدابة إذا سقطت ميتة على الأرض وعليها الراكب فأتلفت شيئاً لا يضمن الراكب ، أو هو الذي سقط ميتاً أو بسبب مرض فأتلف شيئاً لا يضمن ، لأننا لا نستطيع أن ننسب إليه فعل الضرر بالآخرين أو بأموالهم(1). ولكي لا أطيل في نقل نصوص الفقهاء أكتفي بذكر بعضها ليتبين لنا مدى دقة الفقهاء في تحديد المسؤولية عند حدوث الإتلاف أو الصدام ، وما ينبني على ذلك من أحكام .
قال الإمام الرافعي الشافعي :
ولو كان الرجل على دابة فسقطت ميتة(2) وأهلكت مالاً ، أو مات الراكب وسقط على شيء لم يضمن(3) .
  وفي مسألة اصطدام راكبين أو سفينتين ، ومثل ذلك سيارتين .
   قال الإمام الشافعي :
إذا اصطدم الفارسان لم يسبق أحدهما صاحبه ، بأن يكون صادماً ، فماتا معاً وفرساهما ، فنصف دية كل واحد منهما على عاقلة صادمه ، من قِبَل أن كل واحد منهما في الظاهر مات من جناية نفسه وجناية غيره ، فترفع عنه جناية نفسه ، ويؤخذ له بجناية غيره ، وهكذا فرساهما ، إلا أن نصف قيمة فرس كل واحد منهما في مال صادمه ، دون عاقلته(4) .
وقال الإمام محمد _ صاحب أبي حنيفة_ رحمه الله :
   إذا اصطدم الفارسان ، فقتل كل واحد منهما صاحبه ، فدية كل واحد منهما على صاحبه(5) .
ـــــــــــــــــــ
(1) العزيز شرح الوجيز للرافعي 11/336 ، مغني المحتاج 4/270 .
(2) ومثل ذلك المرض أو الريح الشديدة ، أو غير ذلك مما يفقد الراكب _ كالموت _ والدابة إرادتهما بأي آفة سماوية .
(3) العزيز شرح الوجيز للرافعي 11/336 .
(4) الأم للشافعي 6/185 ، وينظر أيضاً : روضة الطالبين للنووي 9/331 .
(5) الأصل ( المبسوط ) للإمام محمد الشيباني 5/500 ، وينظر أيضاً : تكملة البحر الرائق للطوري 9/133.
ـ26ـ
ومثل هذا مذهب المالكية والحنابلة(1) .
وسيأتي بيان ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى .
والذي يهمنا في هذا المقام أن نقول : إن الفقهاء تعمقوا في المسؤولية الجنائية _ وإن لم يسموها نظرية _ وبحث أركانها : المباشرة ، والتسبب ، واشتراكهما في الجناية أو الإتلاف(2) . وفرعوا من ذلك فروعاً ومسائل دقيقة جداً متحرين في ذلك العدل والإنصاف وصولاً إلى رضـوان الله الذي أمر بالعدل . قال تعالى : وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل (3) .
وإن هذه النقطة ( التمييز بين السبب والمباشرة ) مهمة جداً ، نظراً لفائدتها الكبيرة في حوادث السيارات ، وغيرها من مسائل الإتلاف للأنفس أو الأموال .






*      *      *






ـــــــــــــــــــ
(1) الذخيرة للقرافي 12/260 ، المغني لابن قدامة 12/545.
(2) ينظر : التشريع الجنائي الإسلامي ، عبد القادر عودة 1/450 .
(3) سورة النساء آية 58 .
ـ27ـ
القاعدة الثانية : المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي .
أصل هذه القاعدة في مجلة الأحكام العدلية ( المادة 93 ) بلفظ ( المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد ) ومعنى ذلك أنه يشترط لضمان المتسبب شيئان :
أ_ أن يكون متعمداً .
ب_ أن يكون متعدياً .
وعليه لو ذعر حيوان شخص من آخر ، وفر ، فلا ضمان على الشخص الذي فر منه الحيوان ما لم يكن متعمداً(1) .
إلا أن الشيخ مصطفى الزرقاء _ رحمه الله _ نبه إلى أن في عبارة المجلة تسامحاً وتساهلاً ، لأن حقوق الغير مضمونة شرعاً في حالتي العمد والخطأ ، بل في حالة الاضطرار المبيح للمحظورات أيضاً(2) .
كما لو أكل طعاماً لآخر مضطراً ، أو ركب له سيارة مضطراً هرباً من عدو أو حيوان ، فإنه ضامن .
فالضمان إذاً يبنى على مجرد التعدي ، ولو لم يكن ثمة قصد أو تعمد .
   ولعل أهم مستند لهذه القاعدة : ما تقدم عن ابن مسعود في مسألة الجارية وقوله:(إنما يضمن الناخس)وهو مروي أيضاً عن شريح وعامر الشعبي(3) وغيرهم. والسبب في اللغة : الحبل ، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى آخر(4) ، والمتسبب في الحادثة : هو الذي يفعل ما يؤدي إليها ، ولا يباشرها مباشرة(5) .
ـــــــــــــــــــ
(1) ينظر : درر الحكام شرح المجلة 1/94 .
(2) ينظر : المدخل الفقهي العام لأستاذنا الفاضل الشيخ مصطفى الزرقاء _ رحمه الله _ 2/1046.
(3) رواهما ابن أبي شيبة في المصنف 5/457برقم /27950/و/27951/.وينظر أيضاً:مصنف عبد الرزاق 9/423.
(4) المصباح المنير . مادة ( سب ) ، الكليات لأبي البقاء الكفوي 495و503 .
(5) المدخل الفقهي العام 2/1045 ، وينظر أيضاً شرح الحموي على قواعد ابن نجيم 1/466.
ـ28ـ
فإذا انفرد المتسبب في الحادثة كان من موجبات الضمان بشرط أن يكون المتسبب متعدياً في غير ملكه ، كما لو حفر شخص حفرة أمام بيته بغير إذن الحاكم ، أو بإذنه ولكنه لم يحطها بحواجز أو إشارات تمنع أو تحذر من السقوط فيها ، فوقع فيها أعمى أو حيوان أو سيارة ، فإن هذا الحافر ( المتسبب ) يضمن ضرر الأنفس والأموال ، ولو حفرها في ملكه فوقع فيها شخص لم يضمن ، لأن فعله في ملكه لا يوصف بالتعدي ، فلا يترتب عليه ضمان .
وكذا لو وضع شخص مسامير تحت عجلة السيارة فتلفت بذلك العجلة ، فإن هذا المتسبب يضمن تلف السيارة وما نجم عنها من تلف بسبب انحرافها مثلاً . وهكذا ... كلما انفـرد التسبب في الحادثة كان موجباً للضمان إذا كان المتسبب متعدياً .
ولكن ماذا لو اجتمع في الحادثة متسبب ومباشر ؟ هذا ما سنبحثه في القاعدة الآتية ( الثالثة ) .




