القائمة الرئيسية

الصفحات

الإجارة على منافع الأشخاص ـ دراسة فقهية مقارنة ـ في الفقه الإسلامي ، وقانون العمل

الإجارة على منافع الأشخاص  ـ دراسة فقهية مقارنة ـ  في الفقه الإسلامي ، وقانون العمل

الإجارة على منافع الأشخاص
ـ دراسة فقهية مقارنة ـ
في الفقه الإسلامي ، وقانون العمل





العنوان : الإجارة على منافع الأشخاص
المؤلف : علي محيى الدين القره داغي


الإجارة على منافع الأشخاص

ـ دراسة فقهية مقارنة ـ
في الفقه الإسلامي ، وقانون العمل


بقلم
أ . د . علي محيى الدين القره داغي

أســــتاذ بكلية الشــــــريعة  بجــامــعة قــطـــر
والحـائـــــز على جائـــزة الدولة ، والخبير بالمجامع الفقهية
وعضـــــو المجلـــــــس الأوربـــي للإفتاء والبحوث
ورئيس لعدد من الهيئات الشـــرعية للمؤســسات المالية الإسلامية

 


بحث مقدم
للدورة الثامنة عشرة للمجلس - باريس
جمادى الثانية/ رجب 1429 هـ / يوليو 2008 م


    

 الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى اخوانه من الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله الطيبين ، وصحبه الميامين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
وبعد
  فإن الإجارة بنوعيها ( الإجارة على الأعيان والإجارة على عمل الأشخاص ) تعتبر اليوم من أهم الصيغ الاستثمارية والتمويلية لدى المؤسسات المالية الإسلامية ، وهي كذلك من أهم المنتجات المرنة للأدوات المالية ، حيث تصاغ منها صكوك الإجارة التي تعتبر من أنجح الأوراق المالية وأكثرها مرونة وقدرة على استيعاب متطلبات العصر .
   كما أن الإجارة على الأشخاص هي العقد الأساس الذي انبثق منه عقد العمل ، وقانونه الذي ينظم العلاقة بين صاحب العمل ، والعمال ، بل إن جميع الموظفين والمستخدمين في دوائر الدولة ، وفي الشركات والمؤسسات ، والجمعيات وغيرها هم أُجراء في نظر الشرع تطبق عليهم قواعد الإجارة وضوابطها ، وأحكامها  .
  ومن هنا  تأخذ الإدارة على عمل الأشخاص أهمية قصوى في حياتنا اليومية ، ومختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية .
   ونحن في هذا البحث نحاول بحث هذا الموضوع على ضوء أحكام الفقه الإسلامي ، وبعض قوانين العمل في الدول العربية ، وخصوصاً الخليجية مبتدءاً بتعريف عقد الإجارة على عمل الأشخاص ، وأركانه ، وشروطه ، وكل ما يدور حوله بقدر ما تسمح به طبيعة البحث .
   والله تعالى أسأل أن يلهمنا الصواب ، ويعصمنا من الزلل والخلل في العقيدة والقول والعمل ، إنه حسبنا ومولانا ، فنعم المولى ونعم الموفق والنصير .
   
كتبه الفقير إلى ربه
علي محيى الدين القره داغي 
الدوحة / غرة ربيع الأول 1427هـ





·                             من مشكاة القرآن الكريم :

قال الله تعالى :
)  إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ( سورة القصص الآية 26

·                             ومن مشكاة السنة النبوية المطهرة  :

قول النبي  صلى الله عليه وسلم
) أعطوا الأجير أجرهُ قبل أن يجفَّ عرقه (رواه ابن ماجه ، والبيهقي وغيرهما بسند صحيح 


التعريف بالعنوان :

الشائع استعمال عقد الإجارة على الأشخاص ، وهناك مصطلح آخر يستعمله الفقهاء ،وهو عقد إجارة الأشخاص ، أو عقد الإجارة على العمل ، أو على منافع الأشخاص .
  والمصطلحات الثلاثة وإن كانت صحيحة ، ولكن الأدق منها هو الأخير ، وهو عقد الإجارة على العمل أو منفعة الشخص وأن التحقيق أن العمل هنا هو منفعة الشخص ، إذ أن عقد الإجارة لا يرد على الشخص بذاته ، وإنما يرد على عمله ، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء الحنفية والمالية وأكثر الشافعية ، والحنابلة [1] في حين ذهب بعض الشافعية إلى أن محل عقد الإجارة هو العين نفسها ، لأن المنافع معدومة[2] ، وذهب ابن تيمية ، وابن القيم إلى أنها ترد على الأعيان المتجددة كلبن المرضعة[3] .

الكراء والإجارة :
  ومن حانب آخر فإن الإجارة على عمل الأشخاص هو أحد نوعي الإجارة عند جمهور الفقهاء[4] في حين خصص المالكية لفظ الإجارة للإجارة على عمل الأشخاص ، وعبروا عن الإجارة الواردة على الأعيان بالكراء ، فقالوا :  الإجارة تطلق على منافع من يعقل ، وأن الكراء يطلق على العقد الوارد على من لا يعقل ، ونحن هنا نختار هذا العنوان ، وهو عقد الإجارة على عمل أو منافع الأشخاص ، ونعرف بكلماته الأربع : 

التعريف بالعقد :
لغة : بمعني الشدّ والربط ، والعهد ونحوها[5] .
وفي الاصطلاح : له معنيان عام وخاص ، بمعناه العام : هو كل تعهد يلتزم به الإنسان سواء أكان له مقابل أم لا وسواء أكان التزاماً دنيوياً أم دينياً ، وهذا ما فسر به قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) [6] أي العهود والواجبات كلها .
أما معناه الخاص : فهو الالتزام الناشئ عن ارتباط الإيجاب بالقبول[7] .
التعريف بالإجارة :
لغة : الإجارة ( بالكسر وهو المشهور ، وجاز فيها الضم والفتح ) اسم للأجرة ، وهي عوض المنفعة والعمل ، ونقل عن المبرد أنها مصدر أجر إجاراً ، وإجارة[8] .
وفي الاصطلاح الفقهي خصصها المالكية بالعقد الوادر على منافع الإنسان ، أما العقد الوارد على الحيوان والدور والسفن فيسمونه : الكراء[9] ، وأما الجمهور فيقولون هي : عقد وارد على تمليك منفعة سواء كانت للأعيان ، أم للأشخاص[10] .
التعريف بالعمل والمنفعة :
العمل لغة : هو الفعل[11] ... والمراد بها هنا هو الفعل الصادر من الإنسان ، سواء كان من أعمال الجوارح ، أم اللسان ، ويدخل فيه العمل الذهني والفكري الذي يخرج من دائرة الذهن إلى دائرة القول ، أو الكتابة .
والمنفعة لغة : هي كل ما ينفع به ويستفاد منه ، وجمعها : منافع ، والنفع : الخير ، وما يتوصل به الإنسان إلى مطلوبه[12] .
التعريف بالأشخاص :
 الأشخاص جمع شخص ، وهو في حقيقته هو الإنسان وحده ، ولكن اليوم يطلق عليه وعلى الشخص المعنوي ، حيث اعترفت القوانين المعاصرة بالشخصية الاعتبارية للشركات والمؤسسات ، وأثبتت لها ذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء والمسؤولين ، وكذلك  اعترف بها الفقهاء المعاصرون والمجامع الفقهية[13] ، وبالتالي فإن المراد بالأشخاص هنا ، وفي بقية العقود هي الأشخاص الطبيعيون ، والأشخاص المعنويون     ( الاعتباريون ، والقانونيون ) وحينئذ يجوز التعامل مع الشركات التي لها شخصية معنوية بعقد الإجارة ، ويمثلها أحد الأشخاص الطبيعيين ، ولذلك فكل ما نذكره في هذا البحث يشمل النوعين إلاّ ما يخص الإنسان ، ولا يتجاوزه إلى الشخص المعنوي مثل ما يخص عوارض الأهلية ونحوه .

الخلاصة مع المقارنة بالقانون :

  إن المراد بعقد الإجارة على عمل الأشخاص في الفقه الإسلامي هو التزام صادر ، هو العقد الوارد على منفعة شخص في مقابل أجر معلوم .
  وهو في تطبيقاته المعاصرة يشمل تقديم الخدمات الطبية ، والتعليمية ، ونحوها لمن يحتاج إليها عن طريق التمويل بالمرابحة في المنافع .
  وأما القوانين فتطلق على هذا العقد عقد العمل ، أو نظام العمل في النظام السعودي ، حيث عرفه بأنه : عقد مبرم بين صاحب العمل ، وعامل ، يتعهد الأخير بموجبه ان يعمل تحت إدارة صاحب العمل ، أو إشرافه مقابل أجر ،ويتضمن شروط العمل المتفق عليها بينهما ، وذلك لمدة محددة ، أو غير محددة ، أو من أجل القيام بعمل معين[14] .
  وهذا الاختلاف في المسمى لدى القوانين ، وما ذكرناه من تخصيص المالكية الإجارة لعمل الإنسان يدخل ضمن الاختلاف في المصطلحات التي لا مشاحة فيها ، وإن كانت التسمية الفقهية أدق ، وذلك لأن لفظ ( العمل ) أعمّ من العمل الخاص بعقد إجارة الأشخاص ، وأن العامل في الاصطلاح الشرعي يطلق على المشرف على جمع الزكاة فقال تعالى : ( ..وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ....) [15] وعلى جميع الأعمال الشاملة للدنيا والآخرة ، وعلى المضارب ، والعامل في المساقاة ، والمزارعة ، ولذلك فالأجير أدق من العامل .


استبعاد العقود التي لها علاقة بالموضوع ، ولكنها غير داخلة في أصل الماهية :
  هناك مجموعة من العقود والمصطلحات لها علاقة قوية باستئجار الأشخاص ، مثل عقد المقاولة ، وعقد الاستصناع ، وعقد النقل البحري ، وعقد النقل الجوي ، وعقد العمل في القانون ، فنحن نستبعد هذه العقود عن موضوعنا سوى عقد العمل ، لأننا نقصد بعقد الإجارة على الأشخاص : الإجارة الخالصة الواردة على العمل فقط دون أي التزام آخر مثل الالتزام بالصنعة ، أو المواد أو بتأجير منفعة العين معه ، أو نحو ذلك في حين أن هذه العقود سوى عقد العمل لا تخلو من ذلك .
مشروعية عقد الإجارة على الأشخاص :
  يدل على مشروعية الإجارة على الأشخاص الأدلة المعتبرة من الكتاب والسنة والاجماع ، والمصالح :
أولاً ـ الكتاب : 
  وإذا نظرنا إلى القرآن الكريم لوجدنا أن جميع الآيات الواردة في شأن الإجارة تخص الإجارة على الأشخاص والعمل ،  وهي :
1ـ قوله تعالى : ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ )[16] وجه الاستدلال بهذه الآية واضح ، وهو أن الله تعالى أمر إعطاء الأجر للمرضعة على عمل الرضاعة ، وهذا يدل على مشروعية ذلك ، ووجوب الالتزام بدفع الأجر في مقابل العمل في الإجارة ، يقول الإمام الشافعي : ( فأجاز الإجارة على الرضاع ، والرضاع يختلف لكثرة رضاع المولود وقلته ، وكثرة اللبن وقلته ، ولكن لما لم يوجد فيه إلاّ هذا جازت الإجارة عليه ، وإذا جازت عليه جازت على مثله ، وما هو في مثل معناه ، وأحرى أن يكون أبين منه .... )[17] .
  ويقول أيضاً في تفسير الآية السابقة : ( ففي كتاب الله عزوجل ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان : أن الإجارات جائزة على ما يعرف الناس ، إذ قال : ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ )[18] والرضاع يختلف : فيكون صبيّ أكثر رضاعاً من صبيّ ، وتكون امرأة أكثر لبناً من امرأة ، ويختلف لبنها فيقلّ  ويكثر ، فتجوز الإجارات على هذا ، لأنه لا يوجد فيه أقرب مما يحيط العلم به : من هذا .... )[19] .
2ـ قوله تعالى : ( وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ )[20] فهذه الآية الكريمة تدل على رفع الحرج والجناح على من يستأجر امرأة لارضاع ولده بالأجر ، قال سفيان : (( إذا سلمتم إلى المسترضعة ( وهي الظئر) أجرها بالمعروف)) [21] ، وفي ذلك دليل على مشروعية إجارة الأشخاص .
3ـ قوله تعالى : ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[22] والمراد بقوله تعالى ( سخرياً ) أي مسخراً بعضكم لبعض بالعمل والخدمة ، قال الرازي : ( أي : إنا فعلنا ذلك لأننا لو سوينا بينهم في كل هذه الأحوال لم يخدم أحد أحداً ، ولم يصر أحد منهم مسخراً لغيره ، وحينئذ يفضى ذلك إلى خراب العالم وفساد نظام الدنيا )[23] فهذه الآية تشير إلى أهمية الإجارة ونحوها في تعمير الأرض ، وتحقيق وظيفة الاستخلاف في الأرض .
4ـ قوله تعالى : ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)[24] فهذه الآية واضحة أيضاً في الدلالة على جواز الاستئجار على العمل ، وذلك لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ[25] ، وعقد البخاري باباً خاصاً ترجم له : باب إذا استأجر أجيراً فبين له الأجل ، ولم يبين له العمل لقوله تعالى : (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ )[26] .
  يقول الحافظ ابن حجر : ( وقد احتج الشافعي بهذه الآية على مشروعية الإجارة )[27] وقال البيهقي : ( قال الشافعي : فذكر الله أن نبياً من أنبيائه أجر نفسه حججاً مسماة ملك بها بضع امرأة ، فدل على تجويز الإجارة )[28] .
5ـ قوله تعالى في قضية موسى مع عبدالله ( الخضر ) : ( ...... قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)[29] حيث يدل بوضوح على جواز أخذ الأجر على العمل ، وبالتالي مشروعية الإجارة ،وهذا يدخل في أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ .
  وقد ترجم البخاري لهذه الآية فقال : ( باب إذا استأجر أجيراً على أن يقيم حائطاًَ يريد أن ينقض ، جاز ) ثم روى بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : حدثني أبيّ بن كعب قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فانطلقا فوجدا جداراً يريد أن ينقض) قال سعيد بيده هكذا ، ورفع يده فاستقام .... ( لو شئت لاتخذت عليه أجراً ) قال سعيد : أجرنا كله)[30] .

ثانياً ـ السنة النبوية المشرفة :

  هناك أحاديث كثيرة تدل على جواز الإجارة ، حتى عقد البخاري كتاباً سماه : كتاب الإجارة ، تضمن 22 باباً ، واشتمل على ثلاثين حديثاً مرفوعاً ، المعلق منها خمسة ، والبقية موصولة ، ووافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة في رعي الغنم ، وحديث ( المسلمون عند شروطهم) وحديث ابن عباس : ( أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ) وحديث ابن عمر في النهي عن عسب الفحل ، وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين ثمانية عشر أثراً [31].
  وقد بدأ البخاري رحمه الله بباب : استئجار الرجل الصالح ، ثم باب : رعي الغنم على قراريط ، وباب : استئجار المشركين عند الضرورة او إذا لم يوجد أهل الإسلام ،  وباب : إذا استأجر أجيراً ليعمل له بعد ثلاثة أيام ، أو بعد شهر ، أو بعد سنة ، جاز ، وهما على شرطهما الذي اشترطاه إذا جاء الأجل ، وباب : الأجير في الغزو ، وباب : إذا استأجر أجيراً فبين له الأجل ، ولم يبين العمل ، وهكذا [32].
  وخصص كذلك أبو داود كتاباً للإجارة ، فبدأه بباب : في كسب المعلم ، وباب في كسب الأطباء ، وباب في كسب الحجام .....[33] ، كما أن بقية كتب السنة المشرفة لم تغفل الأحاديث الوارد في الإجارة إما ضمن كتاب البيوع ، أو نحوه .
  ونحن هنا نذكر بعض الأحاديث الخاصة الدالة على مشروعية الإجارة على الأشخاص منها :
1ـ حديث عائشة رضي الله عنها في قضية الهجرة ، حيث قالت : ( واستأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبوبكر رجلاً من بني الدّيل ( اسم قبيلته ) هادياً خريتاً ( أي ماهراً ) وهو على دين كفار قريش... )[34] .
2ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( قال الله تعالى : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة :...... ، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره)[35] .
3ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما بعث الله نبياً إلاّ رعى الغنم ، فقال أصحابه : وأنت ؟ فقال : نعم ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)[36] .
4ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ...... )[37] وكذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بشأن الرقية في مقابل قطيع من الغنم[38] .
5ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره)[39] ، حيث يدل بوضوح على إجارة الأشخاص حتى ولو كانت الإجارة حجامة .
6ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه)[40]

ثالثاً ـ الاجماع :
  وقد انعقد على جواز الإجارة الاجماع في عهد الصحابة ، والتابعين ، وأصحاب المذاهب المعتبرة إلاّ ما روى عن بعض المتأخرين كأبي بكر الأصم ، وابن عليّة حيث قالا بعدم جوازها لما فيها من غرر ، وهو خلاف جاء بعد الاجماع فلا يعتدّ به ، قال الكاساني الحنفي : ( وأما الاجماع فإن الأمة أجمعت على ذلك قبل وجود الأصم ، حيث يعقدون عقد الإجارة من زمن الصحابة إلى يومنا هذا من غير نكير ، فلا يعبأ بخلافه إذ هو خلاف الاجماع )[41] .

