القائمة الرئيسية

الصفحات

الكفارات في حوادث السيارات

الكفارات في حوادث السيارات

الكفارات في حوادث السيارات




الكفارات في حوادث السيارات





إعداد:
الدكتور / فيصل بن عبدالعزيز اليوسف
عضو هيئة التدريس بقسم العلوم الشرعية
بكلية الملك فهد الأمنية



 
مقدمة: 
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على من أرسل رحمة للعالمين, نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد: 
فلقد حرصت الشريعة الإسلامية على حماية الإنسان وصيانته, من كل ما قد يلحق به ضرراً بأي وجه من الوجوه, ووضعت الوسائل الكفيلة لتحقيق ذلك الغرض. 
ولقد تضمنت تشريعات هذا الدين وجوب المحافظة على الضروريات الخمس التي جاءت جميع الشرائع السماوية بالمحافظة عليها وهي: حفظ الدين, والنفس, والعرض، والعقل، والمال. واعتبرت الاعتداء على أي منها تهاوناً بمقومات البشرية، وعوامل استمرارها وبقائها, وجريمة تستحق العقاب في الدنيا والآخرة, وذلك ليتآزر على المحافظة عليها وصيانتها, وازع الدين ووازع السلطان, ولما كان قتل النفس المعصومة من أشد أنواع الاعتداء, فقد أولته الشريعة عناية خاصة، تتناسب مع ما يترتب عليه من المفاسد, وأوجبت على القاتل عقوبات بدنية ومالية، تختلف باختلاف طبيعة القتل وحالة القاتل والمقتول.  ومن بين تلك العقوبات التي تفرض على القاتل الكفارة.
أهمية البحث: 
لموضوع "الكفارات في حوادث السيارات" أهمية وفائدة كبيرة تظهر من أوجه أبرزها:
أن هذا الموضوع مما يحتاج إليه الناس, وتعم به البلوى, فبرزت الحاجة لبيان أحكامه, خاصة مع كثرة حوادث السيارات التي تتسع لأعداد كبيرة من الركاب.
أن موضوع حوادث السيارات وما يترتب عليها من دية وكفارة أو ضمان, من الموضوعات الفقهية التي تحتاج إلى دراسة وبحث دقيق في نوازلها, وذلك بالنظر إلى الظروف المعاصرة التي تنوعت فيها صور الحوادث, وكثرت واقعاتها, للتوسع في استخدام الوسائل الجديدة السريعة السير, فأضحت واقعاً مشكلاً أمام القضاء, وإحدى نوازل العصر الملحة التي تحتاج إلى بيان رأى الشرع في أحكامها ومستجداتها.
تساهل كثير من الناس بأمر كفارة القتل, نتيجة جهل بعضهم بأحكامها، وعدم مبالاة البعض الآخر بها. 
من خلال ما سبق وغيره يتضح أن هذا الموضوع جدير بالبحث والدراسة, ولذا عنَّ في ذهني منذ فترة الكتابة في هذا الموضوع، وجمع شتاته, آملاً في أن أضيف للمكتبة الشرعية ما أرجو أن ينتفع به القضاة، وطلبة العلم، ورجال الأمن وغيرهم.
أسئلة البحث: 
سوف أحاول من خلال هذا البحث الإجابة على عدة تساؤلات هامة في الموضوع منها: 
ما المراد بالكفارة، وعلى من تجب، وما وقت وجوبها؟
من الذي تجب الكفارة بقتله؟
إذا قرر رجال المرور المباشرين للحادث مشاركة السائقين في الحادث، وتوزيع نسبة الخطأ بينهم, فهل يلزم على كل منهم كفارة، أو أنه يجب عليهم كفارة واحدة؟ 
إذا وقع حادث لسيارة وترتب عليه وفاة عدد كبير من الركاب، فهل يجب على السائق كفارات بعدد القتلى، أم أنه يكتفي بكفارة واحدة؟
إذا تعذر التكفير بالعتق لانعدام الرق كما في وقتنا الحاضر فهل يجوز تقدير قيمة الرقبة ومن تم التصدق بتلك القيمة أم لا يجوز؟ 
كيف يكون التتابع في صيام الكفارة، وما الذي يقطعه؟ 
إذا عجز المكفر عن الصيام فهل ينتقل للإطعام أم لا؟ 

منهج البحث: 

اتبعت في بحثي المنهج التالي: 
الأخذ بمسلك الجمع والترتيب بين أقوال العلماء وأدلتهم، مع الاعتماد على المراجع الأصيلة لكل مذهب من المذاهب الأربعة, فلا أنقل قولاً لمذهب معين إلا من كتب فقهاء المذهب نفسه، وقد أعزو في المسألة الواحدة إلى أكثر من كتاب في المذهب الواحد، للوفاء بتمام المسألة المبحوثة، كما رجعت لبعض المراجع الحديثة لمقتضيات طبيعة البحث. 
سلكت في عرض الأقوال عند الاختلاف تقديم القول الراجح على القول المرجوح. 
ترتيب أقوال الأئمة الأربعة إذا اتفقت أو بعضها في حكم واحد ترتيباً زمنياً. 
ذكرت عقب كل قول ما وقفت عليه من أدلة، مع بيان أوجه الدلالة من الأدلة إذا احتاج الأمر إلى ذلك. 
مناقشة أدلة القول أو الأقوال المرجوحة، وبيان القول الراجح حسب ما ظهر لي من الأدلة.
عزو الآيات إلى سورها مع بيان رقم الآية. 
تخريج الأحاديث من مصادرها الأصيلة حسب ما وقفت عليه، وما كان في الصحيحين أو في أحدهما اقتصرت عليه، مع بيان درجة ما ليس في الصحيحين أو أحدهما معتمداً على ما كتبه المتخصصون من أهل الحديث. 
خطة البحث: 
انتظمت خطة البحث في مقدمة وأربعة مباحث وخاتمة وفق التقسيم المنهجي التالي: 
المبحث الأول: التعريف بالكفارات وأنواعها ومشروعيتها، وفيه مطلبان: 
المطلب الأول: التعريف بالكفارة وفيه فرعان: 
الفرع الأول: تعريف الكفارة لغة. 
الفرع الثاني: تعريف الكفارة شرعاً. 
المطلب الثاني: أنواع الكفارات ومشروعيتها وفيه فرعان: 
الفرع الأول: أنواع الكفارات بحسب سبب وجوبها. 
الفرع الثاني: أنواع الكفارات بحسب كيفية وجوبها. 
المبحث الثاني: من تجب عليه كفارة القتل، وفيه ثمانية مطالب: 
المطلب الأول: العامد. 
المطلب الثاني: القاتل في شبه العمد. 
المطلب الثالث: المخطئ . 
المطلب الرابع: المتسبب. 
المطلب الخامس: قاتل نفسه .
المطلب السادس: الصغير والمجنون .
المطلب السابع: الكافر . 
المطلب الثامن: السكران . 
المبحث الثالث: من تجب الكفارة بقتله، وفيه ثلاثة مطالب: 
المطلب الأول: المؤمن. 
المطلب الثاني: الكافر. 
المطلب الثالث: الجنين. 
المبحث الرابع: كفارة القتل، وفيه ثلاثة مطالب: 
المطلب الأول: خصال الكفارة، وفيه ثلاثة فروع: 
الفرع الأول: العتق.
الفرع الثاني: الصيام.
الفرع الثالث: الإطعام.
المطلب الثاني: تعدد الكفارات، وفيه فرعان: 
الفرع الأول: تعدد القاتلين. 
الفرع الثاني: تعدد المقتولين. 
المطلب الثالث: وقت وجوب الكفارة ومن يتحملها.
           الخاتمة: وتتضمن خلاصة البحث وأهم نتائجه وتوصياته: 
وهاهو البحث الذي لم آلُ جهداً في إعداده، مع علمي بأني لم أوف البحث ما يستحق من دراسة وتمحيص؛ إذ الكمال لله وحده، وحسبي أني بذلت جهدي، ووقتي، أسأل الله أن يغفر لي زلتي وهفوة قلمي.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.


المبحث الأول: التعريف بالكفارات وأنواعها ومشروعيتها وفيه مطلبان:


المطلب الأول: التعريف بالكفارة وفيه فرعان: 
الفرع الأول: تعريف الكفارة لغة.
الفرع الثاني: تعريف الكفارة شرعاً. 

المطلب الثاني: أنواع الكفارات ومشروعيتها وفيه فرعان: 
الفرع الأول: أنواع الكفارات بحسب سبب وجوبها. 
الفرع الثاني: أنواع الكفارات بحسب كيفية وجوبها. 

 
المطلب الأول: التعريف بالكفارة وفيه فرعان: 
الفرع الأول: تعريف الكفارة لغة. 
الفرع الثاني: تعريف الكفارة شرعاً. 
الفرع الأول: تعريف الكفارة لغة: 
الكَفَّارة لغة: مشتقة من (كَفَّرَ) بمعنى غطى وستر, والكُفْرُ ضد الإيمان. والكُفْرُ أيضاً: جحود النعمة، وهو ضد الشكر. 
والكَفْرُ بالفتح التغطية. وقد كَفَرْتُ الشيء أَكْفِرُهُ بالكسر كفراً أي سترته. والكافِرُ: الليل المظلمُ، لأنه سَتَر كل شيء بظلمته. والكافِرُ: الزارع؛ لأنه يغطى البذر بالتراب. والكَفَّارة: ما كُفِّرَ به من صدقة أو صوم أو نحو ذلك؛ قال بعضهم: كأنه غُطِّى عليه بالكفَّارة. وتكفير اليمين: فعل ما يجب بالحنث فيها. والاسم الكفارة. وسميت الكفَّاراتُ كفاراتٍ لأنها تكَفِّرُ الذنوب أي تسترها، مثل كفارة الأيمان، وكفارة الظهار، والقتل الخطأ، وقد بينها الله تعالى في كتابه وأمر بها عباده. ( ) ، ومن المعاني السابقة نستنتج أن الكفارة في اللغة تدل على أمرين: أحدهما: تغطية المعصية وسترها ومحو أثرها. والثاني: ما يؤديه المكفِّر مما أوجبه الله عليه من العتق أو الصيام أو الإطعام.
الفرع الثاني : تعريف الكفارة شرعاً: 
من خلال المعنيين السابقين للكفارة في اللغة جاء المعنى الشرعي لها فقد عرفها الكاساني بقوله: (الكفارة في عرف الشرع اسم للواجب.)( ) أي ما أوجبه الله تعالى على من أتى شيئاً منهياً عنه, أو قصر في مأمور به. 
وبذا يمكن تعريف الكفارة شرعاً بأنها: ما أوجب الشرع فعله بسبب حنث في يمين أو ظهار أو إيلاء، أو حلق من أذى أو غيره، أو تمحيصاً وتطهيراً من ذنب كالقتل.( ) وقيل هي: (عتق، أو صيام، أو إطعام، يلزم من فعل ما يستوجبها، أو أتى ما يستوجبها)( ) وهي تعريفات متقاربة.
وأما كفارة القتل (فهي عتق، أو صيام، يلزم من تسبب في قتل معصوم) ( ).
 
المطلب الثاني: أنواع الكفارات وفيه فرعان : 
     الفرع الأول: أنواع الكفارت بحسب سبب وجوبها: 
شُرعت الكفارات بالكتاب والسنة والإجماع؛ لما لها من أهمية، رحمةً من الله بعباده، ولطفاً بهم، لتكفير خطاياهم في الدنيا، وستر ذنوبهم، عند وجود سببها، وقد أشار الكاساني لهذه الكفارات بقوله: (والكفارات المعهودة في الشرع خمسة أنواع: كفارة اليمين، وكفارة الحلق، وكفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة الإفطار، والكل واجبة، إلا أن أربعة منها عرف وجوبها بالكتاب العزيز، وواحدة منها عرف وجوبها بالسنة) ( ). 
وأما كفارة الإفطار بسبب الجماع في نهار رمضان فقد وردت في السنة وهو ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "بينما نحن جلوسٌ عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجلٌ فقال يا رسول الله: هلكتُ قال: مالك قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  هل تجد رقبةً تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا، قال: فمكث عند النبي - صلى الله عليهوسلم  - فبينا نحن على ذلك أُتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بِعَرقٍ فيه تمر - والعرق المِكْتَل - قال أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خذها فتصدق به، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله فوالله ما بين لا بتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك".( ).
وهناك كفارات أخرى تلحق بهذه الأنواع الرئيسة المعهودة؛ ككفارة النذر، وكفارة الإيلاء، وكفارة وطء الحائض والنفساء، وكفارات محظورات الإحرام، والمحرم، وكفارة المجلس، وكفارة البصاق في المسجد، وكفارات الذنوب والخطايا بالعبادات والطاعات، وكفارة من نام عن صلاة أو نسيها. وسأكتفي بتلك الإشارة للكفارات دون التفصيل لكونها  خارج موضوع البحث( ).
الفرع الثاني: أنواع الكفارات بحسب كيفية وجوبها: 
لوجوب الكفارات ثلاث كيفيات: 
أحدها: ما يكون وجوبها على التعيين مطلقاً؛ ومثالها كفارة القتل، والظهار، والإفطار؛ لأن الواجب في كفارة القتل التحرير على التعيين، فإن لم يجد رقبة يعتقها، أو عجز عن ذلك لإعسار أو ما شابهه تعين عليه صيام شهرين متتابعين. 
والواجب في كفارة الظهار والإفطار مثل ذلك وزيادة الإطعام إذا لم يستطع الصيام وقد سبقت الأدلة على ذلك( ). 
الثالثة: ما يكون وجوبها على التخيير في حال، والتعيين في حال؛ ومثالها كفارة الأيمان وما يلحق بها من كفارة النذر، أو كفارة الإيلاء، فهي على سبيل التخيير بين ثلاثة أمور هي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يستطيع القيام بواحدة من هذه الثلاثة، فعندها يتعين عليه على سبيل الإلزام صيام ثلاثة أيام. ( ).


المبحث الثاني: من تجب عليه كفارة القتل

 وفيه ثمانية مطالب: 

المطلب الأول: العامد.
المطلب الثاني: القاتل في شبه العمد .
المطلب الثالث: المخطئ .
المطلب الرابع: المتسبب. 
المطلب الخامس: قاتل نفسه. 
المطلب السادس: الصغير والمجنون.
المطلب السابع: الكافر . 
المطلب الثامن: السكران . 


