القائمة الرئيسية

الصفحات

الحماية المدنية من الشروط المألوفة في العقود التجارية

الحماية المدنية من الشروط المألوفة في العقود التجارية

الحماية المدنية من الشروط المألوفة في العقود التجارية        




د.ذكرى محمد حسين
                                                                 د.نصير صبار                   
الجزء الأول 


المقدمة
  إن من أهم أثار إعمال مبدأ الحرية التعاقدية إطلاق الإرادة في تكوين العقود وفي تحديد أثارها,وقد كان من الجدير بناءاً على ذلك ,وبالنظر إلى التساوي المفترض بين مراكز الأطراف المقبلة على التعاقد وحرص كلٍ منهم على تحقيق مصالحه,أن يتحقق لهذه العقود توازنها الذاتي,كأثرٍ لوجود رضا الأطراف بالعقد وقبولهم لشروطه,وحتى إذا كانت هناك ثمة أخطار,فإنهم كانوا على وعي بها,مدركين لأبعادها,ومن ثم فهي محصورة النطاق,ويتناسب ذلك إجمالاً مع الميزة التي سيحصل عليها كل منهم,بمعنى أن الأصل في إبرام العقود هو مبدأ سلطان الإرادة الذي يقوم على أساسين أولهما أن كل الالتزامات ترجع في مصدرها إلى الإرادة الحرة وثانيهما عدم اقتصار كون هذه الإرادة مصدراً للالتزامات فحسب وإنما هي كذلك أيضاً لما يترتب على هذه الالتزامات من أثار,ومن ثم فأنه يمكن القول بافتراض صحة رضا الأطراف طالما أن العقد قد أبرم في ظل مناقشةٍ ومفاوضةٍ فيما بينهم, ومن ثم افتراض توازنه في هذه الحالة.
  إلا إن الأمور لا تسير دائماً على هذا النحو,إذ مع بداية النصف الثاني من القرن الماضي,أدى تطور عمليات التصنيع والرأسمالية الإقتصادية إلى قلب هذه المعطيات وبروز مظاهر إنهيار عوامل هذه المساواة,بحيث أصبح وجود قدر من التفاوت البيّن في مقومات القدرة الإقتصادية والفنية والقانونية بين طرفي العقد في مجال المعاملات أمراً غالباً وبما أفضى إلى خبو شواهد المساواة العقدية شيئاً فشيئاً فأبرز ذلك,وبشكل جلي,مشكلة في المجال التعاقدي تتمثل في ظهور طائفتين من المتعاقدين أولهما طائفة المحترفين وثانيهما طائفة المستهلكين,إذ دأب أصحاب الطائفة الأولى’’من باب سرعة وسلامة المعاملات‘‘على الإعداد المسبق للعقود التي يبرمونها مع المستهلكين وتضمينها من البنود والشروط التي تنصب لمصلحتهم وبصورة مبالغ فيها,في أغلب الأحيان,الأمر الذي أدى إلى إزدياد ظهور ما يعرف بالشروط المألوفة في العقود وهي الشروط التي يشيع إيرادها في العقود ذات الطبيعة الواحدة,كالشروط التي يتواتر التاجر مثلاً على إتباعها في جميع العقود التي يبرمها لاحقاً مع المتعاقدين معه,والتي حتى وإن إمتازت بصحتها’’ناهيك عن الباطل منها‘‘فأنها تجعل من المستهلك ضحية لأستغلال هذا التاجر من خلال تعسفه في فرضها لما قد تحمله من تخفيف لأعباء أو التزامات هذا الأخير أو تزيد بدون مقابل من التزامات المتعاقد معه,مما يجعل من هذه العقود عقوداً غير متوازنة بحيث لا يتمكن المستهلك أن يكون نداً للطرف الأخر في العقد نظراً لضعف الأول الأقتصادي والفني,الأمر الذي يقتضي إيجاد نوع من القوة القانونية التي تحميه لإعادة توازن كفتيها بينهما.
  وتبعاً لذلك فقد باتت مسألة حماية المستهلك من المسائل الهامة,وخاصة في وقتنا الحاضر,وأياً كان النظام الأقتصادي الذي تطبقه الدولة سواء أكان إقتصاداً موجهاً قائماً على التدخل والسيطرة الأقتصادية للدولة,أم كان إقتصاد السوق,لا بل خاصة في النظام الأخير,الذي يعتمد على القطاع الخاص وغيره من آليات خاصةٍ به وذلك من أجل إعادة التوازن في علاقات المستهلكين بغيرهم من المحترفين.
   والسؤال الذي يمكن أن يطرح هنا ,هو, كيف يمكن أن نحمي المستهلك من الشروط المألوفة في بعض العقود وتحديداً التجارية( ) منها,والتي آلف التاجر على أدراجها فيها أو الأخذ بأحكامها وأن لم ينص عليها في هذه العقود,خاصة إذا أستدل في هذا الأستناد إلى أنه يجوز لطرفي أي علاقة عقدية أن يضمنوا عقودهم ما يشاؤون من الشروط التي تصب في ماهيتها على تأكيد مضمون هذه العقود أو يلائمها أو ما يكون قد جرى به العرف والعادة,أو إلى أن الأصل في تحديد مضمون أي إلتزام تعاقدي هو بما ورد في العقد صراحةً وبما يعد من مستلزماته أيضاً وفقاً للقانون والعرف والعدالة حتى ولو لم يذكر صراحةً فيه وذلك بحسب طبيعة كل إلتزام على حده,ومما يفترض معه عّد الشروط المألوفة جزءاً مكملاً ومتمماً لهذه العقود وتدخل ضمن نطاقها حتى ولو من دون ذكر فيها ومن ثم إلزامية إتباعها وتنفيذها من قبل طرفيه حتى لو كان الطرف الأخر هو المستهلك الذي قد يجهل بها تماماًَ حين إبرام العقد مع التاجر؟
   وللإجابة على هذا السؤال فقد أرتأينا تقسيم هذا البحث إلى مباحثٍ أربع سنعقد المبحث الأول منها لإيضاح مفهوم الشروط المألوفة في العقود التجارية وسنحدد في المبحث الثاني مفهوم الشخص المقصود بهذه الحماية ألا وهو المستهلك وسيكون الثالث من هذه المباحث مخصصاً لتأطير نطاق حماية المستهلك من الشروط المألوفة في حين سنخصص الرابع منها لبيان الآثار المترتبة على هذه الحماية ,ثم يلي ذلك خاتمة نبين فيها أهم النتائج والأستنتاجات التي سنتوصل إليها  ضمن طيات هذا البحث.






المبحث الأول: مفهوم الشروط المألوفة في العقود التجارية

   إن أصل كون العقد شريعة المتعاقدين يرتكز عليه جواز إتفاق عاقديه على تحديد مضمونه وتأطير نطاقه وعلى تضمينه ما يشاؤون من الشروط,شريطة آلا تتعارض هذه الأمور جميعها مع النصوص القانونية الآمرة أو النظام العام والآداب و إلا عدَ كل أتفاق يخالفها باطلاً,وتبعاً لذلك فقد يدأب أحد طرفي العقد أو كلاهما على إشتراط كل ما من شأنه أن يحقق غايته من إبرامه آلا وهي مصلحته المرجوة منه,أو بما يحافظ عليها على الأقل,وهو بطبيعة الحال أمر طبيعي,ولكن قد يتخذ هذا الأمر شكلاً مستمراً وغالباً في معظم العقود التي تحمل صفات أو سمات مشتركة أو التي تنظم في محلها حقاً معيناً مما يصبح معه إفتراض كتابة أو إدراج هذه الشروط في العقد أمراً معتاداً,بحيث يمكن الأخذ بحكمها أو القول بأفتراضها حتى وإن لم تكتب على أعتبار إنها شروط ضمنية لا تُخرج العقد المبرم بين طرفيه عن مضمونه وغايته لتعد بموجب هذا الأفتراض شروطاً مألوفةً فيها,والتي يقتضي تحديدها تقسيم هذا المبحث على مطلبين سيكون أولهما معقوداً لإيضاح معنى هذه الشروط ويخصص ثانيهما لبيان شروط إعمالها.