*      *      *




ـ29ـ

القاعدة الثالثة : إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر .
هذه القاعدة مأخوذة _ بلفظها _ من الأشباه لابن نجيم الحنفي(1) ، وهي نص المادة /90/ من مجلة الأحكام العدلية .
وتقدم أن المباشر : هو الذي يحصل منه الإتلاف مباشرة ، وأن المتسبب : هو الفاعل للسبب المفضي إلى وقوع الإتلاف .
مثال ذلك : لو حفر شخص حفرة في الطريق ، فألقى شخص حيواناً في الحفرة لآخر ، ففي هذه الحال اجتمع المتسبب والمباشر في الإتلاف ، فلولا الحفر لم يحصل ، ولولا الإلقاء من الآخر لم يحصل ، وعندئذ يقدم المباشر وهو الملقي ، لأن فعله في الإتلاف أقوى . وكذا لو دل شخص لصاً على مال فذهب اللص وسرقه فإن القطع يكون على اللص ، لا على الدال ، لأن فعله أقوى في تمثيل الجريمة ومع ذلك يعزر المتسبب بما يناسب فعله في التسبب .
ولو أمسك شخصاً فقتله آخر فالقاتل هو المباشر وعليه القصاص دون الممسك وإن كان الممسك لا يقتص منه ولكن يعاقب بالتعزير على تسببه(2) .
ولكن ينبغي أن يعرف أنه : إن كان فعل المسبب أقوى وأظهرَ في الإتلاف ، كما لو أعطى سلاحاً لصغير وأمره أن يقتل فلاناً ، أو أكره كبيراً على إتلاف مال وكان الإكراه تاماً(3) _ أو ملجئاً _ ففي هذه الحال يكون المسبب هو الفاعل
ـــــــــــــــــــ
(1) ينظر : الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي ص187 ، القاعدة التاسعة عشرة ، والأشباه والنظائر للسيوطي ص162 القاعدة الأربعون .
(2) تنظر هذه الأمثلة وغيرها : درر الحكام شرح المجلة 1/91 ، شرح القواعد الفقهية ص379 وما بعدها .
(3) الإكراه التام أو الملجئ : هو الذي يعرض النفس إلى التلف أو عضواً منها إن لم يفعل ، كأن يهدده بالقتل أو قطع عضو إن لم يتلف مال فلان . ففي هذه الحال ينعدم اختيار المكرَه ويصير كالآلة في يد المكرِه الحامل على الفعل ، ولا يكون الإكراه ملجئاً مفسداً للاختيار إلا بشروط .
   ينظر : شرح التلويح على التوضيح 2/414 ، أصول الفقه لأبي زهرة ص356 .
ـ30ـ
المؤثر في الإتلاف حقيقة والصغير المكرَه _ بفتح الراء _ ليس إلا آلة في يده ، فيضاف الحكم إلى المسبب فيكون هو الضامن(1) .
وقد ذكر ابن غانم البغدادي _ رحمه الله _ في المجمع مسألة ، فقال فيها :
( مر حمار عليه حطب ، وهو يقول : إليك إليك ، إلا أن المخاطَب لم يسمع ذلك حتى أصاب ثوبه وتخرق يضمن ، وإن سمع إلا أنه لم يتهيأ له التنحي بطول المدة فكذلك ، وأما إذا أمكنه ولم يتنحّ لا يضمن ) (2) .
فصاحب الحمار هنا مباشر ولكنه لا يعد متعدياً في حال سماع ندائه من قبل الشخص وأمكن المخاطَب التنحي ولم يتنحّ ، ولذا لا يضمن . ونظير هذه أن يضغط سائق السيارة على البوق ( البوري ) تنبيهاً للمارة لسيارة أخرى قادمة تخالف في السير،فإذا لم يمكنه الانحراف والتحرز عما أتلف والشخص _ صاحب المال _ سامع ولم ينحه لم يضمن السائق إذا لم يمكنه الوقوف ، ويعزى سبب الإتلاف إلى صاحب المال _ فيذهب ماله هدراً _ لأن تسببه في تلف المال أقوى من فعل المباشر ، إذ كان بإمكانه أن يدفع الإتلاف ولكنه لم يفعل ، فذهب ماله هدراً بغير ضمان .

*      *      *




ـــــــــــــــــــ
(1) بدائع الصنائع للكاساني 7/179 ، تكملة فتح القدير لقاضي زاده 8/176 .
(2) مجمع الضمانات لابن غانم البغدادي 1/425 .
ـ31ـ
المبحث الثـاني : مسؤولية السائق والتزاماته .