رابعاً ـ المصالح المعتبرة :
  لا شك أن جواز الإجارة تحقق مصالح كثيرة للمؤجر والمستأجر وللمجتمع ، حيث الحاجة ماسة إلى مشروعيتها ، وأن مع منعها يترتب عليه حرج شديد يتنافى مع مقاصد الشريعة في رفع الحرج ، حيث يقول الله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )[42] وقال تعالى : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )[43] .
  فالناس محتاجون إلى المنافع كحاجتهم إلى الأعيان ، فالفقير محتاج إلى مال الغني والغني محتاج إلى عمل الفقير بل المسألة أشمل من الغني والفقير ، فالمجتمع بصورة عامة محتاج إلى تبادل بين الأموال والأعمال والمنافع ، وهذا لا يتحقق إلاّ من خلال عقد الإجارة بنوعيه الواردين على الأعيان والأشخاص .
طبيعة عقد الإجارة على الأشخاص :

  عقد الإجارة عقد من عقود المعاوضات المالية اللازمة للطرفين ، فلا يجوز فسخها بعد انعقادها إلاّ برضا الطرفين عند جماهير الفقهاء ، واستثنى أبو حنيفة وأصحابه حالة عذر طارئ ، حيث يجوز للمكتري فسخ الإجارة للعذر الطارئ على المستأجر ، مثل أن يستأجر دكاناً يتجر فيه فيحترق متاعه أو يسرق[44] .
  ويترتب على ذلك أن فيه الخيارات الخاصة بالعقود المالية الملزمة من خيار الشرط ، وخيار المجلس عند من يقول به[45] .
  وعقد الإجارة على الأشخاص عقد مشروع على وفق القياس عند جماعة من الفقهاء ، منهم جماعة من الحنابلة وانتصر له ابن تيمية ، وابن القيم بقوة ، وذهب جماعة منهم الحنفية[46] إلى أنه عقد وارد على غيرالقياس بناءً على أنه عقد وارد على المعدوم وهو المنفعة[47] .
  والراجح أن عقد الإجارة عقد جار وفق القياس ، وليس استثناءً ، وذلك لورود أدلة خاصة من الكتاب والسنة بمشروعيته .



أنواع الإجارة على عمل الأشخاص :

التقسيم الأول باعتبار محلها : تقسم الإجارة على الأشخاص باعتبار محلها إلى نوعين هما : الإجارة على منفعة شخص يختص بالمستأجر ، والإجارة على عمل شخص ليس مختصاً بالمستأجر فقط .
النوع الأول : الإجارة على شخص خاص : وهي الإجارة التي يقتضي تنفيذها تسليم الأجير نفسه للمستأجر ليعمل عنده مدة من الزمن ، وذلك مثل أن يتم العقد بينهما على أن يعمل له الخياطة ، أو التجارة ، او السباكة ، أو الخدمة ، أو الإدارة لمدة شهر مثلاً .
  فالعقد هنا يحدد أجيراً بذاته فيسلم نفسه إلى صاحب العمل ( المستأجر ) فيعمل لديه لأي عمل مشروع خلال زمن محدد ، وهو ما يسمى الأجير الخاص الذي لا يعمل إلاّ للمستأجر ، كالخادم والموظف ، وأنه يستحق الأجرة بمضي المدة بعد تسليم نفسه إليه .

النوع الثاني : الإجارة الواردة على عمل شخص ليس مختصاً بالمستأجر : وهذا ما يسمى الأجير المشترك  أو الأجير العام ، لأنه ليس خاصاً بصاحب العمل ، حيث إن التزامه ينحصر في إكمال العمل الذي طلب منه على الوجه المطلوب ، فهو لا يسلم نفسه إلى المستأجر ، بل يبقى في محله ، كما أنه يتقبل الأعمال من الآخرين[48] .

  فالمعيار الممّيز في الأجير الخاص والعام هو أن الأجير الخاص عليه أن يسلم نفسه لصاحب العمل ( فرداً أو جماعة أو مؤسسة أو شركة ) ، وأن يحدد له مدة معينة يكون لصاحب العمل الحق في الانتفاع به دون غيره ، وأنه إذا لم يكلف بعمل ، أو لم ينجز العمل دون تقصير فإنه يستحق الأجر المتفق عليه ، فالعقد وارد على الشخص نفسه أصلاً ليقوم بعمل ما ، فيكون العمل تبعاً ، ولكن على الأجير أن لا يصرف من وقته المحدد في عقد الإجارة إلى غير المستأجر .
  وأما الأجير المشترك فالمعيار فيه هو إتمام العمل المطلوب دون تسليم نفسه إلى صاحب العمل ، وأن صاحب العمل لا يختص به ، فالعقد وارد أصلاً على العمل وليس على الشخص مباشرة ، ولذلك لا يستحق الأجرة إلاّ باتمام العمل وتسليمه إلى صاحب العمل .
التقسيم الثاني باعتبار التعيين ، أو ما في الذمة حيث تقسم الإجارة على الأشخاص إلى نوعين :
النوع الأول : الإجارة الواردة على شخص معين ، وهي التي يلتزم فيها العاقدان بان يكون محل العقد منفعة شخص معين مثل أن يقول المستأجر في الإجارة الخاصة : أجرت زيداً لعمل كذا لمدة كذا ، وكقصة سيدنا موسى عليه السلام ، وفي الإجارة المشتركة يقول : أجرتك أيها الخياط لخياطة هذا الثوب ، قال النووي : ( وكمن استأجر شخصاً بعينه لخياطة ثوب)[49] .

النوع الثاني : الإجارة الواردة على الذمة وهي ما يكون محل العقد منفعة موصوفة في الذمة ، وصفاً تنتفى به الجهالة ، وذلك بأن يقول في الإجارة الخاصة ، لزيد    ـ مثلاً ـ اتفقت معك على أن تقوم بتخصيص شخص مواصفاته كذا ليقوم بخدمتي أو تطبيبي لمدة سنة بمبلغ كذا ، أو لإجراء عملية جراحية ، أو لتعليم شخص في تخصص كذا ، يكون الأجرة لكل فصل ، أو سنة كذا ، وهكذا : وحينئذ يجوز أن يقوم زيد بهذا الواجب ، أو أي شخص آخر تتوافر فيه المواصفات المطلوبة ، قال النووي : ( وواردة على الذمة كمن استأجر دابة موصوفة للركوب ، أو الحمل ، أو قال : ألزمت ذمتك خياطة هذا الثوب ، او بناء الحائط..... )[50] .
  والمثال للإجارة المشتركة أن يقول المستأجر : ألزمت ذمتك خياطة هذا الثوب ، أو أن يقول لزيد ـ مثلاً ـ : اتفقت معك على خياطة هذا الثوب ، حسب المواصفات المبينة.
  فالمعيار في التفرقة بين النوعين هو أن النوع الأول وارد على معين ، ولذلك لا يستبدل بشخص آخر كما أنه يبطل بموت الأجير ، أو فقدانه الأهلية ، في حين أن النوع الثاني وارد على شيء موصوف في الذمة ، فكيفما يتحقق العمل المطلوب حسب المواصفات فقد برأت ذمة الأجير ( خاصاً كان أو عاماً )[51] كما أنه لا يبطل بموته ، ولا بفقدان أهليته .


أحكام الإجارة الواردة على الذمة :

  لم يفصل الفقهاء في هذا النوع ، ولذلك نحاول جمع شتاته بقدر الإمكان بادئين بذكر بعض نصوص الفقهاء ، يقول الإمام العمراني الشافعي : ( وما عقد من الإجارة على منفعة في الذمة ،، فيجوز أن تكون المنفعة حالّة ، ............... ، مثل : أن يقول : استأجرتك على تعجيل خياطة هذا الثوب حالاً ، ويجوز أن تكون المنفعة مؤجلة مثل أن يقول : استأجرتك على تحصيل خياطة هذا الثوب إلى أول شهر كذا ، لأن المنفعة في الذمة كالمسلَم فيه ، والمسلَم فيه يصح أن يكون حالاً ومؤجلاً ، وإن أطلق ذلك اقتضى الحلول ، كما قلنا في السلم إذا لم يذكره مؤجلاً .
  وتنعقد هذه الإجارة بلفظ السلَم ، فيقول : أسلمت إليك ديناراً في ذمتي ، أو هذا الدينار بمنفعة ظَهْر ، من صفته كذا وكذا ، لأركبه إلى بلد كذا وكذا ،وتنعقد بلفظ الإجارة ، بأن يقول : أجّرني ظهراً من صفته كذا وكذا ، لأركبه إلى موضع كذا .
  وسئل الشيخ أبو حامد عمّن قال : استأجرت منك ظهراً في ذمتك ، من صفته كذا وكذا ، لأركبه شهراً ، أتسلّمه إلى أول الشهر الفلاني غير متصل بالعقد ؟ فتوقف ، وقال : أنا أنظر فيه ، فقال بعض أصحابه : عندي أنه يجوز ، لأن المنفعة في هذه الإجارة يصح أن تقدّر بالمدة والعمل ، فلما جاز أن تتقدر بالعمل ، جاز أن تتقدر بالمدة ، ولا يجوز أن تكون الأجرة هاهنا مؤجلة ؛ لـ : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكالئ بالكالئ) و( الكالئُ بالكالئِ ) : هو بيع النسيئة بالنسيئة ، ولأن هذه الإجارة في معنى المسلم فيه ، ورأس مال السلم لا يصح أن يكون مؤجلاً ، وهل يشترط هاهنا قبض الأجرة في المجلس قبل أن يتفرقا ؟ ينظر فيه : فإن عَقدَ الإجارة بلفظ السلم ... اشترط قبض الأجرة قبل أن يتفرقا ، كما قلنا في السلم .
وإن عقد بلفظ الإجارة .. فيه وجهان :
أحدهما : لا يشترط قبضه في المجلس قبل التفرق اعتباراً باللفظ .
والثاني : يشترط قبضه قبل التفرق ، وهو اختيار الشيخ أبي اسحاق اعتباراً بالمعنى ، ومثل هذين الوجهين الوجهان في قبض رأس مال السلم في المجلس إذا عقد السلم بلفظ البيع ، وقد مضى ذكرهما )[52] .
  ويقول ابن قدامة : ( ولا يجب تسليم أجرة العمل في الذمة حتى يتسلمه إذا استؤجر على عمل ) وجاء في الانصاف النص على أنها تملك بالعقد أيضاً ، ولكن لا يستحق تسلمها إلاّ بفراغ العمل ، وتسليمه لمالكه على الصحيح من المذهب ، وعليه جماهير الأصحاب[53].
 وقال ابن مفلح : ( والإجارة أقسام : ... إجارة عين موصوفة في الذمة فيشترط صفات السلم ، ومتى غصبت أو تلفت أو تعبت لزمه بدلها ، فإن تعذر فللمشتري الفسخ ..... وعقد على منفعة في الذمة في شيء معين ، أو موصوف كخياطة ، ويشترط ضبطه بما لا يختلف .... )[54] .
  وقد فصل المنهاجي الأسيوطي الشافعي تفصيلاً جيداً ، ورتب له صورة عقد حسب ما كان الشائع في عصره ، فقال : ( ويشترط في الإجارة في الذمة تسليم الأجرة في المجلس ، كتسليم رأس مال السلم في المجلس ، وفي إجارة العين لا يشترط ، ويجوز في الأجرة التعجيل والتأجيل إن كانت في الذمة )[55] .
  وقال : ( وفي الإجارة في الذمة لا بدّ من ذكر الجنس والنوع ، والذكورة والأنوثة ، وتبيين قدر السير في كل يوم ........ ولا يشترط معرفة جنس الدابة وصفتها ، إن كانت الإجارة في الذمة ، إلاّ إذا كان المحمول زجاجاً ونحوه ، ولا يجوز الاستئجار للعبادات التي لا تنعقد إلاّ بالنية ، ويستثنى الحج وتفرقة الزكاة ، وكذا الجهاد ، ويجوز لتجهيز الميت ودفنه ، وتعليم القرآن )[56] .
  ثم ذكر التفاصيل الجيدة فقال : ( وفي إجارة الذمة لا تنفسخ بالتلف ، ولا يثبت فيها الخيار بالعيب ، ولكن على المكري الابدال ...... )[57] .
صورة الإجارة الموصوفة في الذمة :
 ثم ذكر صورة الإجارة الواردة على الذمة بتأجيل المنفعة وتعجيل الأجرة :  ( وصورة الاجارة الواردة على الذمة بتأجيل المنفعة وتعجيل الاجرة: استأجر فلان من فلان.فأجره نفسه على أن يحمل المستأجر المذكور وزوجته فلانة في زوج محاير عجمي ملبد مغطى بثوب جوخ - ويصف ما يحمله لهما من الاحمال والحوائج خاناه والمواهي والزوامل، وما فيها من القماش والاثاث والزاد والماء، ويضبط كل شئ منها بالوزن، ويذكر الخيمة وآلة الطبخ والكراريز، والدست والصاغرة، والمنصب الحديد والتعاليق، وما فيها من الادهان.وقماش البدن، وما يقيهما من الحر والبرد. ويستوفي الكلام في ذكر ما يحتاج إليه الحاج - ثم يقول: من مدينة كذا، إلى مدينة كذا، ثم إلى مكة المشرفة، ثم إلى عرفات، ثم إلى منى، ثم إلى مكة المشرفة، ثم إلى المدينة الشريفة النبوية، على الحال بها أفضل الصلاة والسلام، ثم إلى الينبوع، ثم إلى العقبة، ثم إلى القاهرة المحروسة، على جمال يقيمها من ماله وصلب حاله، صحبة الركب الشريف السلطاني الشامي - أو المصري، أو الحلبي، أو الكوفي، أو الغزاوي - ذهابا وإيابا، وعلى أن يحمل له في الرجعة من التمر والجوز والشاشات، والازر البيارم، والانطاع والجلود الطائفي وغير ذلك من أنواع الهدية المعتادة كذا وكذا - ويضبط كل نوع منها بتقدير وزن معلوم - إجارة صحيحة شرعية بأجرة مبلغها كذا على حكم الحلول، دفعها المستأجر المذكور إلى المؤجر المذكور بحضرة شهوده. فقبضها منه قبضا شرعيا. وهذه الاجرة يجوز تعجيلها وتأجيلها. ولا بد فيها من اعتراف المؤجر بمعرفة ما عاقد عليه المعرفة الشرعية النافية للجهالة. ثم يقول: وعليه الشروع في السفر من استقبال كذا صحبة الركب الشريف المشار إليه مصحوبا بالسلامة.ويكمل على نحو ما سبق)[58] .
  ويقول الأسيوطي : ( الإجارة الواردة على الذمة لا يجوز فيها تأجيل الأجرة ، ولا الاستبدال عنها ، ولا الحوالة بها ، ولا الحوالة عليها ، ولا الابراء ، بل يجب التسليم في المجلس ... ، والأولى أن يورد الإجارة على الذمة في البناء والخياطة ، وتعليم الخط والقراءة والحج ، ويكتب : الزم فلان ذمته أن يخيط لفلان كذا .... )[59] .

