القائمة الرئيسية

الصفحات

جرائم الشرف " دراسة فقهيَّة مقارنة "

جرائم الشرف " دراسة فقهيَّة مقارنة "

جرائم الشرف
" دراسة فقهيَّة مقارنة "




جرائم الشرف
" دراسة فقهيَّة مقارنة "

إعـداد
أ.د. علي أبو البصل
أستاذ الدراسات العليا- كلية الشريعة والأنظمة



جامعة الطائف
1434هـ - 2013م



مقــدمة
الحمد لله رب العالمين، الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وشرع فأحكم، وقضى فعدل، وأنزل الكتاب والميزان؛ ليقوم الناس بالقسط، والصلاة والسلام على رسوله الهادي البشير، المعلم والهادي إلى صراط مستقيم، أما بعــد:
فإن إسلامنا العظيم قــد حدد لنا طريقة التفكير المنتجة، التي تقوم على التحليل والتدقيق، والتقييم من أهل الخبرة والاختصاص؛ وصولا إلى رأي علمي يسنده الدليل من منطق الشَّرع، والعقل، والواقع، بعيدا عن الهوى والتشهي، والرأي المجرد.
والفقه الإسلامي، يتسم بالمرونة العلمية، القائمة على المصلحة والعدل، ومن هنا وجد ما يسمى بالفقه المقارن الذي يتسع للرأي، والرأي الآخر، وصولا إلى رأي راجح في المسألة مدار البحث، يحقق مصالح المكلفين في الدنيا، والآخرة.
وقد اتسعت دائرة المقارنة؛ لتشمل المذاهب الفقهيَة؛ لأن الدراسات والبحوث الإسلامية، يجب أن تخاطب الإنسان في كل زمان، ومكان، وتقدم الحلول للمستجدات، للإنسانية كلها، وإلا كانت الدراسة قاصرة عن تحقيق أهدافها؛ لأن تقنية الاتصالات أنهت القطرية الضيقة، وأصبح العالم قرية واحدة، يؤثر شرقها بغربها، وعالمية الإسلام تقتضي من الفقيه أن يقوم بدوره العلمي، بعيدا عن التقليد الأعمى، والتعصب المذهبي.
والوقائع الجديدة، التي تحتاج إلى حكم شرعي، لا حصر لها؛ لأنها تتولد مع الزمن شيئا فشيئا، وتعقَد بعضها وتشابك، والمجامع الفقهية تقوم بدورها في ذلك، ولكن البحث الفقهي، يبقى مادة ذلك وأساسه.
ومبدأ الشرعية في الجرائم والعقوبات أحد المبادئ المهمة في الفقه الإسلامي؛ لأنه يضمن الحريات العامة، وحقوق الإنسان؛ فلا يعد الفعل أو الترك جريمة إلا إذا تم النهي عن الفعل أو الترك بأمر شرعي.
ومقاصد الشريعة تتمثل في حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، والأحكام الشرعية شرعت لتكون وسائل تفضي إلى هذه المقاصد، وكل تصرف ومن ذلك القتل بذريعة الحفاظ على الشرف يفضي إلى خرم مقاصد الشريعة، وقواعدها الثابتة، يكون باطلا شرعا وعقلا وواقعا، ويستحق المقدم على ذلك الجزاء العادل؛ لأن الغاية لا تبرر الوسيلة، وإنما تقررها.  ولا علاقة لجرائم الشرف بالدين الإسلامي، وما ينبثق عنه من قيم ومثل عليا، بل على العكس الإسلام يحرم هذه الجرائم، ويعاقب عليها بأشد العقوبات، ويحول دون وقوعها من خلال توجيه المسلم بأن لا يضع نفسه في مواطن الشبهات، وأن لا يتسرع في اتخاذ القرار؛ لأن المعلومة الصحيحة، والتثبت، وسؤال أهل الخبرة والاختصاص من مستلزمات اتخاذ القرار في الفقه الإسلامي، قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) الأحزاب: ٧٠    
وقال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ) الإسراء: ٣٦
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) الحجرات: ٦
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) الحجرات: ١٢
وعن أبي الحوراء السعدي، قال: قلت للحسن بن علي ما تحفظ من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-  قال: سأله رجل عن مسألة ما أدري ما هي، فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. (1)                 
وهذه بعض الأدلة التي تقرر المنهج العلمي في اتخاذ القرار بعيدا عن التشهي، والتقليد الأعمى، فالمنهج العلمي في اتخاذ القرار مؤصّل في القرآن، والسنة، ويقوم على جمع المعلومات من مصادرها المعتمدة، ومن ثم تدقيقها، وتحليلها، وتقييمها من أهل الخبرة والاختصاص، ومن ثم إصدار القرار؛ لأن القرار المتسرع يعود بالضرر، والندم على الفرد، والمجتمع، والدولة.
الدراسات السابقة:
لم أجد في حدود علمي دراسة تأصيليّة فقهية مستقلة لجرائم الشرف، وإنما وجد فتاوى وأحكام قضائية نشرت في الصحف، والمواقع الإلكترونية، ووجدت دراسات اجتماعية وحقوقية؛ ومع هذا تبقى الدراسة الفقهية ملحة؛ لأن جرائم الشرف ترتبط بمقاصد الشريعة بجميع مستوياتها ودرجاتها؛ بالإضافة إلى أن  جرائم الشرف من المسائل المهمة، ومن قضايا الحسبة الملحة في هذا العصر.
أهميّة الموضوع، وسبب اختياره :
تكتسب الدراسة أهميتها من الأمور الآتية:
1-  ارتباط الدراسة بالمصالح  المعتبرة شرعا  للمكلفين.
    قال النووي: " وأهم أنواع العلم في هذه الأزمان الفروع الفقهية؛ لافتقار جميع الناس إليها في جميع الحالات، مع أنها تكاليف محضة فكانت من أهم المهمات." (2)      
 2-   ارتباط الدراسة بواقع حياة الناس؛ لأن أحوال جديدة أصبحت ترد بكثرة على المجتمعات المسلمة بسبب تقنية الاتصالات، وتشابك الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، وما أفرزته من جرائم، وتعقيدات وآثار؛ يؤكد ذلك تقرير صدر عن الأمم المتحدة عن سنة 2007م يفيد أن ما يقرب من خمسة آلاف امرأة، وفتاة يقتلون سنويا من قبل أحد أفراد أسرتهم في حين تشكك الجمعيات النسائية في الشرق الأوسط، وجنوب غرب أسيا في هذا العدد، وتشير إلى أن عدد الضحايا على الأقل أكثر بأربع مرات من ما ينشره التقرير. (3)
وفي تقرير أخر صدر عن الأمم المتحدة لسنة 2002م، أفاد أن الممارسات الاجتماعية في الأسر التي تمارس العنف ضد النساء تكثر في كل من مصر، والأردن، ولبنان، والمغرب، وباكستان، والجمهورية العربية السورية، وتركيا، واليمن، ودول متوسطية أخرى بالإضافة لدول الخليج العربي. (4)
وقد أظهرت دراسة أعدها المجلس الوطني لشؤون الأسرة في الأردن، أن محكمة الجنايات الكبرى سجلت خمسين حالة قتل لإناث في قضايا ما يسمّى بالدفاع عن الشرف، خلال الفترة من العام  2000- 2010م، وبيّنت الدراسة أن 56 % من الضحايا ضمن الفئة العمرية من 18- 28 سنة، مشيرةً إلى أن 45 % من الجناة كانوا من ضمن الفئة العمرية ذاتها.
وبالنسبة للحالة الاجتماعية للضحايا، أوضحت النتائج أن 42 % منهن غير متزوجات، و 42 % منهن متزوجات، بينما توزعت البقية ما بين أرامل، ومطلقات في حين أن 56 % من الجناة كانوا متزوجين، و56 % منهم عمال، ما يشير إلى انخفاض مستواهم التعليمي، وكانت أدوات ارتكابهم للجريمة الأسلحة النارية، أو الأدوات الحادة. (5)           
ولا تأخذ هذه الجرائم هذا الاسم إلا في البلدان التي لديها نوع من الحماية القانونية التي تعفي القتلة من العقاب،  كما هو الحال في بلدان مثل سورية، والأردن. حيث توجد في سورية مادتان تحميان القتلة بهذا العذر: المادة (584 )، والمادة  (192 ) من قانون العقوبات السوري، والمادة ( 98) من قانون العقوبات الأردني.
3- تبين التقارير أن معظم الجرائم المتعلقة بالشرف ترتكب في دول العالم الإسلامي مما أدى إلى الربط والاستنتاج الخاطئ بارتباط هذه الجرائم بالحضارة، والدين الإسلامي، وتأتي هذه الدراسة لتبين فساد هذا الرأي. (6)
مشكلـــة الدراســـة :
الجرائم التي تقع في المجتمعات العربية والإسلامية  بدافع الشرف، والحفاظ على السمعة، وهي في الحقيقة جرائم ترتبط بالعادات، والتقاليد، والموروثات الثقافية الخاطئة، وما ينشأ عنها من اغتيال للسمعة والشخصية، بإشاعات كاذبة، وسؤ ظن  بسبب وضع الإنسان نفسه في مواطن الشبهات، وما يترتب على ذلك من ردود فعل عكسية غريزية دون تثبت، أو تريث، أو إعمال للعقل، والمنطق؛ وهذا يستلزم تحديد الحد الفاصل بين الحق، والباطل في جرائم الشرف، وما يرتبط بها من أحكام.
مناهج البحث الفقهي المتبعة في الدراسة:
أ‌-                   المنهج الوصفي التحليلي، ويتمثل بما يلي:
1-  تحديد المفاهيم الواردة في الدراسة.
2- توجيه أقوال الفقهاء، وبيان وجه استدلالهم بالأدلة الواردة في الدراسة. 
3- تحرير محل النزاع إن وجد، وبيان منشأ الخلاف.
4- المناقشة والترجيح.    
ب- المنهج التوثيـقي، ويتمثل بما يلي:
1- عزو الآيات إلى مواضعها من كتاب الله تعالى بذكر اسم السورة، ورقم الآية.
2- تخريج الأحاديث، والآثار، وبيان درجتها من الصحة.
3- تتبع أقوال العلماء في مظانها المعتمدة، وتوثيقها في الهوامش، وقائمة المصادر.
ج- المنهج الاستقرائي، ويتمثل في تتبع موضوع الدراسة في مظانه المعتمدة؛ للوصول إلى حكم كلي، ومن ثمّ إسقاطه على أفراده، وجزئياته.
د- المنهج الحواري والمقـارن، والترجيح القائم على المصلحة والعدل.
خطـة الدراسة:
وستكون خطـة الدراسة، بإذن الله تعالى وتوفيقه، على النحو الآتـــي:
المطلب الأول: حقيقة جرائم الشرف، وطبيعتها، وأركانها.
المطلب الثانـي: أدلة تحريم جرائم الشرف.
المطلب الثالـث : أصول العقوبة في الفقه الإسلامي، وعلاقتها بجرائم الشرف.
المطلب الـرابع : سلطة تقدير العقوبة وتنفيذها في الفقه الإسلامي، وعلاقتها بجرائم الشرف.
المطلب الخامس: مكافحة جرائم الشرف.
المطلب السادس  : أحكام جرائم الشرف .
وأخيــــرا : النتائج والتوصيات