المطلب الأول : مسؤولية السائق وتطبيقاتها .
أولاً : مسؤولية السائق .
   بعدما ذكرنا من قواعد فقهية ، وشرح مختصر عليها للموضوع ، نرجع إلى أحكام بعض حوادث السيارات ، ونذكرها في ضوء ما شرحنا من القواعد الفقهية والجزئيات المتعلقة بها . فنقول : والله المستعان .
الأصل : أن سائق السيارة مسؤول عن كل ما يحدثه بسيارته من إتلافات ، لأنه المسير لها وهي آلة في يده تتحرك بإرادته ، وتتوقف بإرادته ، فكل ما ينشأ عنها يعتبر السائق مسؤولاً عنه جزائياً وشرعياً ، بالقياس على الدابة التي ذكرت أحكامها في نصوص السنة وعلى ألسنة الفقهاء باعتبارها وسيلة الركوب والنقل قبل هذا العصر ، ولكن ينبغي أن نلاحظ ونحن نذكر المسائل القديمة وأحكامها ونحاول الجمع بينها وبين نظيراتها في الحكم مما نحن بصدده ( حوادث السيارات ) أن ثمة فرقاً واضحاً بين ما تتلفه الدابة ، وما تتلفه السيارة ، من حيث إن الدابة تتحرك بنفسها وبإرادتها أحياناً ، بل ربما يفقد السائق سيطرته عليها ، في بعض الأحوال ، فلا يحكم عليه الفقهاء عندئذ بالضمان ، بل إنهم في الأحوال الطبيعية لا يحكمون بضمان ما تنفح الدابة برجلها مع وجود الراكب عليها لعدم تمكنه من التحرز . أما السيارة فهي آلة بيد السائق يحركها متى شاء وكيف شاء ، ويوقفها كذلك . ولهذا الفرق نقول : إن السائق يضمن ما تتلفه السيارة بحركتها من الأمام والخلف والجوانب ، لأن ذلك كله بالنسبة للسائق سيان . وقد أصاب الشيخ محمد تقي العثماني كبد الحقيقة حين نبه إلى هذا الفرق في بحثه القيم (1) .
ـــــــــــــــــــ
(1) بحوث فقهية معاصرة للشيخ محمد تقي العثماني ص311 .
ـ32ـ
   فالأصل  إذن أنه ضامن لكل ما ينشأ عنها من ضرر .
ـ فإن كان متعدياً : بأن جاوز الإشارة الحمراء ، أو سار في طريق معاكس ، او أسرع في مكان مزدحم يتطلب التؤدة والهدوء ، أو أوقفها في مكان غير مأذون فيه فكرت راجعة أو متقدمة ، أو انشغل لمكالمة هاتفية فشرد بذهنه ، ففي كل ذلك يضمن ما تتلفه سيارته بلا ريب ، لتعديه قواعد المرور ، والمباشر ضامن بكل حال فكيف إذا كان متعدياً فإنه يضمن بالأولى ، كما هو نص القاعدة المتقدمة .
ـ ولكن ما الحكم لو أنه حدث منه إتلاف ( أي من سيارته ) مع مراعاته لقواعد المرور ، وتحرزه عن الإيذاء والضرر بالآخرين ؟ .
والظاهر _ والله أعلم _ أنه يضمن أيضاً ، لأن المباشر ضامن مطلقاً ، كما نقلنا ذلك واضحاً عن الفقهاء عند شرح القاعدة ( المباشر ضامن وإن لم يتعدّ ) لأن الارتفاق بالطريق _ وإن كان حقاً للسائق مشروط بسلامة العاقبة ، والتحرز عن الإيذاء والضرر ، فإذا لم يمكنه التحرز بأن خرج الأمر عن حدود سيطرته بأن تدخل عامل آخر في الحادث كان هو السبب في وقوعه ، فأرى أنه لا يضمن والبيان على النحو الآتي .
   ثانياً : تطبيقات على مسؤولية سائق السيارة .
1_ لو كان السائق يسوق سيارته ملتزماً بكل قواعد المرور ، محترزاً أشد الاحتراز . فدفع شخصٌ آخرَ _أو ألقى متاعاً _ أمام السيارة والمسافة قصيرة لا تعدو متراً مثلاً فدهسه،فمقتضى ما نقلنا عن الشافعية والمالكية أن السائق يضمن،لأنهم لا يعدون نفور الدابة مسقطاً للضمان وإن أسقط الإثم(1)، والمباشر ضامن مطلقاً . ومقتضى ما نقلناه من مذهب الحنفية والحنابلة أن السائق في هذه الصورة لا يضمن .
ـــــــــــــــــــ
(1)ينظر : الذخيرة للقرافي المالكي 12/266 ، العزيز للرافعي 11/331 ، نهاية المحتاج للرملي 8/39.
ـ33ـ
والذي أراه _ والله أعلم _ في هذه المسألة أن مذهب الحنفية والحنابلة هو الراجح وذلك للأمور التالية  :
أ_ قوة السبب المؤدي إلى التلف ، بحيث سلب السائق كامل اختياره ، والمسبب ضامن بالتعدي _ لما سبق في القاعدة _ ولا أعظم من هذا التعدي الذي جعل السائق يستحيل عليه تفادي الحادث .
ب_ لا يصح نسبة المباشرة هنا إلى السائق عقلاً ومنطقاً ، لأن تأثير الدافع هنا أقوى من تأثير الراكب ، فينسب الإتلاف إليه ، فيكون هو الضامن .
ج_ الدافع هنا هو المتعدي ، والسائق ليس بمتعد ، والمتعدي هو الضامن .
2_ لو أوقف سائق سيارته عند الإشارة ينتظر أن يفتح له الطريق ، فصدمته سيارة من الخلف ، فصدم هو من أمامه ، فالضمان على الصادم الأول ، لأنه لا يمكن أن تنسب المباشرة إلى السائق الواقف ، وهذه المسألة نظيرة مسألة الناخس التي يضمنه الفقهاء جميعاً دون الراكب(1) ، لأن المتسبب تأثيره أقوى وإن لم يقصد التعدي وإحداثَ الأثر ، والمصدوم الأول لا اختيار له ، فلا ينسب إليه فعل ، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية في قرارها المنشور في مجلة البحوث الإسلامية(2) ، وما تضرر به الصادم الأول هدر ، فكأنه أتلف مال نفسه . ويؤيد بذلك أثر عبد الله بن مسعود المتقدم في القاعدة الأولى ص25 .
3_ إذا كانت السيارة سليمة ، ولم يعرف من السائق تقصير في تعهدها ، وعجلاتُها سليمة ، وكوابحُها سليمة ، وسيرُه معتدل في مثل هذا المكان ، ومع ذلك لو كان يسير بها دون تعد أو مخالفة فانفجرت عجلة ( بنشر ) فانحرفت
ـــــــــــــــــــ
(1) ينظر : الفتاوى الهندية 6/51 ، الذخيرة 12/265 ، نهاية المحتاج 8/39 ، المغني 12/544.
(2) مجلة البحوث الإسلامية ، عدد /26/ ، سنة 1409هـ_1410هـ .
ـ34ـ
السيارة عن مسارها أو انقلبت فأتلفت نفساً أو مالاً ، فلا ضمان على السائق قياساً على ما ذكره جمهور الفقهاء من أن الدابة إذا جمحت وخرجت عن قدرة الراكب لا يضمن ، ولا يمكن أن تنسب إليه مباشرة الحادث لعد تقصيره(1) ، ولكن قد يقال : إنه متسبب فيضمن .
أقول : المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي ، وهو لم يتعدّ ، فلا يضمن .
4_ لو كانت السيارة طافية لا تعمل فأذن السائق لشخص أن يدفعها إلى الأمام أو الخلف لتشغيلها ، فأتلفت نفساً أو مالاً في الحال فهما شريكان في الضمان ، قياساً على الراكب والسائق للدابة فيما تتلفه عند جمهور الفقهاء(2) ، وسائق الدابة كالدافع هنا ، والراكب على الدابة هو السائق هنا في السيارة ، فيضمنان منعاً . وقد يقال : إن الضمان على الراكب ( أي السائق هنا ) وهو مقتضى قياس الشافعية(3) لأن يده عليها أقوى ، وهو ما أرجحه _ والله أعلم _ لأن السائق يمكنه أن يوقفها بالكوابح ( الفرامل ) ولأن الدافع لا يرى ما أمام السيارة فإن كان الدافع يدفع من الأمام فهما شريكان في الضمان كما هو مذهب الجمهور .
5_ من سرق سيارة أو غصبها أو استعاره أو استأجرها ، أو ارتهنها فأتلف بها نفساً أو مالاً فهو الضامن _ مع مراعاة القواعد السابقة _ لا مالكها ، لأنها تحت يده ، وهو المسير لها وعليه تعهدها وحفظها ، قياساً على الدابة(4) .
6_ لو جاوز الإشارة الحمراء فصدم شخصاً أو سيارة فهو آثم لمخالفة النظام الذي وضعه الحاكم ، وهو آثم بإضراره ويضمن ما أتلف من نفس أو مال ، لأنه
ـــــــــــــــــــ
(1)بدائع الصنائع 7/273 ، العزيز شرح الوجيز 11/331 ، الفروع 6/6 .
(2)المبسوط للسرخسي 27/4 ، الذخيرة 12/264 ، المغني 12/545.
(3) حاشية البجيرمي على شرح المنهج 4/245 .
(4) حاشية البجيرمي على شرح المنهج 4/244 ، إعانة الطالبين للسيد البكري 4/179 .
ـ35ـ
مباشر  ، والمباشر يضمن ولو لم يتعدّ ، فهذا ضامن مع التعدي بالأولى .
فإن كان كل منهما متعدياً بتجاوز الإشارة فاصطدما ضمن كل منهما للآخر ماله ، وضمنت عاقلة كل منهما الأنفس على ضوء ما سيأتي مفصلاً في المسألة التاسعة .
7_ من كان يسير في طريقه ، فأدركه شخص من الخلف فصدمه ، فالضمان على اللاحق ، لأنه الصادم والآخر مصدوم ، وإن تلف اللاحق أو تلفت سيارته فهو هدر ، لأنه هو الذي أتلف نفسه وسيارته ، وذلك بالقياس على الدواب(1).
8_ حكم السائق إذا كان صبياً _لم يبلغ بعد_كالكبير في تحمل مسؤولية الإتلاف ، من حيث الضمان والديات ، سواء كان متعدياً أم لا ، لأن عمد الصبي خطأ ، وإن كان فعله لا يوصف بالإثم في حال التعدي ، وبهذا قال الأئمة الأربعة .
ولنستعرض الآن بعض نصوص الفقهاء التي تدلل على تضمين الصغير لما يتلفه ، لأن ذمته صالحة لذلك ، وللأهمية ، لأن كثيراً من أولياء الصغار يتساهلون في هذا الأمر ولا يندمون إلا حين لا ينفع الندم .
قال ابن نجيم الحنفي :
( الصبي المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله ، فيضمن ما أتلفه من المال ، وإذا قتل فالدية على عاقلته ) (2) .
وقال العمراني الشافعي :
( ثبت أن الصبي والمجنون إذا أتلفا على غيرهما مالاً وجب عليهما الضمان ) (3) .
ـــــــــــــــــــ
(1) المغني 12/546 .
(2) الأشباه والنظائر لابن نجيم : الفن الثاني ، أول كتاب الحجر ص 310 ، وينظر أيضاً : الدر المختار6/146.
(3) البيان للعمراني 6/233 ، وينظر أيضاً : المهذب 1/332 .
ـ36ـ
   وقال ابن قدامة :
( والحكم في الصبي والمجنون كالحكم في السفيه ، في وجوب الضمان عليهما فيما أتلفاه من مال غيرهما بغير إذنه ) (1) .
   فما يتلفه السائق إذا كان صغيراً : إن كان مالاً فيضمنه في ماله ، وإن كان نفساً فعلى عاقلته .
9_ في مسألة الاصطدام : ذكر الفقهاء اصطدام الفارسين ، واصطدام السفينتين فقالوا :
   إذا اصطدم الفارسان ضمن كل واحد ما تلف من الآخر ، من نفس أو دابة أو مال . وإن اصطدمت السفينتان ضمن كل واحد منهما سفينة الآخر ، بما فيها من نفس ومال ، كما في الفارسين يصطدمان(2) . وثمة تفصيلات ذكروها تدل على تعمقهم في ذلك تبياناً للحق وإيضاحاً للأحكام في صورة نظام يلتزم به القضاة في فصلهم بين الناس بالقسط والعدل .
ثم اختلفوا في حصة الضمان على قولين :
الأول : مذهب الحنفية ، والحنابلة(3) .
أن كل صادم يضمن كل ما تلف للآخر من مال ، وتضمن عاقلته كل ما تلف من ديات أو جراحات . واستدلوا على ذلك :
أ_ بأن كل واحد منهما مات بصدمة صاحبه ، فلزم الآخر ضمانها ، كما لو كان واقفاً ، وينظر إلى ما عند كل واحد من مال أو متاع فيتقاصان من مالهما لا من عند العاقلة .
ـــــــــــــــــــ
(1) الاختيار 2/95 ، الشرح الكبير 4/480 ، شرح المحلي على المنهاج 2/299 ، المغني 6/611.
(2) الاختيار 5/49 ، الذخيرة 12/260 ، العزيز شرح الوجيز 10/440 وما بعدها ، كشاف القناع 6/8.
(3) تكملة البحر الرائق 9/134_135 ، الاختيار 5/49 ، المغني 12/545 .
ـ37ـ
ب_ وبما روي عن علي ( أن رجلين صدم أحدهما صاحبه ، فضمّن كل واحد منهما صاحبه ، يعني الدية ) (1) .
   الثـاني : مذهب المالكية والشافعية . أن كل صادم يضمن نصف ما تلف للآخر وعلى عاقلة كلٍّ نصفُ دية الآخر(2) . واستدلوا على ذلك بأن كل واحد منهما مات بنفسه وبصدمة الآخر ، فما حدث بسبب من نفسه فهدر ، ويبقى النصف الآخر مضموناً . ولعل أرفقهما بالحال مذهب المالكية والشافعية ، لأن المتصادمين قد توفيا ، فلا تحمل تركتهما حملاً إلى حملها ، وكذا عاقلة الذي لا دخل لها بالحادث من قريب أو بعيد .
والواقع أن التصادم يحتاج إلى مزيد بيان وتفصيل ، وما ذكره الفقهاء يناسب _ولا شك _ ما كان معروفاً في زمانهم من وسائل النقل ، أما الآن فقد تغير الحال والواقع .
فنقول _ والله أعلم _ إن الحالة تنتظم عدة صور :
   الأولى : إذا كان الطريق واحداً ، وليس فيه من التخطيط ما يميز خط سير القادم من الذاهب ، والوقت ليل ، ولم نجد من الدلائل على أن أحدهما هو المعتدي في سيره ، لأن كل واحد منهما مباشر للحادث ، فيضمنان ، والأولى أرفق _ كما ذكرنا _ أن يؤخذ بقول المالكية والشافعية تخفيفاً من وطأة الحدث، فإن كان ثمة دلائل أو قرائن تحدد خطأ أحدهما كأن يكون هذا الطريق الواحد مخططاً والدلائل تشير إلى أن أحدهما هو الذي انحرف بسيارته نحو اليسار ( أي نحو الآخر ) فصدمه فالضمان عليه في ماله فيما أتلف من مال إن كان حياً وفي تركته إن مات ، ودية ما أتلف من أنفس على عاقلته ، ولا فرق في هذا الحكم
ـــــــــــــــــــ
(1) رواه عبد الرزاق في المصنف 10/54 برقم /18328/ .
(2) الذخيرة للقرافي 12/260 ، روضة الطالبين 9/331و335 ، البجيرمي على شرح المنهج 4/180.
ـ38ـ  
بين أن   يكون ذلك عن خطأ كأن يقول ظننته واقفاً ، أو عن نعاس أو نوم ، لأن هذا السائق يعد هو المباشر ، والمباشر ضامن ولو لم يتعمد ، كما تقدم في القاعدة الأولى من القواعد الخاصة في تحديد المسؤولية .
الثـانية : إذا كان الطريق مزدوجاً وأحدهما تخطى الرصيف عن يساره لسرعته وصدم الآخر فهو ضامن على ضوء ما تقدم في المال والأنفس ، لأنه مباشر ، والمباشر ضامن كما في القاعدة .
الثالثة : إذا تصادمت السيارتان عمداً من كل منهما ، إن مات أحدهما اقتص له من الآخر ، لأنها مما يغلب على الظن القتل به ، وإن ماتا فلا قصاص لفوات المحل وإن كان أحدهما عامداً والآخر مخطئاً فلكل حكمه في العمد والخطأ .
10_ إذا صدمت سيارة سائرة سيارة واقفة في ملك صاحبها أو أمام بيته ، أو في موقف مخصص لذلك مأذون فيه أو على جانب طريق واسع _ ولو خلا من إذن المرور _ ضمن سائق السيارة ما تلف في الواقفة من نفس ومال في صدمته ، لأنه المعتدي ، والمعتدي ضامن كما تقدم في القواعد الخاصة ، فإن كانت واقفة في طريق ضيق غير مملوك لصاحبها ، أو في مكان مزدحم وغير مأذون بالوقوف فيه فالضمان عليهما لتعديهما ، فالواقف متسبب متعد بالوقوف والسائر مباشر متعد وقد يقال : إن السائر هو الضامن ، لأن المباشر والمتسبب إذا اجتمعا أضيف الحكم ( أي الضمان ) إلى المباشر(1) ، ويحتمل أن يكون الضامن هو صاحب الواقفة ، لأنه متسبب متعد ، وبها _ أي بالثالث _ أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة . والذي أراه _ والله أعلم _ أن كليهما ضامن لتعديهما ، وهو قول احتمالي للجنة نفسها .
ـــــــــــــــــــ
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص162 ، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص187 .
ـ39ـ
11_ إذا كانت السيارة محملة بأشخاص أو متاع _ كالوانيت _ فاستعمل السائق الكوابح ( الفرامل ) فجأة بعنف لمرور شخص أو إنسان أمامه ، أو لرؤيته حفرة أمامه فسقط المتاع أو الشخص من على السيارة فالضمان على السائق لأنه متسبب متعدّ ، والمتسبب المتعدي ضامن ، كما تقدم في القاعدة الثانية الخاصة من قواعد الضمان .
ولو ألقى الشخص بنفسه من السيارة هرباً _ من عدو أو من رجال الأمن _ فكسر أو مات فلا شيء على السائق ، لأنه وإن كان متسبباً فالهارب مباشر في إضرار نفسه ، وإذا اجتمعا أضيف الحكم إلى المباشر كما تقدم في القاعدة .
والخلاصة أن الأمثلة وأشكالها لا تتناهى ، ولكن هذه أمثلة تطبيقية على ما ذكرت من قواعد ، وعلى رجل الأمن الواجب الأكبر في تحري الدقة عند الاطلاع على الحادث والتحقيق فيه ، وعلى القاضي أن يتحرى الدقة في الحكم أيضاً ، فإن الجميع شركاء في الأجر والوزر . والله أعلم .





