القائمة الرئيسية

الصفحات

التمويل بالمشاركة الآليات العملية لتطويره

التمويل بالمشاركة   الآليات العملية لتطويره

التمويل بالمشاركة
  الآليات العملية لتطويره






التمويل بالمشاركة  الآليات العملية لتطويره
                                              
إعداد
دكتور حسين حامد حسان





أهمية البحث
موضوع هذا البحث كما يظهر من عنوانه هو : (التمويل بالمشاركة – الآليات العملية لتطويره) وتعود أهمية هذا البحث وشدة الحاجة إلى طرحه للمناقشة إلى أن المؤسسات المالية الإسلامية (المؤسسات) أو كثير منها قد أعرض عن التمويل بهذه الصيغة أو قلل منها إلى حد كبير في علاقته مع طالبي التمويل وإن كانت هذه المؤسسات قد اعتمدت عليها في علاقتها مع المودعين، وذلك بحجة أن مخاطر المشاركات عالية مقارنة بعقود التمويل التي اعتمدت هذه المؤسسات عليها اعتماداً كبيراً، وخصوصاً في أول نشأتها، ولا زالت هذه العقود تحتل المكانة الأولى في التمويل في بعض المؤسسات مقارنة بالمشاركات.
و سوف نرى أن هذه الحجة غير مقبولة على إطلاقها ولا تصلح مبرراً للإعراض عن صيغ المشاركات أو التقليل منها إلى حد كبير وذلك للأسباب التالية:
1-    أن التمويل بصيغة المشاركة هو الذي يتفق مع هدف هذه المؤسسات الرئيسي ووظيفتها الأساسية التي قامت من أجلها وهي جمع المدخرات وتوجيهها للاستثمار مساهمة منها في تمويل خطط التنمية.
2-    أن الصناعة المالية الإسلامية تقوم على أساس التمويل بحقوق ملكية وليس على أساس القرض بفائدة مما يقتضي تحمل هذه المؤسسات لمخاطر الملكية في مقابل غنم وربح وعائد هذه الملكية.
3-    أن التمويل بصيغة المشاركة هو الذي يتفق مع مقاصد الشريعة العامة ومبادئها الكلية في التمويل الإسلامي من وجوب تحمل المخاطر أو المشاركة فيها مع أصحاب المشاريع وليس نقل هذه المخاطر إليهم كما في تمويل هذه المشاريع بصيغة القرض بفائدة.
4-    وسوف نرى أن الدراسة المتعمقة والتحليل العلمي الصحيح لصيغة المشاركة يثبت أن مخاطر المشاركات بعضها توهم وبعضها مبالغ فيه إذا قورنت بصيغة التمويل التقليدية الوحيدة وهي القرض بفائدة من جهة أو بعقود التمويل أو المداينات من جهة أخرى.
 وهدف هذا البحث هو نفي هذا الوهم وإثبات أن التطبيق الصحيح لصيغة المشاركة وتطويرها وابتكار آليات ومنتجات جديدة للاستفادة منها يقلل من هذه المخاطر إلى الحد الذي تتطلبه الشريعة في صحة المعاملة، بحيث إذا زالت عنه تكون باطلة حسب المعيار الذي تقوم عليه الصناعة المالية الإسلامية وهو أن الغنم بالغرم والخراج بالضمان.
الأدوات أو العقود المالية التي تستخدمها المؤسسات وخصائص كل نوع منها:
تستخدم المؤسسات المضاربة والوكالة في الاستثمار لجذب الودائع الاستثمارية وتستثمر هذه الودائع وحدها أو مع حقوق المساهمين وذلك لحساب المودعين وعلى مسئوليتهم، فهم يتحملون الغرم ويشاركون في الغنم مع المساهمين باعتبارهم شركاء معهم في هذا الغنم وذلك الغرم ومضاربين لهم بحصة من أرباح ودائعهم.
وواضح أن المؤسسة بصفتها مضارباً أو وكيلاً، لا تضمن الودائع ولا ربحاً محدداً لأصحابها أو بعبارة محددة لا تتحمل مخاطر استثمار الأموال التي تحصل عليها. فالودائع لا تعد ديناً في ذمة المؤسسة ولا التزاماً عليها بالمعنى الفني الدقيق على عكس ودائع البنوك التقليدية التي تعد قرضاً لهذه البنوك وديناً مضموناً عليها.
استخدام الودائع وحقوق المساهمين:
تستخدم المؤسسات الودائع وحدها أو مع حقوق المساهمين عن طريق نوعين من الأدوات:
أولهما:  عقود تمويل، ويطلق عليها أحياناً عقود مداينة وهي التي يترتب عليها تخلف دين مؤجل في ذمة المتعامل، وذلك مثل المرابحة والبيع مؤجل الثمن والاستصناع والسلم والإجارة فهذه العقود يتخلف عنها دين نقدي أو سلعي في ذمة المتعامل مقابل عوض تدفعه له المؤسسة في شكل بضاعة المرابحة أو العين المصنعة أو العين المنتفع بها أو ثمن سلعة السلم فهي عقود معاوضات لا يد فيها من وجود سلعة تنتقل ملكيتها من أحد طرفيها إلى الآخر ويتم فيها قبض أحد البدلين حقيقة أو حكماً. ومن أجل ذلك سميت عقود تمويل أو عقود مداينة لأنها تعد تمويلاً للمتعامل لأنه يتملك ويقبض سلعة ويدفع ثمنها مؤجلاً أو على أقساط كما في المرابحة والاستصناع والبيع المؤجل، أو يقبض ثمن سلعة مؤجلة يسلمها في المستقبل دفعة واحدة أو على دفعات كما في السلم، أو يتسلم عيناً ينتفع بها ويدفع أجرتها على أقساط وقد يتملكها في نهاية مدة الإجارة إذا كانت الإجارة منتهية بالتمليك.
وثانيهما:       صيغ استثمار، ويطلق عليها أحياناً صيغ مشاركة، وفيها تستثمر المؤسسة حقوق مساهميها والودائع الاستثمارية عن طريق المتعامل كما في المضاربة والوكالة في الاستثمار، أو معه كما في المشاركة بالمعنى الفني الضيق، وفي هذه الصيغ لا تنقل المؤسسة ملكية مال معين إلى المتعامل مقابل عوض يثبت ديناً في ذمته كما في عقود التمويل، بل تضع رأس مال المضاربة أو الوكالة أو حصة المشاركة أمانة لديه بغرض استثماره لحساب المؤسسة وعلى مخاطرها بنسبة من الربح في المضاربة، وبأجر معلوم في الوكالة وبحصة من الربح في المشاركة، وشريك المؤسسة لا يضمن لها رأس مال المضاربة والوكالة ولا حصة المشاركة ولا ربحاً محدداً إلا في حالات التعدي والتفريط.
وبناء على ما تقدم فإني أقترح أن يكون عنوان البحث هو الاستثمار بصيغة المشاركة وليس التمويل بالمشاركة لأن المؤسسة بوصفها رب المال والموكل والشريك لا تمول المضارب ولا الوكيل ولا الشريك المدير بالمعنى الفني الدقيق التمويل أو التسهيل الائتماني أو القرض الذي يترتب عليه حصول المتعامل على نقد عاجل مقابل نقد آجل أزيد منه مقابل الأجل، كما هو الشأن في التمويل التقليدي أو الذي يترتب عليه حصول المتعامل على بضاعة أو سلعة مقابل ثمن مؤجل كما في المرابحة والاستصناع والبيع المؤجل، أو على عين ينتفع بها مقابل أجرة تدفع على فترات أو حصوله على نقد عاجل مقابل سلعة السلم التي يسلمها في آجل أو آجال محددة وذلك كما في التمويل الإسلامي.

المقدمة الثانية تعريف المخاطر ودرجاتها:

المخاطر جمع خطر ويطلق على الغرر، وهو ما لا تدري عاقبته عند التعاقد مثل بيع عين معدومة كثمار بستان لعدة سنين قادمة، والحمل في بطن أمه، ومثل بيع ما لا يقدر البائع على تسليمه مثل الطير في الهواء والسمك في الماء، وبيع غير المملوك للبائع، ولذلك يشترط الفقهاء وجود المبيع والعلم به والقدرة على تسليمه، وجاء في الحديث: لا تبع ما ليس عندك، وجاء فيه النهي عن بيع ما لم يقبض وعن ربح ما لم يضمن.
أنواع الغرر:
وقد قسم الفقهاء الغرر أقساماً:
غرر في الوجود وغرر في الحصول، وغرر في الصفة أو المقدار، وغرر في الأجل، ثم قسموا الغرر إلى غرر كثير أو جسيم فأبطلوا بها عقود المعاوضات دون التبرعات عند المالكية، وغرر قليل أو نادر وأجازوا اشتمال العقد عليه تيسيراً ورفعاً للحرج وعملاً بالرخصة ومثلوا له ببيع العقار دون الكشف عن أساساتها، ودخول الحمام دون تحديد مدة المكث ولا قدر الماء المستخدم.
ومن تتبع ودراسة الفقه الإسلامي يمكن القول بأن هناك أنواعاً أو مستويات من المخاطر.
أولها:    مخاطر يجب أن تشتمل عليها المعاملة، تصرفاً أو عقداً، فهي شرط في صحة المعاملة وذلك تطبيقاً للأصل الكلي الشرعي وهو أن الخراج بالضمان وأن الغنم بالغرم، ويمكن تشبيه هذا النوع من الغرر بالملح في الطعام قليله يصلح الطعام، بل لا يصلح الطعام بدونه، ولكن كثيره يفسد الطعام، ولذلك كان عقد القرض بفائدة باطلاً لأنه لا يشتمل على مخاطرة، ذلك أن المدين صاحب المشروع يضمن الدين بل ويضمن زيادة عليه، وينقل جميع المخاطر إلى المقترض صاحب المشروع الذي استخدم فيه مبلغ القرض، وأحل الله البيع أي التجارة لأنه يشتمل على مخاطرة فقد تشتري مالاً لبيعه بربح ولكن هذا المال يتعرض لهلاك أو تلف أو خسارة.
وثانيها:  مخاطر يترتب عليها بطلان العقد أو التصرف، ويطلق عليها الفقهاء الغرر الكثير أو الجسيم، وهو الغرر الذي يؤدي إلى المنازعة عند تطبيق العقد، ولا يعرف كل من عاقديه عند التعاقد مقدار ما يعطي ولا مقدار ما يأخذ، ومن ذلك جميع البيوع مؤجلة البدلين وتسمى المستقبليات وجميع المشتقات والاختيارات التي يتم التعامل بها في أسواق المال. وهذا النوع من المخاطر أو الغرر يدخل تحت القمار والميسر.
وثالثها:  مخاطر لا تدخل في النوع أو المستوى الأول ولا الثاني ولكنها متوسطة بينهما، وهذه يجوز التحوط فيها بل ويجب في بعض الحالات، وذلك بالآليات والطرق والوسائل المشروعة، وقد ينص عقد المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار على وجوب قيام المضارب أو الوكيل أو الشريك المدير بوسائل أو عقود أو آليات معينة لحماية رأس المال أو التحوط من خسارته بطرق مشروعة فيلتزم كل منهم بذلك، وقد توجب الشريعة على هؤلاء درجة من التحوط لحماية رأس المال فيلزمه ذلك شرعاً.
نطاق البحث:
نطاق هذا البحث هو الاستثمار بصيغة المشاركة، من حيث مخاطر هذه الصيغة مقارنة بعقود التمويل أو المداينات، وطرق ووسائل التحوط من هذه المخاطر من خلال تطوير وابتكار تطبيقات جديدة لهذه الصيغة تحقق المصلحة وتلبي الحاجة وتتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية.
المقصود بالمشاركات:
المقصود بالمشاركات في هذا البحث هو جميع الصيغ التي تستثمر فيها المؤسسة أموالها (حقوق المساهمين والودائع الاستثمارية) بواسطة الغير، كما في المضاربة والوكالة بالاستثمار، أو مع الغير كما في المشاركات المالية والزراعية كالمزارعة والمغارسة والمساقاة.
مقارنة صيغ المشاركات بعقود التمويل أو المداينة من حيث المخاطر:
لقد سبق القول بأن عقود التمويل هي العقود التي يترتب عليها دين في ذمة المتعامل مع المؤسسة بخلاف صيغ الاستثمار (المشاركات) التي لا يترتب عليها دين في ذمة المتعامل، بل إن رأس المال الذي تستثمره المؤسسة بواسطة المتعامل، مضارباً كان أو وكيل استثمار، وحصة المؤسسة في المشاركة التي تستثمرها مع الشريك المدير تكون أمانة عنده وليست ديناً عليه، ولا تتحول إلى دين إلا بعد ثبوت تعديه أو تفريطه أو مخالفته لشروط عقد المشاركة.
ويترتب على ذلك ما يلي:
1.     أن أرباح عقود التمويل تكون معلومة ومحدودة عند التعاقد، كما في عقود المرابحة والاستصناع والإجارة في حين أن عوائد الاستثمار في صيغ المشاركات ليست معلومة ولا محددة عند التعاقد بل الربح أو العائد الذي تستحقه المؤسسة هو الربح الفعلي أو الحصة المتفق عليها منه.
2.     أن مبلغ التمويل وربحه دين مضمون في ذمة المتعامل لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء وللمؤسسة حق أخذ الرهن والكفيل بهذا الدين، في حين أن المبلغ المستثمر وعوائده ليست ديناً مضموناً في ذمة المتعامل، مضارباً كان أو شريكاً مديراً أو وكيل استثمار، بل رأس مال المضاربة أو الوكالة وحصة المشاركة يعد أمانة عند المتعامل لا يتحول إلى دين إلا في حالات تعديه أو تفريطه أو مخالفته لشروط عقد المضاربة الشرعية أو الجعلية (العقدية) ولا يجوز أخذ الرهن أو الكفيل (الضمانات) لضمان رأس المال نفسه، بل لما يترتب في ذمة المضارب أو الشريك المدير أو وكيل الاستثمار (الأمين) من دين بسبب التعدي أو التفريط أو مخالفة الشروط (المخالفة).
3.     ويترتب على ما تقدم أيضاً أن المؤسسة تتحمل مخاطر هلاك رأس مال المشاركة وتلفه وخسارته إذا أثبت الأمين أن هذا الهلاك أو التلف أو الخسارة كانت بسبب لا يد له فيه ولا قدرة له على توقعه أو تلافي آثاره في حين أن المتعامل مع المؤسسة في عقود التمويل يتحمل مخاطر التمويل، لأن مخاطر هلاك وتلف وخسارة محل عقد التمويل تنتقل إلى المتعامل، كالمشتري مرابحةً أو استصناعاً فإنه يتحمل تبعة هلاك السلعة بعد قبضها، وللمنفعة في عقد الإجارة حكم خاص لأن المنافع توجد وتستهلك شيئاً فشيئاً وهلاك ما لم يستوف منها يكون على مخاطر المؤجر إذا لم يكن هذا الهلاك بسبب من جانب المستأجر، والسلعة في عقد السلم تكون مضمونة على البائع سلماً الذي استوفى ثمنها مقدماً عند الدخول في عقد السلم، وهذا يعني أن كلاً من ثمن بيع المرابحة والاستصناع مضمون للمؤسسة البائعة على المشتري ولو هلك محل عقد البيع بعد قبضه، وأن سلعة السلم مضمونة للمؤسسة المشترية على البائع سلماً بصرف النظر عن نتيجة استعمال أو التصرف في الثمن، وأن الأجرة في الإجارة تلزم المستأجر بعد تسلم العين المؤجرة صالحة للاستعمال الذي أجرت من أجله، بصرف النظر عن نتيجة استخدام أو عدم استخدام لهذه العين، إلا إذا هلكت العين التي تستوفى فيها المنفعة أو ذهبت المنفعة المقصودة نفسها بسبب لا يد للمستأجر فيه فعند ذلك تسقط أجرة الفترات القادمة دون ما استوفى المستأجر منفعته.
4.     وبالمقابل فإن أرباح التمويل المحددة عند الدخول في عقد من عقود التمويل قد تشكل مخاطرة للمؤسسة إذا كانت لمدد طويلة أو متوسطة ارتفعت خلالها تكلفة التمويل لظروف السوق، مثل الاستصناع بربح محدد لمدة طويلة، وقد أمكن التحوط من ذلك في عقود الإجارة بربط الأجرة بمؤشر منضبط مع حد أعلى وحد أدنى، أو بالدخول في عقود صيغ تحوط شرعية من العائد المحدد.
5.     وسوف نرى أن الدراسة المتعمقة لمقاصد الشريعة في صيغ المشاركات والمبادئ العامة والأصول الكلية التي تحكم هذه الصيغة وتطوير وابتكار منتجات شرعية وتطبيقات عملية لها لا تقلل من مخاطر المشاركات فقط بل وتجعل مخاطرها أقل من مخاطر عقود التمويل التي تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية لا تلك التي تنحو منحى صيغة القرض بفائدة في التطبيق العملي وسوف نعرض الآن لبعض تطبيقات المشاركات التي تحقق المصلحة وتلبي الحاجة وتلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية وضوابطها وتؤكد على الحقيقة التي ذكرناها وهي تطوير صيغة المشاركة وابتكار تطبيقات جديدة لها يقلل من مخاطرها أو يحقق التحوط من هذه المخاطر.

