القائمة الرئيسية

الصفحات

مقدمة في فقه النظام السياسي الإسلامي

مقدمة في فقه النظام  السياسي الإسلامي

مقدمة في فقه النظام
السياسي الإسلامي




مقدمة في فقه النظام 
السياسي الإسلامي

محمد بن شاكر الشريف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده الرسول الأمين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم .. أما بعد: 
 
«فليس دين زال سلطانه إلا بُدِّلت أحكامه، وطُمست أعلامه، وكان لكل زعيم فيه بدعة، ولكل عصر في وهيه ـ ضعفه ـ أثر»( ). كلمة حكيمة من عالم خبير، لها ما يصدِّقها من شواهد التاريخ البعيد والقريب على السواء، وهي من جهة أخرى تبين الترابط الوثيق بين حفظ الدين وبين السلطان ـ النظام السياسي ـ؛ إذ السلطان حارس، وما لا حارس له فهو ضائع، أو يوشك أن يضيع.  

في أواخر النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، وأواخر الربع الأول من القرن العشرين الميلادي، نشبت معركة فكرية كبرى، تزعمها أحد الشيوخ( )، أنكر فيها أن تكون هناك علاقة بين الإسلام والسياسة أو الحكم، أو أن الدين يتدخل في إدارة الحياة، ورأى أن الدين مسألة روحية فقط، وهو علاقة بين الإنسان وربِّه ولا يتعدى هذا الإطار، وعلى إثر ذلك انتفض العالم الإسلامي، وقام علماؤه يردُّون على الشيخ ويبينون زيف رأيه وضلاله ( )، وقد بيَّن أهل العلم فيما كتبوه علاقة الإسلام بالحكم، وأنه يشمل بنظره أمري الدنيا والآخرة. 
 
وقد قيَّض الله لجهود هؤلاء العلماء النجاح، فإنها تمثل الحق الذي جاءت به نصوص الشريعة، وقد تمثلت مظاهر النجاح في عدة أمور: 

1 ـ عُقدت محاكمة في الأزهر من قِبَل هيئة كبار العلماء برئاسة الشيخ محمد أبو الفضل شيخ الجامع الأزهر، وعضوية أربعة وعشرين عالماً من كبار العلماء، وبحضور علي عبد الرازق نفسه، وقد تمت مواجهته بما هو منسوب إليه في كتابه، واستمعت المحكمة لدفاعه عن نفسه، ثم خلصت الهيئـة إلى الحكـم التالـي: «حكمنا ـ نحن شيخ الأزهر ـ بإجماع أربعة وعشرين عالماً معنا من هيئة كبار العلماء: بإخراج الشيخ علي عبد الرازق أحد علماء الجامع الأزهر والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية ومؤلف كتاب (الإسلام وأصول الحكم) من زمرة العلماء»( )، كما حكم مجلس تأديب القضاة الشرعيين بوزارة الحقانية (العدل) بالإجماع بفصله من القضاء الشرعي( ). 

2 ـ ضَعُفَ هذا الصوت النشاز بدرجة كبيرة، وانكسر الشيخ حتى إنه رفض إعادة طبع الكتاب مرة أخرى حينما عرض عليه ذلك، وهو الذي كان وعد في كتابه بمواصلة البحث في الموضوع. 

وهناك من يزعم ـ من محبي الشيخ ـ أنه قد تراجع قبل وفاته عما تضمنه كتابه السابق، فإن كان هذا التراجع صحيحاً؛ فلله الحمد على ذلك، وإن كان غير صحيح فهو على الأقل يدل على عدم اقتناع محبيه بما ذهب إليه. 

3 ـ اضطرار بعض مَنْ ناصر الشيخ في رأيه السابق؛ لأن يعلن تراجعه عن رأيه في أن الإسلام رسالة روحية فقط، والإ قرار بأن الإسلام يرعى الدين والدولة معاً( ).  

4 ـ اضطرار كثير من أصحاب ذلك التصور إلى عدم الإفصاح الصريح عن تصوراتهم، والتخفي وراء بعض العبارات الإسلامية، بل إظهار أنفسهم بأنهم في الصف المعادي للعلمانية، وأنهم من المؤيدين للمقولة المشهورة: «إن الإسلام دين ودولة»، والاكتفاء في ترويج مذاهبهم بالدس في العبارات، وإن كانت حقيقة مواقفهم لا تخفى على الناقد البصير.  

وإذا كان الاتجاه العلماني ـ الذي يقوم على فصل الدنيا عن الدين، ومنع قيومية الدين على الحياة ـ قد هُزم في مجال الأفكار والتصورات وبناء النظريات؛ فإن هذا لم يمنع أن يكون هو المتغلب حقيقة على الواقع السياسي في الأغلب الأعم من ديار المسلمين، فقد ألغيت الخلافة منذ أكثر من ثلاثة أرباع قرن، وتفككت أوصال دولها، وصارت تركيا ـ مركز دولة الخلافة ـ دولة قومية علمانية، تنص على ذلك في دستورها، وتحمي علمانيتها بالحديد والنار.  

وكذلك فإن الكيانات السياسية التي نشأت على أنقاض الخلافة المهدَّمة؛ هي أيضاً من حيث الواقع والممارسة دول علمانية، وإنْ نصَّ بعضها في دستور البلاد على بعض الألفاظ التي قد توهم خلاف ذلك؛ مثل «مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع» أو «المصدر الرئيس» أو نحو من ذلك، فإنك لا تكاد تجد غير تلك العبارة في أي من مواد الدستور مما يثبت صلته ونسبه للإسلام، بل تجد فيه ما ينص على أن الدولة ديمقراطية، أو قومية، أو اشتراكية، ونحو ذلك من تلك الأمور. 
 
وإذ توقفت المعركة الفكرية عند حد هزيمة الفكر العلماني في نفيه لعلاقة الإسلام بالحكم والسياسة، وقبول غالبية هذا الاتجاه بتلك النتيجة ولو ظاهرياً على الأقل (وإن كان يحاول تطويقها والالتفاف عليها من خلال دروب ومسالك متعرجة)؛ فإننا لسنا بحاجة في هذه الدراسة الموجزة للتدليل على فساد النظرية العلمانية في علاقة الدين بالسياسة( )، ويكفينا الحديث عن النظام السياسي الإسلامي نفسه، فنعرّفه، ونبيّن شكله وحدوده، وإدارته للدولة، وأهم خصائصه، ولا شك أن الحديث عن تفاصيل النظام السياسي الإسلامي؛ يحمل في طياته رداً بليغاً على أصحاب النظرية العلمانية في علاقة الإسلام بالحكم والسياسة. 
 
منهج البحث: 
النظام السياسي في الإسلام هو نظام أقامته الشريعة، وطبَّقه المسلمون في واقعهم، وقد جرى البحث على أن تتناول موضوعاته طبقاً للمصطلحات الإسلامية نفسها ولطريقة أهل العلم في عرضها في مصنفاتهم، وإذا لاحظنا غياب النظام الإسلامي الحقيقي لأعصر خلت من كثير من دول المسلمين، مما ترتب عليه غربة المصطلحات المستعملة في هذا الشأن؛ فقد يكون من الأوفق ـ مع التزامنا بالمنهج المتقدم ـ أن نقرِّب هذه المصطلحات بلغة العصر، كما نعقد بعض الموازنات بين ما عندنا من الحق وما عند غيرنا من الباطل لتقريب الصورة وتوضيحها؛ مما قد يترتب عليه استعمال بعض المصطلحات من تلك المنظومة السياسية المغايرة. 
 
خطة البحث: 
وقد جاء البحث في مقدمة وتمهيد وقسمين. 

أما المقدمة: فهي التي بين أيدينا. 

وأما التمهيد: فيشمل مبحثين: الأول في تعريف النظام السياسي الإسلامي، والثاني عن التنظيمات الإدارية في النظام السياسي الإسلامي. 

وأما القسم الأول: فهو عن أحكام الخلافة وما يتعلق بها. 

وأما القسم الثاني: فنتناول فيه بعض المسائل المتعلقة بإدارة الدولة. 

وأما الخاتمة: فنتناول فيها مستقبل النظام السياسي الإسلامي في عالمنا المعاصر.  

وهذا أوان الشروع في المقصود، نسأل الله من فضله التوفيق والسداد والعون على تحصيله. 
 

المبحث الأولتعريف النظام السياسي

 
يُعرَّف النظام السياسي إما باعتباره لقباً، وإما باعتبار الألفاظ المكوَّن منها. 
 
تعريفه باعتبار ألفاظه: 
 
السياسة (لغة) القيام على الشيء بما يصلحه، وسست الرعية سياسة: أمرتها ونهيتها، وسُوِّس الرجل: إذا مُلِّك أمرهم، والسُّوس: الرياسة، يقال: ساسوهم سوساً، وإذا رأَّسوه قيل: سوَّسوه وأساسوه، والسياسة فعل السائس، يقال: هو يسوس الدواب: إذا قام عليها وراضها، والوالي يسوس رعيته( ). 
 
والسياسة بهذا البيان لفظة عربية أصيلة( )، والسياسة لغة لا تنحصر فيما يتعلق بالدولة وأمور الحكم، وإنما هي القيام على الشيء ـ بما يحمله لفظ الشيء من العموم والشمول ـ بما يصلحه فيجلب له المنافع أو الأمور الملائمة، ويدفع عنه المضار أو الأمور المنافية، ويتحدد لفظ السياسة بما يضاف إليه، فإذا أضفنا السياسة إلى الرعيَّة كان معنى ذلك القيام على شؤون الرعيَّة ـ من قِبَل ولاتها ـ بما يُصلح تلك الشؤون، ووسيلة ذلك الأمر والنهي والإرشاد، إضافة إلى الترتيبات الإدارية والنظامية التي تؤدي إلى تحقيق مصالح الرعية وجلب المنافع لهم ودفع المضار عنهم، يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن «العلم بالسياسة»: «علم بما يدفع المضرة عن الدنيا ويجلب منفعتها»( ). 
 
والسياسة نوعان: سياسة عقلية؛ يكون تدبير مصالح الرعية فيها موكولاً إلى العقل البشري، وتُسمّى أيضاً سياسة مدنية. وسياسة شـــرعية؛ يكون تدبير مصالح العباد فيها بمقتضــى النصوص الشــرعية، وبما دلت عليه أو أرشدت إليه، أو استنبطه العقل البشري مما يحقق مقاصد الشريعة( ). 
 
وقد استخدم الفقهاء لفظ «السياسة» في مصنفاتهم وأرادوا منها عدة معان:  
 
1 ـ الأحكام الشرعية المتعلقة بأداء الأمانات في الولايات والأموال، والحكم بالعدل في حدود الله وحقوقه، وفي حقوق الآدميين( ). 
 
2 ـ ما يسنّه ولاة الأمر مجتهدين فيه ـ من الأمور التي تكون الرعيَّة معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يرد بذلك نص ما دام أنه يحقق المقاصد الشرعية، ولا يخالف أدلة الشرع التفصيلية( )، وهو ما يعني العمل بالمصالح المرسلة. 
 
3 ـ التعزيز والزجر والتأديب( ). 
 
ونخلص من كل ما تقدم إلى أن السياسة كلمة يدخل تحتها ـ في اصطلاح علماء الإسلام ـ مجموعة من الأحكام الشرعية، سواء منها ما يثبت بدليل خاص أو باجتهاد، يؤدي العمل بها إلى جلب الخير والصلاح لجماعة المسلمين وإلى دفع الشر والفساد عنهم، ولم تكن تعني الاقتصار على الأحكام المتعلقة بالدولة الإسلامية؛ من حيث شكل الدولة أو نوعها أو طبيعة السلطة فيها ومصدرها وكيفية ثبوتها وانتقالها، وشروط القائمين على رأس الدولة والجهة التي لها حق تعيينهم أو عزلهم، والحقوق والواجبات المتبادلة بين الحكام والمحكومين، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالدولة.  
 
لكنه حدث في العصر الحديث نوع من التخصيص لمدلول لفظ «السياسة»، ولم يعد يُفهم منه اصطلاحاً ما قدمناه سابقاً، وإنما صار يُفهم منه ما يتعلق بحكم الدول، وقد وردت عدة تعريفات للسياسة في الاصطلاح المعاصر؛ منها: «السياسة: معرفة كل ما يتعلق بفن حكم دولة وإدارة علاقاتها الخارجية»( ). 
 
«السياسة: علم الدولة..، وتشمل دراسة نظام الدولة، وقانونها الأساسي، ونظام الحكم فيها، ونظامها التشريعي .. كما تشمل هذه الدراسة النظام الداخلي في الدولة، والأساليب التي تستخدمها التنظيمات الداخلية ـ كالأحزاب السياسية ـ في إدارة شؤون البلاد أو للوصول إلى مقاعد الحكم»( ).  
 
وهناك اختلاف في تعريف السياسة في الاصطلاح المعاصر، حتى إنه ليصعب صياغة تعريف واحد يوافق عليه الجميع، إلا «أن هناك قدراً متيقناً متفقاً عليه لتحديد مدلول السياسة، ألا وهو أنها تتعلق بالسلطة في الدولة»( ). 
 

تعريف النظام: 

 
النظام لغة: الخيط الذي يُنظم به اللؤلؤ، وكل خيط يُنظم به لؤلؤ أو غيره فهو نظام، ونظام كل أمر ملاكه، والنَّظْم: نظمك الخرز بعضه إلى بعض في نظام واحد، كذلك هو في كل شيء حتى يقال: ليس لأمره نظام؛ أي لا تستقيم طريقته، وكل شيء قرنته بآخر أو ضممت بعضه إلى بعض فقد نظمته، والنظام: العقد من الجوهر والخـرز ونحــــوهما، والنظام: الهدي والســيرة، وليس لأمرهم نظام؛ أي ليس لهم هـــدي ولا متعلــق ولا استقامة، وما زال على نظام واحد؛ أي عادة( ). 
 
يتبين بما تقدم أن لفظ «النظام» يُطلق لغة على الأشياء المضموم بعضها إلى بعض، كما يطلق على الشيء الجامع لتلك الأشياء؛ على أن يراعى في ذلك الضم: الترابط الذي ليس فيه تنافر، والاستقامة التي لا يصحبها عوج، والاطراد الذي لا يعتريه خُلْف، وبذلك يمكننا القول بأن النظام: هو مجموع الأشياء المترابطة المتناسقة المتآلفة التي يكون لها ثبات واطراد.  
 
فإذا أردنا تعريف النظام السياسي بالنظر إلى لفظه؛ قلنا: هو مجموعة الخطوات أو الإجراءات المتناسقة التي يتم من خلالها تدبير الأمور وتسييرها بطريقة صالحة. وإذا أردنا تعريفه بالنظر إلى أنه لقب على كيفية حكم الدولة؛ قلنا: هو مجموعة الأحكام وما ينتج عنها من هيئات أو مؤسسات وتنظيمات متعلقة بالدولة الإسلامية من حيث إقامة الدولة وإدارتها والمحافظة عليها وتحقيق غايتها( ). 
 
فيدخل في إقامة الدولة الأحكام المتعلقة بنَصْب الخليفة؛ من حيث حكم توليته وشروطه وواجباته وحقوقه وكيفية اختياره، وصفات من يختاره، وكيفية انتقال السلطة وموجبات ذلك، وحدود صلاحياته.  
 
كما يدخل في إدارتها: الأحكام المتعلقة بالسلطة؛ من حيث أنواعها، ومصدرها،والقيود التي ترد عليها، وأحكام الوزارة و الولايات وتقسيم البلدان، وإنشاء المرافق العامة، وأحكام الشورى، وصفات من يتولون المناصب العامة، ويدخل في ذلك الحديث عن وضع أهل الذمة في النظام السياسي، وكذلك وضع المرأة. 
 