*      *      *




ـ40ـ
المطلب الثاني : التزامات السائق المالية .
تتلخص التزامات السائق في المسائل التالية :
الدية ، والحكومة ، والكفارة ، والتعويض .
أولاً : الديـة .
بعدما تقرر بموجب القواعد الفقهية العامة والخاصة ، ونصوص الفقهاء ، أن السائق مسؤول عما يتلفه من نفس بشرية بسيارته ، وأن هذه المسؤولية تتمثل في كون السيارة أداة بيده ، وبها يكون الإتلاف ، ويمكن أن نقول : إن إتلافه للنفس على ضربين :
1_ العمد : وذلك بأن يتعمد الدهس ، فيكون قاتلاً عمداً يجب عليه القصاص لأنها آلة تقتل حتماً ، وتعمد القتل بما يقتل يوجب القصاص عند جمهور الفقهاء. وإن كان بمثقل ( أي يقتل بثقله ) كالحجر الكبير (1)، ومثله السيارة .
فإن عفا أولياء المقتول ( المدهوس ) فلهم الدية في ماله ، وإن العدوان على يد أو رِجْل أو غير ذلك وأمكن القصاص اقتص منه ، فإن لم يكن كان ضامناً لدية العضو في ماله . فإن كان جراحة مثلاً ضمن الحكومة(2) في ماله .
2_ والخطأ : وهو التسبب في قتل شخص أو جرحه من غير قصد ، وهو الواقع الغالب ، فإن العمد في ذلك نادر وعلى أي حال فحكمه ما ذكرناه .
والإتلاف الخطأ : إما أن يقع على النفس ، أو غيرها .
فإن وقع الإتلاف على النفس فعلى السائق عقوبتان : أصلية ، وتبعية .
أما الأصلية : فهي :
أ_ الدية : وتكون على عاقلة السائق ( عصبته الأقربين ) بإجماع الفقهاء(3) .
ـــــــــــــــــــ
(1) الإفصاح لابن هبيرة 2/158 ، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة لأبي عبد الرحمن الدمشقي ص262.
(2) سيأتي قريباً معنى الحكومة وكيفية تقديرها .
(3) الإجماع لابن المنذر ص74 ، الإفصاح لابن هبيرة 2/175 .  
ـ41ـ
لأنه لم يكن له فيه قصد إلى إزهاق الروح ، فلزم العاقلة مساعدته .
ب_ والكفارة : وهي واجبة في مال السائق باتفاق أهل العلم أيضاً(1) ،لأمور :
1_ لما صح عن أبي هريرة ، قال : اقتتلت امرأتان من هذيل ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر ، فقلتها وما في بطنها (( فقضى رسول الله بدية المرأة على عاقلتها )) (2) . فلم يجعل الكفارة على العاقلة أيضاً .
2_ لأن الكفارة شرعت للتكفير عن خطأ الجاني ، فلا يكفر بفعل غيره ، أما الدية فإنما شرعت تعويضاً للمضرور ، وذلك يحصل كيفما كان .
3_ ولأن الكفارة قد تنتقل إلى الصوم _ كما هو الواقع اليوم _ وهو عبادة شرعت تكفيراً عن الخطأ ، فلا يشاركه فيه غيره .
وأما التبعية ، فهي :
أ_ الإرث : فلو كان السائق وارثاً لمن صدمه خطأً ، فمات فلا يرث من ماله شيئاً عند جمهور الفقهاء(3) ، واستدلوا على ذلك بأمرين :
أحدهما : عموم قوله : (( ليس لقاتل ميراث )) (4) .
وثانيهما : لئلا يتخذ القتل ذريعة ووسيلة إلى استعجال الإرث .
وقال المالكية : القاتل خطأ يرث من المال _ دون الدية _ ويستحق الوصية (5)
ـــــــــــــــــــ
(1) الدر المختار 7/574 ، القوانين الفقهية ص377 ، مغني المحتاج 4/117 ، المغني 12/22 .
(2) رواه البخاري في الديات (باب : جنين المرأة برقم 6512 ) ومسل في القسامة ( باب : دين الجنين برقم 3467 ) وغيرهما .
(3) بدائع الصنائع 7/337 ، روضة الطالبين 6/31 ، منار السبيل 2/39 .
(4) رواه أحمد 1/49 ، وابن ماجه في الديات برقم /2646/ وقال في الزوائد : إسناده حسن .
(5) الشرح الكبير بحاشية الدسوقي 6/490و588 ، حاشية العدوي على شرح الرسالة 2/356.
ـ42ـ
وحملوا الحديث على القتل العمد .
قلت : والأول _ قول الجمهور _ هو الراجح _ حيث لا دليل على التفريق بين العمد والخطأ ، وإذا لم يكن ثمة دليل يخصص العام بقي العام على عمومه .
ب _ والوصية :
ـ فمذهب المالكية والشافعية : أن الموصى له يستحقها ، لأنها تمليك بعقد فأشبهت الهبة ، بخلاف الإرث فإنه مستحق بحكم الشرع من غير عقد واتفاق بين الوارث والموروث(1) .
ـ ومذهب الحنفية والحنابلة : المنع من الوصية أيضاً ، كما منع من الإرث ، طالما أنه مضمون حرام بغير حق ، سواء كان عمداً أو خطأً ، أما القتل بحق كالقصاص ، فإنه لا يمنع الإرث ولا الوصية(2) .




