القائمة الرئيسية

الصفحات

النظام القانوني لمفاوضات العقود الدولية

النظام القانوني لمفاوضات العقود الدولية

النظام القانوني لمفاوضات العقود الدولية




النظام القانوني لمفاوضات العقود الدولية

الدكتور/ أحمد عبد الكريم سلامة*


إستهـلال


1. العقد قانون الأطراف التعاقدي:  إستقر الفكر القانوني على أن العقد، عموما، هو توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني معين. وهذا الأثر القانوني effet Juridique هو جوهر أو ثمرة التراضي أو الإتفاق بين أطراف العقد، وهو لا يكون كذلك إلا بمقتضى ما وضعه هؤلاء من محددات وضوابط، التي من غيرها لا يمكن الركون إليه، ويظل هملا تتلاطمه أهواء من تصوروه.

خذ مثلا، لو باع شخص سلعة لآخر، فإن التراضي وتبادل الإرادات، أي الإيجاب والقبول بين الطرفين، يرتب أثرا هو نقل ملكية وحيازة المبيع من البائع إلى المشتري، وهذا الأثر لا يتصور بغير أن يكون التراضي سليما صادرا عن شخص ذي أهلية للتصرف، ويتم الإفتاق حول ماهية المبيع ومواصفاته، ووقت ومكان تسليمه، وثمنه، ووقت ومكان وكيفية الوفاء به، وحكم تأخير الوفاء....

إن ما يتصوره أطراف العقد ويضعوه، حول كل تلك المسائل، يعتبر في الواقع قواعد سلوكية إتفاقية تضبط علاقاتهم[1]، وهي قواعد قانونية خاصة Lex privata تشبه القواعد القانونية الصادرة من السلطة التشريعية المختصة[2].

2.   القانون التعاقدي له سمات القانون الرسمي:  وليس في ذلك مغالاة، فتلك القواعد القانونية الإتفاقية تحقق الهدفين الذين يطمح إليهما أي تشريع وضعي رسمي: العدالة والأمان.

من ناحية العدالة la justice،  فقد قيل إن كل ما هو تعاقدي يكون عادلا[3] فالشخص لا يرتضي إلا ما يكون في صالحه، أي ما يكون عادلا، وكما يقول KANT "عندما يقرر أحد شيئا في مواجهة آخر، فمن الممكن أن ينطوي على بعض عدم العدالة، ولكن عدم العدالة يكون مستحيلا حينما يقرر الشخص لنفسه"[4].  كما هو الحال في العقد، فإذا كان العقد يخلق قواعد سلوكية قانونية، فإن تلك القواعد هي الأكثر عدالة، لأنها القواعد المتأيتة من الإرادة والمقبولة من صانعها[5].

ومن ناحية الأمان La Securte، فإن القواعد المنظمة للعلاقة العقدية لا تتأتى من مصدر خارجي، بل المتعاقدون هم صناعها، ليست غريبة عنهم، وتتوافق مع تطلعاتهم، وتطبيقها، أو الدعوة إلى الإلتزام بها، لا يشكل إخلالا بتوقعات من تخاطبه.  فكما أن القاعدة القانونية العادية هي نتاج إرادة المجتمع المجسدة في السلطة التشريعية، فهي تتأتى من داخل المجتمع[6].
 فإن القاعدة الإتفاقية نتاج إرادة المتعاقدين، فهي تتأتى من داخل هؤلاء، وبالتالي فهي لا تخل بتوقعاتهم، بل تعمل على إحترام حقوقهم المتولدة من العقد، وتحقيق التعاون بينهم.

وليس غريبا هنا أن يعترف المشرع الوضعي ذاته بأن العقد هو قانون أو شريعة المتعاقدين.  وهو قانون خاص تتغيا قواعده الغايتان المشار إليهما.

3.   العقد الدولي وإعداد القانون التعاقدي الدولي: 

ومع التحفظ الواجب بخصوص فكر المدرسة الإجتماعية، والضوابط الواجبة على مبدأ سلطان الإرادة[7]، والعقد شريعة المتعاقدين حماية للطرف الضعيف في العقد عموما، فإن الفقه ما زال يردد، بخصوص العقود الدولية مبدأ السيادة القاعدية Souverainete normative للمتعاقدين، أي مقدرتهم على خلق قواعد اتفاقية خاصة، تضبط وتحكم علاقاتهم التعاقدية[8].  فالعقد خلاق لقواعد قانونية، ومصدر مستقل للحقوق والإلتزامات.

ويصل الفقه المشار اليه إلى القول إن العقد الدولي يعتبر "القانون التعاقدي الدولي" أو "القانون الدولي للأطراف المتعاقدة"[9] ، النابع من الحرية الدولية للإتفاقات[10]، أو الحرية التعاقدية الدولية[11].

ومبدأ الحرية التعاقدية الدولية قد إعترف به وأقره المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص UNIDROIT في مجموعة المبادئ المتعلقة بعقود التجارة الدولية التي تبناها عام 1994، حيث نصت المادة 1/1 على أن "يكون الأطراف أحرارا في إبرام العقد وفي تحديد مضمونه"[12].

إذا كان الأمر كذلك، وحتى تأتي القواعد القانونية الإتفاقية، التي يتكون منها هذا القانون التعاقدي Iex contractualis الدولي مناسبة وكاملة، وحتى يمكنها تحييد وإقصاء القوانين الوطنية، التي أضحت لا تتلاءم مع خصوصيات المعاملات التجارية الدولية[13]، فإن على الأطراف، التي ترغب في إبرام العقود الدولية، أن تبذل قصارى جهدها في إعداد عقد جيد، محبوك الصياغة القانونية.  وهذا يقتضي الدخول مبكرا في مفاوضات ومناقشات تمهد لإبرام العقد النهائي، وكذلك بذل الجهد في تحرير وصياغة العقد الدولي، حتى يكون كافيا بذاته مغنيا عن اللجوء إلى القوانين الوطنية.

4.   تقسيم:  تعتبر المفاوضات Negociations – Pourparlers من المقدمات الأولية اللازمة، على الأقل في ظل الأوضاع المعاصرة للمعاملات والمبادلات الإقتصادية للسلع والخدمات عبر الحدود، لإبرام العقود الدولية، فتلك العقود تستتبع، بالضرورة إنتقال القيم الإقتصادية بين الدول المختلفة، وتتأثر بها، من ثم، المصالح الحيوية للأفراد أطراف التعامل الدولي، بل وتلك الدول ذاتها.

وقد أرسي الواقع العملي، وممارسات رجال الأعمال وشركاء العمليات التجارية الدولية، بعض القواعد والتطبيقات التي تحكم بدء وسير وإنتهاء مفاوضات العقود الدولية، وهي قواعد تبدو أساسية في ظل فراغ تشريعي حقيقي في مختلف التشريعات المقارنة.

والتعرف على تلك القواعد المنظمة لمفاوضات العقودالدولية يستلزم منا أن نعرض في:

مبحث أول:  الأعداد للمفاوضات وخطابات النوايا.
مبحث ثان:  تنظيم مفاوضات العقد الدولي.



المبحث الأولالإعداد للمفاوضات وخطابات النوايا


5.   تقديم:  إن الإعداد للمفاوضات، التي تسبق إبرام العقد الدولي، هو من العمليات الشاقة التي تستغرق وقتا وجهدا ونفقات، بل يمكن القول إن المفاوضات التي يعد لها جيدا تنتهي، غالبا، بإبرام عقد ناجح، يتم الإتفاق عليه، وتنفيذه، بطريقة سليمة هادئة ويحقق كل طرف ما يبتغيه من ورائه.

ومن بين ما يتم الإعداد له للمفاوضات التعاقدية، الإتصال بين الأطراف ودعوة أحدهم الآخر للتحاور وتبادل الآراء حول العملية التعاقدية المزمع الدخول فيها بينهم، ومن بين أهم وسائل الإتصال ما يسمى بخطابات النوايا، والتي نعرض لها فيما يلي في مطلبين.

المطلب الأول
ماهية خطابات النوايا

أولا:  تعريف خطاب النوايا وغاياته:

6.   خطابات النوايا والعقود الدولية المعاصرة: المتأمل في العقود الدولية المعاصرة، كعقود إنشاء البنية التحتية، إقامة المطارات ومحطات الطاقة بنظام الـ B.O.T[14]، وعقود إنشاء المصانع بنظام المفتاح في اليد cle en main أو الإنتاج في اليد Produit en main وعقود نقل التكنولوجيا وعقود خدمات المعلومات[15]  contral informatique وعقود الإئتمان التأجيري الدولي[16]...... .

يدرك أنها، على خلاف العقود الدولية اليومية البسيطة كالبيع أو النقل أو غيرها[17]، تنطوي على العديد من المسائل الفنية الدقيقة، التي لا يمكن حسمها في جلسة أو جلستين، بل يستلزم الأمر إجتياز مراحل متعاقبة ومستمرة صوب العقد النهائي[18]، يتم فيها إتفاقيات تمهيدية Preliminary agreemenis تحرر في مستندات تحضيرية documents preparatoires تبادل فيها الأطراف الرؤية والمفاهيم حول أمور تتصل بالمفاوضات حول العقد النهائي، ولعل من أهمها ما يسمى بخطاب النوايا أو التفاهم[19].

7.   تعريف خطاب النية:  وخطاب النية Lettre dintention[20]، أو خطاب التفاهم Letter of understanding[21]، أو مذكرة التفاهم Memorandum of understanding أو مذكرة أساسيات الإتفاق heads of agreement ليس من السهل وضع تعريف محدد له، وبالتالي تحديد وضعه القانوني، وذلك لأن الواقع العملي يدل على أن لخطابات النوايا أشكالا مختلفة، وتتناول موضوعات شتى يتعذر الربط بينها لإستخلاص محور تتمركز حوله كما سنتبين من خلال عرض غايات وأهداف تلك الخطابات. ومع ذلك حاول البعض تقديم تعريف له، بالقول إنه "وثيقة مكتوبة قبل العقد النهائي تعكس الإتفاقات أو الفهم المبدئي لطرف أو أكثر من أطراف التعاقد التجاري بغية الدخول في عقد مستقبلي"[22].

غير أننا نرى أن خطاب النوايا يجب أن يعرف بما يتفق مع مسماه، فنقول إنه مستند مكتوب يوجه من طرف يرغب في التعاقد على أمر معين إلى الطرف الآخر يعرب فيه عن رغبته تلك، ويطرح فيه الخطوط العريضة للعقد المستقبل المزمع إبرامه ويدعوه إلى التفاوض والدخول في محادثات حوله[23].

ونعتقد أن أي مستند لا ينطوي على إبداء الرغبة في التعاقد، ولا يتضمن بيانا للنقاط الرئيسة والخطوط العريضة للعملية التعاقدية المستقبلية، ولا يشتمل على دعوة الطرف الآخر للإلتفاء والجلوس سويا للتفاوض حولها، لا يعتبر ذلك المستند خطابا للنوايا، بل يعد مستندا آخر يجب ان يسمى بإسمه.

8.   الأصل أن خطاب النوايا غير ملزم لمن أصدره:  الملاحظ أن لفظ "نيه" – Intent – intention يفيد أمرا مستقبليا لم يطرح بعد أن يكشف عنه، وهو لفظ لا يفيد الإلزام[24]، وغالبا ما يقصد محرر خطابات النوايا عدم الإلتزام بأي شيء لمجرد صدروها عنهم[25]، لا سيما وأن مقصدهم هو رسم الخطوط العامة ووضع الإطار المبدئي للمفاوضات المستقبلية تمهيدا لإبرام العقد النهائي.

وحتى يظل خطاب النوايا خارج دائرة الإلزام فيجب أن يراعى في صياغته عدة أمور:  منها الحرص على عدم إستخدام أي جملة تعبيرية أو لفظ يفيد الإلتزام، مثل يقبل، يرتضي، يوافق، ويحسن اللجوء الى الفاظ أخرى مثل، يقدر الطرف او يبدو ملائما او من المستحب أن.... ومنها النص على حرية كل طرف في إجراء مفاوضات موازية مع طرف آخر، أي عدم القبول بشرط أو بتعهد التعامل القصري أو المانع Engagement d'exclusivite[26]. وحبذا لو تم تضمين الخطاب عبارة تفيد أنه ليس له أية قوة ملزمة No binding[27]. وعلى كل حال، فإن البادي في الواقع العملي، أن جانبا هاما من خطابات النوايا لا يكون كذلك، ولا يدل على أنه دعوة لبدء مرحلة المفاوضات الموصلة إلى إتفاق أو عدمه.

9.   إمكانية إرتضاء الطابع الملزم لخطاب النوايا:  من خطابات النوايا ما يتضمن اتفاقا بين الأطراف، حيث تدل عبارات الخطاب عن إبرام العقد فعلا، وذلك إذا ما كان يعبر عن قبول أحد الطرفين لإيجاب وعرض الطرف الآخر، من ذلك مثلا تأكيد الخطاب على أنه "نتشرف بإبلاغكم أننا قد علمنا مضمون العرض المقدم منكم بخصوص عقد إنشاء وتوريد وتركيب وتجربه مصنع.... و وافقنا على شروطه، وإننا نقبل ذلك العرض.... مع الرجاء إبلاغنا خلال مدة عشرة أيام بخطاب مسجل بعلم وصول موقع ومعتمد تاريخه، بالرد على قبولنا لعرضكم المشار اليه.

ومن خطابات النوايا ما يتضمن الإعلان عن الإلتزام الفعلي بما تم التفاوض عليه، ويحدد الصيغة النهائية المقترحة للعقد الأصلي. من خطابات النوايا ما يعتبر فعلا عقدا غير أنه معلق على شرط أو أكثر، كموافقة السلطة المختصة، مجلس الإدارة أو الوزير المختص، أو الحصول على إئتمان مصرفي، أو ترخيص جمركي.... [28] وهنا إذا تحقق الشرط أنتج العقد آثاره بأثر رجعي من يوم توقيع الخطاب الذي يحتويه، فإن لم يتحقق زال كل أثر له.

ومن خطابات النوايا ما يتضمن التزاما قطعيا بعدم إجراء مفاوضات موازية – negocia tion parallele مع الغير خلال مدة محددة.  وهذا النوع من الخطابات إذا كان لا يتضمن شيئا عن العقد النهائي، إلا أنه في حد ذاته ينطوي على التزام رضائي إنفرادي او تبادلي، يمكن ان يرتب مسؤولية من تحمل به إذا خالفه[29].

10.  كيفية تلافي مشكلات تباين مضمون خطاب النوايا:  وهكذا تتنوع صيغ خطابات النوايا، وبالتالي يصير من الصعب القول إن كل الخطابات تعتبر دعوى للدخول في مفاوضات مستقبلية حول إبرام أحد العقود الدولية، وهذا على خلاف ما ينبغي أن يكون.

وهذا التنوع والتباين في الصياغة، وبالتالي في مضمون الخطابات، يرجع في عمق أساسه، إلى أن من يقوم بصياغتها هم عادة المسؤولون القانونيين، كالمهندسين والمديرين، الذين لا يدركون المعاني الخفية والبعد القانوني الكامن وراء هذا اللفظ أو تلك العبارة. وهنا يحسن أن نسدي النصيحة للقائمين على شؤون المؤسسات والشركات بأن يراعوا تطعيم الوفد التفاوضي أو الهيئة التي تتولى مخاطبة الغير، بشأن عمليات العقود الدولية بعناصر قانونية مدربة لها سابق خبرة في التفاوض وصياغة المستندات والوثائق ذات الصلة بالعقود الدولية.

وعلى كل حال، فإن تحديد مقاصد وأهداف خطاب النوايا يمكن ان تعين على تحديد طبيعته كما نرى فيما يلي:

ثانيا:  مقاصد خطاب النوايا وأنواعه:


11.  مقاصد خطاب النوايا:  لا خلاف في أن خطاب النوايا وثيقة هامة يبدأ بها، بحسب الأصل، أطراف العملية التعاقدية طريقهم، وبها يعطي من أصدره إشارة البدء في خوض غمار التحضير للمفاوضات التعاقدية،  حيث يفصح عن رغبته وتوجهه نحو التعامل الجديد لانجاز العقد المزمع إبرامه. ومن هنا يمكن أن نرصد بعض الأهداف والمقاصد التي يرمي إليها خطاب النوايا في المعاملات الإقتصادية والتجارية الدولية، منها:

أولا:  إعلان مبدئي للرغبة في الدخول في محادثات حول عملية تعاقدية، وليس ما يمنع هنا، من تضمين الخطاب بعض المسائل الخاصة بنوع العملية التعاقدية، من ناحية موضوع العقد، السعر او الثمن، التاريخ المرتقب لإبرامه، مكان تسليم محل العقد أو وقت إنجاز الأعمال المتفق عليها...

ثانيا:  وضع الإطار المستقبلي المتعلق بتنظيم المفاوضات ذاتها، ومن ذلك تحديد وقت ومكان إفتتاح جلسات المفاوضات، من سيمثل الأطراف وعدد فريق التفاوض وتخصصاتهم، اللغة التي تستعمل في الحوارات والمناقشات، المدة التقريبية التي ستستغرقها المفاوضات، نفقات ومن سيتحملها[30].

ولا خلاف في أن هذا المقصد يعد جوهريا، حيث يعمل على الإقتصاد في الوقت، وعدم إضاعته في مسائل إجرائية لا تتصل بصميم ما ترمي إليه المفاوضات[31].

ثالثا:  وضع الشروط العامة Les conditions generales للعقود المزمع إبرامها في المستقبل، وذلك في الفروض التي تكرر فيها المعاملات بين الطرفين، كما في حالات عقود التوريد والإئتمان وغيرها، بحيث تترسخ القواعد العامة لأي عقد يبرم مستقبلا بينهما، فلا تنصب المفاوضات الخاصة لكل عقد على حدة إلا على الشروط الخاصة والمسائل التفصيلية النوعية، دون الشروط العامة، هو ما يحقق للطرفين إقتصادا في الوقت والنفقات[32].