شروط الإجارة الموصوفة في الذمة :
بالاضافة إلى الشروط العامة للإجارة ، هناك شروط للإجارة الموصوفة في الذمة ، وهي:

1-       ذكر الأوصاف التي يتم بها ضبط المنفعة ، وبعبارة الفقهاء استيفاء صفات السلم بحيث ينتفى معها الغرر والجهالة .
2-   أن يتم تسليم الأجرة في المجلس إن تم العقد بلفظ السلم ، أما إذا تم بلفظ الإجارة أو نحوها فلا يشترط على وجه للشافعية[60] ، ووجه راجح  للحنابلة[61] ، وقد ذكرنا ما نص العمراني الشافعي عليه ، وجاء في المنهاج مع شرح المحلى للنووي : ( ويشترط في إجارة الذمة تسليم الأجرة في المجلس كرأس مال السلم ، لأنها سلم في المنافع ..... ، ويجوز في الإجارة التعجيل والتأجيل إن كانت في الذمة )[62] حيث يفهم من هذا النص أن الإجارة إن كانت بلفظ السلم فيجب تعجيل الثمن في مجلس العقد ، وإن كانت بلفظ الإجارة فلا يجب ذلك ، ومثل ذلك نجده في المذهب الحنبلي ، حيث جاء في شرح منتهى الارادات : (وشرط استقصاء صفات السلم في موصوفة بذمة ، لاختلاف الأغراض باختلاف الصفات ... وإن جرت إجارة موصوفة في الذمة بلفظ " سلم كأسلمتك هذا الدينار في منفعة عبد صفته كذا وكذا لبناء حائط مثلاً وقبل المؤجر اعتبر قبض أجرة بمجلس عقد لئلا يصير بيع دين بدين واعتبر تأجيل نفع إلى أجل معلوم كالسلم ، فدل على أن السلم يكون في المنافع كالأعيان ، فإن لم تكن بلفظ سلم ولا سلف لم يعتبر ذلك ...)[63] وجاء في الكافي : ( وإن شرطا تأجيلها ـ أي الأجرة ـ جاز إلاّ أن يكون العقد على منفعة في الذمة ، ففيه وجهان : أحدهما يجوز لأنه عوض في الإجارة ، فجاز تأجيله ، كما لو كان على عين .... ، والثاني : لا يجوز ، لأنه عقد على ما في الذمة فلم يجز تأجيل عوضه كالسلم )[64] .
3-       أن تحدد المنفعة المراد تقديمها إلى الطرف الآخر بمدة معلومة مثل الشهر ، أو السنة ، أو ثلاثين يوماً [65].
ومن الحنابلة فصل الشويكي (ت929هـ) في الإجارة الموصوفة في الذمة ، فقال : (والضرب الثاني : عقد على منفعة في الذمة :
1.     مضبوطة بما لا يختلف ، كسَلَم .
2.     ويلزمه الشروع عقب العقد ، ولا يكون الأجير فيها إلاّ آدمياً ، ويسمى مشتركاً .
3.     ولا يصح جمعه بين عمل ومدة ، كقوله : استأجرتك اليوم لعمل معلوم )[66] .
وقال : ( ومن استؤجر لعمل شيء في الذمة ، ولم تشترط عليه مباشرة بنفسه ، فمرض ، أقيم مقامه / من يعمله ، والأجرة عليه ، إلاّ ما يختلف فيه القصد ، كنسخ ونحوه فلا ، وإن كانت الإجارة على عينه في مدة أو غيرها ، او شرط عليه مباشرته فيه بنفسه ، لم يقم غيره مقامه ، وإن وجد العين معيبة ، أو حدث بها عيب يظهر به تفاوت الأجرة ، فله الفسخ إن لم يزل بلا ضرر يلحقه والامضاء مجاناً ) ، وقال أيضاً : ( وإن عقد على موصوف ، ذَكَر نوعه وكبره وصغره ) ، وقال : ( وتجب أجرة بنفس عقد ، سواء كانت إجارة عين او ذمة ، وستحتق كاملة بتسليم عين لمستأجر أو بذلها له ، وبفراغ عمل بيد مستأجر ، وبدفعه إليه بعد عمله ، وتستقر بمضي المدة وبفراغ العمل ، إلاّ أن يتفقا على تأخير تسليمها )[67] .

تأجير المنفعة المؤجرة إلى الغير بعد تسلمها :

  وعلى الرغم من أن الإجارة الموصوفة في الذمة لا تنفسخ بتلف العين المؤجرة المسلمة إلى المستأجر ، فإن المستأجر يحق له تأجير العين المسلمة إليه بناءً على ثبوت ملكية الاختصاص له ، يقول الإمام النووي : ( وإن كانت الإجارة على الذمة ، وسلم دابة وتلفت لم ينفسخ العقد وإن وجد بها عيباً لم يكن له الخيار في فسخ العقد ولكن على المؤجر إبدالها ثم الدابة المسلمة عن الإجارة في الذمة وإن لم ينفسخ العقد بتلفها فإنه ثبت للمستأجر فيها حق الاختصاص حتى يجوز له إجارتها ولو أراد المؤجر إبدالها فهل له ذلك دون إذن المستأجر وجهان أصحهما عند الجمهور المنع لما فيها من حق المستأجر والثاني قاله أبو محمد واختاره الغزالي إن اعتمد باللفظ الدابة بأن قال أجرتك دابة صفتها كذا لم يجز الإبدال وإن لم يعتمدها بل قال التزمت إركابك دابة صفتها كذا جاز‏.‏ ويتفرع على الوجهين ما إذا أفلس المؤجر بعد تعيين عن إجارة الذمة هل يتقدم المستأجر بمنفعتها على الغرماء وقد ذكرناه في التفليس والأصح التقدم‏.‏ ولو أراد المستأجر أن يعتاض عن حقه في إجارة الذمة فإن كان قبل أن يتسلم دابة لم يجز لأنه اعتياض عن المسلم فيه وإن كان بعد التسليم جاز لأن هذا الاعتياض عن حق في عين هكذا قاله الأئمة‏. وفيه دليل على أن القبض يفيد تعلق حق المستأجر بالعين ، فيمتنع الابدال دون رضاه )[68] .

الفروق الجوهرية بين الإجارة المعينة في المنافع ، والموصوفة في الذمة :
  من خلال النصوص التي ذكرناها يتبين لنا الفروق الآتية بين الإجارة المعينة ، والإجارة الموصوفة في الذمة :
1-   إن الإجارة الموصوفة تقع على منفعة (خدمة) موصوفة في الذمة دون تحديد الشخص الذي يقدمها بعينه ، في حين أن الإجارة المعينة تقع على منفعة محددة لشخص معين .
2-   إذا مات الأجير الطبيعي ، فإن الإجارة المعينة تنفسخ مطلقاً سواء كان بعد الانتفاع ببعض خدماته أم قبله ، وأما الإجارة الموصوفة في الذمة فلا تنفسخ بموته ، بل على المؤجر أن يقدم الخدمة الموصوفة من خلال شخص آخر .
وإذا تعيب الأجير فإن للمستأجر الحق في فسخ العقد في الإجارة المعينة ، وحق الاستبدال في الإجارة الموصوفة في الذمة .
وإذا كان الأجير شخصاً معنوياً مثل المستشفى ، أو الجامعة ، أو الطيران ، فإن الحكم السابق المفصل يطبق عليه في حالة الهلاك ، او عدم القدرة ، وفي حالة التعيب والنقص .
3-   إن خيار العيب ثابت في الإجارة المعينة ، وغير وارد في الإجارة الموصوفة في الذمة لأن المنفعة تستبدل عند العيب ، لأنها ليست معينة .
4-   وجوب تقديم المنفعة ( الخدمة) الموصوفة في الذمة بالشكل الذي يتمكن المستأ<ر من الاستفادة منها ، وهذا يستلزم تقديم التوابع الضرورية ، والحاجية التي لا يمكن الانتفاع بالمنفعة إلاّ بعد تحققها ، في حين أن الإجارة المعينة لا تستدعي ذلك إلاّ إذا اشترط .
5-   إن الإجارة الموصوفة في الذمة يجوز فيها تأجيلها إلى المستقبل وهو الغالب ( أي الإضافة إلى المستقبل ) في حين أن الإجارة المعينة لا تجوز فيها الاضافة إلى المستقبل ، وهذا عند الشافعية ، أما غيرهم فقد أجازوها .
6-   لا يشترط في الإجارة الموصوفة في الذمة وجو الخدمة الموصوفة في الذمة وقت العقد ، ولا وجود الشخص المقدم للخدمة ، حيث تستطيع المؤسسة المالية تقيدمها حسب المواصفات ، في حين أن الإجارة المعينة لا بدّ من وجود الشخص الذي يقدم الخدمة أثناء العقد [69].


التقسيم الثالث باعتبار صيغتها : حيث تقسم الإجارة بهذا الاعتبار إلى إجارة منجزة ، وإجارة مضافة إلى زمن مستقبل ، وإضافة معلقة :
النوع الأول : الإجارة المنجزة : هي التي يعبر فيها بصيغة دالة على إنجاز العقد دون تعليق ولا تأقيت ، مثل أن يقول : أجرتك لمدة عام بمبلغ كذا ، حيث تبدأ الإجارة من وقت العقد .
  وهذا هو الأصل ، إذا لم يوجد في العقد ما يصرف الصيغة عن التنجيز ، أو لم ينص على بداية العقد ، فإن الإجارة تكون منجزة ، فتبدأ من وقت العقد[70] .
النوع الثاني : الإجارة المضافة إلى زمن مستقبل ، مثل أن يقول : أجرتك لمدة عام بدءاً من شهر كذا ، أو أجرتك من يوم كذا إلى كذا ، وذلك بأن يتم التعاقد ، ولكن يؤخر البدء بالإجارة إلى زمن لاحق ، وهكذا .
  والإضافة في الإجارة صحيحة بالاجماع في الإجارة الواردة في الذمة ، أما الواردة على الأعيان المعينة فجماهير الفقهاء على صحة الإضافة فيها إلى مستقبل ، وخالفهم أكثرية الشافعية  إلاّ في بعض صور مستثناة أجازوا فيها الإضافة مثل أن تكون المدة يسيرة ، أو الاستعداد قائماً ، أو نحو ذلك[71] ، لكن الشيخين ( الرافعي والنووي ) قالا : ان التفرقة بين إجارة الذمة ، وإجارة العين لفظية في هذا النطاق لأن كلتيهما واردة على العين أي على منفعتها[72] .
  وذهب محمد بن الحسن الشيباني في إحدى الروايتين عنه إلى أن الإجارة إذا أضيفت إلى زمن زالت عنها صفة اللزوم ، وأصبحت غير لازمة بحيث يجوز لأحد الطرفين فسخها قبل حلول بدء مدتها[73] .
    والراجح جواز إضافة الإجارة إلى المستقبل ، حيث ترجم البخاري باباً لهذا سماه : باب إذا استأجر أجيراً ليعمل له بعد ثلاثة أيام ، أو بعد شهر ، أو بعد سنة جاز ، وهما على شرطهما الذي اشترطاه إذا جاء الأجل ، ثم أورد حديث عائشة رضي الله عنها قالت : (واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوبكر رجلاً من بني الدّيل هادياً خريتاً وهو على دين كفار قريش ، فدفعا إله راحلتيهما ، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال ، فأتاها براحلتيهما صبح ثلاث)[74] قال الحافظ ابن حجر : (والذي ترجم به هو ظاهر القصة ، ومن قال ببطلان الإجارة إذا لم يشرع في العمل من حين الإجارة هو المحتاج إلى دليل .....واستنبط من هذه القصة جواز إجارة الدار مدة معلومة قبل مجيء أول المدة)[75].
 أما تعليق الإجارة على حدوث أمر في المستقبل فلم يجزه الجمهور لكن الحنفية والحنابلة في رواية أجازوا ما هو على صورة التعليق مثل لو قال لخياط : (إن خطت هذا الثوب اليوم فبدرهم ، أو غداً فبنصف درهم)[76]
4. محل العقد أو المعقود عليه هو الأجرة والمنفعة ، وليس أصل العين ، وقد أولى العلماء عناية كبيرة ببيان أحكام الأجرة ، والمنفعة ، نذكر أهمها بإيجاز .

النوع الثالث : تعليق الإجارة : إذا قصد بالتعليق تعليق عقد الإجارة على تحقق شيء مثل أن يقول : إن جاء فلان فقد أجرتك ، فهذا التعليق غير جائز في عقد الإجارة باتفاق الفقهاء[77] ، وذلك لأنه يؤدي إلى وجود احتمال وغرر في تحقق العقد نفسه ، وهذا غير جائز في الإجارة قياساً على البيع في كونهما من عقود المعاوضات اللازمة ، وأنهما من عقود التمليكات ، بل جماعة من العلماء إلى ادخال الإجارة في البيع ، لأنها في حقيقتها بيع منفعة.
  وأما إذا كان التعليق لا يؤثر في العقد من حيث الاحتمال وإنما الاحتمال يكون في تحديد الزمن والثمن ، بأن يقول : إن خطت هذا الثوب اليوم فبدرهم ، أو غداً فبنصف درهم ، فهذا جائزعند جمهور الفقهاء[78] ، لأن هذه الصيغة تدل على إنشاء العقد وتحقيقه ، وليس فيها دلالة على احتمالية العقد من حيث هو ، وإنما الاحتمال في الثمن والمدة ، إضافة إلى أن مثل هذا قد جرى به العرف ، وليس فيه جهالة مؤثرة ، لذلك فلا حرج فيه .
 ↚

أركان عقد الإجارة على الأشخاص وشروطها :

  أركان عقد الإجارة على الأشخاص هي العاقدان ، ـ أي : الأجير والمستأجر ، والصيغة ، أي : الايجاب والقبول ، والمعقود عليه وهو الأجر ، والعمل أي المنفعة ـ ونحن هنا نذكر هذه الأركان بشيء من الشرح والتفصيل ، وبخاصة فيما يتعلق بالمعقود عليه :
الركن الأول : العاقدان وهما : الأجير والمستأجر ، وقد يكون كل واحد منهما فرداً ، أو جماعة[79] وقد يكون شخصاً طبيعياً ، أو شخصاً معنوياً ـ كما سبق ـ ، شروطهما :
أ ـ العقل : يشترط في الأجير والمستأجر أن يكونا عاقلين ، فلا تصح عقود المجنون ، والصبي غير المميز ، ومن زال عقله ولو لفترة قصيرة ما دام العقد يجري في هذه الفترة ، وقد جرى خلاف في عقود السكران ، والراجح الظاهر هو أنها إذا كانت في حالة السكر التام فإنها غير صحيحة[80] .
 وكذلك يجب أن تكون إرادة العاقدين لا يشوبها عيب من عيوبها من الاكراه ، والتدليس ، والغلط على تفصيل[81] .
ب ـ التمييز : واكتفى جمهور الفقهاء الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة ، بأهلية الأداء الناقصة ، وبالتالي أجازوا إجارة الصبي المميز نفسه إن كان مأذوناً من وليه ، وإن لم يكن مأذوناً فيصح العقد موقوفاً على الإجازة عند الحنفية ، والراجح عند المالكية ، وأحمد في رواية ، في حين ذهب المالكية في القول المرجوح ، وأحمد في رواية إلى عدم صحة العقد وانعقاده ، لأن الولاية شرط عندهم لصحة العقد ، وهذا يدخل في موضوع عقود الفضولي[82]
وذهب الشافعية والظاهرية إلى عدم صحة عقود الصبي ولو كان مميزاً [83].

مدى بقاء العقد لازماً  ؟
  وإذا كان تأجير الصبي المميز نفسه محل خلاف بين الفقهاء فإنهم اتفقوا على جواز قيام وليه بتأجيره إن كانت فيه مصلحة ، ولم توجد مفسدة ، ولكنهم اختلفوا في لزوم هذا العقد إذا بلغ الصبي قبل انتهاء مدة العقد ؟
  فذهب الشافعية في قول ، والحنابلة على المذهب إلى بقاء العقد ولزومه إلى نهايته ، وبالتالي فلا يكون مخيراً في الفسخ وعدمه ، لأن العقد تم بإرادة شرعية صحيحة ، فتبقى على حالتها[84] .
  وذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في قول ، والحنابلة في رواية إلى أن العقد يصبح غير لازم ، ويكون الصبي بعد بلوغه مخيراً ، لأن في استبقاء العقد إضراراً به ، لأنه بعد البلوغ تلحقه الأنفة من خدمة الناس ، ولأن المنافع تحدث شيئاً فشيئاً ، وعقد الإجارة وارد على هذه المنافع المتجددة الحادثة فكان له خيار الفسخ[85] .
  وذهب الشافعية على القول الأصح ، والحنابلة في رواية ثالثة إلى التفرقة بين مدة حددها الولي وكان يعرف أنه يبلغ قبل انتهائها ، حيث يكون للصبي البالغ الخيار ، وبين مدة لم يكن متوقعاً بلوغه فيها ، ولكنه بلغ ، وحينئذ يظل العقد لازماً إلى نهاية المدة[86] .
 وقد أوضح النووي مذهب الشافعي ، فقال : ( للولي إجارة الطفل وماله ، أبا كان أو وصياً أو قيّماً ، إذا رأى المصلحة فيها ، لكن لا يجاوز مدة بلوغه بالسن ، فلو أجره مدة يبلغ في اثنائها ، بأن كان ابن سبع سنين ، فأجره عشر سنين ، فطريقان ، قال الجمهور : يبطل فيما يزيد على مدة البلوغ ، وفيما لا يزيد قولاً تفريق الصفقة ، والثاني : القطع بالبطلان في الجميع ، وهو الأصح عند البغوي ،،،، قلت : واختاره أيضاً ابن الصباغ والله أعلم ...
  ويجوز أن يؤجره مدة لا يبلغ فيها بالسن وان احتمل بلوغه بالاحتلام ، لأن الأصل بقاء الصبّا ، فلو اتفق الاحتلام في أثنائها ، فوجهان ، أصحهما عند صاحب ( المهذب ) والروياني : بقاء الإجارة ، وأصحهما عند الإمام والمتولي : لا تبقى ... قلت : صحح الرافعي في ( المحرر ) الثاني .. والله أعلم )[87] .
  ويظهر رجحان القول الأخير ، لأنه أعدل الآراء ، وذلك لأن تحويل العقد اللازم إلى عقد غير لازم بالاطلاق الذي قاله أصحاب القول الثاني ليس له ما يبرره ، فالعقد تم بإرادة الوليّ الذي له الولاية الشرعية ، كما أن الأصل في العقود اللازمة بقاؤها على حالتها ، لأنه قد يترتب على إعطاء الحق للصبي البالغ إضرار بالطرف الآخر .
  ومن حانب آخر فإن بقاء القعد لازماً لمدة طويلة قد يريدها الولي يترتب عليه إضرار بالصبي ، لذلك فيكون الأقرب إلى القسط والعدالة ، والتوازن هو الرأي الثالث .