كما يدخل في المحافظة عليها وتحقيق غايتها الأحكام المتعلقة بالعمران والتنمية، وحقوق الرعية وواجباتها، كما يدخل في ذلك الأحكام المتعلقة بأمن المجتمع؛ من حيث الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصب القضاة وإقامة الحدود، والرقابة والمتابعة (الحسبة)، كما يدخل في ذلك أحكام العلاقات الخارجية، وكل ذلك يتضافر معاً ليكون وحدة واحدة هي النظام السياسي الإسلامي. 
 
وهذا التقسيم الذي أوردته إنما هو تقسيم اجتهادي، وإلا فقد يدخل شيء مما ذكرته في موضع ما، تحت موضع آخر، أو يدخل في أكثر من موضع لارتباطه وتشعبه، ويدخل تحت ما تقدم جزئيات وفرعيات كثيرة تمثِّل في مجموعها أحكام النظام السياسي في الإسلام، وهذه الأحكام وما تعلق بها من تنظيمات أو هيئات مبثوثة في الكتب الشرعية، سواء منها ما يقتصر على الأحكام الخاصة بالنظام السياسي والتي عُرفت باسم «الأحكام السلطانية»( )، أو ما يتعرض للأحكام الشرعية كلها؛ مثل كتب الفقه والتفسير وشروح الحديث النبوي الشريف، وهناك طائفة كبيرة من هذه الأحكام في الكتب التي تقدم وصايا خُلقية أو إدارية للوزراء والأمراء، وكذلك كتب الخراج. 
 
 

المبحث الثانيفي التنظيمات الإدارية في النظام السياسي الإسلامي

 
التشريع في الإسلام ـ تحليلاً وتحريماً، تصحيحاً وإبطالاً، في أفعال الناس وأقوالهم واعتقاداتهم ـ إنما هو لربِّ الناس الذي خلقهم ورزقهم، والذي يبعثهم من بعد موتهم ليحاسبهم عما قدَّموا في حياتهم الدنيا، والناس بمعزل عن التشريع، سواء كانوا جماعة أو هيئة أو حتى أمة ودولة، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جداً، وأقوال العلماء في ذلك واضحة جداً( ). 
 
وهناك أمور ليست من التشريع، وإنما هي من التنظيم والترتيب الذي بها ينتظم العمل ويحقق الأهداف المرجوة منه، فهذه لا حرج فيها ما دام أنها لا تخالف الشريعة في شيء( )، وهذا النوع من الترتيب والتنظيم أو التنظيم الإداري لا تستغني عنه أمة من الأمم، سواء كان ذلك في عصر التقنية المتقدمة، أو في الأعصر التي سلفت.  
 
لكن هذه التنظيمات والترتيبات الإدارية قد لا يظهر الاحتياج إليها دفعة واحدة، بل قد يظهر في زمن دون زمن؛ ارتباطاً بكثير من العوامل التي تؤثر في ذلك إيجاداً وعدماً، ولذلك فإن النظام السياسي الإسلامي لم يعتن بإيجاد تلك التنظيمات قبل الحاجة إليها، في الوقت الذي يعمل على إيجادها كلما حدث ما يستوجب وجودها، وهذه التنظيمات الإدارية أو المرافق يدل عليها الشرع؛ إما بالدلالة المباشرة عليها، وإما بالدلالة على أصل ترجع إليه، وإما بالبراءة الأصلية التي تقتضي أن الأصل في المنافع الإباحة إلا ما منع منه الدليل، فمثلاً قد تكون الدولة صغيرة، كدولة المدينة المنورة في أول أمرها، ثم تتسع الدولة وتكبر بالفتح، فتحتاج حينئذ أن تُقسَّم إلى وحدات إدارية ليسهل ضبطها وإدارتها، ويستتبع هذا التقسيم وجود ولاة وقضاة وأئمة وشرطة لكل قسم من الأقسام، ويحتاج ذلك إلى تنظيم وترتيب لم تكن إليه حاجة من قبل التقسيم. 
 
وكذلك أمور الجيش، فالجيش قديماً كان لكل مقاتل فيه سلاحه الخاص به، وكان مقدوراً على إحضار السلاح وصناعته بمجهود يسير، ومع التطور المذهل في أنواع الأسلحة وتقنيتها والاحتياج إلى التدريب عليها قبل استعمالها، إضافة إلى استحالة قدرة الأفراد على صناعتها أو حتى شرائها، ثم الاحتياج إلى صيانتها وتحديثها، يصبح وجود جيش ثابت منظم ومدرب من الأمور التي لا غنى عنها للقيام بفريضة الجهاد طلباً ودفعاً، ومع وجود الجيش الثابت تظهر الحاجة إلى التنظيم؛ كتقسيم الجيش إلى وحدات أو أفرع، كل فرع له سلاح يستخدمه، ثم وجود هيئة مسؤولة عن التدريب وأخرى عن الصيانة،وقس على ذلك أموراً كثيرة. 
 
فهذه أمور لم ينظِّم الإسلام الجانب الإداري منها المتعلق بالخبرة البشرية وبتطورات الحياة وتقدُّم الإنسانية في معارفها؛ لأن هذا الجانب هو بطبيعته متغير متطور بتطور البشرية، وإنما بيَّن الشرع ما يتعلق بذلك من الحلال والحرام والصحيح والباطل، وأطلق في كيفيات التحقيق والتنظيم والترتيب وإنشاء المرافق المتخصصة التي تخدم تلك المجالات مع الالتزام بأحكام الشريعة وقواعدها ومقاصدها، وهذا لا شك أنه من طبيعة الدين الصالح لكل زمان ومكان، المُصلح لكل زمان ومكان؛ أن لا يُلزمهم بكيفيات تنفيذية يرتبط صلاحها أصلاً بالبيئة التي يُطَّبق فيها، وإذا كانت الشريعة قد أطلقت الكيفيات في مثل تلك الأمور؛ فإن وضع كيفية لذلك ومحاولة جعلها كيفية عامة غير مرتبطة بالزمان والمكان؛ هو أمر مخالف للإطلاق الذي جاءت به الشريعة وقامت عليه تلك الكيفية، وذلك أن غالب الكيفيات إنما هي نتيجة اجتهاد قائم على تحقيق المصلحة في زمان محدَّد ومكان محدَّد، فلا يمكن عدُّه اجتهاداً ملزماً لجميع الأعصار والأمصار، ولكن هذا لا يمنع من وضع نظام يكون محقِّقاً للمصلحة؛ على أن يرتبط دوام ذلك النظام بتحقيق المصلحة، فإذا تغيرت الظروف أو الأحوال التي بني عليها ذلك الاجتهاد؛ أمكن تغيير تلك التنظيمات أو الكيفيات إلى أخرى جديدة تحقق المصلحة نفسها، ونؤكد في هذا الخصوص أن هذا تغيير في الكيفيات والتنظيمات المبنية على تحقيق المصلحة، وليس تغييراً في الأحكام الشرعية، فإن الحكم الشرعي ثابت لا يتغير( )، وإنما الذي يتغير في هذه الحالة هو الطريق إلى تحقيقه في الواقع، يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «والله ـ تعالى ـ لم يحصر طرق العدل وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدلُّ وأظهر، بل بيّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وقيام الناس بالقسط؛ وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقصد»( ).  
 
ضوابط التنظيم الإداري أو كيفيات التنفيذ:  
 
كيفيات التنفيذ أو تنظيم العمل لا تجري هكذا مطلقاً من القيود، بل نحن هنا أمام أحكام شرعية ثابتة يجب أن تكون حاكمة وحاصرة لكيفيات التنفيذ، وهناك ضوابط شرعية لا بد من مراعاتها في اعتماد الكيفيات أو التنظيمات، وهي: 
 
1 ـ أن تكون محقِّقة للمقصود الذي من أجله وُضعت.  
 
2 ـ أن لا تخالف قاعدة من القواعد الشرعية أو مقصداً من مقاصد الشريعة.  

3 ـ أن لا تخالف دليلاً من أدلة الشرع التفصيلية. 

4 ـ أن لا يترتب عليها مفسدة تربو على المصلحة التي تحققها( ).  
 

 القسم الأولمـن أحـكام الخـلافـة وما يتعلق بها


المبحث الأول: من أحكام الخلافة:

1 ـ تعريف الخلافة وأهميتها:  
الخلافة هي أهم مؤسسة في النظام السياسي الإسلامي، فكل المؤسسات الأخرى أو الهيئات فيه تابعة لها، وقد بلغ من أهميتها أن النظام السياسي الإسلامي نفسه سُمِّي بها، فنقول: النظام السياسي الإسلامي، أو نقول اختصاراً الخلافة، وهذا الاسم قد جاء به النص الشرعي، فقد قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : «تكون النبوّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً ..» الحديث( ). وقال  صلى الله عليه وسلم : «خلافة النبوّة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك، أو ملكه، من يشاء»( ).فقد سمَّى الرسول  صلى الله عليه وسلم  النظام السياسي الذي قام بعده باسم «الخلافة». 
والخلافة نظام سياسي تتحقق فيه أحكام كثيرة، أبرزها:  
1 ـ أن يكون القائم عليه (الخليفة) مستوفياً للشروط الشرعية فيمن يسند إليه. 
2 ـ أن يُسند إليه ذلك المنصب بطريقة شرعية (كما سنذكر لاحقاً). 
3 ـ أن يقيم الشريعة بين الرعية، ويحرس الدين من الزيادة فيه أو النقص منه. 
4 ـ أن يقوم بسياسة دنيا المسلمين وتحقيق مصالحهم ملتزماً في ذلك بأحكام الشريعة. 
وقد عرف أهل العلم هذا المنصب الجليل، فقال الماوردي: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»( )، وقال إمام الحرمين: «الإمامة: رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا»( ).«وكلام سائر علماء العقائد والفقهاء من جميع مذاهب أهل السنّة لا يخرج عن هذا المعنى»( ). ومن هذه التعاريف يتبين أن الخلافة تجمع بين الدين وسياسة الدنيا، ولا تفصل بينهما كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة، وعقد الخلافة لمن يقوم بها في الأمة ممن استوفى شروطها واجب بالإجماع( ).  
وقد ذكر أهل العلم الشروط التي ينبغي أن تتوافر في الخليفة، وهي ـ كما ذكرها الماوردي ـ: «الشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها: العدالة على شروطها الجامعة، والثانية: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها، والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض، والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو، والسابع: النسب، وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه»( )، وهي شروط متفق عليها في الجملة بين أهل العلم، وإن كان بعضهم يُعبِّر بألفاظ مختلفة لكنها تحمل المضمون المتقدم نفسه( )، وهذه الشروط المتقدمة إنما هي شرط استحقاق المنصب، وأما تولي المنصب فيضاف له شرط آخر، وهو الموافقة عليه واختياره من أهل الاختيار( ). 

2 ـ ألقاب القائم على رأس النظام ودلالتها: 
يُلقَّب القائم على رأس النظام السياسي في الإسلام بعدة ألقاب؛ منها «الخليفة»، «الإمام»، «الأمير»، وقد جاءت النصوص الشرعية بكل ذلك( ). 

دلالات الألقاب:  
لقد اختار الإسلام لرأس النظام السياسي ألقاباً تعبر عن توجهات النظام، وتكشف عن حقيقته وأهدافه، فلفظ «الخليفة» يعني أنه ليس ملكاً مطلق المشيئة والإرادة في إدارة الدولة كيف شاء أو أنه يُخلد في منصبه، أو أنه ورثه وراثة، بل هو خليفة خلف من سبقه في قيادة الأمة كما سيخلفه من يأتي بعده، كما يعني أنه يعمل فيما استخلف فيه وفق الغاية والمقصد من نصبه واستخلافه، واللفظ بعد ذلك يشع منه التواضع ولين الجانب وترك التكبر والتعالي على الناس. ولفظ «الإمام» يعني القيادة والقدرة، كما يعني المبادرة، فالإمام قدوة لغيره في العمل بالشريعة والتمسك بها والدعوة إليها، والإمام قائد، فإن الناس تؤمّه وتقصده وهي له متابعة، كما أن الإمام يبادر ويتقدم على غيره فيكون أولهم ولا يكون آخرهم؛ لأن حق الإمام التقدُّم وليس التأخر، والإمامة تعني أن السلطة والقيادة ليست مقسَّمة بينه وبين آخرين بحيث يُستقل بها عنه، ســواءً كانوا أفـراداً أو جماعات أو هيئات، واللفظ يشع منه بعد ذلك معاني الهيبة والجلال والتوقير. ولفظ «الأمير» يُبرز الجانب الوظيفي في العمل، فهو أمير يأمر وينهى ويُلزم، وعلى الرعية الطاعة والموافقة في الإطار المشروع.  
وهكذا فإن الألفاظ الثلاثة تتعاون وتتآزر فيما بينها لتعطي الصورة الكاملة لهذا المنصب العالي والمكانة الجليلة للقائم على رأس النظام السياسي. فكلمة الإمام تُبرز وتوضح حصر القيادة العليا للأمة كلها في الإمام، بينما كلمة الخليفة تُبرز بقوة جانب الاتباع للشريعة في إدارة شؤون الأمة، وكلمة الأمير تُبرز الجد والحزم والهمة في مباشرة الأمور، وهكذا تتعاون هذه الألفاظ لتبين أن منصب رئاسة النظام السياسي في الإسلام منصب كبير، تجتمع فيه القيادة العليا للأمة مع الهيبة والجلال والاحترام والوقار المصحوب بالجد والحزم، وهي قيادة ليست مطلقة بمقتضى نظر الخليفة المجرد مما يظهر له أنه يحقق المصلحة، بل هو مقيد في ذلك باتباع الشرع؛ يدور معه حيث دار، كما أن الهيبة والحزم ليست مع الرعب والفزع ولكن مع التواضع ولين الجانب. 

3 ـ نشأة الخلافة: 
الخلافة لم تنشأ في الإسلام نتيجة لعقد اجتماعي بين أفراد الشعب؛ يعبِّر عن الإرادة الشعبية في إقامة سلطة تحكم المجتمع وتحقق مصالحه( )، وإنما نشأت الخلافة نشأة شرعية تستمد سلطانها وأحكامها من الشريعة التي أنشأتها، والدليل على ذلك أمور، منها: 
الأول: الأدلة الكثيرة التي تتحدث عن الخليفة والخلافة وحقوقه وواجباته، والتي سقنا بعضاً منها في هذا البحث، ما يبين أن الشرع هو الذي أنشأ الخلافة وأعطاها مصطلحاتها الخاصة بها، وبين حقوقها والتزاماتها. 
الثاني: أن المسلمين لم يسبق لهم عهد بهذا النوع من الحكومات، كما أنه لم يكن موجوداً في حواضر المدنيات المعاصرة كفارس والروم حتى يُقال قلَّدوا غيرهم في ذلك، فإذا لم يكـن عند المسلمين ســابقة في ذلك لا مـن داخلهم ولا من خارجهم؛ فما بقي إلا أن يكونوا أخذوا ذلك من دينهم.  
الثالث: مبادرة أصحاب الرسول  صلى الله عليه وسلم  رضي الله عنهم، وهم أعلم الأمة بدين ربها وأفقههم فيه، إلى اختيار من يخلف رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في قيادة الأمة بعد وفاته، حتى إنهم قاموا بذلك والرسول  صلى الله عليه وسلم  بعدُ لم يدفن، وهذا دليل على أن ضرورة إقامة الخلافة كانت أمراً معلوماً سابقاً لم يحتج منهم إلى تفكير ودراسة وتشاور. والحوار في سقيفة بني ساعدة بين الصحابة غداة اجتمعوا هناك لم يكن حول أصل الموضوع، وإنما كان حول: مَنْ أحق الناس بهذا المنصب بعد رسول الله  صلى الله عليه وسلم ؟ ولم يُؤْثر عن واحد منهم كلمة في مناقشة أصل الموضوع؛ مما يعني أن ذلك كان عندهم معلوماً.  
الرابع: أن العباس ـ رضي الله عنه ـ عمَّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم ؛ طلب من علي بن أبي طالب أن يسأل رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ـ وهو في مرض الموت بأبي هو وأمي ـ: فيمن يكون الأمر ـ الخلافة ـ بعد وفاته؟( ) وهذا وأمثاله يبين أن ضرورة قيام الخلافة كان معلوماً فاشياً بين الصحابة، ومن الذي يكون أعلمهم بذلك غير رسول الله  صلى الله عليه وسلم ؟! 
ويتبين مما تقدم أن الخلافة نشأت مباشرة عقب وفاة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بدون انقطاع، وأن الشرع هو الذي أنشأها بالدلالة عليها والأمر بها، ولم يُقمها الناس من تلقاء أنفسهم لجلب المصالح ودرء المفاسد. 

