القائمة الرئيسية

الصفحات

الحق في حرية الرأي والتعبير والحـــق في التجمع السلمي في ظل السلطــــة الوطنيـــة الفلسطينيــــــــــــة

الحق في حرية الرأي والتعبير والحـــق في التجمع السلمي في ظل السلطــــة الوطنيـــة الفلسطينيــــــــــــة

الحق في حرية الرأي والتعبير والحـــق في التجمع السلمي في ظل السلطــــة الوطنيـــة الفلسطينيــــــــــــة




المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان

الحق في حرية الرأي والتعبير والحـــق في التجمع السلمي في ظل السلطــــة الوطنيـــة الفلسطينيــــــــــــة

الضفة الغربية وقطاع غـــزة
1 مايو 2000 - 31 مايو 2003


        سلسلـــة الدراسات (31)
 
للمـــركـــز الفلسطيني لحقــــوق الإنســـــان
يتمتع بصفة استشارية خاصة لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة
عضــــــو لجنــــــــــة الحقوقيين الدوليـــــــــــــــة - جنيـــــــف
عضو الفدراليـــــــــة الدوليــــــة لحقوق الإنسان  - باريـــــس
عضو الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان – كوبنهاجن

الطبعـــة الأولـــى / يوليو 2003

29 شارع عمر المختار
غــــــــــزة
ص.ب. 1328

تليفـون و فاكــــس : 2825893 – 08
                       2823725 – 08
                       2824776 - 08

البريـد الإلكتروني :  pchr@pchrgaza.org
صفحة الويب بيج:  www.pchrgaza.org




 

المركــز الفلسطيني لحقــوق الإنســـان


مركز حقوق إنسان فلسطيني مستقل مقره مدينة غزة، يتمتع بصفة استشارية خاصة لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، عضو لجنة الحقوقيين الدولية - جنيف، عضو الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان - باريس، عضو الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان - كوبنهاجن.  حائز على جائزة الجمهورية الفرنسية لحقوق الإنسان لعام 1996 (فرنسا)، وجائزة برونو كرايسكي للإنجازات المتميزة في ميدان حقوق الإنسان للعام 2002 (النمسا).  تأسس المركز عام 1995 من قبل مجموعة من المحامين و ناشطي حقوق الإنسان الفلسطينيين بهدف العمل على:-
حماية واحترام حقوق الإنسان طبقا للمعايير والمواثيق المقرة دوليا ودعم مبدأ سيادة القانون.                                                         
العمل على تنمية مؤسسات ديمقراطية  ومجتمع مدني فعال وتعزيز الثقافة الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني.
يساند المركز كل الجهود من اجل ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير والاستقلال وفقاً لقرارات الشرعية الدولية.

يتمحور عمل المركز في متابعة وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان والتحقيق فيها، وتقديم الاستشارة والمساعدة القانونية للأفراد والجماعات، وإعداد الأبحاث والدراسات المتعلقة بسيادة القانون وأوضاع حقوق الإنسان للفلسطينيين في قطاع غزة.  كما يقوم المركز بالتعليق على مشاريع القوانين الفلسطينية ويشجع تبني تشريعات تتماثل والمعايير الدولية لحقوق الإنسان وتهتدي بالمبادئ الأساسية للديمقراطية. وقد جند المركز لهذا الغرض طاقم من العاملين الملتزمين والناشطين في مجال حقوق الإنسان.

فلسفة عمل المركز
بعد قراءة قانونية للاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل، خلص المركز إلى أن الاحتلال الإسرائيلي مازال قائما بشكليه المادي والقانوني. فقد تم إعادة تموضع القوات الإسرائيلية داخل القطاع، وبقيت المستوطنات وبعض المنشآت العسكرية الإسرائيلية على حالها محتلة جزءا لا يستهان به من الأراضي الفلسطينية.  كما بقيت الجوانب القانونية للاحتلال الإسرائيلي على حالها لحد كبير، فالأوامر العسكرية الإسرائيلية لم تلغ وبقيت سارية المفعول بموجب الاتفاقات، وما تزال المحاكم العسكرية قائمة، وما يزال آلاف الفلسطينيين أسرى في السجون الإسرائيلية.  هذا بالإضافة إلى أن العناصر الجوهرية للقضية الفلسطينية بقيت دون حل: الحق في تقرير المصير؛ إزالة المستوطنات الإسرائيلية؛ حق العودة للاجئين الفلسطينيين؛ وقضية القدس. إن جميع هذه القضايا هي حقوق أساسية للشعب الفلسطيني، لهذا توجب علينا في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الاستمرار في العمل على انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني من جانب إسرائيل.

من ناحية أخرى، خلقت عملية السلام والتحولات السياسية التي تلتها وقيام مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية على أجزاء من الأراضي الفلسطينية دورا نشطا للمركز من أجل حماية الحقوق المدنية والسياسية والعمل على تنمية وتعزيز بناء الديمقراطية ومؤسسات المجتمع الفلسطيني والسعي لتطوير نظام قانوني ديمقراطي في فلسطين.

وحــدات المركــز
يتكون المركز من عدد من الوحدات المتخصصة التي تباشر مهامها بقدر كبير من التسيير الذاتي ولكنها تكمل بعضها البعض في عملها، وهي:

1) وحدة البحث الميداني
يعتبر البحث الميداني العمود الفقري في عمل المركز للحصول على معلومات دقيقة وموثقة قانونياً حول انتهاكات حقوق الإنسان. يقوم بهذه المهمة فريق من الباحثين الميدانيين المدربين يعملون في كافة مناطق القطاع لمتابعة وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان أولا بأول، من خلال جمع الإفادات من الضحايا أو شهود العيان بشكل دقيق.  وللمحافظة على دقة التوثيق، يقوم منسق وحدة البحث الميداني و باحثو المركز بمراجعة ما يجمعه الباحثون الميدانيون.  ومن خلال تواجد الباحثين الميدانيين بصورة مستمرة بين الجمهور فان المركز يحافظ على علاقات وثيقة مع البيئة المحيطة، و بهذا يمكن للمجتمع التأثير على عمل المركز، كما يتمكن المركز من الوقوف على احتياجات واهتمامات المجتمع.
 
2) الوحدة القانونية
تضم هذه الوحدة فريقاً من المحامين لتقديم الإرشاد والمساعدة والاستشارة القانونية للأفراد والجماعات مجاناً.  كذلك تقوم الوحدة بالمداخلة القانونية مع الجهات المختصة بالإضافة إلى التمثيل القانوني أمام المحاكم في بعض القضايا، خصوصا ذات الطابع الجماعي أو التي تعود نتائجها بالنفع الجماعي.  كما تشجع الوحدة في عملها استقلال القضاء وتدعم مبدأ سيادة القانون.

3) وحدة تطوير الديمقراطية
تختص هذه الوحدة بالعمل على تعزيز الديمقراطية وتنمية المجتمع المدني الفلسطيني وترسيخ مبدأ سيادة القانون.  من أجل ذلك يقوم طاقم العمل في الوحدة بإعداد الأبحاث وتنظيم ندوات تتناول موضوعات حقوق الإنسان والديمقراطية و تعزيز ممارستها.  كما يقوم الطاقم كذلك بإعداد المراجعات والدراسات للقوانين ومشاريع القوانين الصادرة عن السلطة الوطنية الفلسطينية للمساهمة في تبني تشريعات فلسطينية تدعم التوجه نحو الديمقراطية و احترام حقوق الإنسان.

4) وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
تسعى هذه الوحدة إلى التأكيد على أهمية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وإبلائها الاهتمام اللائق بها بالبحث والدراسة لاسيما في ظل عدم التناول الكافي فلسطينياً لها حتى الآن.  ومن اجل ذلك تقوم الوحدة من خلال الباحثين العاملين بها بإعداد الدراسات والأبحاث وورش العمل والندوات التي تتناول واقع هذه الحقوق في الضفة الغربية وقطاع غزة.  كما تسعى الوحدة إلى تطوير توصيات ومعايير خاصة لكل من تلك الحقوق للوفاء بها في الحالة الفلسطينية.  وتقوم الوحدة بمراجعة التشريعات ومشاريع القوانين الصادرة عن السلطة الفلسطينية وذات العلاقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية لضمان تشريعات تتماشى والمعايير الدولية للوفاء بها.  كما أن الوحدة تسعى إلى توفير قاعدة تدريبية ومعلوماتية للأفراد المكلفين بوضع الخطط وتطبيق البرامج والسياسات الخاصة بتلك الحقوق بما يتماشى والمقبول دولياً لضمان أقصى درجة من الوفاء بتلك الحقوق.
 
5) وحدة حقوق المرأة
بدأت في مطلع مايو 1997.  و جاءت استحداث هذه الوحدة بعد دراسة شاملة لوضع المرأة الفلسطينية ولعمل المؤسسات النسوية في قطاع غزة.  وتهدف الوحدة إلى تقديم المساعدة القانونية للمؤسسات النسوية وللنساء على حد سواء، بما في ذلك التوجه للمحاكم الشرعية في قضايا تتعلق على وجه الخصوص بالحضانة والنفقة.  بالإضافة إلى ذلك تعمل الوحدة على توعية المرأة الفلسطينية وتعريفها بحقوقها التي تكفلها مواثيق حقوق الإنسان الدولية، و كذلك توعيتها بالقوانين المحلية ذات العلاقة من خلال إعداد دليل قانوني للمرأة . وتهدف الوحدة أيضا إلى إعداد الدراسات والأبحاث  المتعلقة بالمرأة الفلسطينية، وكذلك مساندة كل الجهود الرامية إلى تغيير القوانين المحلية التي تجحف بحق المرأة و تنطوي على تمييز ضدها.

6) وحدة التدريب
تشكل وحدة التدريب أحد الأدوات الرئيسة في عمل المركز من اجل النشر وتطوير ثقافة حقوق الإنسان وتعميق مفاهيم الديمقراطية على مستوى المجتمع المحلي لكافة شرائحه وفئاته.  وتعمل الوحدة عبر تنظيم وعقد دورات تدريبية وورشات عمل، على تطوير المعارف النظرية وإكساب مهارات عملية، تسهم في خلق تغيير حقيقي على مستوى سلوك المجتمع، يؤدي إلى تعزيز واحترام حماية حقوق الإنسان وتعزيز عملية مشاركته في بناء المجتمع.  وتستهدف الوحدة بشكل خاص الفئات الشبابية من طلبة الجامعات، نشطاء الأحزاب السياسية، المحامين، العاملين في مجال الإعلام، أعضاء النقابات المهنية المختلفة والمؤسسات النسائية، وغيرها من منظمات المجتمع المدني.

7) المكتبة
أسس المركز مكتبة قانونية متخصصة في القانون المحلي والدولي وحقوق الإنسان والديمقراطية.  تحتوي المكتبة على مراجع ومجلات وإصدارات متنوعة باللغتين العربية والإنجليزية، بالإضافة إلي القوانين الفلسطينية ونصوص الأوامر العسكرية الإسرائيلية وكذلك بعض القوانين والتشريعات من البلدان العربية.  كذلك توفر المكتبة العديد من المواد والدراسات المتعلقة  بالقضية الفلسطينية والصراع العربي _ الإسرائيلي. ويسعى المركز باستمرار لإغناء وتوسيع مكتبته وهي مفتوحة لاستخدام الباحثين والأكاديميين والمهتمين مجانا.

التمويــــل
يتلقى المركز تمويله من عدد من المنظمات والمؤسسات الدولية غير الحكومية المهتمة بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومن بعض الحكومات الصديقة للشعب الفلسطيني، وتشمل: 

1. The Swedish International Commission of   Jurists - Sweden
2. Ford Foundation - U.S.A
3. NOVIB - Holland
4. Open Society Fund - U.S.A
5. Christian Aid - U.K
6. Dan Church Aid - Denmark
7. Grassroots International - U.S.A
8. European Commission 
9. Representative Office of Norway
10. General Consulate of France - Jerusalem
11. Ireland Aid - The Official Overseas Development
     Assistance Programme of the Irish Government
       12. Kvinna Till Kvinna - Sweden


 
مجلس الأمناء
"المرحوم" د. إبراهيـم أبو لغد
د. أنيس فوزي قاسم
د. حنــــان عشراوي
د. خليــــل الشقاقي
د. محمد جــــــودة

مجلس الإدارة
راجي الصوراني
جبــر وشـــــاح
ايـــــاد العلمي
حمــدي شقورة

المديـــر
راجي الصوراني

إن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان هو هيئة قانونية مستقلة مكرسة لحماية حقوق الإنسان، احترام سيادة القانون ورعاية مبادئ الديمقراطية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، على أن معظم نشاطات المركز واهتماماته تتركز في قطاع غزة بسبب القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الحركة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
 
عنـــوان المراسلــــة
   
    المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
المقر الرئيسي: 29 شارع عمر المختار - بجوار فندق الأمل - غزة  – ص.ب 1328.
تليفاكس: 2824776 / 2825893 / 2823725 08
فرعنا في خانيونس: شارع الأمل – متفرع من شارع جمال عبد الناصر بجوار كلية التربية.
تليفاكس: 2061025 / 2061035 08
فرعنا في جباليا: معسكر جباليا مقابل محطة تمراز للبترول. 
تليفاكس: 2454150 / 2454160 08
بريـــد إلكتروني: pchr@pchrgaza.org
      صفحة الويب بيج: www.pchrgaza.org
 
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان
مركز قانوني فلسطيني مستقل لا يستهدف الربح، مقره مدينة غزة. تأسس في إبريل 1995 من قبل مجموعة من المحامين والناشطين المهتمين بأوضاع حقوق الإنسان في قطاع غزة.  ويعمل المركز على حماية واحترام حقوق الإنسان ودعم سيادة القانون وتنمية مؤسسات ديمقراطية ومجتمع مدني في فلسطين طبقاً للمعايير والممارسات المقبولة دولياً، كما يعمل على مساندة حقوق الشعب الفلسطيني التي يقرها القانون الدولي.
يتمتع المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بصفة استشارية خاصة لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة.  وتقديراً لجهوده في ميدان حقوق الإنسان، حصل المركز على جائزتين دووليتين لهما سمعة مرموقة، وهما:
جائزة الجمهورية الفرنسية لحقوق الإنسان للعام 1996 (فرنسا).
جائزة برونو كرايسكي للإنجازات المتميزة في ميدان حقوق الإنسان للعام 2002 (النمسا).