المحجور عليه لسفه أو دين :
  واتفق الفقهاء على أن الحجر لسفه ، أو لدين لا يمنع الشخص من تأجير نفسه لغيره إجارة خاصة ، او مشتركة ، لأن في ذلك مصلحة ، ولا تترتب مفسدة بالدائن أو بأموال الأجير نفسه ، بل إن في تأجير نفسه منفعة مادية للدائن أيضاً ، حيث يمكنه دفع جزء من الدين من الأجرة[88] .
  وأما إذا قام المحجور عليه بسبب الدين بتأجير أجير لخدمته فهذا يمنع منه إلاّ لحالة الضرورة ، أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة ، لأن في ذلك إضراراً بالدائن ، أما قيامه بالتأجير للخياطة والصناعة فيخضع لاذن القاضي ، إلاّ في الأمور البسيطة التي يقتضيها العرف .
  وأما المحجور عليه لسفه فيجوز تأجير خادم له بإذن وليه إذا كان له مال ، كما أن له الحق في التأجير فيما يحتاج من خياطة وصناعة ونحوهما .

إجارة المرأة :
  لا خلاف بين الفقهاء في جواز أن تكون المرأة مستأجرة ، كما لا خلاف في كونها أجيرة ، من حيث المبدأ ، وان كان هناك خلاف في بعض التفاصيل والضوابط ـ كما سيأتي ـ ويدل على جواز التأجير ـ من حيث المبدأ ـ الآيات التي تدل على استئجار المرأة للرضاعة ـ كما سبق ـ والأحاديث الدالة على عمل المرأة .

إجارة غير المسلم للمسلم وبالعكس :
   أجمع الفقهاء على جواز أن يستأجر المسلم غير المسلم ، حيث استأجر الرسول صلى الله عليه وسلم مشركاً ليكون دليلاً له في الهجرة ـ كما سبق ـ 
  وأجاز جمهور الفقهاء أن يؤجر المسلم نفسه ( سواء أكان أجيراً خاصاً أو مشتركاً ) لغير المسلم ما دام العمل الذي يقوم به جائزاً ، أما إذا كان العمل غير جائز كعصرالخمر ، أو حملها ، ورعي الخنازير فهذا غير جائز ، وان عقد على ذلك فإن الإجارة ترد وتفسخ إذا كانت قبل العمل ، ولكن ان بدأ بالعمل ، أو فرغ منه فإن الأجرة تؤخذ من الكافر ويتصدق بها ، ولا يستحلها لنفسه إلاّ انه يعذر بالجهل[89] .
  والشافعية والحنابلة منعوا أن يقوم المسلم بخدمة الكافر الخدمة الشخصية ، والحنفية كرهوا ذلك.
والجميع منعوا ذلك إن كان في الإجارة إذلال للمسلم أو استخدامه في المعصية[90] .

الركن الثاني : الصيغة ( الايجاب والقبول ) : وهي الوسيلة التي يعبر العاقدان بها عن إرادتهما ورضاهما ، ولذلك لا بدّ أن تكون صريحة واضحة بذاتها ، أو بالقرائن في الدلالة على التعبير عما هو مقصود ، وذلك يتم عن طريق الألفاظ الدالة على انشاء العقد وقبوله ، أو الكتابة أو المعاطاة ، أو الإشارة المفهمة ، أو السكوت في بعض العقود ، ويجوز أن يتم هذا التعبير عن الإرادة عن طريق الوسائل الحديثة كالتليفون ، والانترنيت ، ونحوها[91] وقد صدر قرار رقم 52(3/6) بجواز اجراء العقود بالآت الاتصال الحديثة[92].
ويشترط في الصيغة ( الايجاب والقبول ) ما يأتي :
1ـ تنجز الصيغة أي أن تكون الصيغة منجزة وهذا هو الأصل ، ولكن قد يجوز أن تكون معلقة ، أو مضافة حسب الضوابط السابقة .
2ـ موافقة القبول للايجاب في جميع جزئياته بأن يقبل ما أوجبه الطرف الأول ، وإلاّ فإن غير فيعتبر ايجاباً جديداً يحتاج إلى قبول الآخر ، فلو قال الأجير : أجرتك شهرياً بألف ، فقال المستأجر : قبلته بخمسمائة ، لم ينعقد العقد إلاّ إذا كان داخلاً في قوله وراضياً به بطريق أولى ، مثل أن يقول : أجرتك بألف فقال : قبلت بألف وخمسمائة أو نحو ذلك فهذا جائز ، لأن الألف داخل في الألف وخمسمائة ، ولأنه راض به بطريق أولى[93] .
3ـ اتصال القبول بالابجاب في مجلس العقد ، لأنه جامع المتفرعات إذا كانا حاضرين ، أو في مجلس العلم إن كانا غائبين ، وهناك تفاصيل حول هذه المسألة تذكر في نظرية العقد[94] .
  والإجارة تنعقد بالكتابة ، وبإشارة المعذور كما تنعقد باللفظ الدال على المطلوب ، وكذلك تنعقد بالبذل والمعاطاة كالركوب في باخرة المسافرين ، وسيارات الأجرة دون تلفظ من أحد العاقدين ، فإن كانت الأجرة معلومة أعطيت ، وإلاّ فأجرة المثل[95] .
 وكذلك تنعقد بالسكوت كأن يقول المؤجر : أجرتك داري بمائة فسكت المستأجر سكوتاً يفهم منه الموافقة أو قال : لا بل بثمانين ديناراً فسكت المؤجر تم العقد[96] .
  وتنعقد كذلك إجارة الفضولي عند من يجيز عقوده موقوفة على إجازة من بيده حق التصرف[97] .

الركن الثالث : المعقود عليه :
  ورد عن بعض فقهاء الشافعية أن محل الإجارة : الأعيان المعينة ، أو الموصوفة في الذمة أو الأشخاص[98] ، وذلك لبيان مرجع المنفعة وإلاّ فإن الإجارة لا تقع إلاّ على المنفعة ، فهذه هدفها الأساسي ومقصدها الأصلي ، ولكن بما أن هذه المنفعة لا بدّ لها من محل يتعلق به من عين معينة ، أو موصوفة في الذمة ، أو الشخص فقد يعبر عنها بمحلها ومتعلقها ، ولذلك فما يقال من أن محل الإجارة على الأشخاص العمل لا يتعارض مع ما ذكرنا ، لأن العمل أيضاً هو المنفعة والأثر الناتج عن الشخص ، ومن هنا فالمنفعة والأجرة هما طرفا المعقود عليه ، جاء في حاشية القليوبي تعليقاً على قول النووي : واردة على عين : أي على منفعة متعلقة بعين ، كما ذكره بعده فمورد الإجارة المنفعة مطلقاً ، وقيل : موردها في المعين : العين ، قال الشيخان : ( والخلاف لفظي ...)[99]
ونحن هنا نتحدث بايجاز عما يتعلق بالأجرة والمنفعة من حيث الشروط وغيرها في مبحثين :

المبحث الأول : الأجرة :
 القاعدة العامة هنا هي : أن كل ما صح أن يكون ثمناً في البيع صح أن يكون أجرة في الإجارات[100] سواء كان نقداً (دراهم ، ودنانير) ، او عيناً ، او منفعة ، او خدمة ، ولذلك اشترط الجمهور في الأجرة ما اشترط في الثمن[101].
 قال الرافعي والنووي :  (يجوز أن تكون الأجرة منفعة سواء اتفق الجنس كما إذا أجر داراً بمنفعة ، او اختلف بأن أجرها بمنفعة شخص ، ولا ربا في المنافع أصلاً حتى لو أجرها بمنفعة شخص ، ولا ربا في المنافع أصلاً حتى لو أجر داراً بمنفعة دارين ، او أجر حلي بذهب جاز ، ولا يشترط القبض في المجلس)[102] ، منع الحنفية أن تكون الأجرة منافع[103].

الأجرة بجزء شائع من الإنتاج أو من الشيء نفسه :
 وقد أجاز المالكية في أحد قوليهم ، وجمهور فقهاء الحنابلة ، وبعض مشايخ بلخ من الحنفية[104] أن تكون الأجرة من نفس الشيء الذي يعمل فيه الأجير مثل أن يستأجره لطحن إردب بدرهم وقفيز من دقيقه ، ولعصر زيتون بنصف الناتج ، لأنهما لا يختلفان بعد العصر ، ولجواز بيع نصفها كذلك ، فإن كان يختلف امتنع ، قال القرافي : (وتمتنع الإجارة على سلخ الشاة بشيء من لحمها لأنه مجهول قبل السلخ...) وعن أبي الحسن : إذا دبغ جلوداً بنصفها قبل الدباغ على أن يدفعها كلها ، فإن فاتت بالدباغ فعلى الدباغ قيمتها يوم قبضها ، وله أجرة المثل في النصف الآخر لحصول العمل ، وإن دبغها بنصفها بعد الدباغ فدبغت فهي كلها لربها ، لفساد العقد بسبب الجهالة بحال المدبوغ ، وللدباغ أجرة مثله ....... .
 ويجوز على قول أشهب الإجارة على الذبح ، او السلخ برطل لحم ، لأنه يجوز بيع ذلك اعتماداً على الجنس[105] .
  وأجاز الظاهرية ذلك مطلقاً وأنسده إلى ابن أبي ليلى ، والأوزاعي والليث ، وابن سيرين ، وعطاء ، والزهري[106] ، وقال ابن العربي : ( إن معمر بن الأشد أجاز الاجارة على الغنم بالثلث ، والربه ، وقال ابن سيرين والزهري وعطاء وقتادة ، نسيج الثوب بنصيب منه ، وبه قال أحمد بن حنبل )[107].
  وذهب جمهور فقهاء الحنفية ، والشافعية ، والمالكية في قولهم الثاني إلى عدم صحة هذه الإجازة ، لوجود الغرر فيها ، لأنه لا يعلم مقدار الخارج ، ولا صفته[108] .
  والراجح هو القول الأول لأن الجهالة فيه يسيرة لا تؤدي إلى نزاع ، وذلك لأنها تؤول إلى العلم .

الأجرة بنسبة من رأس المال :
  وبناء على القول السابق فلا مانع من أن تكون الأجرة نسبة من رأس المال مثل 2% ، وذلك بطريق أولى ، لأنها معلومة ولا جهالة فيها .

استئجار الأجير بطعامه وكسوته :
  أجز جماعة من الفقهاء منهم المالكية ، وأحمد في رواية استئجار الأجير بطعامه وكسوته ، وكذلك الظئر ـ المرضعة ـ وذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية حصر ذلك في الظئر في حين ذهب الشافعية ، والصاحبان ، وأحمد في رواية إلى المنع مطلقاً[109] .



أنواع الأجرة :
  اتفق الفقهاء على أن الأجرة قد تكون نقداً ، ومبلغاً من النقود من أي نقد كان ، وقد تكون عيناً من الأعيان ، وقد تكون منفعة من المنافع ، ولكنهم اختلفوا في بعض التفاصيل التي لا يسع المجال الخوض فيها ، وإنما نذكر بعض القضايا ، والمصطلحات الجديدة في هذا المجال ، وذلك مثل إعطاء العامل حصة من الأرباح من خلال إعطائه راتب شهر أو شهرين تحفيزاً له ، ومثل المنحة التي تصرف له في مناسبات عدة ومثل مكافأة الانتاج تقديراً لكفاءته في أدائه العمل أو قدرته في زيادة الإنتاج ، وكذلك ما يسمى بالعمولة التي تعطى للمندوبين ، والممثلين التجاريين ، وكذلك العلاوات ، والأجر الاضافي والاكرامية ، كل ذلك يعتبر من الأجرة في الفقه الإسلامي[110] .

تعليق الإجارة على أحد الأمرين ، أو النسبة :
 وأجاز بعض الحنفية بعض صورها مثل أن يدفع إلى الحائك غزلاً ينسجه بالنصف حيث أجازه مشايخ بلخ[111] وتوسع الحنابلة في ذلك إذا كان بجزء شائع[112] ومنعه الشافعية وجمهور الحنفية[113] .
 ومنع المالكية أن تكون الأجرة مترددة بين أمرين بأن يقول إن خطته اليوم فبدرهم ، او غداً فبنصف درهم ، أو خياطة رومية فبدرهم ، او عربية فبنصف درهم ، لأنه كبيعتين في بيعة ، فإن خاط فله أجرة مثله لفساد العقد ، وقيد بعضهم بأن لا تزيد على المسمى ، وعن مالك في أجراء يخيطون مشاهرة فيدفع لأحدهم الثوب على إن خاطه اليوم فله بقية يومه ، وإلاّ فعليه تمامه في يوم آخر ، ولا يحسب له في الشهر : يجوز في اليسير الذي لو اجتهد فيه لأتممه ، ويمتنع في الكثير ، ولو استأجره على تبليغ كتابه إلى بلده ثم قال بعد الإجارة : إن بلغته في يوم كذا فلك زيادة كذا ، فكرهه ، واستحسنه في الخياطة بعد العقد ، قال ابن مسعدة : هما سواء ، وقد أجازهما سحنون وكرههما غيره .
 وأما الحنفية فلديهم خلاف وتفصيل في هذه المسألة ، حيث ذهب أو حنيفة رحمه الله إلى أن الشرط الأول (اليوم) صحيح ، والثاني (غداً) فاسد حتى لو خاطه اليوم فله درهم ، وإن خاطه غداً فله مثل أجره ، وقال أبو يوسف : الشرطان جائزان ، وقال زفر : الشرطان باطلان[114] .   
إذن ففي المسألة أربعة مذاهب :
المذهب الأول / العقد فاسد ، والشرط باطل وهو رأي المالكية ـ على التفصيل السابق ـ والشافعية ، وزفر[115] .
المذهب الثاني / العقد صحيح ، والشرطان صحيحان ، وهو رأي الصاحبين وأحمد في رواية[116] .
المذهب الثالث / الشرط الأول صحيح ، والثاني فاسد ، وله أجر مثله ، وهو رأي أبي حنيفة ف يظاهر الرواية[117] .
المذهب الرابع / مثل الرأي الثالث ، ولكن في اليوم الثاني له أجر مثله لا يزداد على نصف درهم ، وهو إحدى روايتي ابن سماعة في نوادره ، عن أبي يوسف ، وأبي حنيفة[118].
 وحجة القائلين بفساد العقد تكمن في أن ذلك يدخل في اجتماع شرطين في العقد ، او صفقتين في صفقة واحدة ، وهذا منهي عنه .
 ولكن التحقيق أن المراد بهما هو إجتماع السلف مع البيع أو الإجارة[119] .
 وأما حجة القائلين بالجواز هو أن هذا الشرط ، أو الشرطين ليس فيه ، او فيهما مخالفة لنص من الكتاب والسنة ، ولا لمقتضى العقد ، ولا يؤدي ذلك إلى غرر ، وجهالة تؤدي إلى نزاع ، لذلك فالأرجح هو المذهب الثاني ، لما ذكرنا ، ولأن الأصل في الشروط الصحة إلاّ دل دليل على فسادها ، ولا دليل هنا على ذلك ، بل يحقق غرضاً مشروعاً ، وقد ذكر الكاساني أن العاقد سمي في اليوم الأول عملاً معلوماً ، وبدلاً معلوماً ، وكذلك في اليوم الثاني ، فلا معنى إذن لفساد الشرط فضلاً عن فساد العقد[120] ، ولأنه سمى لكل عمل عوضاً معلوماً كما لو قال كل دلو بثمر ، إضافة إلى أن التعجيل والتأخير مقصودان فينزل منزلة اختلاف النوعين[121] .
 وأجاز مالك أن تكون الأجرة الكسوة بأن يستأجره على أن يكسوه أجلاً معلوماً ، وبالمقايضة بأن يدفع خمسين جلداً على أن تدبغ خمسين أخرى مثلاً ، ولم يجيزوا الكراء بمثل ما يتكارى الناس للجهالة ، ولا إكراء الدابة بنصف الكراء ، وإذا عمل فله أجرة مثله ، وأجزه يحيى بن سعيد وكذلك أجاز أن يقول : احتطب على الدابة ، ولي نصف الحطب ، أولي نقلة ، ولك نقلة (والأخيرة أجازها الجميع لأن مقدار النقلة معلوم عادة ، ومقدار الحطب يختلف) ، وجوز ابن القاسم : اعمل عليها اليوم لي ، وغداً لك ، وأجاز أشهب : احمل طعاماً إلى موضع كذا ولك نصفه ، وأجازوا كذلك أن تختلف الأجرة من شهر أو يوم إلى آخر بأن تكون أجرته في الشهر الأول خمسة ، وفي الثاني ستة أو بالعكس[122].