4 ـ طرق إسناد الخلافة لمن يستحقها: 
الشخص الصالح لتولي الخلافة هو من تتوافر فيه شروط الصلاح لذلك ـ كما أسلفنا ـ، ولا بد من التأكد من توفر هذه الشروط قبل إسناد الخلافة إليه، فتحقق الشروط مناط استحقاق الخلافة، وعملية التأكد من توفر هذه الشروط في الشخص تُسمَّى تحقيق المناط، وعلى ذلك فدَوْر أهل الاختيار الذين يختارون الخليفة هو تحقيق المناط في الشخص، وإذا وجد أكثر من شخص تتحقق فيه تلك الشروط فتكون هنا المفاضلة بينهم على أساس مَنْ منهم تتحقق فيه الشروط بصورة أكثر من الآخرين، ويكون في الوقت نفسه أكثر مناسبة من غيره لظروف العصر، وبالتالي تُعقد له البيعة ويولى أمر الخلافة، وعلى ذلك فتحقيق المناط يُتطلب فيه أمران:  
الأول: النظر في الشروط التي ينبغي توافرها فيمن يراد جعله خليفة، وهذه مرجعها إلى الشرع؛ إذ هو الذي يحددها. 
الثاني: النظر في وجود هذه الشروط وتحققها في آحاد الناس، وهذه تُعلم من المعرفة بالشخص وأحواله، فذلك نوع من الاجتهاد في التحقق من وجود المناط في آحاد الأشخاص( ). ومن البيّن أن طرق الكشف عن وجود المناط في آحاد الأشخاص قد تتعدد وتتباين وتكون كلها صالحة محققة للمقصود، ولا يمكن لأحد أن يدَّعي أنه لا يوجد إلا طريق واحد لتحقيق المناط، فإن تحقيق المناط تؤثر فيه عوامل كثيرة، منها طبيعة المناط نفسه من حيث الوضوح أو الخفاء، ومنها طبيعة الباحث نفسه من حيث العلم والخبرة، ومنها طبيعة الظروف المحيطة بالموضوع، لهذا كله فقد يختلف تحقيق المناط من بيئة إلى بيئة ثانية، ومن زمن إلى زمن آخر، بل قد يختلف في الزمن الواحد باختلاف الظروف المحيطة، من غير أن يؤثر ذلك على الحكم الأصلي؛ لأن الذي يتغير هو جهد الإنسان في الكشف عن المناط، أما وجود المناط نفسه فلا بد من تحققه في جميع الحالات، وهذا يفسر تعدد طرق التولية التي حدثت في فترة الخلافة الراشدة. 

وقد عرف التاريخ السياسي للخلافة الراشدة عدة طرق في اختيار الخلفاء الراشدين، وهي:  
أ ـ الاختيار بواسطة أهل الاختيار (الحل والعقد): وهو أن يختار أهل الاختيار رجلاً ممن تتوفر فيه الشروط المطلوبة، وذلك بعد البحث وتقليب الآراء، ثم الاتفاق بعد التشاور فيما بينهم على الشخص المناسب ومن ثم مبايعته، ولا يضر ما يحدث من نقاش واختلاف في هذه الحالة في أول الأمر فذلك شيء لا بد منه، وإنما العبرة بالنهاية حتى يتفق أهل الاختيار، وقد حدث هذا في تولية أبي بكر رضي الله عنه، حيث اجتمع كبار الصحابة منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد بن عبادة، وبعد محاورات تخللتها بعض التباينات في وجهة النظر وقع الاتفاق على أبي بكر الصدِّيق ـ رضي الله عنه ـ وتمت بيعته، وهو والله حقيق بها، وكذلك كان الأمر في بيعة علي رضي الله عنه( ). 
ب ـ الاستخلاف: وهو أن يحدد الخليفة العدل إذا حضرته مقدمات الوفاة شخصاً بعده للخلافة ممن تتوافر فيه شروطها، وممن يسرع الناس إلى قبوله وبيعته، وذلك بعد أن يستشير أهل الحل والعقد فيما رأى من ذلك، كما حدث ذلك في تولية عمر رضي الله عنه، حيث اختاره أبو بكر الصديق، وعمر هو عمر.. فضائله معروفة مشهورة، وهو أفضل الأمة بعد النبي  صلى الله عليه وسلم  وبعد أبي بكر، تتوفر فيه شروط الصلاح لمنصب الخليفة على أعلى درجاتها، ومع ذلك فإن أبا بكر - رضي الله عنه- لم يولِّه بمجرد ذلك، بل شاور في ذلك كبار الصحابة، واستمع لرأيهم، وقد أقر كل من استشارهم أبو بكر بفضل عمر - رضي الله عنه - وصلاحه لذلك، غير أن بعضهم أشار إلى ما في عمر من غلظة، وقد بيّن لهم أبو بكر - رضي الله عنه - أن عمر هو أفضل المسلمين الموجودين على الإطلاق، وأن شدته ستخفّ كثيراً بعد أن يصير الأمر إليه (وقد كان)، وعلى ذلك تمت البيعة لعمر رضي الله عنه ( ). 
ج ـ أن يجعل الخليفة الأمر بين جماعة ممن يستحقونها: وهو أن يحدِّد الخليفة العدل إذا حضرته مقدمات الوفاة عدداً من الأشخاص الذين تتوفر فيهم صفات الخليفة وممن لهم مكانة ومنزلة عند الناس؛ بحيث يسرعون إلى الموافقة على أيٍّ منهم ومبايعته، على أن يختاروا من بينهم واحداً للخلافة، كما فعل عمر ـ رضي الله عنه ـ حين حضرته مقدمات الوفاة، حيث جعل الأمر في ستة أشخاص هم: عثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وهم الذين توفي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وهو عنهم راض. وقد كان طلحة إذ ذاك غائباً، وعرض عليهم عبد الرحمن أن يخرج منها ويختار لهم منهم واحداً فرضوا، وقد اجتهد عبد الرحمن في ذلك، وأخذ يستشير في ذلك المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار وأمراء الأجناد، حتى يقول عبد الرحمن في ذلك: «إني قد نظرت في أمر الناس؛ فلم أرهم يعدلون بعثمان»، وحينئذ بايع عبد الرحمن عثمان بالخلافة، وبايعه المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون( )، قال النووي - رحمه الله -: «إن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت ـ وقبل ذلك ـ يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه، فإن تركه فقد اقتدى بالنبي  صلى الله عليه وسلم ، وإلا فقد اقتدى بأبي بكر، وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان إذا لم يستخلف الخليفة، وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة، كما فعل عمر بالستة، وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة»( ). 

ففيما تقدم من الطرق السابقة نجد قاسماً مشتركاً بينها جميعاً، يتمثل في أمرين:  
الأول: توافر شروط استحقاق الخلافة في الشخص المختار لذلك. 
الثاني: موافقة أهل الاختيار (الحل والعقد) عليه. 
وعلى ذلك فكل طريقة للاختيار يتحقق فيها هذان الأمران ـ من غير مخالفات شرعية ـ فهي طريق مقبول شرعاً، وليس يتحتم الأخذ بكل التفاصيل الواردة في الطرق السابقة دون غيرها مما يحقق الأمرين المشار إليهما، فقد كان يكفي في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - مثلاً أن يدور عبد الرحمن بن عوف بنفسه على المهاجرين وأصحاب الفضل والسابقة في الإسلام من الأنصار وأمراء الأجناد؛ ليتعرف آراءهم فيمن يختارون ويقدمون، ويرون أنه أحق بالخلافة، لكن هذه الطريقة العملية التي اتبعها عبد الرحمن بن عـوف - رضـي الله عنه - وإن كانت محققة للمقصود في زمنه فليست واجبة وجوباً عاماً تشمل عموم الزمان والمكان؛ لأنه لم يأت نص يُلزم بها، وإن كانت اجتهاداً موفقاً ومسدداً من الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ في زمنه. 


5 ـ واجبات الخليفة: 
على الخليفة واجبات شرعية كثيرة كغيره من المسلمين، ولكن هناك واجبات خاصة به بمقتضى ما تكلفه من قيامه بهذا الأمر، وخلاصتها الحفاظ على الدين وحراسته، وتحقيق مصالح المسلمين الشــرعية والدنيوية ودرء المفاسد عنهم، وقد فصّل ذلك الماوردي - رحمه الله - فقال:«والذي يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء:  
أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة. 
الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة. 
الثالث: حماية البيضة والذب عن الحريم ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين. 
والرابع: إقامة الحدود لتصان محارم الله ـ تعالى ـ عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.  
والخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة؛ حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرماً. 
والسادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة. 
والسابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً من غير خوف ولا عسف.  
والثامن: تقديــر العطايا وما يستحق من بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعـــه في وقت لا تقديم فيــه ولا تأخير. 
التاسع: استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوِّض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال. 
العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعوِّل على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح»( ). 
وتحت هذه الواجبات العامة تفصيلات كثيرة، كما تحتاج إلى تنظيمات وترتيبات لتحقيق تلك الواجبات على النحو المرضي، ومن مسؤولية ولي الأمر القيام بهذه الواجبات واستحداث ما تحتاج إليه من تنظيمات وترتيبات ـ على الشروط السابق ذكرها في ضوابط التنظيم ـ( ).  

6 ـ حقوق الخليفة على الرعية: 
وإزاء هذه المسؤولية المكلف بها الخليفة؛ فإن الشريعة جعلت له على الرعية حقوقاً؛ حتى تكون هذه الحقوق معينة له على تحقيق واجباته ومقاصد الخلافة، قال الماوردي:«وإذا قام الإمام بما ذكرته من حقوق الأمة؛ فقد أدى حق الله ـ تعالى ـ فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة؛ ما لم يتغير حاله»( ). 

7 ـ البيعة: 
يتم عقد الولاية للخليفة عن طريق البيعة، وفيها يتم بيان وإعلان العلاقة بين المسلمين والخليفة، حيث يكون من الخليفة العهد على الالتزام بالكتاب والسنّة وقيادة الأمة في أمورها كلها بهما، ويكون من المسلمين العهد على السمع والطاعة والنصرة ما دام الخليفة محافظاً على عهده قائماً بالتزاماته، قال ابن حجــر ـ رحمه الله ـ: «والأصل في مبايعة الإمام أن يبايعه على أن يعمل بالحق، ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر»( )، وكتب عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ في بيعته: «إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنّة الله وسنّة رسوله ما استطعت»( )، وفي بيعة عثمان ـ رضي الله عنه ـ بايعه عبد الرحمن ابن عوف والمسلمون «على سنّة الله وسنّة رسوله والخليفتين من بعده»( ).  

 
المبحث الثاني:
أهـل الحـل والعقـد:

أهل الحل والعقد هم الجماعة من الناس الذين يُناط بهم اختيار الخليفة ومبايعته، وهو تدبير سياسي إسلامي غير مسبوق سواء في لفظه أو في وظيفته، قد استنبطه أهل العلم من السوابق التي جرت في خلافة الراشدين، فأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ قد عقد له البيعة كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، وعمر لما استخلفه أبو بكر استشار فيه كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وعثمان لم يعقد له عبد الرحمن حتى دار على المهاجرين وأفاضل الأنصار وأمراء الجند الذين كانوا بالمدينة وأخذ موافقتهم عليه، وكذلك علي لما جاءه بعض الناس يريدون منه البيعة قال: «إن بيعتي لا تكون خفيّاً ولا تكون إلا على رضا المسلمين»، فبايعه الصحابة في المسجد، وبايعه طلحة والزبير وهما من العشرة المبشرين بالجنة. 
ويطلق بعض أهل العلم على تلك الجماعة لفظ «أهل الاختيار»، كما يُطلق عليها أحياناً لفظ «أهل الشورى»( )، وأحياناً ثالثة «أهل الاختيار والعقد»، وينبغي أن تتوافر في هذه الجماعة شروط تؤهلهم وتعينهم على صواب الاختيار، وقد أجمل الماوردي هذه الشروط بقوله: «فأما أهل الاختيار؛ فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة: 
أحدها: العدالة الجامعة لشروطها، والثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، والثالث: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير المصالح أقوم وأعرف»( ). 
وهذه الشروط هي بالنسبة إلى أهل الحل والعقد أنفسهم، وهناك شرط آخرمنظور إليه من قِبَل المسلمين؛ وهو أن يكونوا ممن يسرع الناس إلى موافقتهم وقبول اختيارهم( )، وهذا يؤدي بنا إلى التعرف على مكانة هؤلاء في مجتمع الناس، وذلك أن الناس لا تسرع إلى موافقة وقبول اختيار إلا من تعلمه وتراه بارزاً مشهوراً مشاركاً في مصالح الناس، وعلى ذلك فإن أهل الحل والعقد ليسوا مجرد أُناس عاكفين على العلم والمعرفة منقطعين عن الناس وعن واقع الحياة، فإن هؤلاء أكثرهم مجهول بالنسبة لعموم الناس، فالخامل ـ وإن كان عالماً ـ الذي لا ذكر له ولا جهد في حركة المجتمع أنَّى ينتبه الناس له؟! 
وأما العدد الذي تنعقد به بيعتهم؛ فليس لذلك حد معلوم؛ إذ لم يثبت بذلك نص، والمتيقن منه في ذلك أن حصول الإجماع ليس شرطاً في ذلك، كما أن الواحد والاثنين اللذين يعقدان مـن غــير مشـورة المســلمين لا يصلح ذلك منهما، وقد استعرض أبو المعالي الجويني كل الأقوال الواردة في ذلك، وخلص إلى القول: «فالوجه عندي في ذلك أن نعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع يحصل بهم شوكة ظاهرة ومنعة قاهرة»( )، وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة، كما قال بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أئمة السنّة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إماماً حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بُويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماماً، فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكاًًًً بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم، بحيث يصير ملكاً بذلك ... فمن قال إنه يصير إماماً بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر فقد غلط»( ). 
وإذا كانت وظيفة هذه الجماعة على ما هو مسطور في كتب الأحكام السلطانية، هو اختيار الإمام، فإنه من الممكن أن يضاف لها وظيفة أخرى تناسب ذلك أيضاً، لا سيما أن حدود الولايات وصلاحياتها يؤخذ من لفظ التولية والعرف والأحوال( )، وهذه الوظيفة المضافة لها تعلق بالإمامة، وقد دلت عليها النصوص الشرعية، وهي وظيفة المتابعة والمراقبة لأعمال الخليفة والجهاز التابع له؛ بغرض الحفاظ على التزام النظام السياسي بالشرع وعدم الخروج عليه، وهذه الوظيفة نجد أسانيدها الشرعية في الكثرة الكاثرة من أدلة القرآن والسنّة التي تطلب من المسلمين القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا شك أن الحفاظ على شرعية النظام والتزامه من الأمور البالغة الأهمية، ولما كان أهل الاختيار بالوصف الذي ذكرناه عن أهل العلم؛ كان إضافة وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الجانب السياسي إليهم من أنسب الأشياء.  