المطلب الأول:- معنى الشروط المألوفة في العقود التجارية

  يقصد بالشرط عموماً أحد معنيين أولهما هو’’الأمر المستقبل غير محقق الوقوع والذي يعلق عليه نشوء الالتزام أو زواله‘‘(1),وهو ما يعرف بالشرط كوصف في الالتزام والذي قد يكون شرطاً واقفاً أو فاسخاً تبعاً لتعليق نشوء الالتزام أو زواله على الأمر المشروط,فإن تعلق عليه نشوء الالتزام كان شرطاً واقفاً وإن تعلق عليه زواله كان شرطاً فاسخاً.
  أما المعنى الثاني,وهو الذي يهمنا في هذا البحث,فيراد به’’كل إلتزام بأمر مستقبل ممكن مشروع يضيفه المتعاقدان إلى العقد المبرم بينهما بحيث يتقيد به حكم العقد تغييراً أو تعديلاً أو إضافة‘‘( ),وهو ما يطلق عليه مصطلح الشرط المقترن بالعقد,والذي يكون جزءاً من العقد وبنداً من بنوده,ويكون هذا الشرط صحيحاً إذا كان مما يقتضيه العقد أو يلائمه أو جرى به العرف والعادة أو فيه منفعة لأحد المتعاقدين أو كلاهما ما لم يكن ممنوعاً قانوناً أو مخالفاً للنظام العام أو الآداب, إذ تنتفي صحته في هذه الحالة فسيكون باطلا1(2).
  وإستناداً لما يحققه المعنى الأخير للشرط من مصلحةٍ لأحد المتعاقدين,لذا فقد يعتاد من يبغي تحقيق هذه المصلحة إدراج شروط معينة في العقود التي يبرمها مع الغير ويكررها بشكل يجعل من وجودها أمراً عادياً وخاصةً إذا أستند في ذلك إلى ما تحدده الأعراف أو العادات التي تحكم هذه العقود وتنظمها,وبما يجعل من هذه الشروط شروطاً مألوفة فيها,والتي تعرف عموماً بأنها’’الشروط التي تتكرر في نوع معين من العقود‘‘(1) أو,وبتخصيصها أكثر,هي الشروط التي’’يجري على إدراجها في العقود على سبيل التقليد والمحاكاة,لإستقرار العمل بها وجريان عرف التعامل على ذلك‘‘(2),بمعنى أنها’’الشروط التعاقدية التي يتكرر العمل بها على مستوى المجتمع أو على مستوى فئة أو طائفة من فئاته أو طوائفه إلى الحد الذي يولد الشعور أو الأعتقاد بإلزامها‘‘(3)أو هي’’الشروط التي جرت العادة فقط على إدراجها في العقود,حتى صار يؤخذ بها وإن لم تدرج فيها,وأصبحت لكثرة إستعمالها,تعد حكماً واردةً في فئات معينة من العقود وهي شروط أكثر تحديداً من العرف‘‘(1).
  ويبدو لنا مما تقدم أن الشروط المألوفة في العقود هي’’الشروط التي يكثر أدراجها في عقود معينة لدرجة أنه يصبح من المعتاد القول بوجودها والأخذ بحكمها حتى لو لم تذكر صراحة فيها لتولد شعور لدى عاقديّ هذه العقود بإلزامها متى ما أتفقت مع أرادة كل منهم ونيته عند إبرامهم العقد‘‘.
  وتبعاً لذلك يتضح أن الشروط المألوفة هي الشروط التي يتكرر إيرادها في العقود ذات الطبيعة الواحدة وذلك إما بذكرها بشكل صريح في هذه العقود,كما في الشروط العامة الواردة في العقود النموذجية المعدة سلفاً من خلال ما يورده محرروها,وبشكل تلقائي,من عبارات غالباً ما تكون متماثلة في الصياغة,كشروط الإعفاء من المسؤولية أو التقليل منها التي ترد في عقود النقل والتوريد والإيداع في المستودعات مثلاً,أو بشكل ضمني وذلك عندما تكون مفهومه ضمناً لدى المتعاقدان اللذان يأخذان بحكمها من خلال إضافة الشروط التي جرت بها العادة للعقد ولو لم ترد صراحةً فيه,شريطة إتفاقهما معاً عليها وهي ما تعرف بالعادات الإتفاقية(1),ويرتبط الشرط المألوف في هذه الحالة بالصيغة المكتوبة,إذ لا توجد شروط مألوفة مفهومه ضمناً لدى المتعاقدين طالما لم ترد,في بادئ الأمر,صراحةً في العقد,إذ يؤدي كثرة إيرادها فيه إلى آلفتها بالنسبة إليهم كشرط المصلحة التأمينية في عقود التأمين(2)والشروط التي جرت المطاعم والفنادق على الأخذ بها من إضافة نسبة مئوية لحساب الخدمة على الحساب النهائي للزبون(3),إذ تعد هذه الشروط موجودة في هذه العقود حتى لو لم تذكر فيها صراحةً,ذلك أنها من بديهيات الأمور فيها.
  وإنطلاقاً من ذلك فإن السؤال الذي يمكن أن يطرح هنا,هو,هل يكتفى بتكرار إدراج شروط معينة جرت الأعراف أو العادات التجارية على ذكرها في بعض العقود التجارية للقول بآلفة هذه الشروط ؟ وإشتقاقاً من السؤال ذاته ما هو التكرار الذي تتحقق به هذه الآلفة,هل هو مجرد التكرار اللفظي للشروط ذاتها أم يمكن أن يعد تكراراً إيراد ذات حكم ومضمون هذه الشروط مع إختلاف الألفاظ في كل عقدٍ تجاري على حده ؟
  إن أول ما يتبادر إلى الذهن لإمكانية الإجابة على السؤال أعلاه هو تحديد الطريقة التي تتحقق بها آلفة هذه الشروط والتي تقابل _بكل تأكيد_ في معناها ما مفاده أن هذه الشروط ليست بغريبة في إطار بعض العقود التجارية وإن أمر إيرادها أو ذكرها قد بات أمراً معتاداً ودارجاً فيها,مما يقتضي معه ربط طريقة حصول هذا الإعتياد بتكرار إيرادها بشكل مستمر في هذه العقود,وهو ما يعد بحد ذاته كافياً لإفتراض وجود هذه المألوفية من دون الحاجة لإشتراط أمر أخر لذلك(1).
  ويقصد بالتكرار’’إطراد العمل في العقود على إدراج الشرط بصورة منتظمة لا تنقطع ولا تتغير على نحو يتوافر فيه معنى الاستقرار والثبات على إتباع مضمونه‘‘(1), بمعنى إعتياد المتعاقدين أو أحدهما على إدراجه في عقوده ذات الطبيعة الواحدة على شكل صيغ نموذجية تحمل المضمون ذاته وبطريقة واحدة من دون تعديل ,ومن دون الحاجة إلى إبرام عقد جديد أو إيراد شروط جديدة تختلف عن سابقها في العقود المماثلة(2),وهو ما يمكن تلمسه بشكلٍ جلي مثلاً في الشروط التي تكرر المصارف إيرادها فيما يخص تحديد مسؤوليتها أو نفيها في حالات معينة في عقود فتح الحساب الجاري التي تبرم بينها وبين زبائنها الذين يرومون فتحه لديها(1),أو ذات هذه الشروط في عقود النقل(2).
  وتجدر الإشارة إلى إنه وإستناداً إلى قاعدة إن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني(3),فلا يمنع من القول بتكرار الشروط حتى وإن إختلفت طريقة صياغة الأخيرة متى ما أتحدت هذه الصياغة مع غيرها في العقود ذاتها من حيث المضمون كالشروط التي تقضي بكون قسط التأمين محمول لا مطلوب في عقود التأمين(4),أو التي تحتفظ بموجبها الشركات السياحية,في حالة إضطرارها بسبب ظروف خارجة عن إرادتها,إلى إمكانية تعديل العقد وشروطه الأخرى أو حتى إلغاء التعاقدات بشأن برامجها السياحية التي تعاقدت عليها(1).
 هذا وينبغي أن لا يفوتنا التمييز بين ما يشترط لتكون بموجبه الشروط مألوفة وهو ما يتمثل بتكرارها لفظاً أو معنىً في العقود,وبين ما يشترط لإمكانية تطبيق هذه الشروط على طرفي العقد,وهو ما يتحدد بإنطباقها مع النية المشتركة لهما وبعدم مخالفتها للنظام العام والآداب ولأي نصٍ قانونيٍ آمر,إذ يتعذر بإنتفاء أحدهما الأخذ بما تقضي به هذه الشروط على الرغم من بقاء كونها مألوفة فيه مما يترتب عليه إهمالها أو إبطالها,بمعنى أن الشروط  لا تعد مألوفة أصلاً ما لم يكن وجودها ليس بغريب في عقود أعتاد مبرموها تضمين هذه الشروط فيها,في حين أنها تعد كذلك,إلا أنها لا تنشأ أي من آثارها,إن أختلفت مع نية شارطها ومن شُرطت عليه أو تعارضت مع النظام العام والآداب والنصوص القانونية الآمرة,وهو ما سنحاول إيضاح تفصيله في المطلب الأتي