رابعا:  إظهار النية الجادة في التعامل، والرغبة الحقيقية في التعاقد، وإرساء عوامل التعاون مع أطراف العملية في حالة الوصول إلى عقد نهائي[33]. وبالتالي طمأنتهم، وتبديد عوامل الشك والخشية المتبادلة من عدم الوصول إلى إتفاق وانجاز الصفقة[34]. بيد أن هذا المقصد الرابع، له أهمية في تفعيل إمكانية الوصول الى إتفاق مبدئي حول العقد النهائي ذلك أن الإقتناع الذي سيتسرب إلى نفس الطرف المفاوض سيدفعه إلى إتخاذ التدابير التحضيرية اللازمة كي يوقع العقد النهائي فور توافق الأطراف عليه، من ذلك الحصول على الموافقة المبدئية من الجهات الحكومية المختصة أو المؤسسات المصرفية لتمويل المشروع، أو ترتيب المتعاقدين من الباطن، أو الإتفاق مع الموردين للبدء في تصنيع او تصميم المعدات والآلات... ، وهذا المقصد لبعض خطابات النوايا يجعلها أقرب إلى إتفاقات الجنتلمان أو إرتباطات الشرف التي تظل مجرد حالة واقعية خارج المجال العقدي[35].

خامسا:  غير أن ما سبق لا ينفي أن هناك من مقاصد خطابات النوايا ما يقتصر على مجرد طلب معلومات أو الرد على إستفسارات محددة بخصوص العملية التعاقدية، بحيث لا يخرج الأمر عن أن يكون مجرد وجود إهتمام بمشروع تلك العملية، دون أن يعبر عن أي نية للإلتزام بالدخول في المفاوضات التعاقدية.

وهذا المقصد الخامس، يتوافق مع المقاصد الأخرى، في أنها تشكل جميعها الملامح العامة لخطاب النوايا عموما، وجوهرها أن هذا الخطاب هو رسالة موجهة من طرف إلى طرف آخر، تنطوي على مقدمة ورؤوس موضوعات ستطرح مستقبلا للنقاش والتقاض حولها Heaads of agreement  توطئة لإبرام العقد النهائي، وتلك الرسالة، أي خطاب النية، تكون مكتوبة عادة على دعامة ورقية، غير أنه مع تقدم وسائل الإتصال الحديثة فليس هناك ما يمنع من ان تتجسد بالطرق الإلكترونية الحديثة[36]، كالبريد الإلكتروني E-mail وغيره مما أتاحته شبكة المعلومات والإتصالات الدولية، الإنترنت[37].

ثالثا:  أنواع خطابات النوايا:


من العرض السابق لغايات خطاب النوايا، وبالنظر الى مضمونه، كما يجسده الواقع العملي للمبادلات والأعمال الدولية، يمكن أن نميز بين عدة أنواع من خطابات النوايا:

  النوع الأول، خطاب دعوة للتعاقد:  وهو خطاب يتضمن إعراب محرره للطرف الآخر عن رغبته في التعامل معه، وإبرام عقد معين وفقا للأسس والعناصر المرفقة بالخطاب، ويدعوه لوضع إطار عملية التفاوض حولها، من ناحية وقت بدء المفاوضات، ومدتها، والدراسات التي سيقوم بها كل طرف حول مختلف الجوانب الفنية والمالية والتنفيذية للعملية المزمع الإرتباط بها[38]، والتأكيد  على الإلتزام بالحفاظ على السرية الواجبة لما تتمخض عنه تلك الدراسات[39].

12.   النوع الثاني، خطاب دعوة للبدء في مفاوضات:  وهو خطاب يتضمن دعوة محرر الطرف الآخر للبدء في المفاوضات حول العقد المزمع إبرامه، مع التأكد على مواصلة التفاوض والتزام حسن النية في كل مرحلة[40].  وما يوجبه الإلتزام بالأمانة وشرف التعامل، والإمتناع عن الغش والسلوك التدليسي سواء عند بداية المفاوضات او في خلالها[41]. كالدخول في المفاوضات دون نية جادة في التعاقد[42]، طرح مقترحات ميئوس من قبولها، أو قطع المفاوضات برعونة ودون سبب معقول رغم انها شارفت على الإنتهاء وبعد تحديد وقت توقيع العقد.

13. النوع الثالث:  خطاب الإتفاق المبدئي الحر:  وهو الخطاب الذي يصدره محرره بعد أن تكون المفاوضات قد قطعت شوطا كبيرا، وتم التوصل إلى أمور وأشياء أساسية إرتضاها محرر الخطاب، غير انه يحرص على النص ، على أن ذلك غير ملزم للطرفين، إلا بعد توقيع العقد النهائي[43]. وهذا الخطاب يتضمن عادة الشروط المشهورة Subjed to contract، ومقتضاه أن الإلتزام بالأمور والاشياء الأساسية التي إرتضاها محرر الخطاب معلق على النص عليه في العقد النهائي وبعد توقيعه من الطرفين[44]. غير أن قيمة هذا الشرط تتحدد حسب القانون واجب التطبيق على خطاب مذكرة التفاهم، لا سيما إذا لاحظنا إختلاف مواقف القوانين بشأنه، كما سنرى لاحقا في شأن قضية Texaco - Pennzoil[45].

14. النوع الرابع:  خطاب الإتفاق المبدئي التعاقدي:  وهو الخطاب الذي يوجه محرره الى الطرف الآخر، خلال المفاوضات، ويثبت فيه إتفاق الطرفين على بعض الإلتزامات المحددة، خصوصا الإلتزام بالحفاظ على سرية المعلومات المتبادلة إثناء المفاوضات، وكذلك الإلتزام بعدم الدخول في مفاوضات موازية، وتلك الإلتزامات مستقلة عن تلك الواردة في العقد النهائي المزمع إبرامه.

وهذا النوع من الخطابات يقابل بكثرة في مجال مفاوضات نقل التكنولوجيا وحقوق المعرفة الفنية، ويلاحظ هنا وجود إتفاق تعاقدي حقيقي على تلك الإلتزامات، بحيث أن مخالفتها ترتب المسؤولية التعاقدية.  وهذا ما صرحت به الوثائق الصادرة عن الأمم المتحدة المسماة: مرشد تحرير العقود الدولية للإستشارات الهندسية والمساعدة الفنية لعام 1983 (فقرة 124) ومرشد تحرير العقود الدولية بين مجموعة الشركات لإنجاز مشروع محدد (فقرة 18) ومرشد تحرير العقود الدولية الصناعي لعام 1976 (فقرة 13).

15. النوع الخامس:  خطاب مشروع العقد النهائي:  وهو الخطاب الذي يفيد أن مرحلة المفاوضات قد تمخضت عن تصور لمشروع بنود ونصوص العقد النهائي، غير أن التوقيع على ذلك العقد والبدء في تنفيذه معلق على إستيفاء بعض الشروط أو حدوث أمر معين.

وهذا ما يحدث عادة في مجال مفاوضات نقل التكنولوجيا، والتنقيب عن الثروات الطبيعة، فقد إستقر العمل على أن التوقيع على العقد وبدء تنفيذه لا يتم إلا بعد الحصول على التراخيص الخاصة بإستغلال براءة الإختراع أو المعرفة الفنية.  والتراخيص الإدارية لمباشرة النشاط والدخول إلى الموقع، أو الحصول على تسهيل إئتماني أو قرض من إحدى المؤسسات المالية. ومهما يكن من أمر أنواع خطابات النوايا، فإن ما تثيره من مشكلات قانونية في العمل تبدو خطيرة في تحديد حقوق والتزامات أطراف التفاوض التعاقدي الدولي، وهذا ما يجعلنا نلقي الضوء على الوضع القانوني لها وقوتها الإلزامية.


المطلب الثانيالقيمة القانونية لخطاب النوايا


أولا: قيمة خطاب النوايا بين إرادة أطراف التفاوض والقانون واجب التطبيق:

16. تنازع القوانين في خطاب النوايا:  أسلفنا بيان ماهية خطاب النوايا، وإنتهينا إلى أنه وثيقة أو مستند يحرره أحد الأطراف المعنية بعملية عقدية، لتحقيق غرض معين من تلك التي أشرانا إليها، وبإعتباره محررا ومستندا ينطوي على عمل إرادي، إنفرادي أساسا، وتبادلي ضمنيا بعد وصوله إلى الطرف الآخر، فهو تصرف قانوني act Juridique يبتغي ترتيب أثر معين[46].

ولما كان الأمر يتعلق في بحثنا بالمفاوضات في العقود الدولية، فإن مختلف المستندات والوثائق المتبادلة بين أطراف التفاوض المتواجدين عادة في دولة مختلفة، تثير مشكلة تنازع القوانين القيمة القانونية لتلك المستندات والمحررات، ومن بينها خطاب النوايا. ولما كان الأمر يتعلق بتصرف قانوني إرادي، فإن قاعدة الإسناد واجبة التطبيق لتحديد القانون المختص بحكم نظام خطاب النوايا، هي تلك الخاصة بالتصرفات القانونية الإرادية أو العقود، وهي المنصوص عليها في المادة 19/1 من القانون المدني المصري والتي ستعرض لشرحها لاحقا، والتي جوهرها خضوع العقود، والتصرفات الإرادية للقانون الذي يختاره الطرفان بإرادتهما الحرة.

ووفقا للنظرية العامة لتنازع القوانين في العقود، فإن القانون واجب التطبيق على خطاب النوايا، وهو قانون الإرادة، هو الذي سيحدد لنا القيمة القانونية له، ومدى قوته الإلزامية، والآثار القانونية المترتبة عليه.  وهو ما سنتعرف عليه فيما بعد. غير أن مشكلة تنازع القوانين ستتقلص إلى حد بعيد لو حسم الأطراف بأنفسهم القوة والقيمة القانونية لخطاب النوايا.  ولكن كيف؟.

17. التحديد الإرادي لقيمة خطاب النوايا:  من ثوابت النظام القانوني للعقود، أن إرادة الطرفين تتمتع بسيادة Souverainete وإستقلال Autonomie فالسيادة تعني أن إرادة الطرفين هي المشرع لمختلف بنود ونصوص العقد حسبما تتلاقى مصالح الأطراف. وما يضعه هؤلاء يعد قواعد قانونية خاصة Lex private تشكل في مجموعها القانون التعاقدي Loi contractuelle الذي ينظم علاقات وروابط الأطراف، ويشبه القانون الصادر من البرلمان.

أما الإستقلال، فهو يعني انه في إعداد القواعد الإتفاقية النظامية لا يخضع المتعاقدان لغير ما تمليه عليهما المصالح والمنافع المشتركة، مع التحفظ الخاص بعدم الإرتباط بمقتضيات المصلحة العامة ومبادئ وقيم النظام العام. وكلا الوجهين يجسدهما المبدأ الذائع "سلطان الإرادة" الذي إعترف به المشرع الوضعي صراحة (م 147 مدني مصري و م 1134 مدني فرنسي) تحت مسمى العقد شريعة المتعاقدين، فالإتفاقات والعقود المبرمة بنحو قانون تعتبر قانون من أبرموها.

إذا كان الأمر كذلك، فإن إرادة محرر أو مصدر خطاب النوايا وسلوك الطرف الآخر يمكن أن يحسما مشكلة القيمة القانونية لخطاب النوايا، من ناحية قوته الإلزامية. فيستطيع الأطراف، لا سيما إرادة محرر أو مصدر الخطاب مع إقرار الطرف الموجه اليه، النص الصريح عند صياغة الخطاب، على أنه مجرد دعوة للتعاقد أو دعوة للتفاوض، وليس عقدا، يتضمن إيجابا Offre موجها للطرف الآخر الذي يقبله[47].

ويجب أن تخلو صياغة الخطاب من كل غموض أو عدم دقة، أو إستخدام الفاظ مطاطة ليس لها مفهوم قانوني محدد يمكن أن يدع مجالا للتأويلات والتفسيرات المتضاربة ليس فقط من جانب الطرفين، بل كذلك من جانب الجهة القضائية التي قد تنظر المسألة، عندما يدعي من وجه إليه الخطاب بأن الطرف الآخر قد أخل بالإلتزام تعاقدي أو إتفاقي ناشئ عن ذلك الخطاب، ويثبت أنه تم الإتفاق على نقاط ومسائل محددة من العقد النهائي وذلك خلال عملية التفاوض، ويطالب بترتب المسؤولية القانونية عن الإخلال بإلتزام عقدي. وعلى العكس مما سبق، يمكن للأطراف تقرير ان خطاب النوايا يتضمن اتفاقا على مسائل معينة، يعتبر بشأنها أنه قد أبرم عقدا، وبالتالي يكون للخطاب القيمة القانونية للعقد، بحيث تترتب مسؤولية من يخل بالتزاماته الناشئة عنه، من ذلك الإتفاق على متابعة التفاوض بحسن نية، أو الإتفاق على عنصر الثمن في العقد النهائي[48].

وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية عدم إفراط مدراء الشركات والمؤسسات في الإعتقاد بكفاءة الملحقين المهنيين لديهم، كالمهندسين ومسؤولي العلاقات الخارجية، في إعداد خطابات النوايا، وضرورة أن يعهدوا إلى القانونيين المختصين وذوي الخبرة في مجال التعامل الدولي في تحضير ومراجعة خطابات النوايا، مع الإستعانة بزملائهم المهنيين في القطاعات الهندسية أو التجارية، وذلك تلافيا لمشكلات تفسير محتويات خطاب النوايا، هذا لا سيما وأن مواقف القوانين الوضعية ليست واحدة في شأن القيمة القانونية لخطابات النوايا، على ما نرى فيما يلي:

ثانيا:  القانون واجب التطبيق على خطاب النوايا وقيمته القانونية:

18. الجوانب الشكلية في خطاب النوايا:  أسلفنا بيان أن خطاب النوايا هو تصرف قانوني صادر عمن يملكه.  وهو تصرف قانوني إرادي acte volonatire. وككل تصرف قانوني لا بد أن يفرغ خطاب النوايا في شكل محرر مكتوب أو دعامة ورقية أو رقمية[49]، تثبت محتواه.

وفي مجال التعامل الدولي عن طريق العقود، يكون خطاب النوايا تصرفا قانونيا عابرا للحدود، ويتصل بالنظام القانوني لأكثر من دولة، وهو ما يقود بالضرورة إلى تنازع القوانين حول الشكل الذي ينبغي أن يفرغ فيه. وتخضع مسألة شكل خطاب النوايا للقاعدة العامة في حال تنازع القوانين في مسائل شكل عموما، وهي التي قرر خضوع الشكل لقانون المحل Locus regit actum فالخطاب الذي يحرر أو يعد في مصر يخضع في شكله إلى القانون المصري.

غير أنه بالنظر للطابع الإختياري Caractere facultaif لقاعدة خضوع الشكل لقانون المحل، وأعمالا لنص المادة 20 من القانون المدني المصري، فإن خطاب النوايا يعد صحيحا من حيث الشكل، إذا إستوفى الشكل الذي يقرره، فضلا عن قانون محل إعداده، القانون الذي يحكم موضوعه، أو قانون الموطن المشترك للطرفين مصدر الخطاب والموجه اليه أو قانون جنسيتهما المشتركة على ما سوف نوضح تفصيلا فيما بعد[50].

19. الجوانب الموضوعه في خطاب النوايا، قوته الإلزامية:  إذا لم يحدد مصدر الخطاب ويبين حقيقة مضمونة، وما إذا كان يحتوي على تعهدات إتفاقية لها أثر ملزم binding effect يشكل الإخلال بها خروجا على التزامات تعاقدية ترتب المسؤولية القانونية، فإن القيمة القانونية لخطاب النوايا تخضع في تحديدها للقانون واجب التطبيق على التصرفات القانونية الإرادية.  وهو القانون الذي يختاره أطراف التفاوض صراحة أو ضمنا، أو قانون محل إعداد وتحرير الخطاب، أو قانون الموطن المشترك (م 19/1 مدني).

وعلى ذلك  إذا أشارت قاعدة الإسناد المشار إليها بإختصاص قانون دولة أجنبية، فإن هذا القانون هو الذي يحكم القيمة القانونية لخطاب النوايا. وتختلف القوانين الأجنبية في هذا الشأن، حيث لا يعترف، جانب منها، لخطاب النوايا بأي قوة إلزامية، أو طبيعية تعاقدية، وهذا على خلاف البعض الآخر[51]. وإليك البيان.

20.  الوضع في القانون الإنجليزي:  يتجه الرأي إلى أنه ليس لخطاب النوايا، بحسب الأصل قيمة تعاقدية، وبالتالي ليس له قوة ملزمة Force contraignante بالنسبة لمصدره، فهو وعد ونية Intent[52]، أو تعهد شرف، أو إتفاق جنتلمان – Gentleman's agreement، لا يصلح في غير وجود إرادة صريحة لمصدره، أن يكون إتفاقا تعاقديا يرتب أثرا، ومن ثم لا يكون ملزما Non Binding[53]. ويتأكد عدم إلزام خطاب النوايا وتجرده من كل قيمة قانونية إذا إنطوى على عبارة أن إحترام ما ورد بالخطاب والإلتزام به معلق على التوقيع على شروط العقد النهائي subject to contract clausos[54]، حتى ولو تضمن الخطاب، في ذات الوقت، النص على ضرورة تفاوض الأطراف بحسن نية Good faith negociation[55].

ويرجع كل ذلك أن عامل المخاطر والإحتمال هو الذي يحكم مصير المفاوضات التي قد تنتهي بالنجاح أو بالفشل، فإذا كان الأمر كذلك، فإن على كل طرف مفاوض أن يتحمل مخاطر المفاوضات، وقبل توقيع العقد النهائي، لا يرتب أي حق أو التزام لمن أصدره.
وعلى وجه التحديد نشير إلى أن القانون الإنجليزي لا يعير قيمة كبيرة لخطاب النوايا من ناحية الزاميته انطلاقا من مبدأ أكبر هو عدم التسليم بما يسمى بعقد التفاوض contract to negociate الذي يمكن ان ينشأ عنه التزام بالتفاوض، فهو عقد إحتمالي – aleatory contract  يلحقة البطلان لسبب الشك الذي يلف عناصره وأركانه[56].

وقد جرى القضاء الإنجليزي على عدم الإعتراف بالمسؤولية قبل التعاقد وكل ما يدور أثناء المفاوضات وقبل التوصل إلى إتفاق حقيقي، وكل الوثائق، ومنها خطابات النوايا، تكون خارج دائرة القانون[57]. ففي قضية تتلخص وقائعها في أن إحدى الشركات الهندسية قد أرسلت خطاب نوايا إلى شركة أخرى تخبرها برغبتها في التعاقد معها، وأخطرت ببدء الأعمال دون إنتظار.  وعلى إثر الخلاف بين الطرفين، ورفع الأمر إلى القضاء، قررت المحكمة المختصة أنه لم ينشأ عن خطاب النوايا الصادر من الطرف الأول أي التزام تعاقدي، رغم بدء تنفيذ الأعمال من قبل الطرف الآخر[58].