ويصير مرادنا بأهل الحل والعقد: هم الجماعة من الناس الذين تتوافر فيهم الشروط المطلوبة، وتكون وظيفتهم اختيار الخليفة، ثم المتابعة والمراقبة لالتزام النظام بالشريعة، واتخاذ الموقف الشرعي المناسب بناء على نتائج المتابعة والمراقبة، فيقوم أهل الحل والعقد في هذه الحالة بمهام «الحسبة» ولكن في الجانب السياسي. ولذلك قال إمام الحرمين ـ عندما تحدَّث عن موجبات عزل الخليفة ـ: «فإن قيل: فمن يخلعه؟ قلنا: الخلع إلى من إليه العقد»( ). 

 
تنظيم مؤسسة أهل الحل والعقد: 
في كثير من الأحيان يظن كثير من الناس أن تحـديد الصفات ونحـوها ليس كافياً في انضباط الأمور، وإنما لا بد من وجود نظام محدد مرتب بخطوات محددة، ومثل هذا التنظيم والترتيب هو الذي يعوَّل عليه في تحقيق الأمور من غير تلاعب بها أو تحايل عليها، وقد يبدو هذا في ظاهره صواباً، ولكن المشكلة الحقيقية ليست في عدم التنظيم، وإنما تكمن في عدم الرغبة في العمل والتقيد بالصفات أو الضوابط التي تذكر في مثل هذه الأمور، وعند وجود الرغبة في ذلك؛ فإن الأمور ستمضي على النحو المرغوب حتى من غير وجود نظام مكتوب مسطور. وكلما ضعفت الرغبة احتيج إلى التنظيم، وكلما قويت لم يحتج إليه، وهذا يفسر أن أموراً كثيرة كانت تجري في الصدر الأول بدون هذا التنظيم على وجه أحسن وأفضل مما جرى تنظيمه فيما بعد، على أنه ليس هناك ما يمنع شرعاً من تحديد طريق عملي يتم من خلاله التوصل إلى تحديد أهل الحل والعقد، كأن يقال إن الصفات التي ورد ذكرها في حق أهل الحل والعقد ممكن تحقيقها في الواقع؛ بأن نقول إن درجة العلم تتحق بالحصول مثلاً على درجة الأستاذية أو ما يناظرها، وإن أمراء الأجناد حالياً هم ولاة الأقاليم والعواصم وقادة أفرع الجيش، وإن وجوه الناس هم رؤساء القبائل الكبرى، والقضاة، والدعاة المشهورون، ورؤساء الجامعات، ومديرو الشركات الكبرى، والمتميزون في تخصصاتهم التجريبية والإنسانية من أساتذة الجامعات ومَنْ في حكمهم، (والعدالة شرط لا بد من تحققه في الجميع) .. وهكذا، ويصير بموجب هذا النظام أمكن تحديد أهل الحل والعقد. ولا شك أن هذا اجتهاد قد يُعارض فيه من يُعارض، لكنه على الأقل قدم تصوراً محدداً لتكوين مؤسسة أهل الحل والعقد انطلاقاً من المنظومة الإسلامية، وليس من منظومة فكرية أخرى مغايرة، إضافة إلى أنه ليس من اللازم أن يحدث إجماع في كل المسائل المجتهد فيها، وأخيراً نقول: والباب مفتوح لمن يأتي باجتهاد أفضل منه يحقق ويحدد أهل الحل والعقد، ولكن بشرط أن يكون ذلك من خلال المنظومة الإسلامية وبوسائلها، وينبغي أن يكون لهذه المؤسسة رئيس أو أمين أو مدير ينظم عملها الداخلي من حيث الاجتماعات وأوقاتها، ومن حيث إعداد وتجهيز الأمور التي تحتاج إلى بحث وتبادل الرأي وهكذا . 

طريقة عملية لاختيار الخليفة: 
وبعد أن قدمت هذه الدراسة تصوراً في كيفية تحديد أهل الحل والعقد، نقدم طريقة عملية لقيام مؤسسة أهل الحل والعقد باختيار الخليفة. 
المرحلة الأولى: تقوم جماعة من هذه الهيئة (وهم العلماء والقضاة والدعاة) بتصفح أحوال الناس واختيار عدد (وليكن اثني عشر رجلاً) ممن يصلحون للخلافة ممن تتوافر فيهم الشروط المطلوبة. 
المرحلة الثانية: يعقد اجتماع موسع لمؤسسة أهل الحل والعقد، ويعرض عليهم المرشحون، مع بيان مسوِّغات ترشيح كل واحد ومؤهلاته التي أهلته (وفق نظام محدد من قِبَل المؤسسة).  
المرحلة الثالثة: تتم المداولات والمشاورات لمدة لا تزيد عن ثلاثة أيام في جو من السرية لاختيار أحد هؤلاء المرشحين، ويبايعه الجميع بالخلافة البيعة الخاصة، ثم يُعلن للناس للبيعة العامة، وإذا حدث خلاف بين الأعضاء ولم يتفقوا على شخص واحد؛ كان الترجيح في ذلك بالأكثرية؛ إذ لا مرجح في هذه الحالة غير ذلك، وهو أمر معتد به شرعاً إذا لم يكن مرجح غيره( ). 
وهذه تمثل خطوطاً عامة، وفيما رُوي من تفاصيل تعيين عمر ـ رضي الله عنه ـ للستة وما حدث بعد ذلك حتى تمت البيعة لعثمان؛ ثروة ضخمة في هذا المجال يمكن الاستفادة منها في إيجاد تفصيلات كثيرة متعلقة بهذا الشأن، وهي تمثِّل تفصيلات مفيدة قابلة للتحقيق في عصرنا الحاضر؛ إضافة إلى أنها من داخل المنظومة الإسلامية.  
قال الماوردي: «فإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً، وأكملهم شروطاً، ومن يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته، فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها وانعقدت ببيعتهم له الإمامة؛ فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته»( ). 

طرق معاصرة في الاختيار لا تصلح إسلامياً: 
قد يرى بعض الناس أو أكثرهم ـ بفعل الدعاية الضخمة للنظام الديمقراطي ـ أننا يمكن أن نأخذ بطريقة الانتخاب في اختيار الصالح للإمامة.  
ومجمل هذه الطريقة تقوم على: 
1 ـ أن يتقدم شخص واحد أو أكثر؛ إما بصفته الفردية، وإما عن طريق الأحزاب (حسب الأنظمة المعمول بها في كل بلد) طالباً من الناس اختياره ليكون رئيساً للدولة. 
2 ـ يقوم الطالب أو الطالبون للرئاسة (عن طريقهم وطريق أعوانهم) بالدعاية، وإظهار محاسنهم، وإبراز أخطاء الآخرين. 
3 ـ بعد فترة من بداية التقدم لطلب الرئاسة والدعاية لذلك؛ يتم الاختيار من قِبَل الشعب ممن له حق الاختيار، وهو كل مواطن بالغ عاقل (حسب شروط الانتخابات التي ينظمها القانون في كل بلد). 
4 ـ يفوز برئاسة الدولة وحكم الشعب فترة زمنية محددة من يحصل على أكبر عدد من المؤيدين؛ أي الأغلبية (سواء كانت الأغلبية النسبية أو الأغلبية المطلقة؛ حسب النظام الانتخابي في كل بلد). 

هذه الطريقة قد تكون في مظهرها الخارجي طريقة منظمة، وقد يُخدع بها كثير من الناس، لكن هذه الطريقة غير مقبولة شرعاً لأنها لا تحقق الشروط التي تحدثنا عنها قبل ذلك؛ أولاً: لمخالفتها للأدلة الشرعية، وثانياً: لحصول مفاسد فيها تضيِّع الهدف منها؛ إذ ليس المطلوب الوحيد أن تكون الطريقة محددة منظمة، بل المطلوب الأكبر أن تكون مؤدية لتحقيق الغاية المرجوة منها من غير ترتب فساد عليها.  
أولاً: مخالفة تلك الطريقة للأدلة الشرعية:  
فقد وردت النصوص بالمنع من طلب الإمارة، ولو خالف المسلم وطلبها؛ فإن النصوص قد جاءت بعدم موافقته على ذلك، فالمنع جاء من جهتين؛ من جهة طلبها، ومن ناحية الموافقة لمن طلبها( ). وأما مخالفتها في تحديد من إليهم الاختيار؛ فهي تُدخل في ذلك رعايا الدولة كلهم بما فيهم من المسلمين، والفاسقين، والكفار، والرجال والنساء، وهذا مخالف لإجماع أهل العلم، فإن أهل الذمة (المواطنين الكفار) لا يدخلون في اختيار الخليفة، وكذلك إجماع أهل العلم على عدم دخول النساء في الاختيار( ). وهذا التحديد لأهل الاختيار في الطرق المعاصرة ناتج من طغيان الفكر الديمقراطي القائم على أن السيادة للشعب، وأن القانون ما هو إلا مظهر للإرادة الشعبية، وانطلاقاً من هذا الفكر يصبح كل مواطن في الدولة (مسلم أو كافر) له نصيب في السيادة، وبالتالي فإن حقه في اختيار الحاكم حق أصيل، وهذا التصور العلماني الذي تقوم عليه الديمقراطية مباين مباينة تامة لدين الإسلام، حيث التشريع فيه لله الواحد القهار، وعلى ذلك أدلة كثيرة جداً من الكتاب والسنّة( ). 

ثانياً: اشتمال هذه الطريقة على المفسدة التي تذهب بالغاية منها: 
ثم إن هذه الطريقة تشتمل على مفاسد كثيرة تُضيع الفائدة التي تُطلب تحققها، ومنها: 
1 ـ إمكانية تزوير الانتخابات في هذه الطريقة نظراً لاتساع رقعة الأرض وكثرة أعداد الناس الذين يحق لهم المشاركة في ذلك، وتنوع الحالات الإيمانية لهذه الأعداد الغفيرة من أقصى درجات قوة الإيمان إلى أضعف الدرجات. 
2 ـ إمكانية شراء الذمم المتبادلة بين الناخب وبين الطالب للمنصب، حيث تعقد بينهما صفقة بمقتضاها يمنح الناخبون موافقتهم له، وهو يعطيهم عند فوزه بالمنصب الامتيازات التي تم الاتفاق عليها، وقد تكون هذه الصفقة بين الطالب للمنصب وبين أفراد الناخبين، كما تكون بينه وبين دوائر انتخابية بكاملها، وفي هذه الحالة فإن إمكانيات الدولة تسخر لمصالح الأفراد الشخصية ـ وليس لمصالح الأمة ـ سواء كانوا طالبين للمنصب أو كانوا ناخبين. 
3 ـ وجود الدعايات الضخمة الكثيرة، والتي لا تخرج في أغلب الأحيان عن زخرف القول الباطل الذي يقلب الأمور رأساً على عقب فيصور الحق باطلاً والباطل حقاً، فلا يكون الاختيار في هذه الحالة اختياراً حقيقياً، وإنما هو اختيار موجَّه بحسب قوة الآلة الإعلامية لطالبي المناصب. 
4 ـ عزوف كثير من الناخبين عن المشاركة في الاختيار - كما تدل على ذلك الوقائع الكثيرة حتى في البلاد التي يقال عنها إنها مهد هذا النظام -؛ مما يجعل الاختيار غير معبِّر عن حقيقة رأي الجماعة، بل هو يعبِّر عن رأي المجموعة النشطة في هذا المجال، وهي التي لها مصلحة مباشرة في هذا الأمر، أو تريد الحصول على مصلحة مباشرة منه. 
5 ـ نظراً للدور الكبير الذي تقوم به الآلة الإعلانية في هذا المجال، وما يترتب على ما تزينه الدعاية من فوز أشخاص وإخفاق آخرين، فإنه تكون نتيجة لذلك تكلفة مالية ضخمة تفوق في أغلب الأحيان القدرة المالية لطالب المنصب؛ مما يدفعه بعد الحصول على المنصب إلى تعويض ذلك بكل طريق ممكن. 
6ـ كل طالب للمنصب له فريق معاون يعمل معه ليل نهار، وفي حالة الفوز فإن طالب المنصب يعمل على مكافأة هذا الفريق بما تتيحه له صلاحياته أو قدرته على التدخل والتأثير في الأمور. 
7 ـ عزوف كثير من العناصر الجيدة والفاضلة عن المشاركة في مثل ذلك؛ لما ترى من الفساد وضياع الهيبة والمروءة في ذلك؛ مما يترتب عليه حرمان الأمة من العناصر التي هي في حاجة إليها، بينما يتقدم من ليس فيهم كبير غناء. 

والنظام الإسلامي ـ بحمد الله تعالى ـ منزه عن كل هذه المخالفات والعيوب، حيث لا يسمح فيه للناس بطلب المناصب، وإنما يرشحهم لذلك أهل الحل والعقد، وهم من أفاضل الناس ومن المشهود لهم بالعلم والصلاح والمكانة الأدبية بين الناس؛ لذا فإنه ينتفي في حقهم ما لا ينتفي في حق الآخرين، وكل ما يوجد من خطأ في حقهم؛ فهو في غيرهم أضعاف مضاعفة، وكل ما عند غيرهم من خير؛ فهو فيهم أضعاف مضاعفة.  

وكل ما يمكن أن يتصور من قصور في ذلك؛ فهو منغمر في جانب المصالح العظيمة المتحققة من ذلك، ونحن مطالبون عند التعارض ـ إن وجد ـ بتحقيق أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، والطريقة الشرعية المتقدمة كفيلة بأن تأتي بأفضل الناس علماً وديناً وكفاءة وقدرة على العطاء والتحمل. 

مهام أهل الحل والعقد:  
مما تقدم يتبين أن لأهل الحل والعقد في النظام السياسي الإسلامي وظيفتين أساسيتين هما: 
1 ـ اختيار الخليفة من بين من يصلح للخلافة. 
2 ـ القيام بأمور الحسبة في المجال السياسي( ). 

والقيام بأمور الحسبة في الجانب السياسي يتناول أمرين مهمين: 
الأول: المتابعة والمراقبة لأعمال الخلافة والتصرف الذي يأمر به الشرع في ذلك، وهو مستفاد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 
الثاني: وهو مترتب على الأول، وهو عزل الخليفة إن فعل ما يتوجب ذلك، وهو مستفاد أيضاً من التسمية نفسها بـ «أهل الحل والعقد»، فالعقد يعني مبايعة الإمام الصالح للإمامة، والحل يعني عزل الإمام متى خرج عن حد الصلاح للإمامة، واللغة المستخدمة تدل على ذلك؛ فالعقد نقيض الحل، والعقد: العهد، والعقد اللزوم والعزم والإبرام، والحلُّ من حلَّ العقدة يَحُلُّها حلاً: فتحها ونقضها فانحلت( ). 
وقد أومأ النص الشرعي بتكوين جماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذات ولاية لها قدرة ومنعة للقيام بهذه الفريضة؛ من غير أن يتعارض ذلك أو يتداخل مع قيام الفرد المسلم بتلك الفريضة بمقتضى إيمانـه، قال الله ـ تعالى ـ في بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الصفات اللازمة شرعاً التي تلازم المؤمنين في كل أحيانهم: {وَالْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ} [التوبة: 71] .وأما تكوين الجماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أرشد إلى ذلك قوله ـ تعالى ـ: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْـخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ} [آل عمران: 104]. قالت طائفة من أهل العلم إن «من» في قوله {مِّنكُمْ} تبعيضية فيكون المراد على ذلك «ولتكن جماعة من المسلمين»، وقالت طائفة أخرى إن «من» هنا بيانية فيكون المراد، «ولتكونوا جميعاً أمة». 
وهنا ملاحظة مهمة في بيان حقيقة هذه الفريضة كشفت عنها ألفاظ الآية، وهي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مجرد دعوة للحض على فعل الخير وترك الشر؛ بل هو أمر ونهي، والأمر والنهي حقيقة لا يكون إلا ممن يقدر على الإلزام به، وهذا يستدعي أن تكون لهذه الجماعة سلطة تمكنها من ذلك، وهو معنى أنها ولاية ذات قدرة ومنعة، ولذلك فقد فرقت الآية بين هذا العمل وبين الدعوة إلى الخير، ففرقت بينهما في سياق واحد؛ مما يدل على تغايرهما وإن كانا يعملان في دائرة واحدة، فقال ـ تعالى ـ: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْـخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ} [آل عمران: 104]، وقد وجدت هذه الجماعة في الدولة الإسلامية باسم «الحسبة»، وقد تحدثت كتب الأحكام السلطانية وغيرها عن صفات والي الحسبة وأعوانه واختصاصاتهم وصلاحياتهم وغير ذلك من الأمور المتعلقة بها. وقد نشأت الحسبة كأي تدبير تنظيمي على حسب الحاجة إليها، ثم مع الاتساع وتطور الحياة وتشابك المصالح حيناً وتعارضها حيناً آخر؛ أخذت الحسبة تتطور في وسائلها تبعاً لذلك، ولكن في إطار محكوم لا تخرج عنه، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والهدف المحافظة على المجتمع في العقائد والعبادات والسلوك والمعاملات. 