وتربط المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان شبكة علاقات واسعة مع منظمات حقوق الإنسان وغيرها من منظمات المجتمع المدني في كافة أنحاء العالم.  وهو عضو في ثلاث منظمات دولية لحقوق الإنسان، لها حضورها وفاعليتها على الساحة الدولية، وهي كل من:

(1) لجنة الحقوقيين الدولية
منظمة دولية غير حكومية مقرها جنيف في سويسرا، تكرس جهودها لتعزيز ومراقبة مبدأ سيادة القانون والحماية القانونية لحقوق الإنسان في العالم.  وتتمتع المنظمة بالصفة الاستشارية في كل من المجلس الاقتصادي والاجتماعي الخاص بالأمم المتحدة، منظمة اليونسكو والمجلس الأوروبي، ولها العديد من الفروع في أكثر من ستين بلداً في العالم.

(2) الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان 
منظمة دولية غير حكومية مقرها باريس، تكرس نفسها للدفاع عن حقوق الإنسان في العالم كما هي معرفة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. تأسست الفيدرالية الدولية في العام 1922 وتضم في عضويتها 89 منظمة في جميع أنحاء العالم.

(3) الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان
شبكة من منظمات حقوق الإنسان والأفراد من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والاتحاد الأوروبي، تأسست في العام 1997.  وتهدف الشبكة إلى المساهمة في حماية مبادئ حقوق الإنسان بموجب إعلان برشلونة في العام 1995.
 
المقدمة 4
البــــاب الأول 6
مدخل نظري 6
الديمقراطية 7
1. الحق في حرية الرأي والتعبير 8
2. الحق في التجمع السلمي 9
المعايير الدولية ذات العلاقة بالحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في التجمع السلمي 10
1. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 11
2. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 12
3. إعلان بشأن المبادئ الأساسية الخاصة بإسهام وسائل الإعلام في دعم السلام والتفاهم الدولي، وتعزيز حقوق الإنسان، ومكافحة العنصرية والفصل العنصري، والتحريض على الحرب 13
4. مبادئ جوهانسبيرغ حول الأمن القومي وحرية التعبير والوصول إلى المعلومات 14
الإطار القانوني الفلسطيني 15
1. الضمانات الدستورية 15
أ. الجوانب المتعلقة بحرية الرأي والتعبير 17
ب. الجوانب المتعلقة بالحق في التجمع السلمي 18
2. الضمانات القانونية 19
أ. الجوانب المتعلقة بحرية الرأي والتعبير 19
ب.الجوانب المتعلقة بالحق في التجمع السلمي 24
 
الباب الثاني 27
انتهاكات السلطة الوطنية الفلسطينية لـ 27
حرية الرأي والتعبير 29
1. ما يتعلق بالصحافة ووسائل الإعلام 29
أ. اعتداءات على صحافيين 31
ب - اعتداءات على صحف ومؤسسات إعلامية وبحثية 42
2. ما يتعلق بحق المواطنين في التعبير عن آرائهم 50
الحق في التجمع السلمي 61
1. قرار مدير عام الشرطة بمنع الاجتماعات العامة بدون إذن مسبق 61
2. اللائحة التنفيذية 63
3. تفريق المشاركين في تجمعات سلمية بالقوة 66
البـــاب الثالث 72
أسباب انتهاكات السلطة الوطنية الفلسطينية للحق في حرية الرأي والتعبير، والتجمع السلمي 72
اتفاقيات التسوية المرحلية 73
عدم تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات 75
عدم احترام سيادة القانون 78
ضعف أداء نقابة الصحفيين وعدم ترابط الجسم الصحفي 79
 
البــــاب الرابع 82
الآثار الناتجة عن انتهاكات السلطة الوطنية الفلسطينية للحق في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي 82
الرقابة الذاتية وإشاعة مناخ من الخوف لدى الصحفيين 83
إلغاء دور الصحافة كسلطة رابعة 85
انتشار الأقاويل والشائعات لعدم وجود وسيلة إعلام تتمتع بالمصداقية والموضوعية لدى الشارع 86
التوصيـــات 88
الخاتمـــة 92
الملاحـــــق 93
 

المقدمة


منذ سنوات عدة سعت وحدة تطوير الديمقراطية في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، إلى بلورة مؤشرات ملموسة لقياس عملية التحول الديمقراطي في فلسطين.  وتأتي أهمية هذه المؤشرات في كونها لا تساهم فقط في قياس الوضع الديمقراطي الحالي، وإنما أيضاً تساهم في رسم معالم المستقبل، وما يتطلبه من استحقاقات للمساهمة في رفد الجهود والنضال من أجل بناء ديمقراطية فلسطينية، تكفل للمواطنين كافة حقوقهم من خلال فصل السلطات وسيادة القانون، والمشاركة السياسية.

وتأتي هذه الدراسة التي ترصد فيها انتهاكات السلطة الوطنية الفلسطينية للحق في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن هذا النطاق.  كما تتطرق إلى الاعتداءات التي يتعرض لها وهي تعتبر ثالث دراسة يضعها المركز بين يدي القارئ، حيث تغطي الفترة الممتدة من بداية مايو 2000 وحتى نهاية مايو من العام الحالي، حيث سبق وأن غطت الدراستان السابقتان، الصادرتان عن المركز الفلسطيني حول ذات الموضوع،  الفترة الزمنية الممتدة من مايو 1994 وحتى نهاية أبريل 2000.

تميزت الفترة الزمنية التي تغطيها الدراسة بانطلاق انتفاضة الأقصى، وهذا الحدث بطبيعة الحال أثر على كافة البنى الحكومية والمجتمعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتأكيد كان له انعكاسه على حجم انتهاكات السلطة بحق العمل الصحفي، وبحق العمل السياسي والاجتماعي الحزبي واللاحزبي، لا لتغيير في نظرة السلطة لحق المواطنين في حرية الفكر والتعبير والحق في التجمع السلمي، ولكن لتغيير في كم وكيفية هذه الانتهاكات، فالانتفاضة فرضت واقعاً جديداً على الأرض، تضافرت فيه عوامل داخلية وخارجية،  أثرت على ممارسات وتجاوزات نظام الحكم الذي بحسب المادة 5 من الدستور( القانون الأساسي) يفترض أن يكون نظاماً ديمقراطياً نيابياً، يقوم على مبدأ التعددية والفصل بين السلطات.  

وبما أن مدى ديمقراطية نظام حكم معين يقاس بمدى مراعاة هذا النظام لأهم المعايير والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وبما أن حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، الضرورية لقيام نظام حكم ديمقراطي، هي حقوق أساسية كفلتها هذه المواثيق، فقد بدأت الدراسة بمدخل نظري يتناول الحقوق موضوع الدراسة في الأنظمة الديمقراطية، كما تم التطرق إلى أهم هذه المواثيق الدولية التي تعنى بالحق في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي.  ولمزيد من التوضيح تناولت الدراسة البنود الخاصة بهذه الحقوق في الدستور، وباقي القوانين الخاصة بممارسة الحق في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، المعمول بها في الأراضي الفلسطينية.  ثم تنتقل الدراسة في بابها الثاني لتوثيق حالات الانتهاكات التي مارستها السلطة الوطنية في مجال حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، وتجدر الإشارة إلى أن حالات الانتهاكات التي تم توثيقها، لا تشكل رصداً لكافة تجاوزات السلطة الوطنية في هذا المجال،  حيث تم توثيق الحالات التي تمكن المركز من الحصول عليها سواء من وحدة البحث الميداني في المركز أو من وسائل الإعلام ومراكز ومؤسسات حقوق الإنسان.  وفي البابين الثالث والرابع تم الحديث عن أسباب  هذه الانتهاكات والخروقات التي تمارسها السلطة وآثارها.  وفي النهاية تضمنت الدراسة مجموعة من التوصيات التي يفترض دراستها والاستفادة منها لدى دائرة صناع القرار في السلطة الوطنية الفلسطينية، ولدى كل من السلطتين التشريعية والقضائية، إضافة إلى الجسم الصحفي والأحزاب السياسية، وكل المهتمين بمعرفة حقوقهم وواجباتهم.
 
البــــاب الأول
مدخل نظري



الديمقراطية.

المعايير الدولية ذات العلاقة بحرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي.

الإطار القانوني الفلسطيني ومدى تماثله مع المعايير الدولية.



 

الديمقراطية


مفهوم الديمقراطية كغيره من المفاهيم السياسية الأخرى، تحيط به مصاعب نظرية وفكرية، إضافة إلى صعوبات عملية.  ظهرت الديمقراطية كمفهوم وكمؤسسة بعد نشوء الرأسمالية الحديثة وتبلور ما يسمى بالدولة القومية، وذلك راجع للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت بعد الثورة الصناعية والثورة الفرنسية.
  
 أطلق مفهوم الديمقراطية على أحد أشكال الحكم، والتعريف التقليدي لهذا المفهوم هو حكم الكثرة أو الأغلبية، أو الحكم بواسطة الشعب ، وكما يرى روبرت دال أحد علماء السياسة البارزين فإن الديمقراطية هي ذلك "النظام السياسي الذي تتوفر فيه فرصة المشاركة في صنع القرارات لجميع الكبار عن المواطنين" ، حيث يفترض بنظام الحكم الديمقراطي أن يحافظ على المساواة السياسية، عن طريق مجموعة من الإجراءات القانونية والدستورية، على أن تكون مدعمة برأي عمومي، وذلك لضمان حقوق المواطنين والتزاماتهم.  فالديمقراطية تعطي حقوقاً للأفراد في المجتمع السياسي الديمقراطي، وتشتمل هذه الحقوق على المساواة السياسية، أي حق الانتخاب، وحق الترشيح لأي منصب سياسي، والمساواة أمام القانون بين جميع الأفراد، والتمتع بحماية القانون، وحرية الفكر والتعبير والعمل السياسي، فالنظام السياسي يجب أن لا يقوم بوضع قيود على حرية التفكير والتعبير والعمل السياسي.  

وتعتبر الرؤية الإنسانية من أهم مميزات نظام الحكم الديمقراطي، حيث يضع الإنسان في قمة القيم، ويعطي الإنسان حقوقه ويحترمها، إذ يعبر في هذا النظام عن نفسه، ويمارس حقوقه، ويحاسب الحاكم، كما ويتمتع بتكافؤ الفرص والمساواة، في ظل نظام يسود فيه القانون، فتتحقق العدالة والحرية معاً، ففي غياب الحرية تغيب العدالة، وفي غياب العدالة تغيب الحرية، وفي غياب الرؤية الإنسانية تغيب العدالة والحرية معاً .  فالديمقراطية في جوهرها نظام اجتماعي- ثقافي، تبدأ بالإنسان الفرد، الذي يعامل على أنه اللبنة الأساسية في نسيج العلاقات والقيم، وتضمن له الحرية في ممارسة حقه في الاختيار انطلاقاً من فهمه الخاص للأشياء .    

وهكذا نرى أن النظام الديمقراطي يركز بشكل كبير على حرية الفرد في السيطرة على مصيره وحياته، فيشكلهما كما يشاء، دونما إكراه، طالما أنه لا يتعدى أو يلغي حرية غيره.  ومن أبرز حقوق الفرد الأساسية هي حقه في اعتناق الأفكار التي يريد، والتعبير عن هذه الأفكار بكل حرية وبالشكل والإطار المناسبين، بما في ذلك حقه في التجمع السلمي.


1. الحق في حرية الرأي والتعبير


 يعتبر الحق في حرية الرأي والتعبير من الحريات الأساسية التي لا تقوم قائمة أي نظام ديمقراطي بدونه، ويعني هذا الحق قدرة الإنسان على تبني الآراء والأفكار التي يريدها دون أي ضغط أو إجبار، إضافة إلى القدرة على التعبير عن هذه الآراء باستخدام وسائل مختلفة.  ويفترض وجود شرطين أساسيين لممارسة هذه الحرية، " أولهما غياب الموانع أو القيود الخارجية على السلوك أو النشاط المرغوب فيه، وثانيهما غياب التهديد الخارجي، ذلك التهديد الذي لا يستطيع أي شخص عاقل أن يقاومه ".

إن الإقرار بحرية الرأي يعني الإقرار بحق الآخرين في اعتناق المعتقدات والأفكار التي يريدونها، دون تقييد أو منع، بغض النظر عن طبيعة هذا الاعتقاد. كما يعني حق الآخرين في المعارضة، وفي وجود تعددية سياسية تمارس نشاطاتها ضمن إطار قانوني يضمن التوازن بين الأمن والحرية وحق المعارضة والاختلاف. 