المطلب الأولحقيقة جرائم الشرف، وطبيعتها، وأركانها

الفرع الأول: جرائم الشرف لغة:
تفيد قواميس اللغة العربية أن كلمة جرم تدل على عدة معان هي: (7)
1-  القطع: جرمه يجرمه جرما، أي قطعه.
2- التعدي، والذنب: جرم يجرم جرما واجترم، وأجرم فهو مجرم، وأجرم جنى جناية،  وجرم إذا عظم جرمه أي أذنب،  والجارم: الجاني، والمجرم: المذنب.
3- الكسب، والحمل، والطلب، والاحتيال، ومن ذلك قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة 2.
إذا ثبت هذا: فإن أصل كلمة الجريمة يدور على معنى التعدي، والكسب المحرم، والحمل على فعل حملا آثما، وارتكاب كل ما هو مخالف للحق، والعدل، والطريق المستقيم. (8)
وتفيد قواميس اللغة العربية أن كلمة شرف تدل على عدة معان هي:
1-  الحسب بالآباء، يقال شرف يشرف شرفا، فهو شريف، والجمع أشراف، والشرف، والمجد لا يكونان إلا بالآباء، ويقال رجل شريف، ورجل ماجد، أي له آباء متقدمون في الشرف، والشرف مصدر الشريف من الناس، وشريف و أشراف مثل نصير وأنصار، والجمع شرفاء، وأشراف، وقد شرف بالضم، فهو شريف. (9)
2- العلو والرفعة، فالشين والراء والفاء أصل يدل على علو، وارتفاع، فالشرف العلو، والشريف الرجل العالي، ورجل شريف من قوم أشراف. (10)
إذا ثبت هذا: فإن أصل كلمة الشرف في اللغة يعني العلو والرفعة المستمدة من الآباء أي نسب العائلة أو الأسرة، وجرائم الشرف الأعمال المحرمة، والمحظورة التي ترتكب بسبب ذلك.
الفرع الثاني: جرائم الشرف اصطلاحا:
عرف علماء السياسة الشرعية، والفقه الجريمة بقولهم: محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير، ولها عند التهمة حال استبراء تقتضيه السياسة الدينية، ولها عند ثبوتها وصحتها حال استيفاء توجبه الأحكام الشرعية. (11)
فالمحظورات الشرعية: الفعل أو الترك المنهي عنه، كالقتل، وترك الصلاة، وقيدت بقيد الشرعية؛ لبيان اشتراط أن يكون المنع، والعقوبة من جهة الشرع، فلا جريمة، ولا عقوبة إلا بدليل شرعي.
والحدود: عقوبات مقدرة شرعا حقا لله تعالى، كحد السرقة، والزنا، وشرب الخمر. والتعزير: عقوبات مشروعة على جنايات لا حد فيها، ولا كفارة، أي ارتكاب جرائم ليس لها حد مقدر في الشرع سواء كانت الجناية على حق الله تعالى كترك الصلاة، أو على حق العبد كمن آذى مسلما بغير حق بفعل، أو بقول يحتمل الصدق، والكذب بأن قال له: خبيث، أو  يا فاسق،  وكجريمة النهب، والغصب، والاختلاس. (12)
ولم أجد في مصادر الفقه الإسلامي تعريفا لجريمة الشرف، ولكنها تدخل في باب الجنايات التي تتمثل في التعدي على الأبدان  أي كل فعل عدوان وقع على النفس بالقتل، أو على الأطراف،  ووجد تعريف لهذه الجريمة في الدراسات الاجتماعية، والحقوقية.
تعريف جرائم الشرف في المؤسسات الحقوقية الرسمية، ومؤسسات المجتمع المدني: (13)
عمل انتقامي بقصد القتل، أو إنهاء الحياة، يقترف من قبل عنصر ذكوري من الأسرة نفسها يقع على أنثى بذريعة إلحاق العار بالأسرة.
يرد على هذا التعريف عيب التكرار؛ لأن القتل، وإنهاء الحياة بنفس المعنى، والعطف يقتضي المغايرة، بالإضافة إلى أن َ التعريف غير جامع لجميع عناصر المعرف؛ لكونه قصر جريمة الشرف على الجرائم الواقعة على النساء دون الرجال حيث أظهر الواقع وفق إحصائيات رسمية أنَ جرائم وقعت أيضا على الرجال بدافع الحفاظ على الشرف، مما يجعل التعريف السابق غير جامع لعناصر المعرف، ومن ذلك إحصاء أفاد أنه في سنة 2002م  قتل ما يقرب من 245 امرأة، و137 رجلا بذريعة جرائم الشرف، وبأسباب قبلية، وموروثات دينية في الباكستان. (14)
التعريف المختار لجرائم الشرف:
عمل انتقامي بقصد القتل، أو ما دونه يقترف من قبل أفراد الأسرة على فرد، أو أكثر من الأسرة، أومن خارجها بذريعة الحفاظ على سمعة الأسرة، ومكانتها الموروثة.
تحليل التعريف:
يبين التعريف طبيعة جريمة الشرف، وأنواعها، وصورها، وتتمثل بما يلي :
1- عمل عدواني يتمثل بقصد إنهاء الحياة كليا، أو جزئيا، أي صورة من صور الجناية على النفس، أو ما دون النفس، كبتر عضو، أو التعليم على الوجه ليبقى عبرة لغيره.
2- المجرم أحد أفراد الأسرة الذكور، أو الإناث .
3- محل الجريمة الذكر، أو الأنثى، والغالب الأنثى، من الأسرة وغيرها، كما إذا تعلقت الشبهة بشخص من خارج العائلة.
1                   - الدافع على الجريمة الدفاع عن شرف العائلة، والموروث الاجتماعي المرتبط بنسب العائلة وشرفها ومن ذلك: رفض الفتاة الدخول في زواج مبرمج من قبل الأسرة، وطلب الفتاة الطلاق ولو من زوج مسيء، وشبهة ارتكاب جريمة الزنا، ورغبة المرأة الزواج برجل من قبيلة أخرى، أو غير مواطن، أو أسباب سياسية تتمثل باتخاذ الرجل، أو المرأة مواقف سياسية تتعارض مع أفكار قبيلته، أو عرقه، وأسباب أخرى ترتبط بموروثات دينية، كزواج الرجل، أو المرأة خارج عاداتهم، وما تتطلبه الأعراف، والقوانين السائدة، وكوقائع السفاح، والمثلية الجنسية حيث يقوم أحد الأسرة بقتل من وقع في شبهة مثل هذه الجرائم.