 
المطلب الأول: العامد:
عرف الفقهاء القتل العمد بتعريفات متعددة، فعند الإمام أبي حنيفة العمد هو: أن يقصد القتل بحديد له حد أو طعن كالسيف والسكين والرمح وما أشبه ذلك، أو ما يعمل عمل هذه الأشياء في الجرح والطعن، كالنار والزجاج. ( ). 
وعند جمهور الفقهاء العمد هو: أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً، فيقتله بما يغلب على الظن موته به. ( ).
من خلال ما سبق يثور تساؤل مضمونه: هل يتصور تحقق القتل العمد في حوادث السيارات؟ بتأمل ما عَرَّف به جمهور الفقهاء القتل العمد نجد أنهم ذكروا أن العمد يتحقق بقصد الفعل وقصد النتيجة؛ وحيث إن قصد النتيجة أمر خفي لا اطلاع لأحد عليه، فقد جعل الفقهاء الآلة معياراً ودليلاً على قصد القتل، فلا حاجة إلى التعرف حينئذٍ على إرادته الباطنة هل قصد القتل بذلك أم لا؟ خاصة وأن الآلة التي تقتل غالباً لا تستعمل عادة في الضرب إلا بقصد القتل، فكانت دليلاً ظاهراً على إرادته القتل( ). والسيارات من الصناعات الحادثة التي لم تكن موجودة في الزمن السابق فهي من النوازل الحادثة لكن بالنظر لصور القتل العمد التي ذكرها الحنابلة يمكن أن ندرج السيارات ضمن القسم الثاني من أقسام القتل العمد جاء في الكافـي (القسم الثاني: 
 -أي من صور القتل العمد - ضربه بمثقل كبير يقتل مثله غالباً، سواء كان من حديد أو خشب أو حجر، أو ألقى عليه حائطاً، أو حجراً كبيراً أو رَضَّ رأسه بحجر....)( ) فتأخذ السيارات حكم القتل بالمثقل؛ فإذا تصادمت سيارتان، وكان ذلك من السائقين أو من أحدهما عمداً فهو عمد ممن تعمده؛ وقد ذكر الفقهاء في كتبهم أن العمد يتصور في حوادث المواصلات وآلات النقل والاصطدام في زمانهم فيقاس عليها ويستنبط منها حكم وسائل النقل من السيارات في زماننا جاء في الهداية: (وإذا اصطدم فارسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر. وقال زفر والشافعي- رحمهما الله -: يجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر... هذا الذي ذكرنا إذا كانا حرين في العمد والخطأ.)( ). 
وجاء في مجمع الأنهر: (وإن اصطدم فارسان خطأ أي ضرب أحدهما الآخر بنفسه، أو اصطدم ماشيان فماتا ضمن عاقلة كل واحد دية الآخر... لو كانا عامدين في الاصطدام يضمن كل واحد نصف الدية للآخر اتفاقاً)( ). 
وجاء في حاشية الدسوقي: (إذا تصادما قصداً - أي عمداً - فالقود مطلقاً، ولو بسفينتين على الراجح، بمعنى أنه إذا مات أحدهما فالقود على من بقي، وأما إذا ماتا معاً فلا قود ولاديه)( ).
وقال النووي: (إذا اصطدم حران ماشيان, فوقعا وماتا، فكل واحد مات بفعله وفعل صاحبه، فهو شريك في القتلين، ففعله هدر في حق نفسه مضمون في حق صاحبه.... ثم إن لم يقصدا الاصطدام بأن كانا أعميين، أو في ظلمة، أو مدبرين، أو غافلين فهو خطأ محض، فعلى عاقلة كل واحد نصف دية الآخر، وإن تعمدا الاصطدام فوجهان. أحدهما: أن الحاصل عمد محض ويجب في مال كل واحد نصف دية الآخرة... وأصحهما عند الأكثرين وهو نصه في الأم: أن الحاصل شبه عمد.)( ).
وقال البهوتي: (وإن اصطدما عمداً، ويقتل غالباً، فعمدٌ يلزم كلاًّ دية الآخر في ذمته فيتقاصان. وإلا فشبه عمد.)( ).
        وبناءً على ما سبق وبتخريج حوادث السيارات في وقتنا لكونها النوازل الحادثة على نظائرها من حوادث الوسائل القديمة يمكن القول إنه (إن تصادمت سيارتان، وكان ذلك من السائقين عمداً فإن ماتا فلا قصاص، لفوات المحل، وتجب دية كل منهما ودية من هلك معه من النفوس، وما تلف معه من السيارة والمتاع في مال صاحبه؛ بناءً على عدم اعتبار اعتدائه وفعله في نفسه ومن هلك معه، واعتبار ذلك بالنسبة لصاحبه ومن هلك أو تلف معه، أو يجب نصف دية كل منهما ونصف دية من هلك معه ونصف قيمة ما تلف معه في مال صاحبه؛ بناءً على اعتبار اعتدائه وفعله في حق نفسه وحق صاحبه، وإن مات أحدهما دون الآخر اقتص منه لمن مات بالصدمة؛ لأنها مما يغلب على الظن القتل به.)( )، وهل تجب الكفارة على القاتل عمداً؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: 
القول الأول: ذهب الحنفية( )، والمالكية( )، وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد( )، وبه قال الثوري وأبو ثور وابن المنذر( ) إلى عدم وجوب الكفارة في القتل العمد.
وقد استدلوا بأدلة منها: 
وجه الاستدلال: أن الله عزوجل - قسم القتل إلى قسمين:  قسم أوجب فيه الدية والكفارة، وقسم جعل الجزاء فيه جهنم وهو العمد، وظاهر ذلك أنه لا كفارة فيه؛ لأنه لو كانت الكفارة واجبة فيه لذكرها وبينها، فكان عدم ذكرها دليلاً على أنه لا كفارة فيه ( ).
الدليل الثاني: من القياس ووجهه أن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة، فلابد من أن يكون سببها أيضاً دائراً بين الحظر والإباحة، لتعلق العبادة بالمباح، والعقوبة بالمحظور، وقتل العمد كبيرة محضة، وما كان كبيرة محضة لا يكون سبباً لشيء فيه معنى العبادة، فلا تناط به، والكفارة كسائر الكبائر مثل الزنا والسرقة والربا واليمين الغموس( ).
الدليل الثالث: أن القتل العمد فعل يوجب القتل، فلا يوجب كفارة كزنا المحصن( ).
الدليل الرابع: أن الكفارة لو وجبت في العمد لمحت عقوبته في الآخرة؛ لأنها شرعت لستر الذنب، وعقوبة القاتل المتعمد ثابتة بالنص لا تمحى بها، فوجب أن لا تجب الكفارة فيه( ).
القول الثاني: ذهب الشافعية( ) وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -( ) إلى وجوب الكفارة في القتل العمد. 
وقد استدلوا بأدلة منها: 
الدليل الأول: ما روى واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في صاحب لنا أوجب - يعني النار - بالقتل فقال: "أعتقوا عنه، يعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار"( ).
وجه الاستدلال: أن الرسول – صلى الله عليه وسلم-  أمرهم أن يعتقوا رقبة عن هذا القاتل الذي استحق النار بالقتل, واستحقاقه للنار لا يكون إلا بالقتل العمد، فدل على إيجاب الكفارة في القتل العمد( ).
الدليل الثاني من القياس: أن الكفارة إذا وجبت في قتل الخطأ مع عدم المأثم، فلأن تجب في العمد من باب أولى؛ لأنه أعظم إثماً، وأكبر جرماً، وحاجته إلى تكفير ذنبه أعظم( ).
الترجيح: الراجح - والله أعلم - هو القول الأول ويجاب عن أدلة أصحاب القول الثاني بما يلي: 
أولاً: استدلالهم بحديث واثلة بن الأسقع - رضي الله عنه - يجاب عنه بأنه حديث ضعيف كما ذكرنا عند تخريجه. وعلى فرض صحته فقد أجاب عنه ابن قدامة بقوله: (وحديث واثلة، يحتمل أنَّه كان خطأً وسماه موجباً، أي فوَّت النفس بالقتل. ويحتمل أنَّه كان شبه عمد. ويحتمل أنه أمرهم بالإعتاق تبرعاً، ولذلك أمر غير القاتل بالإعتاق.)( )، وقال الجصاص مناقشاً للحديث ما نصه: (قيل له روى ابن المبارك وهانئ بن عبدالرحمن بن أخي إبراهيم بن أبي عبلة هذا الحديث عن أبي عبلة فلم يذكر أنه أوجب بالقتل، وهؤلاء أثبت من ضمرة بن ربيعة، ومع ذلك لو ثبت الحديث على ما رواه ضمرة لم يدل على قول المخالف من وجوه: 
أحدها: أنه تأويل من الراوي في قوله: أوجب النار بالقتل؛ لأنه قال يعني بالقتل. 
والثاني: أنه لو أراد رقبة القتل لذكر رقبة مؤمنة فلما لم يشرط لهم الإيمان فيها دل على أنها ليست من كفارة القتل. وأيضاً فإنما أمرهم بأن يعتقوا عنه ولا خلاف أنه ليس عليهم عتقها عنه. وأيضاً فإن عتق الغير عن القتل لا يجزيه عن الكفارة).( )
ثانياً: أُجيب عن قياسهم إيجاب الكفارة في العمد على وجوبها في الخطأ من وجوه: 
أحدها: أن هذا قياس مع الفارق؛ لأن العمد فيه قصد، والخطأ لا قصد فيه، ومن شروط صحة القياس اتحاد المقيس والمقيس عليه في علة الحكم. 
الثاني: أنهم أوجبوا الكفارة في قتل العمد بطريق القياس، والكفارات لا تثبت بالقياس؛ لأنها عبادة مؤقتة أو عقوبة مقدرة. 
الثالث: أن الكفارة إنما وجبت في الخطأ؛ لمحو إثمه؛ لكونه لا يخلو من تفريط، فلا يلزم من ذلك إيجابها في موضع عَظُم الإثم فيه بحيث لا يرتفع بها. وأيضاً فإن الكفارة من المقادير، وتعينها في الشرع لدفع الأدنى- وهو الخطأ- لا يعينها لدفع الأعلى- وهو العمد- فإن سجود السهو يلزم الساهي ولا يلزم المتعمد( ).
         وبناءً على ما سبق فإن قائد السيارة ونحوها، لو تعمد القتل بالسيارة، أو الاصطدام الذي يقتل عادة فإنه لا تلزمه الكفارة؛ لقوة أدلة من قال بذلك، وعدم وجود ما يدفعها. قال ابن المنذر عند ترجيحه للقول بعدم وجوب الكفارة في القتل العمد (وكذلك نقول؛ لأن الكفارات عبادات، ولا يجوز التمثيل عليها. وليس لأحد أن يفرض فرضاً يلزمه عباد الله إلا بكتاب أو سنة أو إجماع. وليس مع من فرض على القاتل عمداً كفارة حجة من حيث ذكرت)( ).




المطلب الثاني: القاتل في شبه العمد: 

قبل ذكر تعريف القتل شبه العمد ننبه إلى أن المالكية لا يقولون بشبه العمد، وإنما يقولون القتل عمد أو خطأ. جاء في المدونة الكبرى (قال سحنون قلت لابن القاسم هل كان يعرف مالك شبه العمد في الجراحات، أو في قتل النفس؟ قال: قال مالك شبه العمد باطل وإنما هو عمد أو خطأ ولا أعرف شبه العمد.)( ) وقد عُرِّف القتل شبه العمد عند القائلين به بتعريفات فقال المرغيناني: (شبه العمد عند أبي حنيفة - رحمه الله - أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما أجري مجرى السلاح.)( ). 
وقال ابن قدامة في تعريفه: (هو أن يقصد إصابته بما لا يقتل غالباً فيقتله.)( )
وقد ذكر الفقهاء أن شبه العمد يتصور في حوادث الاصطدام في زمانهم, فيقاس عليه وسائل النقل في زماننا. قال الإمام الشافعي- رحمه الله- (واصطدام الرجلين عمداً وخطأً سواء إلا في المأثم، ولا قود في الصدمة، وهي خطأ عمد تحملها العاقلة...)( )، وقال البهوتي: (وإن اصطدما عمداً، ويقتل غالباً، فعمدٌ يلزم كلاً دية الآخر في ذمته فيتقاصان. وإلا فشبه عمد.)( ) ومن أمثلة شبه العمد في حوادث السيارات ما ذكره فضيلة الشيخ عبدالله بن جبرين - حفظه الله - في إجابة لسؤال وجه إليه مضمونه: (إذا تهور سائق في قيادته، وخالف الأنظمة فحصل له حادث ثم توفى على إثره فهل يعتبر منتحراً؟ فأجاب - وفقه الله - بقوله: "من التهور الإسراع الزائد عن القدر المعتاد، ومن التهور قطع الإشارة الموجودة في تقاطع الطرق، والتي وضعتها الدولة لتنظيم السير، ومن التهور كثرة التحرف والمسابقات في الشوارع المزدحمة، وما يسمى تفحيطاً تجاوزاً لمن أمامه، ونحو ذلك مما لا شك أنه مخاطرة وإلقاء بالأيدي إلى التهلكة، وأكثر ما يحدث من الوفيات بسبب هذه المهاترات، والمسابقات، والإسراع الجنوني الذي يؤدي إلى إزهاق الأرواح، وكثرة الحوادث، مما يذهب ضحيتها أنفس معصومة، فنقول: إن هذا التهور إذا حصل منه موت فهو ملحق بشبه العمد؛ مما تغلط فيه الدية، وينبغي أن تشدد العقوبة على أصحاب هذه الأفعال ويؤخذ على أيديهم، حتى لا يعبثوا بدماء المسلمين، ومتى توفى القائد في هذه الأحوال فقد أعان على قتل نفسه، لكن لا يُعْطَى حكم المنتحر الذي لا يصلى عليه الإمام ونحوه، ومع ذلك ينبغي أن يعلن عنه حتى يتجنب غيره تقليده في هذه الأفعال إذا علم سوء فعله، وترك الصلاة عليه من علم منه ذلك من باب الزجر والتحذير عن مثل هذا التهور الجنوني. والله أعلم ا.هـ) ( ).
ومن أمثلة حوادث السيارات التي تدخل ضمن شبه العمد أيضاً أن يقوم قائد إحدى السيارات بالانحراف بها متعمداً على سيارة أخرى فيؤدي إلى انقلابها أو ارتطامها بحائط أو عمود مما يؤدي لوفاة قائدها أو من معه من الركاب. 
إذا تقرر هذا فهل تجب الكفارة في القتل شبه العمد الناتج عن حوادث السيارات؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: 
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفية في ظاهر الرواية( ) والشافعية( ) والحنابلة في الصحيح من المذهب( ) إلى وجوب الكفارة في شبه العمد مستدلين بأدلة منها: 
الدليل الأول: أن شبه العمد ملحق بالخطأ في نفي القصاص، ووجوب الدية على العاقلة، وكونها مؤجلة في ثلاث سنين, فجرى مجراه في وجوب الكفارة كذلك. 
الدليل الثاني: أن عدم إيجاب الكفارة في شبه العمد يؤدي إلى أن لا يجب شيء على الجاني نتيجة لجنايته؛ إذ الدية فيه إنما تجب على العاقلة، وعدم إيجاب الكفارة في شبه العمد يجعله أدنى من الخطأ، ومثل هذا يصعب قبوله. وأيضاً فلو لم تجب عليه الكفارة لَحَملَ من الدية؛ لئلاَّ يخلو القاتل عن وجوب شيء, أصلاً، ولم يرد الشرع بهذا. ( ).
القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في رواية عنه( )، وبعض الحنفية وقد نسبوا هذا القول إلى أبي حنيفة في غير ظاهر الرواية( ) إلى عدم وجوب الكفارة في قتل شبه العمد محتجين بأن الإثم في شبه العمد كامل متناه, وتناهيه يمنع شرعية الكفارة؛ لأن ذلك من باب التخفيف.
الترجيح: بالنظر لأدلة كل قول يظهر - والله أعلم - أن القول الأول وهو وجوب الكفارة في شبه العمد هو الراجح؛ لقوة أدلتهم وسلامتها عن المعارضة، فإن القتل في شبه العمد خطأ، وإلا لوجب القصاص، وإذا كان خطأً فإن الآية أوجبت على من يقتل خطأ كفارة. وقد أجاب الزيلعي عن استدلال أصحاب القول الثاني بقوله: (وجوابه على الظاهر أن نقول إنه آثم إثم الضرب؛ لأنه قصده, لا إثم القتل؛ لأنه لم يقصده، وهذه الكفارة تجب بالقتل وهو فيه مخطئ، ولا تجب بالضرب، ألا ترى أنها لا تجب بالضرب بدون القتل, وبعكسه تجب فكذا عند اجتماعهما يضاف الوجوب إلى القتل دون الضرب.) ( ).
 
المطلب الثالث: المخطئ: 
القتل الخطأ عُرف بتعريفات متقاربة( ) قال ابن المنذر: (أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن القتل الخطأ أن يرمي الرامي شيئاً فيصيب غيره. ولا أعلمهم يختلفون فيه.)( ). وقال السرخسي: (وأما الخطأ فهو ما أصبت مما كنت تعمدت غيره.) ( ) فكل ما يصدر عن الإنسان بإرادته فيؤدي إلى الإضرار بإنسان أو بغيره ممن لم يرد وقوع الفعل به فهو خطأ.
وبالنظر لحوادث السيارات التي تحصل في وقتنا الحاضر نجد أن معظمها يندرج تحت الخطأ وهو ما قرره مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمرة الثامن المنعقد في بروناي دار السلام خلال الفترة 1 - 7 محرم 1414هـ الموافقة 21 - 27 يونيو 1993م حيث جاء من ضمن قراراته في "حوادث السير": (الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية, وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ، والسائق مسؤول عما يحدثه بالغير من أضرار, سواء في البدن أم المال, إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر، ولا يعفى من هذه المسؤولية إلا في الحالات التالية: 
أ ـ إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها، وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان. 
ب ـ إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة. 
جـ ـ إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسؤولية.)
         ومن الأمثلة لحوادث السيارات التي تندرج تحت الخطأ ما يكون بتعد من السائق كأن يُحمِّل السيارة حملاً يكون سبباً للحادث، أو يحاول أن يصعد بها ما في صعوده خطر، أو ينزل بها ما في نزوله خطر، أو يضرب على الفرامل بقوة لغير ضرورة فيحصل الحادث بذلك التعدي.
ومن الأمثلة أيضاً للخطأ في حوادث السيارات ما يكون بتفريط من السائق- والفرق بين التعدي والتفريط أن التعدي فعل ما لا يسوغ، والتفريط ترك ما يجب- فمن أمثلة ذلك أن يتهاون السائق في غلق 


الباب، أو في تعبئة العجلات، أو في شد مسترخ يحتاج إلى شدِّه فيحصل الحادث بهذا التهاون( ).
      