المطلب الثاني:- شروط إعمال الشروط المألوفة في العقود التجارية


 إن إمكانية إعمال الشروط المألوفة في العقود التجارية بما يجعلها حجة بما ترتبه من آثار على المتعاقدين يتوقف على مدى تحقق شرطين يتمثل أولهما بعوامل داخلة في العقد ( 1),ويتحدد تبعاً لها مضمونه من خلال بيان النية المشتركة للمتعاقدين,ويستند ثانيهما على عوامل خارجة عنه تقوم على ما يحدده النظام العام والنصوص القانونية الآمرة من نطاق ما يجوز لإرادتهما الأتفاق عليه. 
 ويقصد بالنية المشتركة للمتعاقدين’’كل ما أتفق عليه المتعاقدان,وتقابلت إرادتهما الحقيقية بشأنه,فعبرا عنه بتعبيرات متطابقة تكشف عن مضمونها‘‘(1),وهي ما يتم إستخلاصه أما من واضح الألفاظ والمعاني التي يوردها طرفي العقد في عقدهما,على إعتبار أن هذه الألفاظ هي ما تدل على الإرادة الظاهرة لهما,ما لم تنحرف أو يصيب الغموض ما ابتغاه صاحباها فيما أوردوه من عبارات عن المعنى الحقيقي المقصود من وراء إبرام العقد,إذ يتم في هذه الحالة اللجوء إلى البحث عن هذا المعنى في طيات كامن الإرادة لا ظاهرها,أي عدم التقيد بالمعنى الحرفي للألفاظ خاصةً إذا كانت غامضة أو قاصرة حتى في وضوحها على تحديد جانب من العقد دون آخر,وغالباً ما تُستَشف الإرادة في هذه الحالة من الاعتماد على ما تحدده طبيعة التعامل أو الثقة المفترضة بين طرفيّ العقد,بالإضافة إلى ما يفرضه الغرض من العقد ذاته و مضمونه ككل من جهة,أو على ما تفرضه الأعراف الجارية في المعاملات والظروف الشخصية والموضوعية التي دفعت إلى التعاقد أصلاً من جهة أخرى(1),إذ يمكن بمجموعها أو بأي منها التعرف على ما قصده المتعاقدين عند إبرامهم للعقد وما هي الوجهة القانونية التي  حدداها لإرادتيهما وبما يجعل من هاتين الإرادتين متطابقتين إلى اقرب الحدود.
  وأياً ما كان الأمر فأن وجود الشرط المألوف في العقد لا يكفي بحد ذاته للآخذ بلزوم تطبيق ما يقضي به من حكم إن كان يتعارض في مضمونه مع ما حددته النية المشتركة للمتعاقدين,حيث يتم تحديد هذا المضمون بإستقراء معنى الشرط المألوف من خلال ما يفهم من باقي عبارات العقد وشروطه الأخرى التي توضح هذه النية,فإن أتفق مع هذه الشروط في المعنى القصدي وجب الأخذ به لأتفاقه مع ما يعبر عن نية المتعاقدين المشتركة من عبارات وشروط واضحة في الكشف عنها,أما إذا تعارض هذا الشرط معها لزم إستبعاده سواء كان هذا الشرط من الشروط المعدة مسبقاً في العقد أو التي تم تحريرها أثناء إبرامه(1),وهو أمر منطقي بإعتبار إن هذا الشرط لم يكن ليمثل سوى الإرادة الواضحة لشارطه والذي أعتاد تكرار إيراده في عقوده,في حين إن النية المشتركة لطرفي العقد تمثل إرادتيهما الحقيقية(حتى وإن كانت الباطنة)والتي تعلو على الإرادة الواحدة,مما يتعذر معه قبول القول بالأعتداد بحكم الشرط المألوف أو تطبيقه ما دام يخالفها,إذ أنها تمثل تعديلاً صريحاً أو ضمنياً له مما يوجب إهماله( 2).
  ومن جهة أخرى فأنه لما كان يحق للمتعاقدين أن يضمنوا عقدهم ما يشاؤون من الشروط وان يحددوا نطاقه بما تتفق عليه إرادتيهما إستناداً إلى إن العقد شريعة المتعاقدين,فأن هذا الحق مقيد بعدم مخالفة الإرادة للنظام العام والآداب والنصوص القانونية التي تحكم وتنظم العلاقات بين الأفراد والتي يتحدد تبعاً لها مدى إمكانية تحقيق العقد لآثاره من عدمه من خلال عده صحيحاً أم باطلاً إبتداءاً من حيث الأصل,إستناداً لتوافر شروطه العامة التي تفرضها هذه النصوص.
 وحيث أن النظام العام والآداب يمثلان’’مجموعة المصالح الأساسية للجماعة والأسس التي يقوم عليها كيان المجتمع,سواء كانت هذه المصالح والأسس سياسية أو إجتماعية أو إقتصادية أو خلقية والتي يعرض الإخلال بها كيان المجتمع إلى التصدع والإنهيار‘‘( ),وهو ذات ما تقوم عليه النصوص القانونية من تنظيم لعلاقات الأفراد أو ما تراعيه من مصالحهم,وإن تفاوتت هذه النصوص في ذلك بين نصوص قانونية آمره لهم وبين مفسرة ومكملة لإرادتهم,لهذا فقد بات لزوم إتباع ما يفرضه النظام العام والآداب وما تحدده النصوص الأولى وعدم مخالفتها أمراً واجباً ومحتماً,وذلك لأنها تعد’’القواعد التي تلزم الكافة بأحترامها,فلا يجوز مخالفتها أو الأتفاق على إستبعادها‘‘( ),ولا يمكن الإلتفاف على مضمونها ومخالفته أو إعتذار أي طرف في العقد بعدم علمه أو جهله بها( ),وهو ما لا يكون كذلك فيما خص الثانية من هذه النصوص والتي لا تتعدى في مهمتها سوى تفسير أو تكميل ما نقص نية المتعاقدين من التعبير عن تطبيق ما تتضمنه من أحكام في حالة عدم وجود نص يخالفها,بمعنى إنها تنظم علاقات الأفراد في ترتيب ما غفلوا عنه من أمور أو مسائل وردت في اتفاقهم( ).
  وتبعاً لذلك فلا يعتد بمألوفية الشرط حتى لو درج تكراره في العقود بشكل مستمر مادام لا يخرج في مضمونه عن شرط مخالف للقانون في نصوصه الآمرة أو النظام العام والآداب إذ يبطل في هذه الحالة لوحده أو مع العقد الذي تضمنه إن كان هو الدافع إلى إبرامه( ),وهو ما لا يماثل في حكمه إن خالف الشرط المألوف نصاً قانونياً مفسراً إذ يُعمل بالشرط,هنا,ويهمل النص المفسر,ذلك إن الأخير مما يجوز الاتفاق على خلافه.