وكذلك الحق في حرية التعبير، الذي يتضمن الحق في الوصول للمعلومات ونشرها، إذ أن هذا الحق يتيح للشعب الحصول على المعلومات بمختلف أنواعها عن طريق وسائل الإعلام، التي تتمتع بالموضوعية والمصداقية، ومن هنا يتبلور الرأي الشعبي في قضية ما، ويتخذ قراره أو يعبر عن رأيه فيها، بأشكال وطرق ملموسة وملائمة، دون تدخل أو إكراه من أية جهة تختلف في أفكارها ومعتقداتها. 

 فالمجتمع الديمقراطي يحترم التعددية الفكرية والسياسية والتنظيمية والعقائدية، ويتمتع المواطنون فيه بحق التعبير عما بأنفسهم، فيما يتعلق بالأمور السياسية، من انتقاد مسؤولين حكوميين، ونظام الحكم القائم، والوضع الاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى الأيديولوجيا السائدة في الدولة، دون أن يكونوا معرضين للعقاب. إضافة إلى الحق في حرية الرأي والتعبير فإنه يجب أن يكون للمواطنين فرصة للحصول على مصادر بديلة للمعلومات، وتكون هذه المصادر قائمة وعاملة بموجب القانون، وتتمتع بحمايته، كما يفترض أن تكون مستقلة، وليست حكراً بيد الحكومة أو أية فئة أخرى .

ويتحقق كل هذا عن طريق وجود دساتير وتشريعات، تضمن الحريات الأساسية للمواطنين، وتتمثل هذه الحريات في: حرية الاعتقاد والتعبير والتنظيم، وتحقيق مبدأ تداول السلطة، والتعددية السياسية، واستقلال السلطات الثلاث، والعلانية وتوافر البيانات والمعلومات.

2. الحق في التجمع السلمي


يرتبط هذا الحق بشكل وثيق بالحق في حرية الرأي والتعبير، فالتجمع السلمي يعتبر من طرق التعبير عن الرأي، وتقييد الحق في التجمع السلمي يؤدي إلى انتهاك الحق في حرية التعبير.  ويقصد بالحق في التجمع السلمي هو أن يتمكن المواطنون من عقد الاجتماعات السلمية في أي زمان ومكان، وذلك ليعبروا عن آراءهم بأي طريقة من الطرق، سواء أكانت عن طريق عقد مؤتمرات أو اجتماعات عامة، أو القيام بمظاهرات أو مسيرات سلمية، بغض النظر عن منظميها .

وهناك قيود يخضع لها هذا الحق، حيث يتوجب توجيه إشعار كتابي للمحافظ أو مدير الشرطة قبل عقد أي اجتماع، وذلك للحفاظ على النظام والآداب العامة.  وينحصر دور الشرطة في تنظيم المرور، وذلك للحفاظ على حريات وحقوق الآخرين، ومنع أي تصرفات تحدث الفوضى وتخالف القانون، كحمل السلاح، أو الاعتداء على ممتلكات خاصة وعامة، أو الدعوة إلى الكراهية وترسيخ مفاهيم تعزز النعرات العشائرية، والطائفية، والعرقية.  ويتم هذا المنع بطرق لا تنتهك كرامتهم وحقهم في الحياة.  فيكون هناك تدرج في استخدام القوة، من قبل المكلفين بإنفاذ القانون المؤهلين للتعامل مع جمهور غاضب.

ويعتبر هذا الحق حقاً أساسياً ترتكز عليه باقي الحقوق، التي تفقد قيمتها إذا لم تتوفر الحرية للتعبير عن الآراء والأفكار.

المعايير الدولية ذات العلاقة بالحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في التجمع السلمي

تولي عدد كبير من المنظمات الدولية_ وعلى رأسها الأمم المتحدة_ أهمية كبيرة لحقوق الإنسان، حيث جرى التأكيد على هذه الحقوق في كل مواثيق حقوق الإنسان، سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي.
ولأن تمتع الأفراد بحقهم في حرية الرأي والتعبير، يعتبر من الحقوق التي تنطوي على أهمية فائقة، لذا فقد اهتم المجتمع الدولي بصيانة هذه الحقوق، ففي الدورة الأولى للجمعية العامة تم تبني القرار رقم 59 (د-1)، والمؤرخ في 14 ديسمبر 1946، وقد جاء فيه:
" إن حرية الإعلام حق من حقوق الإنسان الأساسية، وهي المعيار الذي تقاس به جميع الحريات التي تكرس الأمم المتحدة جهودها لها، وتعني حرية الإعلام ضمناً الحق في جمع الأنباء ونقلها ونشرها في أي مكان دون قيود.  وهذه الحرية تشكل عاملاً أساسياً في أي جهد يبذل من أجل تعزيز سلم العالم وتقدمه.  وأحد العناصر التي لا غنى عنها في حرية الإعلام هو توافر الإرادة والقدرة على عدم إساءة استعمالها، ومن قواعدها الأساسية الالتزام الأدبي بتقصي الوقائع دون تعرض وبنشر المعلومات دون سوء قصد".

وتتضمن معايير الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان عشرات الوثائق والاتفاقيات والإعلانات الدولية.  ومن أهم تلك المعايير التي تتناول الحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في التجمع السلمي.

1. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان


يعتبر الإعلان العالمي الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1948 من أكثر القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة شهرة وأهمية، فهو بمثابة المثل الأعلى المشترك الذي يجب أن تعمل جميع الشعوب والأمم على بلوغه وتطبيقه.  وتكمن أهميته في كونه أول إعلان خاص بحقوق الإنسان، يصدر عن أضخم تجمع دولي منظم في التاريخ، إضافة لكونه خياراً فكرياً سياسياً للأمم المتحدة، انبثق عنه عشرات العهود والمواثيق التي حددت أو رسخت هذا المبدأ أو ذاك من المبادئ العامة التي اشتمل عليها ذلك الإعلان.

ويتألف الإعلان من ديباجة و(30) مادة خصصت لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي لا بد من الحفاظ عليها وضمانها للجميع دون أي تمييز في أي مكان في العالم، فالمادة (2) تنص على المبدأ الأساسي للمساواة وعدم التمييز فيما يتعلق بالتمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، حيث تحظر" التمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسياً أو غير سياسي، أو الأصل الوطني، أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر".

وتنص المادة (3) على أن " لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه"، وهذا الحق يعتبر حقاً أساسياً يشكل مقدمة للتمتع بكل الحقوق الأخرى، والتي منها حرية الرأي والتعبير والحق في التجمع السلمي.

أما المادة (19) من هذا الإعلان فهي تنص بشكل مباشر على الحق في حرية الرأي والتعبير فـ" لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار، وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود والجغرافية".  ويأتي هذا التخصيص لهذا الحق دليلاً على الوعي الكامل بأهمية هذا الحق، فلا قيمة لحرية الرأي والفكر عندما لا يستطيع الإنسان أن يعبر عما يجول في خاطره، وما يعتنقه من أفكار وآراء.

2. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

اقر من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966، وبدأ سريان تطبيقه في 23 آذار من عام 1976، ويعكس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحقوق التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.  وقد عمل هذا العهد على إكساب الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان صفة الإلزام القانوني.

في المادة (2) من العهد يتم التأكيد على احترام حقوق الإنسان، وعدم التمييز بين الأفراد بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسياً أو غير سياسي، أو غير ذلك من الأسباب.

وتنص الفقرة الأولى من المادة (19) على حق الإنسان في حرية الرأي والتعبير والإعلام فـ" لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة"، وتنص الفقرة الثانية من نفس المادة على أنه " لكل إنسان حق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار، وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها".  أما الفقرة الثالثة من هذه المادة فتذكر أنه " تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات و مسؤوليات خاصة، وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
أ.  لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.
ب. لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة أو الآداب العامة".

فممارسة حرية الرأي وغيرها من الحريات يجب أن تشتمل على بعض الواجبات والمسؤوليات الخاصة، وذلك من أجل حماية حقوق الآخرين والمحافظة عليها، لذا فقد أجاز العهد إخضاعها لقيود محددة بنص قانوني، أما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فقد أعطى مجالاً واسعاً لحرية الرأي والتعبير. 

وفيما يتعلق بالحق في التجمع السلمي، فإن المادة (21) من العهد تنص على أنه " يكون الحق في التجمع السلمي معترفاً به، ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق، إلا تلك التي تفرض طبقاً للقانون، وتشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة، أو النظام العام أو حماية الصحة العامة، أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم".

3. إعلان بشأن المبادئ الأساسية الخاصة بإسهام وسائل الإعلام في دعم السلام والتفاهم الدولي، وتعزيز حقوق الإنسان، ومكافحة العنصرية والفصل العنصري، والتحريض على الحرب

تبنى اليونسكو هذا الإعلان في 28 نوفمبر 1978، ويؤكد هذا الإعلان على الحق في التعبير عن الرأي من خلال وسائل الإعلام، وحق الجمهور في تلقي المعلومات والوصول لها.  فالفقرة الأولى من المادة 2 تنص على " إن ممارسة حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الإعلام، المعترف بها كجزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، هي عامل جوهري في دعم السلام والتفاهم الدولي".  ولذا، وكما تنص الفقرة الثانية من نفس المادة "فيجب ضمان حصول الجمهور على المعلومات عن طريق تنوع مصادر ووسائل الإعلام المهيأة له، مما يتيح لكل فرد التأكد من صحة الوقائع، وتكوين رأيه بصورة موضوعية في الأحداث.  ولهذا الغرض يجب أن يتمتع الصحفيون بحرية وسائل الإعلام، وأن تتوفر لديهم أكبر التسهيلات الممكنة للحصول على المعلومات.  وكذلك ينبغي أن تستجيب وسائل الإعلام لاهتمامات الشعوب والأفراد، مهيأة بذلك مشاركة الجمهور في تشكيل الإعلام".

وتؤكد الفقرة الثالثة من هذه المادة على أنه" لا بد أن يتمتع الصحفيون وغيرهم من العاملين في وسائل الإعلام الذين يمارسون أنشطتهم في بلادهم أو في خارجها بحماية تكفل لهم أفضل الظروف لممارسة مهنتهم".  فهذه المادة تؤكد على أهمية حرية الرأي والتعبير التي ترتبط بشكل كبير بوسائل الاتصال الجماهيري وبحرية الإعلام، كما تؤكد على حق الصحفيين في العمل في أجواء يتمتعون فيها بالحماية، لمتابعة عملهم وأداء دورهم في الوصول للمعلومات ونشرها وإيصالها للجمهور، بكل موضوعية ومصداقية.

كما أن الفقرة الثانية من المادة (10) من الإعلان تؤكد على أنه" ينبغي أن يشجع التداول الحر للمعلومات، ونشرها على نطاق أوسع وأكثر توازناً"، وذلك لضمان حرية المواطنين في البحث والحصول على المعلومات التي يريدونها، وبالتالي ضمان حرية الرأي والتعبير اللذان سيتشكلان بناءً على هذه المعلومات.

4. مبادئ جوهانسبيرغ حول الأمن القومي وحرية التعبير والوصول إلى المعلومات

في 1 أكتوبر 1995، تبنت مجموعة من المختصين في القانون الدولي، وحقوق الإنسان مبادئ جوهانسبيرغ الخاصة بالأمن القومي وحرية الرأي والتعبير وحرية الوصول إلى المعلومات، استناداً إلى المبادئ والمعايير الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وذلك في مؤتمر عقد في مدينة جوهانسبيرغ في جنوب إفريقيا.  في بداية المبادئ تم الاعتراف بحق كل شخص في حرية التعبير، الذي يشمل حرية البحث، وتلقي  ونقل المعلومات و الأفكار من كافة الأنواع، بغض النظر عن الحدود.  وسمحت هذه المبادئ بفرض قيود على هذه الحقوق في حال كان ذلك ضرورياً لحماية الأمن القومي، على أن تكون هذه القيود موجودة في القانون، الذي يجب أن يكون واضحاً ودقيقاً، وأن يكون منسجماً مع مبادئ الديمقراطية.  

تحدد المادة 6 من مبادئ جوهانسبيرغ حدود القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير، فيما يخص الأمن القومي، حيث تنص على أنه "لا يمكن معاقبة التعبير كتهديد للأمن القومي، إلا إذا استطاعت الحكومة أن تثبت أن ذلك التعبير :
يهدف لإثارة العنف الوشيك.
من المحتمل أن يثير مثل هذا العنف.
 هناك علاقة مباشرة بين التعبير واحتمال/أو وقوع مثل هذا العنف". 

وفيما تذكر المادة 7 أن العبارات الناقدة لسياسات السلطة، والتي تكشف معلومات عن انتهاكات حقوق الإنسان من قبل هذه السلطة، لا تعتبر مهددة للأمن القومي، وبالتالي لا يجوز وضع قيود لتدفق هذه المعلومات ونشرها.  فإن المبدأ 12 المتعلق بالحد الأقصى لكشف المعلومات، يعطي السلطة حق تصنيف المعلومات التي يمكن حجبها، وتلك التي يمكن نشرها.  و المبدأ 15 يضع قواعد للآلية التي يجب أن تحدد من خلالها حجب معلومات أو نشرها، فإذا كانت لا تضر بالأمن القومي أو الوطني، وإذا كانت المصلحة العامة في نشر هذه المعلومات تفوق الأذى الذي يمكن أن يلحق بالأمن القومي، لا يجوز للسلطة أن تمنع نشر هذه المعلومات. 