 
المطلب الرابع: المتسبب: 
القتل بالسبب هو: أن يفعل الإنسان فعلاً يؤدي إلى تلف إنسان أو غيره بواسطة، كما لو حفر بئراً، أو وضع حجراً في الطريق فتلف به إنسان أو غيره( ).
وبالنظر لتعريف القتل بالسبب، والصور التي ذكرها الفقهاء للقتل بالتسبب، نجد أن من حوادث السيارات ما يدخل تحت هذا القسم، ومن أمثلة ذلك أن تقوم إحدى الشركات كشركة الكهرباء، أو المياه مثلاً، أو أحد الأشخاص بحفر حفرة في الطريق، أو وضع حجر كبير، أو رمل في الطريق، ولا توضع الإشارات اللازمة للتحذير منها، فتقع فيها، أو تصطدم بها سيارة، ويموت قائدها، أو ركابها، أو يوقف شخص سيارته في موقف مخالف فتصطدم بها سيارة أخرى ويموت من فيها، ومنها أن يقود شخص سيارته في أحد الطرق السريعة, وهي غير مؤهلة للسير في مثل تلك الطرق، مما يسبب إرباكاً لبقية السيارات السالكة للطريق، وينتج عن ذلك حادث يودي بحياة قائد السيارة أو ركابها.
 ويدخل ضمن القتل بسبب في حوادث السيارات أيضاً تغيير اللافتات الإرشادية على الطرق العامة، كما تعمد إليه بعض عصابات قطاع الطرق فتوحى للسائقين بالالتفاف يمنياً أو يساراً تغريراً بهم فتحصل الحوادث( ).
ويتضح من خلال الأمثلة السابقة أن الفاعل أو الجاني يقوم بعمل غير مشروع، فيترتب على هذا العمل، آثار غير مقصودة، فحفر حفرة أو وضع حجر في الطريق عمل غير مشروع؛ لأن حق العامة في سلامة الطريق يمنع أن يحدث فيه مثل هذا العمل. فإذا أحدث شيئاً لا يحل له أن يحدثه كان مسؤولاً عن النتائج التي تترتب على فعله. وهذا مبنى على أصل ذكره الفقهاء وهو أن المرور  في طريق المسلمين مباح؛ ولكنه مقيد بشرط السلامة، لأنه يتصرف في حقه من وجه، وفي حق غيره من وجه، لكونه مشتركاً بين كل الناس؛ أما أنه يتصرف في حقه فلأن الإنسان لابد له من طريق يمشي فيه لترتيب مهماته، فالحجر عن ذلك حرج، والحرج مدفوع، وأما أنه يتصرف في حق غيره فلأن غيره فيه كهو في الاحتياج، فبالنظر إلى حقه يستدعى الإباحة مطلقاً، وبالنظر إلى حق غيره يستدعى الحجر مطلقاً، وبالنظر للحقين معاً يلزم القول بإباحة مقيدة بشرط السلامة عملاً بالوجهين، وليعتدل النظر من الجانبين، ثم إنما يتقيد بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز عنه، ولا يتقيد بها فيما لا يمكن التحرز عنه، لما فيه من المنع عن التصرف وسد بابه وهو مفتوح( ).
         إذا تقرر هذا فإذا تسبب شخص في وفاة شخص آخر نتيجة حادث سيارة فهل يلزمه كفارة؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: 
القول الأول: ذهب الشافعية( ) والحنابلة( ) إلى وجوب الكفارة على القاتل بالتسبب مستدلين بأدلة منها: 
وجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب الكفارة في القتل الخطأ دون تفرقة بين كون القتل قد وقع على سبيل المباشرة أو التسبب. والقاتل بالتسبب يعتبر قاتلاً، فكانت هذه الآية متناولة له( ).
الدليل الثاني: أن السبب كالمباشرة في إيجاب الضمان، فكان كالمباشرة في إيجاب الكفارة( ).
الدليل الثالث: أن فعل القاتل سبب لإتلاف الآدمي، يتعلق به ضمانه، فتعلقت به الكفارة، كما لو كان راكباً فأوطأ دابته إنساناً. ( ).
الدليل الربع: أن القتل بالتسبب ملحق بالقتل الخطأ في عدم وجوب القصاص، فيجري مجراه في وجوب الكفارة( ).
القول الثاني: ذهب الأحناف( ) والمالكية( ) إلى عدم وجوب الكفارة على القاتل بالتسبب محتجين. بقولهم: إن القاتل بالتسبب لم يقتل حقيقة، وإنما أُلحق بالقاتل بالخطأ في حق الضمان، فبقى في حق وجوب الكفارة على الأصل، والكفارة جزاء مباشرة القتل، فلا تجب بالتسبب( ).
الترجيح: الراجح - والله أعلم - هو القول الأول وهو وجوب الكفارة على القاتل بالتسبب؛ لقوة أدلته، ولأن عدم إيجاب الكفارة على المتسبب في القتل يؤدي إلى أن لا يجب عليه شيء بالكلية؛ إذ الدية في القتل الموجب للكفارة إنما تجب على العاقلة. ويمكن أن يجاب عن استدلال أصحاب القول الثاني بأن قولهم: إن المتسبب لم يقتل حقيقة غير مسلم، إذ إن ما صدر عنه كان سبباً لموت القتيل، ولذا يسمى قاتلاً في اللغة وفي الشرع، ففعله أوصل للقتل، فهو كمن وضع شبكة للصيد يقال له صائد ولو ترك الشبكة وذهب إلى أقصى المشرق أو المغرب ( ).

 

المطلب الخامس: قاتل نفسه: 

قد يقتل الإنسان نفسه متعمداً بالسيارة، بأن يهوى بها من جبل، أو يتعمد ما يؤدي لانقلابها، أو يصطدم بحاجز خرساني، قاصداً قتل نفسه وهو المعروف بالانتحار، فإذا فعل الإنسان ذلك لم تجب عليه كفارة على الرأي الراجح وقد سبق تفصيل ذلك في المطلب الأول من هذا المبحث( ) . 
لكن الكلام عن قتل الإنسان نفسه خطأً في حوادث السيارات وهو أمر كثير الحدوث، فلو انقلبت السيارة، أو اصطدمت بسيارة أخرى، نتيجة لتعدى السائق أو تفريطه، ومات فهل تجب عليه الكفارة في ماله؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: 
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفية( )، والمالكية( )، والشافعية في وجه( )،  والحنابلة في رواية( ) إلى عدم وجوب الكفارة على من قتل نفسه خطأً مستدلين بأدلة منها: 
الدليل الأول: ما أخرجه البخاري عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال: "خرجنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم- إلى خيبر....، فلما تصافَّ القوم كان سيف عامر بن الأكوع قصيراً، فتناول به ساق يهودي ليضربه، ويرجع ذبابة سيفه، فأصاب عين ركبة عامر،  فمات منه، قال: فلما قفلوا، قال سلمة: رآني رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فقال مالك؟ قلت: فداك أبي وأمي، زعموا أن عامراً حبط عمله، قال النبي – صلى الله عليه وسلم-  كذب من قاله، إن له لأجرين وجمع بين أصبعيه إنه لجاهد مجاهدٌ، قَلَّ عربي مشى بها مثله"( ). 
قال ابن حجر في شرحه للحديث: (قال الجمهور لا يجب في ذلك - أي قتل الإنسان نفسه - شيء، وقصة عامر هذه حجة لهم؛ إذ لم ينقل أن النبي – صلى الله عليه وسلم- أوجب في هذه القصة له شيئاً، ولو وجب لبينها، إذا لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة) ( ).
الدليل الثاني: أن القاتل لا يجب عليه ضمان نفسه فلم تجب عليه الكفارة، وأيضاً فإن الإنسان لو قطع 
طرفاً من أطرافه عمداً أو خطأً لا يجب عليه شيء، فكذا إذا قتل نفسه. ( ).
القول الثاني: ذهب الشافعية( ) والحنابلة في رواية( )، وبعض المالكية( ) إلى وجوب الكفارة على من قتل نفسه خطأ مستدلين بأدلة منها: 
وجه الاستدلال: أن الآية عامة في كل قتل خطأ لمؤمن، وقاتل نفسه قاتل لنفس مؤمنة، فكان مندرجاً تحت عموم الآية. ( ).
الدليل الثاني: أن قاتل نفسه مؤمن مقتول خطأ، فوجبت كفارة بقتله كما لو قتل غيره( ).
الدليل الثالث: أن المؤمن يحرم عليه قتل نفسه، بل لا يجوز له ذلك بحال. فإذا وجبت عليه الكفارة بقتل غيره فلأن تجب عليه بقتل نفسه أولى؛ لأن الكفارة إنما تجب حقاً لله تعالى، وقتل النفس مماثل لقتل الغير في التحريم فكان مماثلاً له في إيجاب الكفارة( ).
الترجيح: بالنظر للأقوال السابقة وأدلتهم يظهر - والله أعلم - أن الراجح هو القول الأول وهو عدم وجوب الكفارة على من قتل نفسه خطأً؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن من الحِكم التي شرعت الكفارة لتحقيقها حماية الأنفس المعصومة من القتل الخطأ؛ إذ إن إدراك الإنسان لوجوب الكفارة عليه بالقتل يدفعه إلى الحذر، وتجنب الأسباب التي ينشأ عنها القتل، وهذا المعنى لا وجود له بالنسبة لقتل الإنسان لنفسه؛ لأن غريزة حب البقاء كافية لتحقيق ذلك الغرض، ولأن من حِكم تشريع الكفارة أيضاً رفع الحرج الذي يلحق الإنسان من لوم النفس على عدم المبالغة في التحرز، وبموت الإنسان لم يعد ذلك موجوداً، ولأن في الكفارة معنى العقوبة، والعقوبة إنما تكون للحي لا للميت( ). ويجاب عن أدلة أصحاب القول الثاني بأن قوله تعال
وأما قياس قتل النفس على قتل الغير فهو قياس مع الفارق، لاختلافهما صورة وحكماً، والقياس يكون بين المتماثلات لابين المختلفات. 

وبناءً على ما سبق فلو ارتكب شخص حادثاً بسيارة بأن اصطدم بجدار، أو بسيارة أخرى، أو انقلبت السيارة التي يقودها، نتيجة تعدٍ أو تقصير منه ونُسب الخطأ إليه فإن مات، فلا كفارة عليه في قتل نفسه، وإنما عليه كفارة من مات معه، ولو تصادم مع غيره خطأً ومات قائد السيارة الأخرى فعليه الدية والكفارة للمقابل، فإن مات هو أيضاً فعليه الدية والكفارة للمقابل وليس عليه كفارة لقتل نفسه.
 
المطلب السادس: الصغير والمجنون: 
إذا قاد الصغير أو المجنون سيارة ودهس بها أحد المارة، أو اصطدم بسيارة أخرى فمات قائدها، أو انقلبت السيارة التي يقودها ومات من معه من الركاب، أو تسبب بتصرفه في حصول حادث لسيارة ومات من فيها، فهل تجب عليه الكفارة؟
          اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: 
القول الأول: ذهب الأحناف( ) إلى عدم وجوب الكفارة على الصغير والمجنون مستدلين بأدلة منها: 
الدليل الأول: عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قال: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل، أو يفيق"( ).
وجه الاستدلال: أن الحديث نص على رفع القلم عن المجنون والصغير، فلو أوجبنا عليهما الكفارة، يكون في ذلك إجراء القلم عليهما وهذا لا يجوز( ).
الدليل الثاني: أن الكفارة عبادة، والصبي والمجنون لا يخاطبان بالشرائع أصلاً، فلا تجب الكفارة عليهما كما لا تجب الصلاة والصيام( ).
الدليل الثالث: أن الكفارة شرعت ساترة للذنب كاسمها، وليس عليهما ذنب تدعو الحاجة إلى ستره( ).
الدليل الرابع: (أن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة، بمعنى أن فيها معنى العبادة ومعنى العقوبة، ولا تجب عليهم عبادة ولا عقوبة، وكذا سبب الكفارة- وهو القتل الخطأ- يكون دائراً بين الحظر والإباحة لتكون العقوبة متعلقة بالحظر، وفعلهم لا يوصف بالجناية، لأنها اسم لفعل محظور، وكل ذلك يبتني على الخطاب وهم ليسوا بمخاطبين فكيف تجب عليهم الكفارة)( ).
    

 القول الثاني: ذهب جمهور الفقهاء وهم: المالكية( )، والشافعية( )، والحنابلة( ) إلى وجوب الكفارة على الصغير والمجنون إذا قتلا كما تجب على غيرهما, وعلى الولي إخراجها من مالهما مستدلين بأدلة منها:
وجه الاستدلال: أن الآية عامة في وجوب الكفارة على كل قاتل، فكانت شاملة لغير المكلف شمولها للمكلف( ). 
الدليل الثاني: أن الكفارة حق مالي يتعلق بالفعل وهو القتل, وقد وجد القتل منهما فتتعلق الكفارة بهما، قياساً على الدية، ولأنها عبادة مالية فوجبت عليهما قياساً على الزكاة( ).
الترجيح: بالنظر للأقوال السابقة وما استدل به كل فريق يظهر - والله أعلم - أن القول الأول وهو عدم وجوب الكفارة على الصبي والمجنون هو الراجح لقوة ما استدلوا به. ويجاب عن أدلة أصحاب القول الثاني بأن نص الآية عام, وقد خصصه حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم - "رفع القلم عن ثلاثة" والخاص يقدم على العام, وعليه يحمل ما ورد في الآية على المكلف خاصة. وأما قياسهم الكفارة على الدية بجامع أن كلاً منهما حق مالي فهو قياس مع الفارق، لأن الدية في القتل الموجب للكفارة تجب على العاقلة، بينما تجب الكفارة على القاتل. وكذا لا يسلم لهم قياس الكفارة على الزكاة؛ لأنه قياس مع الفارق أيضاً؛ فالزكاة عبادة مالية متعلقة بالمال، والكفارة متعلقة بالنفس، كما أن الزكاة في مال غير المكلف أمر مختلف فيه بين العلماء، والمسائل المختلف فيها لا يجوز قياس بعضها على بعض؛ لأن من شروط صحة القياس كون الحكم المراد إثباته في الفرع متفقاً على ثبوته في الأصل. ( ) 
وبناءً عليه فلو أن صبياً أو مجنوناً قاد سيارة فقتل أحداً بصدم أو دهس أو انقلاب أو غيره فإنه لا كفارة عليه.
 
المطلب السابع: الكافر: 
لا يمكن أن تقوم دولة من الدول بدون شعب يطبق عليه نظام الدولة، والشعب في الدولة الإسلامية إما من المسلمين - وهو الأصل - أو غير المسلمين، وغير المسلمين، الذين يعيشون في البلد الإسلامي إما مستأمنون( ) أو أهل ذمة( ). وعليه فالمقصود بالكافر في هذا المطلب الذمي, والمستأمن فإذا قاد كافر سيارة, ونتج عن قيادته دهسٌ أو صدمٌ لأحد المارة فمات، فهل تجب عليه الكفارة أم لا؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: 
القول الأول: ذهب الشافعية( )، والحنابلة( )، إلى وجوب الكفارة على الكافر كما هي واجبة على المسلم. مستدلين بأدلة منها: 
وجه الاستدلال: أن الآية عامة في وجوب الكفارة على كل قاتل، دون تفريق بين مسلم وكافر( ).
الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم - فقال: إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية؟ فقال – صلى الله عليه وسلم – "أعتق عن كل واحدة منهن رقبة "( ).
وجه الاستدلال: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمر قيس بن عاصم _ رضي الله عنه_ بالإعتاق عن من قتل في الجاهلية مع أنه كافر وقت ارتكابه الجناية القتل, فلو لم تكن الكفارة واجبة على الكافر لما أمره   بذلك. ( ).
الدليل الثالث: أن الحدود تجب على الكافر عقوبةً له، فوجبت عليه الكفارة قياساً عليها؛ إذ إن معنى 

العقوبة متحقق في الكفارة.( ).
القول الثاني: ذهب الأحناف( )، والمالكية( ) وبعض الحنابلة( ) إلى عدم وجوب الكفارة على الكافر محتجين: بأن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات، والكفارة عبادة، فلم تجب على الكافر، كالصوم والصلاة. ( ).
         الترجيح: الراجح - والله أعلم - هو القول الأول وهو القول بوجوب الكفارة على الكافر؛ لأن عدم إيجاب الكفارة على الكافر إذا قتل يفضي إلى عدم وجوب شيء على القاتل الكافر إذ إن الدية إنما تجب على العاقلة لا على الجاني، فيكون كفره سبباً للتخفيف عنه, وهذا لا يتفق مع مبادئ، الشريعة الإسلامية وقواعدها العامة. 
ويجاب عمَّا استدل به أصحاب القول الثاني بأنه غير مسلَّم؛ لأن الكفارة فيها معنى العقوبة والعبادة معاً، وبناءً عليه فلا يمكن اعتبارها عبادة خالصة حتى يتوجه قياسها على الصلاة والصيام، وأيضاً فالصلاة والصيام عبادتان بدنيتان، والأصل في الكفارة أنها عبادة مالية؛ لأن الواجب فيها العتق ابتداءً، والعبادات المالية تختلف أحكامها عن العبادات البدنية( )، وقولهم: إن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات. محل خلاف بين العلماء إذ هو مندرج تحت مسألة هل الكفار مخاطبون بفروع الإسلام أم لا؟ ( ). 
إذا تقرر هذا فكيف يتحقق التكفير من الكافر والكفارة هي: عتق رقبة مؤمنة, فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؟ وهل يتصور من الكافر أن يعتق رقبة مؤمنة؟ وإذا لم يتيسر له عتق رقبة مؤمنة فهل يصوم؟ أجاب الإمام الخطيب الشربيني عن ذلك بقوله: (ويتصوّر إعتاقه عبداً مسلماً في صور: منها أن يسلم في ملكه، أو يرثه، أو يقول لمسلم: أعتق عبدك عن كفارتي، فإنه يصح على الأصح، وإن لم يتيسر له إعتاق عبد مسلم قال القاضي الحسين: لا يكفر بالصوم؛ لأنه ليس من أهله.)( ). 
وبهذا يتبين أن غير المسلم لا يمكنه التكفير في عصرنا الحاضر؛ لانعدام الرق، وعدم وجود ما يمكن إعتاقه، كما أنه لا يجزئه التكفير بالصوم؛ لأن الصوم عبادة وهي لا تصح من الكافر، إذ الإسلام شرط لصحة العبادات، وهو منتف عن الكافر. 
 