المبحث الثاني:-مفهوم المستهلك


  إذا كان مصطلح المستهلك قد حظي,بادئ الأمر,بأهتمام علماء الإقتصاد,دراسةً وتحليلاً,على إعتبار إنه المصب لأخر عمليات الدورة الإقتصادية المتمثلة بالإستهلاك والتي تخصص فيها القيم الإقتصادية لإشباع الحاجات,وتبعاً لذلك فأنه يعد,إقتصادياً,مستهلكاً الشخص الذي يقوم بعملية الإستهلاك,وهو في الوقت ذاته الغاية من وجودها,إلا إن هذا لا يمنع من القول بأن هذه الأهمية على الصعيد الإقتصادي قد فاقها ما ناله على الصعيد القانوني,وإن لم يتجلى إلا مع مطلع العقد السابع من القرن الماضي,إذ تحول مفهوميّ المستهلك والإستهلاك من مجرد فكرة إقتصادية صرفه إلى فكرة قانونية شغلت مكانة بارزة في التشريع ولدى جانب كبير من فقهاء القانون,خاصةً بعد أن كثرت التشريعات التي عالجت وبشكل رئيس تنظيم ودعم حماية المستهلك فيما يبرمه من عقود إستهلاكية بوصفه الطرف الضعيف فيها,وعليه ومن أجل الإحاطة بمفهوم المستهلك توجب علينا بادئ ذي بدء بيان تعريفه أولاً,ومن ثم تحديد الشروط الواجب توافرها لاكتسابه صفة المستهلك ثانياً,وذلك في المطلبين الآتيين:-
المطلب الأول:-تعريف المستهلك

  إذا كانت العملية الأستهلاكية تعني إنها آخر العمليات الاقتصادية التي تخصص فيها القيم الإقتصادية من سلع وخدمات لإشباع حاجات معينة,فإن منطقي الأمور يقضي بعّد كل فرد يمارسها مستهلكاً,إلا إن إطلاق الأمر على عواهنه يقود إلى تعريف المستهلك بأنه الشخص الذي يروم الحصول على متطلباته الأساسية أو الكمالية,ليس فقط,لسد حاجاته الشخصية وإنما لتلبية حاجاته المهنية أيضاً,ولهذا فقد ذهب بعض الفقه إلى تعريف المستهلك بأنه’’كل شخص يتعاقد بهدف الاستهلاك‘‘( ),أو هو’’كل شخص يهدف إلى إشباع حاجاته الشخصية أو المهنية‘‘( ),في حين أتجه أغلب الآخر منه إلى لزوم تضييق نطاق هذا التعريف وذلك بقصره على’’كل شخص يتعاقد للحصول على حاجاته الشخصية أو العائلية‘‘( ),أو على’’الشخص الذي لأجل إحتياجاته الشخصية,غير المهنية,يصبح طرفاً في عقد للتزود بالسلع والخدمات‘‘( ).
  ويلاحظ على هذين الجانبين أنهما وإن إتفقا على تعريف من يبغي الحصول على حاجات شخصية أو عائلية بالمستهلك,لكنهما إختلفا على ذلك عند تعلق هذه الحاجات بمهنته أو تجارته,إذ تمسك أصحاب الإتجاه الأول بالمعنى الحرفي للإستهلاك والذي يتمثل بإستعمال كل ما يحصل عليه الفرد,مهنياً كان أم لا,من سلع وخدمات يحتاجها بغض النظر عن سبب هذا الإحتياج,ولهذا يعّد مستهلكاً_وفقاً لهذا الإتجاه_من يشتري مثلا ًسيارة لغرض إستعمالها سواء كان لإستعماله الشخصي أو لإستعماله المهني مادام إن السيارة في الحالتين ستهلك بالإستعمال.( ) 
  في حين أعتمد أصحاب الإتجاة الثاني على المعنى القصدي للإستهلاك عند تعريفهم للمستهلك,فصحيح أن السلع أو الخدمات_تستهلك_عند حصول الفرد عليها,ولكن القصد من هذا الإستهلاك هو الذي يحدد صفة صاحبها لا مجرد فعل الأستهلاك فقط,فإذا كان القصد هو إشباع حاجات شخصية فإن هذا الأمر لا يتم إلا من خلال إيصال هذه السلع والخدمات إلى مرحلة السكون أو الركود والذي يصبح معه من العسير بمحل أن يعاد إدخالها من جديد في عملية الإنتاج أو التوزيع لكي يمكن القول بإخراجها من نطاق الإستهلاك,أما إذا كان القصد هو إشباع حاجات مهنية أو تجارية فهي مسألة تقضي بلزوم إدماج هذه الخدمات أو الحاجات في عمليات الإنتاج والتداول,بمعنى إدخالها في العملية الإقتصادية من جديد,ومن ثم إمكانية إستهلاكها مرة أخرى.( )
 ويبدو إن هذا الإختلاف قد أنعكس على مسألة تعريف المستهلك_تشريعياً_وذلك بأن أخذت بعض التشريعات التي أوردت تعريفاً للمستهلك بما ذهب إليه أصحاب الإتجاه الأول إذ إستندت على المعنى الحرفي للإستهلاك عند تعريفها للمستهلك كقانون حماية المستهلك التونسي رقم117 في7 ديسمبر1992 الذي نص في(م 2 ف د)منه على إن المستهلك هو’’كل من يشتري منتوجاً لإستعماله لغرض الإستهلاك‘‘,وقانون حماية المستهلك العماني رقم 81 لسنة 2002 الذي أوضحت(م1)منه أن المقصود بالمستهلك هو’’كل شخص طبيعي أو معنوي يشتري سلعة أو خدمة أو يستفيد من أي منهما‘‘,وكذلك مشروع قانون حماية المستهلك الأردني لسنة2006 الذي بيّن في(م 2)منه أن المستهلك هو’’مشتري السلعة أو الخدمة لغرض الإستهلاك,ويعتبر لإغراض هذا القانون كل مستفيد من السلعة أو الخدمة مستهلكاً‘‘ ومشروع قانون حماية المستهلك العراقي الصادر في 28/ 5/ 2009 والذي نص في الفقرة خامساً من المادة الأولى منه على أن المستهلك هو " الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يتزود بسلعة أو خدمة بقصد الإستفادة منها ",في حين سلكت تشريعات أخرى مسلك أصحاب الإتجاه الثاني كما في قانون إعلام وحماية المستهلكين للسلع والخدمات الفرنسي رقم23 لسنة 1978 والذي عرف في(م 2)منه المستهلك بأنه’’من يستخدم المنتجات لإشباع حاجاته الخاصة أو إحتياجات الأشخاص المسؤول عنهم وليس لإعادة بيعها ,أو تحويلها أو إستخدامها في نطاق مهنته‘‘( ),وبذات المعنى جاءت المادة(2 ف أ)من التوجيه الأوربي رقم 13/93 لسنة 1993 بأنه’’كل شخص طبيعي يتصرف في عقود لغايات لا تندرج في إطار نشاطه المهني‘‘( ).
 وهي تعاريف لم تخرج بعض التشريعات العربية عن سياقها كما يلاحظ ذلك في(م 2)من قانون حماية المستهلك اللبناني رقم 659 لسنة 2005 والتي نصت على إن المستهلك هو’’الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يشتري خدمة أو سلعة أو يستأجرها أو يستعملها أو يستفيد منها,وذلك لأغراض غير مرتبطة مباشرةً بنشاطه المهني‘‘,و(م 1)من قانون حماية المستهلك المصري رقم 67 لسنة 2006 التي جاء فيها’’المستهلك كل شخص تقدم إليه أحد المنتجات لإشباع إحتياجاته الشخصية أو العائلية أو يجري التعامل أو التعاقد معه بهذا الخصوص‘‘.
  وأياً كان الأمر فيبدو إن الإتجاه الثاني هو الأقرب للدقة وذلك لأن الاستهلاك يعني’’تدمير أو إهلاك السلع والخدمات المنتجة‘‘( )والذي قد يكون إهلاكاً قانونياً أو مادياً بما يحول دون إعادة إستثمار هذه السلعة أو الخدمة مرة أخرى,أو بمعنى أخر بإستعمالها بطريقة تنتفي فيها نية تحقيق الربح المادي منها لأنه يمثل المرحلة الأخيرة في الدورة الإقتصادية.هذا من جهة ومن جهة أخرى كيف يمكن أن تعّد تصرفات المهني القانونية التي يبرمها بغية إقتناء سلع أو الحصول على خدمات لكي يتمكن من إستثماره في حرفته أو تجارته تصرفات صادرة من مستهلك محترف ومتخصص في مجال إستهلاكه ,بحيث يمكن إطلاق لفظي المستهلك والمهني على ذات الشخص وعن ذات التصرف في آن واحد,أللهم ما لم يكن هذا المهني’’غير محترف أو متخصص‘‘في نطاق ما يستهلكه فيصبح في هذه الحالة’’غير مهني‘‘بالنسبة لما يقوم به من تصرفات,ذلك إنه لا يمكن لأي شخص مهما بلغت قوته الإقتصادية والفنية أن يكون’’مهنياً‘‘صرفاً,من دون أن يضطر لإستهلاك سلعة ما أو لعدة سلع,ومن ثم فإنه سيخرج من نطاق معنى’’المهني‘‘ و يتحول إلى’’مستهلك‘‘مادام الأمر يخرج عن نطاق’الأمور المتعلقة بمهنته أو تجارته‘دون العكس.( ) 
وعليه يمكننا القول أن المستهلك هو’’ كل شخص يبرم تصرفات قانونية بهدف الحصول على سلع أو خدمات بغية الإستفادة منها لإشباع حاجات شخصية أو مهنية غير متخصص فيها‘‘.