الإطار القانوني الفلسطيني

1. الضمانات الدستورية


يعتبر القانون الأساسي الفلسطيني الصادر بتاريخ 29 يوليو 2002، والمعدل بموافقة أغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي، هو بمثابة الدستور الفلسطيني المعمول به، وذلك لحين عرض مشروع الدستور الذي أعده مجلس الوزراء على المجلس التشريعي وإقراره.  ويتضمن هذا القانون بمواده المائة وواحد وعشرون الأسس والقواعد العامة التي يجب على باقي القوانين الصادرة، والمنظمة للقضايا الواردة في القانون الأساسي أن تتضمنها، وأن تأخذها بعين الاعتبار، فلا تتعارض معها أو تتجاهلها.

تحدد المادة (5) من الباب الأول نظام الحكم في فلسطين فهو" نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية"، وهذا يعني التزام السلطة الوطنية الفلسطينية بتطبيق النظام الديمقراطي في فلسطين، وما يتضمنه من منح حريات مختلفة للمواطنين، ومشاركتهم في العمل السياسي.

وتؤكد المادة (2) من نفس الباب على أن " الشعب مصدر السلطات، ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، على أساس مبدأ الفصل بين السلطات"، كما أكدت المادة (6) على أن " مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين، وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأشخاص"، وهذا يعني أن القانون هو سيد الأحكام، وأن الكل سواسية أما القانون، والكل معرض للمسائلة دون أي تمييز أو تفريق، وهذا ما عادت وأكدت عليه المادة (9) في الباب الثاني المتعلق بالحقوق والحريات العامة، حيث ذكرت أن" الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء، لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة".

أما المادة (10) من نفس الباب فقد نصت الفقرة الأولى منها على أن" حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام"، أي أنه يجب احترام المواطنين والتعامل معهم بشكل يصون كرامتهم وحريتهم الممنوحة لهم بموجب القانون، وبموجب مواثيق حقوق الإنسان الإقليمية والدولية، لأنه وكما جاء في الفقرة الثانية من هذه المادة" تعمل السلطة الوطنية الفلسطينية دون إبطاء على الانضمام إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية التي تحمي حقوق الإنسان".

وكما هو واضح فإن كل هذه المواد تعني الالتزام بأن تحافظ السلطة الوطنية على مفاهيم العدالة والمساواة، والحريات والحقوق الشخصية، وأدوار الأفراد والجماعات في الحياة العامة والانتخابات والتمثيل، واحترام الإنسان والمشاركة والتعددية السياسية، وسيادة القانون والفصل بين السلطات.

ويعاقب من يخالف هذه الحقوق والحريات استناداً للمادة (32) من هذا الباب إذ أن " كل اعتداء على أي من الحريات الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للإنسان وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها القانون الأساسي أو القانون، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتضمن السلطة تعويضاً عادلاً لمن وقع عليه الضرر".

وقد ضمنت بعض مواد القانون الحق في حرية الرأي والتعبير وحرية التجمع السلمي، وبهدف توضيحها سنذكر المواد المتعلقة بالحقين كل على حدا:

أ. الجوانب المتعلقة بحرية الرأي والتعبير

نصت المادة (19) من القانون الأساسي على أنه" لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون"، وهذا يعني أن الأساس هو السماح بالتعبير عن الرأي، فلا فرق بين رأي يتعلق بموضوع سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، كما أنه لا فرق بين شخص ذو انتماء سياسي أو آخر دون انتماء سياسي، وإن حصلت حالات منع لممارسة هذا الحق، فيجب أن تخضع لمسوغات قانونية تبرره.

وقد أعطت المادة (26) من القانون الحق للفلسطينيين في المشاركة في الحياة السياسية أفراد وجماعات،فلهم كما نصت الفقرة الأولى من هذه المادة الحق في " تشكيل الأحزاب السياسية والانضمام إليها وفقاً للقانون"، ولهم كما نصت الفقرة الثانية الحق في " تشكيل النقابات والجمعيات والاتحادات والروابط والأندية والمؤسسات الشعبية وفقاً للقانون".  أي أن الفلسطينيين يتمتعون بكامل الحرية فيما يتعلق باعتناق الآراء التي يريدون، والتعبير عن رأيهم في مختلف القضايا، بحيث لا يمارس عليهم أي نوع من أنواع القمع الفكري.

وتتناول المادة (27) الحق في حرية الرأي والتعبير في جانبه المتعلق بالعمل الصحفي، حيث تنص على أن:
" 1. تأسيس الصحف وسائر وسائل الإعلام حق للجميع يكفله هذا القانون الأساسي، وتخضع مصادر تمويلها لرقابة القانون.
2. حرية وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، وحرية الطباعة والنشر والتوزيع والبث، وحرية العاملين فيها مكفولة وفقاً لهذا القانون الأساسي والقوانين ذات العلاقة.
3. تحظر الرقابة على وسائل الإعلام، ولا يجوز إنذارها أو وقفها أو مصادرتها أو إلغاؤها أو فرض قيود عليها إلا وفقاً للقانون وبموجب حكم قضائي".

وكما هو مذكور فإن مصادر تمويل الصحيفة أو وسيلة الإعلام هو الذي يخضع للرقابة فقط، أما ما تنشره هذه الوسائل فتحظر الرقابة عليه، كما كفل هذا القانون حرية الطباعة والنشر والتوزيع والبث وحرية العاملين في وسائل الإعلام.  كما أن وقفها أو مصادرتها أو إلغاؤها أو فرض القيود عليها محظور إلا وفقاً للقانون، وبالتالي فإن أي تقييد لحرية وسائل الإعلام سواء عن طريق فرض رقابة عليها أو إنذارها أو وقفها أو مصادرتها أو إلغائها، أو انتهاك حرية العاملين فيها، دون قرار من المحكمة أو دون سند قانوني يخضع ممارس هذه الانتهاكات للمسائلة القانونية وللمحاكمة وفقاً لأحكام القانون بغض النظر عن أي من الاعتبارات، كما "تضمن السلطة الوطنية تعويضاً عادلاً لمن وقع عليه الضرر"، وفقاً للمادة (32) من القانون الأساسي. 


ب. الجوانب المتعلقة بالحق في التجمع السلمي
قيد القانون الأساسي عقد الاجتماعات من خلال القوانين التي تنظم هذا الحق، وقد أفرد القانون الفقرة الخامسة من المادة (26) للحفاظ على الحق في التجمع السلمي، وتنص هذه المادة على أن يتم" عقد الاجتماعات الخاصة دون حضور أفراد الشرطة، وعقد الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات في حدود القانون".  وباعتبار الحق في التجمع السلمي من الحقوق والحريات الأساسية التي كفلها القانون، والتي يحظر انتهاكها على أساس أن نظام الحكم في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية هو نظام ديمقراطي، استناداً للمادة (5) من هذا القانون، فإن أي انتهاك أو اعتداء على هذا الحق يعرض الجهة أو الشخص المنتهك للمساءلة القانونية بحسب المادة (32) من القانون الأساسي.   

2. الضمانات القانونية


أ. الجوانب المتعلقة بحرية الرأي والتعبير

تعرضت مجموعة من القوانين في عدد من بنودها إلى مسألة تنظيم الحق في حرية الرأي والتعبير، وكان من أبرز هذه القوانين قانون المطبوعات والنشر لسنة 1995،  وقد صدر هذا القانون في 25 يونيو 1995، بموجب مرسوم رئاسي صادر عن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات، وهذه أحد المآخذ الرئيسية على هذا القانون الذي يعتبر قانوناً مؤقتاً، لأنه غير مقر من المجلس التشريعي، والجدير بالذكر أن عرضه على المجلس لإقراره يوفر فرصة لتعديل بنوده.

يتكون هذا القانون من 51 مادة تنظم وتعالج كل ما يتعلق بالمطبوعات والنشر والعمل الصحفي، وقد ضمنت البنود الأولى في هذا القانون، وبالتحديد المادتين 2 و4 حرية الرأي والتعبير المكفولتان لكل فلسطيني، وحرية الوصول للمعلومات ونشرها وتداولها والتعليق عليها.  وهذه الفلسفة التي تبناها القانون تتعارض مع بنود أخرى لاحقة وردت فيه، حيث وضعت قيود صارمة على حريات كثيرة لازمة للعمل الصحفي، كما كانت هناك ضبابية في كثير من المصطلحات والعبارات والكلمات التي تضمنتها بنود القانون.

ومن المآخذ على هذا القانون تعامله مع الحق في حرية الوصول للمعلومات بشكل مختصر وغير واضح –رغم اعترافه به-، فالفقرة جـ من المادة 4 تنص على حق الصحفيين في" البحث عن المعلومات والأخبار والإحصائيات التي تهم المواطنين من مصادرها المختلفة، وتحليلها وتداولها ونشرها والتعليق عليها في حدود القانون"، وفي نفس الإطار تنص المادة 6 على أن " تعمل الجهات الرسمية على تسهيل مهمة الصحفي والباحث في الإطلاع على برامجها ومشاريعها"، ومن الواضح أن هذه النصوص بصياغتها الحالية لا تضمن بشكل كامل هذا الحق الذي يعتمد عليه العمل الصحفي بشكل أساسي، كما أنه من أهم حقوق المواطنين، ففي الأنظمة الديمقراطية يعتبر هذا الحق من أكثر حقوق المواطنين أهمية، حيث تبنى عليه بقية الحقوق. 

وقد وضع هذا القانون قيوداً شديدة على محتوى المادة المراد نشرها، فالفقرة أ من المادة 7 تمنع نشر  " ما يتعارض مع مبادئ الحرية والمسؤولية الوطنية وحقوق الإنسان واحترام الحقيقة"، والمادة 37 تحتوي على العديد من القيود التي تمت صياغتها بتعبيرات غامضة وفضفاضة، حيث يحظر بموجب هذه المادة نشر أي معلومات سرية تتعلق بالأجهزة الأمنية، أو أية مواد " تشتمل على تحقير الديانات والمذاهب المكفولة حريتها قانوناً"، كما يحظر نشر " المقالات التي من شأنها الإساءة إلى الوحدة الوطنية أو التحريض على ارتكاب الجرائم أو زرع الأحقاد وبذر الكراهية والشقاق والتنافر وإثارة الطائفية بين أفراد المجتمع"، أو " المقالات أو الأخبار التي يقصد منها زعزعة الثقة بالعملة الوطنية"، إضافة إلى المقالات أو الأخبار التي من شأنها الإساءة لكرامة الأفراد أو حرياتهم الشخصية أو الإضرار بسمعتهم".  إن بعض هذه المحظورات هي قيم ومبادئ يجب على الصحفيين احترامها، لأنها من صلب أخلاقيات المهنة، التي يجب أن تكون نابعة من ذات الصحفي ومن أخلاقيات المهنة، والنص عليها في القانون سيقلل من قدرات الصحفيين على إجراء التحقيقات الصحفية الجيدة، بسبب كثرة القيود القانونية وغموضها، وتعدد التفسيرات الخاصة بها.

والبعض الآخر من هذه المحظورات والقيود، مثل التحريض على الجريمة والعنف يجب أن توضع في قوانين ذات تطبيق عام مثل قانون العقوبات، وليس في قوانين خاصة كقانون المطبوعات والنشر، لأن أي مواطن معرض للمساءلة والعقاب إذا حرض على عمل إجرامي.

كما فرض القانون قيوداً على نشر المعلومات السرية التي تتعلق بأجهزة الأمن وجلسات المجلس الوطني ومجلس الوزراء.  إن من المقبول وضع قيود على المعلومات السرية، مثل تلك التي تتعلق بالأمن القومي، ولكن يجب أن تكون هذه القيود في إطار ضيق، وفي نطاق وجود خطر وتهديد حقيقي- كما جاء في مبادئ جوهانسبيرغ على سبيل المثال-، ولكن في وضع سلطتنا الوطنية الفلسطينية لا يخفى على أحد أن المعلومات المتعلقة بأجهزتنا الأمنية متوفرة بحذافيرها لدى إسرائيل، وذلك حسب الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، فما الغاية إذاً من عدم اطلاع المواطنين الفلسطينيين على المعلومات المتعلقة بأجهزتهم الأمنية والمتوفرة لدى إسرائيل؟!.

لقد وضع قانون المطبوعات والنشر قيوداً كبيرة على رجال الصحافة، فالمادة 11 من القانون تشترط على رئيس التحرير أن يكون صحفياً، ويتقن لغة المطبوعة، وأن لا يكون مسؤولاً عن أكثر من مطبوعة دورية واحدة، وأن لا يمارس أية وظيفة أخرى في المطبوعة التي يرأس تحريرها، وأن لا يكون محكوماً بجناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة، وأن يكون مقيماً في فلسطين.  كما جاءت المواد 13 و14 و15 لتضع قيوداً شبيهة بالقيود الواردة في المادة 11 على رئيس تحرير المطبوعة المتخصصة، والمدير المسئول لدار النشر، ودار الدراسات والبحوث، ودار قياس الرأي العام ودار الترجمة، ومكتب الدعاية والإعلان والمطبعة، ودار التوزيع، وهذه القيود تشكل تجاوزاً وانتهاكاً لحرية التعبير، وللقانون بشكل أساسي الذي يعطي الحق لكافة المواطنين في حرية الرأي والتعبير.  لأن هذه الشروط من شأنها أن تمنع الأشخاص الذين لا تتوافر فيهم كافة هذه الشروط من العمل في الصحافة، والحق في نقل وإعطاء المعلومات والأفكار بحرية، وبالتالي تنتهك حقهم في التعبير، كما تشكل انتهاكاً لحق الجمهور في الحصول على المعلومات.