المطلب الثامن: السكران: 
السكرن: خلاف الصاحي. وهو مأخوذ من السكر، والسكر في اللغة: غيبوبة العقل واختلاطه( ).
وأما السكر في الاصطلاح: فهو معنى يزول به العقل عند مباشرة بعض الأسباب المزيلة( ).
وقد ذكر بعض الفقهاء أوصافاً تبين حدَّ السكر وحالة السكران: 
فقيل: إن حد السكر ما زال معه العقل، حتى لا يفرق بين الأرض والسماء، ولا يعرف أمه من زوجته. وقيل: إذا كان الشخص يخلط في كلامه وقراءته، أو يسقط تمييزه بين الأعيان فهو سكران. وقيل يعتبر الشخص سكراناً إذا فقد وعيه، وجمع بين اضطراب الكلام فهماً وإفهاماً، وبين اضطراب الحركة مشياً وقياماً.( ). 
فإذا قاد سكران سيارة وصدم بها سيارة أخرى، فمات قائدها، أو دهس بها أحد المارة، أو اصطدم بعمود أو حائط، أو انقلب بها فمات من معه من الركاب، فهل تجب عليه الكفارة أم لا؟
 هذه المسألة تنبني على مسألة ذكرها الفقهاء والأصوليون وهي مسألة حكم تصرفات السكران؟ وهل يعتبر مكلفاً مؤاخذاً بما يصدر عنه؟ أم أنه لا يعتبر مكلفاً، ولا يؤاخذ بما يصدر عنه؟ لمعرفة ذلك، والإجابة على السؤال، لابد من مراعاة طرق تناول المسكر، والنظر إليها بعين الاعتبار، وقد ذكر العلماء أن السكر نوعان: 
النوع الأول: سكر بطريق مباح، كالحاصل بطريق الدواء، أو البنج، أو الخمر ممن يجهل تحريمها، أو يجهل كونها خمراً, أو في حالة الاضطرار أو الإكراه. فإذا تناول شخص الخمر بأحد هذه الطرق، وقاد سيارة، ونتج عن قيادته للسيارة وفاة شخص أو أكثر فحكمه حكم المجنون والمغمى عليه. قال ابن اللحَّام: (ومحل الخلاف في السكران عند جمهور أصحابنا: إذا كان آثماً في سكره. فأما إن أُكرِه على السكر: فحكمه حكم المجنون.)( ) وقال ابن نجيم: (وإن كان- أي السُكر-من مباح فلا, فهو كالمغمى عليه.)( ).
وقد سبق تفصيل الكلام عن المجنون في المطلب السادس وذكر خلاف الفقهاء فيه، وترجيح عدم وجوب الكفارة على المجنون مع وجوب الدية على العاقلة( ) فكذا هنا. 
النوع الثاني: سكر بطريق محرم، كمن شرب الخمر عامداً، عالماً بتحريمها, دون إكراه أو اضطرار، فمن تناول الخمر بهذه الطريقة، وقاد سيارة، ونتج عن قيادته حادث تسبب بوفاة شخص؛ فهذا داخل في تصرفات السكران الفعلية، وقد ذكر العلماء أن السكران بطريق محرم كالصاحي فيأخذ حكمه قال الزركشي: (السكران في سائر أحواله كالصاحي على المذهب، إلا في نقض الوضوء.) ( ), وقال ابن نجيم: (السكران كالصاحي إلا في الإقرار بالحدود الخالصة، والردة، والإشهاد على شهادة نفسه.)( ). 
وبناءً عليه فلا خلاف بين الفقهاء في أن السكران بطريق محرم مؤاخذ بما يصدر عنه من أفعال تلحق الضرر بالغير مؤاخذةً مالية بضمان ما أتلف، ولكنهم اختلفوا في المؤاخذة البدنية على قولين: الراجح منهما ما ذهب إليه الجمهور وهو أنه مؤاخذ بما يصدر عنه؛ فيُقتل إذا قتل، ويعاقب على كل جريمة يرتكبها بالإضافة إلى جريمة السكر، وذلك بعد صحوه؛ لأن محاسبة السكران ومؤاخذته على جرائمه بحق الآخرين مبنية على مراعاة جانب المجني عليه، فليس من العدل أن يُراعى جانب السكران ويترك جانب المجني عليه، فدفعاً للحرج عن المجني عليه يلزم السكران بجناياته عليه, والإثم لا يبرر الإثم, فالسكر إثم لا يبرر ما يترتب عليه من آثام، فمن ارتكب جريمة وقد أذهب عقله مختاراً فقد ارتكب جريمتين, ثم إن عدم محاسبة السكران على ذلك قد يكون ذريعة إلى ارتكاب الجرائم وإفساد المجتمع, فيصير عصيانه سبباً في سقوط العقوبة عنه, وهذا مخالف لمقاصد الشريعة الإسلامية في إحقاق الحق ومنع الإجرام والقضاء عليه.( ) .
وبناءً عليه فإن قاد السكران بطريق محرم سيارة فصدم بها أو دهس آخر فمات لزمته الكفارة - والله أعلم -.

 









المبحث الثالث: من تجب الكفارة بقتله 

 وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول:  المؤمن.
المطلب الثاني:  الكافر .
المطلب الثالث:  الجنين  .

 
المطلب الأول: المؤمن: 

المطلب الثاني: الكافر: 
الشعب الذي تتكون منه الدولة الإسلامية إما من المسلمين -وهو الأصل - أو غير المسلمين، وغير المسلمين، الذين يعيشون في البلد الإسلامي إما مستأمنون أو أهل ذمة. وعليه فالمقصود بالكافر في هذا المطلب الذمي, والمستأمن، وقد سبق توضيح ذلك( )   أما الحربي فلا تجب الكفارة على قاتله؛ لانعدام العصمة بالنسبة له، ولذا لا يجب ضمانه بقصاص ولا مال.
إذا تقرر هذا فإذا حصل حادث سيارة، بصدم، أو دهس، أو انقلاب.. أو غيرها ونتج عنه وفاة كافر معصوم الدم كالذمي والمستأمن خطأً فهل يجب على القاتل كفارة بقتله أم لا؟ .
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: 
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفية( )، والشافعية( )، والحنابلة( )، إلى وجوب الكفارة بقتل الكافر مستدلين بأدلة منها: 
وجه الاستدلال: أن هذه الآية قد دلت صراحة على وجوب الكفارة بقتل المعاهد، فالقول بعدم وجوب الكفارة على قاتله يتنافى مع منطوق هذه الآية، والمنطوق يقدم على دليل الخطاب.( ). 
الدليل الثاني: أن الذمي أو المستأمن آدمي مقتول ظلماً, فوجبت الكفارة بقتله كالمسلم.( ).
الدليل الثالث: أن القاتل قد سلمت له الحياة في الدنيا وهي من أعظم النعم, ورفعت عنه المؤاخذة في الآخرة مع جواز المؤاخذة، فالجناية لابد لها من التكفير والتوبة.( ).
والدليل على حمل هذه الجملة على التي قبلها أمران: 
أحدهما: أن الكفارة إنما هي لأنه أتلف شخصاً عن عبادة الله, فيلزمه أن يخلص آخر لها.
الثاني: أن الكفارة إنما هي زجر عن الاسترسال، وحمل على التثبت عند الرمي، وهذا في حق المسلم، وأما في حق الكافر فلا يلزم فيه مثل هذا. ( ).
فلو كان المراد من الآية المؤمن لكان عطفاً للشيء على نفسه وهذا لا يجوز، وأيضاً فلو كان المراد منه 

ما ذكرتم لما كانت الدية مسلمة إلى أهله؛ لأن أهله كفار.( )
قال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره بعد أن ذكر القولين: (وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية قول من قال: عنى بذلك المقتول من أهل العهد؛ لأن الله أبهم ذلك فقال: "وإن كان من قوم بينكم وبينهم" ولم يقل وهو مؤمن كما قال في القتيل من المؤمنين وأهل الحرب، وعنى المقتول منهم وهو مؤمن، فكان في تركه وصفه بالإيمان الذي وصف به القتيلين الماضي ذكرهما قبل، الدليل الواضح على صحة ما قلنا في ذلك.)( ).
وعلى هذا فلو صدم أو دهس أو تسبب مسلم في حادث سيارة ومات في الحادث كافر أو أكثر فعلى المسلم الكفارة. وفي هذا بيان لعظمة الإسلام وحفظه لدماء أهل الذمة الذين يقيمون في ديار المسلمين من القتل بكافة أنواعه ومعاملتهم معاملة المسلمين حتى في وجوب الكفارة - والله تعالى أعلم -. 

 
المطلب الثالث: الجنين: 
الجنين في اللغة: هو الولد ما دام في بطن أمه, لاستتاره فيه, من جنه إذا ستر, يقال: جن الشيء يجنه: إذا ستره, ومنه سمي الجنين لاستتاره في بطن أمه( ).
وأما في الشرع فعُرف بتعريفات أرجحها أن الجنين يطلق على ما فارق العلقة والمضغة، وبدت عليه دلائل التخلق، وكذا إذا كانت مضغة، ولم يتبين فيها شيء من خلق، ولكن شهد ثقات بأنه مبدأ خلق آدمي ولو بقي لتصور( ).
ويتصور وقوع الحادث على الجنين في حوادث السيارات في صور منها: أن يقع حادث لسيارة من صدم أو انقلاب ويكون من ضمن ركابها امرأة حامل فتجهض بسبب الحادث، ويسقط الجنين ميتاً، أو تموت هي ويقع الجنين من بطنها ميتاً، أو تدهس سيارة امرأة حاملاً فيقع ما في بطنها ميتاً, فالظاهر أن الجنين مات بسبب الحادث فهل يلزم في الجنين كفارة أم لا؟ 
لا خلاف بين العلماء على أن الجنين إذا خرج حياً، ثم مات متأثراً بالجناية ففيه الكفارة مع الدية.( ). 
أما إن سقط الجنين ميتاً فقد اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة على قولين: 
القول الأول: ذهب الحنفية( )، والمالكية( ) إلى عدم وجوب الكفارة بقتل الجنين مستدلين بأدلة منها: 
الدليل الأول: ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - "أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها فقضى رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فيها بغرة عبد أو أمه"( ).
الدليل الثاني: ما أخرجه البخاري في صحيحه عن المغيرة بن شعبة عن عمر - رضي الله عنه - "أنه استشارهم في إملاص المرأة فقال المغيرة قضى النبي– صلى الله عليه وسلم-   بالغرة عبد أو أمة, قال أئت من يشهد معك فشهد محمد بن مسلمة أنه شهد النبي – صلى الله عليه وسلم- قضى به"( ).
وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي – صلى الله عليه وسلم- لم يأمر في الحديثين بالتكفير عن 
الجنين، ولو كانت واجبة لأمر بها وبينها؛ لأن الحال حال الحاجة إلى البيان( ).
الدليل الثالث: أن الكفارة فيها معنى العقوبة؛ لأنها شرعت زاجرة، وفيها معنى العبادة؛ لأنها تتأدى بالصوم، وقد عرف وجوبها في النفوس المطلقة فلا يتعداها؛ لأن العقوبة لا يجري فيها القياس( ).
الدليل الرابع: أن الكفارة من باب المقادير، والمقادير لا تعرف بالرأي والاجتهاد، بل بالتوقيف وهو الكتاب والسنة والإجماع، ولم يوجد في الجنين الذي أُلقى شيء من ذلك، فلا تجب فيه الكفارة( ). 
الدليل الخامس: أن الجنين جزء من أمه, واعتبار صفة الجزئية يمنع وجوب الكفارة، ومع الشك لا تجب الكفارة. ( ). 
القول الثاني: ذهب الشافعية( ) والحنابلة( ) إلى وجوب الكفارة في قتل الجنين( ). مستدلين بأدلة منها: 
         وجه الاستدلال: أن الجنين إن كان من مؤمنين, أو كان أحد أبويه مؤمناً فهو محكوم بإيمانه تبعاً، فيدخل في الآية، وإن كان من كتابيين فهو من قوم بيننا وبينهم ميثاق فتشمله الآية. ( )
          الدليل الثاني: أن الجنين نفس مضمونة بالدية، فوجبت فيه الكفارة كالكبير، وأيضاً فهو آدمي محقون الدم لحرمته، فضُمن بالكفارة كغيره. ( ). 
الترجيح: بالنظر لما استدل به كل فريق فإن الناظر يجد صعوبة في ترجيح أحد القولين، لكن لعل الراجح - والله أعلم - هو القول الأول وهو عدم وجوب الكفارة بقتل الجنين؛ لقوة أدلته. 
ويمكن الإجابة عن أدلة أصحاب القول الثاني بأن الآية لا دلالة فيها على وجوب الكفارة بقتل الجنين؛ لأن وجوب الكفارة متعلق بالقتل، وأوصاف أخرى لم يعرف وجودها في الجنين، من الإيمان والكفر حقيقة أو حكماً، ولم يوجد شيء من ذلك على وجه اليقين؛ لأن القتل لا يكون إلا للحي ولم يقطع بحياة الجنين وقت الجناية. وأما الاتصاف بالإيمان أو العهد فهو غير موجود بالنسبة للجنين لا حقيقة ولا حكما؛ أما الحقيقة فلأن الإيمان أو الكفر لا يصدران عن الجنين، وأما حكماً فلأن ذلك إنما يتحقق بواسطة الحياة ولم تُعرف حياة الجنين( ).
وأما قياسهم الكفارة على الدية فقد أُجيب عنه بأنه قياس مع الفارق؛ إذ الكفارة حق لله تعالى، بينما الدية حق للآدميين، فلم يجز قياس أحدهما على الآخر، والجنين إنما يُضمن بالغرة كما نص عليه الحديث. 
وعليه فإذا وقع حادث سيارة ونتج عنه إسقاط جنين أو أجنة أموات، يُحكم بإيمانها، فإن من ينسب له القتل ويتحمل تبعة الحادث، أو يشارك في التبعة، لا تلزمه الكفارة. 

 ↚



المبحث الرابع: كفارة القتل

 وفيه ثلاثة مطالب

المطلب الأول:  خصال الكفارة وفيه ثلاثة فروع: 
الفرع الأول: العتق.
الفرع الثاني: الصيام. 
الفرع الثالث: الإطعام.
المطلب الثاني:  تعدد الكفارات وفيه فرعان:
الفرع الأول: تعدد القاتلين. 
الفرع الثاني: تعدد المقتولين. 
المطلب الثالث:  وقت وجوب الكفارة ومن يتحملها.