عدم تسمية الأجرة ثم التراضي ، أو عدم تحديد  الخدمة :
 أجاز مالك في رواية لابن يونس عنه عدم ذكر الأجرة في العقد ، ثم إرضاء الأجير[123] ، وهذا مبني على العرف ، وعلى أن الأساس هو التراضي كما استند على قصة موسى حيث لم تحدد الخدمة حيث قال تعالى : )عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي)[124] قال ابن العربي : قال مالك : ( إنه ـ أي ذكر الخدمة ـ مطلقاً دون تحديدها جائز ، وتحمل على العرف.... ودليلنا أنه معلوم ، لأنه استحقاق لمنافعه فيما يصرف فيه مثله ، والعرف يشهد لذلك ويقضي به ، فيحمل عليه ، ويعضد هذا بظاهر قصة موسى ، فإنه ذكر إجارة مطلقة ، على أن أهل التفسير ذكروا أنه عيّن له رعية الغنم ، ولم يرووا ذلك من طريق صحيحة ، ولكن قالوا : إن صالح مدين لم يكن له عمل إلاّ رعية الغنم ، فكان ما علم من حاله قائماً مقام تعيين الخدمة فيه ، وعلى كلا الوجهين فإن المسالة لنا ، فإن المخالف يرى أن ما علم من الحال لا يكفي في حصة الإجارة حتى يسمى... وعندنا أنه يكفي ما علم من الحال ، وما قام من دليل العرف ، فلا يحتاج إلى التسمية في الخدمة ، والعرف عندنا أصل من أصول الملة ، ودليل من جملة الأدلة ، وقد مهدناه قبل ، وفي موضعه من الأصول ........... وقال : قال علماؤنا : إن كان أجره على رعاية الغنم فالإجارة على رعاية الغنم على ثلاثة أقسام : إما أن تكون مطلقة أو مسماة بعدة ، أو معينة ، فإن كانت مطلقة جازت عند علماؤنا ، وقال أبو حنيفة والشافعي : إنها لا تجوز لجهالتها ، وعوّل علماؤنا على العرف ، وأنه يعطى على قدر ما تحتمل قوته)[125]  .

المرونة في تحديد الأجرة [126]:
 وقد رأينا من خلال ما سبق أن هناك مرونة كبيرة في تحديد الأجرة أكثر من الثمن في البيع ، حيث رأينا جواز تعليق الأجرة وترديدها بين أمرين ، ورأينا في مذهب مالك عدم تسمية الأجرة في العقد ليكون دفعها خاضعاً للعرف وأجرة المثل ، وإرضاء الأجير ، كما أن الأجرة تؤول إلى أجرة المثل عند فساد العقد[127] .
 والخلاصة أن الشرط الأساسي في الأجرة هو أن تكون معلومة علماً يدرأ جهالة مؤدية إلى النزاع من خلال التعيين ، أو الوصف ببيان الجنس ، والنوع والقدر ، وذلك للأحاديث الواردة في نفي الغرر والجهالة[128] ولكن باب الإجارة في هذا المجال أوسع بكثير من باب البيع ، ففي قصة موسى عليه السلام كانت الأجرة التزويج ، ومناعه ، وهي غير محددة ، كما انها لم يفصح عنها.


الاعتماد على مؤشر معين في تحديد الأجرة :
 تعتمد المؤسسات المالية اليوم على عقود الإجارة في كثير من أنشطتها التجارية والتمويلية ، وقد تعترض طريقها مشكلة إبقاء الأجرة على حالتها إذا كانت الإجارة طويلة الأمد ، حيث تتغير الإجارات خلال فترة الإجارة ، ولذلك يثور هذا التساؤل حول مدى جواز الاتفاق بين المؤجر والمستأجر على تحديد مبلغ الأجرة بمؤشر معين مثل (لايبورLIBOR)[129] علماً بأن هذا المؤشر ليس ثابتاً ، وإنما هو متغير وبالتالي مجهول ؟
للجواب عن ذلك أنه يمكن حل ذلك من خلال الحلول الآتية : 
أولاً : الاتفاق على المدة المطلوبة (فلنفترض عشر سنوات) دون ذكر الأجرة في بداية العقد ، وتكون الأجرة حسبما يتفق عليه الطرفان ، بحيث تحدد عند بداية كل فترة ، وهذا يدخل فيما ذكرناه في مذهب مالك في رواية لابن يونس عنه حيث أجاز عدم ذكر الأجرة في العقد ، ثم إرضاء الأجير ـ كما سبق ـ .
ثانياً : الاعتماد على أجرة المثل ، واعتماد ذلك المؤشر بمثابة أجر المثل ، وهذا لا أرى فيه مانعاً شرعياً لما يأتي :
1.أن بعض الفقهاء منهم ابن تيمية أجازوا البيع والتأجير بسعر ما يبيعه الناس،او حسب سعر السوق ،بأن يتفق الطرفان على التأجير لمدة محددة،ويجعلان الأجر حسب أجر المثل الذي يحدد فيما بعد،وعلى ضوء ذلك يمكن اعتبار ذلك المؤشر أو نحوه بمثابة أجر المثل.
 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : (وقد تنازع الناس في جواز البيع بالسعر) ثم ذكر الإجارة بأجرة المثل ، ثم قال : (وفيه قولان في مذهب أحمد ، والأظهر في الدليل أن هذا جائز ، وانه ليس فيه حظر ، ولا غدر ، لأنه لو أبطل مثل هذا العقد لرددناهم إلى قيمة المثل فقيمة المثل التي تراضوا بها أولى من قيمة مثل لم يتراضيا بها ، والصواب في مثل هذا العقد أنه صحيح لازم ....، ومنهم من قال : إن ذلك (أي البيع بالسعر ، والإجارة بأجرة المثل) لا يلزم ، فإذا تراضيا به جاز ، والله أعلم)[130] .
 ومن جانب آخر أن الاعتبار بالمؤشر وإن كانت فيه جهالة في البداية ، ولكن هذه الجهالة مما تنتهي بالعلم عند الحاجة ، وبالتالي فلا تؤدي إلى النزاع الذي يجعل العقد فاسداً ، فالمؤشر يعلن عنه في كل يوم ، وهو معلوم في يومه لا يحيطه لبس ولا غموض ، ولا يشوبه غرر ولا جهالة عندما يعلن عنه ، لذلك فالاعتماد على لايبور أو نحوه كمؤشر فقط ولاحتساب الأجر جائز من حيث المبدأ ، , وإنما الاشكال في المعيار نفسه ، حيث يتمنى المسلم أن يكون للعقود الإسلامية ، او البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية مؤشر إسلامي معتمد عليه على الأقل في العالم الإسلامي .
 وهذا ما نتمناه ، بل بدأت الخطوات التنظيرية حتى العملية تخطو نحو تحقيق ذلك بإذن الله تعالى .
فتوى جماعية حول الاعتماد على المؤشر :
 وقد عرض الموضوع السابق على ندوة البركة الحادية عشرة للاقتصاد الإسلامي فأصدرت الفتوى الآتية : (يتحقق العلم بالأجرة في عقد الإجارة الواردة على الأشياء إذا تم الاتفاق على مدة معلومة موزعة على فترات ، مع تحديد مقدار الأجرة عن الفترة الأولى واعتماداً أجرة المثل عن بقية الفترات بشرط أن تكون أجرة المثل منضبطة أو مرتبطة بمعيار معلوم بحيث لا مجال فيه للنزاع ، وذلك بقصد استفادة المتعاقدين من تغير مستوى الأجرة مع استبقاء صفة اللزوم لكامل مدة العقد) .

تسعير الأجرة :
   يخضع تسعير أجرة العمل للاختلاف الكبير بين الفقهاء في أصل التسعير[131] والذي نرى رجحانه أنه يجوز أن تتدخل الدولة في تسعير الأجور بما يحقق مصالح المجتمع دون أن يترتب عليه ظلم لأحد ، فقد ذكر ابن القيم أن الدولة يحق لها إجبار الناس على الفلاحة ، والنساجة ، وسائر الصناعات المطلوبة للمجتمع ... بأجر المثل[132] ولكن على الدولة أن تعتمد في تحديد الأجور وتسعيرها على أهل الخبرة والأمانة ، يقول ابن عابدين : ( ان طريق علم القاضي بالزيادة : أن يجتمع رجلان من أهل البصر والأمانة فيؤخذ بقولهما عند محمد ، وعندهما قول الواحد يكفي )[133] ولا مانع في عصرنا أن تشكل لجنة لتحديد الأجور وتسعيرها من أهل الخبرة ، ومن يمثل العمال ، وأرباب العمل ، وأن يلاحظ في تحديد العمل ـ كما يقول شيخنا أبو زهرة ـ قيمة العمل ، وكفاية العامل وأهله بالمعروف[134] .

المبحث الثاني : المنفعة ( العمل ) :
ويشترط في المنفعة ( العمل ) التي تكون محلاً للإجارة الشروط التالية :
1ـ أن تكون معلومة علماً ينفي الجهالة المفضية إلى النزاع ، وتتحقق هذه المعلومية إما برؤية محل العقد أو تعيينه او الإشارة إليه ، او نحو ذلك مما يعد في العرف تعييناً أو بياناً لكيفية الاستعمال ، وكذلك لا بد من بيان المدة إذا كانت الإجارة غير مرتبطة بإنهاء العمل ، وبيان العمل في استئجار الصناع والعمال[135].
ففي نطاق إجارة الأشخاص يتحقق العلم بإحدى الطريقتين الآتيتين :
الأولى : بيان العمل ونوعه ، وكيفيته ، وذلك في الإجارة المشتركة .
الثانية : بيان مدة الإجارة ، كما في الإجارة الخاصة ( الأجير الخاص ) كاستئجار شخص لخدمته ، أو لوظيفة لمدة سنة ، وحينئذٍ يخضع لتنفيذ العمل للاتفاق ، وإلاّ فللعرف ، حيث إن له سلطاناً كبيراً في هذا المجال .
الجمع بين الطريقتين :
 إذا كان العلم في الإجارة يتحقق بإحدى الطريقتين السابقتين ، فهل يجوز الجمع بينهما في عقد واحد ؟
  ذهب جمهور الفقهاء ( أبو حنيفة والمالكية في قول ، والشافعية والحنابلة )[136] إلى عدم جواز الجميع بين الزمن ، والمدة ، وفساد العقد به ، وذلك لأن العقد على المدة مع وجود العمل يزيده جهالة وغرراً ، يقول الكاساني في توجيه هذا الرأي : ( إن المعقود عليه مجهول ، لأنه ذكر أمرين ، كل واحد منهما يجوز أن يكون معقوداً عليه " أعني العمل والمدة " ولا يمكن الجمع بينهما في كون كل واحد منهما معقوداً عليه ، لأن حكمهما مختلف ، لأن العقد على المدة يقتضي وجوب الأجر من غير عمل ، لأنه يكون أجيراً خالصاً والعقد على العمل يقتضي وجوب الأجر بالعمل لأنه يصير أجيراً مشتركاً فكان المعقود عليه أحدهما وليس أحدهما بأولى من الآخر فكان مجهولاً ، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد بخلاف تلك المسألة ، لأن قوله على أن يفرغ منه في يومي هذا ليس جعل الوقت معقوداً عليه بل هو بيان صفة العمل بدليل أنه لو لم يعمل في اليوم وعمل في الغد يستحق أجر المثل )[137]
  وذهب إلى جوازه وصحته أبو يوسف ، ومحمد صاحبا أبي حنيفة ، والمالكية في قول ، والشافعية في وجه ، وأحمد في رواية ، واستدلوا بأن : ( المعقود عليه هو العمل ، لأنه هو المقصود ، والعمل معلوم ، فأما ذكر المدة فهو للتعجيل فلم تكن المدة معقوداً عليها فذكرها لا يمنع جواز العقد وإذا وقعت الإجارة على العمل فإن فرغ منه قبل تمام المدة أي اليوم فله كمال الأجر ، وإن لم يفرغ منه في اليوم فعليه أن يعمله في الغد كما إذا دفع إلى خياط ثوباً ليقطعه ويخيطه قميصاً على أن يفرغ منه في يومه هذا أو اكترى من رجل إبلاً إلى مكة على أن يدخله إلى عشرين ليلة كل ليلة بعير بعشرة دنانير مثلاً ولم يزد على هذا ان الإجارة جائزة ثم إن وفى بالشرط أخذ المسمى ، وإن لم يف به فله أجر مثله لا يزاد على ما شرطه)[138] .
  والذي نرى رجحانه هو القول الثاني ، وذلك لأن الجمع بين الجوازين ، لا ينبغي أن يترتب عليه عدم الجواز ، أو الفساد ، بل ليس بينهما تعارض ، لأن المقصود بتحديد العمل هو تحقيق الصفات المطلوبة التي يريدها المستأجر ، وبتحديد المدة الفراغ منه في الوقت المحدد ، وكلاهما من الأغراض المقصودة المحققة لمصالح الطرفين .