الفرع الثالث: أركان جرائم الشرف، وشروطها.

تتكون جريمة الشرف من ثلاثة أركان بشروطها هي:(15)
أولا- الركن المادي: وهو النشاط الإجرامي الذي يقوم به المجرم سواء كان الفعل، أو الامتناع عن الفعل سابقا , أو معاصرا، أو لاحقا متى كان هذا الفعل مجرما شرعا ونظاما، ولا يسأل الشخص عن جريمة لم تكن نتيجة لنشاطه الإجرامي غير أنه يسأل عن الجريمة، ولو ساهم في إحداثها سبب آخر متى كان هذا السبب متوقعا، أو محتملا وفقا للسير العادي للأمور، وهذا يشمل عملية القتل بأي وسيلة، أو التحريض، أو الاشتراك، أو إخفاء الجثة بعد قتلها.
ثانيا- الركن المعنوي: يتكون الركن المعنوي للجريمة من القصد، ويتوفر باتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب فعل أو الامتناع عن فعل متى كان هذا الارتكاب، أو الامتناع مجرما شرعا، ونظاما؛ وذلك بقصد إحداث نتيجة مباشرة، أو أية نتيجة أخرى مجرمة شرعا يكون الجاني قد توقعها. ويتوفر الخطأ إذا وقعت النتيجة الإجرامية بسبب خطأ الفاعل سواء أكان هذا الخطأ إهمالا، أم عدم انتباه، أم عدم احتياط، أو طيشا، أو رعونة، أم عدم مراعاة أحكام الشريعة، والأنظمة.
إذا ثبت هذا: فإن الركن المعنوي لجريمة الشرف يتمثل في الحالة النفسية الكامنة وراء ماديات الجريمة، وبذلك يتبين بأن جريمة الشرف جريمة قصدية، يقتضي لقيامها توافر القصد الجرمي، وينبغي لمساءلة الفاعل جنائيا أن يتوافر القصد العام، والقصد الخاص، وهذا يعني معرفة الباعث على الجريمة، وقصد إحداث ماديات الجريمة.
ثالثا- الركن الشرعي: ويتمثل بعدم المشروعية، ومبدأ المشروعية  ينص على أن لا جريمة، ولا عقوبة إلا بنص، والفقه الإسلامي أخذ بهذا المبدأ وتلافى سلبيته المتمثلة في عدم معاقبة المجرم إذا لم ينص على عقوبة الجريمة؛ لأن جرائم التعزير تشمل جميع المحظورات التي ترك أمر تحديد العقوبة فيها للحاكم المسلم، وبهذا لا يفلت المجرم من العقوبة الرادعة وفق ما تقتضيه مصلحة إصلاح الجاني، وحفظ أمن المجتمع.


المطلب الثانـيأدلة تحريم جرائم الشرف

توجد أدلة كثيرة على تحريم ما يسمى بجرائم الدفاع عن الشرف نذكر منها:
1- قوله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ  بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) آية 8، 9 من سورة التكوير
وجـه الاستدلال بالآيتين الكريمتين:
قال القرطبي: " سؤال الموءودة توبيخ لوائدها، وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها؛ لأن هذا مما لا يصح إلا بذنب، فبأي ذنب كان ذلك، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها كان أعظم في البلية، وظهور الحجة على قاتلها " (16)
والموءودة المقتولة، وهي الجارية تدفن، وهي حية سميت بذلك؛ لما يطرح عليها من التراب يثقلها حتى تموت، وكانوا يدفنون بناتهم أحياء خوفا من السبي، والاسترقاق. (17)
2- قـوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة :179

وجـه الاستدلال بالآية الكريمة:
تفيد الآية الكريمة أن حكم القصاص الذي شرعه الله فيه الحياة؛ لأن الرجل إذا علم أنه يقتل قصاصا إذا قتل كف عن القتل، وانزجر عن التسرع إليه، والوقوع فيه، فيكون ذلك بمنزلة الحياة للنفوس الإنسانية، وهذا نوع من البلاغة بليغ، وجنس من الفصاحة رفيع، فإنه جعل القصاص الذي هو موت حياة باعتبار ما يؤول إليه من ارتداع الناس عن قتل بعضهم بعضا إبقاء على أنفسهم، واستدامة لحياتهم، وجعل هذا الخطاب موجها إلى أولي الألباب؛ لأنهم هم الذين ينظرون في العواقب، وأما من كان مصابا بالحمق، والطيش، والخفة فإنه لا ينظر عند ثورة غضبه، وغليان مراجل طيشه إلى عاقبة، ولا يفكر في أمر مستقبل، ثم علل سبحانه هذا الحكم الذي شرعه لعباده بقوله  " لعلكم تتقون "  أي تحمون أنفسكم من القتل بالمحافظة على القصاص، فيكون ذلك سببا للتقوى. (18)
والآية قاعدة تشريعية عامة تقتضي بعمومها منع ما يسمى بجرائم الدفاع عن الشرف قبل وقوعها، وترفعها بعد الوقوع.
3- قـوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً )   الإسراء: 33
وجـه الاستدلال بالآية الكريمة:
تفيد الآية الكريمة حرمة القتل بشتى صوره وأنواعه إلا بحق ثابت كالقصاص، ومن قتل بغير حق ومن ذلك القتل بدافع حماية الشرف، فالحق لوليه في القصاص أو الدية. (19)

4- قـوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ) البقرة: 178.
وجـه الاستدلال بالآية الكريمة:
تقتضي الآية الكريمة حرمة القتل بدافع حماية الشرف، جاء عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ أنه قال:  كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: ( كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء ) فالعفو أن يقبل الدية في العمد،  فإتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان يتبع بالمعروف، ويؤدي بإحسان ذلك تخفيف من ربكم، ورحمة مما كتب على من كان قبلكم،  فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم، أي قتل بعد قبول الدية. (20)

5- قـوله تعالى: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ) الفرقان: 68
وجـه الاستدلال بالآية الكريمة:
تفيد الآية الكريمة حرمة قتل النفس إلا بالحق المقرر شرعا، ولا يجوز القتل خارج ذلك كما في دعوى حماية الشرف والدفاع عنه، قال ابن القيم: " وتأمل كيف جاء إتلاف النفوس في مقابلة أكبر الكبائر، وأعظمها ضررا، وأشدها فسادا للعالم، وهي الكفر الأصلي، والطارئ والقتل، وزنى المحصن، وإذا تأمل العاقل فساد الوجود رآه من هذه الجهات الثلاث وهذه هي الثلاث التي أجاب النبي- صلى الله عليه وسلم-  لعبد الله بن مسعود بها حيث قال له يا رسول الله أي الذنب أعظم، قال أن تجعل لله ندا، وهو خلقك، قال: قلت ثم أي ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: قلت ثم أي ؟  قال أن تزاني بحليلة جارك، (21) فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون   الآية " (22)
6-  قال تعالى: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ  ) النور: 4
وقوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمْ اللَّهُ دِينَهُمْ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) النور: 23، 24، 25.
وجـه الاستدلال بالآيات الكريمة:
تفيد الآيات الكريمة أن الرمي بالزنا محرم، وكبيرة، وما يؤدي إليه من جرائم يكون محرما بالبداهة، والمحصن هو الحر المسلم العاقل العفيف عن الزنا، والمجتمع الإسلامي الأصل فيه الإحصان. (23) 
7- قوله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) النساء: 92.
وجـه الاستدلال بالآية الكريمة:
هذه آية من أمهات الأحكام، والمعنى ما ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، والنفي يفيد التحريم، أي تحريم القتل العمد ومن ذلك ما يسمى بجرائم الشرف. (24)
8- قوله تعالى: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) النساء: 93.
وجـه الاستدلال بالآية الكريمة:
الآية الراجح أنها محكمة، والوعيد الشديد الوارد فيها يفيد تحريم القتل العمد بشتى صوره، وأنواعه، ومن ذلك ما يسمى بجرائم الشرف. (25)
9- عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " (26)
وجـه الاستدلال بالحديث الشريف:
يفيد الحديث الشريف صراحة عصمة دم المسلم، ولا يستباح إلا في حالات محددة، وجرائم ما يسمى بالشرف ليست منها.
10- عن أبي هريرة _ رضي الله عنه _ أن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _  قال: " الشهداء خمسة المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله " (27)
وجـه الاستدلال بالحديث الشريف:
يفيد الحديث الشريف أن من يقتل دون حق يكون شهيدا، ومن ذلك من يقتل بذريعة الحفاظ على الشرف.
11- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم-  قال: " اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله، وما هن قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " (28)
وجـه الاستدلال بالحديث الشريف:
يشمل الحديث الشريف بعمومه، وأحكامه جرائم الشرف بشتى صورها، وأنواعها، وأسبابها ومقدماتها.
12- قاعدة النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا تقتضي منع، وحرمة جرائم الشرف، قال الشاطبي في تأصيل  أصل النظر في المآلات: "  النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة،  أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام، أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل خلاف ذلك فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوى المصلحة، أو تزيد عليها فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي، أو تزيد فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق جار على مقاصد الشريعة.
والدليل على صحته، أن التكاليف كما تقدم مشروعة لمصالح العباد، ومصالح العباد إما دنيوية وإما أخروية، أما الأخروية فراجعة إلى مآل المكلف في الآخرة؛ ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم، وأما الدنيوية فإن الأعمال إذا تأملتها مقدمات لنتائج المصالح فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب، وهو معنى النظر في المآلات." (29)