المطلب الثاني:_شروط إكتساب صفة المستهلك


أياً كان الإختلاف في تعريف المستهلك فإن الاتفاق منطبق على أن إكتساب هذه الصفة لا يتم إلا متى ما توافرت شروط معينة في من يراد وصفه بها,ويمكن تلمس هذه الشروط _بطبيعة الحال_من تعريف المستهلك ذاته,والذي يقودنا إلى إستخلاصها بثلاثٍ هي:-
1_أن يكون المستهلك شخصاً طبيعياً أو معنوياً.
2_أن يبغي من تصرفه القانوني الحصول على سلع أو خدمات.
3_أن يهدف من إقتناء هذه السلع أو الخدمات لإشباع حاجات شخصية أو مهنية غير متخصص فيها .
والتي سنوضحها على التفصيل الآتي:-

1_أن يكون المستهلك شخصاً طبيعياً أو معنوياً:-

  قد يبدو هذا الشرط بديهياً إذا ما نظرنا إلى إن إمكانية إبرام التصرفات القانونية لا يتم إلا بين شخصين أو أكثر,ومن ثم فمن غير المتصور أصلاً إنتفاءه إذا كنا نتحدث عن حماية المستهلك في نطاق هذه التصرفات,ولكن هذه البداهة لا تنفي لزوم تحديد من تنطبق عليه هذه الصفة إذا لاحظنا إن مفهوم الشخص قانوناً قد يعني الشخص المعنوي كما الطبيعي على حدٍ سواء.( )
وكأختلافها في تعريف المستهلك فقد أختلفت بعض التشريعات في بيان هذا التحديد عن بعضها الأخر إذ حصر جانب منها شخص المستهلك بالشخص الطبيعي دون المعنوي كالتوجيه الأوربي رقم 93/13لسنة 1993( ),على إعتبار أن الشخص المعنوي _حتى على فرض إحتياجه للحماية التي يكتسبها حامل صفة المستهلك _فأنه يملك من الأدوات والإمكانيات المتمثلة بالجهات التي تديره وتسير شؤونه بما يمكنه من التعامل مع الطرف الأخر كندٍ له وليس كطرف ضعيف قليل الخبرة أمامه,ومن جهة أخرى فإن أي إختلال أو إجحاف فيما يترتب للشخص المعنوي أو عليه من حقوق أو إلتزامات لا يحتاج هذا الشخص لرفعها عنه بأن يوصف بالمستهلك حمايةً له,ذلك إن تبعة هذا الإختلال تقع على عاتق من يمثله قانوناً متى ما ثبت تسببه به( ).
 في حين أطلق الجانب الأخر منها معنى المستهلك من دون تقييده بالشخص الطبيعي فقط,وإن كانت قد أتجهت في ذلك إلى أحد أسلوبين تمثل أولهما بإيراد لفظ عام من دون تحديد للفظ الشخص كما في قانون إعلام وحماية المستهلكين للسلع والخدمات الفرنسي رقم23 لسنة 1978( ) والذي سار على ذات نهجه المشرع القطري في م 1 من قانون حماية المستهلك رقم 8 لسنة2008 والتي عرفت المستهلك بأنه’’كل من يحصل على سلعة أو خدمة,بمقابل أو بدون مقابل,إشباعاً لحاجاته الشخصية أو حاجات الأخرين,أو يجري التعامل أو التعاقد معه بشأنها‘‘( ),وجاء ثانيهما بتفصيل هذا المعنى وبيان أن المقصود منه يشمل اللفظين معاً كالمشرع العماني واللبناني العراقي( ),وهو إطلاقٌ أيده أغلب الفقه( ),مستندين في ذلك إلى أن إفتراض وجود هذه الإمكانيات و الأدوات لا يعني حتماً إنها ستخصص لإغراض مهنية بقدر تعلق الأمر بكونها وسائل لممارسة هذا الشخص للصلاحيات التي أكتسبها بحكم القانون عند منحه الشخصية المعنوية,ومن ثم فهي أدوات يتوصل من خلالها إلى التمتع بالأهلية التي يستطيع(بتوافرها)إبرام تصرفاته القانونية_ والتي من المنطقي_أن تكون عقود الإستهلاك من ضمنها,يضاف إلى ذلك أن وجود ممثل قانوني يمكن أن يتحمل المسؤولية عن الإجحاف الذي قد يلحق بالشخص المعنوي نتيجةً لخطأ الأول لا يختلف في وجوده عن ذات الحالة إذا كان ممثلاً قانونياً عن الشخص الطبيعي,كما لو كان وصياً أو ولياً عليه,إذ أن هذا الأمر لم يحرم هذا الشخص’’الطبيعي‘‘من إكتساب صفة المستهلك,فلماذا يحرم منها الشخص المعنوي رغم أن السبب واحد في الحالتين؟ ومهما يكن من الأمر فإن منطقية ما ذهب إليه هذا الجانب تفرض الأخذ بصحته,ومن ثم يمكننا القول أن صفة المستهلك يمكن أن تمنح لكل من أكتسب الشخصية القانونية طبيعياً كان أم معنوياً,مادام الأمر متعلقاً بالحصول على سلع أو خدمات لا يروم من وراءها تحقيق ربح.