ما يتعلق بالمدة :
  إذا وجدت المدة في العقد فلا بد أن تكون معلومة محددة ، وذلك لأن المدة هي المعيار الأساس لعقد الإجارة لذلك تحدث الفقهاء عن أربعة أمور :
الأمر الأول : كيفية تحديد المدة ، حيث قالوا : يمكن تحديدها بالساعة ، أو اليوم ، أو الأسبوع ، أو الشهر ، أو السنة ، أو نحوها واختلفوا في تحديدها بزمن الحصاد أو نحو ذلك مما يمكن الاختلاف عليه ؟[139] .
والذي يظهر لنا رجحانه هو عدم الجواز في كل ما يؤدي إلى النزاع ، وأن المعتمد في التفسير والبيان هو العرف السائد فيما لو ربط بمثل هذه الأمور .
الأمر الثاني : طول المدة ، حيث ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفية والمالكية ، والشافعية على الأصح ، والحنابلة )[140] إلى جواز أن تكون المدة قصيرة أو طويلة ما دامت محددة استدلالاً بقصة موسى عليه السلام ، ولأن المدة الطويلة إذا كانت محددة لا تورث نزاعاً ، وهذا هو الراجح .
  وذهب الشافعية على الصحيح إلى أن المدة لا بدّ أن لا تزيد عن ثلاثين سنة ، وهذا مجرد اجتهاد ، وقدرها بعضهم بسنة ، وهذا مخالف لقصة موسى عليه السلام[141] .
الأمر الثالث : الإجارة التي لم يحدد لها نهاية ، وذلك بأن يقول : أجرتك لخدمتي ، أو للعمل الفلاني ، كل شهر بألف ريال مثلاً .
وهذا النوع من العقد فيه خلاف بين الفقهاء على عدة آراء :
الرأي الأول : ـ ذهب المالكية ، وأحمد في رواية ابن منصور اختارها الخرقي[142] إلى صحة هذا العقد ، ثم قال المالكية بأن العقد لا يلزم إلاّ إذا نقد المستأجر أي دفع الأجرة نقداً ، وحينئذ يكون العقد لازماً بقدرها ، فلو أجر نفسه على أن يكون له في كل شهر ألف ريال ، ولم يحدد الزمن ، ودفع المستأجر عشرة آلاف ريال ، فهذا يعني أن العقد لازم لمدة عشرة أشهر .
  وأما عند الحنابلة في رواية ابن منصور فيكون العقد لازماً لليوم الأول ، أو الشهر الأول ، وفيما عداه يكون العقد صحيحاً ، ولكنه يجوز لكل واحد منهما حق الفسخ ، جاء في المقنع : ( وان أكراه كل شهر بدرهم ، أو كل دلو بتمرة ، فالمنصوص أنه يصح ، وكلما دخل الشهر لزمهما حكم الإجارة ، ولكل واحد منهما حق الفسخ عند تقضي كل شهر ) وعلق عليه صاحب الإنصاف : ( وهو المذهب ، قال المصنف ، والشارح ، والناظم ، فصاحب الفائق وغيرهم : يلزم الأول بالعقد ، وسائره بالتلبس به.... والصحيح من المذهب أن الفسخ لا يكون إلاّ بعد فراغ الشهر... وان ترك التلبس به فسخ..... )[143] .
الرأي الثاني : ـ ذهب جمهور الشافعية،وبعض الحنابلة إلى بطلان هذا العقد للجهالة[144] .
الرأي الثالث : ـ ذهب جمهور الحنفية إلى صحة العقد في الشهر الأول وفساده فيما عداه[145].
الرأي الرابع : ـ ذهب بعض مشايخ الحنفية إلى أن العقد صحيح في الشهر الأول والثاني والثالث ، لجريان العرف بذلك ، وفساده فيماعداها[146] .
  والذي يظهر لنا رجحانه هو القول الأول[147] وداخل القول الأول فالمختار عندي هو مذهب المالكية وهو لزوم العقد بقدر ما دفعه ، لأن دفع المستأجر المبلغ ، وقبوله من قبل الأجير دليل على رضاهما بالصفقة ولزومها بقدر هذا الدفع ، ولأن الأصل في عقد الإجارة اللزوم ، فلا يعدل عنه إلاّ بسبب قوي ، ويبقى الاختيار بعد ذلك بسبب عدم تحديد المدة.
  ويدل على صحة هذا العقد ما ورد عن سيدنا علي رضي الله عنه من أنه أجر نفسه ليهوديّ ، ( كل دلو بتمرة ، فعدّ ستة عشر دلواً أو سبعة عشر دلواً ، وأخذ الأجرة كاملة ، وتكرر مثل ذلك من أنصاريّ ، فعلم بهما النبي صلى الله عليه وسلم وأقرهما على ذلك[148]
وقت فسخ هذا العقد الذي لم تحدد له نهاية :
  عند من قالوا بصحة هذا العقد فإنهم مختلفون في انتهاء هذا العقد فعلى ضوء الرأي الرابع ينتهي بعد الأشهر الثلاثة ، والرأي الثالث بعد الشهر الأول ،وعلى ضوء رأي المالكية يكون للعاقدين حق الفسخ بعد انتهاء المدة التي دفع فيها الأجرة نقداً ، وعلى ضوء المنصوص عن أحمد هو ما ذكرناه في الرأي الأول .
   ولكن جمهور الفقهاء متفقون على أن الأجير إذا استمر في عمله ، والمستأجر استمر أيضاً في دفع أجرته بعد انتهاء الفترة الزمنية المحددة فإن العقد يستمر استصحاباً ، أو استحساناً وإنما الخلاف في زمن الخيار عند بدء المدة الجديدة كالشهر ، أو السنة مثلاً ، فذهب الحنابلة إلى أن لهما حق الفسخ في أول كل شهر في الحال ، بحيث إذا دخل الشهر الثاني ولم يفسخ العقد لزمهما حكم الإجارة ، قال المرداوي : ( وكلما دخل شهر لزمهما حكم الإجارة ، وهو المذهب ، واختار أبو الخطاب والمصنف ، والشارح ، والفتح تقي الدين : أن الفسخ يكون قبل دخول الشهر الثاني، وصرح به ابن الزاغوني ، فقال : يلزم بقية الشهور إذا شرع في أول الجزء من ذلك الشهر ، فعلى هذا لو أراد الفسخ يقول : فسخت الإجارة في الشهر المستقبل أو نحو ذلك ، والصحيح من المذهب : أن الفسخ لا يكون إلاّ بعد فراغ الشهر ... وقال المصنف : له الفسخ بعد دخول الشهر الثاني ، وقبله أيضاً ، وقال أيضاً : ترك التلبس به فسخ .... فعلى المذهب يكون الفسخ في أول كل شهر في الحال على الصحيح .... )[149] .
وللحنفية في هذه المسألة ثلاثة أقوال :
القول الأول : يلزم العقد بالاستمرار في الشهر الثاني ولو ساعة من الزمن ، وهكذا في الشهر الثاني ، والثالث ، وهذا رأي بعض مشايخهم بناءً على القياس .
القول الثاني : هو أن وقت الفسخ هو الأيام الثلاثة الأُول من كل شهر ، قال صاحب البزازية : وعليه الفتوى[150] .
القول الثالث : هو أن وقت الفسخ هو اليوم الأول مع ليلته ، كل شهر لجريان العرف والعادة ، وهذا ما اختاره ابن عابدين واعتبره من ظاهر الرواية وأضاف ابن عابدين إلى ذلك مسألة مهمة وهي ان المستأجر إذا سلّم إلى الأجير مبلغاً من المال واستلمه الأجير فليس لأحدهما حق الفسخ حتى ينتهي المبلغ[151] ، وهذا هو رأي المالكية ـ كما سبق ـ وهو الرأي الذي رجحناه .
الأمر الرابع : ابتداء المدة وانتهاؤها :
  إذا اتفق الطرفان على بداية العقد ونهايته فيجب عليهما الالتزام بهاتين المدتين ، وأما إذا لم تذكر نهاية المدة ، فقد ذكرنا آراء الفقهاء آنفاً .
أما إذا لم تذكر بداية العقد فقد اختلف الفقهاء على عدة آراء :
الرأي الأول : بطلان العقد ، وهذا هو رأي بعض الشافعية وأحمد في رواية لوجود الجهالة المفضية في النزاع[152] .
الرأي الثاني : صحة العقد ويكون ابتداؤه من حين العقد وهذا رأي جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية ، والراجح عند الشافعية ، وجمهور  الحنابلة )[153] وهذا هو الراجح لقصة موسى عليه السلام حيث لم يحدد بداية المدة .

وجود مدتين في الإجارة :
  تضمنت قصة موسى عليه السلام وجود مدتين إحداهما التزام ، والآخر تطوع ، وهذا دليل على جواز الجمع بينهما ما دام الزمن الآخر ليس الزامياً [154]

دور العرف في كثير من مسائل الإجارة :
  إذا كان للعرف دور كبير في كل العقود المالية فإن دوره أكبر في باب الإجارة ، ولا سيما في نطاق العمل والنقد الذي ذكر في العقد ، فقد ترجم البخاري : باب إذا استأجر أجيراً فبين له الأجل ، ولم يبين العمل[155] ، حيث استدل بقصة موسى عليه السلام في قوله تعالى : (إني أريد أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين قال ذلك بيني وبينك أيّما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ والله على ما نقول وكيل)[156] ، قال الحافظ ابن حجر : ( وقد مال البخاري إلى الجواز ؛ لأنه احتج لذلك ...ووجه الدلالة منه ـ أي من قوله تعالى السابق ـ أنه لم يقع في سياق القصة المذكورة بيان العمل ، وإنما فيه أن موسى عليه السلام أجر نفسه من والد المرأتين)[157].
  فالعرف السائد في البلد سواء كان خاصاً أم عاماً وله اعتبار كبير في تحديد المراد والمطلوب .
إجارة المجهول للحاجة (أو الإجارة بالنسبة المئوية)
 ذكر ابن رشد أن طائفة من السلف ، وأهل الظاهر ذهبوا إلى جواز إجارة المجهولات مثل أن يعطي دابته لمن يسقي عليها بنصف ما يعود عليه قياساً على المضاربة[158] ، وهذا مذهب أحمد وابن سيرين ، وإليه مال البخاري[159] .
ويقاس على ذلك تأجير الشخص بطعامه ، وملبسه ، بل قال به جماعة من الفقهاء[160] .
2ـ أن تكون المنفعة متقومة أي ان تكون لها قيمة مقصودة حسب العرف ، فلا تصح إجارة التافه الحقير الذي لا يقابل بالمال ، وذكر بعض الفقهاء من أمثلتها استئجار تفاحة للشم[161] .
  وفي باب إجارة الأشخاص لا بدّ أن تكون للعمل الذي يقدمه الأجير قيمة ، لذلك لا يجوز استئجار البياع للتلفظ بكلمة واحدة مثلاً إلاّ إذا ذكرها أكثر من مرة[162] .
3ـ أن تكون مباحة الاستيفاء ، فلا تكون معصية ممنوعة مثل الاستئجار على رقص المرأة أمام الرجال ، أو للبغاء ، أو لسقي الخمر ، ونحوها من المحرمات ، وكذلك يجب أن لا تكون طاعة واجبة وجوباً عينياً ، وهذا الشرط فيه تفصيل وخلاف[163] .
ونحن هنا نذكر أهم هذه المسائل بشيء من الايجاز :
أ ) الاستئجار على أداء الشعائر والعبادات ( القربات يقصد بها العبادات ـ بمعناها الخاص المشهور[164]) هي أداء الشعائر التعبدية من النطق بالشهادتين ، والصلاة والزكاة والحج ،والعمرة ،والأذان والاقامة ، والامامة ،وتعليم القرآن ،والعلوم الشرعية ، ونحوها.
والسؤال الوارد هنا : هل يجوز التأجير عليها ؟
للجواب عن ذلك نقول : إن العبادات نوعان : فروض عين ، وفروض كفاية..
  ففرض العين لا يجوز الاستئجار عليه بالاجماع ما دام المفروض عليه قادراً ، أما إذا لم يكن قادراً أو مات وعليه هذا الواجب العيني فهل يجوز أداؤه من شخص آخر ، وبالتالي التأجير عليه ؟ فهذا محل خلاف ، والراجح جواز الاستئجار في كل ما يجوز فيه أداؤه من الغير ، مثل الحج والعمرة في حالتي المرض ، والموت .
وأما فروض الكفاية أو سننها فمحل خلاف بين الفقهاء ، ونحن هنا نذكر هذه المسائل الخلافية بإيجاز:
التأجير على فروض الكفاية وسننها : كالجهاد ، والامامة والاذان وتعليم القرآن وقراءته ، ونحوها حيث ثار الخلاف في هذه المسائل على رأيين :
الرأي الأول : المنع ، حيث ذهب أبو حنيفة ومحمد ، وأحمد إلى عدم جواز التأجير عليها ، وهذا مروي عن عطاء ، والضحاك بن قيس وقد استدلوا بعدة أحاديث ، منها : 
·   حديث عثمان بن أبي العاص قال : إن آخر ما عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً )[165] لكن هذا الحديث لا يدل على منع الأجر ، لأن الفعل لا دليل فيه على الفعل .
·   حديث عبادة بن الصامت قال : ( علّمت ناساً من أهل الصفة القرآن والكتابة ، فأهدى إليّ رجل منهم قوساً ، قال : قلت : قوس ، وليست بمال ، أتقلدها في سبيل الله ، فذكرت ذلك لنبي صلى الله عليه وسلم فقال:( إن سَرّكَ أن يقلدك الله قوساً من نار فاقبلها )[166]  وهذا الحديث ضعيف لا ينهض حجة[167].
·   حديث عبدالرحمن بن شبل الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( اقروا القرآن ، ولا تغلوا فيه ، ولا تجفوا عنه ، ولا تأكلوا به ، ولا تستكثروا به )[168] .
  واستدلوا بأن هذه الأفعال قربات يختص بها المسلم ، ويتقرب بها إلى الله فلا يجوز الاستئجار عليها .
الرأي الثاني : الجواز ، وهذا رأي مالك ، والشافعي ، وأحمد في رواية ، وبه قال أبو قلابة ، وأبو ثور ، وابن المنذر[169] ، وهذا رأي متأخري الحنفية حيث خالفوا المتقدمين منهم ، فأجازوا الإجارة على تعليم القرآن ، وعلى إقامة الشعائر كالامامة ، والاذان استحساناً للحاجة[170] ، وقال الصاوي : ( أما الإجارة على أصل القراءة فجائز)[171] .
  وكذلك أجازوا للمفتي أخذ الأجر إن لم يكن له رزق ، وقالوا : تجوز الإجارة على المندوبات وفروض الكفايات[172] .
وقد استدل هؤلاء على جواز الاستئجار لهذه القربات وصحته بأحاديث صحيحه منها :
حديث : ( إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ) حديث صحيح رواه البخاري كما سبق كما أنه صريح في الدلالة على الجواز ، وقد رأينا الأحاديث التي استدل بها المانعون لا يمكنها معارضة هذا الحديث الصحيح الصريح ، ولذلك فالراجح هو الرأي الثاني .
ب ) الإجارة على المعاصي :
  اتفق الفقهاء في الجملة على حرمة الإجارة على المنافع المحرمة كالزني ، والنّوح ، وان العقد عليها باطل لا يستحق به أجرة ، واختلفوا في بعض التفاصيل ، مثل استئجار كاتب ليكتب له غناءً محرماً ، أو نوحاً حيث ذهب الجمهور إلى حرمته وبطلانه ، وذهب أبو حنيفة إلى صحته ، وروى عن أحمد أنه قال : فيمن حمل خنزيراً أو خمراً لنصراني : اني أكره أكل كرائه ، ولكن يقضي للحمال بالكراء ، ولكن المذهب على خلاف هذه الرواية[173] .
  وقد استدل الجمهور على حرمة الاستئجار على المحرمات أياً كان ، بالكتاب ، والسنة ، والمعقول :
   أما الكتاب فقوله تعالى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[174] وجه الاستدلال به هو أن الله تعالى نهي عن أي تعاون على الاثم والعدوان ، وأنه مما لا شك فيه أن الاستئجار على المحرمات حملاً أو نحوه تعاون لتحقيق هذا المحرم ، والاثم ، ومن المعلوم في أصول الفقه أن النهي يقتضي الحرمة ، والفساد على تفصيل فيه [175].
  وأما السنة فمنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن حامل الخمر ، والمحمول عليه ، في عدة روايات منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله الخمر ، شاربها ، وساقيها ، ومبتاعها ، وبائعها ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وحاملها ، والمحمولة عليه )[176] .
واستدلوا بالمعقول ، وذلك لأن العقل يقتضي أنه إذا نهى الشارع عن شيء وحرمه أن يسد عليه جميع أبوابه ، وإلاّ فيكون النهي دون جدوى .
ج) استئجار المرأة الأجنبية لخدمة الرجل ، حيث منعه الشافعية مطلقاً سداً للذرائع ، والحنفية قالوا بكراهته للأعزب ، وجوازه بدون الخلوة للمتزوج الذي معه أهله ، ووافقهم المالكية وأضافوا شرطاً آخر وهو كونه مأموناً ، في حين أجازه الحنابلة مطلقاً بشرطين هما عدم الخلوة وعدم النظر إليها[177] ، والراجح هو قول المالكية ، لأن الأعزب لا يؤمن من الوقوع في محرم ، وأن اشتراط كون المتزوج مأموناً شرط جيد يدرأ الفساد .
د ) استئجار الوالدين لخدمة الولد ، حيث منعه الحنفية لأنه يتنافى مع برّ الوالدين وتعظيمهما والاحسان إليهما ، وأجازه الشافعية والحنابلة مع الكراهة[178] .

4ـ أن تكون مقدورة الاستيفاء حقيقة وشرعاً ، فلا تصح إجارة المغصوب من غير الغاصب[179]  ولا يصح كذلك تأجير جاهل لتدريس علوم الشرع ، أو الطب أو نحوهما مما يجهله ، ومثل تأجير الأعمى للحراسة بالبصر ويدخل في غير المقدورة شرعاً تأجير شخص لقتل معصوم الدم ، أو لقلع سن صحيحة ، أو قطع يد بدون وجه حق ،[180] .
5: أن لا تستهلك العين المؤجرة بالإجارة ، مثل الطعام ، حيث لا يمكن الانتفاع به إلاّ باستهلاكه[181].
6: أن يتحقق الانتفاع بالعين المأجورة حقيقة ، مثل تأجير مسكن صالح للانتفاع به ، او حكماً مثل تأجير أرض صالحة للانتفاع بها من حيث هي ، وإن لم تكن صالحة إلاّ بالفعل ، ومن هنا فلا يجوز تأجير جزء لا ينتفع به من حيث هو ، مثل قطع غيار السيارات ، أو الطائرات أو نحوها ، لأن ذلك يتنافى مع شرط تحقق المنفعة .
  وفي مجال إجارة الأشخاص يجب أن يكون العمل محققاً منفعة للمستأجر ، لأنه تقابله الأجرة .
بطلان عقد الإجارة وفساده :
  من المعلوم فقهاً أن الحنفية فرقوا بين الباطل والفاسد ، فقالوا : الباطل : ما كان الخلل في أصله ( أي ركنه ) والفاسد : ما كان الخلل في وصفه ( أي شرطه ) لكن الجمهور لم يفرقوا بينهما فإذا اختلت الأركان أو الشروط ، أو كلاهما فإن الإجارة تصبح باطلة أو فاسدة[182] .