21. الوضع في القانون الأمريكي:  أما في القانون الأمريكي فيبدو إنه إذا كان يتفق مع القانون الإنجليزي من ناحية عدم الإعتراف لخطاب النوايا بقيمة الزامية، غير أنه لا مانع من الخروج على ذلك المبدأ حسب ظروف وملابسات كل حالة على حدة.

أولا:  أنه بخصوص خطابات النوايا المتضمنة عبارة أن الإلتزام بما جاء بخطاب النوايا معلق على إعتماد وتوقيع شروط العقد النهائي subject to contract clauses فلا تكون مجردة من كل قيمة كما هو الحال في القانون الإنجليزي بل إنه يمكن إلزام مصدر الخطاب بما ورد فيه، إذا أثبت من وجه إليه أنه بالرغم من وجود تلك العبارة فإن الطرفين قد توصلا إلى إتفاق بخصوص بعض البنود والعناصر الجوهرية في العقد المزمع إبرامه، وأن التوقيع على هذا الأخير ليس سوى تأكيد لذلك الإتفاق، ومن ثم يكون مصدر الخطاب ملتزما بما تم الإتفاق عليه، كما جاء في خطاب النوايا، ويسأل عن الإخلال به حتى قبل توقيع العقد الأساسي[59]. 

ثانيا:  أن للقاضي حرية تقرير قوة إلزام خطاب النوايا إعمالا لمبدأ Estoppel شهير في الفقه الإنجلو أمريكي، ومقتضاه أنه "لا يقبل من أحد قول يتنافى مع سابق مسلكه"[60]، وإعمالا للواجب العام بمراعاة حسن النية والتعامل بإنصاف بين طرفي التفاوض، وهو واجب تفرضه المادتان 203/1 من القانون التجاري الموحد والمادة 205 من تقنين العقود للولايات المتحدة. وهذا ما طبقه القضاء الأمريكي بالفعل في قضية Texaco inc. V. Pennzoil عام 1986[61]. وتتلخص وقائعها في أن شركة "بنزاويل" قد إتفقت مع المساهمين الرئيسيين في شركة GETTY موجب مذكرة إتفاق Memorandum of agreement على دخولها كشريك معهم، وقد أنطوت تلك المذكرة على شرط ضرورة إعتمادها من مجلس الإدارة حتى تصبح نافذة، وبعد أن تم إعتماد مذكرة التفاهم، تم الإعلان عن إبرام إتفاق مبدئي agreement in principale موضحا به أن نفاذه متوقف على توقيع العقد النهائي. غير أنه على إثر مفاوضات سريعة وسرية تم نشر إعلان عن أن شركة "جيتى" قد إشترتها شركة "تكساكو". وقد ترتب على ذلك أن قامت شركة "بنزاويل" بمحاولة التنفيذ العيني لمذكرة الإتفاق أمام محاكم ولاية دولار، غير أن الأمر رفع أمام محاكم ولاية تكساس على شركة تكساكو لمطالبتها بمبلغ سبعة مليارات من الدولارات كتعويض زيدت إلى 7 مليارات أخرى كجزء تعويضي Punitive damages لها عن تحريضها شركة "جيتي" على الخروج على تعهدها التعاقدي، لمخالفة ذلك لمبدأ حسن النية والتعامل بإنصاف ونزاهة.

ومن حيث أن البت في المسألة يتوقف على تحديد القيمة القانونية لمذكرة الإتفاق، فإن المحلفين وهيئة المحكمة قد انتهوا إلى صحة تلك المذكرة، وهي صورة من صور خطابات النوايا، والحكم على شركة تكساكو بدفع مبلغ عشرة مليارات دولار شاملة سبعة مليارات دولار كتعويض عن الضرر، وثلاثة مليارات كجزاء تعويضي تم تخفيضه في الإستئناف إلى مليار واحد. هذا عن النظم القانونية الإنجلو امريكية.

23.  موقف بعض القوانين الجرمانية:  أما القانون الألماني، فالأصل فيه أن خطاب النوايا غير ملزم، ولا تترتب عليه مسؤولية عقدية، على أن هذا لا يعني إعفاء أطراف التفاوض من الدخول فيها بحسن نية ومراعاة الإنصاف وإعتبارات العدالة في تعاملهم.  وعلى ذلك يمكن ترتيب مسؤولية التعويض عن المفاوضات قبل التعاقدية على أساس الإخلال بإعتبارات حسن النية والثقة والامانة المتبادلة بين أطراف التفاوض، من ذلك أن يقطع أحد الأطراف المفاوضات فجأة ودون سبب مقبول، أو يتسبب عمدا في خلق إعتقاد وتوقع مشروع لدى الطرف الآخر بأن العقد النهائي على وشك الإبرام والتوقيع عليه رغم أنه كان يعلم أو كان من المفروض عليه أن يعلم إستحالة تحقيق تلك التوقعات[62].

وعلى ذلك يمكن القول، ومن خلال التطبيقات القضائية للمحاكم الألمانية، أن خطاب النوايا، وإعمالا لنظرية في تكوين العقد culpa in contrahendo التي أساسها حسن النية كما جاء في كتابات الفقيه الألماني إيرنج R.C. IHERING[63]، يمكن أن يرتب مسؤولية في حدود ما تم الإتفاق عليه في عدة حالات:

·  الإخلال بالإلتزام بالمساهمة أو المشاركة بفعالية في التفاوض أو المساهمة في تكاليفه.
·  الإخلال بالتزام بسرية المعلومات التي يكشف عنها في مرحلة التفاوض.
·  إجراء مفاوضات موازية مع طرف ثالث.
ويقترب من القانون الألماني القانون النمساوي، حيث أنه إذا كان خطاب النوايا غير ملزم بحسب الأصل، إلا أنه يرتب مسؤولية التعويض إستنادا إلى نظرية "الخطأ في تكوين العقد" المشار اليها في عدة حالات منها.

·  تعمد عدم كشف بعض مواصفات وجوهر موضوع العقد الذي يجري التفاوض حولة.
·  الكشف عن الصعوبات والعقبات التي صادفت توقيع العقد.
·  الإمتناع دون سبب معقول عن توقيع العقد بعد أن توفر الإعتقاد الحقيقي عند الطرف الآخر
          بان العقد في سبيل إبرامه[64].

24. موقف القانونين الفرنسي والمصري:  في القانون الفرنسي، وكذلك القانون المصري، فإنه ليس لخطاب النوايا قوة الزامية، أو طابع تعاقدي يمكن أن يرتب مسؤولية عقدية بالنسبة لمصدره أو الطرف الآخر  الذي وجه إليه، وذلك إنطلاقا من مبدأ عام هو حرية المفاوضات[65]  حيث يظل لكل طرف فيها الحرية في مواصلة المفاوضات، غير أنه لا يجب عليه أنهاؤها إذا كانت قد شارفت على نهايتها وتوفر لدى الطرف الآخر توقع مشروع في قرب تمام الوصول إلى إتفاق نهائي. غير أن ليس هناك ما يمنع الأطراف من تفادي بعض النقاط الخاصة بالعقد النهائي ويرتضيها مصدر خطاب النوايا ومن وجه إليه، وهنا تترتب المسؤولية العقدية عند الإخلال بما تم الإتفاق عليه[66]. وهذا التكييف التعاقدي لما ورد في خطاب النوايا، لا يقيد، مع ذلك، القاضي أو المحكم الذي يستطيع إسباغ الوصف الصحيح على مضمون الخطاب[67]. طالما كان تكييفه قائما على أسباب موضوعية وسند حقيقية، كل ذلك تحت رقابة محكمة النقض في حالة عرض النزاع على المحاكم الوطنية.

وفي جميع الأحوال يتعين الفحص الموضوعي لمضمون خطاب النوايا، وكذلك البحث عن الإرادة الحقيقية لمصدر الخطاب[68]، وللطرف الآخر الذي تلقاه وفقا للأصول العامة في التفسير فتلك الإرادة، وإعمالا لمبدأ سلطان الإرادة، تستطيع إنشاء التزام تعاقدي والدخول في دائرة المسؤولية العقدية المنظمة قانونا، كما تستطيع أن تظل حرة طليقة لا تفرض التزاما على صاحبها[69]. ومع ذلك يمكن ترتيب المسؤولية والتعويض عن الخطأ التقصيري إن توفرت شروطها، لا سيما الإخلال بالواجب الأساسي بمراعاة حسن النية في مرحلة المفاوضات، والإنحراف عن السلوك السوي المعتاد للشخص اليقظ إذا وجد في ذات الظروف[70].

وعلى كل حال، فإن تحديد القيمة القانونية لخطابات النوايا، وبحسبانها مستندات ووثائق يتم تحريرها وتبادلها قبيل وأثناء مرحلة المفاوضات في العقود الدولية، يمكن الكشف عنها من خلال بحث حقيقة ما يتم في تلك المفاوضات وهذا يقتضي التعريف على التنظيم القانوني لمفاوضات العقود الدولية، وهو ما نعالجة فيما يلي.

المبحث الثانيتنظيم المفاوضات في العقد الدولي


25.   تمهيـد:  أضحت المفاوضات لازمة ضرورية تسبق إبرام العقد الدولي، لا سيما في ظل الوضع الحالي للمبادلات والمعاملات الدولية، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب:

أولها، موضوعي، يرجع إلى أن العقود الدولية المعاصرة ليست بالعقود البسيطة التي يتفق على عناصرها وتبرم في أول لقاء.  فهي عقود مركبة ومعقدة فنيا، على ما أشرنا عند بحث خطابات النوايا.

ثانيها، شخصية، ترجع إلى أطراف تلك العقود، فغالبا ما يتنافس على الفوز بتلك العقود شركات عملاقة ذات نشاط دولي، ويلزم التعامل معها الوقوف على سوابق أعمالها، وخبراتها السابقة، ومنهجها في التعامل.  كما أن الطرف الآخر، غالبا ما يكون كذلك من الدول النامية، التي تسعى إلى إقامة مشروعاتها وتحقيق أهدافها التنموية إجتماعيا وإقتصاديا وفق أفضل الشروط التي تتلاءم مع إمكانياتها المادية، وكل ذلك يستلزم الدخول مع مفاوضات شاقة وعسيرة حول ما تزمع إبرامه من عقود دولية[71]. وتلعب إرادة الأطراف دورا لا يستهان به في تنظيم عملية التفاوض، خصوصا وأن النظم القانونية المختلفة تكاد تخلو من أي تنظيم قاعدي يمكن إتباعه، ومنها النظام القانوني المصري. وبتلك المثابة، يبدو مهماً إلقاء الضوء على أساسيات تنظيم المفاوضات في النظام القانوني الدولي، وهو ما نعرضه في أربعة مطالب على التوالي.


المطلب الأول
ماهية المفاوضات وضرورتها

أولا:  تعريف المفاوضات

الوضع قديما والفراغ التشريعي:  قد يزعم البعض أن المفاوضات في إبرام التصرفات القانونية فكرة قديمة، ترجع بجذورها إلى التاريخ الذي عرف فيه الإنسان الإلتقاء مع بني جنسه في الأسواق للتبادل، بل ومقايضة السلع والخدمات، حيث تجري بعض المساومات speculations والأخذ والعطاء والرفض والقبول حول أسعار السلعة أو الخدمة، حتى يلتقي الطرفان، في النهاية، على كلمة سواء, وتتم عملية المبادلة أو المقايضة.  وتلك المساومات والحوارات هي نوع من المفاوضة التي تمهد لتلاقي الإرادات وترتيب الأثر المبتغى. وهذا الزعم يبدو مقبولا إلى حد ما، ذلك أن المعاملات والصفقات كانت بسيطة وإجراء مناقشة لبضع دقائق كافية لتسوية كل النقاط محل الخلاف بين الطرفين، وقد عضد هذا النظر إلى العقد على أنه تلاقي إرادتين، إيجاب يعقبه قبول، بعد محادثات وقتية سريعة.

ويبدو أن مشرعي بداية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين قد قنعوا بذلك الفكر المبسط لحالة المبادلات التعامل المالي بين الأفراد، ولذلك جاءت التقنيات المدنية بدءا من القانون المدني الفرنسي لعام 1804 وحتى القانون المدني المصري لعام 1949 خالية من أي إشارة إلى المفاوضات وقواعد تنظيمها. ولم ينتبه إلى بعض مشكلات المفاوضات، وإن كان على نحو مبتور، إلا جانب من القوانين الأوروبية، كالقانون المدني الإيطالي لعام 1942 الذي تكلم فقط عن ضرورة التزام حسن النية في مفاوضات العقود عموما (م 1337) والقانون المدني اليوناني لعام 1946 (م 197 و 198).

26.   العقود الدولية الحديثة وفرض المفاوضات:  غير انه مع تطور وسائل النقل والإتصالات والدخول في الصفقات التجارية الكبرى، أضحت الأفكار التقليدية للتفاوض والمساومة غير كافية لإنهاء تلك الصفقات، والإستجابة لحاجات ومعطيات الإنتاج الصناعي والتكنولوجي، حيث أن عقود تلك الصفقات تنطوي على جوانب كبيرة من المخاطر، ويترتب عليها إنتقال سلع وخدمات عبر الحدود تقدر بمليارات الدولارات.  وهو ما يوجب إفساح الوقت أمام أطراف التعامل للدخول في لقاءات ومناقشات مكثفة حول الثمن أو الأسعار، ومواعيد التوريد، وكيفية التنفيذ، وقته ومكانه، وضماناته، وجزاء الإخلال بالإلتزامات التي ستنشأ، فضلا عن مناقشة الأعمال التحضيرية مثل الفحوص الفنية ودراسات الجدوى الإقتصادية، وإعداد خطط المشروع وتوفير وسائل تمويله والتأمين على عناصره[72].  وكل هذا يقتضي جلوس أطراف التعامل سويا وتبادل الأفكار والمناقشات حتى تتم المعاملة المطروحة، أو تفشل ويذهب كل طرف إلى سبيله. ومما تقدم يظهر لنا أهمية الوقوف على ما هية المفاوضات، وهي ظاهرة عامة تقابل في ميدان العقود والعمل، والإدارة وغيرها[73].

27.   تعريف المفاوضات:  تلعب المفاوضات دورا وقائيا هاما في إبرام عقد إرتضاه أطرافه، وسينفذ كل منهم التزاماته بطريقة سلمية هادئة، وسيجنبهم مغبة الدخول في منازعات وولوج ساحات قضاء الدولة أو قضاء التحكيم.

ومن هنا نطرح السؤال:  ما المراد بالمفاوضة أو المفاوضات؟

ذهب البعض إلى تعريف المفاوضة بأنها عملية تطرح فيها مقترحات او مشروعات صريحة لغرض التوصل لإتفاق بالتبادل أو المقايضة أو على أساس تحقيق مصلحة مشتركة عندما توجد المصالح المتفاوضة[74].

وجاء في الموسوعة الدولية للعلوم الإجتماعية أن المفاوضات هي شكل من أشكال التفاعل تحاول فيه الحكومات أو الأفراد أو المنظمات إدارة بعض مصالحهم المتصارعة، أو هو عملية صريحة تتعلق بمشروعات او مقترحات ومقترحات مضادة[75]. وقيل إن التفاوض هو "التحاور والمناقشة للوصول إلى إتفاق مشترك بين طرفين للحصول على حل متفق عليه للحفاظ على مصالح الأطراف المتفاوضة وحل ما بينها من مشكلات أو تقريب وجهات نظرها بأسلوب حضاري[76].

ومن التعريفات المتداولة أيضا، نذكر ما قرره البعض من أن التفاوض هو تبادل لوجهات النظر وتسوية الإختلافات والبحث عن مناطق محل اتفاق مشترك والمصلحة المتبادلة والوصول لبعض أشكال الإتفاق شفويا أو تحريريا، رسميا أو غير رسمي. وجاء في قاموس webster's أن المفاوضات عملية مواجهة أو تساوم أو مناقشة غرضها الوصول الى إتفاق[77].

28.   تعريفنا للمفاوضات:  ومهما يكن من أمر هذه التعريفات، فإنه يمكن القول إن المفاوضة هي التحاور والمناقشة وتبادل الأفكار والآراء والمساومة بالتفاعل بين الأطراف من أجل الوصول الى إتفاق معين حول مصلحة أو حل لمشكلة ما: إقتصادية، قانونية، تجارية، سياسية. من هذا التعريف يتبين أن هناك عدة عناصر يجب مراعتها للوصول إلى ماهية وجوهر المفاوضة.

أولا:  وجود مشكلة أو مصالح متعارضة بين طرفي العملية التفاوضية، وفي مجال العقود الدولية يتمثل ذلك في محاولة حسم مشكلة السعر أو الثمن، أو إعادة التوازن إلى العملية التعاقدية عندما  يطرأ تغيير في الظروف , يقلب الموازين والحسابات الإقتصادية إضرارا بمركز أحد طرفي التفاوض، أو أي أمر آخر....

ثانيا:  التفاعل INTERACTIVITE والاتصال بين طرفي التفاوض، وذلك بالالتقاء الشخصي في موعد ومكان يتفق عليه، والدخول في محاورات ومناقشات ومساومات شخصية وتبادل المقترحات والأفكار حول المشكلة المطروحة.
ثالثا:  القصد إلى الوصول إلى اتفاق أو حل للمسألة المطروحة، وهذا أمر بديهي، فالتفاوض الذي يجمع بين أطراف لا أهداف لهم، هو عبث واضاعة للوقت والنفقات.  فلا خلاف في أن وجود هدف معين يحدده كل طرف هو الحافز الدافع الى الدخول في عملية التفاوض.

وعادة يتمثل ذلك الهدف في مصلحة مشتركة بين طرفي التفاوض[78]. وهي ليست مصلحة إنفرادية لطرف دون طرف، وإلا ما إرتضى هذا الأخير الجلوس على مائدة المفاوضات.