*      *      *




ـــــــــــــــــــ
(1) حاشية العدوي على شرح الرسالة 2/206 ، روضة الطالبين 6/107 .
(2) الدر المختار 6/656و766 ، منار السبيل 2/39 .
ـ43ـ
المبحث الرابع : أحكام تتعلق بقيادة السيارة.
في هذا المبحث ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : أحوال المخالفات المرورية .
المطلب الثاني : العقوبة على المخالفات .
المطلب الثالث : واجب رجل المرور .
المطلب الأول : أحوال المخـالفات المـروريـة .
وتتلخص المخالفات في النقاط التالية :
الأولى : تجاوز الإشارة الحمراء .
لا شك أن مجاوزة الإشارة الحمراء معصية مؤثمة ، بعد أن قررنا أن وضعها من قبل ولي الأمر لمصلحة تطلبتها طبيعة الحياة حفاظاً على أرواح الناس وأموالهم وتنظيماً لحركة السير في الطرقات ، وإنما كان التجاوز معصية تكبر وتصغر بحسب الواقع والحال ، لأمرين :
   أحدهما : مخالفة ولي الأمر ، وفي مثل هذا تكون طاعته واجبة بالنصوص العامة مثل قوله تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأوْلي الأمر منكم (1)ومثل قوله : في الحديث المتقدم (( ... ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعصِ الأمير فقد عصاني )) (2)لما في ذلك من المصلحة .
   ثانيهما : أن التجاوز _ والحال هذه _ تعريض لنفس الشخص وماله ، ولأنفس الآخرين وأموالهم إلى الخطر . وهذا حرام قطعاً ، قال تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة(3)وما أعظمه من تعبير يشدد في الحذر حيث لم يأتِ
ـــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء آية 59 .
(2) سبق تخريجه في ص5 .
(3) سورة البقرة آية 195 .
ـ44ـ
( ولا تهلكوا أنفسكم ) بل ( ولا تلقوا ) أي احذروا ، ولا تسلكوا مسلكاً يؤدي بكم إلى التهلكة ، سواء في الأنفس أو الأموال .
وإن كانت الآية وردت في موضع الإنفاق في سبيل الله أو الجهاد في سبيله ، إلا أنها عامة في كل شيء يؤدي إلى عاقبة سيئة ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، كما قرر علماء الأصول .
الثانية : السرعة الزائدة .
قد مر معنا حديث أنس بن مالك أنه قال : قال رسول الله : (( التأني من الله ، والعَجَلة من الشيطان )) (1) والله عز وجل يقول : يا أيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان (2) .
والحق أن السرعة تختلف من طريق لآخر ، ومن سيارة لأخرى ، ومن شخص لآخر ، ولكن لعدم انضباط ذلك وجب على السائق أن يراعي إشارات السرعة التي يحددها المرور بخبرته ومعرفته ، ولا يجوز مجاوزة ذلك الحد إلا عند الضرورة أو الحاجة ، ولكن أيضاً بحدود ضبط السيارة وطوارئ الطريق . فإن جاوز السائق ذلك وخالف فأتلف شيئاً كان ضامناً آثماً .
الثالثة : الوقوف المخالف .
كما يجب على المسلم أن لا يخالف فيما أشرنا إليه ، كذلك يجب عليه أن لا يخال بوقوفه في طريق المسلمين فيضيق عليهم الطريق ، أو يعيق عليهم مصالحهم أو يقف خلف سيارة فيضطر صاحبَها لانتظاره ، أو غير ذلك من ألوان الإيذاء للناس ، ولا شك أن هذا غير جائز ، ويختلف الإثم باختلاف الواقع والحال
ـــــــــــــــــــ
(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان ، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم /3011/ .
(2) سورة النور آية 21 .
ـ45ـ
وطبيعة الإيذاء للآخرين ، ولننظر إلى تحريم المزاحمة المؤذية عند تقبيل الحجر الأسود وتقبيله سنة للطائف بالبيت ، فكيف بالإيذاء في أمر مباح ، وقد أمر النبي بكف الأذى عن الآخرين ، وجعله حقاً من حقوق الطريق ، ولا تكون المخالفة للحق إلا باطلاً ، قال رسول الله : (( إياكم والجلوس في الطرقات ، قالوا يا رسول الله ؟ مجالسنا ، ما لنا بدٌّ ، قال : فإن أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ، قالوا : وما حق الطريق ؟ قال : غض البصر ، وكف الأذى ... الحديث ))(1)وكلمة الأذى : مفرد معرف ، فهو يدل على العموم ، فكل ألوان الأذى للآخرين محرّمة . والله عز وجل يقول : والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً (2) .
   قال ابن حجر :
وأما كف الأذى ، فالمراد به : كف الأذى عن المارة ، بأن لا يجلس حيث يضيّق عليهم الطريق(3) .