كما نشأت أيضاً ولاية المظالم والتي كانت من مهامها «النظر في تعدي الولاة على الرعية، فيتصفح عن أحوالهم ليقويهم إن أنصفوا، ويكفهم إن عسفوا، ويستبدل بهم إن لم ينصفوا»( )، والحسبة في الجانب السياسي كانت موجودة في التاريخ الإسلامي بل لا يكاد يخلو منها عصر من العصور، لكن كما تم تنظيم ذلك في جانب العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات؛ فإنه يكون من الأوفق، خاصة في عصرنا، أن يتم أيضاً تنظيم الحسبة في الجانب السياسي من خلال هيئة تُعنى به وتقوم عليه، وذلك لتحقيقه وليس لتعقيده؛ من غير أن يكون في ذلك قيد على آحاد المسلمين بالقيام بالحسبة في هذا الجانب، وليس في ذلك إحداث أو ابتداع؛ إذ ذلك من قبيل الطرق العملية لتنفيذ الأحكام الشرعية، وقد تقدم الكلام عن ذلك بما أغنى عن إعادته. وقد بيّن شيخ الإسلام أن ترك فعل شيء لعدم وجود المقتضي لفعله؛ لا يعد فعله بعد ذلك بدعة إذا قام المقتضي لفعله، وذلك مثل جمع المصحف، وتدوين الكتب ونحو ذلك( ). 
وأهل الحل والعقد ـ بصفاتهم التي تقدم ذكرها ـ هم أليق فئة تناط بها مهام الحسبة في الجانب السياسي. ويمكن لأهل الحل والعقد أن يتابعوا ويراقبوا مؤسسة الخلافة وما ارتبط بها من المعاونين، كالوزراء وأمراء الأقاليم ونحوهم، لضمان تقيدهم بالشريعة وعدم الخروج عليها، فمن ذلك مثلاً:  
1- متابعة التشريعات واللوائح والتنظيمات التي يصدرها الخليفة أو من يعاونه.  
2- متابعة قيام الخليفة وأعوانه بواجباتهم الملقاة على عواتقهم. 
3- متابعة علاقة الدولة بالعالم الخارجي، من حيث حالة الحرب أو العهد أو الذمة، وغير ذلك من الأمور التي يتابع فيها أهل الحل والعقد انتظام الأمور في الدولة الإسلامية والتزامها بأحكام الشريعة.  
وليس لأهل الحل والعقد أن يتدخلوا في أعمال الخليفة؛ إنما عليهم المراقبة والمتابعة والتأكد من جريان الأمور على الوجه الشرعي المطلوب، ولهم أن يستعينوا في عملهم بمن يحتاجون إليه من العلماء والفقهاء والقضاة وأصحاب الاختصاصات في المجالات التقنية الدنيوية.  
وليس لأهل الحل والعقد ولاية على الخليفة، بل هو له الولاية عليهم، وهم فيمن يبايعه على السمع والطاعة، وعليهم أن يطيعوا الخليفة فيما يأمرهم به؛ مثلهم في ذلك مثل باقي الرعية، إلا أن يأمرهم بعدم المتابعة والمراقبة، فذلك لا يجوز؛ لأنهم يؤدون واجباً شرعياً، والخليفة لا يملك عزل واحد من أهل الحل والعقد ما دام قائماً بواجباته من غير إخلال بها.  

اختلاف أهل الحل والعقد مع الخليفة 
1- إذا فعل الإمام شيئاً أو أصدر لائحة أو تنظيماً، ورأى أهل الحل والعقد أن ذلك ليس بصواب؛ فإن كان هذا في مسائل الاجتهاد ولا يقطعون بصواب اجتهادهم وبطلان اجتهاد الخليفة؛ فإن لهم أن يراجعوه في ذلك ويشيروا عليه بما يرون أنه الأفضل، فإن رجع إلى رأيهم فبها ونعمت، وإن أصر على اجتهاده فله ذلك؛ لأن هذا من حقوق ولايته، وعليهم أن يطيعوه فيه إن كان في مسائل القضاء أو الحكم أو السياسة، وأما إن كان في مسائل الفتيا؛ فإن مسائل الفتيا لا إلزام فيها من أي طرف، قال صاحب شرح الطحاوية: «وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة؛ يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه»( ). 
2- إذا رأى أهل الحل والعقد أن ما اختاره الخليفة فيه مخالفة واضحة، وأن ما تمسك به الخليفة إنما هي أقوال ضعيفة عند أهل العلم لا ينبغي التعويل عليها، ولم يمكن تقديم حل يرضى عنه الطرفان؛ فإن الحل في ذلك يكون عن طريق المحكمة، وقرارها ملزم للطرفين، والأصل في ذلك قوله- تعالى-: {فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، ويُستشهد لذلك بالمحكمة التي تكونت للفصل بين الخليفة علي ـ رضي الله عنه ـ وبين بعض الأمة (معاوية رضي الله عنه) ومن معه. 
3- إذا كان ذلك الفعل أو اللائحة أو النظام مخالفاً لدين الإسلام مخالفة يقينية؛ فإن أهل الحل والعقد يُنبهونه، ويُبيِّنون له مخالفة ذلك لدين الإسلام؛ فإن استجاب فبها ونعمت، وإلا أصدرت محكمة مشكَّلة لهذا الغرض حكماً ببطلان ذلك، وفي مثل هذه الحالة يبطل العمل بذلك ويصبح لاغياً كأن لم يكن( ).  
4- إذا لم يقبل الخليفة بحكم المحكمة في ذلك؛ فإن هذا يعد منه خروجاً على القواعد الدينية، ومخالفة صريحة للغاية التي نُصب من أجلها، وهي حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وفي هذه الحالة فإن أهل الحل والعقد يصدرون حكماً بعزل الخليفة، وبصدور هذا الحكم يفقد الخليفة منصبه وما يترتب عليه من حقوق وصلاحيات، ولا تجب له على أحد طاعة، ويستأنف أهل الحل والعقد عقد الخلافة للصالح لها( )، وينبغي نشر العلم بين الناس بهذه الأمور حتى يعلموا ما عليهم وما لهم. 

موجبات خروج الخليفة عن الخلافة: 
قال الماوردي: «والذي يتغير حاله فيخرج به عن الإمامة شيئان: أحدهما جرح في عدالته، والثاني نقص في دينه»( ).وفي الأحوال التي تندرج تحت ما تقدم تفصيلات كثيرة، اتفق في بعضها أهل العلم واختلفوا في البعض الآخر، وموضع تفصيل ذلك المطولات، ونكتفي هنا بالإشارة إلى بعض الأمور المتفق عليها، فمن ذلك: ردة الخليفة وخروجه عن الإسلام، فإنه يخرج بذلك عن الخلافة، ومنه الجنون المطبق، ومنه ظهور الخبل في العقل والعته في الرأي، واضطراب النظر اضطراباً لا يخفى دركه، ومنه وقوع الخليفة في الأسر وبُعْد تَوَقُّع خلاصه.
 
والأسر نوعان: أسر الجسد وهو الأسر الحسي، وأسر الإرادة والتصرف وهو الأسر المعنوي، وهو ما يسميه الماوردي بالحجْر، وهناك ما هو أشد فساداً من أسر الإرادة، ألا وهو أن يكون الخليفة منفذاً في المسلمين أوامر الكفار وإرادتهم، فإذا كان الخليفة واقعاً تحت تأثير الكفار منفذاً لأوامرهم؛ فإن هذا يخرجه عن حد الصلاح للخلافة؛ لأنه لا ينبغي أن يكون للكافرين سبيل على المؤمنين، وهو بهذا قد جعل لهم أعظم السبيل. 
وقد يكون الخليفة صاحب دين وأمانة ولكنه ضعيف يتبين ضعفه من عدم قدرته على ضبط الأمور، ومن تأخر أحوال بلاد المسلمين في أثناء خلافته تأخراً بيناً واضحاً، فإذا تبين عدم قدرته على سياسة الدولة وانتشر فيها الخلل، وخيف بسبب ذلك انفراط عقد الدولة؛ فإنه ينبغي والحالة هذه أن يُعزل عن الخلافة، ويستأنف أهل الحل والعقد الاختيار - على ما تقدم ذكره - لمن هو أقدر على ذلك، والوجه في ذلك أن تصدر محكمة مشكّلة لذلك حكماً بعزل الخليفة وخروجه عن حد الخلافة أولاً، ثم تبدأ إجراءات عقد الخلافة لمن يستحقها ويصلح لها ثانياً. 
وقد يحدث في مثل هذه الحالات أن يستظهر الخليفه بجنده الذين تحت إمرته؛ فما العمل في مثل ذلك؟( ) 
ولهذا الأمر حل وقائي وآخر علاجي؛ أما الوقائي: فهو نشر العلم بين الناس بهذه المسائل وتعليمها لهم، ووضع النظام الذي يبين خروج الخليفة عن الصلاح لمنصبه، وتفهيم الأمة أن صدور الحكم من المحكمة بعزل الخليفة يُفقده جميع صلاحياته ولا ينبغي لأحد طاعته، وإذا فهم الناس ذلك وحرصوا عليه وتمسكوا به أمكن عزل ذلك الخليفة وتعيين بدل له من دون أية مشاكل أو اضطراب. لكن قد يحدث أن يبلغ الخليفة في الظلم والطغيان أن يمنع أهل الحل والعقد من مزاولة أعمالهم، وقد يسجنهم، وقد يمنع المحكمة من الانعقاد، ويستعين على ذلك كله بالجند الذين يغدق عليهم الأعطيات،وفي هذه الحالة يظهر الحل العلاجي. 
وقد افترض إمام الحرمين تلك الحالة وقدَّم لها الحل الذي نوجزه فيما يلي، يقول عن الخليفة: «فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفاً ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور، وتعطيل الثغور؛ فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم، وذلك أن الإمامة إنما تُعنى لنقيض هذه الحالة، فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضية الزعامـة والإيالة، فيجب اســتدراكه لا محالة، وترك الناس سـدى ملتطمين متقحمين لا جامع لهم على الحق والباطل؛ أجدى عليهم من تقريرهم اتباع مَنْ هو عون الظالمين، وملاذ الغاشمين، وموئل الهاجمين، ومعتصم المارقين الناجمين.. فأقول: إن عسر القبض على يده الممتدة، لاستظهاره بالشوكة العتيدة، والعدد المعدة، فقد شغر الزمان عن القائم بالحق، ودفع إلى مصابرة المحن طبقات الخلق ..فإن تيسر نصب إمام مجتمع للخصال المرضية والخلال المعتبرة في رعاية الرعيَّة؛ تعين البدار إلى اختياره، فإذا انعقدت له الإمامة، واتسقت له الطاعة على الاستقامة، فهو إذ ذاك يدرأ من كان، وقد بان الآن أن يُعَدَّ درؤه في مهمات أموره؛ فإن أذعن فذاك، وإن تأبى عامله معاملة الطغاة، وقاتله مقاتلة البغاة..وإن علمنا أنه لا يتأتى نصب إمام دون اقتحام داهية دهياء، وإراقة دماء، ومصادمة أحوال جمة الأهوال، وإهلاك أنفس ونزف أموال؛ فالوجه عندي أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلون به؛ بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يُقدَّر وقوعه في روم الدفع؛ فيجب احتمال المتوقَّع له لدفع البلاء الناجز، وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون على ما الخلق مدفوعون إليه؛ فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع..»، إلى أن يقول: «ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك؛ أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وكثرت عاديته، وفشا احتكامه واهتضامه، وبدت فضاحته، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة وتبدد دعائم الإسلام، ولم نجد من ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة؛ فلا يطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا، فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأُبيدوا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل مطاع ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسباً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه؛ فليمض في ذلك قدماً، والله نصيره على الشرط المقدم في رعاية المصالح والنظر في المناجح، وموازنة ما يندفع ويرتفع بما يتوقع.. فإن قيل: قد قدمتم أن وجه خلع الإمام نصب إمام ذي عدة؛ فما ترتيب القول في ذلك؟ قلنا: الوجه خلع المتقدم ثم نصب الثاني يدفعه دفعه للبغاة كما سبق تقريره. فإن قيل : فمن يخلعه؟ قلنا: الخلع إلى من إليه العقد»( ). 

 
القسـم الثاني
في إدارة الـدولـة
المبحث الأول: فيمن يستنيبهم الخليفة:

الخليفة بحسب المنزلة التي أحلَّه الله بها هو صاحب الولاية العامة في الدولة الإسلامية، والولاية تعني ممارسة السلطة، والخليفة شخص واحد، وحاجات الدولة كثيرة فلا يقدر على القيام بها بنفسه، فيحتاج لذلك أن يستعين على ولايته بمن يصلح لها من المسلمين، فيوليهم الولايات التي بمقتضاها تنتظم الأمور وتتحقق الأهداف. والولاية لما كانت تعني ممارسة السلطة على الرعيَّة؛ فإنه لا يتولى أحد هذه الولايات إلا من قِبَل تولية الخليفة له، وهذه الولايات تكثر وتتشعب بحسب أوضاع الدولة وأحوالها، وبحسب التطور في حياة المجتمعات، وظهور أنماط جديدة من المعاملات لم تكن من قبل، لكن كل هذه الولايات على تعددها تنقسم إلى أربعة أقسام كما ذكرها الماوردي، حيث يذكر أن ما يصدر عن الخليفة من ولايات لخلفائه أربعة أقسام: 
القسم الأول: من تكون ولايته عامة في الأعمال العامة، وهم الوزراء؛ لأنهم يُستنابون في جميع الأمور من غير تخصيص. 
القسم الثاني: من تكون ولايته عامة في أعمال خاصة، وهم أمراء الأقاليم والبلدان؛ لأن النظر فيما خُصُّوا به من الأعمال عام في جميع الأمور. 
القسم الثالث: من تكون ولايته خاصة في الأعمال العامة، وهم كرئيس القضاة، ونقيب الجيوش، وحامي الثغور، ومستوفي الخراج، وجابي الصدقات؛ لأن كل واحد منهم مقصور على نظر خاص في جميع الأعمال. 
القسم الرابع: من تكون ولايته خاصة في الأعمال الخاصة، وهم كقاضي بلد أو إقليم أو مستوفي خراجه أو جابي صدقاته، أو حامي ثغره، أو نقيب جنده؛ لأن كل واحد منهم خاص النظر مخصوص العمل، ولكل واحد من هؤلاء الولاة شروط تنعقد بها ولايته ويصح معها نظره»( ). 
والولايات الواقعة في هذه الأقسام التي ذكرها الماوردي وتسمياتها؛ مرتبطة بزمانها وخاضعة لحاجة الدولة إليها، ولذلك فهي تقل وتكثر من زمن لآخر، وقد تظهر ولايات لم تكن موجودة من قبل، كما قد تقسم ولاية كانت موجودة من قبل إلى عدة ولايات؛ نظراً لاتساع هذه الولاية في الوقت الحاضر، وهذه التقسيمات والتنويعات التي كانت والتي تكون فيما بعد؛ إنما تعبِّر عن حاجات الدولة في العصر التي هي فيه، ولذلك فإننا لا نجد هذه التقسيمات زمن خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بينما نجد أن الأمر في خلافة عمر قد اتسع فأضاف بعض التنظيمات لحاجة الدولة إليها، فدوَّن الديوان ـ رضي الله عنه ـ وهكذا.  
وينبغي أن يُعْلَم أن ما يستفيده المتولي بالولاية من اختصاصات ليس له حد معلوم في الشرع، وإنما يستفيد ذلك من لفظ التولية ومن الأحوال والعرف( ). 