غير أنه إذا كان للمفاوضات قصد أو هدف، هو تحقيق المصلحة المشتركة لطرفيها، إلا أنه لا ينبغي الوصول إليه بأي ثمن.  فقد يفشل الطرفان في الوصول إلى إتفاق أو تسوية المشكلة القائمة بينهما.  فليس بلازم أن تؤول نهاية المفاوضات إلى النجاح وتسفر عن إتفاق. فهناك العديد من الظروف والعوامل التي تتحكم في سير العملية التفاوضية، وتجعل نتائجها الإيجابية او السلبية إحتمالية الى حد بعيد[79]. فكفاءة المفاوض وخبرته، والقوه الإقتصادية لكل طرف، وحاجته إلى الدخول في هذا النوع من التعامل أو ذاك، نوع الإستراتيجية المتبعة في المفاوضات والتكتيك المستخدم لتنفيذها، وطبيعة العملية او المشكلة المطروحة على بساط التفاوض.... كلها عوامل تؤثر على النتيجة النهائية للمفاوضات .

وعلى هذا لا يبدو سليما القول إن المفاوضات ليست غير تبادل للتنازلات بين طرفيها[80]، لان مقتضى ذلك أن هناك نتيجة الوصول إليها بأي ثمن، وهو أمر قد يصيب بأبلغ الضرر المتعاملين في مجال التجارة الدولية، لأن تلك الأخيرة تقوم على حسابات وتوقعات وحدود لا يمكن النزول عنها. وسوف نزيد ذلك إيضاحا عند عرض ضرورة وإستراتيجيات التفاوض.

ثانيا:  ضرورة وأهمية المفاوضات:


30.  الضرورات المنطقية:  المتأمل في فلسفة المفاوضات يدرك أن هناك عدة ضرورات منطقية تفرض اللجوء إليها. من ناحية، التواصل والتفاعل الإنساني، ومقتضاه أن الإنسان، منذ وجد لا يستطيع أن يحيا بمفرده منكفئا على نفسه قادرا على إشباع حاجاته اليومية إكتفاء بمساعيه وموارده الذاتية، فهو لا بد داخل مع الغير من بني جنسه في معاملات يومية لإشباع تلك الحاجات، وهذا الدخول لا يتم فجأة، أو يحدث عرضا، بل يجب توطئه الطريق اليه، بتبادل الكلمات والأحاديث التي بها حاجته، فيلبي الآخر أو يعرض، وهذا هو التفاوض في صورته الأولى، فهو واقع بين الناس شئنا أم أبينا.

ومن ناحية ثانية، الوقاية من أسباب النزاع، ذلك أنه بإجراء المفاوضات يكون الأطراف قد تحصنوا بالتدابير والإحتياطات التي تمنع قيام أسباب النزاع مستقبلا، حيث يتصورون وينقبون عن النقاط والمسائل التي قد تكون مثار خلاف بينهم، وإذ يطرحونها، قبل أن تولد، فهم في الواقع يقتلون في المهد دواعي الخلاف، أو على الأقل يعدون الدواء لما عسى أن يطرأ من داء.  وكما يقول البعض، بحق، إن مفاوضات "ما قبل التعاقد تلعب دورا وقائيا سواء أسفرت عن إبرام العقد أم عدم إبرامه، فالمفاوضات الجيدة تكون خير ضمان لقيام عقد لا تثور منازعات بصدد تنفيذه، وفشل المفاوضات بعد تبين كل طرف لحقيقة الوضع يقي من إبرام عقد يفتح باب النزاع"[81].

31.       الضرورات العملية:  وتتمثل في أن المفاوضات أداة:

من ناحية، للتفاهم وتقريب وجهات النظر بين أطراف، لا سيما في مفاوضات العقود الدولية، من دولة متباينة في ثقافاتها الإجتماعية والإقتصادية والفكرية بل والسياسية. ومن ناحية ثانية، لوقوف كل طرف على ظروف وشروط العملية التعاقدية، ونطاق حقوقه وإلتزاماته قبل الإرتباط الفعلي بتصرف قانوني ملزم.

32.   الضرورات الإقتصادية:  ومن بينها نذكر أن المفاوضات تعد، وسيلة فعالة لإعادة التوازن العقدي L'equilibre contratuelle عند طروء ظروف غير متوقعة تؤدي إلى إختلال الآداءات الإقتصادية، ذلك أن الثابت في الواقع العملي أن تنفيذ العقود الدولية ووفاء كل طرف بالتزاماته يستغرق وقتا، كعقود بناء المصانع، وإنشاء الجسور وإقامة كل طرف بالتزاماته يستغرق وقتا، كعقود بناء المصانع، وإنشاء الجسور، وإقامة المطارات، وإعادة البنية التحتية وغيرها، وفي تلك الأثناء قد تجد ظروف سياسية، أو إقتصادية كإنخفاض سعر العملة، أو إرتفاع باهظ في أسعار المواد الأولية، أو تعديلات تشريعية، كصدور قانون يمنع الإستيراد أو التصدير أو خروج العملة الصعبة .... فإنه يصبح تنفيذ الإلتزامات التعاقدية باهظا ومرهقا، وإن لم يكن مستحيلا، ويجعل المدين في موقف حرج ويلحق به أضرارا فادحة لا يستطيع إحتمالها أو تداولها.

وهنا درج التعامل في مجال العقود الدولية ممتدة الآثار والتنفيذ إلى تضمين عقودهم شرط المراجعة أو الصعوبة أو المشقة[82] clause de durete، والمسمى في الفقه الإنجليزي clause de hardship[83]، أو الأمريكي شرط الإختلال الكبير Gross indequity clause[84] ومقتضاه التزام الأطراف بإعادة التفاوض renegociation حول العقد لمواجهة الظروف الطارئة التي حدثت بهدف تعديل الإلتزامات التعاقدية إلى الحد المعقول لرفع الضرر الجسيم الذي تحمله أحد الطرفين من جراء تلك الظروف. وقد نصت على التفاوض في حالة تغير الظروف hardship المبادئ المتعلقة بعقود التجارة الدولية التي أقرها معهد Unidroit عام 1994.  فقد جاء بالفقرة الثالثة من المادة 6-2 أنه "في حالة شرط الصعوبة (تغير الظروف) hardship يكون للطرف المتضرر طلب إعادة فتح باب المفاوضات، ويجب أن يقدم الطلب دون تأخير وأن يكون مسببا".

ودون الدخول في تفصيل هذا الشرط، يكفي أن نقرر أن المفاوضات تعتبر الأساس والأداة الفنية لإنفاذ العقد، وتصويب مساره بتخفيف الضرر عمن لحقه[85]. حفاظا على الصلة والتعاون المستمر بين أطرافه، والتي من غيرها ستتوقف علاقات الطرفين، مما يعمل على تفاهم الضرر بالنسبة لأحد طرفية، وقد ينفسخ العقد إن وصل الأمر إلى حد إستحالة تنفيذ الإلتزامات.

33.   الضرورات القانونية:  حيث تعتبر المفاوضات، وسيلة للإبقاء على التعامل والتواصل بين أطراف المعاملات الدولية، فالمتأمل في العديد من العقود الدولية يدرك أن من بين نصوصها وبنودها بندا خاصا يسمى "بند أو شرط التفاوض لتسوية المنازعات وديا" Clause de reglement amiable.

وبمقتضى ذلك الشرط يرتضي الأطراف الجلوس سويا لأنهاء الخلاف بينهم، بتقديم تنازلات متبادلة وفق ما تنتهي إليه المفاوضات والمشاورات.  وقد يأخذ الأمر شكل قضية مصغرة mini-trial حيث يلتقي طرفا الخصومة كل في مواجهة الآخر، ويعرض وجهة نظره، ويتفاوضون ويسوون مشكلاتهم داخليا فيما بينهم، كما لو كانوا عملاء أو زملاء صناعة أو مهنة واحدة سابقين[86].

وهذا الإعتبار الأخير يجب مراعاته عند تغير إستراتيجية التفاوض كما نرى فيما يلي:



المطلب الثانيإستراتيجية المفاوضات


أولا:  ماهية إستراتيجية التفاوض:

34. عنصر الإحتمال وضرورة تبني إستراتيجية:  أسلفنا بيان أن المفاوضات أو التفاوض هو التحاور والمناقشة وتبادل الأفكار والآراء من أجل الوصول إلى تسوية مشكلة معينة، أو إلى إبرام صفقة تجارية أو الفوز بتنفيذ عملية مقاولة. وقد يتصور البعض أن التفاوض عملية سهلة، حيث يجلس أطرافه على مائدة واحدة ويبادر أحدهم الآخر بطرح سؤال، ويحاول من وجه إليه الإجابة عنه، ثم تنتهي عملية التفاوض بإرتضاء الطرفين كلمة سواء تحقق مصالحهما.

غير أن هذا تبسيط مخل للأمور.  فعملية التفاوض بالغة التعقيد، حيث يقف وراءها عوامل ومتغيرات تتشكل منها مواقف الأطراف، وتؤثر على غاية عملية التفاوض، وهذا ما يجعل عنصر الإحتمال يهيمن على تحقيق تلك الغاية، بمعنى أنه من غير المعروف بالنسبة للأطراف أن مفاوضاتهم قد تكلل بالنجاح وتسفر عن إتفاق، فإحتمال الإتفاق أو عدم الإحتمال يتساويان، وقد يدور في رأسه في تلك الأثناء، البحث عن عملية وطرف بديل، فالتنبؤ بنتائج عملية التفاوض يبدو صعبا إلى حد بعيد. ولتقليل، وحصر ذلك الإحتمال في أضيق حدود يحاول كل طرف إتباع استراتيجية Une strategie معينة يتفاوض على أساسها.

فما المراد بإستراتيجية التفاوض؟

35. مفهوم الإستراتيجية:  تكاد تعادل كلمة إستراتيجية، في مفهومها، كلمة المنهج La methode والمنهج يعني مجموعة الخطوات التي يجب إتباعها للوصول إلى هدف محدد، أو لإكتشاف، أو التدليل على حقيقة، أو هو النظام الواجب إتباعه لتحقيق غرض معين، وإنتهج منهجا في تنفيذ عمل معين، لم يترك الأمر للصدفة أو السير العشوائي[87].

والحال كذلك، يمكن تعريف إستراتيجية التفاوض في العقود، بأنها الخطة الموضوعة، والمعدة مسبقا، والتي تشتمل على الخطوط العريضة للمسائل التي سيتم التفاوض عليها، وصولا إلى الهدف المحدد. وإذا كان كل طرف من أطراف التفاوض يعني بتحديد ووضع الإستراتيجية التي يتبعها في إدارة عملية التفاوض، وكنا قد قلنا إن التفاوض هو عمل تفاعلي وإتصالي بين أطرافه، فإنه يكون هناك تفاعل بين إستراتيجية كل طرف وإستراتجية  الطرف الآخر حتى تصل عملية التفاوض إلى نهايتها التي قد تكون الإتفاق أو عدم الإتفاق، وهو تفاعل Interactivite يتحقق بوسائل الجدل والتأثير والإقناع التي تقوم عليها كل إستراتيجية أو منهج تفاوضي. الإستراتيجية التفاوضية بهذا المفهوم لها عدة صور أو أنواع.


ثانيا:  أنواع استراتيجيات التفاوض:

36. تمهيد: إذا كانت الإستراتيجية تعنى وضع خطة يتم إتباعها أثناء عملية التفاوض في طرح المسائل وإدارة النقاش وتبادل المقترحات حولها، فإن تلك الخطة قد تدور بين التشدد واللين، حسب ظروف الحال، وصولا إلى تحقيق واضعها للأهداف التي رسمها لنفسه ولفريقه التفاوضي.

37. إستراتيجية التشدد:  وفيها يتم وضع مطالب ومقترحات عالية ومتشددة وإظهار التصلب في التفاوض حولها، والتأكيد على أنه لا يجوز التنازل عنها، إلا بطريقة تدريجية ومحدودة للغاية[88]، ولا تقوم على مذهب "خذ الفلوس واجري" Take the money and Run[89].

ولا خلاف في أن تلك الإستراتيجية إن كانت تصلح في المفاوضات السياسية إلا أنه لا ينصح بها في مفاوضات العقود الدولية، التي لا يلائمها الضغط من أجل الحصول على أحسن صفقة وتطويق الطرف الآخر. فإذا كان من المتصور أن تؤدي تلك الإستراتيجية إلى تلك النتيجة، فإن مستقبل العلاقات والتعامل بين الطرفين لن يدوم طويلا[90].  فالإنتصار المقتنص لطرف واحد قد يحمل معه بذور نهايته، حيث أن الطرف الآخر سوف يحاول أو قد تضطره الظروف إلى طلب التعديل في أول فرصة متاحة مما يؤدي إلى زعزعة السير الهادئ لتنفيذ العملية التعاقدية، كما رأينا بخصوص شرط الظروف الطارئة Hardship clause أضف إلى ذلك أن الضغط والتصلب في المواقف، قد تؤدي إلى رفض الطرف الآخر الإستمرار في عملية التفاوض، وبالتالي إلى إنهائها.

38.  إستراتيجية الأخذ والعطاء:  وتسمى، أحيانا إستراتيجية البقاء والإستمرار[91].

وفي مجال المفاوضات السياسية، تسمى إستراتيجية التشدد المعتدل[92]، التي تقوم على إغراء الطرف الآخر بعمل تنازلات وهو ما يعد ليونة في الموقف المتشدد لصاحب تلك الإستراتيجية. وتقوم تلك الإستراتيجية على معرفة صاحبها الحد الأدنى الذي لا يمكن النزول عنه، وهو ما يتطلب معرفة نية الطرف الآخر وحده الأدنى، حتى لو إضطر الأمر إلى النزول عن هذا الحد، فإنه يجب أن يقابل ذلك تنازل من الطرف الآخر، أي يكون هناك تنازل وتنازل مقابل حتى يمكن الوصول إلى تسوية او إتفاق، وهذا هو الأخذ والعطاء المطلوب[93]. وبتلك السمات، تعمل تلك الإستراتيجية على الحفاظ على التواصل ما بين طرفي التفاوض والدفع به إلى الأمام من أجل تحقيق الهدف المرسوم.
39. إستراتيجية الأمر الواقع:  وتقوم تلك الإستراتيجية على أن يضع الطرف الذي يتبع تلك الإستراتيجية الطرف الآخر أمام الأمر الواقع Fail accompli بتقديم إقتراح وإبلاغه بأن يأخذ به أو يرفضه دون مناقشة[94]. وعادة يلجأ المفاوض إلى إستراتيجية الأمر الواقع، ليقول للطرف الآخر "الآن يتوقف الأمر عليك"، وهو ما يعمل على الوصول إلى قرار سريع من جانبه، أو للنزول عن موقف معين في التفاوض. على أن نجاح تلك الإستراتيجية يعتمد على مجموعة من الشروط نذكر منها : أن يكون إحتمال قبول الطرف الآخر للنتيجة في النهاية إحتمالا كبيرا، وأن تكون خسارة ذلك الطرف من إستمرار معارضته أكبر ماديا من الخسارة التي تحدث من جراء عدم قبوله الأمر الواقع[95].

40. إستراتيجية العدالة:  وتقوم تلك الإستراتيجية على فكرة مثالية، وهي العدالة في كل شيء، ولما كانت فكرة العدالة فكرة نفسية تدور حول ما يعتقد أنه الحق، فإن مفهومها من الصعب تحديده.  وإزاء ذلك، لن تخرج فكرة العدالة عن التزام كل طرف الموضوعية في عرض وجهة نظره، وفي تقييم عناصر موقف الطرف الآخر، فلا يتفاوض من مواقف مسبقة لا يمكن المساس بها، ولكن الحث الموضوعي عما يريده هو وما يرضيه الطرف الآخر. فكأن تلك الإستراتيجية تقصد الوصول إلى حلول تحقق المنفعة المشتركة Un benefice mutual بحيث لا يكن فيها ما يكسبه طرف هو ما يخسره الآخر، وتنتفى معادلة الكاسب / الخاسر.  ويجب أن يتذكر كل مفاوض أن التعاقد يفترض، بل يستلزم نتيجة متوازنة، وإلا كيف نتصور وجود تراضي في النهاية، وكما قيل، بحيث، يجب أن ينظر كل طرف في المفاوضات إلى كل الظروف والمعطيات والنقاط المطروحة للمناقشة والحوار بعيون الطرف آخر[96]. فذلك كفيل بالوصول الى إتفاق ليس فقط متوازنا، بل كذلك عادلا.

41. الخيار بين الإستراتيجيات:  ومهما يكن من أمر تلك الإستراتيجيات وأنواعها، فإننا إذا كنا نميل إلى الإستراتيجية الأخيرة، إستراتيجية العدالة، إلا أنه من الصعب أن ننصح بتبني الإستراتيجية أو تلك. فالواقع أن هناك العديد من العوامل والظروف التي تحكم إختيار إستراتيجية معينة دون غيرها، ومنها طبيعة الموقف التفاوضي، والمسألة محل التفاوض، والخبرات التفاوضية لكل طرف وشخصيته ونفسيته[97]. وقوته الإقتصادية الحالية والمستقبلية وعلاقة كل طرف بالآخر وحرصه على الإستمرار في التعامل مع من عدمه، وهدف كل منهم هل هو هدف بعيد أم قصير المدى، ونوع المصالح التي ينبغي على الأطراف تحقيقها، ونوع تلك المصالح إقتصادية ام سياسية أم كلاهما، والتكتيك المتبع لتنفيذ كل إستراتيجية.

المطلب الثالث
عوامل نجاح المفاوضات

42. تحديد تلك العوامل:  تبتغي المفاوضات الوصول إلى هدف محدد تلتقي عنده مصالح الأطراف المتفاوضة، وهذا الهدف يمكن تحقيقه بإتباع إستراتيجية معينة، من تلك التي ذكرناها وبتطبيق التكتيك الملائم لتنفيذها على ما سنرى هنا. ويقف وراء كل إستراتيجية تفاوضية وتكتيك الملائم لتنفيذها على ما سنرى هنا. ويقف وراء كل إستراتيجية تفاوضية وتكتيك تنفيذي، عدة عوامل تساعد على إنجاحها:  عوامل فنية، وعوامل شخصية، وعوامل موضوعية، نستعرضها تباعا، وبإيجاز.

أولا:  العوامل الفنية وتكتيك التفاوض:

43. التكتيك والإستراتيجية:  مضت الإشارة إلى أن الإستراتيجية هي التصور التخطيطي أو الخطة الموضوعة من قبل فريق التفاوض، وتشتمل على النقاط والمسائل الأساسية التي ستدور حولها المفاوضات، والإستراتيجية بهذا المفهوم، وبحسبانها منهجا للتفاوض Methode de negociation، تحتاج الى آليه Mecanisme أو أداة حركية لتنفيذها.  وتعمل على تحقيقها لأهدافها وتلك الآلية تسمى من الناحية الفنية التكتيك. والتكتيك La tactique هو تصور وعمل محدد، أو مناورة في طرح المسائل أو البدء في التحاور وتبادل المقترحات بنحو يؤثر على السلوك التفاوضي ورد فعل الطرف الآخر، وهذا التعريف الذي نقترحة تدور حوله تعريفات آخرى[98].