المطلب الثالـثأصول العقوبة في الفقه الإسلامي، وعلاقتها بجرائم الشرف

العقوبات في الإسلام تقوم على أصول ترتبط بمقاصدها الشرعية، المتمثلة بجلب المصلحة، ودرء المفسدة عن الفرد والمجتمع، وهي عدل كلها، وإذا خرجت عن العدل إلى الجور فليست من الشريعة في شيء.
إذا ثبت هذا: فإن العقوبات في الإسلام تقوم على مبادئ وأصول نجملها بما يلي:
أولا- تنوع العقوبات، وتدرجها.
تتنوع العقوبات في الفقه الإسلامي؛ لتشمل المحظورات الشرعية بشتى صورها وأنواعها، والتي منها جرائم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وهي جرائم الحدود، والقصاص، والديات، وهذه الجرائم حسم أمرها بعقوبات رادعة مقدرة شرعا من الشارع الحكيم ابتداء، وجرائم متغيرة، تحتاج إلى عقوبات مرنة ومتغيرة، وهي  عقوبات تعزيرية فوض الشارع تقديرها نوعا ومقدارا إلى الحاكم المسلم، أو من يقوم مقامه، قال ابن القيم: " لما كان القذف دون سرقة المال في المفسدة جعل عقوبته دون ذلك وهو الجلد، ثم لما كان شرب المسكر أقل مفسدة من ذلك جعل حده دون حد هذه الجنايات كلها، ثم لما كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوتة غير منضبطة في الشدة، والضعف، والقلة، والكثرة وهي ما بين النظرة، والخلوة، والمعانقة جعلت عقوباتها راجعة إلى اجتهاد الأئمة، وولاة الأمور بحسب المصلحة في كل زمان ومكان، وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم، فمن سوى بين الناس في ذلك، وبين الأزمنة، والأمكنة، والأحوال لم يفقه حكمة الشرع، واختلفت عليه أقوال الصحابة، وسيرة الخلفاء الراشدين "، وقال أيضا: "  وأما التعزير ففي كل معصية لا حد فيها، ولا كفارة فإن المعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه الحد، ولا كفارة فيه، ونوع فيه الكفارة، ولا حد فيه، ونوع لا حد فيه، ولا كفارة، فالأول كالسرقة، والشرب، والزنا، والقذف، والثاني كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام، والثالث كقبلة الأجنبية، والخلوة بها " (30)                         
والعقوبات الحدية لا شفاعة فيها، بخلاف العقوبات الأخرى، ومناط تنفيذها السلطان أو مؤسسات الدولة، وتطبق على الجميع بعدالة، وهذه الضوابط تتنافى مع جرائم الشرف، بل تحول دون وقوعها، والأدلة على ذلك كثيرة منها:
أ- عن عائشة أن أسامة كلم النبي-  صلى الله عليه وسلم- في امرأة فقال: " إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع، ويتركون الحد على الشريف، والذي نفسي بيده لو فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها ". (31)
ب- والحديث ورد في رواية أخرى عن عائشة- رضي الله عنها- أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فخطب قال: يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ". (32)
ثانيا- العقوبات تكفر الذنوب، وتقوم على الرحمة، والعدل لا الانتقام.
العقوبات جزء من الشريعة، وهي رحمة كلها (33)، وعدل كلها، وأحكام الشريعة متكاملة ومترابطة، لها أسس ومقاصد لا يجوز تغييرها والتلاعب بها، وهي بهذا بعيدة كل البعد عن الأهواء والشهوات، وردود الأفعال كما هو الحال في جرائم الشرف، فلا يمكن أن ترتبط العقوبات في الإسلام بعقلية الانتقام، والقرار المتسرع، يقول الإمام محمد أبو زهرة: " العدالة والرحمة متلازمتان " (34). والأدلة على ذلك كثيرة منها:
أ- قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  )  الأنبياء 107.
ب- عن عبادة بن الصامت- رضي الله عنه- قال: كنا عند النبي- صلى الله عليه وسلم-  في مجلس فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، وقرأ هذه الآية كلها فمن وفًّى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه . (35)
ج- عن عائشة-  رضي الله عنها- قالت: ما خير النبي- صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله. (36)
د- عن عبادة بن الصامت، قال بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم-  على السمع والطاعة في عسرنا، ويسرنا، ومنشطنا، ومكارهنا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالعدل أين كنا لا نخاف في الله لومة لائم. (37)
ويوضح العز بن عبد السلام ذلك بقوله: " وحاصل هذا كله التسوية في الأحكام عند التساوي في الأسباب .......... ويجب على الحكام التسوية بين الخصوم في الإعراض، والإقبال وغير ذلك؛ لأن تقديم أحد الخصمين موجب لإيغار صدر الآخر وحقده  ". (38)
ثالثا- المساواة بين الجريمة والعقوبة.
 العدالة التي تقوم عليها أحكام الشريعة تقتضي المساواة بين الجريمة والعقوبة، وهو أصل مهم من أصول العقوبات في الفقه الإسلامي يقول الدكتور عبد الكريم زيدان: " وهذا الأصل في الحقيقة من آثار عدل الرب فيما يشرعه لعباده؛ ولأن العقوبة شرعت للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها؛ ولأنها ليست الأصل في الإصلاح، وحفظ مصالح الناس، وإنما هي كالاستثناء من هذا الأصل، والاستثناء لا يتوسع فيه؛ ولأنها كالدواء بالنسبة للمريض، والدواء يعطى بمقدار موزون دقيق بقدر حاجة المريض، ولا يعطى له جزافا كما يعطى الغذاء للصحيح "، ويقول الإمام محمد أبو زهرة: " وأساس العقوبات الإسلامية هو القصاص بالتساوي بين الإثم المرتكب، والعقوبة الرادعة " (39)،  وجرائم الشرف تتنافى مع هذا الأصل شرعا، وعقلا، وواقعا.
والأدلة على هذا الأصل كثيرة نذكر منها:
1- قوله تعالى: ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ) الرعد: 6.
قال أبو زهرة: " المثلات أي العقوبات المماثلة للذنوب، فالعقوبات الإسلامية بشكل عام أساسها المساواة بين الجرم، وعقابه؛ ولذلك تسمى قصاصا ". (40)
2- قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) يونس: 27.
وقوله تعالى: ( مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ) غافر: 40.
وقوله تعالى: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) الشورى: 40.
والآيات الكريمات تؤكد وتؤصل مبدأ المساواة بين الجريمة، والعقوبة، والذي يتنافى مع جرائم الشرف، ويمنع وقوعها شرعا وعقلا وواقعا، ومن يسن غير ذلك كجرائم الشرف يكون قد سن سنة سيئة وعليه وزرها عملا بما ثبت عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ". (41)
رابعا- المناسبة أو الردع.
العقوبة لا تسمى عقوبة إلا إذا كانت مناسبة للجريمة نوعا، ومقدارا بمعنى تردع المجرم، وتحقق الأمن للمجتمع، ويكون ذلك باحتواء العقوبة على الألم، والأذى الكافي؛ لإخافة الإنسان ومنعه من الإجرام ( 42)، وجرائم الشرف لا يوجد فيها عنصر المناسبة، ولا الردع المطلوب شرعا؛ لما فيها من التسرع، والاندفاع الأعمى الذي يفوق الجريمة إذا فرضنا وجودها، مع أن الواقع يبين أن الغالب عدم وجود الجريمة، وإنما توجد شبهات وجودها.
قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ) البقرة: 178، 179.
جاء في فتح القدير: " أي لكم في هذا الحكم الذي شرعه الله لكم حياة؛ لأن الرجل إذا علم أنه يقتل قصاصا إذا قتل آخرا كف عن القتل، وانزجر عن التسرع إليه، والوقوع فيه، فيكون ذلك بمنزلة الحياة للنفوس الإنسانية، وهذا نوع من البلاغة بليغ، وجنس من الفصاحة رفيع، فإنه جعل القصاص الذي هو موت حياة باعتبار ما يؤول إليه من ارتداع الناس عن قتل بعضهم بعضا إبقاء على أنفسهم، واستدامة لحياتهم، وجعل هذا الخطاب موجها إلى أولي الألباب؛ لأنهم هم الذين ينظرون في العواقب ". (43)
جاء في إعلام الموقعين: " عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله، وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر، والصغر، والقلة، والكثرة، ومن المعلوم ببدائة العقول أن التسوية في العقوبات، مع تفاوت الجرائم غير مستحسن، بل مناف للحكمة، والمصلحة، فإنه إن ساوى بينهم في أدنى العقوبات لم تحصل مصلحة الزجر، وإن ساوى بينها في أعظمها كان خلاف الرحمة، والحكمة إذ لا يليق أن يقتل بالنظرة، والقبلة، ويقطع بسرقة الحبة، والدينار، وكذلك التفاوت بين العقوبات مع استواء الجرائم قبيح في الفطرة، والعقول، وكلاهما تأباه حكمة الرب تعالى، وعدله، وإحسانه إلى خلقه ". (44)
خامسا-  الجزاء من جنس العمل.
قرر الفقه الإسلامي، أن الجزاء من جنس العمل، وفي ذلك يقول ابن القيم: " لذلك كان الجزاء مماثلا للعمل، من جنسه في الخير، والشر، فمن ستر مسلما، ستره الله، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن أقال نادما أقال الله عثرته يوم القيامة، ومن تتبع عورة أخيه، تتبع الله عورته، ومن ضار مسلما ضار الله به، ومن شاق، شاق الله عليه، ومن خذل مسلما في موضع يجب نصرته فيه، خذله الله في موضع يجب نصرته فيه، ومن سمح، سمح الله له، والراحمون، يرحمهم الرحمن، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، ومن أنفق، أنفق عليه، ومن عفا عن حقه، عفا الله له عن حقه، ومن تجاوز، تجاوز الله عنه، ومن استقصى، استقصى الله عليه، فهذا شرع الله، وقدره، ووحيه، وثوابه، وعقابه، كله قائم بهذا الأصل: وهو إلحاق النظير بالنظير، واعتبار المثل بالمثل." (45)
وهذا الأصل يدفع، ويمنع وقوع جرائم الشرف شرعا، وعقلا، وواقعا.