 
المطلب الأول: خصال الكفارة: 
تتنوع كفارة القتل إلى ثلاثة أنواع هي: العتق، والصيام، والإطعام. 
الفرع الأول: العتق:( )
أجمع الفقهاء على وجوب الإعتاق على القاتل غير المتعمد( ). شريطة أن يكون واجداً لرقبة يعتقها، ويعتبر الإنسان واجداً للرقبة إذا كان لديه من المال ما يزيد عن حاجته وحاجة من تلزمه مؤونته، ووجد رقبة يشتريها، أو كانت الرقبة مملوكة له وقت وجوب الكفارة عليه؛ لأن ما تتطلبه حاجة الإنسان يعتبر في حكم المعدوم، فيجوز معه الانتقال إلى البدل، كما هو الشأن فيمن معه ماء يحتاج إليه لدفع العطش حيث يجوز له الانتقال إلى التيمم, ولأن عدم وجود الرقبة ولو مع وجود المال كما في عصرنا الحاضر يجعل الإعتاق أمراً متعذراً يسوغ عنده الانتقال إلى البدل( ). 
ويثور تساؤل في وقتنا الحاضر مع تعذر التكفير بالعتق، فهل يجوز تقدير قيمة الرقبة ومن ثم التصدق بتلك القيمة أم لا يجوز؟ 
ذكر الشيخ عبدالقادر عوده - رحمه الله - جواز ذلك حيث قال: (وكفارة القتل كما قلنا هي عتق رقبة مؤمنة. فإن لم يجدها القاتل في ملكه فاضلة عن حاجته, أو يجد ثمنها في ماله فاضلاً عن كفايته، فصيام شهرين متتابعين، فليس بشرط إذن أن تكون الكفارة عتق رقبة بالذات؛ لأن قيمتها تقوم مقامها، وعلى هذا يمكن أن نقول: إن الكفارة بعد إلغاء الرق لا تكون بعتق رقبة، وإنما تكون بالتصدق بقيمة الرقبة إذا كان لدى القاتل ما يفيض عن حاجته، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وتقدير قيمة الرقبة يترك لأولياء الأمور.)( ). 
والصحيح - والله أعلم - هو التوقف عند مورد النص؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، وأن الواجب عليه عتق رقبة وعدم جواز التكفير بالقيمة. سُئل الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - هل تجب قيمة الرقبة في كفارة القتل خطأً بناءً على عدم وجود الرقبة؟ فأجاب بقوله: (لا تجب القيمة؛ لأن الله تعالى لما ذكر إيجاب الرقبة قال بعد ذلك( ) فلم يجعل واسطة بين عدم وجود الرقبة في حالة عدمها وبين وجوب الصيام، ولو كانت القيمة واجبة لجعلها واسطة)( ). 
الفرع الثاني: الصيام: 
إذا لم يجد من وجبت عليه الكفارة مالاً يشتري به رقبة، أو لم يجد رقبة يشتريها، انتقل إلى التفكير بالصيام، فيجب عليه صيام شهرين متتابعين امتثالاً لقوله تعالى. فإن قطع التتابع بغير عذر وجب عليه استئناف الصيام وعدم احتساب المدة السابقة بالإجماع( ). 
وإن قطعة لعذر شرعي اقتضى الفطر فأفطر فهل عليه أن يستأنف الصوم، أو أن العذر لا يقطع التتابع فيبنى على ما سبق من صومه؟ 
الحكم في هذه المسألة يختلف باختلاف العذر المقتضى للفطر، وسأعرض في المسائل التالية لأهم الأعذار مبيناً كلام أهل العلم حول قطعها للتتابع، وأختم بذكر متى يبدأ المكفر بصيام الشهرين؟ . 
المسألة الأولى: الحيض والنفاس: 
قبل بيان الحكم في هذه المسألة يجدر التنبيه إلى سؤال قد يُثار عن علاقة المرأة بحوادث السيارات، وهل يتصور أن تتحمل المرأة، أو تشارك، أو تتسبب في حادث سيارة؟  الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب فيتصور أن تشارك المرأة، أو تتسبب، أو تباشر حادث سيارة، ومن الأمثلة لذلك أن تدفع يد السائق من باب اللعب والهزل فتنقلب السيارة، أو تصطدم بأخرى، ويموت راكب أو أكثر، أو تضع طفلها تحت السيارة الواقفة، فلا يعلم السائق فيدهس الغلام عند سيره بالسيارة، أو تخالف الأوامر والتعليمات الصادرة من ولي الأمر فتقود سيارة وتنقلب بها، أو تصطدم بسيارة أخرى، فيموت قائد السيارة الأخرى أو أحد الركاب، أو تقود السيارة في أحد البلدان التي تسمح للمرأة بقيادتها وينتج عن قيادتها حادث يموت فيه راكب أو أكثر. فيجب عليها الكفارة، فإذا صامت شهرين متتابعين كفارةً، ثم جاءها الحيض في أثناء المدة فهل يقطع التتابع؟ اتفق الفقهاء، على أن الحيض لا يقطع التتابع في الصيام، وقد حكى ابن قدامة في المغني الإجماع على ذلك حيث قال: (أجمع أهل العلم على أن الصائمة متتابعاً، إذا حاضت قبل إتمامه تقضى إذا طهرت وتبنى) ( ). 
وذلك للأدلة التالية: 
الدليل الأول: أن المرأة لابد لها من الحيض، ولا يد لها فيه، وصومها مع وجوده محرم شرعاً، فتبين أنه لا صنع لها في الفطر، فلا ينقطع به التتابع( ).
الدليل الثاني: أن الحيض لا يمكن التحرز منه في الشهرين إلا بتأخيره إلى أن تيأس من الحيض؛ وفي ذلك تغرير بالكفارة؛ لأنها ربما ماتت قبل الإياس فيترتب عليه تفويت الواجب.( ). 
وأما النفاس فقد اختلف فيه العلماء إلى قولين: 
القول الأول: ذهب الأحناف( )، وأحد الوجهين عند الشافعية( ) وأحد الوجهين عند الحنابلة( ) إلى أن النفاس يقطع التتابع مستدلين بأن الفطر بسبب النفاس أمر يمكن التحرز منه؛ وذلك بتأخير الصيام إلى ما بعد الوضع والفراغ من النفاس؛ إذ النفاس لا يتكرر في كل شهر كما هو الحيض، فيقطع التتابع، كالفطر لغير عذر( ). 
         القول الثاني: ذهب جمهور الفقهاء وهم المالكية( ) والشافعية على الصحيح( ) والحنابلة في أحد الوجهين وهو الصحيح من المذهب( ) إلى أن النفاس لا يقطع التتابع في صيام الكفارة مستدلين بأدلة منها: 
الدليل الأول: أن النفاس بمنزلة الحيض في أكثر أحكامه فيلحق به هنا اعتباراً بالغالب.
الدليل الثاني: أن الفطر في النفاس لا يحصل بفعل المرأة وإراداتها، فاعتبر ذلك الزمان كالليل في حقها، فلم يكن مؤثراً على التتابع قياساً على الحيض( ).
الترجيح: الراجح - والله أعلم - هو القول الأول وهو أن النفاس يقطع التتابع، لو جاهة ما عللوا به، ويمكن أن يجاب عَمَّا ستدل به أصحاب القول الثاني بأن كون النفاس كالحيض في أكثر الأحكام لا يعتبر سبباً موجباً لإلحاقه به في جميع الأحكام. يدل على ذلك أن كثيراً من المسائل الشرعية تتفق في كثير من الأحكام ولم يعتبر ذلك الاتفاق مبرراً لإلحاق بعضها. ببعض كما هو الشأن في الهدي والأضحية، والحج والعمرة.. وغيرها. وأما قياس النفاس على الحيض فغير مسلَّم؛ لأن النفاس أندر من الحيض, ويمكن التحرز عنه لعدم تكراره في كل شهر( ).

المسألة الثانية: المرض: 
إذا مرض المكفر أثناء المدة فأفطر فهل ينقطع التتابع أم لا؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: 
القول الأول: ذهب الإمام مالك( )، والشافعي في القديم( )، والإمام أحمد( ) - رحمهم الله - إلى أن المرض لا يقطع التتابع، وأن المكفر بالصوم إذا أفطر لمرض بنى على ما مضى من صيامه مستدلين بأدلة منها: 
الدليل الأول: أن الفطر بسبب المرض للمكفِّر من غير جهته، فلم ينقطع به التتابع قياساً على الحيض( ). 
الدليل الثاني: أن التتابع في الكفارة لا يزيد على أصل وجوب رمضان، وهو يسقط بالمرض.. ( ).
القول الثاني: ذهب الإمام أبو حنيفة( ) والشافعي في الأظهر وهو الجديد( ) إلى أن المرض يقطع التتابع في صيام الكفارة، وعليه يتعين على من أفطر لمرض، استئناف الصيام وعدم احتساب ما صامه قبل مرضه مستدلين بأدلة منها: 
الدليل الأول: أن التتابع فرض لا يسقط لعذر، وإنما يُسقط المأثم، قياساً على التتابع بين ركعات الصلاة؛ حيث يجب على من قطعها لعذر أن يستأنف ولا يبنى على ما مضى من الركعات( ).
الدليل الثاني: أنه أفطر باختياره فبطل التتابع، كما لو سافر فأفطر، يجب عليه الاستئناف، فكذا هنا( ). 
الترجيح: الراجح - والله أعلم - هو القول الأول وهو أن إفطار المكفر بالصوم لا يقطع التتابع؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن اعتبار الفطر بسبب المرض قاطعاً للتتابع يؤدي إلى التسلسل؛ إذ لا يأمن من حدوث المرض له إذا استأنف بعد البرء من المرض؛ لأن الإنسان عرضة للمرض في كل الأحيان، ولو كان ذلك يقطع التتابع لأدى للحرج والمشقة مما يتنافـى مع قوله تعالى:         ( ) وقوله تعالى:             ( ) ويجاب عمَّا احتج به أصحاب القول الثاني بأن قياس التتابع في صيام الكفارة، على التتابع بين ركعات الصلاة قياس مع الفارق؛ لأن إعادة الصلاة من أولها لا يترتب عليه مشقة تذكر، بخلاف الصوم، فلم يجز قياس أحدهما على الآخر، لاختلاف المشقة المترتبة على إعادة كل منهما اختلافاً كبيراً ينتفي معه أي وجه للقياس.
وأما قياس المرض على السفر فغير مسلم؛ لأن المرض ملجئ إلى الفطر، والسفر بخلاف ذلك؛ لأن المريض أفطر بسبب لاصنع له فيه. وأيضاً فاعتبار السفر قاطعاً للتتابع أمر مختلف فيه، والمسائل المختلف فيها لا يجوز قياس بعضها على بعض( ). 

المسألة الثالثة: السفر: 
إذا سافر المكفِّر أثناء المدة فأفطر فهل ينقطع التتابع أم لا ؟اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: 
القول الأول: ذهب الحنفية( ) والمالكية( )، وقول عند الشافعية( ) وأحد الوجهين عند الحنابلة( ) إلى أن التتابع ينقطع بالفطر في السفر، مستدلين بأنه أفطر باختياره دون وجود سبب ملجئ له إلى الفطر، فوجب عليه استئناف الصيام كما لو أفطر من غير عذر.
القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في أظهر الروايات( ) وبعض الشافعية( ) إلى أن التتابع لا ينقطع بالفطر في السفر، وأن المكفِّر يبنى على ما مضى من صيامه مستدلين: بأن فطرة لعذر مبيح للفطر وهو السفر, فلم ينقطع به التتابع قياساً على المرض. 
الترجيح: الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول وهو أن التتابع ينقطع بالفطر في السفر؛ لأن الصيام أثناء السفر أمر ممكن، والسفر أمر باختيار الشخص، ويجاب عمَّا استدل به أصحاب القول الثاني بأنه قياس مع الفارق؛ لأن حصول المرض أمر خارج عن إرادة الشخص واختياره, بخلاف السفر. 
المسألة الرابعة: صوم رمضان وفطر أيام العيدين والتشريق: 
إذا تخلل أيام التكفير للمكفر صوم رمضان، أو أيام العيدين والتشريق فهل ينقطع التتابع أم لا؟ 
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: 
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفية( ), والشافعية( ) إلى أن دخول شهر رمضان، وعيدي الفطر والأضحى، وأيام التشريق يقطع تتابع صيام الكفارة. وإلى هذا القول ذهب المالكية مع اشتراط أن يكون عالماً عامداً لذلك، كما إذا تعمد صوم ذي القعدة وذي الحجة عن كفارة القتل، مع علمه بدخول العيد في أثنائه؛ فإن ذلك يبطل صومه لعدم تتابعه، بخلاف ما إذا جهله فإنه لا يقطع التتابع، كما إذا ظن أن شهر ذي الحجة هو المحرم فصامه مع ما بعده ظاناً أنه صفر فبان خلافه( ).
وقد استدل أصحاب هذا القول بأن التتابع منصوص عليه، وشهر رمضان لم يشرع فيه صوم آخر غيره في حق المقيم الصحيح، والصوم في العيدين وأيام التشريق منهي عنه، فلا يتأدى به الكامل، فتبين أنه أفطر بسبب لا عذر له فيه، فوجب عليه الاستئناف؛ لأنه يجد شهرين متواليين خاليين عن هذه الأيام( ).
القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى أن دخول شهر رمضان، وعيدي الفطر والأضحى، وأيام التشريق لا يقطع تتابع صيام الكفارة، ويبنى على ما مضى من صيامه. مستدلين بأن انقطاع التتابع في الصوم حصل في زمن منعه الشرع عن صومه في الكفارة، فلم يقطع التتابع، كالحيض والنفاس ( ).
الترجيح: الراجح - والله أعلم - هو القول الأول وهو أن التتابع ينقطع بتخلل تلك الأيام؛ لأن بإمكان المكفر الصيام في وقت لا تتخلله تلك الأيام، ووقت تلك الأيام معلوم ومحدد، ويمكن أن يجاب عمَّا استدل به الحنابلة بأن قياسهم على الحيض والنفاس غير مسلم؛ لأن الحيض يتكرر في كل شهر عادة فيتعذر وجود شهرين من غير حيض، وأما النفاس ففي انقطاع التتابع بالفطر لأجله خلاف بين العلماء سبق ذكره( )، والمسائل المختلف فيها لا يصح قياس بعضها على بعض.
المسألة الخامسة: متى يبدأ المكفر صيام الشهرين: 
لا خلاف بين أهل العلم في أنه يجوز للمكفر بالصيام أن يبتدئ صوم الشهرين من أول شهر, أو في أثنائه؛ لأن الشهر اسم لما بين الهلالين، ولثلاثين يوماً، فأيهما صام فقد أدى الواجب( ). 
وأجمع أهل العلم على أن من بدأ الصيام من أول شهر، فصام شهرين بالأهلة، أجزأه ذلك، سواء كانا تامين أو ناقصين. قال ابن المنذر: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من صام الأهلة يجزيه صيام شهرين متتاليين، كانا ثمانية وخمسين أو تسعة وخمسين يوماً.) ( ).
وأجمع أهل العلم أيضاً على أن من بدأ في أثناء شهر، فصام ستين يوماً أجزأه قال ابن المنذر: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من صام بغير الأهلة، أن صوم ستين يوماً يجزئ عنه.) ( ).
واختلف العلماء في مسألة ما إذا بدأ صيامه في أثناء شهر وصام الشهر الثاني بالهلال، ثم أتمَّ الشهر الأول ثلاثين يوماً من الشهر الثالث ولم يكمل المجموع ستين يوماً على قولين: 
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفية( ) والمالكية( ) والشافعية( )، والحنابلة( ) إلى أن ذلك يجزئه، مستدلين بأن الأصل اعتبار الشهور بالأهلة، لكن تركناه في الشهر الذي بدأ من وسطه لتعذره، ففي الشهر الذي أمكن اعتباره يجب أن يعتبر.
القول الثاني: ذهب الإمام أبو حنيفة في رواية أبي يوسف عنه إلى أنه لا يجزئه ذلك إلا أن يتمه ستين يوماً. وحجته أنه إذا كان ابتداء الشهر بالأيام يعتبر كله بالأيام؛ لأنه ما لم يتم الشهر الأول لا يدخل الشهر الثاني( ). 
الترجيح: الراجح - والله أعلم - هو القول الأول وهو أن ذلك يجزئه، ويجاب عمَّا استدل به أصحاب القول الثاني بأن الاعتبار يكون بالأيام فيما تعذر عليه الاعتبار فيه بالأهلة، وهنا أمكن اعتبار أحد الشهرين بالأهلة والآخر بالأيام، فيعمل به. 