الخيارات في عقد الإجارة :
  بما أن عقد الإجارات من المعاوضات المالية الملزمة للطرفين فَيَرِدُ عليها عدد من الخيارات مثل خيار المجلس عند الشافعية والحنابلة خلافاً للحنفية والمالكية[183] .
  ومنها خيار الشرط لزمن اختلف فيه الفقهاء بين محدد بثلاثة أيام ، أو شهرين ، أو أكثر بحيث يكون للشارط حق الخيار في المدة المتفق عليها ويكون العقد غير ملزم بالنسبة له خلال تلك المدة ، ثم إذا لم يفسخ العقد يصبح العقد باتاً ملزماً [184].
  ومنها خيار العيب ، حيث يكون للعاقد الحق في الفسخ إذا وجد في المأجور أو في المعمول عيباً تنتقص به المنفعة المقصودة في الإجارة [185].
  ومنه خيار الرؤية ، وهو يثبت لمن لم ير الشيء المعقود عليه عند من يقول به ( و هم جمهور الفقهاء ) وعند بعضهم إذا وصفه باوصافه ثم وجد عليها فلا خيار له[186] .

جهالة مدة الخيار :
  إذا تم عقد الإجارة واتفقا على شرط الخيار لمدة مجهولة مثل قدوم فلان ، أو نزول المطر ، فقد  اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة آراء  :
1.  أن الخيار صحيح وأنه يرجع في تحديده إلى السلطان ( القضاء ) وهذا رأي المالكية[187] بناءً على أنه المرجع عند الخلاف .
2.  أن الخيار جائز إلى أن يتحقق الشرط ، وهذا رأي ابن شبرمة ، والثوري ، وأحد القولين للحنابلة[188] محتجين بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( المسلمون عند شروطهم)[189] .
3.  أن الخيار باطل وأن العقد أيضاً باطل ، وهذا رأي الشافعية ، وهو المذهب عند الحنابلة[190] وذلك لأن الغرر مؤثر في عقد الإجارة فيجعله باطلاً .
4.  أن العقد فاسد ، ولكن إن أجيز من له الخيار خلال ثلاثة أيام يتحول صحيحاً ، وهذا رأي أبي حنيفة ، قال ابن عابدين : ( لأنه قد زال المفسد قبل تقرره .... ، فإذا أسقطه تحقق زوال المعني المفسد قبل مجيئه ، فيبقى العقد صحيحاً )[191] .

حكم العقد بعد مضي مدة الخيار :
   إذا حددت مدة خيار الشرط ومضت ولم يتعرض من له الخيار إلى الفسخ والإجازة  فذهب الجمهور ( الحنفية والشافعية ، والحنابلة )[192] إلى أن العقد يصبح لازماً ، لأن العقد لازم ، وأثر فيه الشرط للفترة المحددة ، وبعدها يعود العقد إلى لزومه ، وخالفهم في ذلك المالكية حيث ذهبوا إلى أن العقد لا يلزم إلاّ بالتصريح بالفسخ ، أو الإجازة[193] .

الجمع بين الإجارة وعقود أخرى :
  تضمنت قصة موسى عليه السلام مع صالح مدين على الجمع بين النكاح والإجارة في صفقة واحدة ، يقول القاضي ابن العربي : ( هذا اجتماع إجارة ونكاح ، وقد اختلف علماؤنا في ذلك على أربعة  أقوال :
الأول ـ قال في ثمانية أبي زيد : يكره ابتداء ، فإن وقع مضى 
والثاني ـ قال مالك وابن القاسم في المشهور : لا يجوز ، ويفسخ قبل الدخول ، وبعده 
والثالث ـ أجازه أشهب وأصبغ
الرابع ـ قال محمد : قال ابن الماجشون : ان بقى بعد المبيع ، يعني من القيمة ، ربع دينار يقابل البضع جاز النكاح ، وإلاّ لم يجز .
  وقد بينا توجيهات هذه الأقوال في كتب المسائل ، والصحيح جوازه ، وعليه تدل الآية ، وقال مالك : النكاح أشبه شيء بالبيوع فأيّ فرق بين أن يجمع بين بيع وإجارة ، أو بين بيع ونكاح ، وهو شبهه إلاّ من جهة الرجلين يجمعان سلعتهما ، وإذا كانت لرجل واحد جاز ، والعاقد هنا واحد ، وهو الوليّ )[194] .
  وإذا كان فقهاء المالكية قد اختلفوا في هذه المسألة فإن جمهور فقهاء المسلمين أيضاً قد اختلفوا في الجمع بين عقدين ـ مثل الإجارة والبيع ـ في صفقة واحدة ، والذي انتهينا إليه في بحث خاص بالموضوع هو أن الممنوع هو الجمع بين عقد معاوضة مثل البيع والإجارة مع عقد سلف كالقرض ، والسلم ، أما الجمع بين البيع والإجارة ، أو الإجارة والنكاح فهذا مشروع[195] .

ضمان الأجير الخاص والمشترك :
تمهيد :
        اتفق الفقهاء على أن الأجير ( سواء كان خاصاً أم عاماً ومشتركاً ) يضمن في حالات التعدي والتقصير ومخالفة الشروط ، واتفقوا كذلك على أن الأجير الخاص أمين ، وان يده يد أمانة فلا يضمن إلاّ في الحالات السابقة ، وهذا هو الميزان الشرعي العام الذي يحقق العدالة للطرفين ، وإنما اختلفوا في الأجير المشترك إذا تلف الشيء الملكف بصنعه ، أو عمله على ثلاثة أقوال :
القول الأول : لأبي حنيفة ، وزفر والحسن بن زياد والشافعية على الصحيح والحنابلة في الرواية المنصوص عليها ، وبه قال عطاء وطاووس ، ويرون عدم ضمانه إلاّ في الحالات الثلاث السابقة[196] وهذا مبني على الأصل العام الذي ذكرناه وعلى قياسه على الوكيل ، والمضارب والعامل في المساقاة والمزارعة .
القول الثاني : أنه يضمن إلاّ إذا ثبت أنه لم يتعد ولم يفرط[197] .
القول الثالث : لأبي يوسف ومحمد ، والحنابلة في رواية والشافعية ، الذين يرون أنه ان كان الهلاك بما يستطيع دفعه فإن الأجير يضمن حتى يثبت عدم تعديه وتقصيره ، وان كان غير قادر على الدفع مثل الغرق العام ، والحريق العام فلا يضمن[198] .
والذي نرى رجحانه هو القول الثالث ، لأنه أعدل الأقوال وأوسطها .

آثار العقد والتزاماته :
  لعقد الإجارة على منافع الأشخاص آثار والتزامات نذكرها بصورة موجزة مبتدئين بالتزامات المستأجر ثم التزامات الأجير .

التزامات المستأجر :
يجب على المستأجر ما يأتي : 
أولاً ـ دفع الأجرة حسب الاتفاق ، أو بعد فراغ العمل كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : ( أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ) وهو حديث صحيح كما سبق .

وقت دفع الأجرة :
                   اتفق الفقهاء على أن للعاقدين الحق في تحديد طريقة الدفع تعجيلاً ، أو تأجيلاً أو مقسطاً ، لكن هناك بعض الحالات يرى بعض الفقهاء وجوب تعجيلها منها :
1ـ إجارة الذمة ، حيث ذهب الشافعية إلى أن أجرتها يجب أن تسلم في مجلس العقد ، والمالكية خلال ثلاثة أيام من حيث المبدأ ، وإلاّ يصبح العقد باطلاً [199]، وذهب الحنفية إلى عدم وجوب تعجيلها ، في حين ذهب الحنابلة إلى أنها إن كانت بلفظ السلم فيجب تعجيلها ، وإلاّ فلا[200] .
  والذي نرى رجحانه هو عدم وجوب التعجيل ، لأن ذلك خاص بالسلم الذي ورد فيه نص ، فلا تقاس الإجارة عليه .
2ـ إذا كانت الأجرة أعياناً مثل أن تكون الأجرة سيارة أو منزلاً ، حيث اشترط المالكية والشافعية تعجيلها خوفاً من التلف والتغير ، وخالفهم الآخرون[201] .

دفع الأجرة عند الاطلاق :
                   ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأجرة عند الاطلاق تدفع عند انتهاء العمل في الإجارة المشتركة ، وعند نهاية المدة في الإجارة المقيدة بالزمن إلاّ إذا كان العرف يقضي دفعها مشاهرة ، أو مسانهة أو نحو ذلك فحينئذ يكون العرف هو الحكم[202] .

وقت تملك الأجرة :
                   اختلف الفقهاء في وقت تملك الأجرة فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الأجرة تملك بالعقد ملكاً مراعى فيه الزمن بحيث كلما مضى زمن استقر الملك بقدره ، وانها تستقر في ذمة المستأجر عند نهاية المدة ، او تسلم العمل ، قياساًَ على المنفعة[203] وذهب الحنفية والمالكية إلى أن الأجرة لا تملك بالعقد ، وإنما باستيفاء المنافع ، حيث استدلوا بالآيات والأحاديث التي ربطت بين دفع الأجرة والاستيفاء مثل قوله تعالى : ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ )[204] وقياساً على الثمن في البيع[205] .
  والذي يظهر لي رجحانه أن الأجرة تثبت بالعقد ، ولكن الملكية فيها غير مستقرة إلى أن تستوفى ، وذلك لأن أدلة القول الثاني تتحدث عن الوفاء ولا تتحدث عن الملكية .

ضمانات الوفاء بالأجرة ( آثار عدم الدفع ) :
         إذا لم يقم المستأجر بدفع الأجرة المستحقة فإن للأجير الحق في حبس العين المصنوعة في الإجارة القائمة على العمل ، أو الامتناع من استكمال بقية الزمن في الإجارة المحددة بالزمن[206] .  
ثانياً ـ تزويد الأجير بمستلزمات عمله ، فإن كان أجيراً مشتركاً يقدم إليه الشيء الذي يراد صنعه ، وإن كان أجيراً خاصاً يبين له المطلوب منه خلال الفترة المتفق عليها ، وهكذا ، وإذا لم يقم بما سبق فإن الأجير الخاص يستحق الأجر على حبسه نفسه لصالحه حتى ولو لم يعمل ، وان الأجير المشترك يكون غير ملزم بإنجاز عمله في الفترة المتفق عليها .
  ويدخل كذلك ضمن هذا الالتزام ترتيب مكان العمل ، ومستلزمات المكتب وتهيئة وسائل النقل للعمال ، ووسائل الوقاية من أخطار العمل ونحوها ان كان العمل يقتضي ذلك .
ثالثاً ـ التزامات أخلاقية :
  أوجب الإسلام مجموعة من القيم الأخلاقية الرائدة للتعامل مع الناس ، وخص منها العامل بكثير منها ، وهي :
1ـ النظرة إلى العامل والأجير نظرة قائمة على المساواة والاخوة دون إحساس بالتعالي والاهانة ، حيث أصل الإسلام هذا الجانب ، وبين أن الجميع من آدم ، وآدم من تراب ، وان الفضل بالتقوى فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ...)[207] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان اخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم )[208] أي ان هؤلاء الذي يخدمونكم اخوانكم في الدين ، إن كانوا مسلمين ، أو في الإنسانية إن كانوا غير مسلمين ، ويقول تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)[209] .
2ـ المعاملة الطيبة الحسنة اللائقة بالإنسان في جميع الأحوال بالقول ، والفعل ، والنظرة ، والسماح والمغفرة عند وقوع الخطأ ، قال تعالى : ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[210] .
3ـ عدم تكليف العامل والأجير بما لا يطيقه ، حيث ورد بذلك آيات وأحاديث صحيحة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم : (  لاتكلفوهم مالا يطيقون )[211] وقوله صلى الله عليه وسلم : ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره... )[212] .
رابعاً ـ التزامات قانونية :
تلزم قواينن العمل في عصرنا الحاضر أرباب العمل مجموعة من الاجراءات مثل :
1.     منح الاجازات الاسبوعية ، والسنوية ، والاجازات المرضية .
2.  توفير وسائل الاسعافات الطبية والعلاجية ، بل انه في بعض الأحيان إذا زاد عدد العمال يوجب القانون وجود طبيب أو مستشفى لهم .
3.     وجود لوائح تنظيمية وجزائية .
  فهذه الأمور إذا صدر بها قرار من السلطة الشرعية يصبح ملزماً ، لأن قراراتها في دائرة المصالح ملزمة شرعاً .
4.     توفير الخدمات الاجتماعية .
5.     ترتيب التأمين الصحي ، والتأمين لحالات الاصابة ، والعجز والهلاك .
  وهذا إذا كان عن طريق التأمين التكافلي الإسلامي فهو حلال ، وإلاّ فلا يجوز إلاّ في حالات الضرورة أو وجود قانون ملزم ، وذلك لترتيب تعويض مناسب للعامل في هذه الحالات إما لنفسه ، أو لأهله[213] .
    وقد تطرق فقهاؤنا إلى حالة ضمان الأجير عند هلاكه إذا كان صغيراً ، حيث ذهب المالكية إلى أن صاحب العمل إذا استأجره دون إذن وليه فهلك أثناء المدة فإنه يضمنه إذا كان عمله مما يعطب في مثله[214] ، أما إذا لم يكن العمل مما يؤدي إلى هلاك مثله فإنه لا يضمنه ، في حين ذهب جمهورهم ـ كما قال الحافظ ابن حجر ـ إلى أن من استعان بصبي لم يبلغ دون إذن وليه فهلك في ذلك العمل فهو ضامن ، وتكون ديته على عاقلته[215].
وأما الكبير فإذا أصابه شيء فإنما يضمن المستأجر إذا كان بسبب تعديه ، أو تقصيره[216] .
  وقد اختار الشيخ وهبه الزحيلي : ( أن المحكم في شأن إصابات العمال فقهياً هو القواعد العامة في الضمان ، فيسأل المباشر للضرر وإن لم يتعد ، أو التقصير وعدم التحرز في الإضرار والإهمال )[217] .
  واليوم ومع وجود التأمين التكافلي أصبح العمال في مأمن بفضل الله تعالى في جميع الحالات ، وهذا أمر يتفق مع مقاصد الشريعة الغراء .
التزامات الأجير :
هناك التزامات على الأجير يجب عليه أداؤها وهي :
أولاً ـ انجاز العمل على الوجه المطلوب المتفق عليه في الإجارة المشتركة وتسليمه إليه ، أو تسليم نفسه في الزمن المحدد في الإجارة الخاصة .
ثانياً ـ قيامه بنفسه ان كانت الإجارة خاصة ، أو مشتركة ، ما دامت على غيرما في الذمة ـ كما سبق ـ وذلك الأصل في الإجارة المعينة أن يقوم الشخص بنفسه بالعمل إلاّ إذا كان الاتفاق يجيز النيابة .
والتحقيق أن هناك ثلاث حالات للإجارة المعينة الخاصة :
الحالة الأولى : النص على أن يقوم الأجير بنفسه ، وحينئذ لا يجوز ان ينيب غيره فيه .
الحالة الثانية : النص على الإذن للأجير بأن يقوم بنفسه أو بغيره ففي هذه الحالة تجوز الانابة بلا شك لأن المؤمنين عند شروطهم .
الحالة الثالثة : الاطلاق ، ففي هذه الحالة الأصل أن يقوم الأجير بنفسه ، لأن ذاته قد تكون مطلوبة لدى المستأجر ، ولذلك اختاره ، ولكن بعض الحنفية أجازوا الاستنابة إذا كان المناب عنه أحسن منه[218] .
  وأما الإجارة الخاصة الواردة على ما في الذمة فلا يشترط فيها أن يقوم العاقد الأجير بالعمل بنفسه ، لأنها واردة على ما في الذمة وحينئذ يكون المطلوب تحقيق الأوصاف وليس تحقيق الذوات والأشخاص .
  وأما الإجارة المشتركة فإن كانت واردة على ما في الذمة فلا خلاف في عدم اشتراط قيام الأجير المشترك بالعمل بنفسه ، لأنها واردة على عمل موصوف في الذمة .
  وأما الإجارة المشتركة الواردة على غير ما في الذمة فقد اختلف فيها الفقهاء فذهب جمهورهم في جواز أن يعمل بنفسه ، أو أجرائه إذا لم يشترط عليه في العقد أن يعمل بيده[219] .
ثالثاً ـ عدم الغياب عن العمل أثناء فترة العمل في الإجارة الخاصة :
 إن الأجير الخاص مرتبط بالزمن بالدرجة الأولى في علاقته بالمستأجر ، ولذلك لا يجوز له أن يغيب عن العمل إلاّ بإذن ربّ العمل ، او للضرورة ، أو الحاجة الملحة التي تنزل منزلة الضرورة ، وإلاّ فإن غاب وترتب على غيابه ضرر فإنه يجب عليه تعويضه ، وأن المستأجر له الحق حينئذ أن يرجع عليه بقيمة ما فوّت عليه في جميع الأحوال ، وهذا هو الرأي المعتمد عند الحنابلة[220] .
  وذهب الحنفية إلى أنه ينقص من أجر الأجير بقدر تقصيره في عمله[221] .
  وذهب المالكية إلى أن الأجير إذا قام بعمل بأجرة كانت تلك الأجرة لسمتأجره الأول ، وخيّر صاحب العمل في المدونة بين أجرة الأجير التي حصل عليها من المستأجر الثاني ، وبين اسقاط حصة مدة غيابه من أجرته عنده ، أما إن عمل بالمجان فيسقط من أجرته بقدر ما فوّت على صاحب العمل[222] .
  وقد حرص العلماء على هذه المسألة حرصاً شديداً ، حتى إنهم اختلفوا في وقت الأكل والنافلة هل يحسب من زمن العمل أم لا ؟ ، قاصدين بذلك التشدد والتحوط في ضرورة احترام زمن الإجارة فلننقل بعض النصوص  بهذا الصدد ، حيث جاء في المغني : (وليس له ـ أي الأجير الخاص ـ محادثة غيره حالة النسخ ـ أي نسخ كتاب بالأجرة ـ ولا التشاغل بما يشغل سره ، ويوجب غلطه ، ولا لغيره تحديثه ، وشغله ، وكذلك كل الأعمال التي تخل بشغل السر والقلب ... )[223] وجاء في حاشية الشرقاوي : ( ولو صلى ، ثم قال : كنت محدثاً مكن من الاعادة ، وسقط من الأجر بقدر الصلاة الثانية )[224] .
   وحدد الفقهاء زمن فعل المكتوبات والنوافل بأقل زمن ممكن ، حيث جاء في حاشية الجمل على شرح المنهج : ( ويستثنى من زمن الإجارة فعل المكتوبة ، ولو جمعة لم يخش فواتها... ، وطهارتها ، وراتبتها ، وزمن الأكل ، وقضاء الحاجة ، وظاهر أن المراد أقل زمن يحتاج إليه فيهما )[225] .
  والخلاصة ان الوقت الذي حدد في العقد بالنسبة للأجير الخاص يقتضي أن ينشغل بالعمل المطلوب منه دون تضييعه ، ولا التفريط فيه إلاّ ما هو مستثنى لحق الله تعالى كالعبادات ، أو للضروريات والحاجيات التي لا غنى للإنسان عنها مثل الأكل والشرب بالمعروف ، أو لانقاذ آخر كما في حالة الغرق والحرق .
   والمعيار في العمل هو بذل الرجل المعتاد المتوسط ، فإن قدمت إليه فأنجزه في اليوم ، وبقي من الوقت فإن حق المستأجر لا يسقط في بقية الزمن ، حيث يجب عليه الالتزام بالوقت ، فالموظف الذي حدد له وقت من الساعة الثامنة صباحاً إل الثانية ظهراً ـ مثلا ًـ يجب عليه الحفاظ على البقاء طوال هذا الوقت مع العمل إن وجد ، وأن لا يشغل نفسه إلاّ بمصلحة عمله طوال هذه الفترة سوى الاستثناءات الي ذكرناها وحتى في هذه الاستثناءات يجب مراعاة انجازها بشرعة ، بل إن الفقهاء يقولون : لو كان المسجد بعيداً يستغرق ذهابه إليه وقتاً طويلاً ، وذهب إليه العامل فإنه ينقص من أجرته بمقدار غيابه عن العمل[226] ، لأن الأجرة في مقابل المنفعة فتوزع عليها ، أو يقوم الأجير ـ الموظف ـ بتعويض الوقت الذي فات .
رابعاً ـ وجوب الحفاظ على ما تحت رعايته من آلات وأدوات ومعدات وأعمال ، فهذا ما تقتضيه الأمانة والقواعد العامة في الإسلام .
خامساً ـ تنفيذ أوامر ربّ العمل بالقدر الذي يخص العمل ، أو الوقت المحدد بالمعروف ، فإن كان العمل مفصلاً في العقد فالمرجع هو العقد ، وإلاّ فحسب العرف .
سادساً ـ التزامات قانونية مثل الالتزام بلوائح وقوانين العمل ، والاجراءات التنظيمية مما يدخل في السياسة الشرعية القائمة على المصالح المرسلة .
سابعاً ـ التزامات أخلاقية تفرضها الأخلاقيات الإسلامية من الأمانة والصدق ، وعدم الغش ، ومن السعي الحثيث للاتقان ، والابداع وحسن السلوك والأخلاق في تعامله والنصح والارشاد والبيان ، ونحو ذلك .
  ومن أهم هذه الالتزامات الأخلاقية أيضاً عدم قيام الأجير بإفشاء أسرار العمل وربّ العمل ، أو أهله ، أو كل ما يطلع عليه بحكم كونه أجيراً أو عاملاً أو موظفاً ، فلا يجوز له إفشاء كل ما فيه إضرار بمصلحة ربّ العمل من أسرار العمل والصنعة ، والأشياء الخاصة بصاحب العمل ، حيث تدل النصوص الكثيرة على منع أسرار الآخرين[227] .