واستكمالاً لسلسلة القيود على حرية التعبير التي يشرعها القانون، فقد جاءت المواد 18-21 لتضع نظام ترخيص للمطبوعات أو الصحيفة،  بما في ذلك تحديد رأسمال مرتفع للمطبوعة كما جاء في المادة 21.  ووفقاً للمادة 18 فهناك معلومات أساسية ومحددة يجب أن يتضمنها طلب الحصول على رخصة إصدار مطبوعة صحفية.  ووفقاً للمادة 19 فإن على الوزير بناءً على تنسيب مدير دائرة المطبوعات والنشر، أن يصدر قراره خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من تاريخ تقديم الطلب، وفي حالة رفض الترخيص يجب أن يكون القرار مبرراً وخاضعاً للطعن لدى محكمة العدل العليا، وعلاوة على أن هذا القرار يعطي السلطة التنفيذية قدراً كبيراً من السيطرة على النشر مما يضر بحرية التعبير، فهو حتى لم يحدد ضوابط لما يمكن أن يعتبر تبريراً لقرار الرفض.

ومخالفة بعض بنود هذا القانون تعرض الصحفي المخالف لعقوبة السجن، فالمادة 44 تنص على أنه  " إذا خالف رئيس التحرير المسؤول للمطبوعة الصحفية أحكام أي من المادتين 25 و 26 من هذا القانون فيعاقب بالسجن لمدة لا تقل عن شهر أو بغرامة لا تقل عن 500 دينار، ولا تزيد عن 1500 دينار، أو بالعقوبتين معاً، وذلك بناءً على شكوى المتضرر" .  والمادة 45 تفرض عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن أربعة أشهر ولا تزيد على ستة أشهر لمن خالف أحكام المادة  9.  وهذه العقوبات تلعب دوراً كبيراً وخطيراً في تنمية الرادع الذاتي، مما يؤثر بشكل سلبي على حرية الرأي والتعبير، فيجب أن لا تكون العقوبات المفروضة قاسية تتناقض مع الضمانات الدولية، وإنما يجب أن تخضع لمبدأ التناسب بين الجرم أو المخالفة المرتكبة والعقوبة المفروضة.

وأخطر بند في القانون هو البند 33، الذي يلزم مالك المطبعة أو مديرها المسؤول بإيداع أربع نسخ من كل مطبوعة لدى دائرة المطبوعات والنشر في الوزارة قبل التوزيع، وهذا المطلب يعتبر من المطالب الأكثر ترسيخاً لفرض نوع من الرقابة على المطبوعات، وبالتالي تقييد حرية التعبير، وحرية تدفق المعلومات، حيث يشعر المحررون والناشرون بأنهم تحت المراقبة ومعرضون للملاحقة والاعتقال، فيفرضون رقابة ذاتية على محتوى مطبوعاتهم، قد تكون أشد صرامة من القوانين والمراسيم التي تضع قيوداً على حرية الرأي والتعبير.  

كما أن المرسوم الرئاسي لمنع التحريض- وكما سيأتي لاحقاً -، يشكل مساساً خطيراً بالحق في حرية الرأي والتعبير، فضبابية وعدم وضوح الكثير من الكلمات والعبارات التي تضمنتها مواد هذا المرسوم، تتيح الفرصة للمسؤولين عن إنفاذ القانون لتجاهل هذا الحق، استناداً لوجهة نظرهم الخاصة في تفسير بنود المرسوم، مما يؤدي إلى انتهاك سافر لحق المواطنين في حرية تبني الآراء والتعبير عنها.

إضافة إلى قانون المطبوعات والنشر والمرسوم الرئاسي لمنع التحريض، فإن قانون العقوبات لسنة 1936 يعتبر من القوانين التي وضعت قيوداً صارمة على حرية الرأي والتعبير، وذلك بهدف تعميق نفوذ وسيطرة الانتداب البريطاني، عن طريق ردع المواطنين وسلبهم حقوقهم الأساسية، وللأسف فإن هذا القانون هو القانون النافذ والمعمول به في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، رغم مرور حوالي 66 عاماً على سنه، ورغم تعارضه مع العديد من المعايير والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

اعتبرت الفقرة 1 من المادة 59 من قانون العقوبات أن كل من:
"أ. قام أو حاول أن يقوم بفعل بنية الفساد، أو أعد العدة، للقيام بذلك الفعل، أو تآمر مع شخص آخر على القيام به، أو
ب.أذاع ألفاظاً، أو طبع أو نشر أو أخرج مطبوعاً، ينطوي على نية الفساد، أو
جـ.. استورد أي مطبوع ينطوي على نية الفساد، إلا إذا لم يكن لديه سبب يحمله على الاعتقاد بأن ذلك المطبوع ينطوي على نية الفساد، يعتبر أنه ارتكب جنحة".

والمقصود بنية الفساد كما جاء في المادة 60 هي " النية المنطوية على إيجاد الكراهية والازدراء أو إيقاظ شعور النفور من شخص جلالة الملك أو الدولة المنتدبة أو الندوب السامي بصفته الرسمية، أو حكومة فلسطين القائمة بحكم القانون أو سير العدالة، أو النية المنطوية على تحريض أو تهييج أهالي فلسطين على محاولة إيقاع أي تغيير في أي أمر قائم في فلسطين بحكم القانون، بغير الطرق المشروعة، أو على إيقاظ الاستياء أو النفور بين أهالي فلسطين، أو على إثارة البغضاء والعداوة بين مختلف فئات الشعب في فلسطين".

وكما هو واضح فقد كبل هذا القانون حرية الرأي والتعبير لدى المواطنين، فأياً كان قد يتهم بنية الفساد إذا انتقد الحكومة، أو سير العدالة، أو شخصيات الحكم، وكل ما جاء في هذه المادة من قائمة محظورات، وبالتالي قد يحكم عليه لارتكابه جنحة.  وإمعاناً في تقييد الحريات فإن الفقرة 2 من هذه المادة تحمل كل شخص النتائج التي تنشأ عن تعبيره عن رأيه، حتى وإن لم يكن فعله منطوياً على نية الفساد.  لذا فقد يمتنع أي شخص عن التعبير عن رأيه خوفاً من أن يسبب فعله أي عمل يقوم به آخرون ويعتبر بمثابة إفساد.  كما أن تحديد الأفعال التي تنطوي على نية الإفساد قد تختلف تفسيراتها من شخص لآخر، فالقانون فضفاض يعتمد تفسير الكثير من بنوده على وجهة نظر الشخص المسؤول.

إن القيود المذكورة، ما هي إلا بعض الأمثلة على قيود كثيرة واردة في القوانين المعمول بها في الأراضي التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، فهي بدعوى تنظيم حرية الرأي والتعبير وضمانه لكل المواطنين تسن القوانين والتشريعات التي تحدد محظورات أكثر مما تبيح وتعطي حريات.

ورغم وجود قانون واضح ومحدد ينظم عمل وسائل الإعلام المقروءة والصحفيين الفلسطينيين، إلا أن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة الخاصة تعاني من غياب القانون الذي ينظم عملها، ويشكل مرجعية قانونية لها، ويتم الاكتفاء  بحصولها على اذونات عمل (تراخيص مؤقتة) يتم تجديدها كل سنة من قبل وزارة الإعلام.  وهذا الفراغ القانوني يؤدي إلى العديد من المخالفات من جانب وسائل الإعلام ومن جانب السلطة التنفيذية التي تمارس خروقاتها وانتهاكاتها بحق هذه المحطات، دون وجود مبرر أو أساس قانوني لتعدياتها المتكررة على وسائل الإعلام هذه، فكل جهة تجهل ما لها وما عليها.

ب.الجوانب المتعلقة بالحق في التجمع السلمي


في 28 ديسمبر 1998 صدر قانون رقم 12 لسنة 1998بشأن الاجتماعات العامة، بعد موافقة المجلس التشريعي عليه وإقراره من السلطة التنفيذية.  ويعتبر هذا القانون الذي جاء متماثلاً مع المعايير الدولية التي كفلت الحق في التجمع السلمي إنجازاً للشعب الفلسطيني، من حيث أنه يخدم تطلعاته في ترسيخ نظام حكم ديمقراطي، كما أنه يعكس وعياً من جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية لأهمية الحق في التجمع السلمي، في إطار المشاركة والتعددية السياسية اللازمتين لقيام نظام حكم ديمقراطي.

يتكون القانون من 9 مواد، وقد عرف في بدايته التجمع على أنه أي اجتماع دعي إليه خمسون شخصاً على الأقل في مكان عام مكشوف.  ضمنت المادة الثانية منه حق المواطنين في التجمع السلمي، وأكدت على عدم جواز المساس أو وضع قيود على حق المواطنين في عقد الندوات والاجتماعات العامة والمسيرات، إلا بناءً على الضوابط الواردة في هذا القانون.

وتشترط المادة الثالثة على منظمي الاجتماع أن يقدموا إشعاراً كتابياً للمحافظ أو مدير الشرطة قبل 48 ساعة على الأقل من موعد عقد اللقاء.  وقد جاءت المادة التالية لتفصل فحوى الإشعار الذي يجب أن يتضمن مكان وزمان وغرض الاجتماع أو المسيرة.  والضوابط التي قد يضعها المحافظ أو مدير الشرطة، لا تمس بحرية الاجتماع ، بل تهدف إلى تنظيم حركة المرور، على أن يتم إبلاغ المنظمين بهذه الضوابط خطياً بعد 24 ساعة على الأكثر من موعد تسليم الإشعار، وفي حال عدم تلقي الجهة المنظمة لأي جواب خطي، يحق لها عقد الاجتماع في المكان والزمان المشار إليهما في الإشعار.

وتلزم المادة الخامسة الجهات ذات الاختصاص باتخاذ الإجراءات اللازمة للحماية، " على أن لا يترتب على تلك الإجراءات أي مس بحرية المجتمعين وسير عملية الاجتماع"، أي أن وجودهم هو فقط للمحافظة على تنظيم حركة المرور، وليس لهم التدخل في طريقة أو آلية سير الاجتماع.

والعقوبة التي ينص عليها القانون" مع عدم الإخلال بأي عقوبة أخرى ينص عليها قانون العقوبات" هي "الحبس مدة لا تزيد على شهرين أو بغرامة لا تتجاوز خمسين ديناراً أردنياً أو ما يعادلها بالعملة المتداولة"، لمن لا يلتزم بأحكام قانون الاجتماعات العامة، وذلك ينطبق على منظمي الاجتماع وعلى الجهة الملزمة بإنفاذ القانون على حد سواء.  فالكل معرض للمساءلة بناءً على هذا القانون.

أما قانون العقوبات الذي أشارت له هذه المادة، والصادر عام 1936 عن المندوب السامي لفلسطين، فقد وضع قيوداً صارمة على التجمع الذي وصفه بالتجمهر غير المشروع والذي يتكون من ثلاثة أشخاص فأكثر.  فالمادة 79 وفي فقرتها الأولى اعتبرت أن أي تجمهر يشارك فيه" ثلاثة أشخاص أو أكثر بقصد ارتكاب جرم، أو كانوا مجتمعين بقصد تحقيق غاية مشتركة فيما بينهم، وتصرفوا تصرفاً من شأنه أن يحمل من في ذلك الجوار على أن يتوقعوا، ضمن دائرة المعقول، بأنهم سيكدرون الطمأنينة العامة أو أنهم بتجمهرهم سيستفزون بدون ضرورة أو سبب معقول، أشخاصاً آخرين لتكدير صفو الطمأنينة العامة، فيعتبر تجمهرهم هذا تجمهراً غير مشروع".  أي أن تحديد النتائج المترتبة على تجمع ثلاثة أشخاص على الأقل، متروك للجوار الذي يستطيع لأي سبب كان، توقع الأسوأ، وبالتالي التسبب في توجيه تهمة الجنحة لهؤلاء الأشخاص وعقابهم بالحبس لمدة سنة بناءً على عقوبة التجمهر غير المشروع التي تنص عليها المادة 80 من هذا القانون.

أما إذا قام الأشخاص المتجمهرون تجمهر غير مشروع بتكدير صفو الطمأنينة العامة بصورة مرعبة للأهالي، فيعتبر أنهم شاركوا بأعمال شغب حسب الفقرة 3 من المادة 79، ويتهموا بارتكاب جنحة ويعاقبوا بالحبس لمدة سنتين طبقاً للمادة 81.

ومنحت المادة 82 من هذا القانون الصلاحية المطلقة لأي " حاكم لواء، أو قائمقام أو حاكم صلح، أو أي ضابط من ضباط البوليس من رتبة مفتش فما فوق عند عدم وجود حاكم لواء أو قائمقام أو حاكم صلح"، منحته السلطة المطلقة في تحديد الهدف من وراء اجتماع ثلاثة أشخاص أو أكثر، فإن رأى أنهم" قد اجتمعوا بقصد إحداث الشغب، أو خشي وقوع الشغب من ثلاثة أو أكثر" فيجوز له أن يأمرهم بالتفرق وإن لم يستجيبوا لطلبه فله أن يشعرهم بوجوده عن طريق النفخ بالبوق أو الصفارة أو بإطلاق مسدس تنبعث منه إشارة ضوئية، وفي حالة لم يستجيبوا لطلبه يتم اتخاذ كافة التدابير اللازمة لتفريقهم أو اعتقالهم، وذلك استناداً للمادة 83، وكل شخص يتجاهل هذا الإشعار،  وشارك أو استمر بالمشاركة في الشغب أو التجمهر،  يتهم بارتكاب جناية ويعاقب بالحبس مدة خمس سنوات وذلك طبقاً للمادة 84.  ويحكم على أي شخص عطل أو منع إعطاء الإشعار المشار له في المادة 82 بالحبس لمدة عشر سنوات بحسب المادة 85. 