*      *      *


ـــــــــــــــــــ
(1) رواه البخاري في المظالم ( باب : أفنية الدور والجلوس فيها برقم 2333) ومسلم في اللباس والزينة ( باب : النهي عن الجلوس في الطرقات برقم 5528 ) وغيرهما .
(2) سورة الأحزاب آية 58 .
(3) فتح الباري لابن حجر 11/14 ، وينظر أيضاً : شرح مسلم للنووي 14/101 .
ـ46ـ
المطلب الثاني : عقوبة المخالفـات المروريـة .
رأينا في التمهيد أن من حق الرعية على الحاكم أن يرعى لهم حقوقهم ، وينظم لهم وضع حياتهم ، وأن طاعته فيما فيه مصلحة الخلق واجبة على المسلم ، فمن عصى استحق العقوبة الرادعة المناسبة لتلك المخالفة .
ومن هذا المبدأ نقول : إن للحاكم أن يفرض من العقوبات الزاجرة لكل مخالف مستهتر ، يعرض المجتمع إلى الفوضى والفساد ، وهي عقوبات زاجرة تدخل تحت باب التعزير(1) ، وهي في الواقع رحمة وإن اشتملت على إنزال الأذى بالمخالف فإن الرحمة الحقيقية هي الرحمة بعامة الناس ، بتأمينهم على أنفسهم وأموالهم من عبث العابثين ؛ إن الرفق بهؤلاء هو عين القسوة ، وإن كان ظاهره العطف ، ولذا قرر النبي فيما قرر من قوانين الرحمة أن من لا يرحم الناس لا يرحمه الشرع ، فقال : (( من لا يرحم الناس لا يرحمه الله )) (2) ، وعلى هذا المعنى جاءت الآية الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله (3)وبهذا يتبين لنا أن الرأفة بالجناة _ أي والمخالفين _ تتنافى مع الإيمان بالله واليوم الآخر مع أن الله تعالى وصف المؤمنين بأنهم رحماء فيما بينهم ، فدل هذا على أنه ليس من الرحمة في شيء الرفق بالجاني(4) .
ـــــــــــــــــــ
(1) التعزير : هو عقوبة غير مقدرة شرعاً ، تجب _ حقاً لله أو لآدمي _ في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة غالباً .ا.هـ. ينظر : المبسوط للسرخسي 9/36 ، القليـوبي على شرح المنهـاج 4/205 ، العقوبة لأبي زهرة ص57 .
(2) رواه البخاري في صحيحه في الأدب ( باب : رحمة الناس والبهائم برقم 5667 ) ، ومسلم في الفضائل ( باب : رحمة الصبيان والعيال برقم 5984 ) .
(3) سورة النور آية 2 .
(4) العقوبة للشيخ محمد أبي زهرة ص9 .
ـ47ـ
ولكن يجب أن تتوفر في العقوبة _ لكي تؤتي ثمارها _ أمور ثلاثة :
1_ أن يكون الباعث على تقنينها المصالح العامة ، لعامة الناس ، لا الظلم أو تحصيل المال وجبايته لخزينة الدولة .
2_ أن يكون ثمة مناسبة ظاهرة بين العقوبة والمخالفة ، بمعنى أن تكون العقوبة بحجم المخالفة أو يقاربها عرفاً وعادة .
3_ المساواة والعدالة بين الناس جميعاً دون تمييز ، لأن الناس سواسية في عرف الشرع كأسنان المشط ، وعلى رجل المرور أن يتقي الله في ذلك ، فإن مهمة ولي الأمر تشريع القانون والنظام على كل الناس ، ورجل المرور هو المسؤول أمام الله عز وجل عن تطبيقه بالعدل بين الناس . قال تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان (1) .
أنـواع العقوبـة :
في ضوء الضوابط الثلاثة التي ذكرنا يمكن أن تأخذ العقوبة ألواناً كثيرة ، طالما أن المقصود منها حفظ أرواح الناس وأموالهم وتحقيق المصلحة للجميع ، وعليه يمكن أن نقسم العقوبة إلى قسمين :
الأول : عقوبة ماديـة .
كالسجن ، والتوقيف  لمدة معينة ، تختلف باختلاف طبيعة المخالفة ، وبمكن أن تكون بسحب رخصة القيادة وحجزها مدة معينة ، أو بحجز السيارة ، كما يمكن أن تكون بالجلد ، والتقريع بالكلام ، وغير ذلك من أساليب التعزير الرادعة .
الثـاني : عقوبة مالية .
وهذه اختلفت في جوازها أنظار الفقهاء قديماً وحديثاً ، إذ يرى فيها أكثر الفقهاء
ـــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل آية 90 .
ـ48ـ
وسيلة من وسائل تسلط الظلمة على أموال الناس وأخذها بغير حق ، كما يرى البعض في جوازها كزواجر عن المخالفات ضمن ضوابط معينة .
وليس المجال هنا مجال توسع في الموضوع إذ يحتاج ذلك إلى بحث خاص بها ، ولذا سأذكر المسألة باختصار يناسب موضوع بحثنا .
فأقول _ والله الموفق والهادي _ : للفقهاء في جواز العقوبة المالية رأيان :
الأول : مذهب جمهور الفقهاء .
وهو عدم الجواز_وهو ما مال إليه ودافع عنه الدكتور سعيد رمضان البوطي(1) _ ولننقل الآن بعض نصوصهم في ذلك :
قال الإمام الحصكفي الحنفي :
ويكون التعزير بالحبس ، والصفع ، وبالكلام العنيف ، والشتم بغير القذف ، لا بأخذ مال في المذهب .
قال ابن عابدين تعليقاً على قوله ( لا بأخذ مال في المذهب ) : قال في الفتح : وعن أبي يوسف يجوز التعزير للسلطان بأخذ المال ، وعندهما وباقي الأئمة لا يجوز .اهـ. وظاهره أن ذلك رواية ضعيفة عن أبي يوسف . وأفاد في البزازية : أن معنى التعزير بأخذ المال _ على القول به _ إمساك شيء من ماله عنه مدة لينزجر ، ثم يعيده الحاكم إليه ، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي(2).
وقال الشيخ أحمد الصاوي المالكي :
وأما التعزير بأخذ المال فلا يجوز إجماعاً(3) .
ـــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في الفقه المقارن للدكتور سعيد رمضان البوطي ص148 .
(2) حاشية رد المحتار لابن عابدين على الدر المختار 4/61 ، وينظر أيضاً : البحر الرائق 5/68.
(3) بلغة السالك 4/268 ، وينظر أيضاً : الدسوقي على الشرح الكبير 6/370 .
ـ49ـ
   وقال الإمام العمراني الشافعي في معرض ذكره لأنواع المزكين :
الضرب الثاني : يعتقد وجوبها ولا يؤديها ، وهم فساق المسلمين ... وإن أخفوا أموالهم حبسهم الإمام ، فإذا ظهرت ففي القدر الذي يؤخذ منهم قولان :
أحدهما : قال في القديم (يأخذ منهم الزكاة ، وشطر مالهم ، عقوبة لهم ) لما روى بهز بن حكم[ بن معاوية بن حَيْدة ] عن أبيه عن جده ، أن النبي قال:((...ومن منعها فإنا آخذوها ، وشطر ماله ، عزمة من عزمات ربنا ، ليس لآل محمد فيها شيء))(1) .
والثاني : قال في الحديد : ( تؤخذ منه الزكاة لا غير ) (2) . 
   وقال ابن قدامة الحنبلي :
والتعزير يكون : بالضرب ، والحبس ، والتوبيخ ، ولا يجوز قطع شيء منه ، ولا جرحه ، ولا أخذ ماله ،لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به(3).
واستدلوا على ذلك بما يأتي :
1_ بما روي عن النبي أنه قال : (( ليس في المال حق سوى الزكاة )) (4).
2_ أن العقوبات كانت في أول الإسلام في الأموال ، ثم نسخ ذلك .
الثاني : مذهب بعض الفقهاء من المذاهب الأربعة(5) .
أن العقوبة المالية ( الجزاء المالي ) جائزة ، وللحاكم أمر تقديرها بحسب نوع
ـــــــــــــــــــ
(1) هذه قطـعة من حديث أخرجه أبو داود /1575/ ، وأحمد 4/2 ، قال النـووي في المجمـوع 5/298: نقل عن الشافعي أن هذا الحديث لا يثبته أهل العلم .
(2) البيان للإمام العمراني 3/137 .
(3) المغني لابن قدامة 12/526 .
(4) رواه عن فاطمة بنت قيس ابن ماجه في الزكاة /1789/ وهو ضعيف كما قال النووي والسيوطي وابن حجر وغيرهم ( فيض القدير 5/374) .
(5) فتح القدير 5/113 ، تبصر الحكام لابن فرحون المالكي 2/221 ، حاشية الشبراملسي على نهاية المحتـاج 8/22 ، كشاف القناع 6/159 ، المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى الزرقاء 2/627 التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة 1/705 .
ـ50ـ
المخالفة والظروف المحيطة بها .
   واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة :
   منها : مضاعفة الغرم على من سرق ما لا قطع فيه(1) ، كالحريسة(2) ، والثمر قبل أن يوضع في الجرين(3) .
   ومنها : مضاعفة عمر الغرم في ناقة أعرابي ، أخذها مماليك جياع لعبد الرحمن بن حاطب ، فذبحوها وأكلوها ، إذْ أضعف الغرم عليه ، ودرأ القطع بسبب جوعهم(4).
   ومنها قوله : (( ضالّة الإبل المكتومة غرامتها ، ومثلها معها )) (5) .
   ومنها : ما روي عن النبي ، في الذي يأتي امرأتـه وهي حائض ، قال : (( يتصدق بدينار ، أو بنصف دينار ))(6)أي بدينار إن كان في أيام الحيض الأولى وبنصفه إن كان في أيامه الأخيرة ، حيث الدم في إدباره .
   والذي أراه _ والله أعلم _ أن ما ذهب إليه البعض هو الذي ينبغي المصير إليه إذا وجدت الضوابط التي ذكرتها قبل قليل ، وبعدها يبقى رجل المرور هو الأمين على التطبيق العادل ، وعدم الحيف .
ـــــــــــــــــــ
(1) روى الحديث : أبو داود في الحـدود /4390/ والنسـائي 8/85 برقم /4958/ والترمـذي /1289/ وحسنه ، وينظر أيضاً : نيل الأوطار 7/128 .
(2) الحريسة:هي الشاة في الجبل يدركها الليل قبل رجوعها إلى مأواها فتسرق من الجبل . ا.هـ. المصباح المنير .
(3) الجرين : الموضع الذي يجفف فيه الثمار .
(4) رواه عبد الرزاق في المصنف 10/293 برقم /18978/ .
(5) رواه البيهقي في السنن 6/191 ، وعبد الرزاق في المصنف 10/129 برقم /18599/ .
(6) رواه أحمد وأصحاب السنن ، واللفظ لابن ماجه /640/ لكن قال النووي في المجموع 2/360: اتفق المحدثون على ضعف هذا الحديث واضطرابه .
     قلت : ولذا قالوا : يستحب التصدق _ ولا يجب _ احتياطاً .
ـ51ـ
وذلك لأمرين :
أحدهما : كثرة ماورد من الأمثلة عل التطبيق العملي للعقوبة المالية ، من الآثار المرفوعة والموقوفة غير التي ذكرتها في معرض الاحتجاج لرأي البعض(1) .
ثانيهما : أن الحديث الذي احتج به الجمهور ضعيف بسببين :
أ_ من جهة سنده ، فإن فيه ميمون الأعور وهو ضعيف كما قال ابن حجر في التلخيص الحبير 2/160 .
ب_ من جهة أن بعضهم كالإمام العراقي ذكره في معرض الاستشهاد على الاضطراب في متن الحديث ، وهو أنه رواه الترمذي /660/ بلفظ ( إن في المال حقاً سوى الزكاة ) . ولكن السيوطي فند ذلك بتأويله ولم يجعله مضطرباً(2) .
ثالثاً : أن المحذور الذي اعتمد عليه الجمهور إذا ضبط زال المانع .
قال الغزالي : للوالي أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه(3) .