الشروط المقترنة بالإجارة على الأشخاص :
  لا يختلف حكم الشروط المقترنة بالإجارة بصورة عامة عن الشروط المقترنة بالبيع ، ولذلك قسمها الفقهاء ـ من حيث الجملة ـ إلى قسمين :
القسم الأول : شروط صحيحة : وقد اختلف فيها الفقهاء بين موسع ، ومتوسط ، ومضيق ، والذي نرى رجحانه هو أن الأصل فيها الاباحة ، وبالتالي فكل شرط في عقد الإجارة صحيح إلاّ إذا تعارض مع نص من الكتاب أو السنة ، أو الاجماع ، أو مقتضى العقد ، وهذا ما تدل عليه الأدلة المعتبرة[228] .
القسم الثاني : شروط غير صحيحة : وهي الشروط التي تعارضت مع النصّ ، أو مع مقتضى العقد[229] .
  ثم إن هذه الشروط نوعان : نوع يؤثر في العقد فيجعله باطلاً وهي الشروط التي تؤثر في العلم بالمعقود عليه فتجعله مجهولاً أو غرراً .
ونوع من الشروط إذا تمّ الاتفاق على إزالته ـ على تفصيل ـ  فإن العقد يصبح صحيحاً عند بعض الفقهاء[230].

فسخ الإجارة :
ينفسخ عقد الإجارة بعدة أشياء منها :
1)     الاقالة :
إذا كانت الإجارة على عمل  أو كانت محددة فلا يحق لأحدهما وحده الفسخ إلاّ برضا الآخر ، لأنها ملزمة عند جمهور الفقهاء ، وأما الذين يقولون بأنها غير ملزمة فيحق لأي واحد منهما الفسخ إلاّ إذا ترتب عله ضرر ـ كما سبق ـ
وأما الإجارة غير محددة المدة فقد سبق الخلاف والتفصيل فيها، والذي رأينا رجحانه هو أنها ملزمة بقدر ما دفع .
وفي جميع الحالات فإذا اشترط أحدهما في العقد حق الفسخ في أي وقت شاء ، أو خلال فترة زمنية مثل شهرين ، فهذا الشرط صحيح كما هو الحال اليوم في معظم عقود العمل حيث تعطى .
2)  حدوث عيب مؤثر في الأجير الخاص ، أي مفوت للمنافع المقصودة مثل فقدان البصر ، أو مرض لا يمكنه معه القيام بما التزم به[231] حيث يعطى حق الخيار للمستأجر .
3)     وجود أعذار طارئة ، حيث ذهب الكرخي إلى فسخها بالعذر الطارئ على الأجير والمستأجر في حين ذهب الحنفية وابن حزم إلى أن الإجارة تفسخ بالعذر الطارئ على المستأجر فقط مثل أن يستأجر أحداً لتسيير سفينة ، ثم يأتي حاكم يمنع السفر بها، وخالفهم الجمهور حيث قالوا : لا تفسخ بالعذر الطارئ[232]  وقد قيدتها بعض الفتاوى المعاصرة بالأعذار القهرية[233] .
4)  عدم قيام أحد الطرفين بالتزاماته تجاه الآخر التي نص عليها الشرع أو العقد ، أو هي معروفة بالعرف ، ويدخل فيه اعتداء أحدهما على الآخر . 
5)     حبس غير المستأجر للأجير الخاص ، أو الأجير المشترك الذي اشترط أن يقوم هو بنفسه بالعمل[234] .
6)     بلوغ الصبي ـ على التفصيل السابق ـ
7)     خيانة الأجير ( العامل ) أو سرقته .
8)     تغير عمل العامل من قبل المستأجر .
  وقد أوضحت قوانين العمل مجموعة من الضوابط لفسخ العقد[235] .
  والفسخ يتحقق بإرادة الطرفين في هذه الحالات التي ذكرناها ، وعند الاختلاف يرجع الأمر إلى القاضي على تفصيل ليس هذا محله[236] ..

انتهاء عقد الإجارة على الأشخاص بنفسها :
  يختلف عقد الإجارة الواردة على المعين عن الإجارة الواردة على الذمة ، ولذلك نذكر حكم كل واحد منهما :
أولاً ـ انتهاء الإجارة المعينة ، حيث تنتهي بما يأتي :
1.     انتهاء المدة ، أو العمل ـ حسب التفصيل السابق ـ
2.  موت الأجير الخاص المعين ، أو فقدانه أهلية الأداء بالكامل مثل الجنون ، وأما موت المستأجر في الإجارة الخاصة فلا يؤثر في العقد عند جمهور الفقهاء خلافاً للحنفية والظاهرية[237] .
ثانياً ـ انتهاء الإجارة الواردة على الذمة ، حيث تنتهي بأداء ما التزم به ، ولا تنتهي بموت الأجير ، وهل تنتهي بموت المستأجر ( صاحب العمل ) ؟ .
  ذهب الجمهور إلى عدم انتهائها بموته ، في حين ذهب الحنفية والظاهرية إلى انتهائها بموته[238] .
  والراجح هو قول الجمهور ، لأن موته لا تأثير له في التزاماته السابقة ، وأن الأجرة ستصبح ديناً وبالتالي يجب أداؤها من ماله كما هو الحال في ثمن البيع في حالة موت المشتري قبل دفع الثمن .
ثالثاً ـ فوات محل المنفعة حسّا أو شرعاً ، كأن أجّره لإدارة مدرسة معينة فانهدمت ، أو سحب ترخيصها نهائياً ، وكأن أجّر امرأة لخدمة مسجد لمدة سبعة أيام فحاضت من بدايتها أو نفست[239] .

حكم الإجارة غير الصحيحة :
   الإجارة غير الصحيحة تقسم عند الحنفية إلى إجارة باطلة ، وإجارة فاسدة ، فالإجارة الباطلة هي ما كان الخلل في أركانه وشروطه ، أو في أركانه فقط ، والإجارة الفاسدة هي ما كان الخلل في شروطه فقط ، وأما الجمهور فلم يفرقوا بينهما[240] .
  فالإجارة الباطلة مثل أن يكون أحد العاقدين ليس له أهلية الأداء مطلقاً ، ومثل أن يكون المعقود عليه ( المنفعة ) محرماً حيث حكى ابن رشد الاجماع على بطلان ذلك[241] .
   والإجارة الفاسدة مثل أن تكون هناك جهالة ، أو اشترط شرط مخالف لمقتضى العقد ، جاء في تبيين الحقائق : ( إذا كان ما وقع عليه عقد الإجارة مجهولاً في نفسه ، أو في أجرة ، أو في مدة الإجارة ، أو في العمل المستأجر عليه ، فالإجارة فاسدة ...)[242] .
  والإجارة الفاسدة عند الحنفية إذا أزيل سبب فسادها تصبح صحيحة ، وأنه إذا قام الأجير بما عليه فإنه يستحق الأجر في الإجارة الفاسدة باتفاق الفقهاء ، ولكنهم اختلفوا في وقت الاستحقاق وفي مقدار الأجرة .
  فذهب جمهور الفقهاء ( المالكية ، والشافعية والحنابلة في رواية )[243] إلى أن الأجرة تجب بالتمكن من استيفاء المنفعة ، وان لم ينتفع ، لأن الأجير قد حبس نفسه ومكن المستأجر من الانتفاع به طوال المدة فيستحق أجر المثل بالغاً ما بلغ .
  وذهب الحنفية إلى أن الأجير لا يستحق الأجر إلاّ بتحقق استيفاء المنفعة ، لأن العقد فاسد فلا يستحق الأجرة إلاّ بتحقيق العمل كما في النكاح الفاسد ، وأن أجرته حينئذ ان علمت فلا تزاد على المسمى أي يكون له الأقل من أجر المثل ، ومن المسمى ، وإن لم تعلم فيكون له أجر المثل[244] .

الضمان في الإجارة غير الصحيحة  :
  الضمان في العقود غير الصحيحة تابعة لأصل العقد ، وبالتالي فيكون حكم ضمان الأجير فيها حكم ضمانه على ضوء التفصيل السابق .

التطبيقات المعاصرة :

تقدم المؤسسات المالية المنافع " الخدمات " بنوعيها : المنفعة " الخدمة " المعَيّنَة ، والمنفعة " الخدمة " الموصوفة في الذمة ، وذلك مثل الدراسة في الجامعات ، أو المعاهد ، أو نحوهما ، ومثل الخدمات الصحية من العلاج ، والعمليات الجراحية التي تقدمها المستشفيات ، أو الأطباء ، أو خدمات النقل عبر الطيران ، أو السفن ، أو السيارات ، فهذه الخدمات إن تم العقد فيها على تعيين الجهة المقدمة " سواء أكانت شخصية معنوية ، أم شخصاً طبيعياً " وتعيين الخدمة المحددة فهي إجارة واردة على منفعة معينة .
  أما إذا تم التعاقد فيها على خدمة موصوفة في الذمة دون تحديد من يقدمها فهي إجارة موصوفة في الذمة ـ وإن المهم هو خدمة موصوفة في الذمة ـ .
  فالمعيار في الإجارة الموصوفة في الذمة هو تحقيق المواصفات المطلوبة دون النظر إلى الشخص الذي يقدمها بعينه ، في حين أن المعيار في الإجارة المعينة هو الشخص الذي يقدم الخدمة ، فالشخص الأجير بعينه مطلوب  هنا ، وليس مطلوباً في الموصوفة في الذمة .

الخطوات التنفيذية :
هذه الأعمال والخدمات في حقيقتها هي تدخل ضمن المرابحة في المنافع ، ولذلك نطبق عليها إجراءات المرابحة للآمر بالشراء على ضوء ما يأتي :

1)  وجود وعد ملزم من الطرف الطالب بالمنفعة " الخدمة "[245] بشرائها وتأجيرها ... وبعبارة أخرى : التوقيع على اتفاقية تفاهم مشترك ، تذكر فيها الخطوات والالتزامات المتبادلة ، وبيان الخدمة المطلوبة سواء كانت معينة أم موصوفة في الذمة .
2)     قيام المؤسسة بالاتفاق مع الجهة صاحبة الخدمة على الشروط والمواصفات المطلوبة من قبل طالب الخدمة .
3)  ثم قيام المؤسسة بالتوقيع مع طالب التمويل " العميل " بعد تحديد مدد الأقساط المطلوبة ، والضمانات المطلوبة للسداد .
ويجوز في الإجارة الموصوفة في الذمة أن تقوم المؤسسة المالية مباشرة بالاتفاق والتوقيع على العقد مع طالب الخدمة " العميل " لأن محل العقد يتعلق بالذمة ، ولا يشترط وجوده وقت العقد ، وإنما عند وقت تسليم الخدمة .
ثم بعد الاتفاق مع العميل توقع المؤسسة على العقد مع الجهة المقدمة للخدمة .
 
  فعلى ضوء ذلك فإن المؤسسات المالية الاسلامية تستخدم عقد الإجارة أولاً مع المؤسسة ، ثم تعيد تأجيرها في حالة الإجارة المعينة مع العميل ، أي التأجير من الباطن ، وبعبارة أخرى تستخدم عقد الإجارة في المنافع ، مع عقد الإجارة الموازي.
 ولكن يجب عدم الربط بين الإجارة الموصوفة في الذمة التي تم إبرامها مع صاحب الخدمة ، وبين عقد الإجارة مع العميل المستفيد من الخدمة حتى يبتعد تماماً عن الصورية ، وبعض المحظورات الشرعية في المعاملات .
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
وصلى الله على عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين
وعلى آله وصحبه أجمعين

تعليقات