المطلب الـرابعسلطة تقدير العقوبة وتنفيذها في الفقه الإسلامي، وعلاقتها بجرائم الشرف

العقوبات متعلقات بموجبات لها وأسباب: فمنها ما يكون حقا لآدمي، يسقط بإسقاطه، ويستوفى بطلبه، ومنها ما يثبت حقا لله تعالى؛ لارتباطه بسبب هو حق الله تعالى، كالحدود عقوبات مقدرة شرعا حقا لله تعالى لا تسقط بالعفو والإسقاط، ومنها التعزيرات مفوضة لرأي الإمام، فإن رأى الصفح والتجاوز تكرما  فعل، ولا معترض عليه فيما عمل، وإن رأى إقامة التعزير تأديبا وتهذيبا، فرأيه المتبع. (46)
إذا ثبت هذا: فإن عقوبات الحدود والقصاص مقدرة بالشرع، والتعزير للحاكم المسلم، وتنفيذها من مهام الدولة، ومؤسساتها المختصة، وليست موكولة للأفراد، أو من اختصاصهم، وإنما ينحصر دورهم في تحريك الدعوى لدى القضاء، وتقديم البينات، واستيفاء الحقوق بناء على الحكم القضائي الصادر والمقتضي لذلك.(47)        
قال الكاساني: " ولاية الاستيفاء للإمام بالإجماع.... ولاية إقامة الحد ثابتة للإمام لمصلحة العباد، وهي صيانة أنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم..... والإمام قادر على الإقامة لشوكته ومنعته، وانقياد الرعية له قهرا، وجبرا، ولا يخاف تبعة الجناة، وأتباعهم؛ لانعدام المعارضة بينهم، وبين الإمام، وتهمة الميل، والمحاباة، والتواني عن الإقامة منفية في حقه، فيقيم على وجهها، فيحصل الغرض المشروع له الولاية بيقين...... والتعزير هو التعيير، والتوبيخ، وذلك غير مقدر، فقد يكون بالحبس، وقد يكون برفع الصوت، وتعبيس الوجه، وقد يكون بضرب أسواط على حسب الجناية، وحال الجاني، والمولّى يساوي الإمام في هذا؛ لأنه من باب التأديب، فله قدرة التأديب ". (48)
وقال ابن رشد:: وأما فيما يحكم فاتفقوا أن القاضي يحكم في كل شيء من الحقوق، كان حقا لله، أو حقا للآدميين، وأنه نائب عن الإمام الأعظم في هذا المعنى، وأنه يعقد الأنكحة، ويقدم الأوصياء ".(49)
وجاء في البيان: " ومن وجب له القصاص لم يجز له أن يقتص بغير إذن السلطان، أو بغير حضوره؛ لاختلاف العلماء في وجوب القصاص في مواضع، فلو قلنا: له أن يستوفيه من غير إذن السلطان لم نأمن أن يقتص فيما لا يستحق فيه القصاص، فإن خالف واقتص بغير إذن السلطان، فقد استوفى حقه، قال الشافعي- رحمه الله تعالى- ويعزر، ولا شيء عليه، ومن أصحابنا من قال: لا يعزر؛ لأنه استوفى حقه، والأول أصح؛ لأنه افتأت على السلطان " (50)
وقال الجويني: " فصل الخصومات الثائرة، وقطع المنازعات الشاجرة، وهذا يناط بالقضاة، والحكام ".(51)
وقال الماوردي: " وأما بعد ثبوت جرائمهم، فيستوي في إقامة الحدود عليهم أحوال الأمراء والقضاة ". (52)
وقال الشوكاني: " الأسباب التي ورد بها الشرع هي: الإقرار، أو البينة، أو اليمين، فإذا حصل واحد من هذه على وجه الصحة، فقد وجب به حكم الشرع، ووجب عنده إلزام الخصم..... وقد أوجب الله على عباده الحكم بالحق والعدل، وكف يد الظالم عن المظلوم، واستخراج المظلمة من يد الظالم وردها إلى المظلوم، فيجب التوصل إلى ذلك بما يسوغه الشرع ".(53)
والأدلة على ذلك كثيرة، نذكر منها:
أ- قال تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )  المائدة: 48
وجـه الاستدلال بالآية الكريمة:
تفيد الآية الكريمة وجوب الحكم بما أنزله الله تعالى في القرآن؛ لاشتماله على جميع ما شرعه الله لعباده في جميع الكتب السابقة عليه، وتحريم إتباع  أهواء أهل الملل السابقة، ومعنى الآية أن الله تعالى جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن، وأما بعده فلا شرعة، ولا منهاج إلا ما جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم - ( 54 ) من إتباع للحق، وابتعاد عن الأهواء في اتخاذ القرارات، ومن أدوات ذلك تفعيل مؤسسات الدولة.
ب- قال تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) النساء: 65
وجـه الاستدلال بالآية الكريمة:
تفيد الآية الكريمة أن الحكم في الخصومات للقضاء، ويجب احترام الحكم القضائي بتنفيذه، وعدم التشكيك فيه، وهذا جزء من عقيدة المسلم، ومنهاج حياته.(55)
ج- قال تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ) المائدة: 45
وجـه الاستدلال بالآية الكريمة:
احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة؛ لعموم هذه الآية الكريمة، وفى هذه الآية توبيخ لليهود، وتقريع؛ لكونهم يخالفون ما كتبه الله عليهم في التوراة، ويفاضلون بين الأنفس، والظاهر من النظم القرآني أن العين إذا فقئت حتى لم يبق فيها مجال للإدراك أنها تفقأ عين الجاني بها، والأنف إذا جدعت جميعها، فإنها تجدع أنف الجاني بها، والأذن إذا قطعت جميعها، فإنها تقطع أذن الجاني بها، وكذلك السن، والعدالة لا تتحقق في هذا كله إلا بقوة الحاكم، ومن خلال مؤسسات الدولة الإسلامية.(56)
 د- قال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) ص: 26
وجـه الاستدلال بالآية الكريمة:
تفيد الآية الكريمة أن الحكم في الخصومات للقضاء، وهو واجب على الحاكم إذا خوصم إليه، وأنه غير جائز له إهمال الحكم، وعلى الحكام ثلاثا أن لا يتبعوا الهوى، وأن يخشوا الله تعالى، ولا يخشوا الناس، وأن لا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وإنما عليهم الحكم بالحق والعدل. (57)
هـ- عن البراء بن عازب، قال: كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطا فأفسدت فيه، فكلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيها فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل.(58)
و- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-  قال: " خياركم أحسنكم قضاء "(59)
ز- عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه-  قال: قال  رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: " أدخل الله عز وجل رجلا كان سهلا مشتريا، وبائعا، وقاضيا، ومقتضيا الجنة ".(60)
ح- عن علي- رضي الله عنه- قال: بعثني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن قاضيا، فقلت يا رسول الله ترسلني، وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء فقال: إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء، قال: فما زلت قاضيا، أو ما شككت في قضاء بعد.(61)
ط- عن أم سلمة- رضي الله عنها-  قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: " إنما أنا بشر  وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار ".(62)
وجه الاستدلال بالأدلة من السنة:
الأدلة تدل بشكل قاطع على أن السيادة للشرع، والفصل في الخصومات يكون بالحق والعدل من خلال القضاء، ودور الخصوم في تقديم الدعاوى، وإثباتها بالأدلة المقررة شرعا، وعلى القاضي أن يستمع للخصوم، ولا يقضي إلا بعد أن يعطي لكل حقه في تقديم البيانات، والدفوع، وعلى الجميع احترام الحكم القضائي بعد صدوره، حفاظا على هيبة الدولة، واستقرار القضاء.