44.  أمثلة لتكتيكات التفاوض:  ومن أمثلة التكتيكات التي تطبق في محادثات وجولات مفاوضات العقود الدولية نذكر:

-    ترك الطرف الآخر يقدم إقتراحه أو العرض الأول، ثم تناوله بالمناقشة والتنفيذ وإسقاطه بإقتراح مضاد أو بديل، مما يجعل صاحبه في موقف المدافع.
-    المفاجأة في العرض والمناقشة، وتعديل أسلوب التحدث والمخاطبة على الرغم من أن التغيير المفاجئ لم يكن متوقعا في ذلك الوقت، وذلك على نحو يشعر الطرف الآخر أن هناك تغيرا في الموقف، مما قد يجعل ذلك الطرف الآخر على إستعداد لتقديم تنازلات أو تعديل إقتراحه[99].
-    الصمت المؤقت Forbearance في الحوار التفاوضي، أي الأحجام عن الحديث في وقت محدد، والإمتناع عن الرد الفوري، وتأجيل الإجابة بتغيير مجرى الحديث، وذلك للإستفادة من عامل الوقت، وإعطاء الفرصة للفريق التفاوضي للتفكير في مغزى السؤال وأهدافه[100].
-    الإنسحاب الظاهري retrait apparem وإيهام الطرف الآخر بذلك في اللحظة الحاسمة، حتى يضطره إلى التراجع عن موقفه وإجبارة على التعاون أو حتى تقديم تنازل يرتضيه.
-    التحديد الزمني والموضوعي Fixation temporelle et substantielle لنطاق التفاوض، وذلك بوضع حد أقصى للمدة التي تنتهي عندها المفاوضات[101]. أو تحديد المسائل والنقاط التي لا يجوز للمفاوضات الخروج عليها، ويرمي هذا التكتيك إلى حصر الطرف الآخر ومنعه من التسويف والمماطلة ودفعة إلى إتخاذ قرار سريع، أو النزول عن مطلب معين في التفاوض.
-         تقديم التنازل الأول في السعر وإعتباره مكافأة وإكرامية، وإشعار من قدم له بأنه التنازل الأخير، فلا يطلب غيره.

على أننا نشير هنا  إلى أن تكتيك التنازلات لا يجب إتباعه إلا في مواقف محددة، وضوابط مقبوله منها: أن يأخذ صورة عرض الفرصة الأخيرة أن يمثل قيمة بالنسبة للطرف الآخر أن يكون باتا irrevocable لا يجوز الرجوع عنه[102]، حتى ولو لم يؤت ثمرة ويقدم الطرف الآخر شيئا مقابله، على أن هذا الأمر الأخير لا يمنع من الأخذ بمبدأ المعاملة بالمثل أو التبادل في التنازلات.

45. تنبيه:  كما يجب أن نضيف أن هناك بعض التكتيكات التي ذكرناها، كالصمت المؤقت، والإنسحاب الظاهري، يمكن حال المنازعة أمام القضاء، إعتبارها خروجا على مبدأ حسن النية la Bonne foi في التفاوض بحيث يمكن ترتيب المسؤولية القانونية التقصيرية او العقدية على حسب الأحوال، لمن مارسها إذا لحق الطرف الآخر ضرر يستوجب التعويض.

بيد أنه إذا تحلى المفاوض بالخصال الحميدة النابعة من الخبرة في التفاوض في العقود الدولية، وهي من عوامل نجاح استراتيجيات التفاوض، فلن يتعرض لمغبة الوقوع في دائرة المحظورات القانونية التي ترتب مسؤوليته كما سنرى.

ثانيا:  العوامل الشخصية، مهارات المفاوض:

46.   تمهيد:  تدور هذه العوامل حول صفات المفاوض، او الفريق التفاوضي الذي يخوض غمار عملية التفاوض، وتلك الصفات تشكل إخلاقيات التفاوض وآدابه، التي تكفل مفاوضات نزيهة وناجحة تلبي رغبات وتطلعات اطراف التفاوض.
وننبه هنا إلى ضرورة إهتمام الشركات والمؤسسات ببرامج التدريب المتقدمة والمستمرة، لإعداد الكوادر الفنية التي تتوفر لها أسباب المهارة والكفاءة في مجال التفاوض على العقود الدولية.

ومن أهم صفات المفاوض الماهر نذكر:

47.   (1) الخبرة التفاوضية، ودلائلها القدرة على تحديد الأولويات[103]، والنقاط التي يتم البدء بها في التفاوض والتحاور بإعتبارها أرضية مشتركة للطرفين، بما يدعم التفاعل والتواصل بين طرفي التفاوض.

48.   (2) الأحاطة بشخصية المفاوض الآخر، من ناحية نفسيته[104]، بيئته وتكوينه الفني والثقافي والإجتماعي[105]، وأسلوبه التفاوضي[106]، ونقاط الضعف والقوة لديه وحاجاته وأغراضه، ودوافع الإنجاز والطموح لديه وهل يفضل الإتفاق من عدمة[107]، مسلكة في المفاوضات السابقة وخبرته في التفاوض الدولي[108]، وأسباب نجاحه أو إخفاقه فيها، وهل يحاول أن يثبت نفسه بإتباع التشدد، وهل يخشى الحرص الدائم على إحراز نقاط على حساب الطرف الآخر حتى لا يفقد التواصل معه[109]، وهل هو قلق ودائم الشك، ذلك أنه قدر ما يكون كذلك قدر ما يقل تعاونه وتواصله في التفاوض. ويمكن التعريف على كل ذلك من خلال جمع المعلومات وتحليل كل ما يتعلق بسيرته العملية والنشرات والتقارير المالية والتجارية الصادرة عن شركته أو المشروع الذي يتفاوض، أو تفاوض من قبل، بإسمه.

49.  (3) التكامل الشخصي:
ودلائله الصبر والقدرة على الإحتمال الذهني والبدني، والقدرة على التفكير والتعبير الشفوي بوضوح عند الضغوط[110]، والسيطرة على مجرى المفاوضات وتهدئة جو المفاوضات، بأن يطلب إعادة طرح السؤال مرة أخرى بحجة أن أحد أعضاء فريق التفاوض لم يسمعه أو أخطأ في فهمه أو يطلب ترجمة السؤال[111]. ونضيف كذلك القدرة على السيطرة على نفسه، وأخفاء مشاعرة، طمأنينة أو قلقا، وألا يكثر من الثرثرة والكلام على مائدة المفاوضات، وأن يمعن التفكير ويظل مستترا وراء هدوء وحكمة لا يهتزان، كهدوء وحكمة أبي الهول المصري كما يقول بعض ممارسي التفاوض في مجال التجارة الدولية[112].
50.  (4)  القدرة على الإقناع:
 والإقناع La persuasion هو عملية إتصال يقوم بها المفاوض من أجل تعديل سلوك الطرف الآخر بخصوص موضوع أو مسألة معينة، بحيث يصير أكثر مواءمة وإتفاقا مع اهداف ومواقف الطرف الذي يسعى إلى هذا التعديل[113]. وإذا كانت أدوات الإقناع هي الأسانيد والحجج، فإنه يجب أن يتمتع المفاوض بخاصية حسن إقامة الحجج، وكيفية إستخدامها إيجابيا لصالح التفاوض، وليس بقصد هزيمة الطرف الآخر وترك هذا الإحساس لديه، وكما يقول البعض يجب على المفاوض تأمل الطرف الآخر وترك هذا الأحساس لديه، وكما يقول البعض يجب على المفاوض تأمل أساليب إقامة الحجج أو تقديم الأسانيد في الثقافة الواحدة أو عبر الثقافات، وكيفية التعامل مع الأنماط التي تجسد التسلط في الحوار.  وهذا يقتضي كذلك الشجاعة والقدرة على المواجهة الإيجابية مع الطرف الآخر، وتجنب أساليب المغالطة والدفاع عن الأوضاع الخاطئة[114].

51.  (5) إجادة الإستماع واليقظة:
 في فهم ما يريده الطرف الآخر.  وليس المراد بحسن الإستماع الصمت والإيماء بالرأس رفعا وخفضا، ولكنه تلقي ما يقال وإستعابه وحفظه في الذاكرة بصورة منتظمة لإسترجاعه في الوقت المناسب، لمناقشته وبيان ما فيه من تناقض، أو أشياء تؤثر في مصداقية الطرف الآخر[115].

52. (6) الذكاء في إبتداع الإختيارات، والمهارة في الإبقاء على الإتصال:

وذلك يتحقق بعدة أمور، نذكر منها:

-    تجنب التفكير الأحادي والخروج من حيز الفكرة الواحدة إلى رحاب الأفكار الأخرى خاصة الجديد منها والذي يشكل بدائل أكثر مقبولة.
-    تقييم الموقف التفاوضي بشكل دوري، وذلك للتعرف على المستجدات التي حدثت أثناء عملية التفاوض، والتجارب مع تلك المستجدات "أي تجنب الأجندة الإستاتيكية الثابته خاصة في الأمور الفرعية"[116]،
-         تقديم التنازلات المعقولة لإخراج المفاوضات من طريق مسدود تكون قد وصلت اليه.
-    معرفة الحد الأدنى الذي يجب إدراكه من عملية التفاوض، ومعرفة الحد الأدنى الذي يقبله الطرف الآخر[117]، حتى يستطيع المناروة  كي ينزل إلى ذلك الحد.
-    التزام الواقعية في التفاوض، وذلك بالعلم أن هذا الأخير أخذٌ وعطاء وتجنب الضغط للحصول على حد أقصى من الفوائد، ومحاولة تخفيف المواجهة التعاقدية فالمفاوضات ليست حربا، وإنما هي عملية تفاعل وتعاون وتواصل تبتغي الوصول الى المصالح المشتركة والمتوازنة لطرفيها[118].
53.  (7) النزاهة والشرف:
 وتجنب الخداع Feinting  والمراوغة التدليسية، manoeu vre dolsive من ذلك تعمد تسريب بيانات خاطئة عن موقفه من خلال عمل متعمد يرتكبه المفاوض كإلقاء أوراق مكتوبة في سلة المهملات على أنها مسودات لتحرك أفراد فريق التفاوض وأهدافهم و ظروف شركتهم ومؤسستهم أو خروج أحد أعضاء الوفد التفاوضي معلنا وصول المفاوضات إلى طريق مسدود[119]، لإعطاء الطرف الآخر انطباعات خاطئة فيضلل مسيرته، ومن ذلك إساءة إستعمال عامل الوقت بالتأجيل المتكرر لمراحل المفاوضات، إنتظارا لتغير ظروف التعاقد والوضع المالي او التنافسي للطرف الآخر، مما يضطره إلى قبول إتفاق مجحف له.  ولا شك أن هذا المسلك يعد خاطئا، ويستوجب مسؤولية سالكه القانونية وإلزامه بالتعويض إن كان قد ترتب ضرر بحق الطرف الآخر في المفاوضات. ونصل إلى القول إن هذه بعض مواصفات وخصال المفاوض الماهر القادر على إنجاح العملية التفاوضية وإبرام العقد الدولي المبتغى.

غير أن تلك الخصال والعوامل الشخصية لا تكفي وحدها، ما لم تتوفر عوامل أخرى كما نرى فيما يلي:

ثالثا:  العوامل الموضوعية:

كي تنجح إستراتيجية التفاوض في الوصول إلى هدفها، لا بد من توفر بعض العوامل الموضوعية، التي نذكر منها:

54. (1)  الإعداد الجيد لجدول الأعمال التي ستطرح على بساط المفاوضات:
من قبل احد الطرفين أو كلاهما وتبادله عن طريق خطابات النوايا، ويجب ان يكون الجدول:

·   محددا فيه فيه لأهداف الاساسية لعملية التفاوض، والتي تعتبر سبب العقد المزمع إبرامه، والتي من غيرها لم يكن للأطراف أن يبرموا ذلك العقد[120].
·        مفصلا قدر الإمكان شاملا لكافة المسائل والنقاط التي يحسب الأطراف أهمية النقاش والتفاوض من حولها[121].
·        مصاغا في لغة قانونية سليمة لا تدع مجالا للتردد والتأويلات.
·   ترتيب النقاط محل التفاوض حسب أولويات ووزن كل نقطة وتصديرها قائمة جدول الاعمال، أو تأخيرها إلى المسائل الفرعية، أو توزيعها بنحو متوازن[122]، مما يتيح تخفيف وطأة وشدة المساومة والجمود في مواقف الأطراف.

55.  (2) حسن التنظيم والتنسيق لفريق التفاوض:
  الغالب الأعم أن مفاوضات العقود المالية معقدة ومتشابكة، بها جوانب فنية متداخلة، قانونية، وإقتصادية وتقنية، ومالية.  وحتى يمكن الإلمام بكل تلك الجوانب، لا بد أن ينهض بعملية التفاوض فريق تفاوض Une equipe de negociateurs يجمع كل تلك التخصصات، حتى يمكن توسيع رقعة التشاور، وتنويع وجهات النظر والرؤية وإنجاز عملية التفاوض في وقت ملائم، حيث ستحسم كل المسائل مرة واحدة بدلا من الرحالات المتتابعة، واللقاءات المتكررة. وهنا يجب تقسيم العمل بدقة بين أعضاء الفريق التفاوضي، وتحاشي التضارب والتداخل بينهم وتحديد منسق coordinateur بين كل منهم، ومتحدث رسمي واحد لهم[123]، مع تحديد مسؤولية كل عضو في الفريق عند مناقشة الجانب الذي يدخل في تخصصه[124].

56.  (3)  توفر البيانات والمعلومات الأساسية:
 والدراسات النوعية لمختلف جوانب المسألة التي يدور التفاوض من الإتصال المباشر بمركز إتخاذ القرار، مقر مجلس إدارة الشركة أو المشروع أو جمعيتها العمومية، وتوفر الأمكانيات البشرية والتجهيزات المادية ووسائل الإتصال الملائمة[125].

57.  (4)  توفر الإرداة الحقيقية للتفاوض:
ونضيف في النهاية عاملا مختلطا بجمع الجانبين الشخصي والموضوعي، وهو توفر الإرادة الحقيقية المشتركة لطرفي التفاوضات لبدئها[126]، والحرص على إستمراريتها Sa Perennite، والعمل على تدعيم علاقات الأطراف وإستدامتها، والتعايش المشترك Vivre ensemble[127].  إن إنعدام تلك الإرادة كفيل بوأد المفاوضات في مراحلها الأولى، كما أن إنتقاصها، حتى مع الوصول الى إتفاق، كفيل بتحتيم ذلك الأولى، كما أن انتقاصها، حتى مع الوصول إلى إتفاق، كفيل بتحطيم ذلك الإتفاق على أولى أعتاب عملية تنفيذه. بيد أن تلك الإرادة يمكن ضمان توفرها عند تنظيم عملية التفاوض ووضعها في إطار قانوني، كما هو الحال في التفاوض التعاقدي كما نرى في المطلب التالي.


المطلب الرابع
تنظيم المفاوضات

58.  تمهيد وتقسيم: الأصل في التفاوض هو حرية المتعاقدين في الدخول إليه من عدمه حيث لا يتصور إجبارهما على الجلوس على مائدة المفاوضات، وحتى إن إرتضيا التفاوض فلهم حرية إستكمال طريقه أو إنهائه دون الوصول الى إتفاق، غير أنه ليس هنا ما يمنع من الحد الإرادي من تلك الحرية، بإبرام الأطراف عقد للتفاوض، وفي كلا الحالتين تثور العديد من مشكلات تنازع القوانين، وهو ما يقتضي أن نفرق بينهما في فرعين.

الفرع الأول
تنازع القوانين في التفاوض الحر

أولا: نظام التفاوض الحر:

59. ماهية التفاوض الحر ومضمونه:  يميل أطراف التفاوض في العقود الدولية إلى الإنطلاق بعيدا عن القوانين الوطنية وقواعدها المقيدة، حيث يسود لديهم الإعتقاد أن "أعمال القوانين الوطنية يقود إلى مشكلات لا نهاية لها، ويؤدي إلى إضطراب وزعزعة العلاقة التعاقدية التي جرى التفاوض فيها بحرية"[128]. ومن ثم يحبذون إجراء مفاوضاتهم في مناخ كامل من الحرية. وقد ساهم مشرعو تلك القوانين الوطنية في دعم هذا الميل للإنطلاق والحرية بتجاهلهم تنظيم عملية التفاوض في إبرام العقود والتصرفات الإرادية.  وقد أسلفنا البيان[129]. أنه عدا بعض القوانين القليلة، كالقانون المدني الإيطالي لعام 1942 والقانون المدني اليوناني لعام 1946، خلت القوانين الوضعية من وضع نظام يحكم المراحل التمهيدية السابقة على إبرام العقود، ومنها مرحلة التفاوض.

بيد أنه على فرض وجود ذلك التنظيم القانوني لعملية التفاوض، فإن أطراف تلك العملية سيلجؤون إلى تحييد ذلك التنظيم، وجعل دوره إحتياطيا، بتعظيم دور مبدأ سلطان الإرادة Principe d'autonomie de la volonte ، وتفعيل قاعدة الإتفاق شريعة أطرافه، بحيث يقومون بأنفسهم بالتفاوض الحر الذي لا يقيدهم، فيستطيع كل منهم تطبيق إستراتيجية التفاوض والتكتيك[130] الذي يراه ملائما للوصول إلى مقصده والفوز بالصفقة التعاقدية، حتى ولو إضطرته ظروف التفاوض إلى إتباع أساليب المكر والخداع والخروج على مقتضيات النزاهة وشرف التعامل.
والحال كذلك، فإن لكل مفاوض أن يقطع سير المفاوضات وينهيا في أي وقت إعمالا لمبدأ الحرية التعاقدية، فالدخول في المفاوضات هو نتاج ذلك المبدأ، ويخضع التفاوض لمبدأ حرية العدول، يمكن للأطراف هنا الإتفاق على عدم مسؤولية أي منهم عن متابعة المفاوضات[131]. بيد أنه في ظل غياب الإتفاق الصريح على الدخول في المفاوضات والإلتزام بمتابعتها وصولا إلى إبرام العقد النهائي، فإن قطع المفاوضات والعدول عن متابعتها لا يرتب أية مسؤولية عقدية، لأنه في ذلك الإطار تعتبر المفاوضات مجرد عمل مادية لا ترقى إلى مستوى التصرف القانوني الإتفاقي، الذي يؤدي الخروج على ما يولده من التزامات الى تلك المسؤولية.