والشروط التي ينبغي توافرها في أصحاب هذه الولايات نوعان:  
أولاً: شروط عامة (لكل ولاية)؛ هي: البلوغ والعقل والعدالة. 
ثانياً: شروط خاصة، وهي شروط متعلقة بكل ولاية؛ إذ لكل واحدة شروط تناسبها، فالشروط المطلوبة في ولاية القضاء تختلف عن الشروط المطلوبة في ولاية الجيش أو الخراج مثلاً. 
وقد عرف التاريخ السياسي للمسلمين نوعين من الوزارة: وزارة التفويض، ووزارة التنفيذ، وفي الأولى ينيب الخليفة عنه من يفوِّضه في تدبير الأمور برأيه وإمضائها على اجتهاده فيما فوَّضه فيه. وفي الثانية: فإن الوزير في تصرفه مقصور على رأي الخليفة وتدبيره، والوزير في هذه الحالة وسط بين الخليفة والرعية يؤدي أمره وينفذ عنه ما ذكر. 
ولكل واحدة شروطها، وشروط وزارة التفويض كشروط الخليفة خلا شرط النسب، بينما الأمر في وزارة التنفيذ أخف( ). 
وإذا أناب الخليفة أو فوَّض في تدبير الأمور؛ فإن هناك أمرين ينبغي مراعاتهما: 
الأول: يختص بالمفوَّض، وهو إطلاع الخليفة على ما أمضاه من تدبير وأنفذه من ولاية وتقليد؛ لئلا يصير بالاستبداد كالخليفة. 
الثاني: أن يتصفح الخليفة أفعال المفوَّض وتدبيره الأمور؛ ليقر منها ما وافق الصواب، ويستدرك ما خالفه، لأن تدبير الأمة إليه موكول، وعلى اجتهاده محمول( ). 
 
المبحث الثاني: الشورى:

عندما يُشْكِل الأمر في قضية ما، أو عندما تتعدد الحلول لمشكلة ما، أو عندما لا يكون المرء قادراً على اتخاذ القرار السليم في القضايا التي تعرض له، أو يريد التأكد من صواب القرار الذي أداه إليه اجتهاده، أو يريد التوصل إلى الإيسر والأنسب من الحلول الصالحة المتعددة؛ فإنه يلجأ إلى من يعتقد أن لديه المقدرة على القيام بذلك مع الأمانة والصدق فيما يشير به، ويطلب منه أن يعاونه برأيه في ذلك، وقد يطلب المستشير ذلك من فرد أو من مجموعة من الناس مجتمعين أو منفردين. وقد يكرر الاستشارة في الأمر الواحد، وقد يكتفي بإشارة أول من يشير عليه. وعرض الآراء وتقليبها ممن يحسنون ذلك في مثل تلك الأحوال، واختبارها لمعرفة كنهها، واستخراج أفضلها وأنفعها وأيسرها؛ هو ما يعرف بالشورى ويراد منها. 
والأدلة على مشروعية الشورى كثيرة؛ منها قوله ـ تعالى ـ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وقوله:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى} [الشورى: 38]، وهي دالة على سلوك المؤمنين الحميد فيما يتعاطونه من أمورهم، وهي أعم من أن تكون قاصرة على ما يتعلق بنظام الحكم أو المسائل السياسية، وقد دلَّت سنّة الرسول  صلى الله عليه وسلم  العملية على كثرة مشاورته لأصحابه، فشاورهم في مسائل عامة تتعلق بالجهاد كما في غزوة بدر وأُحد وغيرهما، كما شاور بعضهم في خاصة نفسه في أمر عائشة ـ رضي الله عنها ـ الحَصَان الرَّزَان في قصة الإفك، وغير ذلك من الأمور الكثيرة. وشاور خلفاؤه الراشدون من بعده، وجاءت آثار السلف في الحض على ذلك والترغيب فيه، والناظر في المجتمع الإسلامي في الصدر الأول يجد أن المشاورة كانت أمراً فاشياً وسلوكاً حميداً عند عامة المسلمين، يتبعونه في أمورهم العامة والخاصة، والوقائع بذلك كثيرة جداً( ). 
والشورى في المسائل العامة التي تتعلق بالأمة أو جمهورها أو طائفة كبيرة منها أَوْلى من الشورى في المسائل الخاصة التي تتعلق بأفراد أو مصالح جزئية؛ لأن الأولى خطرها عظيم ونفعها كبير، ولذلك كانت الشورى في المسائل المتعلقة بالنظام السياسي الإسلامي ـ الذي يمثِّل السياج الواقي للإسلام ودولته ـ أَوْلى بكثير من غيره، ولا يستغني ولي الأمر عنها في إدارته لشؤون ولايته إدارة حسنة.  

مجالات الشورى: 
هي الحدود التي تعمل فيها الشورى؛ أي بيان الأمور التي يجب أو يجوز أو لا يجوز أن تكون محلاً للشورى، ومجالها قسمان: قسم عام، وقسم خاص.  
فأما القسم الخاص: فهو متعلق بطالب المشورة، فقد يشاور في بيع أو في شراء أو علاج أو سكن أو غير ذلك من الأمور.  
وأما القسم العام: فهناك أكثر من قول لأهل العلم في ذلك، فمن ذلك: أنها في أمور الحرب، ومنها أنها في أمور الدنيا، ومنها أنها في كل أمر ليس فيه نص قاطع، والصواب أن الشورى تغطي تلك المجالات كلها مما لم يأت فيها نص شرعي، وأما الأمور التي وردت فيها نصوص شرعية حتى إن كانت غير قطعية؛ فلا تكون الشورى فيها إلا بمعنى بيان المقصود من تلك النصوص والوصول إلى الفهم الصحيح لها، ولا يمكن بحال في ظل حكم الشرع أن يتم تجاوز النصوص والاعتماد على الشورى المجردة. 

حكم الشورى: 
تعدد الآراء في الشورى هو من طبيعة الشورى؛ إذ لولا ذلك لم تكن هناك حاجة إليها، ولم يكن لها فائدة ترجى منها؛ إذ فائدتها تظهر من استخراج ما عند المستشارين من آراء وأفكار وتصورات. 
والمناقشات والمداولات التي تتم في هذا المجال قد تسفر عن عدة احتمالات متباينة، فقد يتفق المستشارون كلهم على قول واحد في المسألة المعروضة وتجتمع كلمتهم عليـه، وهـذا قليلاً ما يحدث، وكثيراً ما يحـدث أن تتعــدد الآراء فلا يتفق الناس على قول، وهذا التعدد في الآراء له أكثر من صورة، فقد ينقسم المستشارون على قــولين أو ثلاثـة أو أكثر، وقد تتساوى أعداد القائلين بكل قول، وقد تختلف بحيث يكون بعضها أكثر من بعض، وقد يحدث أن يكون الفرق في الأعداد بين الأقوال كبيراً، وقد يكون قليلاً، وإزاء كل هذه الاحتمالات الممكنة يبرز السؤال: ما القاعدة التي يجب من خلالها حسم تلك التباينات وإصدار القرار؟  

وهنا أمران: حكم المشاورة نفسها، وحكم العمل بما أدت إليه: 
أما حكم المشاورة: فالذي عليه عامة علماء السلف أن الشورى مندوب إليها ليست بواجبة، والذي عليه عامة المعاصرين أن الشورى واجبة( ). ويفصِّل بعض المعاصرين فيرى أن الشورى تجب في بعض المسائل، بينما لا تجب في بعض المسائل الأخرى( ). 
وأما حكم العمل بما أدت إليه الشورى: أو «ما القاعدة التي يجب أن تُحسم بها مداولات أهل الشورى؟» أو «هل الشورى ملزمة أو معلمة؟»، والذي عليه جمهور علماء السلف أن ولي الأمر لا يجب عليه ترك رأيه لرأي أهل الشورى أو غيرهم، حتى قال صاحب شرح الطحاوية: «وقد دلَّت نصوص الكتاب والسنَّة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة؛ يُطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه»( )، والذي عليه أكثر المعاصرين أن ولي الأمر يجب عليه أن يترك رأيه لرأي أغلبية الشورى( )، ويفصِّل فريق ثالث فيرى أن هناك من المسائل ما ينبغي على ولي الأمر أن يترك رأيه فيها لرأي الأمة أو الشعب، بينما هناك نوع آخر لا يجب عليه فيه ذلك( ). 

ونحن في هذه الدراسة ننظر إلى الشورى من عدة زوايا، ومن خلالها يتضح حكمها: 
فمن زاوية وضوح المسألة أو خفائها؛ فإننا نقسّم الشورى إلى ثلاث مجموعات:  
1- ما تجب فيه المشاورة: وهو كل ما يراد اتخاذ قرار فيه تتعلق به مصالح الأمة، ولم يتضح وجه الصواب فيه لولي الأمر، فهذا تجب المشاورة فيه، حتى يقدم على بصيرة من أمره. ولا يعرض الأمة أو مصالحها للخطر بالإقدام على جهل. 
2- ما تجوز المشاورة فيه أو تستحب: وهو كل ما يراد اتخاذ قرار فيه، ووجه الصواب واضح لولي الأمر، فإنه يجوز لولي الأمر المشاورة فيه - إذا لم يكن من الأمور التي لا تحتمل التأخير - تشوّفاً لمزيد من العلم والاطلاع حول الموضوع؛ تمشياً مع قول القائل: «رَأْيُنا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب»، و «من جاءنا بأحسن مما قدرنا عليه أخذنا به». 
3- ما تحرم المشاورة فيه: وهو ما تبيَّن فيه حكم الشرع بإيجاب أو تحريم أو إباحة فلا يمكن المشاورة فيه، لقضاء الله ورسوله في ذلك: {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]. ولا تكون الشورى فيه إلا في كيفية التنفيذ، إذا كان هناك أكثر من طريقة لتنفيذه. 
ومن زاوية النظر إلى طبيعة الشورى ووظيفتها: فإن طلب الشورى إنما هو للمعاونة والمساعدة وليس للإلزام، فإن طالب الشورى يريد ممن يشاورهم أن يعينوه لا أن يُلزموه برأيهم، وهو الذي يحدد كيف يفعل ذلك، وعلى ذلك فإن ولي الأمر هو الذي يحدد كيف يشاور؟ أيكون ذلك فردياً؛ بمعنى أن يستشير كل فرد على حدة، أم جماعياً بمعنى أن يجمعهم معاً ويعرض عليهم ما يريد، أم يستخدم هذا حيناً، وذاك حيناً آخر، وهذا في مسائل، وذاك في مسائل أخرى؟ وهل لذلك عدد ثابت، أو يستشير فرداً في حالة وأفراداً في حالات أخرى؟ وهل يلزم لذلك تكوين مجلس يُعرف بمجلس الشورى أو لا؟ وهل لهذا المجلس إذا عمل اجتماعات دورية أو أنه ينعقد عند الاستدعاء؟ وإذا كانت له اجتماعات دورية؛ فكم مرة يجتمع في السنة مثلاً، وأين، ومتى؟ والطريقة التي يتم تبادل الرأي فيها بين المجتمعين، وإلى أي مدى يؤثر غياب بعض أهل الشورى في قرارهم؟ وهل لذلك نصاب محدد؟ ونحو ذلك من الأمور، إنما يحددها من يستشير؛ لأنه الطالب للمعاونة والمساعدة.  

ومن زاوية دخول الموضوع في صلاحيات الخليفة؛ فإننا نقسم ذلك إلى قسمين: 
1- أمور يتولاها بمقتضى ولايته وهي داخلة في صلاحياته، فإنه ينفذها ويقوم بها على الوجه الذي يرى أنه يحقق مقاصد الولاية، ولا يجب عليه أن يستشير في ذلك إلا إذا لم يدر وجه الصواب من الأمور المشكلة ولم يترجح له شيء فيها، فأما تسييره لأمور الدولة وإصداره للتعليمات التي تنظِّم ذلك، وعمل اللوائح والنُّظُم التي يضبط بها أمره، واختياره لمعاونيه، وتوليته للولاة على الأقاليم أو غيرها، وتحديد صلاحياتهم ومحاسبتهم وعزلهم إذا اقتضى الأمر، ونحو ذلك من الأمور التي تدخل في صلاحياته، والتي يشار إليها في الفكر السياسي الوضعي بأنها «السلطة التنفيذية»؛ فإنه يعمل ذلك انطلاقاً من صلاحياته، ولا تجب عليه الاستشارة في ذلك، وإن كنا نقول: الاستشارة في هذه الأمور وما جرى مجراها - إذا لم يترتب عليها تعطيل للأمور - فيها خير كبير، ولن يعدم المستشير أن يستفيد خيراً إذا أحسن اختيار من يستشيره. 
2- أمور لا يملك التصرف فيها بمقتضى ولايته، فهذه لا يملك أن يمضيها إلا بموافقة أهلها على ذلك، ولذلك أمثلة: ففي غزوة بدر الكبرى لما أراد الرسول  صلى الله عليه وسلم  ملاقاة المشركين ـ بعد نجاة قافلة مكة ـ استشار من معه في القتال، فوافقه على ذلك المهاجرون، لكن الرسول  صلى اللهعليه وسلم   لم يكتف بذلك وقال: «أشيروا عليَّ أيها الناس!»، وهو يريد بذلك الأنصار، وذلك أن البيعة التي أخذها عليهم في مكة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج المدينة، وإنما كانت قاصرة على أن يمنعوه وهو في ديارهم مما يمنعون منه أنفسهم، ولم يُفرض الجهاد في ذلك الوقت فرضاً عاماً، فكان خروج الأنصار إلى القتال في غزوة بدر خارجاً عن حد البيعة، كما لم يكن هناك إلزام من الشرع بذلك؛ لذلك أصرَّ الرسول  صلى الله عليه وسلم  على معرفة رأي الأنصار ومــوافقتهــم على ذلك، فقال له ســعد بـن معاذ ـ رضي الله عنه ـ لما فطن أن رسول  صلى الله عليه وسلم  يقصدهم بقوله: «أشيروا عليَّ أيها الناس!»:«لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم! وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم؛ فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت..»، إلى أن قال: «والله! لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك»، فسُرَّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بقول سعد ونشَّطه ذلك، ثم قال:« سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم»( ). وفي غزوة حنين، عندما قسم الرسول  صلى الله عليه وسلم  على المسلمين غنائمهم التي أفاءها الله عليهم؛ جاء وفد هوازن مسلماً تائباً وسألوه أن يمن عليهم بما غنمه المسلمون منهم من السبايا والأموال، ولما كانت هذه قسمة قد وقعت ووصلت أصحابها بمقتضى القسمة الشرعية، ووضع أصحابها يدهم عليها وصارت ملكاً لهم بذلك؛ لم يكن لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  أن يأخذ منهم ما استحقوه بحكم الشرع إلا بموافقتهم؛ لذلك عرض عليهم  صلى الله عليه وسلم  ذلك وندبهم إليه، وبيَّن لهم أن من طابت نفسه برد ذلك عليهم فليرده، ومن لم تطب نفسه فإن الرسول  صلى الله عليه وسلم  يعوِّضه عن ذلك من أول ما يفيء الله على المسلمين، «فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : إن هؤلاء القوم جاؤوا مسلمين، وقد كنت استأنيت سبيهم، وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئاً، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيلُُ ذلك، ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا. فقال الناس: قد طيبنا لرسول الله  صلى الله عليه وسلم . فقال: إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم»( )، فهنا أيضاً شاور رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أصحاب الشأن وعمل على رأيهم؛ لأنهم هم أملك بذلك. 
ومن زاوية نطاق الشورى أو مجالها: فإنها تنقسم إلى نوعين: مسائل دينية، ومسائل دنيوية، فالمسائل الدينية يُعمل فيها بمقتضى الدليل الشرعي، ولا التفات لمن خالف ذلك من كثرة أو قلة، «وإذا استشارهم؛ فإنْ بيَّن له بعضهم( )ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنّة رسوله  صلىالله عليه وسلم   أو إجماع المسلمين؛ فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك؛ وإن كان عظيماً في الدين و الدنيا»( ). وإن كان عدد المخالفين كبيراً. 
وأما المسائل الدنيوية التابعة للمصالح؛ فإنه يشاور فيها ويكثر من الاستشارة، ويعمل بما يؤديه إليه اجتهاده بعد مشاورة أهل الاختصاص في ذلك.  
ومن زاوية تحمُّله مسؤولية قيادة الدولة والواجبات الملقاة على عاتقه: فإن من حقه أن يستشير من يراهم أهلاً لذلك ولا يُفرض عليه أحد، كما أن من حقه أن يأخذ بالرأي الذي يراه محققاً لما أُنيط به من واجبات، وهذا الحق يقابله من وجه آخر حق أهل الحل والعقد في الاحتساب عليه إذا أساء في هذا الجانب.  