المطلب الخامس
مكافحة جرائم الشرف
تبين لنا أن جرائم الشرف محرمة شرعا، وعقلا، وواقعا؛ لما لها من آثار نفسية، واجتماعية، واقتصادية على الفرد والمجتمع، والنظام العام للدولة، والفقه الإسلامي يدفع الجريمة قبل وقوعها، ويرفعها بعد الوقوع بأحكام شرعية محكمة موضوعية واقعية عادلة، وفي الجانب الوقائي تتعد صور مكافحة الجريمة بشكل عام، وجرائم الشرف بشكل خاص، وفيما يلي أهمها:
أولا- الالتزام بالآداب الإسلامية في الأماكن العامة:
إذا أحب الله عبدا جعل له واعظا من نفسه، وزاجرا من قلبه يأمره وينهاه، ولا يتحقق ذلك إلا بالخوف من الله تعالى؛ لأنه اللجام القامع عن الفساد، وسببه معرفة شدة عذاب الله تعالى، وهذه القاعدة الفكرية للآداب الإسلامية توجب على المسلم أن يلتزم بالآداب الإسلامية أثناء انتفاعه في المرافق العامة للدولة؛ لأن الانتفاع مشروط بعدم الإضرار بالآخرين، وأن يمنع الإنسان نفسه من الوقوف في مواقف الريب، ومظان التهمة، دليل ذلك ما ثبت عن النعمان بن بشير- رضي الله عنه-  قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "  الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه." (63) ولم يترك الإسلام أمر الالتزام بالآداب الإسلامية في الأماكن العامة للوازع الديني فقط بل جعله فوق ذلك من واجبات الحاكم، ومن خلال مؤسسات الدولة، وبشكل خاص مؤسسة الحسبة. (64)
ثانيا- الرقابة المؤسسية:
الرقابة: الحفظ والمتابعة، والحراسة، وتنفيذ ذلك بمجموعة من السياسات، والإجراءات التي تضعها الدولة لمتابعة تنفيذ الأحكام الشرعية في جميع شؤون الدولة السياسية والمالية والاجتماعية والأخلاقية والتربوية وغيرها من أجل تحقيق أهداف الدولة العليا؛ لعلاج نواحي الضعف، ومنع تكرار الخطأ.(65)
قال تعالى:( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النور:24.
جاء في فتح القدير: " والمعنى تشهد ألسنة بعضهم على بعض في ذلك اليوم، وقيل تشهد عليهم ألسنتهم في ذلك اليوم بما تكلموا به،  وأيديهم وأرجلهم بما عملوا بها في الدنيا، وإن الله سبحانه ينطقها بالشهادة عليهم، والمشهود محذوف وهو ذنوبهم التي اقترفوها، أي تشهد هذه عليهم بذنوبهم التي اقترفوها، ومعاصيهم التي عملوها." (66)
ثالثا- الرقابة الأسرية:
الرقابة في الفقه الإسلامي تبدأ بالذات بأن يجعل الإنسان من نفسه رقيبا على نفسه، ويمنعها من الوقوع في الخطأ بسبب العقيدة الراسخة في النفوس، وفي هذا المجال تتميز الشريعة عن القوانين الوضعية، وفي الأسرة يكون الزوج والزوجة والأولاد كل منهم رقيبا على الآخر.
قال تعالى: ( فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ) آل عمران: 37.
جاء في أحكام القرآن: " فتقبلها ربها بقبول حسن، المعنى سلك بها طريق السعداء ومعنى التقبل التكفل في التربية، والقيام بشأنها   يعنى سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان،
والمحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس، وكانت في غرفة كان زكريا يصعد إليها بسلم، فكفلها زكريا وأخذ لها موضعا فلما أسنت جعل لها محرابا لا يرتقى إليه إلا بسلم، واستأجر لها ظئرا، وكان يغلق عليها بابا، وكان لا يدخل عليها إلا زكريا حتى كبرت، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله، فتكون عند خالتها، وكانت خالتها امرأة زكريا، وكان زكريا إذا دخل عليه يجد عندها فاكهة الشتاء في القيظ، وفاكهة القيظ في الشتاء، فقال: يا مريم أنى لك هذا ؟ فقالت: هو من عند الله، فعند ذلك طمع زكريا في الولد، وقال إن الذي يأتيها بهذا قادر أن يرزقني ولدا " (67)
وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) النساء: 135.
تفيد الآية الكريمة وجوب الأمر بالمعروف للوالدين، والأقربين؛ وذلك بسبب ورود الأمر فيها؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب.
رابعا- الرقابة الشعبية:
ونقصد بذلك أن يكون الإنسان رقيبا على أخيه الإنسان، وأصل ذلك قاعدة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ وذلك لمنع الفساد أو المنكر من الوقوع، ورفعه بعد الوقوع، وهذا يؤدي إلى تضامن المجتمع في منع وقوع الجرائم بشتى صورها ومن ذلك جرائم الشرف.
قال ابن تيمية: " وكل بني آدم لا تتم مصالحهم لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر، فالتعاون على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم؛ ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع، فإذا اجتمعوا فلا بدّ لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبوها؛ لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد، والناهي عن تلك المفاسد." (68)   والأدلة على ذلك كثيرة نذكر منها:
أ- قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة: 2.
وجـه الاستدلال بالآية الكريمة:
تفيد الآية الكريمة وجوب تعاون الأمة على تحقيق الخير للمسلمين، وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان، وهذا الواجب لا يتحقق إلا من خلال الرقابة الشعبية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ب- قال تعالى: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) آل عمران: 110.
وجـه الاستدلال بالآية الكريمة:
حوت هذه الآية وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي على منازل أولها تغييره باليد إذا أمكن، فإن لم يمكن، وكان في نفيه خائفا على نفسه إذا أنكره بيده، فعليه إنكاره بلسانه، فإن تعذر ذلك لما وصفنا، فعليه إنكاره بقلبه.(69)
ج- عن حذيفة بن اليمان، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم." (70)
د- عن طارق بن شهاب قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان." (71)
هـ- عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل."(72)
وجـه الاستدلال بالأحاديث:
تقتضي الأحاديث وجوب الرقابة الشعبية، والمتمثلة بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي ذلك يقول القرافي: " إنما يؤمر بالمعروف، وينهى عن المنكر بثلاثة شروط الأول: أن يعلم ما يأمر به، وينهى عنه، والثاني: أن يأمن أن لا يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكثر منه مثل أن ينهى عن شرب الخمر،  فيؤول نهيه عنه إلى قتل النفس، ونحوه، والثالث: أن يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له، وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه، ونافع، وفقد أحد الشرطين الأولين يمنع الجواز، وفقد الثالث يسقط الوجوب، ويبقى الجواز والندب، ثم مراتب الإنكار ثلاث: أقواها أن يغير بيده، وإن لم يقدر على ذلك انتقل للمرتبة الثانية، فيغير بلسانه إن استطاع، وليكن برفق ولين ووعظ إن احتاج إليه، فإن لم يقدر انتقل للرتبة الثالثة، وهي الإنكار بالقلب وهي أضعفها." (73)
خامسا- العقوبة القضائية:
تتنوع عقوبات جرائم الشرف والتي تصدر بحكم قضائي؛ لتشمل الحدود، والقصاص، والتعزير، والعقوبة التعزيرية يترك تحديد العقوبة فيها للحاكم المسلم نوعا، ومقدارا وفق ما تقتضيه مصلحة الدولة العليا، وأمنها الاجتماعي، والسياسي؛ لأن تصرف الحاكم منوط بالمصلحة، وحيثما تحققت المصلحة المعتبرة شرعا فثمّ شرع الله تعالى ودينه.
سادسا- تقنين نظام خاص للحماية من العنف الأسري:
 ويشمل النظام أحكام جرائم العنف الأسري، ويبين أن جميع الإجراءات، والمعلومات المتعلقة بقضايا العنف الأسري تتمتع بالسرية التامة، ويُلزم مقدمي الخدمات الطبية، أو  الاجتماعية، أو التعليمية من القطاعين العام، أو الخاص بإبلاغ الجهات المختصة حال علمهم، أو مشاهدتهم آثار عنف اسري؛ لاتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامة المتضرر من أفراد الأسرة حال علمهم بأي من قضايا العنف الأسري.
وهذا يقتضي تقنين الأحكام التي يترتب عليها، أذى بدنيا، أو جنسيا، أو نفسيا، أو معاناة للمرأة أو لأحد أفراد الأسرة، بما في ذلك التهديد بالقيام بأعمال من هذا القبيل، أو الإكراه، أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة، أو الخاصة.
والعنف البدني، أو الجنسي، أو النفسي الذي يمكن أن يحدث داخل المجتمع بوجه عام، بما في ذلك الاغتصاب، والاعتداء الجنسي، والتحرش الجنسي، والتخويف في مكان العمل، وفي المؤسسات التعليمية وغيرها.
والقضاء على العنف الواقع على أحد أفراد الأسرة داخل الأسرة، أو خارجها، ومنع تعدد الاجتهادات فيه يقتضي تقنين نظام خاص للحماية من العنف الأسري يقوم على الحق والعدل، ويمنع أشكال التمييز ضد المرأة في بعض الأسر المسلمة- إن وجد لدى بعض الأسر المسلمة فإن وجوده يكون عن جهل، وعدم دراية- وهذا يستلزم استحداث هيئة قضائية متخصصة في محكمة الجنايات ؛ للنظر في القضايا التي يتم الادعاء فيها أنها ارتكبت بدافع الشرف، وعقد دورات تدريبية للقضاة، والمدعين العامين حول فهم وتطبيق النظام الخاص بحماية الأسرة من العنف؛ لتعزيز قدراتهم على التعامل مع هذا النوع من القضايا؛ للحفاظ على المصالح العليا للدولة.