وهذا هو مبدأ حرية المفاوضات في العقود الدولية:

ويبدو أنه مبدأ من المبادئ القانونية العامة التي يجب الإعتراف بها، وقد يدعم ذلك الإستخلاص ما قنته المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص في روما حيث جاء في مجموعة المبادئ المتعلقة بعقود التجارة الدولية والتي وضعها عام 1994 ما نصه في الفقرة الأولى من البند 15 من المادة الثانية "يكون الأطراف أحرارا في التفاوض، ولا يكونون – مسؤولين إذا لم يصلوا إلى إتفاق"[132]. غير إنه إذا كان قطع المفاوضات أو العدول عنها لا يرتب مسؤولية عقدية، حيث لا مسؤولية عن العدول في حد ذاته، إلا أنه يمكن ترتيب المسؤولية التقصيرية إذا إقترن قطع المفاوضات أو العدول عنها بضرر لحق الطرف الآخر[133]، من جراء تصرفات ومسالك تفاوضية تخالف النزاهة والشرف وموجبات حسن النية[134].

ثانيا: القانون وواجب التطبيق في حالة قطع المفاوضات:

60.  موقف القوانين المقارنة: ومهما يكن من أمر، فإن التساؤل يثور حول القانون واجب التطبيق      
      على المسؤولية عن قطع المفاوضات قبل التعاقدية في التفاوض الحر.                              
لا تتفق القوانين المختلفة على كلمة سواء، وذلك بسبب إختلاف التكييف القانوني La qualification juridique للعلاقات والروابط بين أطراف عملية التفاوض، وهو تكييف يخضع لقانون القاضي كما هو معروف[135].  ونوضح فيما يلي مواقف بعض القوانين الوطنية.

61.  القانون المصري والفرنسي:  فمن ناحية، يتجه القانون المصري، ومعه القانون الفرنسي[136]. إلى تطبيق قواعد المسؤولية التقصيرية عن قطع أو إنهاء المفاوضات، إذا ترتب على ذلك ضرر لأحد الأطراف[137]، وبالتالي تطبق قاعدة الإسناد المقررة بشأن المسؤولية عن الفعل الضار (م 21 مدني مصري) فطالما لا يوجد إلتزام عقدي بالدخول في المفاوضات ومتابعتها، فإن لا يسوغ  بالعقود (م 19/1 مدني).  فالواقع أنه لا يوجد غير إخلال بالثقة المشروعة للطرف الآخر وخروجا على التزام حسن النية la, bonne loi في متابعة التفاوض يرتب المسؤولية التقصيرية إن توفرت شروطها[138].

وهذا قضى به القضاء الفرنسي الحديث بتاريخ 23 فبراير 1998[139] على أننا نرى أنه إذا كان لا بد من إعمال قاعدة التنازع الخاصة بالمسؤولية عن الفعل الضار، وتطبيق قانون محل حدوث الواقعة المنشئة للإلتزام بالتعويض، فإنه يمكن التخفيف من جمود تلك القاعدة وتطويعها، بإعمال نظرية القانون المحلي الإجتماعي، أي قانون الدولة التي تتركز فيها معظم العناصر والظروف التي أحاطت بوقوع الضرر، كقانون الجنسية المشتركة، أو المفاوضات أو قطعها في مواجهته....، كل ذلك بالمفهوم المعروف لنظرية القانون المحلي الإجتماعي والمعروف في مجال تنازع القوانين في مجال المسؤولية عن العمل الضار. على أنه تجدر الإشارة بخصوص موقف القانون المصري، من إعتبار قطع المفاوضات خطأ تقصيراً يحل تنازع القوانين فيه بإعمال قاعدة التنازع الواردة في المادة 21 من القانون المدني، أنه يلزم أن يكون قطع المفاوضات عملا غير مشروع ليس فقط في مصر إذا رفعت الدعوى فيها، بل كذلك في الدولة الأجنبية التي قطعت فيها المفاوضات والتي سيطبق قانونها بحسبانه قانون الدولة التي وقع فيها الفعل للإلتزام، وذلك تمشيا مع الفقرة الثانية من المادة 21 مدني التي تنص على أن:

"2-  على أنه فيما يتعلق بالالتزامات الناشئة عن الفعل الضار لا تسري أحكام الفقرة السابقة – المقررة إختصاص القانون المحلي – على الوقائع التي تحدث في الخارج وتكون مشروعة في مصر وإن كانت تعد غير مشروعة في البلد الذي وقعت فيه". وإعمال تلك الفقرة يقود إلى أنه إذا كان قانون الدولة التي وقع فيها الفعل المنشئ للإلتزام، وهو قطع المفاوضات، يعتبر مجرد قطع المفاوضات عدولا يوجب في حد ذاته المسؤولية عن عمل غير مشروع، فإن شرط إعمال قاعدة الإسناد لا يتوفر، بالتالي لا يطبق ذلك القانون، بل تطبق أحكام القانون المصري الذي لا يعتبر مجرد العدول بحد ذاته عملا غير مشروع، وبالتالي لا تترتب مسؤولية من قطع المفاوضات إلا إذا إقترن فعله هذا بخطأ مستقل عن العدول رتب ضررا للطرف الآخر.

62.  القوانين الجرمانية:  ومن ناحية أخرى، يتجه القانون الألماني، ومعه القانون السويسري[140]، إلى البعد عن التكييف التقصيري المسؤولية الناشئة عن قطع أو إنهاء المفاوضات، وبالتالي عدم تطبيق القانون المختص بالمسؤولية عن الفعل الضار، حيث أن المفاوضات ليست غير مقدمة لإبرام عقد، ويجب أن تجري على ما ترسخ لدى طرفيها من علاقات ثقة وتعاون، ويحدث خلال تلك المفاوضات العديد من الإشارات والتأثيرات بخصوص العقد المزمع إبرامه، فإذا أخل أحد أطراف التفاوض بما يجب عليه حتى يتكون العقد أمكن مساءلته على أساس فكرة الخطأ في تكوين العقد Clupa in contrahendo[141]، أو عدم بذل العناية الواجبة diligantia in contrahendo لتكوين العقد.

فالواقع أن هناك نوعا من الإتفاق الضمني بين المتفاوضين يلقى على عاتقهم الإلتزام بالتفاوض بالعناية اللازمة لتكوين العقد، وهي فكرة تدخل في إطار المسؤولية التعاقدية، أو شبه التعاقدية، ومصدرها قاعدة عرفية إستقرت في القانون الألماني[142]. ويعد خروجا على العناية الواجبة في تكوين العقد، حسب تطبيقات القضاء الألماني، الدخول في المفاوضات بشكل يوحي للطرف الآخر ويغرس فيه الأمل في إبرام العقد النهائي، ثم يأتي ويقطع فجأة المفاوضات دون سبب سائغ، أو مبرر مقبول كتدهور سعر السوق، أو الخلل المفاجئ في المركز التجاري والمالي لمشروعة أو شركته.  وبتلك المثابة، فإن المسؤولية عن قطع المفاوضات أو إنهائها، تخضع لقاعدة التنازع الخاصة بالعقود الدولية المنصوص عليها في المادة 27 وما بعدها من القانون المدني الألماني المعدل عام 1986[143]، ونص القاعدة التي تقرر إختصاص القانون الذي يختاره المتعاقدان صراحة أو ضمنا.  غير أنه لما كان العقد لم يبرم في شأن المسؤولية عن المفاوضات فإن المسؤولية تخضع للقانون الذي كان ينبغي تطبيقه لو أن العقد قد أبرم[144].

63.  قضاء التحكيم:  والبادي أن السائد في القانونين المصري والفرنسي هو مذهب قضاء التحكيم يعتبر أن الأصل هو أن قطع المفاوضات وعدم متابعتها بحسن نية، كطرح مقترحات غير مقبولة، أو التظاهر بأنه جاد في التفاوض في حين أنه يفكر بإجراء مفاوضات موازية مع طرف ثالث، أو يتعمد تضليل سبيل المفاوضات حتى يجبر الطرف الآخر على إتخاذ قرار خاطئ يضر بمركزه المالي أو التجاري، لا يرتب غير المسؤولية التقصيرية عن تعويض الأضرار[145]، وبالتالي يحل تنازع القوانين أمام قضاء التحكيم بأعمال قاعدة الإسناد الملائمة والخاصة بالمسؤولية عن الفعل الضار. غير أنه يظل، مع ذلك، من سلطة القاضي أو المحكم، أن يستخلص وجود إتفاق حقيقي ملزم لطرفيه بالتفاوض من أجل إبرام العقد النهائي، وذلك من ظروف وملابسات العملية التفاوضية وخطابات النوايا المتبادلة بين طرفي التفاوض.  وهنا تنعقد المسؤولية التعاقدية إن أخل أحدهما بالتزاماته، وتسري في حالة تنازع القوانين، قاعدة الإسناد الخاصة بالعقود الدولية (م19/1 مدني).

64.  القانون الأنجلو أمريكي: وينضم إلى القانون المصري، والفرنسي وقضاء التحكيم القانون الإنجليزي، فقد قضت المحاكم هناك أنه إذا لم يوجد إتفاق على التفاوض من أجل العقد المستقبلي، فإن على طرفي التفاوض التزاما بالتفاوض بحسن نية أو بالأخرى التزاما بعدم التفاوض بنية سيئة.  فإذا ترتب على قطع المفاوضات أو إنهاؤها قبل وقتها إضرار بأحد الأطراف، وأثبت ان وراء ذلك تصرفات تمت بسوء نية، ترتبت المسؤولية المدنية بالتعويض عن الفعل الضار[146].  وهنا تطبق قاعدة الإسناد الخاصة بالقانون واجب التطبيق على الأفعال الضارة، بمفهومها في القانون الإنجليزي، أي القانون الذاتي للضرر The proper law of the tort.

بيد أن هذا الإتجاه في القانون الإنجليزي يتمشى مع موقفه من إنعدام القوة الإلزامية لخطابات النوايا، وعدم ترتيب أي التزام عليها، إلا في حدود الضرر الناشئ عن خطأ أو سلوك لا يتفق وحسن النية The good faith، على ما أشرنا سلفا[147]. ومن غير المتعذر القول إن القانون الأمريكي يسير في هذا الإتجاه، فحكم المحاكم في ولايتي دولار وتكساس في القضية الشهيرة Texaco inc V.Pennzoil co إذا كان قد أدان شركة تكسكو بمبلغ تعويض عال، فذلك لأنها كانت تتفاوض سرا، وخلافا لمبادئ حسن النية، مع شركة "جيتي" وحرضتها على الإخلال بالتزاماتها مع شركة "بنزأويل"[148].

65.  مبادئ المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص: لما كان الغالب هكذا، هو مبدأ حرية المفاوضات وعدم ترتيب مسؤولية على قطعها، إلا في حالة سوء النية والتعسف، وتقوم المسؤولية على أساس الخطأ التقصيري، فمن الطبيعي ان تتجه مبادئ المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص، الموضوعة عام 1994 بخصوص عقود التجارة الدولية، إلى الأخذ بهذا الإتجاه الغالب[149]. فقد نصت صراحة الفقرة الثانية من البند 15 من المادة الثانية على أنه "ومع ذلك، فإن الطرف الذي يتصرف بسوء نية، في مسلكه او قطع المفاوضات يكون مسؤولا عن الضرر الذي يسببه للطرف الآخر"[150].

الفرع الثاني
تنازع القوانين في التفاوض التعاقدي
أو عقد التفاوض

66.  تمهيد:  الثابت في مفاوضات العقود الدولية أنها تستغرق وقتا كبيرا، وهذا الوقت يقابله نفقات باهظة تصرف على تنقلات وإقامة فريق التفاوض، والإعداد والتجهيزات اللازمة في مكان المفاوضات.  أضف إلى ذلك الفرص التي يمكن ان يفقدها احد طرفي التفاوض في الدخول في صفقة أو أكثر قد يتأثر بها مشروعه التجاري. والحال كذلك، فإن قطع المفاوضات الحرة، التي تتم خارج أي التزام عقدي، والإكتفاء بقواعد المسؤولية التقصيرية، هي المسؤولية قد يفشل الطرف المتضرر في إثبات تتوافر عناصرها من خطأ وضرر وعلاقة سبيية.  لا تقدم ضمانة كافية وحماية فعالة لعملية التفاوض كي تؤدي وظيفتها القانونية والإقتصادية، بإعتبارها من الأدوات الحقيقية لتيسير إبرام العقود الدولية. ومن هنا بدأ التفكير في إرتباط طرفي التفاوض بعقد او إتفاق يحدد التزامات كل طرف في شأن عملية التفاوض من ناحية، بدئها، ومدتها، وإدارتها، وكيفية تقسيم نفقات التفاوض وحكم قطع المفاوضات، وهو ما يسمى بعقد التفاوض[151].

فما المراد بعقد التفاوض، وما القانون الذي يحكمه؟

أولا:  ماهية عقد التفاوض:

67.  تعريف عقد التفاوض:  إذا كانت القوانين الوضعية المعاصرة قد نظمت غالبية العقود المتداولة، فإنها تجاهلت عقد المفاوضة، ليس عن قصد، ولكن لان ظروف المجتمع الإقتصادية وغيرها لم تكن قد كشفت بعد عن أهمية ذلك العقد حيث كانت الحياة بسيطة، تنعقد فيها العقود بإيجاب وقبول فوريان دون فاصل زمني يحتاجه الطرفان للمساومة والتفاوض حول العقد. ومن هنا يمكن القول إن عقد المفاوضة من العقود الحديثة غير المسماة Contractus in nominatus، وغير المنظمة قانونا. ومن هنا تأتي أهمية تعريفه وتحديد معالمه.

وبداية نقول إن عقد التفاوض contrat de negociation لا يخرج في تعريفة عن تعريف أي عقد آخر، بإعتباره تصرفا قانونيا إراديا، يبتغي طرفاه ترتيب أثر قانوني منه. وقد عرفت ذلك العقد محكمة التحكيم بغرفة التجارة الدولية CCI بأنه عقد بمقتضاه يتعهد طرفاه بالتفاوض او بمتابعته من أجل التوصل إلى إبرام عقد معين لم يتحدد موضوعه إلا بشكل جزئي لا يكفي في جميع الأحوال لإنعقاده[152]. وهذا التعريف لا يخرج عن التعريف الذي قال به جانب من الفقه من قبل، وهو أن عقد المفاوضة عقد يلتزم بمقتضاه كل طرف في مواجهة الطرف الآخر بالدخول في مفاوضات لإبرام عقد لاحق لم تتحدد بعد شروطه وعناصره الأساسية والثانوية[153].

ونحن نرى أن المفاوضة هو عقد بمقتضاه يتعهد طرفاه ببدء التفاوض متابعته، أو تنظيم سير المفاوضات، بغرض التوصل إلى إبرام عقد في المستقبل. وعلى ذلك فإن مفهوم العقد يتسع مفهومه ليشمل كل تعهد إتفاقي ملزم للجانبين على إخلال أي الطرفين بتعهداته التفاوضية تحمل تبعه المسؤولية العقدية.

68.  خصائص عقد التفاوض:  من التعريف الذي أوردناه سلفا يتبين أن لعقد التفاوض عدة خصائص تميزه عن غيره، وهي خصائص ينبغي على المشرع أخذها في الحسبان عند التعرض بالتنظيم التشريعي لمثل هذا العقد.

1.  أنه عقد حقيقي Contrat veritable، تتوفر فيه الأركان الأساسية اللازمة لقيام أي عقد.  فمن ناحية، يتوفر لقيامه تراضي طرفي التفاوض، وتلاقي إرادتهما الحرة التي تقصد إلى ترتيب أثر قانوني معين. ومن ناحية ثانية، أن له محل كسائر العقود، وهو محاولة التواصل الى إبرام عقد مستقبلي تشير الدلائل إلى إمكانية إبرامه.

ومن ناحية ثالثة، أن له سبب باعث دافع الطرفين إلى التعاقد، وهو إتمام العقد النهائي، وتحقيق كل طرف لمقصوده منه.

2.  أنه عقد تمهيدي Contrat preliminaire أو عقد تحضيري contrat preparatoire، حيث بمقتضاه تبدأ مسيرة المفاوضات التي تمهد لإبرام العقد النهائي، ويتم تنظيم علاقات طرفي التفاوض على نحو يقود إلى إتمام العقد[154]. والطابع التمهيدي أو التحضيري لعقد التفاوض إذا كان لا يؤثر في وجود التزام حقيقي على عائق كل طرف بالتفاوض ومواصلته بحسن نية[155]. يشكل الإخلال به خطأ عقديا يوجب المسؤولية، إلا أنه، مع ذلك لا يولد مطلقا التزاما بضرورة الوصول بالمفاوضات إلى نهايتها وإبرام العقد النهائي. وهذا هو موجب الطابع التحضيري أو التمهيدي، فجوهر الإلتزام الذي يفرضه هو التفاوض فقط من أجل الوصول إلى إبرام العقد النهائي، إن التقى الطرفان المتفاوضان على كلمة سواء في نهاية مفاوضات جيدة، كان يحدوها هدف الوصول الى العقد المبتغى وطالما خلا مسلكها من التدليس والخداع وكل ما يتنافى وحسن النية، فإحتمال أن تؤدي المفاوضات إلى إتمام العقد النهائي أو عدم إتمامه يهيمن على عملية التفاوض حسن الظروف والمعطيات التي تحكم مصالح كل طرف المشروعة[156].

3.  أنه عقد مؤقت Contrat provisoire، فهو لم يوجد إلا لمدة محدودة، وهي المدة التي تستغرقها المفاوضات بين الطرفين[157]. فإن انتهت المفاوضات، سواء بإبرام العقد النهائي أو عدمه، زال كل أثر لعقد المفاوضة، مع عدم الإضرار بحقوق الغير الذين إعتقدوا بحسن نية في تعلق الأمر بعقد نهائي.