2_أن يبغي المستهلك من تصرفه القانوني الحصول على سلع أو خدمات:-

 ويقصد بهذا الشرط أن ينصب محل التصرفات التي يقوم بها الشخص الطبيعي أو المعنوي على الحصول على سلع أو خدمات أياً كان نوعها مادامت قابلة للإستهلاك من خلال الإنتفاع بها,ومما يلاحظ في هذا الخصوص أن السلع من حيث مفهومها لا ينحصر بنطاق معين إذ إنها تشمل المنقولات كافة بغض النظر عن قابلية تكرار إستهلاكها لأكثر من مرة من عدمه,فالملبوسات التي يلبسها الفرد والأغذية التي يأكلها تعد سلعاً شأنها شأن السيارات التي يقودها والأثاث الذي يستعمله,رغم إختلاف الصفة التي تلحق بها إذ تعد الأولى سلعاً قابلة للإستهلاك الفوري وتوصف الثانية بأنها سلع معمرة( ),ومن جهة أخرى فأن هذا المفهوم يتسع في نطاقه ليضم الأموال غير المنقولة أيضاً,إذ يمكن إن يعد العقار سلعة عندما يتعلق الأمر بشراءه أو إستئجاره لإغراض غير مهنية كالسكن فيه مثلاً( ).
 أما الخدمات فيقصد بها’’جميع الأداءات التي تّقوم بالنقود عدا تجهيز البضائع‘‘,وينضوي تحت مفهومها الخدمات ذات الطبيعة المادية كالنقل وإصلاح السلع,والخدمات ذات الطبيعة المالية كالتأمين والقرض وإلتزام المرافق العامة,وأيضاً الخدمات ذات الطبيعة الفكرية كالخدمات الطبية والإستشارات الهندسية والقانونية( ).
  ويلاحظ إن هذا الشرط قد تباينت التشريعات منه نطاقاً وآليهً,حيث قصرت بعضها نطاقه على السلع أو المنتجات حصراً دون أن تمده لإستهلاك الخدمات أيضاً كقانون إعلام وحماية المستهلك الفرنسي وقانون حماية المستهلك التونسي والمصري( ),في حين أدخلت الأخرى ضمن هذا النطاق ما يسمى بإستهلاك الخدمات في نصوصها كقانون حماية المستهلك العماني واللبناني ومشروعيّ حماية المستهلك الأردني والعراقي( ).
 ومن جهة أخرى فقد حُددت آلية تحققه بإحدى وسيلتين تتمثل أولاهما بما يدخل ضمن نطاق مفهوم الإستفادة والتي حصرتها أغلب التشريعات بعملية الشراء لهذه السلع أو الخدمات( ),وأن كانت تشريعات أخرى قد أضافت عمليات الإستئجار والإستعمال لها( ),وثانيهما بما يتأتى من التصرف القانوني عموماً( ),وهو مفهوم أوسع وأشمل من مجرد الشراء أو الإستئجار أو الإستعمال حتى,إذ أنه يشمل كل وسيلة يمكن أن يتم بواسطتها الحصول على هذه السلع أو الخدمات بغية الإستفادة منها,وهي الوسيلة الأدق,ذلك أن إقتصار تصرفات المستهلك على التصرفات التي يقوم بها ضمن عقد البيع فقط فيه فهم قاصر لمعنى عملية الاستهلاك والتي تتعلق بإهلاك السلع والخدمات من دون أن تحدد الوسيلة أو الطريقة التي يمكن أن تصل بها هذه السلع أو الخدمات إلى من ’’يهلكها‘‘ بالشراء أو الإستئجار فقط.
 3_أن يهدف من إقتناء هذه السلع أو الخدمات إشباع حاجات شخصية أو مهنية غير متحصص فيها :-
 يعد هذا الشرط جوهرياً,إذ يمثل معياراً للتمييز بين المستهلك والمهني,أو هو المعيار الذي إستناداً إليه يمكن أن يمنح المهني صفة المستهلك بوصفه غير مهني فيما يستهلكه,ويقوم هذا الشرط على أساس أنه لكي يعد الشخص الطبيعي أو المعنوي مستهلكاً في تصرفاته القانونية التي يبرمها للحصول على السلع والخدمات التي تنفعه,يجب أن يكون مستهلكاً نهائياً بالمعنى الإقتصادي ولا يتأتى ذلك إلا عندما لا تكون لديه نية مسبقة للمضاربة بهذه السلع أو الخدمات أو تحقيق ربح عن طريق إعادة بيعها أو تصنيعها,لأن هذا الأمر يعني إعادتها إلى الدورة الإقتصادية من جديد وعدم إستهلاكها بالمعنى القانوني’’سواء كان الإستهلاك فورياً أم متراخياً‘‘( ),وبمعنى أخر أذا كان الغرض من حيازة السلعة أو إستعمالها هو أن ينتهي دورها بهذا الإستعمال بإشباع حاجات شخصية فهي سلعة إستهلاكية,ويكون الشخص الذي يحوزها أو يستعملها مستهلكاً لها,أو إذا كان الغرض هو أدخالها في عملية أخرى تتعلق بالتجارة أو الصناعة,حتى لو كانت بالنهاية ستستهلك فهي لا تعد سلعة إستهلاكية,ومن ثم لا يعد من يستخدمها أو يستعملها في هذه المرحلة مستهلكاً لها وإنما قد يكون تاجراً أو حرفياً إذا كان هذا الأمر داخلاً في امور تجارته أو حرفته بشكلٍ مباشر وفي مجالها بحيث يكون عالماً ومتخصصاً فيها.
وتجدر الإشارة إلى أن معيار تحقق الغرض الأول أوالثاني يستند على طبيعة الحاجة التي يروم الشخص الحصول عليها,فإذا كانت هذه الحاجة من الحاجات الشخصية أو العائلية فيعد الغرض الأول دون الثاني متحققاً وتعد السلعة أو الخدمة التي تُشبع بها هذه الحاجة إستهلاكية لا يروم صاحبها  من وراءها الحصول على أي ربح وإنما مجرد إشباع حاجات آنية أو مستقبلية ليست ذات طابع مالي,كمن يشتري سيارة لإستعماله الشخصي,في حين أن كون الحاجة المراد الحصول عليها ذات طبيعة مهنية وفي مجال نشاطه المباشر وتخصصه بحيث تخدم مهنته أو تجارته ، فتكون السلعة أو الخدمة التي أوصلتها إليه غير إستهلاكية,ومن ثم ينتج عنها تحقيق عائد أو ربح مالي,كمن يشتري السيارة لإستعمالها في عملية نقل البضائع إلى الموردين الفرعيين لمنتجاته,وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال ماذهبت إليه أغلب التشريعات( )والتي أيدها في ذلك الفقه( )
والقضاء في أغلب أحكامه (   ).