الفرع الثالث: الإطعام : 
وردت كفارة القتل خطأ في القرآن الكريم, ونُص على الإعتاق والصيام قال تعالى:( ). فدلت الآية على أن كفارة القتل خطأ عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد من وجبت عليه الكفارة مالاً يشتري به الرقبة، أو لم يجد رقبة يشتريها، صام شهرين متتابعين، فإن عجز عن الصيام فهل ينتقل إلى الإطعام أم لا؟ اختلف الفقهاء في مشروعية التكفير بالإطعام عند عدم القدرة على الصيام على قولين: 
           القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء وهم: الحنفية( )، والمالكية( )، وأحد القولين عن الإمام الشافعي وهو الأظهر( ), وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد( ) إلى عدم مشروعية التكفير بالإطعام في كفارة القتل، وأن الصيام يثبت في ذمته يؤديه متى استطاع. مستدلين بأدلة منها: 
الدليل الأول: قوله تعالى:.
وجه الاستدلال: أن الله تعالى ذكر في الآية العتق والصيام, ولم يذكر الإطعام، ولو وجب ذلك لذكره كما ذكره في كفارة الظهار( ). 
الدليل الثاني: أن الإطعام لم يرد به نص, والمقادير لا تعرف إلا سماعاً، وإثبات الأبدال بالرأي لا يجوز( ). 
الدليل الثالث: أن المذكور كل الواجب، لوقوع الفاء في الجواب, أو لكونه كل المذكور. ( ) .
القول الثاني: ذهب الإمام الشافعي في أحد قوليه,( ) وهو رواية عن الإمام أحمد( ) إلى أنه يتعين على القاتل إطعام ستين مسكيناً عند العجز عن الصيام . وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إذا مات من عليه الكفارة ولم يكفر حيث قال: (وإذا مات من عليه الكفارة ولم يكفر فليطعم عنه وليه ستين مسكيناً, فإنه بدل الصيام الذي عجزت عنه قوته, فإذا أطعم عنه في صيام رمضان فهذا أولى.)( ) مستدلين بأدلة منها: 
الدليل الأول: قياس كفارة القتل على كفارة الظهار والوطء في نهار رمضان، بجامع أن في كل منها عتق وصيام شهرين متتابعين, فكما يجب فيهما الإطعام عند عدم القدرة على الصوم، فكذا يجب في كفارة القتل الإطعام عند عدم القدرة على الصيام.( ). 
الدليل الثاني: أن الله تعالى ذكر الإطعام في كفارة الظهار, ولم يذكره في كفارة القتل, فوجب أن يحمل المطلق في القتل على المقيد في الظهار, كما قيد الله الرقبة في القتل بالإيمان, وأطلقها في كفارة الظهار, فحمل مطلق الظهار على مقيد القتل( ). 
الترجيح: بالنظر للقولين السابقين فإن القول الأول وهو عدم مشروعية التكفير بالإطعام في كفارة القتل أمر له وجاهته, إذ إن القتل أمر خطير, ونظراً إلى عظم ذنب القاتل فقد شرع الله ما يناسبه ويقوى على رفعه وإزالته, فالقول بمشروعية التكفير بالإطعام يُشعر بخفة قتل النفس المعصومة, الأمر الذي يتنافى مع ما دلت عليه النصوص من تعظيم قتل النفس, ولأن ذلك قد يؤدي إلى ترك الاحتياط والحذر, مما ينشأ عنه إزهاق كثير من الأرواح، خصوصاً في وقتنا الحاضر الذي كثرت فيه حوادث السيارات, وقادها من لا يحسن قيادتها, أو يفرط أو يتعدى في ذلك, فناسب ذلك تغليظ الكفارة. على أن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من أنه إذا مات من عليه الكفارة ولم يكفر أطعم عنه وليه ستين مسكيناً أمر له اعتباره في النظر، لإبراء ذمة القاتل إذا مات.
ويمكن أن يجاب عمَّا استدل به أصحاب القول الثاني: بأن قياس كفارة القتل على كفارة الظهار والوطء في نهار رمضان قياس مع الفارق؛ إذ القتل يختلف في غالب أحكامه عن الظهار والوطء في نهار رمضان فلم يجز قياسه عليهما. 
وأُجيب عن الدليل الثاني بأنه (غير صحيح؛ لأن المطلق إنما يحمل على المقيد إذا كان الحكم مذكوراً في موضعين، إلا أنه قيده في موضع بصفة؛  وأطلقه في الموضع الآخر, كما ذكر الله الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالإيمان, وذكرها في الظهار مطلقة, فحمل مطلق الظهار على مقيد القتل, وكما ذكر الله اليدين في الطهارة 
وقيدهما إلى المرفقين, وذكرهما في التيمم مطلقاً, فحمل مطلق التيمم فيهما على ما قيده فيهما في الطهارة، وهاهنا الإطعام لم يذكره في الموضعين, وإنما ذكره في الظهار فلم يجز نقل حكمه إلى كفارة القتل, كما لم يجز نقل حكم مسح الرأس وغسل الرجلين إلى التيمم)( ).

 
المطلب الثاني: تعدد الكفارات: 
 قد تتعدد الكفارة نتيجة لتعدد القاتلين, أو لتعدد المقتولين, ولذا سنقسم هذا المطلب إلى فرعين: 
الفرع الأول: تعدد القاتلين: 
يتصور تعدد القاتلين في حوادث السيارات في حوادث الاصطدام، التي يقرر المرور فيها مسؤولية السائقين عن الحادث، وتوزيع نسبة الخطأ بينهم ولو مع التفاوت, ففي مثل هذه الصورة كل من يُنسب له فعل القتل في الحادث فهو مشارك في القتل. 
إذا ثبت وتقرر ما سبق فهل يجب على كل مشارك كفارة, أم أنه يجب عليهم كفارة واحدة؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: 
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء( ) وهم المالكية( ), والشافعية في الأصح( ), والحنابلة في المذهب( ) إلى وجوب الكفارة على كل من اشترك في قتل يوجب الكفارة، كما لو لم يشاركه غيره. مستدلين بأدلة منها: 
الدليل الأول: (أنها كفارة لا تجب على سبيل البدل, فإذا اشترك الجماعة في سببها, وجب على كل واحد منهم كفارة, ككفارة الطيب واللباس)( ). 
الدليل الثاني: أن الكفارة لا تتبعض, أي: أنه لا يجب بعض كفارة؛ لأنه متى لم يجد إلا نصف رقبة, لم يلزمه إخراجها, وهي من موجب قتل الآدمي, فَكَمُلَتْ في حق كل واحد من المشتركين, قياساً على القصاص.( ). 
القول الثاني: ذهب الشافعية في وجه( ), والحنابلة في رواية( ) إلى أنه يجب على الجميع كفارة واحدة( ). مستدلين بأدلة منها: 
الدليل الأول: قوله تعالى:    •            ( ). 
وجه الاستدلال: أن قوله تعالى:    يفيد العموم, فيتناول الواحد والجماعة, ولم يوجب    - سبحانه وتعالى - في الآية إلا كفارة واحدة ودية, والدية لا تتعدد, فكذلك الكفارة( ). 
الدليل الثاني: أنها كفارة قتل, فلم تتعدد بتعدد القاتلين مع اتحاد المقتول, قياساً على كفارة صيد الحرم إذا اشترك في قتله أكثر من واحد.( )
الترجيح: الراجح - والله أعلم - هو القول الأول, وهو وجوب كفارة كاملة على كل من اشترك في القتل, لقوة ما استدلوا به, ولأن العقوبة في مقابل اقتراف فعل القتل, وقد تعدد في حق كل واحد منهم, فوجبت الكفارة متعددة. ويمكن أن يجاب عن أدلة أصحاب القول الثاني بأن استدلالهم بالآية غير مسلم لهم؛ لأن المقصود بها - والله أعلم - أنه كلما أُزهقت نفس مؤمنة خطأ, فتجب كفارة واحدة, على اعتبار أن القتل واحد, بدليل سياق الآية الكريمة, فإنها تتحدث عن القتل الصادر من الواحد, ولم تتعرض الآية لاشتراك الجماعة في القتل, ويؤخذ حكمها من القياس, فبتعدد فعل القتل الصادر من جماعة تتعدد الكفارة في حق كل واحد منهم. 
وأما استدلالهم بقياس الكفارة على الدية فهو قياس مع الفارق؛ لأن الدية يمكن أن تتجزأ, ويمكن لجمع أن يشتركوا فيها، بخلاف الكفارة فإنها لا تتبعض ولا تتجزأ, كما أن الدية بدل عن النفس وهي واحدة, بخلاف الكفارة فإنها بدل عن القتل, وهو الفعل, وقد تعدد, فتعددت, فافترقا. 
وأما قياسهم كفارة القتل على كفارة صيد الحرم فهو قياس مع الفارق؛ لأن كفارة القتل لم تجب بدلاً لشيء, بخلاف كفارة الصيد فإنها وجبت بدلاً عن الصيد المتلف في الحرم, فافترقا.( ). 
وعلى هذا القول وهو وجوب كفارة كاملة على كل من اشترك في القتل الفتوى والعمل في المملكة العربية السعودية.( )
الفرع الثاني: تعدد المقتولين: 
مع تقدم وسائل النقل, ووجود السيارات الكبيرة التي تستوعب أعداداً كبيرة من الركاب, فإننا نحتاج إلى معرفة الأحكام الشرعية المترتبة على أعمال السائقين, ومن ذلك ما إذا وقع لبعض تلك السيارات حادث ترتب عليه موت كل أو بعض من فيها مع نجاة سائقها, وتسببه فيما حصل لها, فهل تجب عليه كفارات بعدد القتلى, أو أن الواجب عليه كفارة واحدة. ؟ 
لا خلاف بين الفقهاء في أنه إذا تعدد فعل القتل، وتعدد المقتولين, فإن الواجب على القاتل كفارات 

بعدد القتلى( ).. أما إن اتحد الفعل وتعدد القتلى كما لو انقلبت السيارة ومات خمسة من الركاب ونجا السائق فإن للفقهاء في هذه المسألة قولان: 
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء, وهم الحنفية( ), والمالكية( ), والشافعية( ), والحنابلة( ) إلى أن الكفارة تتعدد بتعدد المقتولين, فيجب على قاتل الجماعة كفارة عن كل قتيل مستدلين بأدلة منها: 
الدليل الأول: قوله تعالى:      •      •      إلى قوله:         ( ). 
وجه الاستدلال: أن الله تعالى رتب على من قتل خطأ الدية والكفارة, فكلما تكرر القتل تكررت الكفارة والدية. 
الدليل الثاني: ما رواه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- فقال: إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية؟ فقال – صلى الله عليه وسلم-   "أعتق عن كل واحدة منهن رقبة"( ).
وجه الاستدلال: أن النبي – صلى الله عليه وسلم-   أمر قيس بن عاصم بالإعتاق عن كل قتل, فدل على أن الكفارة تتعدد بتعدد المقتولين. 
الدليل الثالث: قياس الكفارة على الدية, فكما يجب لكل واحد من القتلى دية كاملة, فكذا الحكم في الكفارة إلحاقاً لإحداهما بالأخرى( ).
القول الثاني: أن الكفارة لا تتعدد بتعدد المقتولين, إذا كان الفعل - وهو القتل - والفاعل واحد, وإنما تجب كفارة واحدة, وهذا قول لبعض الشافعية, وبعض الحنابلة, ذكر الإمام الخطيب الشربيني عند كلامه عن اصطدام شخصين بقصد أو بغير قصد وبعد أن ذكر الواجب من الدية قوله عن الكفارة: (والصحيح أن على كل منهما في تركته كفارتين, إحداهما لقتل نفسه, والأخرى لقتل صاحبه؛ لاشتراكهما في إهلاك نفسين, بناءً على أن الكفارة لا تتجزأ, وأن قاتل نفسه عليه كفارة وهو الأظهر. والثاني على كل كفارة بناءً على  أنها تتجزأ.)( ). ويفهم من هذا النص أن للشافعية في المسألة قولان: أحدهما وهو الصحيح والأظهر أن الكفارة لا تتجزأ, فلا ينظر إلى تعدد الفعل أو وحدته, وإنما المدار في تعدد الكفارة على تعدد المقتولين, فلكل مقتول كفارة مهما كان عددهم. والقول الآخر وهو المقابل للصحيح والأظهر أن الكفارة تتجزأ، فيترتب على الفعل الواحد كفارة واحدة, ولو قتل بفعله أكثر من إنسان معصوم, فهو يربط بين تعدد الفعل والكفارة . وقال ابن أبي موسى (ولو ضربها فألقت جنينين أو أكثر كان في كل واحد غُرّة: عبد أو وليدة, قيمتها عُشر دية الأم, وهل عليه عتق رقبة واحدة للجميع, أو لكل واحد عتق رقبة مؤمنة؟ فيه وجهان)( ).
وقال ابن رجب في القاعدة الثامنة عشرة: (إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد, ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت؛ تداخلت أفعالهما, واكتفي فيهما بفعل واحد. وهو على ضربين: 
................ ثم ذكر الضرب الثاني: أن يحصل له إحدى العبادتين بنيتها وتسقط عنه الأخرى......- وذكر لذلك أمثلة منها- اجتماع الأسباب التي يجب بها الكفارات وتتداخل في الأيمان والحج والصيام والظهار وغيرها, فإذا أخرج كفارة واحدة عن واحد منها معين؛ أجزأه, وسقطت سائر الكفارات, وإن كان مبهماً, فإن كانت من جنس واحد؛ أجزأه أيضاً وجهاً واحداً عند صاحب "المحرر" وعند صاحب "الترغيب" أن فيه وجهين, وإن كانت من جنسين؛ فوجهان في اعتبار نية التعيين.)( ). 
ولم أقف على حجة أصحاب هذا القول والظاهر أن دليلهم مبنى على أن الكفارة عقوبة على الفعل - وهو القتل -, والفعل واحد, فتجب كفارة واحدة. وإعمالاً منهم لقاعدتي التداخل والتيسير, ومن المقرر في القواعد الفقهية أنه: "إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالباً"( ) وأن "المشقة تجلب التيسير" و"إذا ضاق الأمر اتسع"( ) ويجاب عن استدلال أصحاب القول الأول وهو قياسهم الكفارة على الدية فكما أن الدية تتعدد بتعدد القتلى فكذا الكفارة. بأنه غير مسلم؛ لأن الدية بدل النفس, وهي نفوس متعددة, بخلاف الكفارة فإنها بدل عن القتل وهو الفعل وهو واحد فاختلفا. 
الترجيح: بالنظر للقولين السابقين, وبتأمل نصوص الفقهاء، ومع أن القول الأول هو رأى جماهير الفقهاء, وهو أشبه بالاتفاق, فإن الذي أراه راجحاً في وقتنا الحاضر - والله أعلم - في صورة المسألة المختلف فيها هو القول بالتداخل, وأن من ارتكب حادثاً نتج عنه موت أكثر من نفس, فإنه يجب عليه كفارة واحدة مهما تعددت الأنفس للأسباب التالية: 
أولاً: كثرة وقوع مثل هذه الحوادث, مع كثرة الأنفس التي تذهب ضحية لتلك الحوادث, والقاعدة الشرعية أن المشقة تجلب التيسير.
ثانياً: أن في الأخذ بهذا القول تيسيراً على السائقين, امتثالاً لقوله تعالى:          ( ) مما يترتب عليه انبعاث نفوسهم للمسارعة في إبراء ذممهم التي شُغِلت بالكفارة. 
ثالثاً: أن في الأخذ بهذا القول رفع للحرج عن السائقين, تحقيقاً لقوله تعالى:        ( ). حيث فسر ابن عباس - رضي الله عنه - الآية بقوله: (توسعة الإسلام ما جعل الله من التوبة والكفارات.)( ) فإذا ألزمنا السائق بكفارة واحدة عن المتوفين في الحادث الواحد مهما كان عددهم, سهل عليه الامتثال والأداء، فيشعر ببراءة ذمته، ونقاء صفحته, مما يُخلِصه من الشعور بالذنب, وما يستتبعه من حرج نفسي شديد, بخلاف ما لو أوجبنا عليه كفارات بعدد القتلى، فقد يمكث بقية حياته في أداء الكفارات، لاسيما مع انعدام الرق وتعين الصيام, كما هو الحال في وقتنا الحاضر. 
وقد يقال: إنه لا مشقة في القول بتعدد الكفارات؛ لأن المبتلى بذلك يستطيع أن يعتق أو يصوم ما يقدر عليه, فإن عجز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.والجواب عن ذلك أن المسارعة إلى الخيرات، والحرص على إبراء الذمم, من الأمور التي أمر بها الإسلام، وحثت عليها الشريعة، والقول بعدم تعدد الكفارات فيه تحقيق لهذا المبدأ، خاصة مع كثرت العوارض في هذا الزمن، لأمثال هؤلاء الناس: فمنهم من يمتهن قيادة السيارات لاكتساب عيشه, فهو في سفر مستمر, وحل وترحال، فإذا أوجبنا عليه كفارات عدة، ترتب عليه الإخلال بأمور عيشه, وكفالة أسرته. أيضاً من عوارض هذا الزمن كثرة الأمراض المزمنة, خاصة مع انعدام الرقاب, وتعين الصيام. 