نقل عبء الإثبات في عقود الأمانات (المضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار):

لا خلاف بين الفقهاء قديماً وحديثاً في أن مناط ضمان الأمين مضارباً كان أو شريكاً أو وكيل استثمار هو التعدي أو التفريط أو مخالفة شروط العقد الشرعية أو الجعلية وإنما وقع الخلاف فيمن عليه عبء الإثبات في حالة الاختلاف بين المؤسسة والأمين في واقعة الهلاك أو الخسارة وفيما إذا كان هذا الهلاك وتلك الخسارة قد وقعت بسبب من جانب الأمين أو بسبب لا يد له فيه، ومرد هذا الخلاف هو الخلاف في تحديد المدعي والمدعى عليه عند هذا الخلاف.
فالمؤسسة تدعي أنه ليس هناك هلاك ولا خسارة وأنه على فرض وقوع هذا الهلاك أو تلك الخسارة فإنها كانت بسبب تعدي الأمين أو تفريطه والأمين يدعي خلاف ذلك أي يدعي وقوع الهلاك أو الخسارة و بسبب لا يد له فيه ولا قدرة له على توقعه أو تلافي آثاره.
والحكم الواجب التطبيق هنا يؤخذ من المبدأ أو الأصل الكلي الشرعي في الإثبات وهو (البينة على المدعي واليمين على من أنكر).
وقد تقرر أن المدعي هو من يدعي خلاف الأصل والظاهر والكثير الغالب حسب ما تقضي الأعراف والعادات، والمدعى عليه بخلافه أي من يشهد له الأصل والظاهر والكثير الغالب. ولما كان الأصل والظاهر والكثير الغالب في عصور الاجتهاد الأولى هو صلاح الأمناء (المضارب والشريك المدير والوكيل في الاستثمار) وصدقهم في دعوى الهلاك والخسارة بسبب لا يد لهم فيه فقد حكم الفقهاء بأنهم مدعى عليهم وأنهم مصدقون وأن القول قولهم، وأن أرباب المال مدعون تلزمهم البينة فإذا عجزوا عن إثبات كذب الأمناء في دعوى الهلاك والخسارة، أو في دعوى أن هذا الهلاك أو تلك الخسارة إن وقعت لم تكن بسبب تعديهم أو تفريطهم فإنهم لا يضمنون وقد كان عبء الإثبات ثقيلاً إن لم يكن متعذرا على رب المال الذي يمتنع عليه التدخل في اتخاذ قرارات الأمين أحيانا بأن كان الأمين مضاربا. ولما تغيرت أحوال الأمناء وضعف سلطان الدين على نفوس الناس وفشي فيهم الكذب والخيانة، رأى فقهاء العصر أن الأمناء مدعون تلزمهم البينة فإن عجزوا عن إثبات الهلاك أو الخسارة بسبب لا يد لهم فيه ولا قدرة لهم على توقعه أو تلافي آثاره ضمنوا، وذلك على أساس أن الأصل والظاهر والكثير الغالب المشاهد أن رأس المال الذي يتسلمه الأمين لاستثماره ألا يهلك ولا يخسر، وأن الأمين إذا ادعى الهلاك أو الخسارة تكون دعواه على خلاف الأصل والكثير الغالب المشاهد من أحوال الناس في تجارتهم، وفشوا الكذب وانتشار الخيانة وضعف سلطان الدين على النفوس يقوي كذب دعوى الأمناء الهلاك أو الخسارة بسبب لا يد لهم فيه، ولا شك أن نقل عبء الإثبات إلى الأمين يقلل من مخاطر عقود المشاركات وهذا ما قرره المؤتمر الفقهي الثاني للمؤسسات المالية الإسلامية الذي نظمته شركة شورى للاستشارات الشرعية بالكويت في المدة من 3-4 نوفمبر 2009 فقد جاء في هذا القرار:
المحور الأول
عبء الإثبات في دعاوى التعدي والتقصير في المضاربة والوكالة بالاستثمار:
أولا:
1.  الأصل قبول قول المضارب وكذا الوكيل بالاستثمار، والأخذ به في نفي الضمان عن نفسه في حالة هلاك شيء من الأموال التي يستثمرها أو خسارته بمجرد ادعائه أن ذلك إنما وقع من غير تعدّ منه أو تقصير، دون مطالبته ببينة على صدق دعواه (باعتباره مدعى عليه، فلا يطالب بالبينة، إذ البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه). فإن أقام رب المال –وهو المدعي- البينة على تعدي المضارب أو الوكيل بالاستثمار، صار ضامنا.
2.  غير أن استصحاب هذا الأصل إنما يسوغ الأخذ به والتعويل عليه في النظر الفقهي إذا غلب في الناس الصدق والأمانة والتورع عن أكل مال الغير بالباطل. فإذا تغيرت الحال، فإن دلالة الحال –وهي الأمارة الظاهرة التي تدل على صورة الحال- مقدمة على الأصل عند تعارضهما، لأنها قرائن قوية، وشواهد قائمة تنبئ بحدوث أمر يغير حالة الأصل، فتكون بمثابة دليل على عدم صدق من يتمسك بذلك الأصل. ولهذا يترجح في الحكم جانب من شهدت له من المتداعيين – وهو صاحب المال- على من شهد له استصحاب الأصل، ويكون القول قوله في ذلك، ما لم يقم أولئك الأمناء(المضارب/الوكيل بالاستثمار) البينة على صدق ادعائهم، إذ " العلم الحاصل اعتمادا على القرائن والأمارات الظاهرة أقوى من الظن الحاصل باستصحاب الأصل".
3.  كما أن العمل بهذا الأصل مقيد بأن لا يكون مخالفا للعرف، فإذا جرى عرف الناس بعدم قبول قوله (المضارب/الوكيل بالاستثمار)  حتى يقيم البينة على صدق ادعائه عدم التعدي أو التقصير، فإن وصفه وحكمه الشرعي ينقلب من مدعى عليه إلى مدع أمرا خلاف الأصل، فلا يقبل قوله إلا إذا أقام البينة على صدقه، لأن "دلالة العرف أقوى وأظهر من استصحاب أصل براءة ذمة الأمين (المضارب/الوكيل بالاستثمار) عند تعارضهما".
4.  كما أن العمل بهذا الأصل مقيد بانتفاء التهمة عن الأمين – والمراد بالتهمة رجحان الظن بعدم صدق الأمين (المضارب/الوكيل بالاستثمار) في ادعائه عدم التعدي أو التقصير -  إذ التهمة موجب شرعي لنقل عبء الإثبات من أرباب المال إلى الأمين الحائز إذا ادعى أن ذلك إنما وقع بغير فعله أو تسببه، وهي متحققة في هذه القضية، إذ إن من المفترض في المضارب والوكيل بالاستثمار والمتوقع منه بحسب المعهود والدلالات  العرفية الظاهرة حفظ رؤوس الأموال المستثمرة من الخسارة، وتحقيق الأرباح والمكاسب لهم، و"قول المتهم ليس بحجة" كما هو مقرر في القواعد الفقهية.
5.  وأيضا فإن المصلحة موجب شرعي لنقل عبء الإثبات إلى هؤلاء الأمناء، وذلك لحماية أموال المستثمرين من التوى والخسارة عند ادعاء المضارب أو الوكيل بالاستثمار هلاك أموال المستثمرين أو خسارتها إذا علموا أنهم مصدقون في نفي الضمان عن أنفسهم بمجرد ادعائهم ذلك ، من غير تكليفهم إقامة البينة على صدق ادعائهم.
ثانيا:
إن نقل عبء الإثبات  المنوه به يختلف تماما عن القول بتضمين المضارب أو الوكيل بالاستثمار ، الذي  يقتضي تحميله تبعة الهلاك والخسارة مطلقا، أو تحميله ضمان فوات الربح المتوقع، فذلك محظور قطعا، لأنه يتنافى مع قاعدة الغنم بالغرم.
ثالثا:
يرجع في تحديد وقوع التعدي والتقصير إلى أهل الخبرة في تنمية الأموال واستثمارها ، فهم الذين  يعهد إليهم بالنظر في الموضوع، وتقرير وقوع ذلك أو عدمه ، ثم تقرير ما يترتب من تبعات وضمانات على الأمناء المتعدين أو المفرطين بحسب العرف التجاري السائد.
رابعا:
يوصي  المؤتمر المؤسسات المالية الإسلامية أن تضمن عقودها شرط التحكيم فيما ينشأ من نزاع في هذا الأمر مع عامة عملائها، وتعيين المركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم في عقودها الدولية، إذ يتوافر في هيئة التحكيم الأهلية الشرعية والخبرة والدراية و الموضوعية العملية في مجال النزاع في هذا الأمر.

ضابط التعدي والتفريط ومخالفة الشروط الشرعية والجعلية لصيغ المشاركة.