المبحث الثالث:-نطاق حماية المستهلك من الشروط المألوفة في العقود التجارية


  أن نطاق الحماية اللازم إسباغها على المستهلك فيما خص الشروط التي يفرضها التاجر المحترف إستناداً لكونها مألوفة في تعاملاته وتعاملات غيره من التجار في الحرفة ذاتها,يمكن تحديده من خلال الإجابة عن السؤال الأتي:-
هل إن كل الشروط التي قد يفرضها التاجر المحترف على المستهلك تكون ملزمة الإتباع من قبله بحكم كونها جزءاً من العقود التجارية لهذا التاجر,أم يلزم حماية المستهلك منها وعدّها كأن لم تكن,بحجة إخلالها بالتوازن العقدي بين طرفي العلاقة القانونية وذلك لكونها مفروضة من قبل’’التاجر المحترف‘‘الطرف القوي إقتصادياً وفنياً فيها على الطرف الضعيف’’المستهلك‘‘ ؟
وتتمثل هذه الإجابة في أمرين,أولهما إن الغاية من فرض نوع من الحماية للمستهلك تجاه التاجر المحترف تقوم على أساس إعادة التوازن للعلاقة القانونية التي تربط بينهما وبما يمنع تضرر المستهلك وإنتفاع التاجر على حسابه( ),ولهذا فإذا إنتفى الإختلال أو التجاوز في حدود المساواة بين المستهلك والتاجر المحترف فما من حاجة لفرض أو إيجاد الحماية للأول حتى وإن توافرت فيه شروط إكتساب صفة المستهلك,وثانيهما أنه أذا كان بإمكان التاجر المحترف الإستناد من حيث الأصل في مدى إلزام المستهلك بالشروط المألوفة لديه ووجوب إتباعها من قبل الأخير,لكونها مشتقة من الأعراف التجارية التي تحكم حرفته أو تجارته مما يقتضي معه عدّها,وبحكم القانون,جزءاً مكملاً لنطاق ما يبرمه من عقود أياً كان طرفها الأخر,فأن هذا الأصل يصطدم بعقبتين أولاهما أن الأعراف التي يستند عليها إيجاد هذه الشروط هي أعراف خاصة بفئة معينة هي فئة التجار( ),مما يفهم منه عدم إفتراض علم الكافة_ممن سواهم_بها,ومن ثم إمكانية القول بجهل المستهلك بمعظم هذه الأعراف إن لم يكن بكلها,إن كان عديم الخبرة بالأمور التجارية برمتها,وثانيهما إن هذه الأعراف في غالبها قد وضعت لمصلحة أصحاب هذه الحرفة أو التجارة من حيث مضمونها,ومن ثم فإن الشروط التي تنتج عنها قد تتضمن في فحواها ما يمنح من وجدت لأجله ميزة معينة كالتقليل من إلتزاماته أو الإعفاء منها أو زيادة حقوقه تجاه من يتعاقد معه,بمعنى أن حماية المستهلك من هذه الشروط لا تمتد في نطاقها إلا على الشروط التي يجهلها المستهلك ولا يعلم بها,والشروط التي تحمل في مضمونها تعسفاً أو إجحافاً بحقه,وهو ما سنحاول إيضاحه في المطلبين الآتيين:-