 
المطلب الثالث: وقت وجوب الكفارة ومن يتحملها: 
اتفق الفقهاء على أن الكفارة تجب في مال القاتل, من حين موت المجني عليه. لقوله تعالى:    •      ( ). وهذه الكفارة إنما وجبت على القاتل بطريق الشكر؛ لسلامة نفسه في الدنيا عن القصاص,وفي الآخرة عن العقاب؛ لأن حفظ النفس عن الوقوع في الخطأ مقدور في الجملة بالجهد والجد والتكلف, فجعل الله سبحانه وتعالى تحرير رقبة موصوفة بكونها مؤمنة شكراً لتلك النعمة( ). 
لكن يثور تساؤل عن الوقت المعتبر لتعيين الواجب من خصال الكفارة على المكفر. هل المعتبر وقت وجوب الكفارة, أم وقت أدائها؟
للفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: 
القول الأول: ذهب الأحناف( ), والمالكية( ), والإمام الشافعي في أظهر الأقوال( ) إلى أن العبرة في تعيين نوع الواجب في الكفارة هو حال الأداء لا حال الوجوب, وقد احتجوا (بأن الكفارة عبادة لها بدل ومبدل, فيعتبر فيها وقت الأداء لا وقت الوجوب كالصلاة, بأن فاتته صلاة في الصحة فقضاها في المرض قاعداً، أو بالإيماء أنه يحوز, والدليل على أنها عبادة, وأن لها بدلاً أن الصوم بدل عن التكفير بالمال, والصوم عبادة, وبدل العبادة عبادة, وكذا يشترط فيها النية, وأنها لا تشترط إلا في العبادات, وإذا ثبت أنها عبادة لها بدل ومبدل فهذا يوجب أن يكون المعتبر فيها وقت الأداء لا وقت الوجوب؛ لأنه إذا أيسر قبل الشروع في الصيام أو قبل تمامه فقد قدر على المبدل قبل حصول المقصود بالبدل, فيبطل البدل, وينتقل الأمر إلى المبدل, كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الشروع في الصلاة أو بعده قبل الفراغ منها... وإذا أعسر قبل التكفير بالمال فقد عجز عن المبدل قبل حصول المقصود به, وقدر على تحصيله بالبدل, كواجد الماء إذا لم يتوضأ حتى مضى الوقت ثم عدم الماء ووجد تراباً نظيفاً, أنه يجوز له أن يتيمم ويصلى بل يجب عليه ذلك كذا هنا.)( ).
القول الثاني: ذهب الإمام الشافعي في قول له( ), والإمام أحمد في أظهر الروايتين( ) إلى أن العبرة في تعيين نوع الواجب هو حال الوجوب لا حال الأداء, وبناءً على ذلك فإن كان القاتل معسراً وقت وجوب الكفارة ثم أيسر قبل أدائها لم يجب عليه سوى الصيام, وإن كان موسراً ثم أعسر لم يسقط عنه العتق. محتجين بأن الكفارة تجب على وجه التطهير والتزكية للقاتل, فكان الاعتبار فيها بحالة الوجوب قياساً على الحد. 
ولأن من وجب عليه الصيام في الكفارة لإعساره وقت الوجوب, لم يلزمه غيره, قياساً على العبد. 
القول الثالث: ذهب الإمام الشافعي في قول ثالث له( ), والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه( ) إلى أن العبرة بأغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التكفير, فمتى وجد رقبة فيما بين الوجوب إلى التكفير لزمه العتق, ولم يجز له الانتقال إلى الصوم. وحجتهم: أنه حق يجب  في الذمة بوجود المال, فاعتبر فيه أغلظ الحالين كالحج . 
الترجيح: الراجح- والله أعلم - هو القول الأول, وأن العبرة بحال الأداء لا حال الوجوب, لوجاهة ما عللوا به, ولأن عدم اعتبار حال الأداء, والإلزام بحال الوجوب, أو أغلظ الأحوال قد يؤدي إلى عدم التكفير بالكلية, كما إذا أعسر من وجبت عليه الكفارة بعد أن كان موسرا.
ويمكن أن يجاب عمَّا احتج به أصحاب القول الثاني بأن قياس الكفارة على الحد غير صحيح؛ لأن الحد ليس بعبادة مقصودة بل هو عقوبة، ولهذا لا يفتقر إلى النية, وبناءً عليه فلا يجوز قياس أحدهما على الآخر( ). 
وأما قياسهم الحر المعسر وقت الوجوب على العبد فغير مسلم؛ لأن العبد لا يجب عليه ابتداءً سوى الصوم حتى مع قدرته على العتق والحر بخلاف ذلك. ( ).
وأما ما احتج به أصحاب القول الثالث من قياس الكفارة على الحج فيجاب عنه بأنه قياس غير صحيح؛ لأن الحج عبادة العمر, وجميعه وقت لها, فمتى قدر عليه في جزء من وقته وجب عليه أداؤه, وهذا المعنى غير متحقق في الكفارة؛ إذ لو كان العمر كله وقتاً لها لما جاز الانتقال من العتق إلى الصوم؛ لأن احتمال وجود الرقبة في المستقبل أمر ممكن. ( ). 

 
الخاتمة
ـ في خلاصة البحث ونتائجه وتوصياته ـ
أولاً: خلاصة البحث ونتائجه: 
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين, وهادياً للناس أجمعين, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: 
فقد توصلت من خلال البحث في هذا الموضوع الموسوم بـ "الكفارات في حوادث السيارات" إلى مجموعة من النتائج لعل من أبرزها الآتي: 
أن الكفارة شرعاً هي: عتق أو صيام أو إطعام, يلزم من فعل ما يستوجبها أو أتى ما يستوجبها، وأما كفارة القتل فهي: عتق أو صيام، يلزم من تسبب في قتل معصوم. 
تتنوع الكفارات بحسب سبب وجوبها إلى أنواع أهمها: كفارة اليمين, وكفارة الحلق, وكفارة القتل, وكفارة الظهار, وكفارة الإفطار, وكفارة النذر, وكفارة الإيلاء.... وتتنوع الكفارات بحسب كيفية وجوبها إلى ثلاث كيفيات: الوجوب على التعيين مطلقاً, أو على التخيير مطلقاً، أو على التخيير في حال والتعيين في حال.
أن القتل العمد متصور في حوادث السيارات, ولو تعمد قائد السيارة القتل لم تجب عليه الكفارة على الراجح من أقوال العلماء.
أن القتل شبه العمد متصور في حوادث السيارات, ويجب على القاتل به الكفارة على الراجح من أقوال العلماء. 
أن غالب حوادث السيارات يندرج ضمن القتل الخطأ, ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب الكفارة في القتل الخطأ.
أن الراجح وجوب الكفارة على القاتل بالتسبب كمن أوقف سيارته في موقف مخالف فارتطمت بها سيارة أخرى ومات من فيها.
إذا انقلبت السيارة أو اصطدمت بأخرى ومات سائقها فلا تجب الكفارة في ماله على الرأي الراجح.
إذا قاد الصغير أو المجنون سيارة, أو تسبب بحادث لسيارة، ومات من فيها فلا كفارة عليهم على الراجح لعدم التكليف.
تجب الكفارة على الكافر في حوادث السيارات على القول الراجح، ويكفر بالعتق لا الصوم؛ لأنه عبادة لا تصح منه.
إذا قاد السكران سيارة أو تسبب بحادث ومات أحد الركاب، فإن كان سكره بطريق مباح فحكمه حكم المجنون لا كفارة عليه على الراجح, وإن كان سكره بطريق محرم فحكمه حكم الصاحي, تلزمه الكفارة.
أجمع الفقهاء على وجوب الكفارة بقتل المؤمن للنص.
من قتل كافراً في حادث سيارة لزمته الكفارة على القول الراجح. 
إذا وقع حادث لسيارة ونتج عنه إسقاط جنين أو أجنة أموات فإن من ينسب له القتل, ويتحمل تبعة الحادث لا تلزمه الكفارة على الرأي الراجح.
لا خلاف في أن كفارة القتل هي العتق والصيام على الترتيب، وأن الصحيح عدم جواز التكفير بقيمة الرقبة فإن عجز عن قيمة الرقبة, أو لم يجد رقبة يعتقها كما في عصرنا الحاضر انتقل إلى الصيام.
الراجح عدم مشروعية التكفير بالإطعام في كفارة القتل إن عجز عن الصيام والتوقف عند مورد النص في الآية.
يشترط في صيام الكفارة التتابع للنص عليه, ولا ينقطع هذا التتابع بالحيض إجماعاً, وبالمرض على الراجح، وينقطع التتابع بالنفاس, والسفر, وصوم رمضان, وفطر أيام العيدين والتشريق على الراجح.
يجوز للمكفر بالصيام أن يبتدئ صوم الشهرين من أول الشهر ومن وسطه, فإن ابتدأ الصيام من أول الشهر فصام شهرين بالأهلة أجزأه ذلك سواء كانا تامين أو ناقصين, وإن ابتدأ أثناء الشهر فصام ستين يوماً أجزأه، فإن لم يكمل ستين يوماً فحسب شهراً بالأهلة وشهراً بالعدد أجزأه ذلك على الراجح. 
إذا تعدد القاتلين في حوادث السيارات كما في حوادث الاصطدام التي يقرر المرور فيها توزيع نسبة الخطأ بين السائقين ولو مع التفاوت فإن الكفارة تجب على كل المشاركين على الرأي الراجح.
مع وجود السيارات التي تستوعب أعداداً كثيرة من الركاب فإذا حصل حادث ومات كل أو بعض من فيها ونجا السائق، فيرى جماهير الفقهاء, وجوب كفارة لكل قتيل، فتتعدد الكفارة بتعدد القتلى، ويرى بعض الشافعية, وبعض الحنابلة وجوب كفارة واحدة وهو رأى له وجاهة لاسيما في وقتنا الحاضر مع تقدم وسائل النقل, وقد يصل الموتى إلى المئات, كما في حوادث الطائرات والبواخر. 
لا خلاف بين الفقهاء في أن الكفارة تجب على القاتل.
العبرة في تعيين نوع الواجب على المكفر في الكفارة هو وقت الأداء على الراجح. 
ثانياً: التوصيات: 
في ختام هذا البحث أرى طرح عدد من التوصيات فإن كانت صواباً فمن الله، وإن كانت غير ذلك فمن النفس والشيطان وحسبي أنى قد اجتهدت في طرحها: 
دعوة صادقة لإخواني القضاة, والمفتين، وطلبة العلم, والدعاة، وأصحاب الكلمة والقلم في المجتمع، لتنبيه الناس على وجوب كفارة القتل, وحثهم على المسارعة لإبراء ذممهم, بأدائها, وإشعارهم بأنها من حدود الله وشرائعه التي أمر بها, وأنها لا تقل شأناً عن الدية, إذ إن الملاحظ أن كفارة القتل مما يتساهل فيه بعض الناس اليوم, خصوصاً في حوادث السيارات التي تذهب فيها أنفس كثيرة؛ فقد يستثقل من تحمل المسؤولية في ذلك الصيام ولاسيما إذا تعددت عليه الكفارات؛ فلا يصوم وتبقى ذمته مشغولة. 
مع تقدم وسائل النقل, ووجود السيارات الكبيرة التي تستوعب أعداداً كبيرة من الركاب, وكذا وجود وسائل النقل الأخرى كالطائرات والبواخر, فإننا نحتاج إلى معرفة الأحكام الشرعية المترتبة على أعمال السائقين, ومن يقود تلك الوسائل, عند حصول الحوادث التي يذهب ضحيتها العشرات والمئات, لكونها من النوازل الحادثة وهذا يدعوني إلى توجيه دعوة للمجامع الفقهية, والهيئات العلمية, ودور الإفتاء، للقيام بدراسة علمية متعمقة للمسائل المتعلقة بحوادث السيارات مع التركيز على مسألة تعدد الكفارات بتعدد المقتولين، على أن تراعى في دراستها ظروف العصر, وتغير الأحوال. 
نظراً لأن كثيراً من الحوادث تحصل بسبب خلل في المركبة، وبالأخص الإطارات، فإني أرى ضرورة إصدار نظام يلزم المركبات التي تعمل على نقل الركاب عبر الطرق السريعة, بإجراء فحص دوري نصف سنوي وربط الترخيص لها بالنقل باجتيازها للفحص.
نظراً لكثرة حوادث السيارات، واختلاف مسبباتها, وكثرة الإشكالات حولها, فإني أرى أهمية الإسراع في إنشاء المحاكم المرورية, مع أهمية عقد دورات وحلقات نقاش بين القضاة الذين سيعملون بها، ورجال المرور،عن أنظمة المرور المختلفة, وطرق إعداد التقارير المرورية عن الحوادث؛ والاستفادة من توجيهات القضاة وتبادل الرأي بينهم لأهمية ذلك بالنسبة للقضاة عند إصدار الأحكام؛ ولرجال المرور عند إعداد التقارير إذ إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
أهمية التأكيد عبر المناهج الدراسية, ووسائل الإعلام المختلفة, على وجوب الالتزام بالأنظمة العامة ومنها نظام المرور.. وغيره من الأنظمة التي وضعها ولي الأمر لضبط أعمال الناس وتحركاتهم, ومنع الفوضى, خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه التجاوزات والمخالفات, وإشعارهم بأنه لا يجوز لأحدٍ تجاوزها؛ لأن تجاوزها يؤدي للفوضى والإخلال بالأمن.
دعوة مخلصة للمسئولين عن المرور, بلفت انتباه المسؤولين المباشرين عن الحوادث المرورية، الذين يقومون بإعداد التقارير عن الحوادث بتحري الدقة وإبراء الذمة عند إعدادها؛ نظراً لأن القضاة يعتمدون عليها في إصدار أحكامهم غالباً، فقد يكون الحادث بسبب قطعة غيار مقلدة أو تالفة أو مخزنة بيعت للسائق دون أن يعلم عن حقيقتها, أو خطأ مصنعي في السيارة، وفي هذه الحالة لا يتحمل السائق المسؤولية فتحميله للمسؤولية ظلم له. 
تلك أبرز النتائج والتوصيات التي توصلت إليها من خلال البحث في هذا الموضوع، أسأل الله الكريم بمنه وفضله أن يحسن الخاتمة لي ولوالدي وأولادي وكل مسلم ومسلمة, وأن يغفر لي زلتي، ويجزي خيراً كل من سدد هفوتي، وأختم هذه الخلاصة بدعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- (اللهم اجعل عملنا كله صلحاً, واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً) والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 
