لم يعن الفقهاء قديماً بالتحديد الدقيق والتفصيل الواضح لمصطلح التعدي والتفريط اعتماداً على العرف السائد في عصور الاجتهاد الأولى حيث كان للدين سلطان على النفوس، وبعد تغير الزمان وأحوال الناس وظهور صور كثيرة للتعدي والتفريط بحث فقهاء العصر عن وضع ضوابط لما يعد تعدياً وما يعد تفريطاً ، وقد ساعد على ذلك ظهور ممارسات جديدة ووسائل مبتكرة للتعدي والتفريط.
التوسع في معيارالتعدي وضابط التفريط وحالات مخالفة الشروط الشرعية والجعلية.
من طرق ووسائل تقليل مخاطر صيغ المشاركات التوسع في تحديد معيار التعدي والتفريط الذي أجمع الفقهاء على أنه مناط ضمان المضارب والشريك المدير ووكيل الاستثمار (الأمين) وذلك بأن يشمل تصرفات لا يملكها الأمين، باعتبارها تعدياً بحكم عرف وعادة التجار، وتصرفات يعد تركها تفريطاً بحكم عرف وعادة التجار، مثل عدم كتابة العقود أو توثيقها أو ترك أخذ الضمانات حيث يوجب العرف التجاري أخذ الضمانات، وعدم القيام باتخاذ الإجراءات المطلوبة للتأكد من ملاءة العميل وقدرته على سداد الدين، وعدم التأكد من خبرة من يتعامل معه في المجال الذي يموله فيه.
 وإذا كان الفقهاء لم يفصلوا القول في تحديد معيار التعدي والتفريط اعتماداً على عرف زمانهم وأحوال الأمناء، والتزامهم بقيم الأمانة والصدق، فإن علينا أن نحقق مناط التعدي والتفريط في الوقائع الجديدة والنوازل الحادثة بما يحقق مقصود الشارع من حفظ المال من جانب الوجود ومن جانب العدم، وهذا يطبق على الأمين الذي يعمل في مال غيره بحصة شائعة فى ربحه أو بأجر مقطوع، فإن عليه أن يبذل في المحافظة على هذا المال عناية الرجل الحريص وأن يسلك في استثماره مسلك المدير الخبير في مثل النشاط الذي يقوم به.
ومما يقلل من مخاطر المشاركات أخذ التعهدات والإقرارات على الأمين بأنه خبير في مجال النشاط، وأن سابقة أعماله تدل على أنه يحقق معدل ربح معين وأن له خبرة في اختبار أمانة من يتعامل معهم والتأكد من ملاءتهم وقدرتهم على سداد الديون بل وأنه مستعد لكفالتهم، وأنه لديه الإمكانات اللازمة للنشاط الذي يمارسه من مخازن آمنة وإدارة حسابات منتظمة، وهكذا يطلب من الأمين في عقد المشاركة أن يقرر بكل ذلك مما يضيق عليه طريق الكذب.
مبدأ التغرير بالقول كالتغرير بالفعل يوجب الضمان:
إن جميع الإقرارات والتعهدات التي يقطعها الأمين على نفسه في عقد المشاركة تعد ملزمة له، ما دام قد نص في عقد المشاركةعلى أن رب المال قد اعتمد على هذه الإقرارت والتعهدات، وينقل إليه عبء إثبات صدق ما أقر به وتنفيذ ما تعهد به، وأن الهلاك أو الخسارة التي حدثت لم تكن بسبب كذب هذه الإقرارات أو عدم قيامه بما توجبه تلك التعهدات وإلا كان ضامناً وبعبارة أخرى فإن على الأمين في هذه الحالات إثبات القوة القاهرة أو السبب الأجنبي الذي يحال عليه الهلاك أو الخسارة.
وجميع عقود التمويل والاستثمار التي يجري عليها العمل تتضمن بنوداً عن الإقرارات والتعهدات وتعد الكذب في هذا الإقرار أو تخلف تلك التعهدات إخلالاً يستوجب مسئولية الملتزم، والمطلوب هو إعداد قائمة مستوعبة للإقرارات والتعهدات والحرص على تضمين عقود المشاركات لهده القائمة.
والفرق بين التمويل الإسلامي والتقليدي في هذه الإقرارات والتعهدات أن حكم الكذب في الإقرار أو الإخلال بالتعهد لا يعد بذاته قرينة قاطعة على مسئولية وتضمين المتعامل، بل قرينة بسيطة تنقل إليه عبء الإثبات وتمنحه فرصة إثبات أن الهلاك أو الخسارة لم يكن بسبب ذلك في حين أن النظام االمالي التقليدي يعد ذلك قرينة قاطعة على مسئولية وضمان المتعامل.
ومن المسائل التي يجب طرحها على البحث في مجال المشاركات ما يلي:
أولاً: الضمان الطوعي بعد الدخول في المشاركة.
هذه مسألة هامة جداً فقد يرغب المضارب أو الشريك المدير أو الوكيل في الاستثمار في أن يتطوع بالضمان لرب المال أو الشريك، ولا يجعل ذلك شرطاً ملفوظاً ولا ملحوظا في عقد المشاركة. فما مدى صحة هذا الضمان، والضمان هنا ينصب على رأسمال المشاركة (مضاربة أو مشاركة أو وكالة).
وقد نقل عن المالكية جواز الطوع بالضمان في بعض عقود الأمانات، وقاس بعض فقهاء العصر عقود المشاركات عليها فأفتوا بجواز الضمان الطوعي أي غير المشروط في العقد، وألزموا به الأمين، ذلك أن المالكية يقولون بالوعد الملزم وأن التبرعات تلزم بالقول.
 ومن ذلك المبدأ استفادت الصناعة المالية الإسلامة في الوعد الملزم بالشراء والبيع والاستئجار، وكذلك في صناعة التأمين التكافلي حيث إن المشترك في برامج التأمين التكافلي يتبرع من القسط ومن عائد استثماره بما يكفي لدفع التعويضات لمن تصيبهم الأضرار من جراء وقوع الأخطار المؤمن منها من المشاركين في محفظة التأمين، فقد جرى العمل على أن تبرع المشترك بالقسط يلزمه بالقول، وذلك على خلاف مذهب الجمهور الذين يرون أن التبرعات بجميع أنواعها غير ملزمة بمجرد القول، بل لا بد من القبض، ولذلك يبطلون هذه التبرعات بالجهالة والغرر على خلاف المالكية الذي يغتفرون الغرر الجسيم في التبرعات ولا يبطل به عندهم إلا المعاوضات.
ضمان الربح المتحقق:
إن الناظر في كتب الفقه الإسلامي يلحظ أمراً في غاية الخطورة والأهمية وهو أن تعدي الأمين أو تفريطه أو مخالفته شروط وأحكام عقد الأمانة (مضاربة – شركة – وكالة) يوجب عليه ضمان رأس المال فقط دون الربح المتحقق، مما يعني أنه ما على المضارب إذا أراد الاستيلاء على موجودات المضاربة لنفسه وقد بلغت أضعاف رأس المال بسبب العمل إلا أن يتعدى أو يفرط أو يخالف شرطاً من شروط عقد المضاربة الشرعية أو الجعلية.
وقد خالف في ذلك المالكية فقالوا بأن المضارب إذا تعدى أو فرط أو خالف فإنه يضمن رأس المال وحصة رب المال من الربح المتحقق حتى لا يكون عدم تضمينه للربح المتحقق ذريعة إلى تعديه وتفريطه.
جاء في مواهب الجليل "وضمن –المضارب- إن خالف... والربح لهما ككل آخذ مالٍ للتنمية فتعدى، يعني أن العامل إذا تعدى وقلنا : إنه ضامن للمال إن تلف أو خسر فلا يختص بالربح ويقال كما أنه يضمن الخسارة فليستبد بالربح، بل الربح لهما على ما شرطا، قال في التوضيح، لأنه يتهم أن يكون قصد الاستبداد بالربح فعوقب بنقيض قصده، ولأنه لو قلنا الربح للعامل بتعديه لكان ذلك حاملاً له على التعدي ليستقل بالربح، ولهذا قلنا إن كل من أخذ مالاً لتنميته (دون أن يكون له حصة شائعة في ربحه) فتعدى فيه كالوكيل فالغرم عليه والربح لرب المال، وأما المقارض فالربح لهما على ما شرطا، وكل من أخذ مالاً على الأمانة وتعدى فيه فالربح له فقط كالمودع. وذهب البعض إلى أن العامل يجب له الربح كله في مسائل الضمان بسبب المخالفة، لأنها توجب انتقال مال القراض إلى ذمته، وذلك موجب لكونه مالكاً للربح"[1]
إن قواعد الضمان الكلية تقضي بأن من تعدى على موجودات فإنه يضمنها بالمثل أو بالقيمة بالغة ما بلغت، وهذا أصل كلي قطعي قامت عليه أدلة شرعية لا تنحصر فكيف ساغ العدول عنه دون دليل، وقيل بأن التعدي والتفريط يوجب ضمان رأس المال دون الربح المتحقق فإنه يترك مكافأة للمعتدي والمفرط والمخالف، وهذا ينافي مقاصد الشريعة ويناقض أصولها.
وبعض فقهاء العصر يتوقفون في قبول مذهب المالكية وإن ظهر أن الحق معهم، كما رفضوه في أمور كثيرة أخرى، مثل بيع سلعة السلم غير الطعام قبل قبضها لطرف ثالث غير المسلم إليه بالثمن الذي يتراضى عليه العاقدان، وللمسلم إليه بثمن لا يزيد عن القيمة الإسمية، بل ورفضوا مذهب ابن تيمية وابن القيم في جواز بيع سلعة السلم غير الطعام قبل قبضها للمسلم إليه بسعر السوق، في حين أنهم قبلوا رأياً لبعض شيوخ المالكية في إلزام الوعد أخذاً من عبارة جاءت على ألسنتهم (تزوج هندا وعلي صداقها) فقالوا إن الموعود له إذا تزوج و دخل في نفقة وتحمل مالاً اعتماداً على الوعد فإن الواعد يلتزم بتعويضه عما خسره اعتماداً على هذا الوعد.
والمطروح على البحث هو الموازنة والترجيح بين الأدلة، وما يترتب على الرأي من تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة أو تلبية حاجة عامة تنزل منزلة الضرورة.
ضمان الربح المتوقع:
إذا قدم الأمين مضاربا كان أو شريكا مديرا أو وكيل استثمار، دراسة جدوى أعدت وفق الأسس العلمية، وخضعت هذه الدراسة للتقويم الفني الدقيق من خبراء دراسة الجدوى، وذكر في هذه الدراسة أنه خبير وله سابقة أعمال في مجال المشاركة وأنه قد أجرى دراسة سوقية، وقام بتحليل عدد من الميزانيات المدققة لأنشطة مماثلة، وأن نتيجة ذلك كله هو أن الربح المتوقع من نشاط المشاركة مقداره كذا وقرر كل من المضارب والشريك والوكيل أنه مسئول عن صحة البيانات والأرقام وأنه ملتزم بالنتائج التي أظهرتها هذه الدراسة باعتبارها قرينة بسيطة على صحة البيانات والأرقام والنتائج التي أظهرتها والأرباح التي توقعتها فإنه يضمن نتائج هذه الدراسة ما لم يثبت هناك ظروفا جدت لا يد له فيها ولا قدرة له على توقعها قد حالت دون تحقق هذه النتائج، ذلك أن رب المال قد اعتمد على هذه الدراسة في الدخول في عقد المشاركة، ولولا نتائج هذه الدراسة والربح الذي توقعه ما دخل في هذه المشاركة.
 وهي قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس، وبذلك يستطيع المضارب أو الشريك أو وكيل الاستثمار أن يثبت هلاك موجودات المضاربة أو المشاركة أو خسارتها وأن هذا الهلاك وتلك الخسارة كانت بظروف جدت بعد تقديم الدراسة والدخول في العقد وأنه لا يد له فيها ولا قدرة له على توقعها أو تلافي آثارها، فإن عجز عن إثبات السبب الأصلي أو القوة القاهرة ضمن رأس المال والربح المتوقع، وقد اعتمدت في ذلك الاجتهاد على مبدأ التغرير بالقول كالتغرير بالفعل في وجوب الضمان فقد قلت في بحث نقل عبء الإثبات :
إذا ادعى الأمين، مضارباً كان أو شريكاً مديراً أو وكيل استثمار، الخسران، على خلاف نتائج دراسة الجدوى والدراسة السوقية - التي أعدها الأمين بنفسه وأقر نتائجها وفقاً للأصول الفنية لدراسات الجدوى والدراسة السوقية وتعهد بالمسئولية عنها - كان متهماً في دعوى الهلاك والخسران دون تعد أو تفريط، ذلك أن الأمين قد أقر في هذه الدراسة بأن النشاط الذي يستثمر فيه رأس مال المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار وفقاً لدراسة الجدوى يحقق أرباحاً متوقعة، ويستدل على ذلك ويؤكده بالدراسة السوقية أي بالعرف التجاري وما يجري عليه العمل في سوق الاستثمار، فيؤخذ بإقراره، وتكون دعواه الهلاك والخسران دون تعد منه على خلاف الظاهر من هذه الدراسة، ويلتزم هو بإقامة الدليل على أن نشاطه لم يحقق النتائج التي أظهرتها دراسة الجدوى لأسباب لا يد له فيها ولا قدرة له على توقعها أو تلافي آثارها، كنشوب حرب أو حصار بحري أو زلزال أو سيل أو حريق أو أزمة مالية طارئة وغير متوقعة، أو بسبب قوانين الجمارك أوالضرائب أو الاستيراد أو النقد أو العقوبات التجارية أو المقاطعة الاقتصادية، فإذا لم يقدم الدليل على أن الخسارة كانت من أجل هذه الأسباب ضمن رأس المال والربح المتوقع الذي أظهرته دراسة الجدوى، فالظاهر والكثير الغالب أن تتحقق النتائج والأرقام التي أظهرتها دراسة الجدوى التي تعد بصدق وأمانة وفق الإصول الفنية، فكانت دعوى الأمين الخسارة دعوى يكذبها الظاهر والكثير الغالب، بل يكذبه إقراره، فيكون في مركز المدعي الذي يلزمه إقامة الدليل على أن عدم تحقق نتائج هذه الدراسة كان بسبب أجنبي أو بقوة قاهرة، فإن عجز عن هذا الإثبات كان ضامناً لموجودات المضاربة، أي رأس المال والربح المتحقق أو الربح المتوقع أو الذي أظهرته دراسة الجدوى.
ويؤكد ما ذكرناه من وجود التهمة إذا ادعى المضارب خلاف نتائج دراسة الجدوى التي قدمها، أن بعض الفقهاء يدخل هذا في باب التغرير بالقول، لأن البنك قد قدم التمويل للأمين بناء على هذه الدراسة ولولاها ما أقدم البنك على التمويل، والتغرير بالقول، عند هؤلاء كالتغرير بالفعل بوجب الضمان، فلا أقل من أن يكون هذا التغرير تهمة تنقل إلى المضارب عبء الإثبات.
وقد خالفني في ذلك بعض فقهاء العصر وأصروا على أنه لا أثر لدراسة الجدوى في مسئولية الأمين، ونحن نوافقهم على ذلك ولكن في الحكم بعدم الضمان بناء على هذه الدراسة، ولكن لا نوافقهم في عدم اعتبار هذه الدراسة قرينة بسيطة على كذب دعوى الأمين الخسران تلزمه بإثبات عكس ما توقعته الدراسة، وذلك على أساس أن المضارب أو الشريك في هذه الحالة يعد مدعيا تلزمه البينة لأنه يدعي خلاف الأصل والكثير الغالب الذي تؤكده أعراف التجارة، إذ أن الأصل والراجح والكثير الغالب مع هذه الدراسة التي جرى تقويمها من أهل الخبرة أن النشاط لا يخسر، فدعوى المضارب أو الشريك الخسران يكون على خلاف الأصل والغالب والكثير من الحالات التي لا تتخلف فيها دراسات الجدوى ، إذ أن هذا التخلف يعد من باب النادر الذي لا حكم له.
كما وردت نصوص تؤيد ضمان الربح المتوقع ومنها:
جاء فى شرح منتهى الإرادات - (6 / 341)
( وَلَا يُضْمَنُ رِبْحٌ فَاتَ ) عَلَى مَالِكٍ ( بِحَبْسِ ) غَاصِبٍ ( مَالِ تِجَارَةٍ ) مُدَّةً يُمْكِنُ أَنْ يَرْبَحَ فِيهَا إذَا لَمْ يَتَّجِرْ فِيهِ غَاصِبٌ كَمَا لَوْ حَبَسَ عَبْدًا يُرِيدُ مَالِكُهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ صِنَاعَةً مُدَّةً يُمْكِنُ تَعَلُّمُهَا فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا وُجُودَ لَهَا.
جاء فى مطالب أولي النهى - (11 / 194)
( وَلَا يُضْمَنُ رِبْحٌ فَاتَ ) عَلَى مَالِكٍ ( بِحَبْسِ ) غَاصِبٍ ( مَالَ تِجَارَةٍ ) مُدَّةً يُمْكِنُ أَنْ يَرْبَحَ فِيهَا إذَا لَمْ يَتَّجِرْ فِيهِ غَاصِبٌ ؛ كَمَا لَوْ حَبَسَ عَبْدًا يُرِيدُ مَالِكُهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ صِنَاعَةً مُدَّةً يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ الصِّنَاعَةَ فِيهَا ، فَإِنَّ الصِّنَاعَةَ لَا تَقُومُ عَلَى غَاصِبٍ فِي تَضْمِينِ مَنَافِعِهِ ، وَلَا فِي تَضْمِينِ عَيْنِهِ ، إنْ تَلِفَ ؛ لِأَنَّهَا لَا وُجُودَ لَهَا .
جاء فى شرح خليل للخرشي - (18 / 446)
( ص ) وَغَيْرِهِمَا بِالْفَوَاتِ ( ش ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَعَدَّى عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مَنْفَعَةِ الْحُرِّ وَالْبُضْعِ فَلَا يَضْمَنُهَا إلَّا بِالْفَوَاتِ سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَ أَوْ عَطَّلَ كَالدَّارِ يُغْلِقُهَا وَالدَّابَّةِ يَحْبِسُهَا وَالْعَبْدِ لَا يَسْتَخْدِمُهُ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ وَغَلَّةُ مُسْتَعْمَلٍ لِأَنَّ ذَاكَ مِنْ بَابِ غَصْبِ الذَّوَاتِ وَهَذَا مِنْ بَابِ غَصْبِ الْمَنَافِعِ وَشَمِلَ قَوْلُهُ وَغَيْرُهُمَا بِالْفَوَاتِ مَنْ غَصَبَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لِشَخْصٍ فَحَبَسَهَا عِنْدَهُ مُدَّةً فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الرِّبْحَ لَوْ اتَّجَرَ رَبُّهَا بِهَا .
( قَوْلُهُ وَشَمِلَ قَوْلُهُ إلَخْ ) اعْلَمْ أَنَّ اللَّخْمِيَّ حَكَى فِيمَنْ غَصَبَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ هَلْ يَغْرَمُ مَا يَرْبَحُ مِنْهَا أَوْ مَا كَانَ يَرْبَحُ فِيهَا صَاحِبُهَا ؟ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَقِيلَ لَا شَيْءَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ اسْتَنْقَصَهَا الْغَاصِبُ أَوْ اتَّجَرَ فِيهَا فَرَبِحَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَقِيلَ إنْ اتَّجَرَ فِيهَا وَهُوَ مُوسِرٌ كَانَ الرِّبْحُ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَالرِّبْحُ لِصَاحِبِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْلَمَةَ وَابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَلِيِّ يَتَّجِرُ بِمَالِ يَتِيمِهِ لِنَفْسِهِ جَعَلَا لَهُ الرِّبْحَ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَلِلْيَتِيمِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ قَدْرَ مَا كَانَ يَرْبَحُ فِيهَا أَنْ لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ وَحَكَى صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ رِبْحَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِلْغَاصِبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الرِّبْحَ لِلْغَاصِبِ مُطْلَقًا كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ خُصُوصًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ كَلَامُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَحَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ.
جاء فى الذخيرة - (8 / 317)
قال : إذا قلنا يرد الغلة إذا غصب دراهم أو دنانير فربح فيها فثلاثة أقوال قال مالك وابن القاسم : لا شيء لك إلا رأس المال لتقرر الضمان عليه بالتصرف استنفقها أو تجر فيها وعن ابن حبيب : إن تجر فيها موسراً فله الربح لقبول ذمته للضمان أو معسراً فلك لعدم قبولها في الولي يتجر في مال يتيمه وعن ابن سحنون : لك ما كنت تتجر فيها أن لو كانت في يديك قال : وأستحسن أن تقسم المسألة أربعة أقسام : إن كنت لا تتجر فيها لو كانت في يدك ولم يتجر فيها الغاصب بل قضاها في دين أو أنفقها فراس المال لعدم تعيين تضييع ربح عليك وإن كنت تتجر فيها ولم يتجر الغاصب : فلك ما كنت تربحه في تلك المدة لأنه حرمك إياه كما إذا أغلق الدار إلا أن يعلم أن التجارة في تلك المدة كانت غير مربحة وإن كانت لا تتجر فيها وتجر فيها الغاصب وهو موسر بغيرها ولم يعامل لأجلها له فالربح لتقررها في ذمته بالتصرف وإن كان فقيراً عومل لأجلها فالربح لك لقوة شبهة تحصيل ملك للربح كالولد في الحيوان وإن كنت تتجر فيها - وهو فقير - فعليه الأكثر مما ربح أو ما كنت تربحه.
وعلى كل حال فالمسألة مطروحة للبحث وتبادل وجهات النظر والمطلوب هو تحقيق مقاصد الشريعة في حفظ الأموال من جهة الوجود ومن جهة العدم، وهذا المقصد المطلوب من الأمين الذي يستثمر مال غيره بإذنه بحصة شائعة من ربحه أو بأجر محدد.

اعتبار الأمين غاصبا إذا امتنع عن رد رأس المال في نهاية مدة المشاركة.

فرق الفقهاء بين يد الضمان كاليد الغاصبة، ويد الأمانة كالمضارب و الوكيل، وقرروا أن يد الأمين إذا تعدى تنقلب يدا غاصبة، والفرق بين يد الضمان ويد الأمانة، أن يد الضمان يضمن صاحبها هلاك وتلف المال في جميع الحالات ولو كان هذا الهلاك والتلف لسبب لا يد له فيه ولا يعفيه من الضمان إثبات أن سبب الهلاك هو القوة القاهرة أو السبب الأجنبي الذي يحال عليه الهلاك لأن الغصب نفسه تعد، لأنه وضع اليد على مال الغير بغير إذنه ومنعه منه بالقوة.
 أما يد الأمانة مثل يد المضارب والشريك المدير والوكيل في الاستثمار فإنها لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط أو مخالفة شروط العقد، وعند الاختلاف بين مالك المال وواضع اليد عليه تطبق قاعدة الإثبات الشرعية وهي أن البينة على المدعي وأن اليمين على من أنكر، وأن المدعي هو من يدعي أمرا يكذبه الأصل أو الظاهر أو الكثير الغالب وأن المدعى عليه بخلافه، والأصل والظاهر والكثير الغالب يشهد له عرف التجارة وعادات التجار كما تقدم.
وإذا امتنع الأمين عن رد الأمانة فإن يده تنقلب إلى يد ضمان فيضمن هلاك المال وتلفه وخسارته ولو كان هذا الهلاك والتلف لا يد له فيه ، ومن الموضوعات التي تستحق البحث والدراسة امتناع الأمين مضاربا كان أو شريكا مديرا أو وكيل استثمار عن رد رأس مال المشاركة والربح المتحقق أو المتوقع منها، بناء على التزامه بتنضيض هذه الموجودات لأنها الوسيلة إلى رد رأس المال الواجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إلا إذا إدعى الهلاك أو الخسارة فتطبق قاعدة الإثبات السابقة، فهل يعد امتناع الشريك بمعناه العام( المضارب- الشريك- الوكيل) عن رد رأس المال وما ذكر معه تعديا تنقلب به يده الأمينة إلى يد ضامنة؟
لقد رأيت بعض متأخري الحنابلة يقولون بذلك قياسا على من غصب دارا فلم يسكنها أو دابة فلم يركبها فإنه يغرم أجرتها لأنه فوت المنفعة على المالك، وقد قاسوا رأس مال التجارة على هذه الأصول فقالوا إن رأس المال أصل خصص للتجارة وتحصيل العائد فأشبه الأرض والدار والدابة في ذلك.
وقد ذكر بعض فقهاء المالكية وغيرهم حكم ذلك في باب غصب الدراهم والدنانير التي خصصت للتجارة إذا إتجر بها الغاصب أم لم يتجر بها وإذا حقق ربحا أو لم يحقق ربحا.
جاء في الذخيرة.للقرافي: قال : إذا قلنا يرد الغلة إذا غصب دراهم أو دنانير فربح فيها فثلاثة أقوال قال مالك وابن القاسم : لا شيء لك إلا رأس المال لتقرر الضمان عليه بالتصرف، استنفقها أو تجر فيها، وعن ابن حبيب : إن تجر فيها موسراً فله الربح لقبول ذمته للضمان أو معسراً فلك لعدم قبولها، كما  في الولي يتجر في مال يتيمه، وعن ابن سحنون : لك ما كنت تتجر فيها أن لو كانت في يديك قال : وأستحسن أن تقسم المسألة أربعة أقسام : إن كنت لا تتجر فيها لو كانت في يدك ولم يتجر فيها الغاصب بل قضاها في دين أو أنفقها فراس المال لعدم تعيين تضييع ربح عليك، وإن كنت تتجر فيها ولم يتجر الغاصب : فلك ما كنت تربحه في تلك المدة لأنه حرمك إياه كما إذا أغلق الدار إلا أن يعلم أن التجارة في تلك المدة كانت غير مربحة، وإن كنت لا تتجر فيها وتجر فيها الغاصب وهو موسر بغيرها ولم يعامل لأجلها فالربح له لتقررها في ذمته بالتصرف وإن كان فقيراً عومل لأجلها فالربح لك لقوة شبهة تحصيل مالك للربح كالولد في الحيوان وإن كنت تتجر فيها - وهو فقير - فعليه الأكثر مما ربح أو ما كنت تربحه. [2]
إن مقاصد الشريعة في حفظ الأموال وعدم التعدي عليها تبرر مثل هذا الاجتهاد، وقد رأينا في العمل أن بعض عملاء المؤسسات يأخذون أموالا على سبيل المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار، ثم يمتنعون عن رد هذه الأموال للمؤسسة عند انتهاء مدة المشاركة، ويماطلون في الرد بدعاوى مختلفة، ثم نرى أن تجارتهم رائجة وتظهر ميزانياتهم أرباحا، وكأن رأس مال المضاربة هو الذي هلك أو خسر وحده، وتجد المؤسسة حرجا في طلب عائد المثل للمدة التي سوّف المتعامل فيها خشية أن يكون هذا العائد ربا محرما.
ومن النتائج التي تترتب على اعتبار الشريك متعديا في حكم الغاصب بعدم رد رأس مال المشاركة والربح المتحقق إلى المؤسسة هو تحول رأس مال المضاربة أو الوكالة أو المؤسسة حصة المؤسسة فى موجودات المشاركة إلى دين مضمون في ذمة الأمين، ولو هلكت موجودات المضاربة أو الموكالة أو حصة المؤسسة في المشاركة بعد ذلك، وواضح أن هذا الحكم مما يقلل من مخاطر المشاركات بأنواعها المختلفة.
وفي هذه المسائل التي أعرضها لا أقدم رأيا نهائيا محددا، بل أقدم تطويرا وابتكارا في صيغ المشاركة للبحث والاستدلال وصولا إلى اجتهاد جماعي في هذه المسائل، علنا نصل إلى هيكلة وأساليب وطرق لتقليل مخاطر المشاركات وإيجاد طرق تحوط ذاتي لهذه المخاطر.