البـــاب الثانيانتهاكات السلطة الوطنية الفلسطينية لـ


حرية الرأي والتعبير.
الحق في التجمع السلمي.






 
شهدت الفترة التي تغطيها هذه الدراسة، والممتدة من مايو 2000 وحتى مايو 2003 تغيراً فيما يتعلق بممارسات وانتهاكات السلطة الوطنية الفلسطينية، للحق في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، وذلك راجع إلى التغيرات السريعة والأحداث التي شهدتها الأراضي الفلسطينية، فقد جاءت انتفاضة الأقصى لتعمل على تغيير حدة الخطاب السياسي الخاص بالسلطة الوطنية من جهة وبالمعارضة من جهة أخرى، حيث أدت الانتفاضة المندلعة والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الفلسطينيين شعباً وقيادة، إلى توحيد الجهود الداخلية لمواجهة هذه الاعتداءات،  وتم توحيد الخطاب السياسي ليركز على استنكار الممارسات الإسرائيلية بحق المدنيين الفلسطينيين والعمل على مواجهة هذه الانتهاكات والاعتداءات.  وقد ركزت المعارضة على مقاومة القوات الإسرائيلية المحتلة بدلاً من تركيزها على السلطة الوطنية وفضح وكشف انتهاكاتها وممارساتها الداخلية، كما كان هناك حرص من السلطة الوطنية على كسب التأييد العربي والعالمي لها وإظهار وحشية القوات الإسرائيلية، وانتهاك هذه القوات للقوانين والأعراف الدولية، وبطبيعة الحال فإنها لن تنجح في مسعاها هذا إذا كانت هي نفسها تمارس انتهاكات ومخالفات بحق أبناء شعبها.  أضف إلى ذلك رغبتها في حشد تأييد الشارع الفلسطيني وفي التفافه حولها لمواجهة المطالب الدولية المتكررة بإصلاح السلطة الوطنية، كما أن أجهزة السلطة التنفيذية أصيبت بشلل شبه تام، خاصة في ظل ما تعرضت له سجون ومباني الشرطة ومقرات الأجهزة الأمنية من قصف وتدمير منهجي ومدبر من قبل آلات الاحتلال الحربي الإسرائيلي.  ولكن هذا بطبيعة الحال لا يعني انعدام الانتهاكات التي قامت بها السلطة الوطنية بشكل كلي، فقد مارست السلطة الوطنية عدد من حالات الانتهاكات والمخالفات للحق في حرية الرأي والتعبير والحق في التجمع السلمي، فبسبب الضغوط التي تعرضت لها السلطة الفلسطينية، بوقف عمليات المقاومة، من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، وبسبب رغبة السلطة الفلسطينية في إظهار التزامها بتنفيذ الاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين حكومة الاحتلال الإسرائيلي، والتي تقيد حرية الرأي والتعبير في أراضي السلطة الفلسطينية بشكل خطير، قامت بإعلان حالة الطوارئ بتاريخ 2 ديسمبر2001 في أراضيها، وعادت هذه الانتهاكات لتطفو على السطح، بشكل يتعارض ويتنافى مع الاتفاقيات والأعراف الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ومع قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني لعام 1995، وقانون الاجتماعات العامة رقم 12 لسنة1998، حيث استمرت في فرض قيود على العمل الصحفي وعلى المعارضة الفلسطينية الوطنية والإسلامية، كما استمرت في تنفيذ قرار مدير عام الشرطة بمنع الاجتماعات العامة بدون إذن مسبق، وفي تنفيذ اللائحة التنفيذية لقانون الاجتماعات، حيث منعت المظاهرات، والتي كانت في معظمها منددة بالاحتلال الإسرائيلي، وجرائم الحرب التي يرتكبها بشكل يومي، وكان تصدي أفراد الشرطة الفلسطينية، بشكل غير قانوني، ويتنافى مع الأسس التي يفترض إتباعها من قبل المكلفين بإنفاذ القانون، في تعاملهم مع تجمع أو جمهور غاضب، هو السبب وراء تحول هذه التجمعات والمظاهرات إلى مظاهرات غير سلمية.


حرية الرأي والتعبير

1. ما يتعلق بالصحافة ووسائل الإعلام

تلعب وسائل الإعلام دوراً كبيراً وحيوياً في تشكيل الاتجاهات والآراء في المجتمع وفي التأثير على المعرفة السياسية لدى الأفراد، وقد تنبهت الأنظمة الحاكمة لهذا الدور، لذا فهي تولي وسائل الإعلام أهمية كبيرة وتستغل البرامج الإخبارية لتنشر ثقافة سياسية تتناسب مع سياستها وأيديولوجيتها، وتضع بعض هذه الأنظمة قوانين وقيود على عمل وسائل الإعلام في محاولة منها للسيطرة عليها والتحكم في مدى التأثير الذي يمكن أن تحدثه لدى الشارع.

وفي إطار الحديث عن وسائل الإعلام يعتبر الإعلام والإخبار من أهم وظائفها، حيث تسهم وسائل الإعلام في تسهيل عملية الاتصال بين الحاكم والمحكوم، وتوطد العلاقة بين القائد وشعبه، كما تساهم في تشكيل الرأي العام وذلك عن طريق الإخبار ، ففي كل أنحاء العالم تعد البرامج الإخبارية والصحف من أهم الوسائل التي يقبل عليها عدد كبير من أفراد المجتمع ، ويؤكد عدد من الباحثين على هذا الدور حيث تعتبر وسائل الإعلام أحد أهم الطرق التي تربط الفرد بما يدور حوله من أحداث ، فأصبح العالم قرية كونية يمكن معرفة ما يدور في أي ركن منها بطريقة مباشرة.

وفيما يتعلق بتأثير وسائل الإعلام، فإن دراسة هذا التأثير تعتبر مسألة صعبة ومعقدة نسبياً وذلك راجع إلى الاختلاف بين وسائل الإعلام إضافة إلى طبيعة الاتصال الجماهيري فهو موجه لجمهور كبير وغير متجانس، إضافة إلى غياب الرجع عن عملية الاتصال، إلا أن الباحثين يتحدثون عن ثلاث أنواع من التأثير تحدثها وسائل الإعلام عند المتلقين وهذه الأنواع هي  :

1. التأثيرات في المعرفة: المعرفة هي مجموع كل المعلومات التي يختزنها الفرد،وتشمل الاعتقادات والمواقف والآراء والسلوك، وتؤثر وسائل الإعلام في التكوين المعرفي للأفراد من خلال عملية التعرض الطويلة المدى لوسائل الإعلام كمصادر للمعلومات، فتقوم باجتثاث الأصول المعرفية القائمة لقضية أو مجموعة من القضايا لدى الأفراد و إحلال أصول معرفية جديدة بدلاً منه.  إن تأثير وسائل الإعلام في طرقة تفكيرنا وأسلوب تقييمنا للأشياء من خلال ما نتلقاه منها من معلومات يؤدي إلى تحول في قناعاتنا ومعتقداتنا.

2. التأثيرات في المواقف: يقصد بالموقف هو رؤية الإنسان لقضية أو شخص ما، وشعوره تجاهه قد يتغير سلباً أو إيجاباً بناءً على المعلومات التي تتوافر للإنسان، والمعلومات التي يستقبلها من وسائل الإعلام، التي تقوم بدور مهم في التأثير على مواقفه وآرائه التي يعتنقها، فهي تسهم في خلق معتقدات ومواقف جديدة خاصة في الأمور التي لم يتخذ الإنسان منها موقفاً قوياً أو محدداً.

3. التأثيرات في السلوك: السلوك هو العمل أو القول الذي يصدر عن الإنسان، فالمعلومات الواردة من وسائل الإعلام تحدث تفاعلاً مع المخزون المعرفي، ومحصلة هذه التفاعلات هي التي تقرر في النهاية السلوك الذي يصدر عن الإنسان، وقد يكون هذا التأثير مباشراً وآنياً أو العكس.

وهكذا فإن وسائل الإعلام وبمختلف أشكالها قادرة على الوصول إلى كل فئات وطبقات المجتمع، ومن الطبيعي أن تلعب دوراً مهماً في تشكيل الرأي العام وتوجيهه وإطلاعه على مواقف الحكومة، إضافة إلى أنها تلعب دوراً هاماً في عملية التنشئة الاجتماعية، من خلال نقد التصرفات والعادات الاجتماعية الخاطئة، وتدعيم ونشر العادات الاجتماعية الصحيحة.

أ. اعتداءات على صحافيين

1. اعتقال أو احتجاز أو استجواب

شهدت فترة الدراسة العديد من حالات الاعتقال والاحتجاز للصحافيين، والتي أثرت على العمل الصحفي بشكل سلبي، وسلبت الصحفيين حقهم في العمل بحرية دون خوف من تهديد أو عواقب سلبية لممارستهم عملهم بكل أمانة وموضوعية.  وقد استطاع المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان توثيق عدد من حالات الانتهاكات هذه، ففي 6يونيو 2000 قامت المخابرات العامة باعتقال الصحفي ماهر العلمي _رئيس جمعية الصوت الحر للدفاع عن حقوق الصحفيين في المناطق الفلسطينية-لمدة 12 يوم، وجاء هذا الاعتقال على خلفية  نشره لمجموعة مقالات، أيد فيها إضراب المدرسين الذي جاء نتيجة قرار وزارة التربية والتعليم باقتطاع نسبة من رواتب المعلمين، لغاية التقاعد ولتغطية سنوات العمل السابقة للمعلمين، إضافة إلى مقالات تنتقد تصرفات السلطة الفلسطينية في مجال حقوق الإنسان والتعبير عن الرأي، وخاصة قيامها بإغلاق عدد من المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وتصريحات أدلى بها في مقابلة أجراها معه تلفزيون القدس التربوي حول احترام سيادة القانون وحرية التعبير، حيث أكد خلال المقابلة على عدم قانونية احتجاز السلطة للصحافيين لمدة تزيد عن 48 ساعة، وعلى عدم جواز قيام قوات الأمن الفلسطينية بإغلاق وسائل الإعلام حيث أن هذا من صلاحيات وزارة الإعلام، واعتبر العلمي أن هذه الإجراءات تنتهك الحق في حرية التعبير وتتنافى مع القانون الأساسي الذي أقره المجلس التشريعي بالقراءات الثلاث ولم يصادق عليه الرئيس.  وحسب ما ذكرت زوجة العلمي فقد تم استدعاء زوجها إلى مقر أمن المؤسسات في 1 يونيو2000، وجرى استجوابه حول المقالات التي ينشرها، وحول مشاركته في برنامج مساحة للرأي الذي يبثه تلفزيون القدس، وطلب من العلمي التزام بيته إلى أن يتم الاتصال به.  وفي يوم الاثنين الموافق 5 يونيو اتصل به أمن المؤسسات وطلب منه مراجعتهم في اليوم التالي، حيث اقتيد لمقابلة مدير سجن رام الله المركزي، الذي أبلغه بأنه محتجز بأوامر من الرئيس، دون أن توجه له أي تهمة كما لم يتم تقديمه للمحاكمة.  وقبل أن تطلق الشرطة الفلسطينية سراحه بتاريخ 17 يونيو طلب منه التوقيع على تعهد بعدم انتقاد السلطة الوطنية .

و تم اعتقال فتحي البرقاوي بتاريخ 27مايو 2000 مدير عام الأخبار في إذاعة صوت فلسطين بتهمة التحريض ضد السلطة، وبحسب ما أفاد البرقاوي فقد جاء اعتقاله من قبل قوات من الأمن العام، إثر تقرير كيدي رفع لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، يتهم فيه البرقاوي بالقيام بأعمال تحريضية ضد السلطة الوطنية الفلسطينية، على خلفية قيامه بالمشاركة في ندوة عقدت في جامعة بيرزيت تناولت وضع السلطة الوطنية الفلسطينية، وقيامه بتعميم قرار على العاملين في دائرة الأخبار في إذاعة صوت فلسطين يطلب منهم، بصفته مدير عام الأخبار في الإذاعة، بعدم استخدام كلمة "فخامته"، وتقليل استخدام كلمة "سيادته"،لدى حديثهم عن رئيس السلطة.  واستمر اعتقاله في مركز الشرطة في مدينة رام الله لمدة أسبوع، دون أن يتم التحقيق معه، وافرج عنه بعد تدخل وزراء وأعضاء مجلس تشريعي، ومنظمات حقوق الإنسان .