المطلب السادس
أحكام جرائم الشرف
الحكم يطلق ويراد به الوصف الشرعي القائم بالماهية، ويطلق ويراد به الآثار المترتبة على التصرف، وقد اشتملت الدراسة على الأول، وبقي الحديث عن الآثار نجملها بما يلي:
أولا- الإثم والمعصية المستوجبة للاستغفار والتوبة؛ لأن الاعتداء على الإنسان بالقول، أو الفعل جريمة تلحق بصاحبها الإثم، وكل معصية، تصح التوبة عنها، سواء أكانت من الكبائر أم من الصغائر، والذي آذى غيره، أضر به، ويجب أن يزيل الضرر عنه، ثم يطلب منه العفو والاستغفار له، فإذا عفا عنه سقط الذنب عنه.
ويجب المبادرة إلى التوبة، فور وقوع المعصية، فمن أخرها زمانا، صار عاصيا بتأخيرها؛ لأن المقصود منها التخلص من الإثم، والفوز بمغفرة الله تعالى في الآخرة، (74) يؤكد ذلك، قوله تعالى: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(النور: من الآية31)،  وقوله تعالى: ( ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء:17)
وقوله تعالى: ( أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:74)
واشترط الفقهاء شروطا لصحة التوبة، هي: (75)
1- الإقلاع عن المعصية.
2- الندم على المعصية.
3- العزم على ألا يعود للمعصية مرة أخرى.
4- أن يصلح ما أفسد بإعادة الحقوق لأصحابها.
والتوبة المستكملة لشرائطها، هي التوبة النصوح، المشار إليها، في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التحريم:8)
والتخلص من المعصية بالتوبة، دليل على قوة الإرادة وبعد النظر؛ للتخلص من آثار المعصية، وبدء صفحة جديدة في الحياة، قائمة على النظافة والصدق مع الله سبحانه وتعالى، وفي هذا تستقيم النفس وتطمئن، إذا توفر العزم وصدق الإرادة.
ثانيا- وجوب التعويض عن الضرر المادي، والمعنوي، الذي ترتب على جرائم الشرف؛ ودليل ذلك ما ورد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-  قال: " لا ضرر ولا ضرار من ضار ضره الله، ومن شاق شق الله عليه "  (76) ومعنى لا ضرر: أي لا يجوز الإضرار بالغير ابتداء لا في نفسه ولا في ماله؛ لأن إلحاق الضرر بالغير ظلم، والظلم حرام في الإسلام حتى لو نشاء من فعل مباح.
ولا ضرار: أي لا يجوز مقابلة الضرر بالضرر، وعلى المتضرر مراجعة القضاء لرفع الظلم، وآثاره عنه، فلا يجوز شرعا معالجة الخطأ بالخطأ، فالغاية لا تبرر الوسيلة، وإنما تقررها.
والحديث من جوامع الأحكام، ودليل قاعدة فقهية بني عليها كثير من أبواب الفقه، كما يتفرع عنها قواعد فقهية ؛ لتفعيلها في بعديها الوقائي والعلاجي، وهي قاعدة : " الضرر يزال "، وتعني وجوب رفع الضرر وترميم آثاره بعد الوقوع، ويتفرع عنها قواعد منها قاعدة: " الضرر يدفع بقدر الإمكان "، وتعني وجوب دفع الضرر قبل وقوعه؛ لأن الدفع أولى وأسهل من الرفع، وبالرجوع للحديث نجد أن كلمة ضرر نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي يعم جميع أنواع الضرر الخاص والعام، المادي والمعنوي، الواقع والمتوقع.
قال الرازي في المحصول: " الضرر ألم القلب؛ لأن الضرب يسمى ضررا، وتفويت مصلحة الإنسان يسمى ضررا، والشتم، والاستخفاف يسمى ضررا، ولا بد من جعل اللفظ اسما لمعنى مشترك بين هذه الصور، وألم القلب معنى مشترك، فوجب جعل اللفظ حقيقة فيه." (77)
ثالثا- استحقاق العقوبة الرادعة.
 جرائم الشرف معصية، وكبيرة، وخيانة للأمة، ومن يرتكب ذلك يعاقب، ويؤدب، بعقوبة رادعة، كعقوبة الحدود أو القصاص، أو العقوبة التعزيرية التي يقدرها الحاكم، أو من يقوم مقامه، نوعا ومقدارا؛ وفق مقتضيات المصلحة المعتبرة شرعا وعقلا، وبما يتفق مع حجم المعصية، وأثرها على الفرد والمجتمع.
والتعزير:  مصدر عزره، وهو مأخوذ من العزر، وهو الرد، والمنع، واستعمل في الدفع عن الشخص، كدفع أعدائه عنه، ومنعهم من إضراره، ومنه عزره القاضي، أي أدبه؛  لئلا يعود إلى القبيح، ويكون بالقول، وبالفعل بحسب ما يليق به، والتعزير يكون بسبب المعصية، والتأديب أعم منه، ومنه تأديب الولد، وتأديب المعلم. (78)         
والتعزيرات متعلقات بموجبات لها وأسباب: فمنها ما يكون حقا لآدمي، يسقط بإسقاطه، ويستوفى بطلبه، ومنها ما يثبت حقا لله تعالى؛ لارتباطه بسبب هو حق الله تعالى، والتعزيرات مفوضة لرأي الإمام، فإن رأى الصفح والتجاوز تكرما  فعل، ولا معترض عليه فيما عمل، وإن رأى إقامة التعزير تأديبا وتهذيبا، فرأيه المتبع. (79)                   
رابعا- العداوة، والبغضاء، والتدابر، وانعدام الثقة بين الناس، وهذه أمور محرمة في الفقه الإسلامي، والأدلة على ذلك، كثيرة، منها:
1- قوله تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة:91)
2- عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا " (80)        
خامسا- تعريض أمن البلاد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، للخطر، يؤكد ذلك، قوله تعالى: ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل:112)
وقوله تعالى:  ( َإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) (النساء:83)
وقوله تعالى: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82)
والآيات الكريمات تقرر أصل حفظ أمن البلاد بجميع أشكاله وصوره؛ لأنه يعد من المقاصد الشرعية المعتبرة التي جاءت الأحكام الشرعية لتحصيلها، والحفاظ عليها، وبناء على ذلك ينبغي على الفرد أن يضبط خط سير سلوكه بما يتفق مع هذه المبادئ شرعا وعقلا وواقعا.