وجوب التنضيض شرعا على الأمين الشريك مضاربا أو وكيل استثمار أو شريكا مديرا:

لا خلاف في أن مناط ضمان الأمين هو التعدي أو التفريط أو مخالفة شروط عقد المشاركة وأنه عند الخلاف بين رب المال والأمين عليه في التعدي وعدمه، فإنه يجب تطبيق المبدأ الشرعي في الإثبات وهو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وقد رأينا بعض فقهاء العصر يحكمون بأن الأمين مضاربا أو شريكا مديرا أو وكيل استثمار، يعد مدعيا يلزمه الإثبات في دعوى الهلاك والخسارة السبب لا يد له فيه، فإن عجز عن هذا الإثبات كان ضامنا وأن رب المال يعد مدعى  عليه لا يلزمه إلا اليمين، وذلك عملا بالأصل والظاهر والغالب الذي يؤكده العرف، إذ الأصل والظاهر والكثير والغالب هو سلامة رأس المال وعدم خسارته، والهلاك والخسارة أمر نادر، وخصوصا إذا لاحظنا ظروف العصر وأحوال الخلق من فشو الكذب والخيانة، وإذا أخذنا في الاعتبار دراسة الجدوى التي قدمها الأمين وذكر فيها أن نشاط المشاركة مربح وأن دراسة السوق والميزانيات والمراكز المالية السابقة للأمين تؤكد تحقق الربح، وأن الأمين قد منح فرصة لإثبات الهلاك والخسارة وأنها وقعت لسبب خارجي طارئ بعد إعداد هذه الدراسة والدخول في المشاركة لا يد له فيه ولا قدرة له على توقعه أو تلافي آثاره، وأنه عجز عن هذا الإثبات.
وقد ركز فقهاء العصر في إطفاء المشاركات على تعهد الأمين بشراء موجوداتها وذلك بالقيمة السوقية أو العادلة أو صافي القيمة أو بسعر السوق أو بما يتفق عليه رب المال والأمين ورفضوا التعهد بالشراء بالقيمة الإسمية وعدوه من باب ضمان الأمين لرأس مال المضاربة مع وجود الفارق بين ضمان الأمين بلفظ الضمان وبين التعهد بالشراء بالقيمة الاسمية حيث إن الأخير لا يفيد رب المال في حال هلاك موجودات المضاربة لأنه لا يملك أن يستخدم خياره في إجبار الأمين على شراء موجودات ثبت عدم وجودها، لأن شراء المعدوم لا يجوز، فضلا عن أن رب المال لا يملك مطالبة الأمين بالشراء جبرا أي بالتنفيذ العيني بل له أن يعرض عليه الشراء فإن أبى فليس أمام رب المال إلا بيع موجودات المضاربة في السوق ومطالبته بالفرق إن وجد، فالأمين يضمن الفرق فقط إن وجد وهذا يفترق عن ضمان الأمين لرأس المال المشروط فى المشاركة، فإنه لازم له في جميع الحالات، بل إن فائدته لا تظهر واضحة إلا في حالة هلاك الموجودات.
 غير أن بعض الفقهاء قد ذكروا أن الأصل في الأمين مضاربا كان أو وكيل استثمار أو شريكا مديرا الذي تسلم رأس مال لاستثماره بصيغة المشاركة محددة المدة، يجب عليه أن ينضض موجودات المشاركة في نهاية المدة ببيعها في السوق ورد رأس المال والربح المتحقق أو المتوقع لصاحبه، ما لم يدع هلاكا أو خسارة فيطبق مبدأ الإثبات السابق وبذلك لا نكون بحاجة إلى الوعد بالشراء أصلا، بل إن التنضيض واجب على الأمين كالمضارب، فإذا لم ينضض كان مخالفا لشرط أو حكم من أحكام عقد المضاربة ويضمن بدل أو قيمة هذه الموجودات على الرأي الذي رجحناه، وليس رأس المال وحده كما يظهر من عبارات كتب الفقه الإسلامي.
ولا شك أن هذا الاجتهاد يقلل من مخاطر المشاركات،ويقلل من الحاجة إلى التعهد بالشراء بالقيمة الاسمية الذي ترفضه الهيئات الشرعية وتصر عليه البنوك التقليدية المشاركة في التمويل بالمشاركة (وخصوصا صكوك المشاركة) بل وبعض البنوك الإسلامية.
المضاربة مع الإذن للمضارب بخلط صافي أصوله أو بعضها برأس مال المضاربة:
  هذه مضاربة ومشاركة في نفس الوقت، ولكن تطبق عليها أحكام عقد المضاربة من حيث استقلال المضارب باتخاذ القرارات الاستثمارية واستحقاقه لحصة معلومة من ربح المضاربة، وتشبه المشاركة وتأخذ حكمها فيما يتعلق بتوزيع الربح الصافي لرأس المال المشترك الذي يتكون من رأسمال المضاربة وصافي أصول المضارب أو بعضها، فهذا الربح يوزع توزيعا أوليا بين المضاربة        (رأس مال المضاربة) وبين المضارب( باعتباره شريكا مستثمرا في رأس المال المشترك) بنسبة رأس مال المضاربة إلى صافي أصول المضارب، ثم يوزع ربح المضاربة ( رأس مال المضاربة) بين المضارب ورب المال حسب النسبة المتفق عليها عند الدخول في عقد المضاربة.
وتتميز هذه الصيغة بما يلي:
1-    يمسك المضارب حسابا واحدا لرأس المال المشترك الذي يتكون من رأس مال المضاربة وصافي أصول المضارب أو بعضها.
2-    أن المضارب يقدم دراسة جدوى معدة حسب الأصول الفنية يتحدد فيها الربح المتوقع من واقع دراسة السوق وخبرته السابقة في نوع النشاط.
3-    النسبة التي تخص المؤسسة (رب المال) في موجودات المضاربة المشتركة مملوكة للمؤسسة، وليس لدائني المضارب حق الرجوع عليها أو الاستيفاء منها في حالة الفلس أو الإخلال والتخلف، لأن حصة رب المال من الموجودات مملوكة للمؤسسة بصفتها رب مال وليس مملوكة للمضارب ودائنوا المضارب يستوفون ديونهم من مال المضارب، لا من مال الغير الذي يحوزه بصفته أمينا، ولأن الشركة هي المضارب ويلزمها رد رأس المال والربح المتحقق أو المتوقع ، فإن حق المؤسسة على حصتها في الموجودات مقدم على حق حملة الأسهم بل إن للمؤسسة أن ترتهن حصة المساهمين في موجودات المشاركة لضمان تعدي المضارب أو تفريطه أو مخالفته لشروط عقد المضاربة. ويظهر أن هذه الصيغة تقلل من مخاطر المضاربة بل إن الحماية التي توفرها للمؤسسة لا تقل عن الضمان الممنوع شرعا، إذ أن غاية الضمان أن يكون المضارب ضامنا في حدود رأسماله دون زيادة، وفي هذه الصيغة يقدم رب المال على دائني المضارب ( والشريك الوكيل) بل وعلى مساهمي المضارب.

تغير أحكام الضمان بتغير واقع الناس:
تتلقى المؤسسة الودائع الاستثمارية بصيغة المضاربة أو الوكالة لحساب المودعين وعلى مسئوليتهم، فالغرم على أصحاب هذه الودائع والغنم لهم إلا ما شرطوه للمؤسسة بصفتها مضارباً أو وكيلاً.
وتستخدم المؤسسة هذه الودائع بعقود تمويل وصيغ مشاركات (مضاربة وشركة ووكالة في الاستثمار) تبرمها مع عملائها.
وقد اهتم الباحثون بدراسة مخاطر استثمار المؤسسة لأموالها بواسطة عملائها أو معهم بصيغ المشاركة ولم يعطوا هذا القدر من الأهمية لدراسة المخاطر التي يتعرض لها المودعون لدى المؤسسة، حتى خيل للناظر أن مخاطر المشاركات لا تكون إلى في حالة استخدام المؤسسة لهذه الصيغ مع عملائها أما الاستثمار معها بصيغة المشاركة (المضاربة أو الوكالة) فليس فيه مخاطر، مما قد يعني أن المخاطر لا تتعلق بالصيغة ذاتها، بل بمن تستخدم معه هذه الصيغة.
والمنهج الصحيح أن مخاطر الصيغة تتعلق بها نفسها، وكل تطوير لهذه الصيغ وابتكار للوسائل والأدوات التي تقلل هذه المخاطر أو توفر التحوط منها، ينبغي أن يطبق على المؤسسة وعلى المتعاملين معها. وليس من المقبول أن تعرض المؤسسات عن التعامل بصيغة المشاركة مع عملائها أو تقلل منها بحجة ما تنطوي عليها من مخاطر، في الوقت الذي لا ترى فيه بأساً من قبولها لودائع الغير بصيغة المشاركة، فحماية المال والتحوط لهذه الحماية يجب أن يطبق على المؤسسة وعلى عملائها على حد سواء.
وسوف نتحدث هنا عن مدى تغير أحكام الضمان بتغير واقع الناس ونذكر بعض الظروف والأحوال التي تعد قرينة كافية للحكم على الأمين بالضمان حتى يثبت هو أنه لم يتعد ولم يفرط ولم يخالف شرطاً ولا حكماً من أحكام المشاركة الشرعية أو الجعلية أي التي يشترطها المتعاقدان. وبعبارة أدق القرائن التي تضع الأمين (الشريك مضارباً أو شريكاً مديراً أو وكيل استثمار) في مركز المدعي الذي يلزمه البينة في حالات دعواه هلاك موجودات المشاركة أو خسارتها وإلا كان ضامناً. ونؤكد مرة أخرى على أن القرائن التي أذكرها ليست قرائن قاطعة لا تقبل إثبات العكس، بل إنها قرائن بسيطة تقوي جانب رب المال وتضعه في مركز المدعى عليه وتضعف أو تكذب جانب الأمين وتلقي عليه عبء الإثبات، فإن عجز عنه لزمه الضمان.
وسوف نرى أن معظم هذه القرائن جاءت في بعض الأمناء وقسنا عليها المضارب والشريك المدير والوكيل في الاستثمار لوحدة مناط الضمان وهو التعدي والتفريط ومخالفة الشروط, ووحدة الأصل الشرعي الذي يطبق في الإثبات عند الخلاف بين رب المال والأمين عليه وهو أن البينة على المدعي وأن اليمين على المنكر، وتعريف المدعي والمدعى عليه.

طبيعة القرائن ودورها في الإثبات:

هذه القرائن تنقل عبء الإثبات من مالك المال إلى الأمين عليه، لأنها تضع الأمين في مركز المدعي الذي يدعي خلاف الظاهر وخلاف العرف والكثير الغالب. وهذه القرائن قرائن بسيطة تقبل إثبات العكس، فيجوز للأمين أن يثبت عكس ما تفيده القرينة، أي إثبات أن الهلاك لم يكن بتعديه أوتفريطه، بل كان بسبب لا يد له فيه. فهنا ينتفي عمل القرينة وأثرها، لأن الشأن فيها أنها ليست قاطعة في الإثبات، بل شاهدة على كذب الأمين في دعواه الهلاك دون تعد منه ولا تفريط، وبعبارة أخرى فإن القرينة تفيد الظن الراجح بكذب دعوى الأمين عدم التعدي، بحيث تكون دعواه على خلاف الذي تفيده هذه القرينة، وتكون القرينة شاهدة لمالك المال ضد الأمين، وتضعه في جانب المدعى عليه.
ويعبر البعض عن هذا الدور الذي تلعبه القرينة بأنه نقل عبء الإثبات من مالك المال إلى الأمين عليه، إذ الأصل، كما يقول هذا البعض، أن الأمين لا يضمن إلا بالتعدي، وأنه مصدق في دعواه وأن القول قوله في دعوى أن الهلاك لم يكن بتعديه.
والذي نراه أنه ليس هناك أصل، أي دليل من نص أو إجماع على أن الأمين مصدق في دعواه الهلاك والتلف دون تعديه، وأن القول قوله في جميع الحالات، بل إن الفقهاء اعتمدوا في ذلك على أن الأصل براءة ذمة الأمين، وأنه يجب استصحاب هذا الحال.
والواقع أن هذا الأصل يمكن معارضته بأصل أقوى منه، ذلك أن الأمين قد حاز مال الغير بإذنه بيقين، وأنه يجب عليه رده إلى مالكه لقوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا "[3]، ولقوله عليه الصلاة والسلام "أد الأمانة إلى من ائتمنك"، ولقوله: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" ، ولأن المال لا زال مملوكاً لصاحبه، وقد تقرر أن ما ثبت يقين لا يزول إلا بيقين مثله، وأنه لا يزول بمجرد دعوى الأمين الهلاك، ومن جهة أخرى فإنه إذا ثبت وجود المال عند قبض الأمين له فالأصل والظاهر بقاؤه، وأنه لا يهلك ولا يتلف ولا يلحقه الخسران، إلا نادراً والنادر لا حكم له.
وعلى سبيل المثال إذا ثبت بيقين أن المضارب قد تسلم رأس مال المضاربة وصار رأس المال موجودات، فهل يكون الأصل والكثير الغالب في الحياة العملية هلاك موجودات المضاربات وخسارتها وأنها لا تحقق أرباحاً على الدوام، ويبنى على ذلك أن القول قول كل مضارب في الهلاك والخسران، وأنه يصدق بمجرد دعواه هلاك موجودات المضاربة وخسارتها دون دليل، بحجة أن الأصل والظاهر والكثير الغالب في المضاربات أن تهلك موجوداتها وأن تحقق خسارة، وأنه في النادر اليسير تبقى هذه الموجودات وتحقق المضاربة أرباحاً، هذا غير متصور في الواقع، ولذلك لا نوافق على أن الأصل هو قبول دعوى الأمين في جميع الحالات، أي حتى إذا دلت القرائن على كذب دعواه لأنها جاءت على خلاف الأصل والظاهر والكثير الغالب.
والحق هو ما قلناه من أن ضمان الأمين يخضع لأصلين شرعيين، أحدهما: يحكم موضوع الضمان نفسه وهو أن التعدي والتفريط مناط الضمان، وثانيهما: متعلق بالإثبات، وهو أنه عند الاختلاف بين مالك المال والأمين عليه لا نحكم بأن القول قول الأمين وأنه مصدق على الإطلاق في دعواه، بل نطبق الأصل الشرعي في الإثبات، وهو أن البينة تكون على المدعي وأن اليمين تكون على المنكر أي المدعى عليه، فإذا كان الأمين مدعى عليه، لأن الأصل أو الظاهر يشهد على صدقه، فإنه لا يقضى عليه بالضمان إلا أن يقيم مالك المال الدليل على تعديه، وأما إذا كانت دعوى الأمين هلاك المال دون تعديه على خلاف الأصل أو الظاهر أو العرف أو الكثير الغالب فإنه يكون مدعياً ويلزمه إقامة الدليل على عدم تعديه وإلا قضي عليه بالضمان، فلا يجوز إطلاق القول بأن القول قول الأمين وأنه مصدق دائماً في دعواه الهلاك والتلف والخسران في جميع الحالات، بل ذلك مشروط ومقيد بما إذا كان الأمين في مركز المدعى عليه، أما إذا كان الأمين في مركز المدعي، لأنه يدعي خلاف الظاهر والكثير الغالب الذي تفيده القرينة فإنه لا يصح القول مع وجود هذه القرينة بأنه مصدق وأن القول قوله.
فالصناع من طائفة الأمناء، ولم يحكم جمهور الفقهاء بأنهم مصدقون دائماً وأن القول قولهم في دعوى الهلاك والخسران في جميع الحالات، بل كانوا مصدقين وكان القول قولهم في عصر النبوة وبعده حتى عصر خلافة علي بن أبي طالب  ، لأنهم كانوا في مركز المدعى عليه، لأن دعواهم الهلاك دون تعد منهم شهد لها الظاهر والعرف والعادة والكثير الغالب فيهم في عهد عرفوا فيه بالصدق والأمانة وكانت الخيانة نادرة فيهم، ولم يصدقوا في دعواهم الهلاك دون تعد ولم يكن القول قولهم في خلافة علي t فقد ضمنهم وقال "لا يصلح الناس إلا ذلك"، وألزمهم إذا أرادوا التخلص من الضمان أن يثبتوا واقعة الهلاك أولاً وأن هذا الهلاك لم يكن بتعديهم ثانياً وإلا ضمنوا.
هذه القرائن كما قلنا تقوي جانب مالك المال وتضعه في مركز المدعى عليه، وهي تمثل الظاهر الذي يشهد لدعواه، وتضع الأمين في مركز المدعي الذي يلزمه إقامة البينة على أن هلاك ما تحت يده من مال لم يكن بسبب تعديه أو تفريطه، ولقد جرى على ألسنة الفقهاء أن هذه القرائن تكذب دعوى الأمين أن هلاك المال كان دون تعد ولا تفريط، وتلزمه بالضمان ما لم يثبت هذه الدعوى والمقصود هو أن القرينة ترجح جانب الكذب في دعوى الأمين، ولكنها لا تقطع بكذبها، ولذا جاز للأمين أن يبين خلاف ما تدل عليه القرينة فيبرأ من الضمان.
يقول القرافي:  "قاعدة - في ضبط المدعي والمدعي عليه قال عليه الصلاة والسلام لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم لكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، فليس المدعي الطالب ولا المدعى عليه المطلوب، بل من كان قوله على خلاف أصل أو ظاهر فهو المدعي - وعليه البينة والظاهر ينقسم إلى العادة وظاهر الحال والقرائن الحالية والمقالية وكل ما أفاد ظن الصدق كمدعي شغل الذمة والأصل براءتها كولادة الانسان بريئا من جميع الحقوق، ومدعي الرد وقد قبض ببينة، فالعادة تؤثر سوء الظن في الرد بغير بينة، وكمدعي انفاق مال المحجور فيما لا يشبه عادته، فهؤلاء مطلوبون وهم مدعون وعليهم البينة، ومن كان قوله على وفق أصل أو ظاهر فهو المدعى عليه ويصدق مع يمينه كخصوم هؤلاء المتقدمين، وبعبارة أخرى المدعى عليه هو أرجح المتداعيين سببا والآخر المدعي وعلى هذه القاعدة تتخرج فروع التداعي في القراض وغيره"[4]
وهذه القرائن كما ذكرنا قرائن بسيطة تقبل إثبات العكس، فلمن قامت القرينة ضده أن يثبت عكسها، فإذا قامت التهمة في حق الأمين، أي تهمة التعدي والتفريط أو الخيانة، فإنه يصير مدعياً يلزمه هو إثبات دعواه أن هلاك المال لم يكن بتعديه ولا بتفريطه، فإن هو قام بهذا الإثبات برئت ذمته من الضمان. فهده القرائن لا تصير يد الأمانة يد ضمان كما ذكر بعد الباحثين[5]، بل أن غاية ما تفيده هو أنها تنقل عبء الإثبات إلى الأمين نتيجة لأنها تضعه في مركز المدعي.
-         وهذه القرائن غير محددة ولا محصورة في عدد معين، بل إن كل ما يقوي أو يشهد لدعوى أحد المتداعيين يعد قرينة تقوي جانبه وتشهد بصدق دعواه وتضعه في مركز المدعى عليه ويعفيه من البينة، ويضع خصمه في مركز المدعي الذي تلزمه إقامة البينة، على خلاف ما شهدت به القرينة.
-         وهذه القرائن تخضع لظروف الزمان والمكان والأعراف والعادات ومستوى الالتزام بقيم وتعاليم الإسلام والوضع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي وظروف السوق ونوع وطبيعة المال المؤتمن عليه، وسلوك الأمين وغير ذلك كما سنرى.
وقد أشار الفقهاء إلى بعض هذه القرائن وحكموا بأنها تقوي جانب مالك المال وتكون شاهدة لصدق دعواه ضد الأمين، وتضعه في مركز المدعى عليه الذي تشهد له هذه القرائن وتعفيه من إثبات دعواه على تعدي الأمين أو تفريطه، وتكذب أو توهن أو تضعف دعوى الأمين عدم التعدي أو التفريط، لأن دعواه تكون على خلاف الظاهر والغالب الذي تفيده القرينة، لأن القرينة تفيد صدق المالك وكذب الأمين وتفيد في ذلك ظناً راجحاً ولا تفيد يقيناً، وإلا لما استطاع الأمين أن يثبت عكس ما تدل عليه هذه القرينة.
جاء في كتاب الضمان في الفقه الإسلامي للشيخ على الخفيف :ويرى المالكية أن يد الأمين إذا كانت على ما لا يغاب عليه  فلا ضمان عليه عند التلف، وإن كانت على ما يغاب عليه فهو ضامن له إذا تلف إلا أن يقيم البينة على تلفه أو ضياعه بغير صنعه"[6]
وجاء في التاج والإكليل "( وَضَمِنَ الْمَغِيبُ عَلَيْهِ إلاَّ بِبَيِّنَةٍ ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : الْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُرُوضِ ، فَإِنْ ادَّعَى الْمُسْتَعِيرُ أَنَّ ذَلِكَ هَلَكَ أَوْ سُرِقَ أَوْ تَحَرَّقَ أَوْ انْكَسَرَ فَهُوَ ضَامِنٌ وَعَلَيْهِ فِيمَا أَفْسَدَ فَسَادًا يَسِيرًا مَا نَقَصَهُ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ كُلَّهُ إلاَّ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّ ذَلِكَ هَلَكَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ تَضْيِيعٌ أَوْ تَفْرِيطٌ بَيِّنٌ فَيَضْمَنُ .[7]
وقد ذكر بعض الباحثين أن هذه القرائن أو الأسباب والموجبات[8] تقلب يد الأمانة إلى يد ضمان، بمعنى أن القرينة تضع الأمين في مركز الحائز لمال غيره دون إذنه كالغاصب الذي يضمن هلاك ما تحت يده من مال الغير في جميع الأحوال، أي حتى في حالات قيام الأمين باثبات عدم التعدي على المال، وأن هلاكه كان بسبب لا يد له فيه ولاقدرة له على توقعه أو توقيه أو تلافي آثاره، وهذا يعني في نظر هذا الباحث أن هذه القرينة قطعية تفيد اليقين لا الظن، وأنها لا تقبل إثبات العكس من الأمين.
وهذا غير صحيح كما سنرى، لأن غاية ما تفيده هذه القرائن أنها تضع من قامت لصالحه في مركز المدعى عليه وتعفيه من عبء إثبات دعواه، لأن القرينة ظاهر يشهد له، وتلقي عبء الإثبات على من قامت القرينة ضده أو كما يقال من تكذب القرينة دعواه لأن دعواه تكون على خلاف الظاهر الذي تفيده وتشهد له القرينة.
وبناء على هذا الفهم الخاطئ جمع هذا الباحث في هذه القرائن والأسباب والموجبات التي تقلب يد الأمانة إلى يد الضمان، بين التعدي والتفريط، وهما مناط وجوب الضمان، والتجهيل، والعرف، وتطوع الأمين بالضمان بعد العقد، والمصلحة، والتهمة، وهذه ليست مناط الضمان، بل بعضها يعد قرينة على التعدي والتفريط تضع الأمين في مركز المدعي وتنقل إليه عبء الإثبات، فإذا أثبت الأمين أن الهلاك لم يكن بتعديه برئ من الضمان، فكيف تكون القرينة نفسها موجبة للضمان وتقلب يد الأمانة إلى يد ضمان تحرم الأمين من إثبات عكسها؟
وأما التطوع بالتزام الضمان بعد العقد فليس قرينة على تعدي الأمين أو تفريطه، ولا تضعه في مركز المدعي الذي تلزمه البينة، لأن الأمين قد يتطوع بالضمان، على فرض صحة هذا التطوع، حتى في الحالات التي يقطع فيها بعدم تعديه أو تفريطه.
وإليك بعض هذا القرائن التي تفيد كذب دعوى الأمين عدم التعدي وتضعه في مركز المدعي الذي تكون دعواه، بسبب هذه القرينة، على خلاف الظاهر الذي تدل عليه هذه القرينة.
وسوف نعرض هذه القرائن وأثرها في نقل عبء الإثبات وتذكر بعض تطبيقاتها،وموقف الفقهاء فى مختلف المذاهب منها، ونؤكد مرة أخرى أن هذه القرائن جاءت فى بعض الأمناء وقسنا عليها المضارب والشريك المدير ووكيل الاستثمار لاتحاد العلة، وهي وجود التهمة التي تقوي جانب رب المال وتضعف جانب الأمين عليه ووحدة، مناط الضمان.
أثر التهمة في نقل عبء الإثبات إلى الأمين:
المقصود بالتهمة هو غلبة الظن، المستندة إلى أسباب معقولة، بكذب دعوى الأمين هلاك ما تحت يده من مال دون تعديه أو تفريطه، بحيث تكون دعواه – مع التهمة - على خلاف الظاهر الذي تفيده هذه التهمة.
ولقد تحدث الفقهاء عن أسباب كثيرة للتهمة. وقد نقل بعض الباحثين عن المالكية وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة ان التهمة "توجب تغيير حال يد الأمانة إلى يد ضمان" ولقد تقدم بيان خطأ هذا الفهم، إذ أن يد الأمانة لا تنقلب بوجود هذه القرينة إلى يد ضمان كيد الغاصب، بحيث تأخذ حكمها من حيث ضمان ما يهلك تحتها، ولو أثبت الأمين أن الهلاك كان بسبب لا يد له فيه، وذكرنا أن غاية ما تفيده التهمة عند المالكية ومن معهم هو الظن الراجح بصدق دعوى مالك المال وكذب دعوى الأمين، بحيث تضع التهمة الأمين في مركز المدعي الذي تلزمه إقامة الدليل على دعواه أن الهلاك لم يكن بسبب تعديه، أي تفيد نقل عبء الإثبات من المالك إلى الأمين.
وفي بداية المجتهد: "وأما تفريق مالك بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه فهو استحسان، ومعنى ذلك أن التهمة تلحق فيما يغاب عليه، ولا تلحق فيما لا يغاب عليه."[9]
وقد ذكر الفقهاء أموراً تعد تهمة وتأخذ حكمها في تكذيب دعوى الأمين الهلاك دون تعديه ونذكر هذه الأمور بشيء من الإيجاز.

1)    التهمة فيما يغاب عليه من الأموال المؤتمن عليها:

مما يورث تهمة ويأخذ حكمها طبيعة المال المؤتمن عليه عند بعض الفقهاء، فإذا كان المال المؤتمن عليه مما يغاب عليه، أي يخفى هلاكه ويصعب على مالكه إثبات تعدي الأمين عليه فإن دعوى الأمين هلاكه دون تعد منه ولا تفريط تكون على خلاف الظاهر الذي تفيده هذه التهمة، فيكون في مركز المدعي الذي يلزم إثبات دعواه بإقامة الدليل على أن هلاك المال كان بدون تعد منه ولا تفريط، وإلا ضمن هذا الهلاك. ويعبر عن ذلك الماليكة بقولهم: إن الأمين يضمن ما يغاب عليه دون ما لا يغاب عليه، والمقصود بذلك عندهم أنه يضمن إذا لم يتمكن من إقامة البينة على عدم تعديه، فإن نجح في إقامة البينة برئ من الضمان، أي أن طبيعة المال المؤتمن عليه تلقى بالتهمة على الأمين في دعواه هلاكه دون تعديه وتضع عليه عبء الإثبات، لأنه صار بالتهمة مدعياً وصار مالك المال مدعى عليه.
وقد مثل المالكية لما يغاب عليه ويخفى هلاكه ويسهل إخفاؤه ويصعب على مالك المال إثبات تعدي الأمين عليه بالمنقولات كالحلي والنقود والثياب والمجوهرات والبضائع والسفن في عرض البحر والطائرات في الجو، ولما لا يغاب عليه، أي ما يظهر هلاكه ويصعب إخفاؤه ولا يشق على مالك المال إثبات تعدي الأمين عليه بالعقارات والسفن الراسية في المواني والطائرات الرابضة في المطارات.
فقد جاء في الشرح الكبير للشيخ الدردير: (وضمن) المستعير (المغيب عليه) أي ما يغاب عليه وهو ما يمكن إخفاؤه كالثياب والحلي بخلاف الحيوان والعقار، وأما السفينة فإن كانت سائرة فمما يغاب عليه وإن كانت بالمرسى فمما لا يغاب عليه، وإذا وجب الضمان فإنما يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية على ما ينقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه لقد ضاعت ضياعا لا يقدر على ردها لانه يتهم على أخذها بقيمتها من غير رضا صاحبها (إلا لبينة) على تلفه أو ضياعه بلا سببه فلا يضمنه خلافا لاشهب القائل بالضمان (وهل) ضمان ما يغاب عليه (وإن شرط) المستعير (نفيه) عن نفسه لان الشرط يزيده تهمة ولانه من إسقاط حق قبل وجوبه فلا يعتبر، أو لا يضمن لانه معروف من وجهين، العارية معروف وإسقاط الضمان معروف آخر، ولان المؤمن عند شرطه (تردد) في النقل عن المتقدمين (لا غيره) أي لا غير المغيب عليه فلا يضمنه المستعير (ولو بشرط) عليه من المعير وإذا لم يضمن الحيوان ضمن لجامه وسرجه ونحوهما وإنما جرى قول مرجح في العمل بالشرط فيما يغاب عليه دون غيره لان الشرط في الاول من المعروف دون الثاني (وحلف) المستعير (فيما علم أنه بلا سببه كسوس) في خشب أو طعام وقرض فأر وحرق نار (أنه ما فرط)[10].
والذي يؤخذ من هذا النص أمور:
أولها:  أنه وارد في حكم ضمان المستعير، وهو من طائفة الأمناء، هلاك أو تلف العين المستعارة، ويقاس على المستعير غيره من الأمناء الذين تكون لهم مصلحة في حيازة المال المؤتمن عليه كالمضارب والشريك المدير والوكيل في الاستثمار إلا أن يقال بأن المصلحة في العارية مختصة بالمستعير وحده، بخلاف المضارب والشريك المدير ووكيل الاستثمار فإن المصلحة مشتركة بينهم وبين رب المال والموكل والشريك.
ثانيها:  أن المستعير يضمن ما يغاب عليه دون مالا يغاب عليه من الأموال، ويلاحظ أن رأس مال المضاربة والوكالة في الاستثمار وحصة الشريك والموجودات المشتراة برأس المال مما يغاب عليه غالباً، فيكون القول بالضمان سائغاً في عقد المضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار.
ثالثها:  أن جمهور المالكية يرون أن كون المال مما يغاب عليه يعد تهمة ترجح كذب دعوى المستعير هلاك المال دون تعديه، وتضعه في مركز المدعي الذي تلزمه البينة، فإن نجح في إقامة الدليل على أن الهلاك لم يكن بتعديه، برئ من الضمان وإلا ضمن، وبعبارة أخرى فإن طبيعة المال المؤتمن عليه تعد قرينة بسيطة ضد الأمين تقبل إثبات العكس، وقد خالف أشهب من المالكية فقال بأن هذه القرينة قاطعة لا تقبل إثبات العكس فالمستعير يضمن العارية ولو أثبت أن هلاكها لم يكن بتعديه، أي أن هذه القرينة تجعل يد الأمانة في حكم يد الضمان. قال البراذعي: "وأما ما يغاب عليه فالمرتهن يضمنه إذا قبضه، إلا أن يقيم بينة على هلاكه من غير سببه بأمر من الله، أو بتعدي أجنبي، فذلك من الراهن، وله طلب المتعدي، فإذا غرم المتعدي القيمة، فأحب ما فيه إليّ - إن أتى الراهن برهن ثقة مكان ذلك - أخْذ القيمة، وإلا جعلت هذه القيمة رهناً"[11].
رابعها: أن الرأي الراجح عند المالكية أنه لا يجوز شرط المستعير نفي الضمان عن نفسه فيما يجب فيه الضمان، وهو ما يغاب عليه، لأن هذا الشرط يزيده تهمة، ولأنه من إسقاط الحق قبل وجوبه فلا يعتبر، وهناك رأي مرجوح بجواز شرط نفي الضمان في هذه الحالة، لأنه معروف يسديه المعير للمستعير من وجهين: أحدهما أن العارية معروف وثانيهما أن إسقاط الضمان معروف آخر، ولأن المؤمن عند شرطه، وهناك تردد في نقل هذين الرأيين عند المتقدمين ولكن الراجح بطلان الشرط.
خامسها: أن ما لا يغاب عليه من الأموال لا يضمنه المستعير ولو شرط عليه المعير الضمان، وإنما جرى قول مرجح في العمل بالشرط فيما يغاب عليه دون غيره، لأن الشرط في الأول من المعروف دون الثاني.
وقد جاءفى كتاب فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك: وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَا إذَا شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ . وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ إنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ حَاشَا مُطَرِّفًا , فَإِنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْهِ لِأَمْرٍ خَافَهُ مِنْ طَرِيقٍ مَخُوفٍ , أَوْ نَهْرٍ , أَوْ لُصُوصٍ , أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَالشَّرْطُ لَازِمٌ إنْ عَطِبَتْ فِي الْأَمْرِ الَّذِي خَافَهُ وَاشْتَرَطَ الضَّمَانَ مِنْ أَجْلِهِ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ ا هـ . وَقَالَ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ : وَإِنْ اسْتَعَرْت مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْك لَمْ تَضْمَنْهَا ا هـ  (2 / 425).