واعتقل سمير قمصية مدير عام تلفزيون المهد ورئيس اتحاد أصحاب محطات التلفزة الخاصة_بعد إغلاق التلفزيون- بتاريخ 2 يونيو 2000-، وذلك على خلفية إصدار الاتحاد لبيان نشر في الصحف المحلية، يدعو فيه السلطة للالتزام بسيادة القانون، واعتماد القضاء لمعالجة أية مخالفة، ووقف سياسة الإغلاق، والالتزام بقرار مجلس الوزراء باعتبار وزارة الإعلام هي المرجعية الوحيدة لوسائل الإعلام.  كما تقرر وقف البث في المحطات الخاصة لمدة نصف ساعة، تضامناً مع تلفزيون وطن الذي كانت قد أغلقته السلطة الوطنية دون سبب محدد، حيث اعتبر هذا البيان الموقع باسم قمصية بصفته رئيساً للاتحاد بمثابة تحريض ضد السلطة الوطنية الفلسطينية، وبناء على ذلك تم اعتقال قمصية لمدة ثلاث أيام دون التحقيق معه.  أما محطة التلفزيون فقد استمر إغلاقها لمدة عشرين يوماً .
وشهد العام 2001 انتهاكات ترتبط بمجريات انتفاضة الأقصى وما رافقها من أحداث محلية وعالمية، وبحسب المعلومات التي توفرت للمركز، فقد اعتقل الصحفي مجدي العرابيد الذي أوقف بتاريخ 17يناير من قبل جهاز الأمن الوقائي، وكان العرابيد قد قام بتصوير عملية إعدام العميل مجدي المكاوي في مدينة عرفات للشرطة، الذي أدين بالمساهمة في اغتيال جمال عبد الرازق أحد نشطاء فتح، إضافة إلى استشهاد ثلاثة مواطنين آخرين في رفح، وباع هذا الشريط إلى القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي الذي بثته على الملأ. 

وفي 27 فبراير من نفس العام_2001_ اعتقلت قوات الأمن الوقائي الصحفي سهيل زقوت من منطقة أبراج الزهراء، حيث يقيم خاله وتم حجزه في مقر الجهاز بمنطقة الشيخ رضوان، ونقل بعد يومين إلى مقر الجهاز في تل الهوى، و بتاريخ 3 مارس توجهت قوة من الأمن الوقائي إلى منزل ذوي  الصحفي زقوت وطلبوا من والدته أن يفتشوا غرفته، وبعد أن أذنت لهم قاموا بدخول الغرفة وصادروا جهاز الكمبيوتر الخاص به، ومجموعة ديسكات ومجموعة أوراق شخصية خاصة به، وجهاز تليفون إضافة إلى ثلاث كاميرات كان سهيل قد أبلغ والدته أنهم للصحفي زكريا التلمس،  وبعد أن انتهوا من التفتيش غادروا المنزل . 
 
كما شهد شهر أكتوبر من عام 2001 اعتقال الصحفي علاء الصفطاوي، المحرر المسؤول عن صحيفة الاستقلال الأسبوعية التي كانت تصدر في مدينة غزة عن حركة الجهاد الإسلامي، لمدة ستة أيام. ويأتي اعتقال الصفطاوي على خلفية كتابته مقال في الصحيفة بتاريخ 11 أكتوبر بعنوان"الرصاص الجبان …في نفس الزمان؟!"، ينتقد فيه بشدة أداء السلطة الفلسطينية في الأحداث المؤسفة التي شهدتها الجامعة الإسلامية بغزة، في الثامن من نفس الشهر.  وسوف يتم تناول هذه الأحداث بالتفصيل في بند الحق في التجمع السلمي .  كما جرى إعادة اعتقاله في ديسمبر من نفس العام على خلفية نشاطه السياسي وانتماءه لحركة الجهاد الإسلامي، حيث تم استدعائه لمقر الشرطة الفلسطينية، واحتجز لمدة شهر، وتم في فترة الاعتقال هذه إغلاق صحيفة الاستقلال . 

وجرى في 12 أغسطس من عام 2002 استجواب الصحفي ونائب المدير الإعلامي في مطار غزة خالد السوسو، وذلك على خلفية بيان أصدره بعنوان"الطريق الأقصر للخروج من المأزق الحالي في ظل لعبة التحايل على المرجعيات "، حيث يضع تصوره للخروج من المأزق السياسي الذي نمر به، كما قام بتزكية ما يقرب من مائتي اسم من المثقفين الفلسطينيين ليشكلوا مرجعية  وطنية و إسلامية عليا للشعب الفلسطيني، لا يجوز للسلطة أن تتجاوزهم في أي قرار من قراراتها.  ففي يوم السبت الموافق10 أغسطس وصله استدعاء عبر مندوب من جهاز المخابرات الفلسطينية العامة فرع خان يونس، يطلب منه التوجه يوم الاثنين 12 أغسطس إلى مقر المخابرات، وفور تسلمه الاستدعاء الذي كان ينطوي على تهديد وانتهاك لحقه كصحفي، أجرى بعض الاتصالات مع بعض القوى الوطنية والإسلامية، حيث تم الاتفاق أخيراً على أن يذهب لشرب فنجان قهوة مع مدير مخابرات خان يونس نظير القدوة، وعندما توجه للمقر فوجئ بأحد الحراس يأخذه إلى غرفة حجز بها موقوفان، وأثناء وجوده في غرفة الحجز لساعة قام بإجراء بعض الاتصالات مع نقابة الصحفيين وصحيفة القدس، بعد ذلك جاء ثلاثة أشخاص أخذوه إلى غرفة تحقيق وبدءوا بتعبئة سيرة ذاتية له ومعلومات عامة، ثم طلب منه أحدهم التوقيع عليها فرفض، وبعد تحقيق وتهديد استمر حوالي ثلاث ساعات تم استدعاءه لمقابلة المدير حيث تم الإفراج عنه .  
   
وشهد مطلع العام الحالي2003، اعتقال مراسل قناة الجزيرة الإخبارية القطرية سيف الدين شاهين(34 عاماً)، حيث داهمت قوة من جهاز المخابرات العامة مكتب قناة الجزيرة في مدينة غزة فجر الاثنين الموافق 6يناير، وألقت القبض على الصحفي شاهين بدون إتباع الإجراءات القانونية ، وتم الإفراج عنه بعد اعتقال دام حوالي 20 ساعة، وذكر شاهين أنه تم اقتياده إلى مقر المخابرات العامة في السودانية، ومنعوه لبضع ساعات من استخدام أجهزته الخلوية للاتصال مع المسؤولين في القناة وذوي الاختصاص، وجاء اعتقاله على خلفية بث المحطة لقصف قوات الاحتلال لمدينة غزة بالطائرات، تخلله مقابلة عبر الهاتف مع أحد الأشخاص الذي ادعى أنه من كتائب شهداء الأقصى وأعلن مسؤولية الجماعة عن عمليتي تفجير في تل أبيب في اليوم السابق، أسفرتا عن مقتل أكثر من عشرين شخصاً، كما انتقد في الاتصال الهاتفي ما أسماه بالتيار الانهزامي في حركة فتح، في إشارة منه لبيان صدر عن الحركة نفى مسئوليتها عن العمليتين، وقد طلب من شاهين الكشف عن هوية ورقم هذا الشخص ولكنه أكد للضابط المسؤول أنه لا يعرف الشخص المتصل وأن أرقام المتصلين تكون عادة مجهولة، و حينها سمحوا له بإجراء بعض الاتصالات وابلغ الساعة الثامنة من مساء يوم اعتقاله بقرار الإفراج عنه .

وكما هو واضح فإن حالات الاعتقال هذه تشكل انتهاكاً خطيراً لإنسانية المواطنين بشكل عام، ولحرية الرأي والتعبير والعمل الصحفي بشكل خاص، كما وتشكل تجاوزاً وتعدياً على الدستور الفلسطيني (القانون الأساسي)، وعلى قانون المطبوعات والنشر رغم مواده المقيدة، حيث يعترف هذا القانون بوزارة الإعلام كجهة مسؤولة عن العمل الصحفي، وتعتبر المرجعية العليا للصحفيين، وتدخل الأجهزة الأمنية في اعتقال الصحفيين بهذا الشكل السافر يعتبر تجاوزاً لهذا القانون ولصلاحيات وزارة الإعلام والسلطة القضائية.

2. اعتداء بالضرب (أعمال ضرب وتنكيل)

لم تقتصر ممارسات السلطة على اعتقال واحتجاز صحفيين والتحقيق معهم، بل تعدتها لتشمل التعرض لهم بالضرب، منتهكة بذلك أبسط حقوقهم الإنسانية، التي كفلتها لهم المواثيق الدولية والقوانين المحلية، وقد تمكنت وحدة البحث الميداني في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من توثيق عدد من الحالات التي تعرض فيها الصحفيون للضرب، لأسباب مختلفة لها علاقة بعملهم الصحفي من جهات أمنية كان يفترض أن تطبق القانون لا أن تنتهكه بشكل سافر.  ومن هذه الحالات ما تعرض له عدد من الصحفيين يوم الاثنين الموافق 8 أكتوبر 2001، وذلك إثر الأحداث الدموية التي شهدتها الجامعة الإسلامية ، ففي حوالي الساعة الواحدة ظهراً توافد الصحفيون إلى محيط حرم الجامعة الإسلامية لتغطية الأحداث الدائرة بين الشرطة الفلسطينية وطلاب الجامعة الإسلامية، فقام أفراد الشرطة المتواجدين في المكان بالاعتداء على الصحفيين بالضرب، ففي إفادة قدمها المصور الصحفي في شركة رامتان أشرف الكفارنة للمركز الفلسطيني، ذكر أنه عندما وصل قرب منزل اللواء مصباح صقر الواقع في شارع الثلاثيني إلى الشرق من الجامعة الإسلامية، وبينما هو يحاول القيام بعمله قام أفراد الشرطة بمنعه من ذلك، فتوجه إلى الضابط المسؤول وهو موسى عبد النبي فسمح للكفارنه ولصحفيان كانا معه بتأدية عملهم وهما خالد أبو كويك وعزمي القيشاوي، وبعد حوالي خمس دقائق وأثناء قيامه بالتقاط الصور وبتغطية الأحداث الجارية، اعتدت عليه بالضرب مجموعة من رجال الشرطة يرتدون الزي الأسود، وقاموا بضربه بأعقاب البنادق و الهراوات في جميع أنحاء جسمه وتحديداً في منطقة الرأس، ورغم أنه حاول الحديث معهم لكنهم لم يستمعوا له بل استمروا بضربه، وقام أحدهم ويدعى هيثم الراعي ويعمل في القوات الخاصة التابعة للشرطة الفلسطينية، بضربه بواسطة مقدمة البندقية ومخزن الرصاص على رأسه ووجهه، وأثناء ضربه كانوا يكيلون له الشتائم ووصفوه بالعمالة، وعندما قام الصحفي الكفارنه بشتمهم أمام المدعو هيثم الراعي قام على الفور بسحب مسدسه وتصويبه نحو الكفارنه، واستمروا في ضربه بشكل متواصل حوالي نصف ساعة وقاموا بإجباره على السير معهم إلى مركز الشرطة "الجوازات"، وهناك أمروه بالارتماء على الأرض، وقام أحد أفراد الشرطة ويدعى خالد الزرد بالاعتداء عليه بالضرب المبرح بقدميه وبهراوة كان يحملها في بطنه ورأسه وشتمه واتهمه بالعمالة، وحاول عدد من رجال الشرطة المتواجدين في المكان منعه من ضرب الكفارنه، وبعد أن أخذ أوراقه الشخصية وبطاقة هويته تركه ملقى على الأرض حوالي عشرين دقيقة، ومن ثم أجبروه على الركوب في سيارة تابعة لجهاز المباحث العامة، حيث نقلوه إلى مقر المباحث العامة وهناك اقتادوه إلى مكتب فيه أربعة أشخاص واحد منهم يرتدي زي الشرطة إضافة إلى الصحفي زكريا التلمس الذي يعمل معه الصحفي الكفارنه، قام أحد الأشخاص بسؤاله عما حدث وكيف تم اقتياده إلى مركز المباحث، وبعد أن أجاب الكفارنه على أسئلته سمح له بمغادرة المكان برفقة الصحفي التلمس، بعد أن أعادوا له كافة أوراقه الثبوتيه، ومباشرة قام التلمس بنقله إلى مستشفى الشفاء حيث تم فحصه وتصويره بالأشعة، وتم تقديم العلاج اللازم له ، وبعد مغادرته المستشفى توجه إلى مقر عمله حيث تقدم بشكوى ضد الشرطة عن طريق نقابة الصحفيين .

وفي نفس الإطار تم الاعتداء على عبد السلام شحادة المصور الصحفي في التلفزيون الياباني، فبينما كان يغطي المواجهات الدائرة بين الشرطة الفلسطينية وطلبة الجامعة الإسلامية السابقة الذكر، هجم عليه مجموعة من رجال الشرطة يرتدون الزي الأزرق ويحملون في أيديهم هراوات وحاولوا اختطاف الكاميرا منه كما حاولوا اعتقاله وسحبه من المكان، وأثناء العراك التي دار بين الطرفين كسر أحد أفراد الشرطة عدسة الكاميرا وجهاز الصوت الخاص بها، ورغم أن شحادة قام بتعريفهم بنفسه وبمكان عمله وأبدى استعداده للذهاب معهم إلا أنهم استمروا بسحبه واستخدام القوة معه، وأصر أحد أفراد الشرطة الموجودين على اعتقاله رغم محاولة زملاءه منعه من ذلك، وعندما أخذوه إلى الضابط المسؤول أمرهم بعدم المس بالصحفيين وطلب من أفراد الشرطة السماح لشحادة بممارسة عمله، وعندما ابتعد الصحفي عن الضابط المسؤول حاول نفس الشخص الذي كان يرغب في اعتقال شحادة ضربه، لكن أفراد الشرطة المتواجدين في المكان منعوه من ذلك، وقام شحادة على إثر ذلك بمغادرة المكان وتقديم شكوى ضد أفراد الشرطة عن طريق نقابة الصحفيين . 
واستناداً لمعلومات حصل عليها المركز الفلسطيني، ففي تاريخ 6 نوفمبر 2001، احتجزت المباحث العامة الصحفي أشرف الكفارنه، الذي يعمل مصوراً تلفزيونياً في شركة رامتان، حيث كانت قوات المباحث العامة تحاول اعتقال الدكتور محمد الهندي أحد قياديي حركة الجهاد الإسلامي من مقر الشركة ، واعتقدت أن الكفارنه قد صور محاولة الاعتقال وما جرى في مقر الشركة، فقامت باقتياده إلى مقر المباحث العامة في مديرية الشرطة، حيث تم استجوابه حول المادة التي صورها، وبعد أن تم فحص الشريط الموجود في الكاميرا، تبين لهم أنه فيلم وثائقي حول تجريف الأراضي الزراعية في بلدة بيت حانون كان الكفارنه قد صورها قبل قدومه لمقر الشركة، تم الإفراج عنه إثر احتجاز استمر ما يقرب الساعتين . 
 