صفات أهل الشورى:  
ينبغي لولي الأمر أن لا يشاور إلا من تتوافر فيه الصفات التي تؤهله لذلك، سواء كانوا جماعة أو أفراداً، لأن في مشاورة من لا يستحق تشويشاً على الحق والصواب، وقد ذكر أهل العلم صفات أهل شورى الخليفة، فمن ذلك:  
1- التكليف: أي يكون مسلماً بالغاً عاقلاً، فلا يكون غير المسلم أو الصغير غير البالغ أو المجنون غير العاقل من أهل شورى الأمير ومجلسه. 
2- العدالة: وهو أن يكون قائماً بالأركان والواجبات، متجافياً عن الكبائر والآثام العظام، وهي صفة يظهر منها غلبة دين المسلم على الشبهات والشهوات، فالاستجابة للشبهات تجر إلى الوقوع في البدع والضلالات، والاستجابة للشهوات تجر للوقوع في الفسق والمعصية والمجاهرة بهما، والعدالة من سلم من كليهما من البدع المضلة والمعصية المهلكة، فالعدل هو المسلم الذي ملك قلبه وجوارحه فأدى الواجبات، وترك الكبائر المحرمات، ولم يمل بقلبه إلى بدعة، أو يجاهر بمعصية، يتحكم في هواه؛ فهو مأمون وقت الغضب والرضا، بعيد عن مواضع التهم. 
3- العلم والخبرة: اللذان يُتوصل بهما إلى الصواب،قال ابن خويز منداد المالكي:«واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أُشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتّاب والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها»( ).وقال البخاري:«وكان القرَّاء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً»( )، وكان أبو بكر إذا أعياه أمر «دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم»( ). 
4- الرجولة: فهذا النوع من الشورى المتعلق بأمور الدولة يتطلب الخبرة الواسعة والاختلاط بالحياة العامة، والتحدث إلى الرجال وتبادل الآراء معهم، وهذه أمور النساء عنها بمعزل، وقد قال الله ـ تعالى ـ للنساء: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْـجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: 33].كما قال: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 34]. وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  :«ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن»( ).فالأصل قرار المرأة في البيت، والأصل قوامة الرجال عليهن، والأصل أيضاً أن الرجال أكمل عقلاً وديناً من المرأة، وإن كان هذا لا يمنع من وجود نساء عالمات أمينات لهن جودة رأي وفضل من رجاحة العقل، وقد يُشرن بالرأي الفائق الحُسن الذي لا يــوجــد عند كثير مــن الرجـال، كما فعلت أم سلمة - رضي الله عنها - حينما أشارت على النبي  صلى الله عليه وسلم  في صلح الحديبية بحلق رأسه أولاً حتى يقتدي به الصحابة ويمتثلوا أمره، لكن ليس هذا هو الأصل، وإنما الأصل ما ذكرناه أولاً، ولذلك جاء في الحديث: «كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران..»( )، وفرق كبير بين أن تشير المرأة على زوجها أو أبيها أو أخيها أو أحد من محارمها الذين يجوز لها مخاطبتهم والجلوس إليهم والتحدث معهم، وبين مخالطتها للرجال الأجانب والجلوس معهم للتباحث وتبادل الآراء، والتي قد يطول فيها الأخذ والرد حتى تُعقد لذلك جلسات متعددة قد تطول وقد تقصر، تضطر فيها المرأة إلى التخلي عن وظيفتها الحقيقية التي لا يسد مسدها أحد، إضافة إلى المفاسد التي قد تتعرض لها وهي في غنى عنها والمجتمع كذلك. 
5- الأمانة والقوة: صفتان مترابطتان لا بد منهما لمن تُسند إليه الأمور المهمة، وقد وردتا في القرآن في أكثر من موضع لتدل على هذه الحقيقة، فعندما طلبت ابنة الرجل الصالح من أبيها استئجار موسى ـ عليه السلام ـ قالت في حديثها عنه فيما قصه الله علينا: {يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص: 26]، وعندما أراد عفريت من الجن أن يأتي لسليمان ـ عليه السلام ـ بعرش ملكة سبأ قال فيما يدعم به طلبه: {وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39]. وقال الله ـ تـعالى ـ في حق جبريل ـ عليه السلام ـ في تزكيته له:{ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ «20» مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 20 - 21]. والقوة هنا ليست قوة الأبدان؛ وإنما قوة القلب ورباطة الجأش والثقة بالله والتوكل عليه في الصدع بالحق من غير تهيب ولا وجل، والإشارة بما يراه حقاً وصواباً، وإن خالفه الأكثرون، فلا يهاب قوة المخالف، ولا كثرة عدده، وقد «كانت الأئمة بعـد النبي  صلى الله عليه وسلم  يستشيرون الأمناء من أهل العلم»( ).قال ابن حجر - رحمه الله -: «وأما تقييده بالأمناء؛ فهي صفـة موضحـة ؛ لأن غــير المؤتمــن لا يُستشـــار ولا يُلتفت لقوله»( ).  

الأسس التي تُبنى عليها أحكام الشورى في الجانب السياسي في الإسلام: 
تنطلق أحكام الشورى من عدة أسس، أمكن حصرها فيما يلي: 
1 ـ مرجعية الكتاب والسنّة. 
2 ـ مسؤولية الخليفة المباشرة عن حراسة الدين وسياسة الدولة به. 
3 ـ الاشتراك في المصلحة المبتغاة من الشورى. 
4 ـ الاشتراك في المسؤولية عن بلوغ الحق ونشره والعمل به. 
5 ـ عدم وجود حكم شرعي ملزم في المسألة موضع الشورى. 
6 ـ عدم انحصار إدراك الحق والصواب في شخص واحد ولو كان أعلم أو أفقه أهل الأرض. 
7 ـ عدم القدرة على الإحاطة التامة بالأمور كلها من قِبَل الفرد. 
تنظيم شورى الخليفة:  
ليس هناك ما يمنع في الشرع من أن يقوم الخليفة بتنظيم الشورى الخاصة به في مجلس شورى أو نحو ذلك، فيختار له من يثق فيهم ممن تتوفر فيهم صفات أهل الشورى، ويحدد عددهم، ويضع لهم التعليمات والضوابط التي تضبط العمل، ويستعين المجلس بمجموعات متخصصة في الأمور الفنية نظراً لتشعب التخصصات، واستحالة أن تحيط مجموعة صغيرة بجميع التخصصات، وأن تكون هناك متابعة ومراقبة شرعية من المجلس نفسه للتأكد من عدم مخالفة الاقتراحات للقواعد أو الأحكام الشرعية، ثم تُعرض الاقتراحات المختارة على الخليفة فيتدارسها معهم أو مع وزرائه ومعاونيه، ويعمل بما يرى أنه الأفضل من الاقتراحات المتقدمة، ويبقى بعد هذا كله حق الاحتساب من المتابعة والمراقبة لأهل الحل والعقد، سواء في اختيار أهل الشورى، أو في اختيار الاقتراحات للعمل بها، وإذا اختلف أهل الحل والعقد مع الخليفة أو أهل شوراه؛ فإن العمل في ذلك على ما تقدم ذكره( ).  


بين الشورى والديمقراطية: 
نظراً لطغيان الفكر الديمقراطي وعلو صوته انطلاقاً من مركز القوة الذي تمثِّله الدول العاملة به؛ فإن كثيراً من المسلمين ـ وخاصة العصرانيين ـ يحاولون بكل ما أوتوا من قوة أن يثبتوا أن الإسلام دين ديمقراطي، أو أنه دين يدعو إلى الديمقراطية، أو على الأقل دين لا يعارض الديمقراطية بل يقبلها ويعتد بها، ويتسولون الدلالات من هنا ومن هناك، وقد تشبثوا في ذلك بأشياء كثيرة من أهمها «الشورى»، ونحن نعرض هنا ـ في إيجاز يتناسب مع حجم البحث ـ للديمقراطية كما يراها أصحابها، ثم نقرر بعد ذلك أين الديمقراطية من الإسلام؟ 
الديمقراطية كلمة يونانية قديمة تعني حكم الشعب، لما كانت الدولة ناتجة من الوجود الجماعي للأفراد؛ كان الشعب المصدر الطبيعي لنشأة الدولة ودواعي وجودها، واستقر الفكر الديمقراطي على الإقرار بأن الشعب صاحب المرجعية العليا، وأن إرادته هي القانون، وقد عبَّروا عن ذلك بقولهم: «السيادة للشعب»، والسيادة: سلطة عليا مطلقة بلا ند ولا شريك، متفردة بإنشاء الإلزام أمراً ونهياً وتصحيحاً وإبطالاً وعقوبة؛ في كل أمور المجتمع، فالشعب هو الذي يشرِّع القوانين عن طريق السلطة التشريعية، وهو الذي ينفذها عن طريق السلطة التنفيذية، وهو الذي يقضي ويعاقب الخارجين عن تشريعاته عن طريق السلطة القضائية. 
وهناك عديد من الآليات التي يتبعها الفكر الديمقراطي لتحقيق هذه التصورات، والشورى مخالفة للديمقراطية في أصلها وفي آلياتها، فالشورى مسألة من مسائل الشريعة، والشريعة كلها مبنية على أساس توحيد الله وعبادته وحده وعدم الإشراك به، وأن الكتاب والسنّة هما الأصل والعصام اللذان يُرجع إليهما في الأمر والنهي والإيجاب والتحليل والتحريم والتصحيح والإبطال والجزاء وفي كل شيء، فالدين قائم على رجوع المسلم في كل شيء لكتاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ وسنّة رسوله  صلى الله عليه وسلم ، والتي هي أيضاً مما أوحاه الله تعالى. 
وبالمقابلة يتبين أن الديمقراطية كفرت بالله ربِّ العالمين آمراً ناهياً في شؤون المجتمع وإن لم تكفر به خالقاً رازقاً، وآمنت بالشعب ربّاً يُشَرّع فيأمر وينهى ويضع القوانين والتنظيمات حسب تصوراته الذهنية ومعارفه وخبراته، وهذه مسألة لا تمثل عند الديمقراطيين الحقيقيين سبّاً ولا هجاءً؛ إنما هي الحقيقة التي يقرُّون بها ويعترفون، فالديمقراطية تقيم نظاماً سياسياً علمانياً:«فالديمقراطي يمكن أن يكون بروتستانتياً أو يهودياً، ملحداً أو مؤمناً، ففيما يتعلق بالدين يمكن القول إن الديمقراطية مذهب محايد يتمثل في مجموعة من المعتقدات العلمانية الصرفة، فالمفهومات الديمقراطية لا ترتبط بالبواعث الدينية أو المضادة للدين، وأي نزاع بين الدين والسياسة الديمقراطية يمكن أن يحدث فقط عند إقحــام التعاليم الدينية فــي الشؤون السياسيــة .. والديمقـراطــي ـ نظراً لمعتقداته السياسية ـ لا يقبل ولا يرفض أي تعاليم دينية»( ). وأما من حيث الآليات فقد عمد الفكر الديمقراطي إلى الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية - التنفيذيـة - القضائية)، وذلك منعاً للفسـاد السياسي أو الاستبداد، وللحفاط على حقوق الناس وعدم تعريض حرياتهم للخطر. 
وأما الآلية المعتمدة للوصول إلى الحكم؛ فقد اعتمد الفكر الديمقراطي على النظام النيابي القائم على تعدد الأحزاب، حيث يرشح الأفراد أنفسهم أو ترشحهم الأحزاب التي ينتمون إليها، ويتقدمون للشعب عارضين أفكارهم ورؤاهم طالبين من الشعب أن يمنحهم موافقتهم، وتعد الأحزاب الحائزة على أغلبية موافقة الشعب هي الأحزاب المعبِّرة عن الإرادة الشعبية، وهي المخوَّلة حق ممارسة السيادة لأنها تمثل صاحب السيادة. 
وبالنظر إلى الديمقراطية من حيث أصلها ومن حيث آلياتها من المنظور الشرعي؛ نجد أنها باطلة. وبالنظر إليها من داخلها؛ نجد أنها غير مستطيعة لتحقيق ما أقامت نفسها لأجله، ومن هنا يأتيها البطلان من داخلها أيضاً، فإذا كانت الآليات المطبقة في الفكر الديمقراطي هي لتحقيق العنصر الأساس وهو السيادة للشعب؛ فإنا نقول إن السيادة في الحقيقة إنما هي لطائفة قليلة جداً جداً بالنسبة لمجموع الشعب، وهي تمثل النخبة السياسية، وبيان ذلك من وجوه عدة فمن ذلك: وجود عدة أحزاب يتقاسمون أصوات الناخبين؛ مما يجعل الأصوات موزعة على عدة اتجاهات، ومنها عــزوف كثيــر مــن الناس عــن المشــاركة في الانتخابات، وهـو الذي يُعبَّر عنه بـ «اللامبالاة السياسية»، وهي ظاهرة واضحة، ومنها أن قوانين الانتخابات تحدد شروطاً لمن يحق له المشاركة فيها، وهـي تُخــرج عــدداً كبيراً مــن الناس لعدم بلوغهــم الســن الانتخابــي، أو لارتكابهــم بعـض الجرائـم، أو لكونهـم لا يتمتعون بحق المواطنة في الدولة التي يقيمون فيها. ومنها أن هناك أصواتاً باطلة. 
ومن هنا يتبين أن الحزب الفائز في الانتجابات بالأغلبية هو في حقيقته أقلية بالنسبة لمجموع الشعب، ويزداد هذا الأمر وضوحاً عندما تكون الأغلبية الفائز بها أغلبية ضئيلة قد تصل أحياناً إلى 51 % أو 52 % ( )، فكيف يكون هـــؤلاء معبرين عـــن الشــعــب بينما هناك 48 % يخالفونهم ولا يوافقونهــم؟ حتى الحــزب الفائــز لا يشارك في الحكم جميع أعضائه، وإنما تشارك في السلطة التشريعية منه نخبة لا تزيد في أكثر البلدان عن خمسمائة فرد من الشعب الذي قد يزيد تعداده عن مائة مليون فرد. 