والجدير بالذكر أن رأس مال المضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار وموجوداتها تكون في الغالب مما يغاب عليه، ومن النادر أن تكون مما لا يغاب عليه كالعقارات، وخصوصاً أن رب المال لا يملك التدخل في إدارة المضاربة ولا في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأنها وإلا بطلت المضاربة، بخلاف المشاركة والوكالة في الاستثمار، فإن للموكل والشريك أن يتدخل في الإدارة ويشارك في اتخاذ القرارات الاستثمارية.
ويؤكد الفقهاء على دور التهمة في نقل عبء الإثبات على الأمين ووضعه في مركز المدعي الذي تجب عليه البينة وإلا ضمن على النحو التالي:
1-        يقول القرافي "فنحن نجعل كونه مغيباً عليه مرجحاً للضمان، لكونه مظنة التهمة فهو مناسب"  فالمقصود بالضمان هنا هو نقل عبء الإثبات، فإذا عجز الأمين عن إثبات عدم التعدي كان ضامناً، وإن نجح في هذا الإثبات برئ من الضمان كما تقدم.
2-         ويقول الشيخ على الخفيف:"ويرى المالكية أن يد الأمين إذا كانت على ما يغاب عليه فهو ضامن له إذا تلف إلا أن يقيم البينة على تلفه أو ضياعه بغير صنعه"[12]
3-        ويقول القاضي عبدالوهاب معللاً لعدم ضمان الأمين إذا أثبت عدم تعديه على المال المؤتمن عليه "لأن التهمة قد انتفت عنه لقيام البينة على أنه لا ضلع له بتلفه فلم يلزمه الضمان، إذ سبب الضمان معدوم ،لأنه إنما يضمن لئلا يكون قد أتلفه وادعى أنه تلف بغير صنعه، فإذا علم صدقه فلا ضمان، ألا ترى أن العرف لما كان يشهد له قبل قوله ولم يضمن" [13]
فأنت ترى من هذا النص أن قيام التهمة لا يحول يد الأمانة إلى يد ضمان كيد الغاصب والسارق، كما فهم بعض الباحثين، لأن يد الضمان تضمن ما يهلك تحتها في جميع الأحوال، أي لو أثبت الضامن أن الهلاك كان بسبب لا يد له فيه، أما أثر التهمة في يد الأمانة فهو قاصر على نقل عبء الإثبات إلى الأمين بحيث يجب عليه الضمان إذا عجز عن هذا الإثبات، فهي قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس كما تقدم.
4-        ومن تطبيقات التهمة في نقل عبء الإثبات إلى الأمين ما يقرره المالكية من تضمين الأجراء على حمل الطعام لتهمة أكله، لأن الأيدي تمتد إلى الطعام دون غيره عادة، فكان نوع المحمول قرينة على هذه التهمة، والتهمة هنا قرينة تفيد غلبة الظن على التعدي، وهي كغيرها من القرائن تقبل إثبات العكس، فلحملة الطعام إثبات هلاكه دون تعد منهم ولا تفريط فتبرأ ذمتهم من الضمان، أو بعبارة أخرى فإن القرينة هنا تنقل عبء الإثبات إلى الأمين، لأنه بالتهمة صار مدعيا، لأن الظاهر يشهد لمالك الطعام فكان مدعى عليه.
يقول القرافي "أعلم أن الهلاك خمسة أقسام، الرابع: ما هلك بقولهم (الحمالين للطعام) من الطعام لا يصدقون فيه لقيام التهمة، لأن شأن الطعام امتداد الأيدي إليه، الخامس: ما هلك بأيديهم من العروض يصدقون فيه لعدم التهمة"[14]
وقال الونشريسي: "وإنما ضمن مالكٌ حامل الطعام إذا لم تقم له بينة على التلف من غير سببه، ولم يضمن حامل غيره حتى تقوم عليه البينة بالتفريط والإضاعة، لأن العادة جارية أن الأكرياء يسرعون إلى الطعام الذي في أيديهم لدناءة أنفسهم ولما يعلمون أن نفوس أهل الأقدار والمروءة تأنف من مطالبتهم بمثل المأكولات، لا سيما العرب مع كرمهم وعزة نفوسهم".
فأنت ترى أن التهمة، التي مصدرها العرف والعادة وطبائع نفوس أصحاب المتاع وخاملية ووضعهم الاجتماعي والاقتصادي، تنقل عبء الإثبات إلى الأمين وتضعه في مركز المدعى الذي تلزمه البينة، وتمنحه مع ذلك حق إثبات عدم التعدي فيبرأ من الضمان، فهي إذن قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس، وأن التهمة تقوم على ظروف اجتماعية واقتصادية وعوامل نفسية وطبائع بشرية وأعراف وعادات وتقاليد ومستوى االتزام بالقيم الإسلامية.
5-        ويقول القرافي: "لا يضمن (الحمال) الطعام إذا كنت معه على الدابة أو السفينة، وإلا فلا يصدق في الطعام وإلادام للتهمة في امتداد الأيدي إليه إلا ببينة تشهد أن التلف كان من غير فعلهم، ويصدقون في العروض"[15]
فهدا النص يقطع بأن التهمة عند المالكية لا تحول يد الأمانة إلى يد ضمان بحيث يصير الأمين كالغاصب يضمن الهلاك على كل حال، حتى لو أثبت عدم التعدي على المال، بل غاية ما تفيده التهمة هو نقل عبء الإثبات إلى الأمين، أي وضع الأمين في مركز المدعي إذا ادعى الهلاك دون تفريطه، لأن دعواه تكون على خلاف الظاهر والكثير الغالب من عادة الحمالين للطعام.
وهنا أيضاً نريد التأكيد على أن للأعراف والعادات وطبائع النفوس والقيم والأخلاق والوضع الاقتصادي والاجتماعي لأصحاب المال والمؤتمن عليه ومدى الالتزام بقيم وأحكام الإسلام - دخل في التهمة التي تجعل دعوى الأمين عدم التعدي دعوى على خلاف الظاهر والعرف والعادة والكثير المشاهد في سلوك بعض طوائف الأمناء، وبذلك يتحقق في الأمين في ظل هذه الظروف مناط وجوب إقامة البينة، وهو كونه مدعياً، فالمدعي هو من يدعي خلاف الظاهر والمشاهد عرفاً، وكون المحمول طعاماً يورث تهمة أي ظناً راجحاً أنه أكله واجعى هلاكه.
6-        يرى بعض المالكية مثل ابن حبيب وجمع من فقهائهم تضمين الأجير المشترك ولو لم يكن لعمله تأثير في عين المصنوع، كالراعي المشترك وسمسار الدواب وعللوا ذلك بالتهمة.
جاء في فتاوى محمد بن أحمد بن محمد عليش
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ التَّادَلِيُّ وَالْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ عَدَمُ ضَمَانِ الرَّاعِي الْمُشْتَرَكِ وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ كَثْرَةُ خِيَانَةِ الرُّعَاةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ هُوَ ضَمَانُهُ وَهُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ فِيهِ وَفِي سِمْسَارِ الدَّوَابِّ ا هـ فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك - (4 / 370)

وجاء فيه أيضا:
وَقَالَ الْيَزْنَاسِيُّ فِي شَرْحِ التُّحْفَةِ كُنْت فِي زَمَنِ وِلَايَتِي بِتِلْمِسَانَ كَثِيرًا مَا أَحْكُمُ بِتَضْمِينِ الرَّاعِي الْمُشْتَرَكِ عِنْدَمَا يَظْهَرُ لِي مَخَايِلُ كَذِبِ الرُّعَاةِ وَتَعَدِّيهِمْ وَتَفْرِيطِهِمْ وَذَلِكَ غَالِبُ أَحْوَالِهِمْ وَرَأَى أَنَّ الْحُكْمَ بِعَدَمِ تَضْمِينِهِمْ يُؤَدِّي إلَى تَلَفٍ كَثِيرٍ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ لِاضْطِرَارِهِمْ إلَيْهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْيَانِ وَاعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الَّتِي مِنْ أَصْلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ مُرَاعَاتُهَا[16]
7-        وقد أفتى ابن حبيب من المالكية بتضمين صاحب الحمام للتهمة مع أنه من الأمناء وقال : "وكذلك صاحب الحمام جرت العادة بخيانته في ثياب الناس فيضمنها" أي إذا لم يقدم الدليل على عدم تعديه أو تفريطه.
ونرى واضحاً أن القرينة عموماً، والتهمة خصوصاً التي تنقل عبء الإثبات إلى الأمين وتضعه في مركز المدعي، مثارها ومرجعها ظروف الزمان والمكان والأعراف والعادات ومستوى الالتزام بقيم الإسلام وأحكام الشريعة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وطبيعة الأمناء ومستواهم الاجتماعي، وأنواع الحرف التي يمارسونها. مما يعني أن هذه الطروف والأوضاع والعادات والأعراف لو وجدت في غيرهم من طائفة الأمناء جاز نقل عبء الإثبات عليهم.
8-        ولقد ضمن المالكية وأبويوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية الصناع والأجير المشترك ما يدعي هلاكه من أمتعة الناس التي يعمل فيها ما لم يثبت الأجير المشترك أن الهلاك حدث من شيء غالب لا يتحفظ من مثله، مثل حريق أو غرق غالب أو لصوص مكابرين" فهنا فقط يبرأ من الضمان.  
وحجتهم في ذلك كما قال الكاساني "أن هؤلاء الأجراء الذين يسلم إليهم المال دون شهود تخاف الخيانة منهم فلو علموا أنهم لا يضمنون لهلكت أموال الناس، لأنهم لا يعجزون عن دعوى الهلاك، وهذا المعنى لا يوجد في الحريق الغالب والغرق الغالب والسارق الغالب[17]، قال صاحب تبيين الحقائق: "وبقولهما – أبويوسف ومحمد – "يفتى اليوم لتغير أحوال الناس وبه تحصل صيانة أموالهم"[18]      
وهذا النص يقضي بمعاملة غير الصناع من طائفة الأمناء كالمضارب والشريك المدير والوكيل في الاستثمار معاملة الصناع إذا توافر فيهم مناط تضمين الصناع وهو حفظ الأموال وسد ذريعة ضياعها.
9-        ولقد ضمن الشافعي – في غير الأظهر من مذهبه – للتهمة - الأجير المشترك والمقصود بتضمينه عند هو نقل عبء الإثبات إليه، فقد جرت عادة الفقهاء بالتعبير عن نقل عبء الإثبات إلى الأمين بقولهم أن "مالك المال مصدق أو أن القول قوله" مما يعني أنه ليس عليه إلا اليمين، وأن البينة على الأمين، فإن أقامها برئ من الضمان.
ومما يدخل تحت تعريف التهمة ويترتب عليه أثرها في نقل عبء الإثبات إلى الأمين وإلا ضمن، القرائن التالية:

2)    تكذيب التجار:

إذا ادعى الأمين كالمضارب ووكيل الاستثمار والشريك المدير، هلاك المال أو خسارته وكانت دعواه تخالف عرف التجار فإن هذا يورث تهمة تلقي عليه عبء الإثبات، وقد عبر عن ذلك المالكية بقولهم: إن الأمين لا يضمن ما يدعي هلاكه إلا أن تكذبه التجار.
جاء في حاشية العدوي "تَنْبِيهٌ : وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِلِ أَيْ مَعَ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِتهُمَاً فِي تَلَفِ الْمَالَ وَخُسْرِهِ وَضَيَاعِهِ إلاَّ أَنْ يُكَذِّبَهُ التُّجَّارُ، وَكَذَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهِ لِرَبِّهِ بِيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِتْهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهِ" [19]
وجاء في الفواكه الدواني: " العامل في القراض امين فالقول قوله في تلف المال أو ضياعه أو خسره الا ان تكذبه التجار"[20]
والذي يؤخذ من هذين النصين أمور :
أولها:  أن تكذيب التجار للمضارب في دعوى الهلاك والتلف والخسارة يعد شبهة تضعه في مركز المدعي الذي يلزمه البينة على عدم التعدي، وأن التلف والخسران لم يكن بسبب من جانبه، بل كان بسبب لا يد له فيه.
ثانيها:  أن المضارب إذا قبض رأس مال المضاربة ببينة مقصودة للتوثق فإن دعوى رده إلى رب المال لا تقبل إلا ببينة، فإن عجز عن البينة ضمن. وفي عقود المضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار يضع المضارب والشريك المدير ووكيل الاستثمار يده على رأس المال ببينة في جميع الأحوال، فيلزمه رده ببينة وإلا تحمل الضمان.
ثالثها:  أن المضارب مثله مثل غيره من الأمناء في أن التهمة تنقل إليه عبء الإثبات فلو ادعى تلف المال أو خسارته على خلاف عرف التجار فإنه يكون متهماً، وينتقل إليه عبء إثبات أن التلف والخسران لم يكن بتعديه ولا تفريطه، أي أنه يكون في مركز المدعي.
ويترتب على أن العامل في القراض امين وأن القول قوله في تلف المال أو ضياعه أو خسره الا ان تكذبه التجار"[21] أنه إذا كانت دعوى المضارب الهلاك أو التلف أو الضياع أو الخسران تكذبها الأعراف التجارية ووضع السوق فإن ذلك يورث تهمة كذب المضارب، ويصيره في مركز المدعي، لأنه يدعي خلاف العرف والظاهر والكثير الغالب في نوع النشاط أو التجارة التي يمارسها، وبذلك تلزمه إقامة البينة على أن هلاك المال كان بسبب لا يد له فيه، وإلا ضمن، فإذا كان نوع النشاط والاستثمار في المشاريع التجارية أو الصناعية المماثلة لنشاط المضارب مثلاً، تحقق معدل أرباح معين حسب ميزانياتها المعلنة، فإن دعوى الأمين الخسران وحده دون بقية التجارتكون على خلاف الظاهر وتورث تهمة كذبه فلا يصدق ولا يكون القول قوله دون دليل، كالشأن في كل أنواع التهم. وقد عبر بعض الفقهاء عن ذلك بقولهم أن الأمين إذا كانت دعواه على خلاف العرف أو الظاهر فإنه يعد مدعياً ويلزمه الإثبات.

3)    دراسة الجدوى:

إذا ادعى الأمين، مضارباً كان أو شريكاً مديراً أو وكيل استثمار، الخسران، على خلاف نتائج دراسة الجدوى والدراسة السوقية - التي أعدها الأمين بنفسه وأقر نتائجها وفقاً للأصول الفنية لدراسات الجدوى والدراسة السوقية وتعهد بالمسئولية عنها - كان متهماً في دعوى الهلاك والخسران دون تعد أو تفريط، ذلك أن الأمين قد أقر في هذه الدراسة بأن النشاط الذي يستثمر فيه رأس مال المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار وفقاً لدراسة الجدوى يحقق أرباحاً متوقعة، ويستدل على ذلك ويؤكده بالدراسة السوقية أي بالعرف التجاري وما يجري عليه العمل في سوق الاستثمار، فيؤخذ بإقراره، وتكون دعواه الهلاك والخسران دون تعد منه على خلاف الظاهر من هذه الدراسة، ويلتزم هو بإقامة الدليل على أن نشاطه لم يحقق النتائج التي أظهرتها دراسة الجدوى لأسباب لا يد له فيها ولا قدرة له على توقعها أو تلافي آثارها، كنشوب حرب أو حصار بحري أو زلزال أو سيل أو حريق أو أزمة مالية طارئة وغير متوقعة، أو بسبب قوانين الجمارك أوالضرائب أو الاستيراد أو النقد أو العقوبات التجارية أو المقاطعة الاقتصادية، فإذا لم يقدم الدليل على أن الخسارة كانت من أجل هذه الأسباب ضمن رأس المال والربح المتوقع الذي أظهرته دراسة الجدوى، فالظاهر والكثير الغالب أن تتحقق النتائج والأرقام التي أظهرتها دراسة الجدوى التي تعد بصدق وأمانة وفق الإصول الفنية، فكانت دعوى الأمين الخسارة دعوى يكذبها الظاهر والكثير الغالب، بل يكذبه إقراره، فيكون في مركز المدعي الذي يلزمه إقامة الدليل على أن عدم تحقق نتائج هذه الدراسة كان بسبب أجنبي أو بقوة قاهرة، فإن عجز عن هذا الإثبات كان ضامناً لموجودات المضاربة، أي رأس المال والربح المتحقق أو الربح المتوقع أو الذي أظهرته دراسة الجدوى.
ويؤكد ما ذكرناه من وجود التهمة إذا ادعى المضارب خلاف نتائج دراسة الجدوى التي قدمها، أن بعض الفقهاء يدخل هذا في باب التغرير بالقول، لأن البنك قد قدم التمويل للأمين بناء على هذه الدراسة ولولاها ما أقدم البنك على التمويل، والتغرير بالقول، عند هؤلاء كالتغرير بالفعل بوجب الضمان، فلا أقل من أن يكون هذا التغرير تهمة تنقل إلى المضارب عبء الإثبات.
تطبيق التهمة فى عقود المشاركات:
ومن الواضح أن اسباب التهمة التي تقدمت - ومنها التهمة التي أوجبت عند الإمام مالك وبعض الفقهاء تضمين الصناع والحمالين للطعام والرعاة وسماسرة الدواب، لتفشي الخيانة وانتشار الكذب فيهم وضعف سلطان الدين على نفوسهم، واستدلالهم بتضمين علي رضي الله عنه لهؤلاء وقوله: لا يصلح الناس إلا ذلك، كل ذلك ينطبق من باب أولى على بقية الأمناء مثل المضارب والشريك المدير والوكيل في الاستثمار إذا قارنا زماننا هذا بزمن علي رضي الله عنه، فقد تأكد ضعف سلطان الدين على نفوس هؤلاء الأمناء وفشا فيهم الكذب وانتشرت الخيانة وذلك بدرجة أكبر مما كان عليه الوضع في خلافة علي رضي الله عنه فوجب أن يورث هذا تهمة تضع هؤلاء الأمناء في وضع المدعي الذي يلزم إقامة الدليل على هلاك رأس المال أولاً، ثم على أن هذا الهلاك لم يكن بتعدي الأمين ثانياً.
وهذا لا شك يحقق مصلحة حفظ المال، وهي مصلحة عامة للمجتمع تقدم على المصلحة الخاصة لهؤلاء الأمناء في عدم تضمنيهم، ويخدم تمويل خطط التنمية ويساعد على زيادة الإنتاج ويمكن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية من استخدام صيغ الاستثمار الحقيقي لتمويل مشاريع التنمية مثل المضاربة والمشاركة والوكالة في الاستثمار بدلاً من التركيز على عقود التمويل القصير كالمرابحة والسلم وعيرها من التمويل قصير الأجل.