فهرس المراجع
1- القرآن الكريم. 
2- الإجماع - للإمام ابن المنذر (ت318هـ) تحقيق د. فؤاد عبدالمنعم أحمد ط الثالثة 1402هـ. 
3- الأحكام السلطانية والولايات الدينية لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (ت450هـ) ط الأولى 1405هـ 1985م دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان. 
4- أحكام القرآن - لأبي بكر محمد بن عبدالله المعروف بابن العربي ط الأولى 1376هـ 1957م الناشر مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر . 
5- أحكام القرآن - للإمام حجة الإسلام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص ت (370هـ) الناشر دار الكتاب العربي بيروت. 
6- الإحكام في أصول الأحكام - للإمام سيف الدين أبي الحسن علي الآمدي ط 1400هـ 1980م دار الكتب العلمية - بيروت لبنان. 
7- الإرشاد إلى سبيل الرشاد - الشريف محمد بن أحمد بن محمد بن أبي موسى الهاشمي (ت428هـ) تحقيق د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي - ط الأولى 1419هـ 1998م الناشر مؤسسة الرسالة. 
8- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ط الثانية 1405هـ 1985م الناشر المكتب الإسلامي. 
9- الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان - الشيخ زين العابدين بن إبراهيم بن نجيم (ت970هـ) ط 1400هـ 1980هـ الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان. 
10- الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية - الإمام جلال الدين عبدالرحمن السيوطي (ت911هـ) ط الأولى 1399هـ 1979م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان. 
11- الإشراف على مذاهب أهل العلم - للإمام الحافظ محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري ت (318هـ) تحقيق محمد نجيب سراج ط الأولى 1406هـ 1986م - الناشر إدارة إحياء التراث الإسلامي الجزء الأول والثاني. 
12- الإشراف على مذاهب العلماء - لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر (ت318هـ) تحقيق أبو حماد صغير أحمد محمد حنيف - ط الأولى الناشر: دار طيبة - الرياض - الجزء الرابع. 
13- أصول السرخسي - للإمام أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي (ت 490هـ) تحقيق أبو الوفاء الأفغاني. الناشر دار المعرفة - بيروت - لبنان. 
14- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي (1393هـ) ط 1403هـ 1983هـ. 
15- الإقناع - للإمام الحافظ أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت318هـ) تحقيق د. عبدالله بن عبدالعزيز الجبرين - ط الأولى 1408هـ. 
16- الإقناع لطالب الانتفاع - لشرف الدين موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي المقدسي (ت968هـ) تحقيق د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي، ط الأولى 1418هـ 1997م الناشر: دار هجر للطباعة والنشر .
17- الأم - للإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت 204هـ)- الناشر دار المعرفة - بيروت لبنان. 
18- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف - لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي (ت885هـ) تحقيق د. عبدالله التركي الطبعة الأولى 1417هـ - 1996م الناشر : دار هجر. 
19- أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء. الشيخ قاسم القونوي - تحقيق د. أحمد بن عبدالرزاق الكبيسي ط الأولى - 1406هـ - 1986م ، الناشر دار الوفاء للنشر جدة.
20- الأهلية ونظرية الحق في الشريعة الإسلامية - د. عبدالله بن عبدالعزيز العجلان - ط الأولى 1416هـ 1996م. 
21- الاختيار لتعليل المختار - عبدالله بن محمد بن مودود الحنفي ط الثالثة 1395هـ -1975م الناشر دار المعرفة - بيروت - لبنان . 
22- الاستعانة بغير المسلمين - د. عبدالله الطريقي - ط الأولى 1409هـ. 
23- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - للإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي ت587هـ ط الثانية 1406هـ 1986م - دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان. 
24- بداية المجتهد ونهاية المقتصد - للإمام القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد - الناشر دار الفكر . 
25- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق - للعلامة فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي - ط الثانية - الناشر دار الكتاب العربي. 
26- التداخل وأثره في الأحكام الشرعية - د. محمد خالد منصور ط الأولى 1418هـ 1998م الناشر دار النفائس . 
27- التشريع الجنائي الإسلامي - د. عبدالله بن سليمان العجلان ط الأولى 1422هـ 2001م. 
28- التشريع الجنائي الإسلامي - مقارناً بالقانون الوضعي - عبدالقادر عودة ط الرابعة عشر 1418هـ 1997م الناشر مؤسسة الرسالة . 
29- التفريع - لأبي القاسم عبيد الله بن الحسين بن الحسن ابن الجلاب البصري ت 378هـ دراسة وتحقيق د. حسين بن سالم الدهماني - ط الأولى 1408هـ 1987م - دار الغرب الإسلامي بيروت لبنان. 
30- تفسير الطبري - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) ط 1405هـ دار الفكر بيروت. 
31- التفسير الكبير - للإمام الفخر الرازي - ط الثانية - نشر دار الكتب العلمية. 
32- التلقين في الفقه المالكي - للقاضي أبو محمد عبدالوهاب البغدادي المالكي - تحقيق ودراسة محمد ثالث سعيد الغاني - المكتبة التجارية - مكة المكرمة. 
33- الجامع الصغير- للإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت189هـ) نشر إدارة القرآن والعلوم الإسلامية كراتشي باكستان. 
34- الجامع لأحكام القرآن - لأبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي - تحقيق د. محمد إبراهيم الحفناوي - ط الأولى 1414هـ 1994م الناشر: دار الحديث القاهرة. 
35- الجنايات في الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون - د. حسن بن علي الشاذلي . ط الثانية 1397هـ  1977م. 
36- جواهر الإكليل شرح مختصر العلامة خليل - للعلامة: صالح عبدالسميع الأزهري. الناشر: المكتبة الثقافية - بيروت. 
37- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - للإمام محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي - ت1230 هـ ط الأولى 1417هـ 1996م الناشر دار الكتب العلمية. 
38- حكم الجناية على الجنين- الإجهاض - د. عبدالله بن عبدالعزيز العجلان - ط الأولى 1423هـ  2002م. 
39- حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء- سيف الدين أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي القفال - تحقيق د. ياسين أحمد درادكه ، ط الأولى 1988م نشر مكتبة الرسالة الحديثة. 
40- الحوادث المرورية آلام وحسرات إعداد علي بن حسين أبو لوز ـ الطبعة الثانية 1421هـ الناشر دار الوطن. 
41- الخرشي على مختصر خليل ـ للشيخ محمد الخرشي ـ الناشر دار صادر. 
42- الدر المنثور في التفسير بالمأثور ـ جلال الدين السيوطي ـ الناشر محمد أمين دمج وشركاه ـ بيروت  - لبنان - طبعة بالأوفست عن المطبعة الميمنة بمصر. 
43- دليل الطالب على مذهب الإمام أحمد بن حنبل - للفقيه مرعي بن يوسف الحنبلي - ط الثالثة 1397هـ 1977م الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت - لبنان. 
44- الذخيرة في فروع المالكية ـ للإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافـي ت684هـ تحقيق أبي إسحاق أحمد عبدالرحمن ط الأولى 1422هـ 2001م الناشر دار الكتب العلمية. 
45- رؤوس المسائل الخلافية بين الحنفية والشافعية ـ للعلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت538هـ)، دراسة وتحقيق عبدالله نذير أحمد ـ ط الأولى 1407هـ 1987م الناشر دار البشائر الإسلامية ـ بيروت ـ لبنان. 
46- رفع الحرج في الشريعة الإسلامية - دراسة أصولية تأصيلية د. يعقوب عبدالوهاب الباحسين - ط الثانية 1416هـ دار النشر الدولي. 
47- رفع الحرج في الشريعة الإسلامية- ضوابطه وتطبيقاته- د. صالح بن عبدالله بن حميد- ط الثانية 1412هـ الناشر: دار الاستقامة. 
48- روضة الطالبين وعمدة المفتين- للإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي ت 676هـ الطبعة الثانية 1405هـ 1985م الناشر المكتب الإسلامي. 
49- روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ـ موفق الدين: عبدالله ابن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (ت620هـ) تحقيق د. عبدالكريم بن علي النملة، ط الخامسة 1417هـ 1997م الناشر مكتبة الرشد الرياض. 
50- سنن أبي داود- للإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275هـ) مراجعة محمد محيي الدين عبدالحميد الناشر دار الفكر. 
51- سنن الحافظ أبي عبدالله محمد بن يزيد القرويني ابن ماجه ت (275هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ـ الناشر دار الفكر. 
52- السنن الكبرى- للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي- ت (458هـ) ط دار الفكر. 
53- شرح الزركشي على مختصر الخرقي في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل- للشيخ شمس الدين محمد بن عبدالله الزركشي الحنبلي تحقيق الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين- ط  الثانية 1414هـ 1993م. 
54- الشرح الكبير لشمس الدين أبي الفرج عبدالرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي ت 682هـ -تحقيق د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي - ط الأولى 1417هـ 1996م. 
55- الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ محمد بن صالح العثيمين تحقيق هاني الحاج- الناشر المكتبة التوفيقية . 
56- شرح المنهاج للبيضاوي في علم الأصول ـ لشمس الدين محمود بن عبدالرحمن الأصفهاني (ت749هـ) تحقيق د. عبدالكريم بن علي النملة ط الأولى 1410هـ الناشر مكتبة الرشد الرياض. 
57- شرح مختصر الروضة- نجم الدين أبي الربيع سليمان بن عبدالقوي الطوفـي ت (716هـ) تحقيق د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي ، ط الثانية 1419هـ 1998م ـ وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد. 
58- شرح منتهى الإرادات دقائق أولي النّهى لشرح المنتهى للشيخ منصور بن يونس بن إدريس البهوتي ت 1051هـ تحقيق د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي . ط الأولى 1421هـ 2000م مؤسسة الرسالة. 
59- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ـ إسماعيل بن حمَّاد الجوهري تحقيق أحمد عبدالغفور عطار ـ ط الثانية 1402هـ 1982م. 
60- صحيح البخاري- أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري ت 256هـ- المكتبة الإسلامية ـ تركيا 1981م. 
61- صحيح مسلم بشرح النووي ـ ط 1401هـ 1981م دار الفكر . 
62- العُدَّة في أصول الفقه ـ للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي الحنبلي (ت458هـ) تحقيق د. أحمد بن علي سير المباركي ط الثانية 1410هـ 1990. 
63- عوارض الأهلية عند الأصوليين- د. حسين بن خلف الجبوري- ط الأولى ـ 1408هـ 1988م الناشر جامعة أم القرى مكة المكرمة.
64- فتاوى إسلامية لمجموعة من العلماء بالإضافة إلى فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء ـ تقديم وإشراف الشيخ قاسم الشماعي الرفاعي ط الأولى 1408هـ 1988م دار القلم بيروت ـ لبنان. 
65- فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة ورئيس القضاة والشؤون الإسلامية ـ جمع وترتيب وتحقيق محمد بن عبدالرحمن بن قاسم ـ ط الأولى 1399هـ. 
66- فتح الباري بشرح صحيح البخاري ـ للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت (852هـ) ط الثانية 1407هـ  1987م الناشر دار الريان للتراث القاهرة. 
67- فتح الوهاب ـ للإمام زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري أبو يحيى (ت926هـ) ط الأولى 1418هـ الناشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت. 
68- الفروع ـ للإمام شمس الدين أبي عبدالله محمد بن مفلح المقدسي ت 762هـ ط الأولى 1418هـ 1997م الناشر دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان. 
69- الفواكه الدواني- أحمد بن غنيم بن سالم النفراوي المالكي ت (1125هـ) ط 1415هـ الناشر دار الفكر ـ بيروت. 
70- القاموس الفقهي- سعدي أبو جيب- ط2- 1408هـ الناشر دار الفكر- دمشق . 
71- القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الشرعية للإمام أبي الحسن علاء الدين بن محمد بن عباس البعلي الحنبلي المعروف بابن اللحام (ت803هـ) تحقيق عبدالكريم الفضيلي- ط الأولى 1418هـ 1998م- مكتبة إحياء التراث الإسلامي مكة المكرمة. 
72- القوانين الفقهية- لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي ت 741هـ الناشر . دار الكتب العلمية : بيروت- لبنان. 
73- الكافـي- لموفق الدين أبي محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ت 620هـ تحقيق د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي ط الأولى 1418هـ 1997م الناشر دار هجر . 
74- الكافـي في فقه أهل المدينة المالكي- لأبي عمر يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر النمري القرطبي . تحقيق د. محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني . ط الأولى 1398هـ- 1978م. 
75- كتاب الأصل المعروف بالمبسوط للإمام أبي عبدالله محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ) تصحيح وتعليق أبو الوفاء الأفغاني منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية. 
76- كشاف القناع عن متن الإقناع- للشيخ منصور بن يونس البهوتي ت1051هـ ط 1402هـ 1982م الناشر دار الفكر للطباعة- بيروت. 
77- كشف الأسرار شرح المصنف على المنار، للإمام أبي البركات عبدالله بن أحمد النسفي (ت710هـ) ط الأولى 1406هـ 1986م دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان. 
78- كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ـ للإمام علاء الدين عبدالعزيز بن أحمد البخاري (ت 730هـ) ط الأولى 1411هـ 1991م الناشر دار الكتاب العربي ـ بيروت. 
79- الكفارات في الإسلام- د. محمد حسن فقيه ـ ط الأولى 1424هـ 2003م. دار الوفاء للطباعة والنشر. 
80- الكفارات في الشريعة الإسلامية على المذاهب الأربعة عبدالله بن محمد بن سعد القويزاني- ط الأولى 1399هـ ، مطبعة دار التأليف. 
81- الكفارات في حوادث الطرق- د. علي بن محمد العمري ط 1422هـ 2001م سلسلة إصدارات مركز البحوث بكلية الآداب- جامعة الملك سعود. 
82- اللباب في شرح الكتاب- للشيخ عبدالغني الغنيمي- تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد- ط الرابعة1399هـ 1979م الناشر دار الحديث ـ بيروت. 
83- لسان العرب- للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور المصري- دار صادر . 
84- المبسوط- لشمس الدين السرخسي محمد بن أحمد بن أبي سهل ت 483 هـ ط 1406هـ 1986 الناشر دار المعرفة. 
85- مجلة أضواء الشريعة- مجلة دورية تصدرها كلية الشريعة بالرياض- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية العدد 12 عام 1401هـ. 
86- مجلة البحوث الإسلامية- مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض العدد السادس والعشرون- 1410هـ . 
87- مجلة العدل ـ مجلة فصلية علمية تصدر عن وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية ـ العدد الثالث ـ رجب 1420هـ. 
88- مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر- عبدالله بن محمد بن سليمان داماد أفندي ـ ط المطبعة الخيرية- القاهرة 1309هـ . 
89- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد- للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت 807هـ) الناشر مؤسسة المعارف- بيروت لبنان ط 1406هـ 1986م. 
90- مجمع الضمانات في مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان- للعلامة أبي محمد بن غانم البغدادي- ط الأولى 1308هـ الناشر دار الكتاب الإسلامي. 
91- المجموع شرح المهذب للشيرازي- لأبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي - (ت676هـ) وتكملته للشيخ محمد بخيت المطيعي الناشر دار الفكر. 
92- مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية- جمع وترتيب عبدالرحمن بن محمد بن قاسم وابنه محمد- الناشر مكتبة المعارف الرباط المغرب . 
93- مختصر المزني- أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني- ط دار المعرفة- بيروت- لبنان. 
94- المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس رواية سحنون التنوخي عن عبدالرحمن بن قاسم- الناشر دار الفكر 
95- المستدرك على الصحيحين في الحديث- للحافظ أبي عبدالله محمد بن عبدالله المعروف بالحاكم ت (405هـ) الناشر دار الكتب العلمية وبذيلة تلخيص المستدرك للإمام شمس الدين أبي عبدالله محمد بن أحمد الذهبي ت (848هـ). 
96- المستصفى من علم أصول الفقه- للإمام أبي حامد الغزالي ط الأولى 1324هـ الناشر دار إحياء التراث العربي- بيروت . 
97- مسند الإمام أحمد بن حنبل- الناشر المكتب الإسلامي. 
98- المشقة تجلب التيسير- دراسة نظرية تطبيقية- صالح بن سليمان اليوسف- ط 1408هـ 1988م. 
99- المعجم الكبير- سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني ت (360هـ) تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي ، ط الثانية. الناشر مكتبة الزهراء ــ الموصل. 
100- المعجم الوسيط - إبراهيم مصطفى الزيات- عامر عبدالقادر محمد النجار ـ الناشر مجمع اللغة العربية 
101- المغني- لموفق الدين أبي محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ت 620هـ تحقيق د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي د. عبدالفتاح محمد الحلو ـ ط الأولى 1410هـ 1990 دار هجر.
102- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج ـ شرح الشيخ محمد الشربيني الخطيب على متن المنهاج لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي ط 1352هـ 1933م دار إحياء التراث العربي.
103- المنثور في القواعد- بدر الدين بن محمد بن بهادر الزركشي تحقيق د. تيسير فائق أحمد محمود ط. بدون. 
104- المهذب في فقه الإمام الشافعي- للشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي- دار الفكر. 
105- مواهب الجليل لشرح مختصر خليل- لأبي عبدالله محمد بن محمد الحطاب (ت954هـ) ط الثالثة 1412هـ 1992م الناشر دار الفكر . 
106- موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي- سعدي أبو جيب ط الثانية 1404هـ 1984م الناشر دار الفكر دمشق. 
107- الموسوعة الفقهية - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت ط الأولى 1416هـ  1995م.
108- النظام السياسي في الإسلام- د. سليمان بن قاسم العيد ط الأولى 1422هـ 2002م الناشر دار الوطن- الرياض. 
109- نظرية الضمان في الفقه الإسلامي العام- أد محمد فوزي فيض الله -ط الأولى 1403هـ - 1983م مكتبة دار التراث - الكويت. 
110- الهداية شرح بداية المبتدى- برهان الدين أبي الحسين علي بن أبي بكر المرغيناني ت 593هـ  الناشر المكتبة الإسلامية. 
111- الوسيط في المذهب - للإمام محمد بن محمد بن محمد الغزالي ت 505هـ - تحقيق محمد محمد تامر - ط الأولى 1417هـ 1997م الناشر دار السلام للطباعة والنشر. 


 
فهرس
          الموضوع الصفحة 

مقدمة 1
أهمية البحث 1
أسئلة البحث 1
منهج البحث 2
خطة البحث 2
المبحث الأول: التعريف بالكفارات وأنواعها 4
المطلب الأول: التعريف بالكفارة 5
الفرع الأول: تعريف الكفارة لغة 5
الفرع الثاني: تعريف الكفارة شرعا 5
المطلب الثاني: أنواع الكفارات 6
الفرع الأول: أنواع الكفارات بحسب سبب وجوبها 6
الفرع الثاني: أنواع الكفارات بحسب كيفية وجوبها 7
المبحث الثاني: من تجب عليه كفارة القتل 9
المطلب الأول: العامد 10
المطلب الثاني: القاتل في شبه العمد 15
المطلب الثالث: المخطئ 18
المطلب الرابع: المتسبب 20
المطلب الخامس: قاتل نفسه 23
المطلب السادس: الصغير والمجنون 26
المطلب السابع: الكافر 28
المطلب الثامن: السكران 30
المبحث الثالث: من تجب الكفارة بقتله 32
المطلب الأول: المؤمن 33
المطلب الثاني: الكافر 33
المطلب الثالث: الجنين 36

المبحث الرابع: كفارة القتل 39
المطلب الأول: خصال الكفارة 40
الفرع الأول: العتق 40
الفرع الثاني: الصيام 41
المسألة الأولى: الحيض والنفاس 41
المسألة الثانية: المرض 43
المسألة الثالثة : السفر 45
المسألة الرابعة: صوم رمضان وفطر أيام العيدين والتشريق 45
المسألة الخامسة: متى يبدأ المكفِّر صيام الشهرين 46
الفرع الثالث: الإطعام 47
المطلب الثاني: تعدد الكفارات 50
الفرع الأول: تعدد القاتلين 50
الفرع الثاني: تعدد المقتولين 51
المطلب الثالث: وقت وجوب الكفارة ومن يتحملها 55
الخاتمة 57
أولاً: خلاصة البحث ونتائجه 57
ثانياً: التوصيات 58
فهرس المراجع 60
فهرس الموضوعات 68
الكفارات في حوادث السيارات
قانون حوادث السير

القتل الخطأ في حوادث المرور

دية القتل الخطأ في حوادث السيارات في مصر

موقف الإسلام من حوادث السير

قضايا الدهس

حكم من تسبب في حادث ومات

عقوبة حادثة سير مميتة

عقوبة الدهس غير العمد الاردن

تعليقات