*      *      *


ـــــــــــــــــــ
(1) قد ذكر الكثير منها : ابن القيم في الطرق الحكيمة ص316 وما بعدها ، وابن الإخوة في معالم القربة ص287 وما بعدها ، وابن فرحون المالكي في تبصرة الحكام 2/221 وما بعدها . وينظر أيضاً : المدخل الفقهي للشيخ مصطفى الزرقاء 2/627 .
(2) تدريب الراوي _ شرح تقريب _ للسيوطي 1/266 .
(3) معالم القربة في أحكام الحسبة لابن حيوة نقلاً عن الغزالي ص288 .
ـ52ـ
المطلب الثالث :واجب رجل المرور .
من خلال ما تقدم ندرك أن المسؤول الأول في ضبط نظام السير _ حفاظاً على أرواح الناس وأموالهم ، وطاعة لولي الأمر فيما يضع من نظم لمصلحة المجتمع _ هو السائق ، وأن شعوره بالمسؤولية أمام الله تعالى له في كل تحركاته ، فيما يفعل ويذر ، عامل أساسي في النظـام المـروري ، وميزة لا توجد في أي نظـام يحكم العالم .
إذا جانب ذلك يأتي دور رجل المرور ليطبق النظام الموضوع بأمانة _ فإن ذلك واجب شرعي واجتماعي عليه _ دون تمييز بين آحاد الناس ، مع مراعاة الظروف والأحوال والأشخاص ، والتحلي بمكارم الأخلاق ، إذ النظام ليس أرقاماً تعد من الواحدة إلى العشرة ، وإنما هو قواعد تطبق على الجمع بطريقة سليمة مرنة وسلوك حسن ، فشأنه شأن المحتسب في نظام الإسلام ، لا يشق على الناس فيما وليهم ، ولا يقصر في أداء الواجب المأمور به .
فإذا ما تضافرت عناصر الأمن الثلاثة : الحاكم المتمثل فيما يسن من قانون نابع من الشريعة السمحة ، والسائق المتمثل في ضميره الحي ووقوفه عند الحلال والحرام وكف الأذى عن الناس ، ورجل المرور المتمثل في حرصه على أداء الواجب وتطبيق النظام بمرونة وسلوك حسن دون تمييز بين الناس ، عندئذ يسعد المجتمع وتقل فيه الحوادث ، ويسير الناس في أمان ، والله المستعان .


*      *      *

ـ53ـ
المبحث الخامس :أثر التوعية في تقليل حوادث المرور .
التوعية للناس حول أحكام النظام المروري من الناحية الشرعية وما يترتب على الالتزام به من ثواب ، والإخلال به من عقاب بسبب ما يهدر فيه من الأنفس والأموال .
كل ذلك أمر مهم في نظر الشريعة القائمة على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة قال تعالى : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة (1) .
وفي الحديث عن النبي قال : (( من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف )) (2) . وفي الحديث أيضاً عن عائشة مرفوعاً (( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه ))(3) .
هذا هو الأمر الأهم والأصل في الموضوع . وتبقى العقوبة الزاجرة على المخالفات أمراً ثانوياً لمن لا تنفع معه الموعظة والذكر ، وهم دائماً قلة في الناس فهؤلاء إذا خالفوا لا ي نبغي أن يعفى عن مخالفتهم ، لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة ، كما هو مقرر في القواعد الشرعية .
وسـائل التوعيـة .
ولا تنحصر وسائل التوعية في إدارات المرور ، وإنما هو واجب شرعي واجتماعي يشترك فيه كل الناس على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم ، كل في مجاله ، فأئمة المساجد يشرع لهم أن يعرفوا الناس بأحكام المرور وخطر المخالفات من حيث المعصية والعاقبة الوخيمة ، ورجال المرور كذلك بإبقاء المحاضرات في الجامعات
ـــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل آية 125 .
(2) رواه البيهقي في شعب الإيمان مرفوعاً عن عبد الله بن عمرو ، وأشار السيوطي إلى ضعفه ، وأيده المناوي ( فيض القدير للمناوي 6/88 ) .
(3) رواه مسلم في الأدب ( باب : فضل الرفق برقم 6545) .
ـ54ـ
والمعاهد والمدارس،ورجال الإعلام بإقامة الندوات في القنوات المرئية وغير المرئية ، وفي الجرائد والنشرات الإعلامية وبذلك يمكن أن تصل الأمة إلى سلامة حقيقية بتضافر الجميع ، ورحم الله القائل في المثل : يد واحدة لا تصفق .
وختاماً أقول : ما أحرانا أن نتمثل جميعاً هذه الآية وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (1) .





















ـــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة آية 2 .
ـ55ـ
    ملخـص البحـث :
1_ وضع نظام للمرور واجب على الحاكم ،وضرورة تقتضيها طبيعة الحياة المعاصرة .
2_ طاعة الحاكم فيما يضعه من تنظيمات واجبة شرعاً تحقيقاً للمصلحة العامة .
3_ الإضرار بالآخرين في أنفسهم وأموالهم محظور شرعاً،ومضمون على الفاعل . 4_ الانتفاع بالطريق العام حق مشروع لكل شخص بشرط السلامة ، والتحرز عما يمكن التحرز منه .
5_ تحديد المسؤولية في الحادث المروري بدقة ضروري لمعرفة الضامن .
6_ المسؤول في الحادث المروري ضامن لما يتلفه من نفس أو مال تعمد ذلك أم لا ، لكنه مع العمد آثم عاص .
7_ الكفارة لازمة لمن أتلف نفساً بحادث مروري ، وهي : عتق رقبة ، فإن لم يجد _ كما هو الواقع الآن _ صام شهرين متتابعين .
8_ من تسبب بإزهاق روح في حادث مروري : إن كان عمداً فالدية في ماله ، وإن كان خطأ فالدية على عاقلته .
9_ ليس في الإسلام نفس أو مال يطل _ أي يبطل _ ويضيع بغير ضمان .
10_ العقوبة المالية على المخالفات المرورية مشروعة عند بعض العلماء من كل المذاهب .
11_ التوعية المرورية أساس يعوّل عليه كثيراً في تقليل الحوادث .
12_ مرونة الفقه الإسلامي وشموليته ، ولكنه بحاجة إلى دراسة وتعمق ، لإلحاق الجديد بالقديم عن طريق القياس والقواعد .





ـ56ـ



       

 قائمة المـراجع العلمية
أولاً : القرآن الكريم
ثانياً : كتب التفسير .
[1] أحكام القرآن ، أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص ( دار الكتب العلمية ، بيروت ) .
[2] أحكام القرآن ، أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي ( دار المعرفة بيروت ، بدون تاريخ ) .
[3] جامع البيان ( تفسير الطبري ) محمد بن جرير الطبري ( دار ابن حزم ) ، الأردن ، عمان ، ط1 ، 1423هـ _2002م . 
 [4] الجامع لأحكام القرآن ، أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي ( دار الكتب العلمية ، بيروت ،1413هـ _ 1993م ) .

ثالثاً : كتب السنة وشروحها.

[1] الاستذكار ، أبو عمر يوسف بن عبد البر ، تعليق سالم محمد عطا ومحمد علي معوض ( دار الكتب العلمية ، بيروت ط1 ، 1421هـ -2000م )  

[2] سنن ابن ماجه ، محمد بن يزيد القـزويني  ( المكتبة الإسلامية ، استانبول بدون تاريخ )
[3] سنن أبي داود ، سليمان بن الأشعث السجستـاني  ( دار الحديث ، القاهرة 1408 هـ ) . 
[4] سنن البيهقي ، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي  ( دائرة المعارف العثمانية ، حيدر آباد الدكن ، الهند ، ط1 ، 1352هـ ) .
[5] سنن الترمذي ، محمد بن عيسى  الترمذي ، تعليق عزت دعاس ( مطبعة الأندلس حمص ، ط1،1386هـ _ 1966م ) .
[6] سنن الدار قطني ، علي بن عمر الدارقطني ، تعليق محمد شمس الحق آبادي ( دار المحاسن ، القاهرة ، 1386هـ _ 1966م ) .
[7] سنن النسائي ، أحمد بن شعيب النسائي ، عناية عبد الفتاح أبو غدة ( دار البشائر الإسلامية ، بيروت ، ط1 ، 1406هـ _ 1986م ) .

ـ57ـ

[ 8] صحيح البخاري ، محمد بن اسماعيل البخاري ، عناية د/ البغا ( دار ابن   كثير ،
      دمشق ، ط4 ، 1410هـ _ 1990م ) .
[9] صحيح مسلم ، مسلم بن الحجاج القشيري ، تحقيق خليل شيحا ( دار المعرفة ، بيروت ، ط3 ، 1417هـ _ 1966م ) .
[10] فتح الباري،ابن حجر العسقلاني ( دار الريان ، القاهرة ، ط2 ، 1409هـ _1998م) .
[11] فيض القدير ، عبد الرؤوف المناوي ( دار المعرفة ، بيروت ط2 ، 1391هـ _ 1972م ) .
[12] المصنف في الأحاديث والآثار ، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ( دار الكتب العلمية بيروت ، ط1416هـ _1995م ) . 
[13] المصنف ، عبد الرزاق الصنعاني ، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ( المجلس العلمي ، كراتشي ، ط2 ، 1416هـ _1996م ) . 
رابعـاً : مـراجـع الفقـه .