4)    قرينة القيود المحاسبية:

دعوى الهلاك أو الخسران على خلاف حسابات الامين مضارباً كان أو شريكاً مديراً أو وكيلاً في الاستثمار، تورث تهمة كذبه وتضعه في مركز المدعي الذي تلزمه إقامة البينة، لأنه والحال كذلك يدعي خلاف الظاهر، إذ الظاهر أن الحسابات التي يمسكها الأمين تكون صحيحة فتكون حجة عليه، فإذا ادعى خسارة وأظهرت حساباته ربحاً كان كاذباً في دعواه ظاهراً، وعليه هو أن يفسر التناقض بين حساباته وبين الخسران الذي يدعيه مع تحديد وإثبات أسباب هذا الخسران، وإلا ضمن.
هذا ويجب على جميع البنوك الإسلامية ألا تقصر فيما يجري عليه العمل في مؤسسات مالية إسلامية كثيرة، من اشتراط البنك على المضارب أو الشريك المدير أو الوكيل في الاستثمار أن يفتح حساباً مستقلاً لديه للمضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار، تقيد فيه جميع إيرادات ومصروفات المشروع أو النشاط الذي يستثمر فيه رأس المال. فهذه الحسابات وما اشتملت عليه من قيود محاسبية تعد قرينة تنقل عبء الإثبات إلى الأمين، مضارباً كان أو شريكاً مديراً أو وكيلاً في الاستثمار، وإلا ضمن رأس المال والربح المتوقع الذي أظهرته دراسة الجدوى وأكدته القيود المحاسبية .
هذا ويجوز للبنك أن يشترط في عقد المضاربة أو المشاركة أو الوكالة في الاستثمار أن يكون له حق الاطلاع على حسابات المشروع وطلب جميع البيانات الضرورية عنه، ولا يعد هذا تدخلاً من رب المال في إدارة المضاربة بل طريقاً مشروعاً لمراقبة الأمين للتأكد من تنفيذه لشروط وأحكام المضاربة، فإذا لم يمسك المضارب حسابات منتظمة للمشروع الذي استثمر فيه رأس مال المضاربة، كان ذلك الإهمال قرينة أو تهمة تنقل إليه عبء الإثبات وتوجب عليه الضمان إلا إذا أثبت أن هلاك موجودات المضاربة أو خسارتها كان بسبب لا يد له فيه، فعدم إمساك حسابات منظمة للمضاربة تهمة تكذب دعواه.
ضمان المضارب المتعدي أو المفرط للربح:
ولا يقال أن المضارب المتعدي يضمن رأس المال دون الربح المتحقق أو المتوقع حسب دراسة الجدوى بحجة أنه أمين تعدى فصار غاصباً فدخل رأس المال في ملكه واستحق ربحه، ذلك أن هذا الحكم يطبق على الأرباح اللاحقة للتضمين، وأما في حالات قيام القرينة على كذب المضارب فإن رب المال يكون مصدقاً ويكون القول قوله، ويلزم المضارب إثبات أنه ما تعدى على موجودات المضاربة وما قصر في حفطها وما أخطأ في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأنها وما خالف حكماً من أحكام عقد المضاربة الشرعية، ولا شروطها الاتفاقية، فإن عجز عن شيء من ذلك كان ضامناً لموجودات المضاربة بمثلها أو بقيمتها في ذلك الوقت، وقيمة الموجودات تشمل الأرباح المحققة التي حدثت فعلاً وصارت جزءاً من موجودات المضاربة التي يملك رب المال حصته فيها.
ويقررالمالكية أن هذا الحكم يطبق على المضارب فإن المضارب عندهم إذا تعدى وقد ربحت المضاربة فإن رب المال يشاركه في الربح حسب الشرط ولا يستقل به المضارب، وهذا هو القول الراجح عندهم ، بخلاف الوكيل المتعدي فإن الغرم يكون عليه والربح كله يكون للموكل، وبخلاف من أخذ المال للحفظ كالمودع فإنه إذا تعدى لزمه الضمان وكان الربح كله له، والقول باستقلال المضارب بالربح قول ضعيف عندهم.
جاء في مواهب الجليل "وضمن –المضارب- إن خالف، والربح لهما ككل آخذ مالٍ للتنمية فتعدى، يعني أن العامل إذا تعدى وقلنا : إنه ضامن للمال إن تلف أو خسر فلا يختص بالربح ويقال كما أنه يضمن الخسارة فليستبد بالربح، بل الربح لهما على ما شرطا، قال في التوضيح، لأنه يتهم أن يكون قصد الاستبداد بالربح فعوقب بنقيض قصده، ولأنه لو قلنا الربح للعامل بتعديه لكان ذلك حاملاً له على التعدي ليستقل بالربح، ولهذا قلنا إن كل من أخذ مالاً لتنميته (دون أن يكون له حصة شائعة في ربحه) فتعدى فيه كالوكيل فالغرم عليه والربح لرب المال، وأما المقارض فالربح لهما على ما شرطا، وكل من أخذ مالاً على الأمانة وتعدى فيه فالربح له فقط كالمودع. وذهب البعض إلى أن العامل يجب له الربح كله في مسائل الضمان بسبب المخالفة، لأنها توجب انتقال مال القراض إلى ذمته، وذلك موجب لكونه مالكاً للربح"[22]

5)    قرينة التدقيق الداخلي والخارجي الشرعي والمالي:

إن تقارير التدقيق الداخلي والخارجي الشرعي والمالي على نشاط الأمين تعد قرينة ضد الأمين إذا ادعى الهلاك أو الخسران على خلاف نتائج هذه التقارير، لأن الظاهر صحة وسلامة ودقة هذه التقارير، وهذا الظاهر يشهد للمالك ضد الأمين ويضع الأمين في مركز المدعي الذي تلزمه البينة على عدم التعدي أو التفريط، وعليه هو أن يفسر اختلاف نتائج نشاطه عما أظهرته هذه التقارير وأن الهلاك أو الخسران كان بسبب لا يد له فيه وإلا كان ضماناً.
اشتراط فتح حساب للمشاركات:
ويجب على المؤسسات المالية الإسلامية أن تشترط على المضارب أو الشريك المدير أو الوكيل في الاستثمار أن يفتح حساباً مستقلاً لديها لمشروعه أو نشاطه الذي يموله البنك، وتلزمه بأن يأذن للبنك بإجراء تدقيق شرعي ومالي على حساباته، وأن يطلع على مثل هذه التقارير إن قام بها غيره، بحيث تكون نتائج هذه التقارير قرينة تكذب دعواه الهلاك والخسارة إذا جاءت هذه الدعوى على خلاف نتائج تقارير التدقيق، وبعبارة أخرى فإن نتائج هذه التقارير تعد عنواناً للحقيقة والظاهر صحتها فتكون دعواه على خلاف الظاهر فيكون في مركز المدعي الذي يلزمه الدليل على عدم التعدي على موجودات المشروع أو التفريط في حفظها أو الخطأ في اتخاذ القرارات الاستثمارية بشأنها وإلا قضي عليه بالضمان، إن هذا النوع من التناقض أو التخالف بين دعواه وبين نتائج تقارير الرقابة والتدقيق يورث تهمة تكذب الأمين وتضعه في مركز المدعي وتنقل إليه عبء إثبات خلاف ما تفيده هذه التقارير.
ومن المقرر أن اشتراط البنك على المضارب أو الشريك المدير أو الوكيل في الاستثمار، إمساك حسابات منتظمة للمشروع الذي يموله البنك، وأن يسمح للبنك بالاطلاع على هذه الحسابات وعلى تقارير التدقيق، أو أن يقوم البنك نفسه بهذا التدقيق، لا يخالف مبدأ استقلال المضارب في إدارة المضاربة وفي اتخاذ القرارات الاستثمارية استقلالاً، لأن هذا الشرط يكون لمراقبة حسن تنفيذ المضارب لشروط المضاربة، أما في المشاركة والوكالة في الاستثمار فلا خلاف في أن للموكل والشريك غير المدير أن يتدخل في الإدارة ويفرض القيود المناسبة على الشريك المدير والوكيل ويراقبه في أداء واجباته.

6)    تقارير الجهات الرقابية:

إن تقارير الجهات الرقابية، كالبنك المركزي ووزارة الاقتصاد وديوان المحاسبة تعد قرينة تنقل عبء الإثبات إلى الأمين وتضعه في مركز المدعي، إذا جاءت دعواه الهلاك أو الخسارة على خلاف نتائج ومضمون هذه التقارير، لأن دعواه في هذه الحالة تكون على خلاف الظاهر من نتائج هذه القارير، فالبيانات والمعلومات التي تحصل عليها هذه الجهات تعد قرينة ظاهرة تلقي عبء الإثبات على الأمين، مضارباً كان أو شريكاً مديراً أو وكيلاً في الاستثمار إذا جاءت مخالفة لدعواه. وللبنوك الإسلامية أن تطلب نسخاً من هذه التقارير لتساعدها على التأكد من الشفافية والصدق لدى هؤلاء الأمناء. وهذا كله من دلالة الحال على صدق أو كذب أحد المتداعيين.
فقد جاء في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: "وَمِنْ ذلك أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ في تَدَاعِي الزَّوْجَيْنِ وَالصَّانِعِينَ لِمَتَاعِ الْبَيْتِ وَالدُّكَّانِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ من يَدُلُّ الْحَالُ على صِدْقِهِ، وَالصَّحِيحُ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْيَدِ الْحِسِّيَّةِ بَلْ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا وَلَوْ اعْتَبَرْنَاهَا لَاعْتَبَرْنَا يَدَ الْخَاطِفِ لِعِمَامَةِ غَيْرِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ وَآخَرُ خَلْفَهُ حَاسِرَ الرَّأْسِ"[23].
وقال اللخمي: "يختلف في القراض في سبعة مواضع ضياعه ورده وخساره وجزء الربح والذي ربحه وقدر رأس المال، وهل هو بضاعة أو قراض أو قرض، وفي الصحة والفساد، ... ويصدق في الخسارة لأجل السراق - إن أتى بما يعضد السرقة من القافلة أو الضيعة بما يشبه، ويصدق في الربح فيما يقوله أهل تلك الصنعة وما يشبه دون غيره[24].

7)    تسلم الأمين للمال ببينة:

يرى بعض الفقهاء أنه إذا تسلم الأمين، كالمضارب والشريك المدير والوكيل في الاستثمار رأس المال ببينة، أي بدليل شرعي يقصد به التوثق فإنه لا يقبل منه دعوى رده كاملاً إلى رب المال بدون بينة، فإن ادعى الرد كانت دعواه على خلاف الظاهر وتورث تهمة الكذب، لأن الأمين إذا أخذ المال بيقين فلا يقبل منه دعوى الرد إلا بيقين مثله.
جاء في مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل 
"وأما في دعوى الرد، فإن القول قوله إلا أن يكون قبضه ببينة".[25]
وجاء في التاج والإكليل: "مِنْ الْمُدَوَّنَةِ : مَنْ بِيَدِهِ وَدِيعَةٌ أَوْ قِرَاضٌ لِرَجُلٍ فَقَالَ لَهُ : رَدَدْتُ ذَلِكَ إلَيْكَ ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. "[26]
وفي البهجة في شرح التحفة: "فإنه يصدق في دعوى الرد إذا قبضه بغير بينة فإن قبضه ببينة لم يصدق في الرد."[27]
-         والذي أراه أن هذه القرينة تصلح أيضاً لنقل عبء إثبات الهلاك أو الخسارة إلى الأمين إذا ادعى هلاك المال أو الخسارة، ذلك أن تسلم الأمين لرأس مال المضاربة أو الوكالة في الاستثمار أو حصة البنك في المشاركة ثابت بيقين، وبذلك ينتهي حكم البراءة الأصلية، لأن أدلة الشريعة تقطع بوجوب رد الأمانات إلى أهلها، قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا " وقال رسول الله e : أد الأمانة إلى من ائتمنك" والأصل والظاهر بل والكثير الغالب أن رأس المال يبقى ويحقق الربح المتوقع في دراسة الجدوى، وهلاكه وخسارته دون تعد أو تفريط نادر جداً، والنادر لا حكم له في الشرع. ذلك أن الظاهر المشاهد الذي تدل عليه الأعراف التجارية أن الأموال تبقى ولا تهلك وأنها تحقق أرباحاً في الظروف العادية، فإذا ما ادعى المضارب مثلاً هلاك رأس المال أو خسارته فعليه هو أن يثبت واقعة الهلاك أو الخسارة أولاً، ثم يثبت ثانياً أن هذا الهلاك وتلك الخسارة كانت بسبب لا يد له فيه ولا قدرة له على توقعه أو تلافي أثاره، أي أن عليه إثبات القوة القاهرة أو السبب الأجنبي وإلا لزمه الضمان، لأن الأصل هو بقاء المال الذي قبض بيقين، ووجب رده بيقين، فلا يزول هذا اليقين إلا بيقين مثله ولا يزول بمجرد دعوى الأمين.
8)    دعوى الهلاك بسبب ظاهر:
ذهب الشافعية إلى أن الشريك المدير عليه عبء الإثبات إذا كان الهلاك بسبب ظاهر.
جاء فى المجموع شرح المهذب - (14 / 81)
(الشرح) الاحكام: الشريك أمين فيما في يده من مال الشركة، فإن تلف في يده شئ منه من غير تفريط لم يجب عليه ضمانه، لانه نائب عن شريكه في الحفظ فكان الهالك في يده كالهالك في يد المالك، وللامانة أن تحفظ بدعامتين من الصدق والثقة، فان ادعى الهلاك بسبب ظاهر لم يقبل قوله حتى يقيم البينة على السبب الظاهر، لانه يمكنه إقامة البينة عليه، فإن شهدت البينة بصدق قوله وترتب الهلاك على السبب الظاهر فلا كلام.
وإن شهدت البينة بالسبب ولم تذكر هلاك المال فالقول قول الشريك مع يمينه أنه هلك بذلك.
وإن ادعى الهلاك بسبب غير ظاهر فالقول قوله مع يمينه لانه يتعذر عليه إقامة البينة مع الهلاك.
وفى المهذب في فقه الإمام الشافعي - (1 / 347)
فصل الشريك أمين  والشريك أمين فيما في يده من مال شريكه فإن هلك المال في يده من غير تفريط لم يضمن لانه نائب عنه في الحفظ والتصرف فكان الهالك في يده كالهالك في يده
 فإن ادعى الهلاك فإن كان بسبب ظاهر لم يقبل حتى يقيم البينة عليه فإذا أقام البينة على السبب فالقول قوله في الهلاك مع يمينه وإن كان بسبب غير ظاهر فالقول قوله مع يمينه من غير بينة لانه يتعذر إقامة البينة على الهلاك فكان القول قوله مع يمينه.
المشاركة / المضاربة برأس مال متغير:
في هذه الصيغة يحدد للمتعامل (شركة أو مشروع معين) سقف معين ويفتح له به حساب يسحب منه ويودع فيه المتعامل حسب الحاجة، وذلك بصفته مضارباً. ثم توزع الأرباح بين المضارب والمؤسسة بنسبة صافي أصول المضارب (شركة أو مشروع معين) التي خلطها برأس مال المضاربة ورأس المال المسحوب، محسوباً على أساس متوسط الرصيد اليومي الموزون أو ما يسمى بحساب النمر.
ويمكن القول بأن هذه المضاربة مقلوبة تكون فيه المؤسسة مودعاً أو مستثمراً أو رب مال ويكون فيه المتعامل مضارباً، وهذه الصيغة تشبه في جميع جوانبها حساب الاستثمار الذي يفتحه المتعامل مع المؤسسة، حيث تستثمر المؤسسة رصيد هذا الحساب (مع غيره من الودائع) مع صافي حقوق المساهمين، ويوزع الربح أولاً بين المؤسسة وبين المضارب على أساس متوسط الرصيد اليومي الموزون لكل الأموال التي سحبها المتعامل (المضارب) أثناء الفترة الاستثمارية، والتي تمثل رأس مال المضاربة المتغير، وصافي أصول شركة أو مشروع المتعامل بحساب النمر، وهذا هو التوزيع الأول، ثم يستحق المضارب الحصة المتفق علها من ربح المؤسسة.
وهذه الصيغة يمكن أن تكون بديلاً مشروعاً للسحب على المكشوف الذي تمنعه أحكام الشريعة لأن المبلغ الذي يسحبه المتعامل من حسابه دون وجود رصيد في هذا الحساب يعد قرضاً لا يجوز أخذ الزيادة عليه، والمؤسسة باعتبارها مضارباً لا تملك الاقراض بفائدة ولا بدون فائدة، فكان لابد من وجود تطوير وابتكار لصيغة المضاربة حتى تقدم حلاً لهذه المشكلة يحقق المصلحة ويلبي الحاجة ويتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وما قيل في المضاربة المختلطة من حيث حماية حق المؤسسة وتقليل مخاطرها يقال مثله هنا، لأن هذه الصيغة تعد مضاربة برأس مال مشترك أيضاً، حيث إن المضارب يخلط صافي أصول شركته أو مشروعه مع رأس مال المضاربة غير أن رأس المال في هذه الصيغة متغير حسب حاجة المضارب إلى السحب أو إن شئت فقل حسبما تودع المؤسسة بصفتها رب المال في حساب المضارب بناء على طلبه، وبالتالي فإن حق المؤسسة (في حدود حقها في موجودات المضاربة التي تقابل رأسمالها) مسحوباً بحساب النمر، مقدم على حقوق دائني المضارب من جهة وعلى مساهميه من جهة أخرى لنفس الأسباب المذكورة هناك.
وعلى الجملة فإن هذه الصيغة هي نفس الصيغة التي تقدمها المؤسسة للمودعين معها في حسابات الاستثمار، غير أن المؤسسة هنا هي المودع أو رب المال والمتعامل هو المضارب، والمؤسسة تودع في حساب المضاربة مع المتعامل بناء على حاجة وطلب المتعامل بصفته مضاربا، ويؤذن للمضارب أن يرد ما لا يحتاج إليه من السيولة وبذلك ينقص رأس مال المضاربة، وتوزيع الربح بين المؤسسة والمضاربة يتم على مرحلتين وذلك على أساس حساب النمر أو متوسط الرصيد اليومي الموزون للمبالغ التي يسحبها أو يودعها المتعامل حسب الحاجة فهي مضاربة مقلوبة ومضاربة برأسمال مشترك وحساب استثمار مع المتعامل شركة أو مشروعاً.
ولا شك عندي في جواز هذه المعاملة على هذا النحو، ذلك أنها محل اتفاق فيما يتعلق بحسابات الاستثمار التي يفتحها المتعامل بصفته رب مال مع المؤسسة بصفتها مضارباً والفرق الوحيد غير المؤثر هنا هو أن المؤسسة حلت محل المتعامل وصار المتعامل لها مضاربا.
المضاربة برأس مال معلوم مع بعض الأصول المشروعة دون غير المشروعة:
قد تشتد حاجة المتعامل إذا كان شركة أو شخصية معنوية معينة إلى الدخول في مضاربة مع المؤسسة على أساس خلط صافي أصول الشركة برأس مال المضاربة واستثمارهما معاً، غير أن أصول هذه الشركة قد تحتوي على أصول غير مشروعة أو تقوم ببعض الأنشطة المحرمة والسؤال هو هل يجوز خلط صافي أصول الشركة المشروعة برأس مال المضاربة والعمل بهما معاً؟ وفرز الأصول والأنشطة غير المشروعة في محفظة مستقلة يتولاها المضارب لمصلحته هو وعلى مسئوليته، بحيث لا تخلط بصافي الأصول الجائزة، ومثال ذلك أن تكون الشركة قد اقترضت بعض الأموال واستخدمتها في شراء بعض الأصول أو استخدمتها في بعض الأنشطة المحرمة التي يمكن تمييزها وعزلها عن باقي أصول الشركة.
الظاهر أن الشريعة لا تمنع من ذلك على أساس أن المشاركة والمضاربة في هذه الحالة تكون بين أصول مشروعة و رأس المال الذي تقدمه المؤسسة، وكأن مشاركة جديدة قد نشأت برأس مال مشترك ليس فيه أصل ولا نشاط محرم. إذ أن الدين الربوي قد خصصت له أصول محددة، ثم نقل الدين وما يقابله من أصول إلى محفظة مستقلة عن المشاركة.
 وبعبارة أخرى فإنه يمكن الجمع في الذمة الواحدة بين مالين أو مشروعين أو شركتين مملوكتين لشخص واحد، بعض هذه الأموال أو المشاريع أو الشركات يجوز التعامل فيه والبعض الآخر لا يجوز التعامل، وكون الشخص الواحد يملك شركة لا يجوز التعامل في أسهمها لعدم توافر ضوابط التعامل الشرعي فيها لا يمنع شرعا من التعامل معه في الشركة الأخرى المستوفية للضوابط الشرعية، كما لو كان يملك مالاً حلالاً ومالاً حراماً فيجوز شراء المال الحلال دون الحرام وكما لو يدير بنكا ربويا وآخر إسلاميا، فيجوز التعامل مع البنك الإسلامي وشراء أسهمه والتأجير له دون الربوي مع أنهما مملوكان لشخص واحد. والمهم هو الفصل التام بين الحلال والحرام، وهنا يجب الفصل بين بعض عناصر الذمة المالية من حيث الالتزامات والأصول، أي أن بعض القروض الربوية والأصول أو الأنشطة المستثمرة فيها هذه القروض يمكن فصلها عن الشركة واقتصار الخلط على صافي الأصول الجائزة وما يقابلها من التزامات حلال.
أما إذا كانت أصول الشركة تشمل بجانب حقوق المساهمين تمويلات واستثمارات بصيغ شرعية فإنها تدخل في صافي أصول المضاربة عند خلطه برأس مال المضاربة المطلوب على أساس أن المؤسسة أي رب المال الجديد قد وافق على الدخول في مشاركة مع المساهمين ومع الممولين بصيغ شرعية، مثل مضارب المضارب ووكيل الوكيل وشريك الشريك من الباطن، وحصة الشركة من الأرباح توزع توزيعاً داخلياً بين مساهمي الشركة وبين الممولين بصيغ شرعية حسب الاتفاق بين الشركة وبين الممولين لها بالصيغ الشرعية.
وفي جميع الأحوال يجب أن ينص عقد المضاربة على التزام المضارب بأحكام الشريعة الإسلامية في جميع أنشطة المضاربة بعد قيامها.