4.  إنه عقد وليس وعدا بالتعاقد une Promesse de contrat، ذلك أن الوعد بالتعاقد عقد مستقل قد يكون ملزم لجانب واحد أو ملزم لجانبين، كما أن الوعد بالتعاقد لا ينعقد صحيحا إلا إذا تم التراضي على جميع العناصر الجوهرية لإبرام العقد النهائي، وفي الوعد بالتعاقد يبرم العقد النهائي بإظهار الموعد له رغبته في التعاقد دون أي إجراء آخر، كما أنه إذا نكل الوعد بوعده كان للقاضي أن يحكم بإنعقاد العقد، ويقوم الحكم مقام العقد النهائي[158]. وكل ذلك لا يتوفر في شأن عقد التفاوض، فهو غير ملزم لطرفيه، كما أنه لا يلزم هؤلاء بالتراضي على العناصر الجوهرية للعقد النهائي، وإنما يلزمهما فقط ببذل المحاولة للتوصل إلى إبرام العقد النهائي، أي يولد إلتزاما بوسيلة obligation de moyen، وليس إلتزاما بنتيجة Obligation de resultat[159].  كما أن العقد النهائي لا يبرم لمجرد إظهار أحد طرفي التفاوض رغبته في التعاقد، بل يلزم تراضي جديد على عناصر وشروط العقد النهائي.  بل فقد يرتب مسؤولية من نكل عن إتمام المفاوضات بطريقة تعسفية ودون سبب معقول، عن إخلاله بالتزام تعاقدي وتوفرت شروط المسؤولية العقدية، كل ذلك وفقا لأحكام القانون واجب التطبيق على عقد التفاوض.

ثانيا:  تحديد القانون واجب التطبيق على عقد التفاوض:

69.  مبدأ قانون الإرادة:  أسلفنا القول أن عقد  التفاوض هو عقد حقيقي تصرف إرادي كامل الأركان، ولما كان الأمر يتعلق بعقد يتصل بأكثر من نظام قانوني، فإنه يثير تنازعا بين القوانين، وبالتالي يطرح السؤال حول تحديد قانوني، فإنه يثير تنازعا بين القوانين، وبالتالي يطرح السؤال حول تحديد قانون، فإنه يثير تنازعا بين القوانين، وبالتالي يطرح السؤال حول تحديد القانون واجب التطبيق عليه.

وهنا نقرر أن تنازع القوانين في عقد المفاوضة يفض في مصر، بل في سائر الدول، وفقا للقاعدة الأصولية التي تقضي بخضوع العقد الدولي للقانون الذي يختاره الأطراف صراحة أو ضمنا، أي إختصاص قانون الإرادة Loi d'autonomie، أي تسرى عليه المادة 19/1 من القانون المدني المصري، التي تنص على أن "يسري على الإلتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إن إتحدا موطنا، فإن إختلفا موطنا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد، هذا ما لم يتفق المتعاقدان أو يظهر من الظروف أن قانون آخر هو الذي يراد تطبيقه[160].

70.  كيفية إعمال مبدأ قانون الإرادة:  وبإعمال هذا النص يخضع عقد التفاوض:

أولا:  لقانون الدولة التي تم إختيار قانونها صراحة لحكم العقد، وهنا نؤكد على أهمية إنتباه طرفي العقد إلى شرط القانون واجب التطبيق أو الإختصاص التشريعي Cluse de competence legislative.  بحيث ينبغي النص عليه صراحة في صلب وثيقة العقد، أو يتفقان عليه في وثيقة مستقلة، أو حتى شفويا عند رفع النزاع إلى القضاء، وهو إتفاق يمكن أن يتم حتى بعد إنعقاد العقد[161]، كما أنه يمكن تعديل الإتفاق وجعل الإختصاص لقانون آخر خلاف القانون الذي تم الإتفاق عليه أولا، وهو أمر جائز في غالب التشريعات[162]. ويشدد الفقه على أهمية الإختيار الصريح لقانون عقد التفاوض تلافيا لمشكلات كثيرة[163].

ثانيا:  لقانون الدولة التي اتجهت إليه الإرادة الضمنية لطرفي العقد، وهي إرادة يستخلصها القاضي أو المحكم من الملابسات وظروف الحال، وقد يكون هو قانون الدولة التي تجري فيها المفاوضات، أو غيرها. وقد يقال إنه عند الإختيار الصريح يجب أن يخضع عقد التفاوض للقانون الذي كان سيخضع له العقد النهائي لو كان قد أبرم، وقد يدعم هذا القول، أن عقد التفاوض وعلى ما أسلفنا البيان، عقد تمهيدي أو تحضيري للعقد النهائي، وبالتالي يسري عليه قانون هذا العقد الأخير، عملا بقاعدة الفرع يتبع الأصل.

غير أن هذا القول يتعذر قبوله، لعدة أسباب، منها أنه قد يؤدي إلى الإخلال بالتوقعات المشروعة لطرفي التفاوض، لأن قانون العقد النهائي لم يفكروا به في تلك المرحلة المتقدمة من لقائهم، ومنها أن التوصل إلى إتفاق حول إبرام العقد النهائي أمت إحتمالي، حيث قد لا تسفر المفاوضات عن نتيجة، وهنا سيعتمد مصير حقوق طرفي التفاوض على أمر مستقبل غير مؤكد الوقوع هو إبرام العقد النهائي ومعرفة القانون واجب التطبيق عليه. وعلى كل حال، فإن القاضي أو المحكم سيلعب دورا كبيرا في تقدير ووزن الدلائل والظروف التي ترجح تطبيق قانون دولة معينة دون غيره، وحبذا لو إستعان القاضي او الحكم بفكرة الأداء المميز Iaprestation caracteristique، أو فكرة جعل الإختصاص لقانون الدولة التي يوجد معها أكثر الروابط وثوقا.

ثالثا:  لقانون دولة محل إبرام العقد، أو قانون الموطن المشترك لطرفي التفاوض.  ولا صعوبة إذا كان عقد التفاوض قد إبرم في دولة معينة، حيث يختص قانونها بحكمه، أما إن كان أطراف التفاوض قد تراضوا على التفاوض شفاهه دون معرفة أين تم ذلك[164]، فإننا نرى أن قانون مكان إجراء المفاوضات والتقاء طرفي التفاوض، هو الواجب التطبيق بإعتباره قانون محل الإبرام الحكمي لعقد التفاوض.

ثالثا:  نطاق القانون واجب التطبيق على عقد التفاوض:

71.  (1)  الإلتزامات الأساسية الناشئة عن العقد، إذا أبرم عقد التفاوض صحيحا، ترتبت عليه وأنتج عدة التزامات أساسية على عاتق طرفيه، أحدهما أو كلاهما على حسب الأحوال، وكلما تتفرع عن التزام جوهري هو الإلتزام بالتفاوض I'obligation de negocier.  ومن أهم تلك الإلتزامات التي يحكمها القانون واجب التطبيق على عقد التفاوض، نذكر:

72.  أولا:  الإلتزام ببدء التفاوض، ذلك بالمبادرة بإتخاذ الإجراءات اللازمة لفتح عملية التفاوض، من ذلك توجيه الدعوة إلى الطرف الآخر، وتقديم المقترحات حول المسائل والنقاط محل التفاوض، وتقديم الدراسات وتبادل البيانات التي يعتمد عليها إيضاح كافة الإستفسارات حول موضوع التفاوض.  ويلحق بهذا الإلتزام التعهد بإتخاذ الإستعداد لبدء المفاوضات، من ذلك تحديد مكان المفاوضات، والزمن الذي سيستغرقة[165]، والطرف الذي يتحمل نفقات الدراسات الأولية التي يمكن أن تطلب خلال المفاوضات... [166].

ثانيا: الإلتزام بالإستمرار في التفاوض هو، في الاصل، التزام ببذل عناية ولا يعني ضرورة التوصل إلى إبرام العقد[167]. وتبدو أهميته في حالة الإتفاق على المسائل الأساسية في العقد النهائي، مع ترك المسائل الثانوية أو التفصيلية، لإتفاق لاحق، إذا إكتمل مشروع العقد النهائي يستلزم الإستمرار في التفاوض حول تلك المسائل الباقية أو المعلقة، فإذا اتجهت نية الأطراف إلى إعتبار العقد النهائي منعقدا حتى ولو لم يصل طرفا التفاوض إلى إتفاق بشأنها، كان الأمر يتعلق بالتزام بنتيجة على عكس الأصل العام في أنه التزام ببذل عناية. وقد ضرب لنا القضاء الفرنسي عام 1995 مثلا لأهمية الإلتزام، وجزاء الإخلال به سوف نعرضه لاحقا.

74.  ثالثا:  التزام حسن النية في التفاوض:  لعل من أهم عناصر الإلتزام الأساسي بالتفاوض الناشئ عن عقد التفاوض، الإلتزام بحسن النية وشرف التعامل.  وإذا كان عقد التفاوض، كسائر العقود يهيمن عليه مبدأ سلطان الإرادة، وقاعدة العقد شريعة المتعاقدين Pacta sunt servanda، إلا أن الإلتزام بالتعامل وفق حسن النية وشرف التعامل وفق حسن النية وشرف التعامل Bonne layaute et sincerite، foi يشكل قيدا عليهما كما تقول محكمة التحكيم بغرفة التجارة الدولية في باريس عام 1987[168]. وقد شدد على التزام حسن النية وجعله مبدأ عاما يجب التزامه في كافة عقود التجارة الدولية، المبادئ العامة للعقود التجارية الدولية التي وضعها معهد توحيد القانون الخاص في روما Unidroit عام 1994 حيث جاء بالمادة 1-7 منها أن "يلتزم الأطراف بإحترام مقتضيات حسن النية في التجارة الدولية، ولا يستعطيعون إستبعاد هذا الإلتزام أو يضيقوا نطاقه. ولعل القانون المدني الإيطالي لعام 1942 هو الوحيد من بين القوانين المدنية التي عالجت مسألة المفاوضات في العقود وإقتصر وجه المعالجة على النص على مبدأ او التزام حسن نية في التفاوض (م 13337 مدني).

وتبدو أهمية التأكيد على هذا الإلتزام في مجال مفاوضات العقود الدولية حيث يتم إتباع إستراتيجيات تفاوضية تقوم على تكتيكات ومناورات[169] قد تؤدي بمبدأ حسن النية، الذي يجب التزامه عند بدء المفاوضات، وأثناء سيرها، وفي إنهائها. ومن دلائل إنتفاء حسن النية عند بدء المفاوضات، الدخول فيها من جانب أحد الأطراف دون أن تكون لديه النية الحقيقية والرغبة الجادة في التعاقد[170]، وقد أكد هذا المعنى نص الفقرة 3 من المادة 2-15 من مجموعة المبادئ المتعلقة بعقود التجارة الدولية التي أقرها معهد توحيد القانون الخاص في روما عام 1994، والذي جاء به "ويعتبر سيء النية خصوصا الطرف الذي يفتتح أو يتابع المفاوضات وهو يعلم أن ليس لديه النية في الوصول إلى إتفاق[171]. ومن دلائل سوء النية عند بدء المفاوضات كذلك، طرح أفكار غامضة تشتت فكر الطرف الآخر أو تقديم مقترحات مغالى فيها وميئوس من قبوله[172]. ومن دلائل إنتقاء حسن النية أثناء سير المفاوضات، السكوت التدليس عن الإدلاء بمعلومات تؤثر في الوصول إلى إتفاق[173]، والتسويف وإطالة أمد التفاوض مع العلم بصعوبة الوصول إلى إتفاق، أو بث الأمل في نفس الطرف الآخر في الوصول الى اتفاق نهائي مع أنه قد إتخذ قرارا بقطع المفاوضات[174]، وكذلك عدم إحترام الوقت المحدد لكل مرحلة من مراحل التفاوض، وإعادة طرح المسائل التي تم حسمها دون سبب مقبول، وأيضا إجراء مفاوضات موازية رغم الإتفاق على حظرها[175]، أو العدول عن الإيجاب أو العرض بعد قبوله من الطرف الآخر[176]،[177].

ومن دلائل إنتقاء حسن النية عند إنتهاء المفاوضات، إثارة عقبات كرفع الثمن أو السعر بطريقة جائرة تدفع الطرف الآخر إلى إنسحاب في وقت كانت فيه المفاوضات على وشك الإفضاء إلى إبرام العقد النهائي، وكذلك السلوك الإستفزازي harassment conduct والإستعلاء بإشعار الطرف الآخر أنه داخل في مفاوضات غير متكافئة asymetrical negociations مما يصيبه بالإحباط الشديد مما يدفعه إلى الإنسحاب من المفاوضات وإنهائها قبل مدته[178]. وهذا ما أشارت إليه صراحة المادة 3 – 10 من مجموعة المبادئ العامة للعقود التجارية الدولية التي ذكرناها، حيث نصت على أن يعتبر باطلا كل عقد يعطى ميزة زائدة وغير عادلة لطرف خصوصا "من جراء إستغلال الطرف الآخر بطريقة غير مشروعة حال الإحتياج أو الضائقة الإقتصادية أو الحاجات المستعجلة أو عدم التبصر أو الجهل أو عدم القدرة على التفاوض مع الطرف الأول".

وعلى كل حال، فإن إنتفاء حسن النية بالمعنى السابق، يشكل خطأ عقديا يستوجب المسؤولية، كل ذلك حسب القانون واجب التطبيق على عقد التفاوض، الذي يحدد المقصود بحسن النية، ومعياره[179]، ومن يقع عليه عبء إثبات إنتقائه، وجزاء تخلفه، هل يكون العقد قابلا للإبطال كما هو الحال في السكوت التدليسي، إلى جانب التعويض النقدي؟
75.  رابعا: الإلتزامات بالتعاون وتقديم المعلومات: لكي يتحقق الوفاء الكامل بالإلتزام الأساسي الناشئ عن عقد التفاوض، يلزم توفر تعهد الأطراف بالتعاون ob igation de cooperation فيما بينهم، حتى تتحقق الغاية من المفاوضات[180].

وعادة لا يتم النص الصريح، كتابة أو شفاهة، على الإلتزام بالتعاون والمساعدة المتبادلة، بل يفترض وجوده ضمنا، وفي هذا قضت محكمة التحكيم بغرفة التجارة الدولية في باريس بأنه "من الملائم التأكيد على أنه يوجد، وبالتوازي مع النصوص القانونية لمختلف القوانين الوطنية، في النطاق الخاص بالتجارة الدولية، عادات ومبادئ التعاون المفروضة على كل الممارسين الإقتصاديين للتجارة الدولية، حيث أن على أطراف العقد الواجب الضمني le devoir implicite بتنسيق جهودهم للتعاون والتنفيذ الدقيق لإلتزاماتهم.... "[181]. ويتجسد الإلتزام بالتعاون في التشاور والمشاركة في إعداد سيناريو أو جدول المفاوضات، وتحديد مكان وزمان إجرائها، والتراضي على تحديد الخبراء الفنيين والإستشاريين.

ولعل أهم تطبيق للإلتزام بالتعاون، إن لم يكن التزاما مستقلا، نذكر الإلتزام بالإعلام أو الأخبار، فالادلاء بالمعلومات من أحد طرفي التفاوض إلى الطرف الآخر يبدو حاسما لجلاء الرؤية والتفكير، وإتخاذ القرار الملائم بناء على رضاء مستنير حول الظروف والوقائع المتعلقة المزمع إبرامه، ويجب أن تكون المعلومات المقدمة كاملة وأمينة وحقيقية. وعلى ذلك يعتبر السكوت التدليسي silence. Dolosif عن الإدلاء بالمعلومات عن العملية المراد التعاقد بشأنها، أو الإدلاء بمعلومات غير دقيقة أو منقوصة، خطأ يستوجب المسؤولية[182]، وتطبيقا من تطبيقات سوء النية الموجب للمسؤولية كما أشرنا.  وعلى كل حال، فإن الإلتزام بالتعاون لا يعدو أن يكون تطبيقا من تطبيقات مبدأ حسن النية في مفاوضات العقود الدولية[183]، وبالتالي فهو التزام عقدي يبذل عناية يفترض وجوده، ولا يلزم النص عليه صراحة، والإخلال به يستوجب المسؤولية العقدية طبقا لأحكام واجب التطبيق على عقد التفاوض.

76. (2) الإلتزام الخاصة الفرعية: إلى جانب الإلتزام الأصلي والأساسي بالتفاوض يمكن للأطراف أن يتفقوا صراحة على بعض الإلتزامات الخاصة المحدودة، التي وإن كانت مستقلة عن الإلتزام الأصلي المشار اليه، إلا أنه قد تكون مساعدة في إنجاح المفاوضات والوصول إلى إبرام العقد النهائي.

ومن تلك الإلتزامات الخاصة نذكر:

77.  أولا:  الإلتزام بخظر المفاوضات الموازية، يسعى المتعاملون في ميدان التجارة الدولية إلى الوصول إلى أحسن الصفقات التي تحقق طموحات مشروعاتهم، وتوسيع أنشطتهم عبر الحدود، وكذلك الحال بالنسبة للعقود الدولية الخاصة بتشديد المطارات وإقامة الترع والجسور، وإنشاء البنية التحتية، حيث تسعى الدول المتعاقدة، أو السلطات العامة المحلية[184]، إلى طرح مناقصاتها على أكبر نطاق، لكي تستطيع، ليس فقط الوصول إلى المتعاقد الذي يقدم أرخص أو أقل الأسعار، بل كذلك الذي ينفذ اماله وفق أحدث الأساليب والتقنيات المعروفة في المجال المعني. وفي كلا الحالتين، قد يفكر أحد الطرفين في إجراء مفاوضات موازية – negociations alleles مع طرف ثالث، حتى يحقق مراده.

والقاعدة العامة أن المفاوضات الموازية جائزة ومشروعة عملا بمبدأ حرية الإتفاقات الدولية[185].  ومن ثم لا يمكن حظر إجراء مفاوضات موازية إلا بموجب شرط خاص تتفق عليه الأطراف صراحة، يسمى شرط القصر أو الإستبعاد Clause dexclusivite[186]، أو كما يسمى في القانون الإنجليزي بـLock – out clause .  ولا يصح الإستناد إلى المبدأ العام الذي يحكم المفاوضات، وهو حسن النية، للقول بأن إعمال ذلك المبدأ حظر إجراء مفاوضات موازية من جانب الطرفين، أحدهما أو كلاهما مع طرف ثالث، للإنتهاء إلى أن وجود تلك المفاوضات يشكل سوء نية، مما يعد خطأ عقديا يستوجب المسؤولية[187].