1_ الفقه الحنفي :

[1] الأصل ( المعروف بالمبسوط ) الإمام محمد بن الحسن الشيباني ، تعليق أبي الوفاء الأفغاني ( عالم الكتب ، بيروت ) . 
[2] بدائع الصنائع ، علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني  ( دار الكتاب ، بيروت ، ط2 ، 1402هـ _ 1982م ) .
[3] البحر الرائق ، زين العابدين بن ابراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم ( دار الكتب العلمية _ بيروت _ط1 ، 1418هـ_ 1997م ) . 
[4] الدر المختار ، محمد بن علي الحصكـفي  ( مكتبة مصطفى البابي الحلبي ، مصر ، ط2 ، 1386هـ _ 1966م ) .
[5] رد المحتار على الدر المختار ، محمد أمين ابن عابدين  ( مكتبة مصطفى البابي الحلبي  مصر ، ط2 ، 1386هـ _ 1966م ) .
[6] فتح القدير ومعه شروح الهداية ، الكمال ابن الهمام محمد بن عبد الواحد ( دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، بدون تاريخ ) .
[7] الفتاوى الهندية ، حسن بن منصور الفرغاني  ( دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ط4 ، بدون تاريخ ) .
[8] مجمع الضمانات ، ابن غانم البغدادي ، تحقيق : د/ محمد سراج الدين و د/ علي جمعة ( دار السلام ، القاهرة ، ط1 ، 1420هـ _ 1999م) .
ـ58ـ

2_ الفقه المالكي :

[1] بلغة السالك على الشرح الصغير ، أحمد الصاوي(دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1 1415هـ _ 1995م) . 
[2] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ، محمد بن عرفه الدسـوقي  ( دار الكتب العلمية ، بيروت ط1 ، 1417هـ _ 1996م ) .
[3] حاشية العدوي على شرح الرسالة ، علي الصعيدي العدوي ( دار الفكر ، بيروت ) .
[4] الذخيره ، أحمد بن ادريس القرافي ، تحقيق د/ محمد حجي ( دار الغرب الإسلامي بيروت ، ط1 ، 1994م ) .

3_ الفقه الشافعي :

[1] أسنى المطالب وبهامشه حاشية أحمد الرملي ، أبو يحيى زكريا الأنصاري ( دار الكتاب الإسلامي ، القاهرة ، بدون تاريخ ) .

[2] الأم ، محمد بن إدريس الشافعي ( دار الفكر ، بيروت ط1 ، 1400هـ _ 1980 م ) .
[3] البيان شرح المهذب ، أبو الحسين يحيى العمراني اليمني ( دار المنهاج ، جده ، ط1، 1421هـ _2000م ) 

[4] تحفة الحبيب على شرح الخطيب ، سليمان البجيرمي ( مكتبة مصطفى البابي الحلبي ، القاهرة ، الطبعة الأخيرة ، 1370هـ _1951.

[5] روضة الطالبين وعمدة المفتيين ، يحيى بن شرف النووي  ( المكتب الإسلامي ، بيروت ودمشق ط2 ، 1405هـ _ 1985م ) .

[6] العزيـز شرح الوجيز ، عبد الكريم بن محمد الرافـعي ، تحقيق وتعليق محمد معوض  ( دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1 ، 1417هـ _ 1997م ) .

[7] مغني المحتاج ، محمد بن محمد الشربيني ، بعناية محمد خليل عيتاني ( دار المعرفة ، بيروت ، ط1 ، 1418هـ _ 1997م ) .

[8] المجموع شرح المهذب ، محي الدين بن شرف النووي ( دار الفكر ، بيروت ) .  

[9] نهاية المحتاج ، محمد بن أحمد الرملي  ( مكتبة مصطفى البابي الحلبي ، القاهرة ، الطبعة الأخيرة ،1386هـ _ 1997م ) .
ـ59ـ
 

4_ الفقه الحنبلي :

[1] الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ، علي بن سليمان المرداوي ، تحقيق محمد حسن الشافعي ( دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1 ، 1418هـ _ 1997م ) .

[2] دقائق أولي النهى (شرح منتهى الإرادات ) ، منصور البهوتي، تحقيق د/ عبد الله التركي(مؤسسة الرسالة ، بيروت ط1 ، 1421هـ _ 2000م ) . 

[3] الفروع ، محمد بن مفلح المقدسي ، تحقيق حازم القاضي ( دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1 ، 1418هـ _ 1997م ) .

[4] كشاف القناع ، منصور البهوتي ، تحقيق محمد حسن الشافعي ( دار الكتب العلمية ، بيروت ط1،1418هـ_1997م ) .

[5] الكـافي ، عبدالله بن محمد بن قدامة المقـدسي  ( المكتب الإسلامي ، بيروت ، بدون تاريخ ) .

 [6] المغني ، عبد الله بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي ، تحقيق : د/ عبد الله التركي و د/ عبد الفتاح الحلو . ( دار هجر ، القاهرة ، ط2 ، 1410هـ_1989م ) .   

خامساً : مراجع أصولية وفقهية مختلفة .

[1] الأشباه والنظائر ، ابن نجيم الحنفي ، تحقيق عبد الكريم الفضيلي ( المكتبة العصرية ، بيروت ، ط1، 1418هـ _ 1998م )  .

[2] الأشباه والنظائر في فروع الشافعية ، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي  ( مكتبه مصطفى البابي حلبي ، الطبعة الأخيرة ، 1378هـ_ 1959م ) .

[3] أصول الفقه ، محمد أبو زهرة ( دار الفكر العربي القاهرة ) .

[4] الإفصاح ، الوزير محمد بن هبيرة ، تحقيق محمد حسن الشافعي ( دار الكتب العلمية بيروت ، ط1 ، 1417هـ _ 1996م  .

[5] درر الحكام شرح مجلة الأحكام ، علي حيدر(دار الجيل،بيروت، ط1،1411هـ_1991م) .

[6] رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ، محمد بن عبد الرحمن العثماني  ( دار الكتب العلمية بيروت ، ط1 ، 1407هـ _ 1987م ) .

ـ60ـ

[7] شرح القواعد الفقهية ، أحمد الزرقاء ( دار الغرب الإسلامي ، ط1 ، 1403هـ ) .

[8] غمز عيون البصائر شرح الحموي على الأشباه والنظائر لابن نجيم ( دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1  1405هـ _ 1985م ) .

سادساً : كتب معاصرة .

[1] بحوث في قضايا فقهية معاصرة ، محمد تقي العثماني ( دار القلم ، دمشق ، ط1 ، 1419هـ _ 1998م) .
[2] التشريع الجنائي الإسلامي ، عبد القادر عودة ( مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط8 ، 1406هـ ) .
[3] الفقه الإسلامي وأدلته ، د/ وهبة الزحيلي ( دار الفكر ، دمشق ، ط3 ، 1409هـ 1989م ).
[4] مجلة البحوث الإسلامية ، إدارة البحوث العلمية والإفتاء ( الرياض ، العدد 26 ) . 
[5] محاضرات في الفقه المقارن ، د/ سعيد رمضان البوطي ( دار الفكر ، دمشق ) .
[6] المدخل الفقهي العام ، الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء ( دار الفكر ، دمشق ، ط9 ، 1967م ) .
[7] نظرية الضمان في الفقه الإسلامي ، د/ محمد فوزي فيض الله ( دار التراث ، الكويت ط2 ، 1406هـ ) . 

سابعاً : مراجع اللغة والتعريفات .

[1] القاموس المحيط ، محمد بن يعقوب الفيروز آبادي  ( دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ط1 ، 1417هـ _ 1997م ) .

[2] الكليات ، أبو البقاء الكفوي ( مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط2 ، 1413هـ _ 1993م ) . 

[3] لسان العرب ، محمد بن مكرم ابن منظـور  ( دار صادر ، بيروت ، ط1 ، 1410هـ _ 1990م ) .

 [4] المصباح المنير ، أحمد بن محمد بن علي الفيـومي  ( دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1، 1414هـ _ 1994م ) .

ـ61ـ

[5] النهاية في غريب الحديث ، ابن الأثير ( دار الفكر ، بيروت ).

ثامناً : مـراجع التـراجم :
[1] حلية الأولياء ، الحافظ أبو نعيم الأصفهاني ( دار الكتاب العربي ، بيروت ، ط5 ، 1407هـ _ 1987م ) .
[2] شذرات الذهب ، ابن العماد الحنبلي ( دار إحياء التراث ، بيروت )  .


تعليقات