النتائج والتوصيات

توصلت من خلال هذه الدراسة إلى النتائج، والتوصيات الآتية:

أولا- ينبغي على المسلم بأن لا يضع نفسه في مواطن الشبهات، وأن لا يتسرع في اتخاذ القرارات؛ لأن المعلومة الصحيحة، والتثبت، وسؤال أهل الخبرة، والاختصاص من مستلزمات اتخاذ القرار في الفقه الإسلامي.
ثانيا- جريمة الشرف عمل انتقامي بقصد القتل، أو ما دونه يقترف من قبل أفراد الأسرة على فرد، أو أكثر من الأسرة، أومن خارجها بذريعة الحفاظ على سمعة الأسرة، ومكانتها الموروثة.
ثالثا- جرائم الشرف محرمة شرعا، وعقلا، وواقعا؛ لما لها من آثار نفسية، واجتماعية، واقتصادية على الفرد والمجتمع، والنظام العام للدولة، والفقه الإسلامي يدفع الجريمة قبل وقوعها، ويرفعها بعد الوقوع بأحكام شرعية محكمة موضوعية واقعية عادلة.
رابعا- يترتب على جرائم الشرف آثار خطيرة منها:
أ- العداوة، والبغضاء، والتدابر، وانعدام الثقة بين الناس، وهذه أمور محرمة في الفقه الإسلامي.
ب- تعريض أمن البلاد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي  للخطر.
ج- وجوب التعويض عن الضرر المادي، والمعنوي، الذي ترتب على جرائم الشرف.
د- استحقاق العقوبة الرادعة.
خامسا- تتعد صور مكافحة جرائم الشرف في الفقه الإسلامي، ومن أهمها:
أ- الالتزام بالآداب الإسلامية في الأماكن العامة.
ب- الرقابة بشتى صورها وأنواعها.
ج- العقوبات الرادعة.
سادسا-  تقنين نظام خاص للحماية من العنف الأسري يقوم على الحق، والعدل، ويمنع أشكال التمييز ضد المرأة في بعض الأسر المسلمة.
سابعا- استحداث هيئة قضائية متخصصة في محكمة الجنايات ؛ للنظر في القضايا التي يتم الادعاء فيها أنها ارتكبت بدافع الشرف، وعقد دورات تدريبية للقضاة، والمدعين العامين حول فهم وتطبيق النظام الخاص بحماية الأسرة من العنف؛ لتعزيز قدراتهم على التعامل مع هذا النوع من القضايا؛ للحفاظ على المصالح العليا للدولة.
ثامنا- عقد دورات تثقيفية، في مؤسسات الدولة، والمجتمع المدني، وتغطيتها إعلاميا من قبل المختصين حول التعامل مع حالات العنف الأسري، وفق ما تضمنه الإطار العقدي والفقهي لحماية الأسرة من العنف سواء من حيث الوقاية، أو العقوبة الدنيوية والأخروية.



قائمة المصادر والمراجع
§                    أحكام القرآن، لابن العربي، دار الجيل، بيروت، 1985م.
§                    الأحكام السلطانية، للماوردي، المكتبة العصرية، بيروت 2010م.
§                    الأحكام السلطانية، للقاضي أبي يعلى، دار الكتب العلمية ط2، بيروت 2006م.
§                    الاختيار لتعليل المختار، الموصلي عبد الله بن محمد، تحقيق شعيب الأرنؤوط ورفاقه، ط1، الرسالة العالمية، دمشق 1430 هـ.
§                    الاستذكار، لابن عبد البر، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2000م.
§                    إيضاح مختار الصحاح، للرازي، ط1، دار البشائر، دمشق 1997م.
§                    بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني، تحقيق علي معوض وعادل أحمد، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت 1997م.
§                    بداية المجتهد، لابن رشد، تحقيق علي معوض وعادل أحمد، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت 1996م.
§                    بداية المجتهد، لابن رشد، تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، بيروت 2009م.
§                    البيان شرح كتاب المهذب، للعمراني، دار المنهاج 2000م.
§                    تاج العروس، للزبيدي، دار الهداية، 1996م.
§                    تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، للزيلعي، ط1.دار الكتاب الإسلامي 1313 هـ.
§                    الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة 1998م.
§                    حاشيتان على شرح جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للنووي، ط1، دار الفكر بيروت 1998م.
§                    الحسبة، ابن تيمية، دار الفكر 1313 هـ.
§                    حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، لأبي بكر محمد القفال ألشاشي، تحقيق د.ياسين درادكه، ط1، دار الباز مكة المكرمة 1988م.
§                    درر الحكام، لعلي حيدر، ط1، دار الجيل، بيروت 1991م.
§                    الذخيرة، للقرافي، تحقيق محمد بو خبزه، ط1، دار الغرب الإسلامي 1994م.
§                    رؤوس المسائل الخلافية على مذهب الإمام أحمد، العكبري الحسين بن محمد، تحقيق عبد الملك بن دهيش، ط1، مكتبة الأسدي، مكة 1428 هـ.
§                    الروض المربع، للبهوتي، تحقيق سعيد اللحام، دار الفكر 1313 هـ.
§                     روضة الطالبين، للنووي، تحقيق عادل أحمد وعلي معوض، عالم الكتب، السعودية 2003م.
§                    سرقة الأعضاء بالجراحة الطبية، محمد إبراهيم، دار طيبة، ط1، مكة المكرمة 2005م.
§                    السنن الكبرى، للبيهقي، دار المعرفة بيروت1430 هـ.
§                    السياسة الشرعية، ابن تيمية، دار الكتب العلمية، ط 1، بيروت 1998م.
§                    السيل الجرار، للشوكاني، دار ابن حزم ط1، بيروت 2004م.
§                    الشرح الصغير، للدردير، وزارة الأوقاف، دولة الإمارات 1989م.
§                    الشرح الكبير، للدردير مع حاشية الدسوقي، دار إحياء الكتب العلمية، 1313 هـ.
§                    شرح منح الجليل على مختصر خليل وبهامشه حاشيته المسماة تسهيل منح الجليل، دار صادر، 1995م.
§                    صحيح مسلم بشرح النووي، ط2، مؤسسة قرطبة 1994م.
§                    العقوبة في الشريعة الإسلامية، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، ط2، بيروت 1988م.
§                    غياث الأمم في التياث الظلم، إمام الحرمين الجويني، تحقيق عبد العظيم الديب، مطبعة نهضة مصر 2000م.
§                    فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ط1، دار الريان للتراث 1987م.
§                    فتح القدير، للكمال بن الهمام، دار الفكر، بيروت، 1994م.
§                    الفروق، للقرافي، ط2، دار المعرفة بيروت، 1330 هـ.
§                    القاموس المحيط، للفيروز آبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت 1989م.
§                    قانون البينات الأردني رقم ( 30 ) لسنة 1952 م، والمعدل بالقانون رقم ( 37 ) لسنة 2001م.
§                    القوانين الفقهية، لابن جزي، دار الفكر، 1313 هـ.
§                    الكافي، لابن قدامة، ط5، المكتب الإسلامي، بيروت 1988م.
§                    كشاف القناع، للبهوتي، تحقيق إبراهيم أحمد، ط2، مكتبة الباز، السعودية 1997م.
§                    المبسوط، للسر خسي، دار المعرفة بيروت، 1426 هـ
§                    المجموع الحديثي، للإمام زيد، تحقيق عبد الله بن حمود، ط1، مكتبة الإمام زيد، صنعاء 2002م.
§                    المجموع شرح المهذب، للنووي، ط1، مكتبة الإرشاد، جدة، 1323 هـ.
§                    المحلى، لابن حزم، تحقيق د. عبد الغفار، دار الكتب العلمية، بيروت، 1996 م.
§                    مختصر الوقاية مع شرحه،  صدر الشريعة عبيد الله، ط1، دار الكتب العلمية، لبنان 1426 هـ.
§                    المدونة الكبرى، للإمام مالك برواية سحنون عن أبي القاسم ومعها مقدمة ابن رشد، المكتبة العصرية، بيروت، 2005م.
§                    المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين، للقاضي أبي يعلى، ط1، تحقيق عبد الكريم اللاحم، مكتبة المعارف، الرياض 1985م.
§                    المصنف، لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق حبيب الأعظمي، ط2، المكتب الإسلامي، بيروت 1993م.
§                    المغني، لابن قدامة، تحقيق عبد الله التركي وعبد الفتاح الحلو، ط4، دار عالم الكتب، السعودية 1999م.
§                    مغني المحتاج، للشر بيني، دار إحياء التراث، بيروت، 2010م.
§                    نصب الراية لأحاديث الهداية، للزيلعي، دار الحديث، 1423هـ.  
§                    الهداية، للمرغيناني، تحقيق محمد ثامر وحافظ عاشور، ط1، دار السلام، مصر 2000م.
§                    الوجيز في فقه الإمام الشافعي، للغزالي، دار الباز، مكة  1318هـ.



تعليقات