غير أننا نشير إلا أن الإلتزام بحظر إجراء مفاوضات موازية، والمتفق عليه بين طرفي التفاوض هو أمر شائع، كما تدل على ذلك الممارسات العملية في عقود التجارة الدولية الحديثة[188]. ولما كان حظر إجراء مفاوضات موازية يضر بالطرف المفاوض الذي يفرض عليه، حيث يحرمه من الوصول إلى طرف ثالث قد يقدم عرضا أكثر تحقيقا لمصلحته، فإنه ما يطلب من فرض عليه حظر إجراء مفاوضات موازية مقابلا ماليا لذلك، يتم الإتفاق عليه وتحديده[189] كما يتم التحديد الدقيق للمدة المحظور خلالها إجراء المفاوضات الموازية، وكذلك للموضوع الذي يحظر فيه التفاوض الموازى. وهذا ما قضى به القضاء الإنجليزي حديثا[190].

وعلى  كل حال، فإن مضمون هذا الشرط، وجوازه، وجزاء الإخلال به يحدده قانون إرادة الطرفين بإعتباره إتفاقا خاصا له قانونه المختار، فإن كان قد ورد ضمن بنود عقد التفاوض جاز إخضاعه للقانون الذي يحكم ذلك العقد.

78.  ثانيا:  الإلتزام بالحفاظ على سرية المعلومات:  تدور مفاوضات العقود الدولية المعاصرة على مسائل ذات طابع فني أو تكنولوجي، كما هو الحال في عقود نقل التكنولوجيا، والإستشارات الهندسية، والمساعدات الفنية والصناعية[191]، وتصنيع برامج الحاسبات الإلكترونية[192]، أو توريد بيانات من أحد بنوك المعلومات[193] عبر شبكة الإتصالات العالمية الإنترنت l'internet[194].

ويستلزم السير في المفاوضات، وصولا إلى إتفاق، الكشف عن العديد من الأسرار من طرف للطرف الآخر، سواء بشأن المسائل الفنية أو التكنولوجية المشار إليه، أو الأسرار الخاصة بالموقف المالي وحجم تعاملات أحد الطرفين، وسائر الأسرار الأخرى التي تتصل بالكيان المادي، والمعنوي له. والأصل العام المستمد من مبدأ حرية المفاوضات هو أن لطرفي التفاوض حرية إستخدام المعلومات التي يتم الكشف  عنها أثناء المفاوضات سواء لأغراض شخصية أو إفشائها إلى الغير[195].

وعادة ما يتفق طرفا التفاوض في إتفاق خاص مستقل[196]، أو بإدراج بند في عقد التفاوض على الإلتزام بالحفاظ على سرية المعلومات obligation de confidentilite التي تم تداولها والكشف عنها خلال المفاوضات[197]، سواء في حالة نجاح المفاوضات والوصول الى العقد النهائي أم في حالة إخفاقها لمدة زمنية يتفق على مداها[198]، بل يقول البعض أن الالتزام بالسرية التزام عام في نطاقه وفي مدته، فهو يشمل كل الأسرار التي تم  الإفصاء بها قبيل واثناء المفاوضات، ويسري من وقت إذاعة تلك الأسرار فيما بين المفاوضين وحتى بعد إنتهاء المفاوضات سواء أُبرم العقد أم لم يبرم ولمدة يتفق عليها[199].

ويجري قضاء التحكيم على ترتيب مسؤولية من يكشف من طرفي التفاوض عن أسرار الطرف الآخر على أساس الإخلال بالتزام عقدي، طالما وجد إتفاق على ذلك[200]. وقد شدد على أهمية إحترام واجب الحفاظ على سرية المعلومات التي يتم الإفضاء بها أثناء المفاوضات، مجموعة مبادئ عقود التجارة الدولية التي إعتمدها المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص في روما عام 1994.

فقد نص البند 16 من المادة الثانية على أن "يلزم الطرف الذي يتلقى أثناء المفاوضات، معلومة معينة ذات طابع سري من الطرف الآخر، وسواء أُبرم العقد أم لم يبرم بعدم إفشائها أو إستخدامها بغير حق لأغراض شخصية، ويرتب الإخلال بهذا الواجب تعويضا يشمل، في هذه الحالة، المنافع التي كان سيحصل عليها الطرف الآخر[201]. والبادي أن النص يجعل من الحفاظ على سرية المعلومات مبدأ عاما وواجبا عاما يلتزم به الأطراف في مواجهة بعضهم البعض، دون حاجة الى نص صريح عليه.  بحيث أن الإخلال به يرتب الحق في التعويض لصاحب تلك الأسرار وهو تعويض يشمل المنافع التي حصل عليها الطرف الآخر من إستخدام أو إفشاء تلك الأسرار، كل ذلك حسب أحكام القانون واجب التطبيق على عقد المفاوضة.

غير أنه يعيب ذلك النص بأنه لم يحدد الطبيعة التعاقدية أو التقصيرية للإخلال بواجب الحفاظ على سرية المعلومات، وترك المجال مفتوحا ليس فقط للإجتهاد، بل كذلك للإختلاف بين التشريعات الوطنية، وهو ما يعسر حل مشكلة تحديد القانون واجب التطبيق في حالة تنازع القوانين بشأن المسؤولية قبل التعاقدية. وعلى كل حال، فإن ماهية الإلتزام بالحفاظ على سرية المعلومات، ونطاقة، وحالات الإخلال به، والجزاء المترتب على ذلك، كلها مسائل يحددها القانون واجب التطبيق على الشرط المقرر والمثبت لذلك الإلتزام، سواء كان القانون الذي إختاره الأطراف خصيصا له، أم كان القانون الذي يحكم عقد التفاوض بإعتباره بندا فيه[202].

وقد يقرر قانون العقد أنه لا يلزم الإتفاق الصريح على الإلتزام بالحفاظ على سرية المعلومات، حتى يلتزم به طرفا التفاوض، بل يعتبر التزاما عقديا يفترض وجوده بغير حاجة إلى نص، مما يمكن إعتباره من مستلزمات العقد، وهو ما يمكن الأخذ به في مصر عملا بالمادة 148/2 من القانون المدني التي تقرر أن "العقد لا يقتصر على إلزام المتعاقد بما ورد فيه ولكن يتناول ما هو من مستلزماته وفقا للقانون والعرف والعدالة".

79.  (3)  المسؤولية عن الإخلال بالإلتزام الأصلي بالتفاوض: يرتب عقد التفاوض على عاتق طرفيه التزامات متبادلة، يتعين على عاتق طرفيه التزامات متبادلة، يتعين على كل منهما إحترامها تحت طائلة تحمل تبعة المسؤولية. والقانون واجب التطبيق على عقد التفاوض حسب نص المادة 19/1 من القانون المدني المصري، والنصوص المقابلة في القوانين المقارنة[203]، يتكفل ببيان أركان المسؤولية العقدية، وشروط قيامها، والجزاء المترتب على ذلك.

فهذا القانون هو الذي يحدد معنى الإخلال بالإلتزام الأصلي بالتفاوض، ومفهوم واجب الإستمرار في التفاوض بحسن نية. وقد أجرى القضاء الفرنسي تطبيقات عدة للمسؤولية عن الإخلال بالتزام بالتفاوض والإستمرار فيه وفق موجبات حسن النية، والتعويض الواجب للطرف المتضرر من قطع المفاوضات دون سبب معقول، وفي وقت غير ملائم.

ففي قضية تتلخص وقائعها في أنه في غضون عام 1985 توصلت شركة Poleval إلى تطوير نوع معين من الدواء وحصلت على براءة إختراع عنه في فرنسا.  وفي عام 1987 قدم بيان بطريقة التصنيع إلى شركة الأدوية sandoz فرع فرنسا، التي قامت بدورها بإبلاغه الشركة الأم "ساندوز" سويسرا، وعلى إثر إجتماع انعقد في بال بسويسرا أبلغت تلك الأخيرة شركة "بوليفال" برغبتها في إقامة تعاون معها عند توفر بعض الشروط الخاصة بالتكنولوجيا والتمويل المتعلق بتكاليف الإنتاج، ومن ثم قامت شركة "بوليفال" بإجراء الدراسات اللازمة لتصنيع الماكينة التي ستنتج الدواء الجديد وتكاليفه، كما قامت شركة "ساندرو" سويسرا من جانبها بالدراسات الخاصة بالجوانب التجارية والصناعية للمشروع.

وفي عام 1989 أكدت شركة "ساندوز" سويسرا رغتبها، كتابة إلى شركة "بوليفا" إهتمامها بالمشروع ونيتها في إبرام عقد إطار contaat - cadre[204]، مع بعض التحفظات، وأرسلت مشروع ذلك العقد إليها، وقد ردت شركة "بوليفال" بموافقتها المبدئية على ذلك العقد.  غير أنه بعد إجتماع ثلاثى وتبادل جديد لمشروع عقد الإطار، أخطرت شركة "ساندوز" سويسرا شركة "بوليفا" الفرنسية أنها لن تستمر في مشروع إستغلال الطريقة الجديدة لإنتاج الدواء، وتم قطع المفاوضات عام 1990. على أثر ذلك رفعت شركة "بوليفال" دعوى على شركة "ساندوز" سويسرا و "ساندوز" فرنسا، لتعويض الأضرار الناتجة عن عدم تنفيذ الإتفاق بعد إنعقاده، وإحتياطيا على أساس المسؤولية التقصيرية للإنهاء والقطع التعسفي للمفاوضات.

وبحكمها الصادر في 21 ديسمبر 1995[205]، أكدت محكمة إستئناف فرساي أن الأطراف قد نظموا تعاقديا تفاوضهم بتبادلهم مشروعات العقد، وهذا هو عقد التفاوض الذي تنشأ عنه التزامات تعاقدية حقيقية، وإذ قامت مجموعة شركات "ساندوز" وبدون سبب جدي وموضوعي بقطع المفاوضات بعد أن سارت شوطا كبيرا إستمر ما يقرب من أربع سنوات، فإنها تكون قد خالفت التزاماتها الناتجة عن عقد التفاوض، وكما تقول المحكمة، أنه ".... بتركها شركة بوليفال تأمل في إبرام العقد على مدار قرابة أربع سنوات، فإن شركات ساندوز تكون، بالمخالفة لمقتضيات الشرف وحسن النية، قد سببت ضررا لشركة بوليفال مما يوجب عليها التعويض" وهو ما حكمت به وبلغ أربعة ملايين فرنك فرنسي.

80.  مفهوم إصلاح الضرر في المسؤولية العقدية:  وإذا كان القانون واجب التطبيق على عقد المفاوضة هو المختص بتحديد الجزاء المترتب على الإخلال بأحد الإلتزامات العقدية التي أشرنا إليها قبلا، فإن المتأمل في مختلف القوانين الوطنية المتصور إختيارها من المتفاوضين أو يحددها القاضي أو المحكم عند غياب الإرادة الصريحة أو الضمنية لهم، يدرك أنها تتباين حول مفهوم الجزاء ومفهوم إصلاح الضرر Reparation du prejudice في المسؤولية العقدية عن قطع المفاوضات أو الإخلال بأي التزام تفاوضي آخر.

فإذا كان الأصل في تنفييذ الإلتزام هو التنفيذ العيني فإنه من غير المتصور عند قطع المفاوضات من قبل أحد طرفيها، إلزامه بالتنفيذ العيني La reparation en nature – restition in integrum حيث يستحيل ذلك، إذ أن الأصل في التفاوض هو التراضي، فكيف يسوغ إجبار الطرف الذي قطع المفاوضات أو تقاعس عن الإستمرار فيها على العودة إلى مائدة المفاوضات، أو دفعة إلى السير فيها؟

وقد يدعم هذا أن الإلتزام بالتفاوض قد يقوم ، في العديد من الحالات، على إعتبارات شخصية[206]، وهنا يكون غير مقبول إجبار أحد طرفي التفاوض على التفاوض والجلوس في مواجهة الطرف الآخر في جو نفسي يسوده التوتر والنزاع[207]، وإبرام عقد يقال عنه، فيما بعد، أنه تصرف إداري!، على الأخص في ظل سيادة مبدأ الحرية الدولية للإتفاقات. وعلى هذا يبدو القول بإمكان اللجوء الى الحكم بالغرامة التهديدية les astreintes لدفع الطرف المتقاعس أو الذي قطع بالفعل المفاوضات، على العودة إليها، أمر غير مستحب، بل وغير منصوح به في مجال العقود الدولية خصوصا، حيث يتعلق الأمر بإعتبارات تستلزم قدرا كبيرا من التعاون والتواصل، لا سيما بشأن عقود التنمية الإقتصادية. وهكذا يظل التنفيذ بمقابل Reparation en equivalent أي بدفع بدل نقدي أو تعويض allocation des dommages et interest هو الجزاء الملائم[208].

81.  نطاق التعويض:  ويشمل التعويض، الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بالطرف الآخر الذي   
       حدث الإخلال بالتزامات التفاوض في مواجهته، من ذلك ،من ناحية الضرر الناتج عن ضياع الوقت والنفقات على الإستعداد للمفاوضات، وكافة النفقات التي صرفت من أجل إبرام العقد النهائي[209]. ومصروفات التنقلات والإقامة والدراسات الأولية التي قدمت في المفاوضات[210]، وعن السمعة التجارية، وأي ضرر آخر نشأ عن الإخلال بالإلتزامات المرتبطة بالعقد محل التفاوض.

أما من ناحية الضرر الناتج عن تفويت الفرصة la perte de chance، فيجب التفرقة بين فرضين:

82.  الفرض الأول:  تفويض فرصة إبرام العقد النهائي:  إتجهت بعض احكام القضاء إلى إستبعاد التعويض عن فقد أو ضياع الفرصة هنا.  وتستند في ذلك إلى أن ذلك يتعارض مع طبيعة عقد التفاوض، فهو عقد تمهيدي وتحضيري فقط لإبرام العقد النهائي، فإحتمال إتمام هذا الأمر يتساوى مع عدم إحتماله[211]. فإبرام العقد النهائي يكون دائما في دائرة الإفتراض أو الإحتمال[212].  وكيف تتم التعويض مع عدم وجود الفرصة الجادة أو المحققة؟  فعدم جدية الفرصة يعني أن الضرر إحتمالي وغير مؤكد، وبالتالي لا يجب التعويض عنه.  وكيف يعوض عن مزايا كان سيحصل عليه المضرور من عقد لم يكن له أن يعتمد أو يعول عليه. وهذا الإتجاه القضائي يؤيده جانب من الفقه الحديث[213]. غير أننا نرى ترك الأمر للقاضي أو المحكم ليقدر كل حالة على حده، بحيث إذا ظهر من الظروف أن المفاوضات كانت قد شارفت على نهايتها، ودخلت مرحلة حاسمة، وكان الأطراف على وشك الوصول إلى إتفاق حول العقد النهائي بحيث يكون الأطراف قد وصلوا إلى نقطة اللاعودة Le point de non – retour، فإن قطع المفاوضات برعونة دون مبرر معقول، في ظل وجود فرصة حقيقية ومؤكدة لإبرام العقد النهائي، يعد ضررا يستوجب التعويض. ولعل ما يساندنا في هذا الخصوص نص الفقرة 2 من المادة السابعة بند 3 من مبادئ عقود التجارة الدولية التي أعدها Unidroit عام 1994، الذي جاء به أن "تفويت الفرصة يمكن التعويض عنه في حدود إحتمال تحقيقها". وفي هذا المعنى قضت محكمة بروكسل التجارية عام 1998[214] في قضية تتلخص وقائعها في أن مفاوضات كانت قد جرت بين شركة بلجيكية Pasquasy وبين شركتين إحداهما فرنسية L'oreal والأخرى أمريكية Cosmair حول التنازل عن إمتياز بيع مستحضرات تجميل في بلجيكا وفي دولة لكسمبرج. وقد قررت المحكمة أن العلاقات التجارية بين الطرفين كانت جيدة، حيث أبرمت صفقات تجارية، خلال عشرة أشهر فقط بحوالي 14 مليونا من الفرنكات البلجيكية، وكانت ظروف الحال تنبئ عن وجود فرصة حقيقية ومؤكدة لإبرام العقد النهائي، وضياع المزايا التي كان سيحققها العقد لو كان قد أبرم، وهو ما يجب الحكم بتعويضه.

83.  الفرض الثاني، تفويت فرصة إبرام عقد بديل، وهنا إذا كان من الممكن التعويض عنها[215]، إلا أن هناك العديد من الصعوبات ستثور بخصوص إثبات أن المفاوض المتضرر كان سيبرم بنحو مؤكد عقدا بديلا للعقد الذي كانت تدور المفاوضات من أجل التوصل إليه، لو أنه لم يدخل في المفاوضات مع الطرف الآخر الذي قطع المفاوضات من أجل التوصل إليه، لو أنه لم يدخل في المفاوضات مع الطرف الآخر الذي قطع المفاوضات دون سبب معقول، كما أن مبلغ التعويض يمكن ان يكون ضئيلا لو كان خطأ المسؤول عن فشل المفاوضات كان يسيرا كما لو كان قد أهمل بعض الأمور التي تسبب في ذلك، وإنتهت المفاوضات في وقت مبكر وقبل إحراز أي تقدم فيها. ومهما يكن من أمر، فإن القانون واجب التطبيق على عقد التفاوض هو الذي سيحكم كل المسائل الأخرى الخاصة بالمسؤولية عن الإخلال بالإلتزامات الناشئة عن العقد، ومنها الشرط الجزائي la clause penalw، والشروط المقيدة أو المعفية من المسؤولية.

84.  تعقيب:  تلك هي بعض المسائل العامة في نظام المفاوضات في العقود الدولية، وكما هو واضح، ترجع غالب القواعد التي تحكمها إلى بعض الممارسات العملية، وما أرساه القضاء الوطني وقضاء التحكيم التجاري الدولي، في ظل الفراغ التشريعي القائم في معظم، إن لم يكن في كل، القوانين الوضعية لمختلف الدول. ولو أحسن المفاوضون عملهم، وتلاقت مصالحهم المشتركة لأبرموا عقدا يكفي بذاته لتنظيم روابطهم العقدية، ولأغناهم عن اللجوء إلى القوانين الوطنية التي تشير بإختصاصها قاعدة تنازع القوانين.

فهل من الممكن حقا إعداد عقد جيد محبوك الصياغة والتحرير، على نحو يحقق له الكفاية الذاتية؟
هذا ما سوف يجيب عنه الواقع العملي للعقود الدولية.

تعليقات