الالتزام الأدبي أو الأخلاقي بالضمان:
هناك حالتان يجب بيان حكمهما:
أولهما: إذا ما طاع المتعامل شريك المؤسسة بتحمل الخسارة أو نقص الربح الفعلي عن الربح الذي قررته دراسة الجدوى أو توقعه طرفا المشاركة وكان ذلك بعد تنضيض موجودات المشاركة والمحاسبة وعند قسمة الربح دون أن يكون هناك شرط سابق على شريك المؤسسة بالضمان.
والذي أراه أن تطوع شريك المؤسسة بالضمان في هذه الحالة لا يشكل مخالفة شرعية لأن لكل طرف أن يتطوع بدفع ماله إلى غيره، وفي نظري أن هذه الحالة لا تشكل ضماناً بالمعني الفني الدقيق ولكنها تعد تبرعاً محضاً يأخذ أحكام التبرع.
وثانيهما: حالة ما إذا خلا عقد المشاركة من شرط الضمان على شريك المؤسسة ثم طاع شريك المؤسسة بالضمان بأن اشترطه على نفسه من طرف واحد، أو اتفق عليه مع المؤسسة بمحض إرادته، وقد أجازه بعض المالكية وهو ما تقبله مبادئ بعض المذاهب الأخرى إذ أن الممنوع شرعاً هو اشتمال عقد المشاركة (مضاربة أو شركة أو وكالة استثمار) على شرط ينافي مقتضاه، وهو ضمان شريك المؤسسة والذي أراه هو جواز هذا التطوع ويعد لازماً لشريك المؤسسة حسب مذهب المالكية بأن التبرع أو التطوع يلزم بالقول.
جاء في التاج والإكليل - (8 / 252)
( وَلَهُ التَّبَرُّعُ وَالسَّلَفُ وَالْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ : لَوْ صَحَّ عَقْدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فِي الْمَالِ ثُمَّ تَطَوَّعَ الَّذِي لَهُ الْأَقَلُّ بِعَمَلٍ فِي الْجَمِيعِ جَازَ وَلَا أَجْرَ لَهُ ...ابْنُ الْحَاجِبِ : وَلَوْ تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَجَائِزٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَفَهُ أَوْ وَهَبَهُ . ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : يَعْنِي أَنَّ اخْتِلَافَ نِسْبَةِ الرِّبْحِ وَالْعَمَلِ مَعَ رَأْسِ الْمَالِ إنَّمَا يُفْسِدُ الشَّرِكَةَ إنْ كَانَ شَرْطًا فِي عَقْدِهَا ، وَلَوْ تَبَرَّعَ بِهِ أَحَدُهُمَا بَعْدَهُ جَازَ ، اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ تَعَقَّبَ هَذَا ، /97 وَانْظُرْ أَوَّلَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الشَّرِكَةِ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ /97 فَإِنَّهُ يُرَشِّحُ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ .
وجاء فى حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - (14 / 31)
( قَوْلُهُ لَا بِقَيْدِ الشَّرْطِ ) أَيْ فَإِذَا تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي صُلْبِ عَقْدِ الشِّرْكَةِ بِآلَةٍ كَثِيرَةٍ لَهَا بَالٌ أَوْ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنَّ الشِّرْكَةَ تَكُونُ فَاسِدَةً ، وَأَمَّا إذَا تَطَوَّعَ أَحَدُهُمَا بِالْآلَةِ الْكَثِيرَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ بِمَنْعِهِ وَأَقَرَّهُ أَبُو الْحَسَنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شِرْكَةَ الْأَبَدَانِ لَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ، أَمَّا عَلَى أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ فَيَجُوزُ وَاسْتَظْهَرَهُ ح اُنْظُرْ بْن .وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - (15 / 232)
( قَوْلُهُ أَيْ شُرِطَ فِيهِ عَلَى الْعَامِلِ ) أَيْ ، وَأَمَّا لَوْ تَطَوَّعَ الْعَامِلُ بِالضَّمَانِ فَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ الْقِرَاضِ وَعَدَمِهَا خِلَافٌ.
وجاء فى شرح خليل للخرشي - (19 / 296)
( قَوْلُهُ أَوْ ضَمِنَ ) هَذَا حَيْثُ اشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ وَأَمَّا لَوْ تَطَوَّعَ بِهِ الْعَامِلُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَفِي صِحَّةِ الْقِرَاضِ وَفَسَادِهِ قَوْلَانِ.
وقد يعترض بعض فقهاء العصر على شرعية هذا التطوع ويرونه غير صحيح وغير ملزم سداً لذريعة التواطؤ بين المؤسسة وشريكها، وهذا مردود عليه في نظري لأن الحقيقة أن عقد المشاركة قد وقع فعلاً قبل التطوع بالضمان وكان بوسع شريك المؤسسة عدم التطوع، ما لم يثبت أن هناك إكراهاً قد مورس على إرادة الشريك حتى يتطوع بالضمان بعد الدخول في عقد المشاركة.
وقد وافق مجلس المعايير الشرعية على أن الوكيل أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط أو مخالفة شروط الوكالة، ومع ذلك نص المعيار على جواز أن يضمن أو يكفل الوكيل من يتعامل معهم في الديون التي تترتب على هذه المعاملة إذا كانت هذه الكفالة بورقة مستقلة وليست شرطاً فى عقد الوكالة.
وجاء في معيار الشركة أنه لا يجوز شرط مبلغ محدد للشريك في شركة العقد، لأنه شرط يقطع الشركة في الربح، ومع ذلك جاز تعيين الشريك للقيام بعمل للشركة كالمحاسبة بأجرة معلومة إذا كان ذلك بعقد إجارة أو عمل مستقل عن عقد المشاركة.
وهكذا فإن احترام حرية المكلف تقتضي أن العقد الذي دخل فيه دون شرط لا تجيز الشريعة اقتران العقد به، يجوز له بعد التوقيع على هذا العقد خالياً من الشرط أن يطوع بهذا الشرط بعد ذلك إذ المانع هو اقتران العقد بالشرط لأنه يخل بالتعادل الذي قرره الشرع للعقود وما يترتب عليها من آثار هي حقوق وواجبات، والضابط في ذلك يجب أن يكون دائما هو حرية واستقلال الإرادة.
ومذهب الشافعية هو الاعتماد في تفسير العقود على الظاهر الذي كلفنا الله به دون القصود التي لا اطلاع لنا عليها لأنها تركت للحكم عليها في الدار الآخرة، لأننا نكلف بالمقدور وهو الظاهر ولا نكلف بما هو مستور في القلوب والضمائر، ولذلك حكم الشافعي بصحة بيع العنب لصاحب مصنع خمور وبيع السيف في زمن الفتنة إذا لم يذكر الغرض والهدف الباعث على التعاقد وهو استعمال العنب والسيف في صلب العقد نفسه، وحتى إذا كانت هناك قرائن على هذا القصد إلا أن هذه القرائن لا تعد ركنا ولا شرطاً في هذا العقد يحكم عليه بالبطلان بسبب اقترانه بها.
وقد وردت عنه فى بيع السيف لمن تدل القرائن على أنه يقتل به عبارات مثل: وقد لا يقتل مشتري السيف به أحداً وقد يموت أو يتوب قبل أن يستخدم السيف في القتل. وكان هذا المذهب يفرق بين الحكم الشرعي ديانة و الحكم قضاء فقد يحرم الأمر أو يجب ديانة لا قضاء، وحكم الديانة يحاسب الله عليه يوم القيامة، وحكم القضاء يطبق في الدنيا عند النزاع. وقد نحى هذا المنحى بعض المذاهب الأخرى كالمالكية. فقد أجاز المالكية أن يتطوع المدين بالرهن بعد العقد الذي أنشأ الدين، بل وقبل أن ينشأ الدين أصلاً، فقد قال الشيخ خليل في مختصره: (وارتهن إن أقرض) أي أنه يجوز الرهن في دين احتمالي مستقبل، معلوماً محدداً مقداره أو حتى غير معلوم، وهم أصحاب مبدأ لزوم التبرع بالقول كما تقدم، ولذلك جاز عند بعضهم التطوع بالضمان في عقود المشاركات بعد الدخول فيها على النحو المتقدم.
 شرط ضمان الشريك في عقد المشاركة:
بل إن المالكية قد اختلفوا في شرط الضمان على شريك المؤسسة في صلب عقد المشاركة (شركة أو مضاربة أو وكالة) فالراجح الصحيح عندهم أنه شرط ينافي مقتضى العقد فلا يجوز اشتراطه، ويبطل الشرط دون العقد عند جمهورهم .
وتفصيل ذلك أن شرط عدم الضمان على الشريك في الحالات التي يثبت فيها الضمان، كضمان ما يغاب عليه جائز عند بعضهم لأنه بر وتطوع وليس منافياً لمقتضى العقد عند هذا البعض، وخالف الجمهور فلم يجيزوه باعتبار أنه شرط ينافي مقتضى العقد، وأما شرط الضمان على الشريك (في المضاربة أو الشركة أو الوكالة) حيث لا يجب الضمان مثل عدم ضمان ما لا يغاب عليه عندهم فقد منعه جمهورهم وأجازه بعضهم فالمانعون اعتبروه شرطاً ينافي مقتضى العقد، والمجيزون لم يعتبروه كذلك.
فقد جاء في الشرح الكبير للشيخ الدردير: (وضمن) المستعير (المغيب عليه) أي ما يغاب عليه وهو ما يمكن إخفاؤه كالثياب والحلي بخلاف الحيوان والعقار، وأما السفينة فإن كانت سائرة فمما يغاب عليه وإن كانت بالمرسى فمما لا يغاب عليه، وإذا وجب الضمان فإنما يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية على ما ينقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه لقد ضاعت ضياعا لا يقدر على ردها لأنه يتهم على أخذها بقيمتها من غير رضا صاحبها (إلا لبينة) على تلفه أو ضياعه بلا سببه فلا يضمنه خلافا لاشهب القائل بالضمان (وهل) ضمان ما يغاب عليه (وإن شرط) المستعير (نفيه) عن نفسه لان الشرط يزيده تهمة و لأنه من إسقاط حق قبل وجوبه فلا يعتبر، أو لا يضمن لأنه معروف من وجهين، العارية معروف وإسقاط الضمان معروف آخر، ولان المؤمن عند شرطه (تردد) في النقل عن المتقدمين (لا غيره) أي لا غير المغيب عليه فلا يضمنه المستعير (ولو بشرط) عليه من المعير وإذا لم يضمن الحيوان ضمن لجامه وسرجه ونحوهما وإنما جرى قول مرجح في العمل بالشرط فيما يغاب عليه دون غيره لان الشرط في الاول من المعروف دون الثاني (وحلف) المستعير (فيما علم أنه بلا سببه كسوس) في خشب أو طعام وقرض فأر وحرق نار (أنه ما فرط)[28].
و جاء فى كتاب فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك: وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَا إذَا شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ . و َفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ و َفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ إنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ حَاشَا مُطَرِّفًا , فَإِنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْهِ لِأَمْرٍ خَافَهُ مِنْ طَرِيقٍ مَخُوفٍ , أَوْ نَهْرٍ , أَوْ لُصُوصٍ , أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَالشَّرْطُ لَازِمٌ إنْ عَطِبَتْ فِي الْأَمْرِ الَّذِي خَافَهُ وَاشْتَرَطَ الضَّمَانَ مِنْ أَجْلِهِ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ ا هـ . وَقَالَ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ : وَإِنْ اسْتَعَرْت مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْك لَمْ تَضْمَنْهَا ا هـ  (2 / 425).
ويبقى أن نذكر كلمة عما قد يتبادر إلى الذهن من معاني ما يسمى بالضمان الأخلاقي أو الأدبي، إن هذا الضمان ليس عقدياً، لا شرطاً في العقد ولا شرطاً تاليا له واجب النفاذ، بل إنه يتعلق بأخلاق شريك المؤسسة والتزامه الأدبي نحوها، وهذا يقرب مما ذكرناه من الواجب الديني لأن الأخلاق جزء من الدين، ولا مانع من أن يضمن شريك المؤسسة للمؤسسة كل خسارة تحدث أو حتى ربحا متوقعا لم يتحقق طالما أنه ليس ملزماً بشرط مقترن بالعقد ولا بتعهد حر بعده، وبعبارة أخرى فإن هذا التطوع جائز شرعاً وهو على حد قول بعض المالكية بر ومعروف وفضل يدخل تحت قوله تعالى : وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وصيغة هذا الواجب الأخلاقي أو الأدبي أنه متروك لتقدير شريك المؤسسة ومدى تقديره لظروف الحال فقد يتأكد لديه أن ضرراً ما قد وقع على المؤسسة وأن الواجب الأخلاقي يقتضي منه المساهمة في تعويض المؤسسة عن هذا الضرر الذي لحق بها ولو لم يلزمه عقد المشاركة بذلك، فهذا الضمان متروك لضمير الكلف حسب ما يظهر له من جميع ظروف المعاملة وما تقتضيه العدالة في التعامل.
الآليات المشروعة التي تحقق الحماية والأمان للمؤسسة في المشاركات
هناك طرق كثيرة تحقق الحماية والأمان في المشاركات وتقلل مخاطرها إلى الحد الأدنى من المخاطر المطلوب لمشروعية المشاركة، والذي يدل عليه مبدأ الغنم بالغرم والخراج بالضمان، وهذه الآليات تتخذ على مراحل:
1-       مرحلة التعاقد والدخول مع المتعامل في المشاركة وفيها يجب أن يتضمن العقد بندا ينص على أن المتعامل قد قدم دراسة جدوى معتمدة على دراسة سوقية وعلى خبراته السابقة وأنه مسئول عن نتائج هذه الدراسة. كما يجب النص على وجوب إمساك حسابات منتظمة وأن للمؤسسة حق الاطلاع والتدقيق على هذه الحسابات.
2-       مرحلة ممارسة النشاط، يمكن تعيين مندوب عن المؤسسة في مجلس إدارة الشريك أو الوكيل، كما يمكن طلب بيانات ومعلومات والتدقيق على الحسابات إذا نص على ذلك كله في عقد المشاركة.
3-       الاحتياطيات، يجب عمل احتياطيات تخصم من أرباح المشاركات (المضاربة والوكالة في الاستثمار والشركة) حتى إذا ما قلت الأرباح المتحققة عن الأرباح المتوقعة أمكن أخذ بعض المبالغ من هذا الحساب لضمها للأرباح الموزعة وبذلك تستطيع المؤسسة أن تحسب وتوزع أرباح المشاركات على نفس النسق الذي تفعله مع عقود التمويل التي يتحدد فيها الربح عند توقيع العقد.

والحمد لله رب العالمين....

د.حسين حامد حسان
رئيس الهيئة الشرعية الموحدة للمؤسسات المالية الإسلامية
       في دولة الإمارات العربية المتحدة

تعليقات