وإذا تجاوزنا ذلك فلنا أن نقول:  
 أ- إن هذا التمثيل أو النيابة عن الشعب في السيادة أمر لا يمكن تحقيقه ولا التحقق من حصوله، فـإذا كانت السيادة تعني إمضاء إرادة الشعب؛ فكيف يمكن التنازل عن الإرادة؟ وكيف يمكن معرفة إرادة كل فرد عند كل موضوع أو عند كل تشريع حتى يمكن القول بأنه تنازل عنها؟ وعلى ذلك فإنه يستحيل القول بأن ما يبديه النواب في المسائل المعروضة في المجلس النيابي إنما هو تعبير عن إرادة الناخبين. 
ب- ثم إنه من حيث تعدد الأحزاب الممثلة في المجلس النيابي لا تكون هناك إرادة واحدة، بل عدة إرادات متعارضات، وقد يكون الفارق في العدد بينها قليلاً، فأي تلك الإرادات يُعَدُّ معبِّراً عن الإرادة الشعبية؟! 
ج- والدستور وهو أعلى وثيقة قانونية في الدولة، وهو الذي يحدد المسؤوليات والاختصاصات، ويقسم السلطات، ويبين النظام السياسي والتوجه الاقتصادي وغير ذلك، المفترض فيه أنَّ وضعه على هذا النحو إنما جاء من قِبَل الإرادة الشعبية، وإذا صدق هذا على الدستور عند وضعه أول مــرة ـ وإن كان لا يصــدق فـي الحقيقة ـ فإن الدساتير تظل تحكم البلاد حتى بعد انقضاء الجيل الذي وضعها انقضاء تاماً، ومعنى هذا أن الأجيال اللاحقة تُحكم بإرادة شعبية لجيلٍ قد صار جيفاً تحت التراب. 
د- قد يحدث أن يتم الرجوع إلى الشعب مباشرة لأخذ رأيه في موضوع ما عن طريق الاقتراع أو الاستفتاء، وهذا الرجوع ينافي تفويض الشعب للمجلس النيابي ليكون معبِّراً عن الإرادة الشعبية، ثم إن هذا الرجوع رجوع صوري لا قيمة له حقيقة؛ إذ إن مشكلات الدولة الحديثة ذات تعقيدات كبيرة تحتاج إلى طابع فني تخصصي بالدرجة الأولى، ولا يتمكن الأفراد العاديون ـ وهم أغلبية الناخبين ـ من تقدير هذه الأمور تقديراً حسناً، أو فهمها فهماً جيداً، وعلى ذلك فإن موافقتهم عليها أو معارضتهم لها تُعَدُّ مجرد مسايرة للأمر السائد بين الناس، والذي يقوم الإعلام الموجّه بدور كبير في إيجاده، وبالتالي فليس هناك قدرة حقيقية على الاختيار الحر، وقد يحاولون التغلب على ذلك بأن تتم صياغة الاستفتاء أو الاقتراع على أشياء محددة شديدة العمومية من غير دخول في تفصيلات فنية، لكن لنا أن نقول: وما قيمة الموافقة أو المخالفة لمثل ذلك؟!  

وبالنسبة لآلية الفصل بين السلطات فالملاحظ عليها عدة أمور: 
1 ـ أن هذه الآلية إنما هي حل ضمن إطار المشكلة التي تعاني منها الأنظمة الوضعية جميعها؛ ألا وهي غياب المرجعية العليا خارج النطاق البشري. 
2 ـ أن هذه الآلية إنما هي حل وقتي للمشكلة؛ لذا لم تبق على حالتها التي ظهرت عليها أول مرة، بل أخذت تتطور وتتنقل من صورة لأخرى. 
3 ـ أن التطور الحاصل في الأنظمة السياسية المعاصرة؛ قد جعل هذه الآلية من مخلَّفات الفكر السياسي ولم يعد لها في الواقع إلا وجود شكلي ـ وإن كانت تظهر بشكل أوضح في النظام الرئاسي ـ، وأن كل الأنظمة المعاصرة تتجه الآن إلى جعل السلطة التنفيذية في موقع أعلى من السلطة التشريعية ـ رغم أنها المعبِّرة عن الإرادة الشعبية ـ، وهذا هو الواقع فـ «إذا كان مبدأ فصل السلطات يقضي لأول وهلة بأن يعمل البرلمان مستقلاً عن الحكومة؛ فإن حقائق الأشياء تبدو عند الفحص الدقيق في صورة مغايرة، فالحقيقة أن الحكومة (السلطة التنفيذية) تتحكم في عمل البرلمان (السلطة التشريعية) إلى حد كبير»( )، «وفي جميع أنحاء العالم تلعب الحكومة دوراً هاماً في تشكيل المجالس النيابية، سواء شُكِّلت هذه المجالس عن طريق الانتخاب الخالص أو عن طريق الجمع بين الانتخاب وبين التعيين»( )، ولم تستطع الأنظمة الديمقراطية التي تبنت هذه الآلية بصورة قوية (النظام الرئاسي) أن تستمر على ذلك، واضطرت في نهاية الأمر إلى إيجاد نوع من الاتصال والتعاون بين السلطتين( ). 
وبالنظر إلى النظام الانتخابي القائم على أن الفائز بالأغلبية في الانتخابات هو الذي يُشكِّل الحكومة (السلطة التنفيذية)؛ فإننا نجد ـ والحالة هذه ـ أن أغلبية المجلس النيابي (السلطة التشريعية) والحكومة (السلطة التنفيذية) ينتميان إلى حزب واحد، وهنا لا يكون الفصل بين السلطات أكثر من مجرد حبر على ورق، فيكون أكثر هَمِّ نواب حزب الأغلبية الدفاع عن الحكومة وتصرفاتها، كما أن النواب في تشريعاتهم إنما يراعون توصيات الحكومة في ذلك، والتي يتم الاتفاق عليها في الاجتماعات في مقار الأحزاب، فالفصل هنا صوري إلى حد بعيد، وقد تعارض أحزاب المعارضة أو الأفراد المستقلون في المجلس، وقد تسأل وتستفسر لكن الأمور تُقضى في هذه المجالس بالأغلبية، وعند أخذ الأصوات؛ فإن الأغلبية ستعطي رأيها لحزبها انطلاقاً من مبدأ الالتزام الحزبي، وعلى ذلك فالمراقبة هنا شكلية إلى حدود بعيدة، والهــدف المتوخــى مـن الفـصل بين السلطتين ـ وهو الحفاظ على حقوق وحريات المواطنين ـ يضيع باندماج السلطتين كما هو الواقع.  

والسلطة يناظرها في الشرع لفظ «الولاية»، فالسلطة القضائية يناظرها: ولاية القضاء، والسلطة التنفيذية يناظرها: الخلافة وما يتفرع عنها من ولايات، وليس في الإسلام سلطة تشريعية أي ولاية تشريعية، وبإخراج التشريع من البشر يُحافظ فعلاً على حقوق الشعوب وحرياتها، فمهما كان التشريع محققاً للإرادة الشعبية؛ فهو لم يخرج عن أن جعل الناس عبيداً لمن وضع هذا التشريع، وأما التشريع في الإسلام فهو لله ربِّ العالمين، يحكم في خلقه بما يشاء، فهو خالقهم ورازقهم، وهو يحييهم ويميتهم ويحاسبهم، ولذلك فهو الذي يُشرّع لهم.  
والإســلام فيــه الاجتهــاد المنضبط المعتمد علــى الأدلة الشرعية ـ تحقيقاً لعبوديــة الناس لــرب العالمين دون ما سواه ـ والقدرة على الاجتهاد فضيلة من الفضائل؛ من اكتسبها بشــروطها فهـــو مـــن أهلها لا يُحجـــز عنها ولا يُمنع منها حاكماً كان أو محكوماً، ومن لم يكن لذلك أهلاً حيل بينه وبين الاجتهاد، يستوي في ذلك المسلمون جميعهم.  
والقضاء في الإسلام ولاية داخلة في صلاحيات الخليفة، فيجوز له أن يقضي ـ إذا كانت تتوفر فيه شروط القضاء وهو الأصل ـ، كما يجوز له أن يفوِّض أو ينيب غيره في ذلك ممن تتوفر فيهم شروطه، ومع أن القضاء ولاية تابعة للخليفة؛ لكنه لا يجوز له أن يقضي برأيه بل بما في الشريعة من أحكام، كما لا يجوز له التدخل في عمل القاضي الذي ينيبه في القضاء، فلا يحق له أن يلزمه بالقضاء بمذهب معين، ولا يحق له أن ينقض حكمه ولو خالف اجتهاد الخليفة ما دام أنه لم يخالف كتاباً أو سنّة أو إجماعاً، ولا يحق له أن يعزله عن القضاء إلا بسبب يستوجب العزل، ولذلك اتفق أهل العلم على أن الإمام لو ولَّى قاضياً القضاء بشرط أن يقضي بمذهب معين؛ فإن هذا الشرط باطل لا يجب الوفاء به، وفي فساد تلك التولية وجهان: 
وجه يقول: الشرط باطل والولاية غير صحيحة. 
والثاني يقول: الشرط باطل والولاية صحيحة، ويقضي القاضي بما يؤديه إليه اجتهاده( )، وبهذا يظهر الاستقلال التام للقضاء الإسلامي.  
وأما بالنسبة لآلية الأحزاب فقد أخفقت في تحقيق المبدأ الأساس في الديمقراطية وهو تحقيق السيادة الشعبية، ذلك أن الحزب الفائز ولو كان يتمتع بأغلبية مطلقة في المجلس النيابي، ولا تكــاد توجد أحزاب أخــرى تشـاركـه ـ وهذا من النادر بل المستحيل في ظل الانتخابات الحرة ـ؛ فإن الذي يدير الحزب هو الهيئات الرئاسية للجان الحزب بجانب رئاسة الحزب العامة، «فهي التي تحدد موقفه من مشاكل الدولة، ثم تحدد لممثلي الحزب في البرلمان خطة يسيرون عليها؛ بحيث لا يحيد عنها إلا من التزم الاستقالة من حزبه، وهكذا يصبح النائب ممثلاً لحزبه لا للشعب أجمعه»( ). وفي حالة عدم تمكن الأحزاب من الأغلبية المطلوبة التي تمكنهم من تشكيل الحكومة؛ فإن الأحزاب تلجأ إلى إقامة ائتلاف بين عدة أحزاب لتحقيق الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، ويحدث في هذه الحالة تنازلات من الأحزاب لتكوين ذلك الائتلاف؛ بحيث لا تكون الرؤية النهائية للائتلاف معبِّرة عن رؤية حزب على الانفراد، وفي هذه الحالة فإن الائتلاف يكون ضعيفاً هشاً، ويتعرض للابتزاز السياسي من بعض أحزاب الأقلية، فيوافق الائتلاف على طلبات أو تصورات أحزاب الأقلية ـ وإن لم يكن مقتنعاً بها لتفادي سقوطه ـ، وعليه فإن الحكومات تصبح أسيرة لدى أحزاب الأقلية؛ إذ تملك هذه الأحزاب أن تمنح الحكومة ثقتها فتبقيها في الحكم، أو ترجح كفة المعارضة فتسقط الحكومة؛ مما يعني أن بضعة نواب هم المتحكمون حقيقة في السلطة، وهذا أيضاً فشل في تحقيق سيادة الشعب، وقد حاول الفكر الديمقراطي أن يتغلب على هذه الصعوبة باللجوء إلى نظام الحزبين، حيث تتبلور القوى السياسية في المجتمع حول حزبين كبيرين؛ مما يمكن أحدهما باستمرار من الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، لكن هذا الحل يؤدي إلى أن يكون كل حزب وكأنه مكوَّن من مجموعة من الأحزاب الصغيرة فيما يعرف بالأجنحة، وقد تحتدم الخلافات بين تلك الأجنحة عند بعض القضايا المهمة فتؤدي إلى تفتيت الحزب، وقد يحدث أن يسيطر قادة الحزب على تلك الخلافات بتغليب بعض الأجنحة على بعض، فيسقط بذلك شعار حرية النائب في التعبير عما يراه صواباً. 
من خلال ما تقدم يظهر الفرق بين الشورى وبين الديمقراطية، ويتبين أن دعوى بعض الناس بأن الإسلام دين ديمقراطي أو أن الديمقراطية هي تطبيق عصري للشورى؛ دعوى باطلة عارية عن الصواب. 

 
الخاتمة
مستقبل النظام السياسي الإسلامي في عالمنا المعاصر

كان ما تقدم بعض الأحكام والمؤسسات والمعالم الرئيسة المتعلقة بنظامنا السياسي، ويحق لنا أن نتساءل بعد الغياب الطويل له: ما مستقبل نظامنا السياسي في تلك الأوضاع المعاصرة؟ نستطيع أن نرصد هنا العديد من التحديات والمعوقات التي تواجه عودة النظام السياسي الإسلامي مرة أخرى إلى الواقع، ويمكن تقسيمها إلى تحديات خارجية ومعوقات داخلية.  

فمن التحديات الخارجية:  
1- تميل كفة ميزان القوى في العالم إلى المعسكر المعادي للإسلام ميلاً كبيراً، وهذه القوى ترفض بشدة عودة النظام السياسي الإسلامي مرة أخرى، بل هي التي سعت بكل قوة حتى تمكنت من إسقاط الخلافة العثمانية وتفتيتها إلى دول متفرقة. 
2- رياح العولمة التي بدأت تهب بكل قواها على بلاد المسلمين، والتي تحاول أن تصهر المسلمين مع غير المسلمين في نسق ثقافي وفكري واجتماعي واحد، وتذويب الخصوصيات والقضاء على الهويات. 
3- حرص المعسكر المناوئ للإسلام على نشر أفكاره وثقافته المتعلقة بالنظام السياسي، وتصدير نسقه الديمقراطي من حيث التصورات والآليات، ومحاولة فرض ذلك بالقوة سواءً بالتهديد أو باستخدامها.  

ومن المعوقات الداخلية:  
1- سيطرة الأنظمة العلمانية على كثير من بلاد المسلمين، وموالاتهم للمعسكر المعادي للإسلام لاشتراكهما في الهدف. 
2- جهل الكثير من أبناء الأمة بأحكام النظام السياسي في الإسلام. 
3- انهزامية كثير من أبناء الأمة واغترارهم بالنظم المعاصرة. 
4-  قلة بل ندرة المؤلفات المعاصرة ذات الأصالة في النظام السياسي الإسلامي؛ إذ جل - إن لم نقل جميع - ما هو مكتوب في ذلك إنما هو متأثر - على درجات متفاوتة فيما بينها -بالفكر الديمقراطي وما يقدمه من حلول ومؤسسات في إدارة الدولة وحل الإشكالات بين الحكومات والمعارضة. 
5- قلة الكتب المنشورة مما دوَّنه الفقهاء القدامى، إضافة إلى أن الحلول التنظيمية التي تقدمها تلك الكتب إنما تعالج أوضاع العصر الذي كتبت فيه. 
6- ضعف عناية الدعاة بمسائل هذا الباب. 

ومستقبل النظام السياسي متوقف على قدرة المسلمين على التغلب على التحديات والمعوقات، وليس من الواضح أن يتم في المنظور القريب التغلب على تلك التحديات والمعوقات إلا أن يحدث شيء غير عادي، ولكن هذا لا يمنع من البداية والثبات على العمل حتى يؤتي ثماره، والخطوة الأولى في هذا المجال هي نشر العلم بذلك وإيصاله لفئات الشعب المختلفة؛ كل بالطريقة التي تناسبه، وهذا يعني أنه لا بد من الاستثمار في هذا الجانب، وقد يكون ذلك عبر الوسائل التالية: 
1- بناء المواقع على الشبكة العالمية المتخصصة في هذه المسائل. 
2- طباعة الكتب التي تبيّن تلك القضايا من المنظور الشرعي الصحيح. 
3- العناية بذلك الجانب في المحاضرات وخطب الجمعة والدروس. 
4- توزيع الأشرطة التي تخدم ذلك المجال. 
5- إقامة الندوات والحوارات في المسائل المتعلقة بذلك النظام.  

وعندما ينتشر العلم بتلك المسائل ويقوى بين الناس؛ فإنه ستظهر خطوات أخرى تلي تلك الخطوة، والله الموفق لكل خير. 


تعليقات