المطلب الأول:-حماية المستهلك من الشروط المألوفة التي لا يعلم بها

  إن أهم طابع تتميز به العلاقة بين المستهلك والتاجر المحترف هو طابع عدم التوازن بينهما إستناداً إلى جهل الأول بأصول حرفة وتجارة الأخير الذي يكون عالماً ومتمكناً فيها,الأمر الذي يجعل من إرادتيهما غير متكافئة مما يقتضي معه إعادة هذا التوازن من خلال إحاطة المستهلك علماً بما قد يجهله وبما يجعل من إرادته مساوية لإرادة التاجر المحترف من حيث القوة في مدى كونها محيطة بكل مضمون العقد المزمع إبرامه ونطاقه,لكي تعد إرادة صحيحة ومستندة على رضا مستنير وغير معيب,ومن ثم فلا يكتفى لإفتراض وجود الرضا وصحته القول بعلم كلا الطرفين بما ورد بنص العقد ذاته فحسب,وإنما لابد من إحاطة هذا الرضا بكل ما يدخل حكماً في العقد,ذلك أن نطاق الأخير لا يقتصر في مضمونه على ما ورد فيه حصراً وإنما يمتد ليشمل أيضاً كل ما يعد من مستلزماته( ) تبعاً لما يحدده القانون أو العرف أو قواعد العدالة من إلتزامات وحقوق على أطرافه وبحسب طبيعة كل إلتزام( ).
وأنطلاقاً من هذه المحددات,فقد عّد البعض أن الشروط المألوفة في العقد التجاري تمثل جزءاً من هذا العقد المبرم بين التاجر والمستهلك حتى لو لم يعلم بها الأخير,ومن ثم يفترض تحقق القبول الضمني بشأنها,ولهذا لا يعد الجهل بها أمراً معفياً من الإلتزام بها,( ).
 وهو قول قد كان مما أخذ عليه إن هذه الشروط حتى وإن عّدت مألوفة,فإن هذه الآلفة قاصرة على نطاق من يتعامل بها وهم التاجر المحترف ومن يحترف بذات تجارته,لأنها وليدة أعراف مهنية خاصة,ومن ثم فأن إفتراض علم الغير بها أمر محل نظر,ذلك إن هذه الشروط وإن أرتقت بفضل الأعراف التجارية إلى مرتبة دخولها في نطاق العقد إلا إن أمر فرضها من قبل أشخاص يملكون بفضل إحترافهم القوة الإقتصادية والفنية التي تتيح لهم صياغتها بشكل ينصب لمصلحتهم دون مصلحة الطرف الأخر يجعله عندها بأمس الحاجة إلى نوع من الحماية القانونية لمصلحته بغية إعادة التوازن بين القوى التي ترسم نطاق العقد وتحدده( ).
 ويبدو أن هذه المآخذ هي الأقرب للدقة,وذلك أن أفتراض العلم بكل ما ورد في العرف بوصفه أحد المحددات المكملة لنطاق العقد من حقوق والتزامات تفرض لأحد الأطراف أوعليه للأخر بموجب إتفاقيات أو شروط مسبقة متبعة ومألوفة ضمن نطاق حرفة أو تجارة معنية إستناداً لقاعدة أن ’’المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً والتعيين بالعرف كالتعيين بالنص‘‘ أو’’المعروف بين التجار كالمشروط بينهم‘‘( ),هو فرض لا يمكن تطبيقه إلا في العلاقات التي تربط التجار أو ذوي الحرف المتشابهة بعضهم بالبعض الأخر,على اعتبار أن كل منهم يعلم بالعرف الذي يحكم أعمال تجارته ويلتزم بالخضوع له,أما في العلاقات مع غيرهم من المتعاملين معهم من غير التجار_كالمستهلك مثلاً_فلا يمكن تطبيقه على إطلاقه ما لم يكن الأخير محاطاً بعلم حقيقي وفعلي بمضمون هذا العرف وما يفرضه من شروط وإلتزامات تقع على كاهله لإمكانية القول بإلزامه به,ويمكن تلمس ما يؤيد ذلك من ملاحظة ما فرضته بعض التشريعات صراحةً من إلتزام على عاتق المتعاقد الذي يعلم بحكم خبرته ودرايته بأمور حرفته وتجارته بإعلام المتعاقد الأخر بها,ومنطقياً فإن هذه الأمور تشمل كافة الشروط التي توصف بالمألوفة بالنسبة للمتعاقد الأول,أياً كان سبب نشأتها كالقانون أو العرف على حد سواء كالمادة 113/3من قانون الاستهلاك الفرنسي لسنة1993 والتي جاء فيها ’’يتعين على كل بائع أو مقدم لخدمة,سواء عن طريق الطبع أو لصق البطاقات أو الفيشات أو بأية طريقة مناسبة,أن يحيط المستهلك علماً بسعر المبيع,وبالشروط الإحتمالية المحددة للمسؤولية العقدية,وبالشروط الخاصة للبيع حسب النماذج المحددة في المراسيم الصادرة من وزير الإقتصاد وبعد أخذ رأي المجلس القومي للإستهلاك‘‘( ),وبذات المعنى أخذت المادة 11من مشروع قانون حماية المستهلك الأردني لسنة2006 والتي نصت على إن ’’أ-مع مراعاة ما ورد بالتشريعات المعمول بها:-على المزود النهائي:-1-إعلان أسعار البيع وشروطه الخاصة ...‘‘,في حين أبرز قانون حماية المستهلك اللبناني لسنة2005 هذا الإلتزام عند تطرقه لحالة قيام التاجر المحترف بالإعلان عن بضاعته أو خدماته التي يروم تقديمها للمستهلك إذ بيَن في المادة 15منه ’’يتوجب على المحترف الذي يلجأ إلى الإعلان عن عرض خاص بهدف ترويج سلعة أو خدمة, أن يحدد المدة التي سوف تتوافر خلالها هذه السلعة أو الكمية المتوافرة,كما عليه أن يعلن عند الاقتضاء عن شروط التعاقد...‘‘,وإن كان يلاحظ أن بعضاً من التشريعات قد ركزت على جانب من هذا الالتزام في محله الخاص ببيان صفات وخصائص البضاعة أو الخدمة المقدمة للمستهلك وذلك لكي يتمكن من اقتناءها كقانون حماية المستهلك التونسي لسنة 1992 في الفصل16 منه( ),وقانون حماية المستهلك المصري في المادة6منه( ),وقانون حماية المستهلك العماني في المادة16منه( ),وهو موقف تجانبه الدقة,ذلك إن الغاية من الإعلام هي إيجاد رضا صحيح متنور وعلى علم بكافة تفصيلات العقد المراد إبرامه,وهو ما لا يكون قاصراً على محل العقد دون نطاقه الذي قد يتضمن إلتزامات تبعية تفرضها الأعراف التجارية المتبعة لدى التاجر المحترف والتي قد ينجم عن العلم بها من قِبل المستهلك قَبل التعاقد إحجامه عن إبرامه.
ولكن ما هي الشروط التي يمكن أن لا يعلمها المستهلك رغم مألوفيتها في العقد؟ 
إن تحديد هذه الشروط لا ينطلق من افتراض مجهولية كافة الشروط التي تفرضها عقود معينة لا يعلم بها المستهلك,وإنما من خلال الصيغة التي ترد بها فيما إذا كانت مكتوبة في العقد المبرم بين المستهلك والتاجر المحترف من عدمه,إذ يمكن في الحالة الأخيرة القول بعدم علم المستهلك بها ما لم يثبت التاجر خلاف ذلك,أما في الحالة التي يدرج فيها التاجر هذه الشروط في عقود نموذجية معدة سلفاً بحيث لا يتطلب إبرامها سوى ملأ بعض الفراغات فيها أو التوقيع عليها من قبل الطرف الأخر فيلاحظ إن هذا الإدراج قد يأخذ أحد طريقين يتمثل أولهما بالإدراج الصريح للشروط المألوفة في العقود التجارية,من حيث مضمونها وبأنها ستكون جزءاً من نطاق العقد المبرم بين التاجر المحترف والمستهلك,وأنه سيتم الرجوع إليها عند تحديد حقوق وإلتزامات كلا الطرفين,ويتأتى ذلك من خلال ذكرها صراحةً في العقد وبشكل واضح ومقروء,أما ثانيهما فيتجلى بالإدراج الضمني لهذه الشروط ,وذلك عندما يذكر في العقد أنه سيحال في تحديد أثاره أو قسماً منها إلى الشروط المألوفة التي تنظم أو تحكم هذه التجارة,من دون بيان واضح ومحدد لها وما يمكن أن تقتضيه من أحكام ,بحيث لا يتجاوز العلم في هذه الحالة سوى العلم بوجودها دون العلم بمضمونها.
وتجدر الأشارة إلى إن مجرد توقيع المستهلك على العقد المبرم مع التاجر المحترف والذي يذكر فيه صراحةً مضمون هذه الشروط أو يحيل عليها,لا يعد كافياً للقول بعلم المستهلك بها,ذلك إن هذا التوقيع لا يمكن أن يمثل الرضا الصحيح لصاحبه ما لم يكن منصباً على شروط موضوعه صراحةً وموجودة لحظة إبرام العقد أو قبلها( ),وفي مكان ظاهر يسهل الاطلاع عليه( ), وبخط بارز يختلف عن الخط الذي صيغت به باقي        الشروط( ),وبطريقة تتيح له فهم المقصود منها من حيث المضمون,وبخلافه فلا يمثل هذا التوقيع الرضا المرغوب الوصول إليه,عن طريق كتابة الشروط التي وقع المستهلك عليها في العقد( ),وخاصةً عندما لا تذكر هذه الشروط صراحةً في العقد,ويكتفي التاجر المحترف بالإحالة عليها من دون تحديد, إذ إنها حتى وإن إندرجت تحت مفهوم الأعراف التي تدخل ضمن نطاق العقد من دون ذكر,فإن هذا الأمر ينطبق على الأعراف التي تسري بين طرفين متساويين في الخبرة والقوة الإقتصادية في العقد,فهي مثلاً تسري(وبدون ذكر) إذا كان العقد مبرماً بين تاجرين أو أكثر, حيث لا يمكن إفتراض جهلهما بها( ),بمعنى أنه يقع على عاتق التاجر الذي يتعاقد مع طرف أخر ليس من نفس أحترافه,إعلام هذا الطرف بالمضمون الصحيح للعلاقة العقدية,وذلك إعمالاً لمبدأ المساواة العقدية وحسن النية والأمانة التي تحكم إبرام وتنفيذ العقود جميعاً( ),ذلك أن القول بعكسه سيجعل من رضا الأخير مشوباً بعيب النقص وعدم الصحة فيما يخص تحديد مضمون إلتزاماته وحقوقه,والأمر الذي يقتضي حمايته من الشروط التي لا يعلم بها وعدها لاغيه أو غير نافذة بحقه,أو إبطال التصرف الذي إستندت إليه بحسب الأحوال التي سيرد ذكرها لاحقاً في هذا البحث عند التطرق إلى أثار هذه الحماية.

تعليقات