وفي حادثة أخرى قام ثلاثة أشخاص يعملون في الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالاعتداء بالضرب المبرح على الصحفي سيف الدين شاهين مراسل قناة الجزيرة القطرية في غزة، لدى خروجه من مكتب الجزيرة قبل منتصف ليلة الجمعة الموافق 21 ديسمبر 2001، مما أدى لإصابته بجراح متفاوتة نقل على إثرها للمستشفى، وقد تقدم شاهين بشكوى للعقيد عبد الرحمن بركات مسؤول المباحث الجنائية كما تم استدعائه لمقر الاستخبارات العسكرية حيث قدم إفادته عن الحادث، وأخبره المسؤولون هناك عن اعتقال المتهم الرئيسي في الاعتداء وعن قيام الإدارة المالية العسكرية باحتجاز المتهمين الآخرين، ويعتقد أن هذا الاعتداء جاء على خلفية التقارير التي أعدها الصحفي شاهين والتي بثتها قناة الجزيرة حول الأحداث الدامية التي شهدها مخيم جباليا،  راح ضحيتها سبعة مواطنين يومي20 و21 ديسمبر -سنأتي على ذكرها لاحقاً عند الحديث عن الحق في التجمع السلمي-و كانت بعض الأجهزة الأمنية قد اتهمت شاهين بالتحيز في تغطية هذه الأحداث.  وقد استنكر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان هذا الاعتداء وقام بتقديم شكوى للمدعي العام .  وقد استلم المركز الفلسطيني في فترة إعداد هذا التقرير-11 يونيو 2003- كتاباً من النائب العام يفيد بأنه تم إحالة ملف القضية إلى محكمة الصلح لمحاكمة المتهم حسب الأصول.  
       
 3. منع تغطية أحداث معينة

وقد مارست أجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية انتهاكاً خطيراً يؤثر بشكل مباشر على العمل الصحفي، حيث قامت بمنع الصحفيين من تأدية عملهم، منتهكة بذلك لا حقهم في العمل بكل حرية فقط، ولكن حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، وبالتالي حقهم في معرفة الحقيقة وتكوين آراءهم الخاصة بهم والتعبير عن هذه الآراء باستخدام الوسائل المشروعة.  ففي إفادة قدمها للمركز أكد سامر أبو دقة الذي يعمل مساعد مصور وفني صوت في قناة الجزيرة القطرية، أنه توجه هو و مراسل الجزيرة سيف الدين شاهين و المصور محمود عبيد إلى منطقة الجندي المجهول في غزة بتاريخ 8 أكتوبر2001، لتغطية المسيرة التضامنية مع أفغانستان وضد الضربات والتدخل العسكري الأمريكي التي نظمتها الجامعة الإسلامية، وأثناء قيامهم بممارسة عملهم تقدمت منهم مجموعة من الأشخاص يرتدون الزي المدني ويعملون في الشرطة الفلسطينية، حاولوا مصادرة الكاميرا وشريط التصوير، وبعد رفض الصحفيين تسليمهم المعدات قام أحد الأشخاص باتهام المصور محمود عبيد بسرقة محفظته في محاولة لسحب الكاميرا منه، وبعد أن علموا أن الصحفيين يعملون في قناة الجزيرة، أمروهم بمغادرة المكان وأبلغوهم بأنهم سيحضرون إلى مكتب الجزيرة، وفعلاً حضرت مجموعة من الأشخاص يرتدون الزي المدني ويحملون سلاحاً إلى مقر مكتب الجزيرة في حوالي الساعة الواحدة ظهراً، وبعد أن عرفوا بأنفسهم وبأنهم يعملون في الشرطة، سألوا الصحفي سامر أبو دقة الذي كان متواجداً في المقر إن قاموا ببث شيء حول مسيرة التضامن، وإن كان الصحفي شمس شناعة قد بث مادة صحفية من منزله، وعندما أجابهم أبو دقة بالنفي غادروا المكان بعد أن أعطوا أوامرهم بعدم بث أي شيء يتعلق بالمسيرة. 
بتاريخ 8 اكتوبر2001 منعت الشرطة الفلسطينية الصحفي زكريا أبو هربيد وهو مصور صحافي في شركة رامتان، منعته من تصوير الأحداث التي شهدها مخيم الشاطئ  امتداداً لأحداث الجامعة الإسلامية التي حدثت في نفس اليوم، حيث اقترب منه خمسة من أفراد الشرطة الفلسطينية وأمروه بعدم التصوير، وهددوه بكسر الكاميرا إذا واصل التصوير.  وقد أمره أفراد الشرطة باللحاق بهم إلى مركز شرطة الشاطئ، وحين تبعهم إلى هناك حاولوا سحب الكاميرا منه بالقوة لمعرفة ما إذا كان قد التقط صور أم لا، إلا أن العقيد إبراهيم حبوب مدير شرطة الشاطئ منعهم من ذلك وقام بنفسه بتفحص الكاميرا والشريط وما بداخلها من صور ولكن اتضح أنه لا يوجد صور على الشريط.  وبعد حوالي ساعة أي في حوالي الثالثة ظهراً سمح له بمغادرة مقر الشرطة وتوجه عائداً إلى مقر عمله.  وفي مساء نفس اليوم توجه إلى مخيم النصيرات بعد أن علم أن مواجهات تدور هناك بين المواطنين وأفراد من الشرطة الفلسطينية، وأثناء قيامه بتصوير هذه المواجهات والتي اعتدى فيها المواطنون على مقر الشرطة، قام بعض المواطنين بالاعتداء عليه هو واثنين من العاملين معه هما محمد شبت و محمد سلمان، كما قاموا بكسر الكاميرا التي بحوزته والتي يبلغ ثمنها حوالي عشرة آلاف دولار أمريكي، وبعد حوالي ساعة ونصف تمكن من مغادرة المكان هو والعاملين معه بعد عناء شديد . 

وبتاريخ 11 أكتوبر2001 تم إرسال إشعار إلى نقيب الصحفيين توفيق أبو خوصه موقع من قبل مدير الشرطة اللواء غازي الجبالي يبلغ فيه النقابة بإعلان منطقة الجامع الكبير وما يجاورها في مخيم المغازي منطقة مغلقة، ويمنع التصوير فيها أو الاقتراب منها وذلك يوم الجمعة الموافق 12 أكتوبر .
 
4. اعتداءات من جهات أخرى

لم تقتصر الاعتداءات التي تعرض لها الصحفيون على أجهزة السلطة، فقد شهد العام 2001 حالة هي الأولى من نوعها حيث قامت مجموعة تدعي أنها من صقور فتح باختطاف ثلاثة صحفيين أجانب في رفح، بتاريخ 29 مايو ذهبوا إلى هناك لإجراء مقابلات مع أفراد من اللجان الشعبية في مقر اللجان الواقع قرب ميدان العودة، ومن ثم توجهوا إلى المخيم حيث كانت تدور مواجهات عسكرية على الشريط الحدودي مع مصر بين شبان فلسطينيين وقوات من الجيش الإسرائيلي، والصحفيون هم الأمريكيان غوشوا هامر رئيس مكتب مجلة نيوزويك في إسرائيل والصحفي ليونا يرنر والمصور البريطاني غاري نايت، وسائق السيارة عوض حجازي والمترجم علي أبو كميل فلسطينيي الجنسية، وقد أبقت الجماعة على الرهائن محتجزين لعدة ساعات ومن ثم تم الإفراج عنهم، وكان الهدف من هذه العملية كما ذكر المختطفون في بيان أصدروه، هو الاحتجاج على الدعم الأمريكي والبريطاني لإسرائيل.  وأصدرت حركة فتح إقليم رفح بياناً نفت فيه أي علاقة لها بعملية الاختطاف، وتعهد محمد دحلان رئيس جهاز الأمن الوقائي في غزة بتقديم المختطفين إلى العدالة، كما أصدرت نقابة الصحفيين بياناً دعت فيه كافة المواطنين والجهات الفلسطينية إلى عدم التعرض للصحفيين الأجانب واحترام وتسهيل تنقلهم بحرية والحفاظ على سلامتهم وتأمين كل ما يلزم من مساعدة لهم، وذلك لإيصال معاناة الشعب الفلسطيني إلى العالم كافة. 

وفي 27 يوليو 2001، تعرض الصحفي صخر أبو العون للاعتداء، وذلك من قبل ثلاث أشخاص مسلحين، ترجلوا من سيارة مدنية لا تحمل لوحة تسجيل، ورغم أنه عرفهم بنفسه إلا أنهم تجاهلوه، وانهالوا عليه بالضرب، مستخدمين قضبان حديدية، وذلك في الساعة السابعة مساءاً، أمام مكتب وكالة الأنباء الفرنسية، مما أدى لإصابته بكسر في عظمة العين اليمنى، ونزيف داخلي تحت العين اليمنى، وكدمات ورضوض في جميع أنحاء الجسم، نقل على أثرها للعلاج في مستشفى العودة، ومن ثم تم نقله لفرنسا لتلقي العلاج اللازم.  وبحسب إفادة أبو العون فقد جاء هذا الاعتداء بعد أن تلقى عدة مكالمات من جهات متنفذة في السلطة، وكانت هذه المكالمات تحمل تهديداً مبطناً لأبو العون، في حال استمر بتناوله لمواضيع داخلية تثير حفيظة هذه الجهات، مثل الخلاف بين السلطة الوطنية وحركة المقاومة الإسلامية حماس، ومقتل فلسطينيين بسلاح فلسطيني.  ورغم أن الصحفي صخر أبو العون قام بتقديم شكوى بالحادث، إلا أنه لم يتم إيلاء اهتمام لهذه القضية، حيث قيدت ضد مجهول .   
 
وسجل العام 2002 انتهاكاً آخر من جهة غير السلطة الوطنية الفلسطينية، فظهر يوم الخميس الموافق31 أكتوبر وبينما كانت مجموعة من الصحفيين يغطون حادث الانفجار الذي وقع في أحد المنازل السكنية بحي الصبرة في مدينة غزة وأودى بحياة ثلاثة من أعضاء كتائب عز الدين القسام وعدد من الجرحى أثناء إعدادهم لعبوات ناسفة، والصحفيون الذين تعرضوا للاعتداء هم:1)شمس الدين عبد الرحمن عودة الله،مصور وكالة رويترز للأنباء. 2)خالد الأشقر مصور تلفزيون فلسطين. 3)نجيب أبو الجبين،مصور وكالة أسوشييتدبرس. 4)عادل هنا،مصور وكالة أسوشييتيدبرس. 5)أحمد جاد الله سالم،مصور وكالة رويترز للأنباء. وبحسب الإفادات التي قدمها الصحفيون للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان فإن مجموعة من الأشخاص الذين تواجدوا في مكان الحادث، اعتدوا عليهم بالضرب المبرح، وأسقطوا آلات التصوير التي بحوزتهم أرضاً وقاموا بتحطيمها، كما قام بعض الأشخاص باعتلاء أسطح المنازل المجاورة وقاموا برشق الصحفيين بالحجارة.  وفي مساء يوم الحادث قام الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل هنية بالاتصال بالصحفيين الذين وقع عليهم الاعتداء وأعربوا عن أسفهم لما حصل، وقامت الحركة في نفس الليلة بإصدار بيان تستنكر فيه هذا الاعتداء، وتؤكد على تقديرها العالي للصحافة والصحفيين الفلسطينيين، وتدعو الجمهور الفلسطيني إلى إتاحة الفرصة لهذه الشريحة الوطنية من أجل القيام بواجبها ودورها الهام في نقل المعاناة التي يعانيها الشعب الفلسطيني للعالم وفضح الممارسات الوحشية الإسرائيلية.  وقام الرئيس بإعطاء تعليماته لكافة الأجهزة الأمنية بالتحقيق فوراً في الاعتداء الآثم الذي تعرض له الصحفيون أثناء قيامهم بواجبهم المهني، كما شارك عدد من الصحفيين في اعتصام احتجاجي دعت له نقابة الصحفيين الفلسطينيين أمام المجلس التشريعي ظهر يوم الثلاثاء الموافق 5 نوفمبر، تنديداً بالاعتداء على الصحفيين الخمسة .
بتاريخ 29 مارس من العام الجاري2003، تعرض عبد الرحمن الخطيب، مصور جريدة الأيام في غزة لاعتداء من قبل مسلحين في ساحة المجلس التشريعي،  وذلك أثناء قيامه بتغطية لقاء مع السيد محمود عباس وأعضاء المجلس التشريعي، في مقر المجلس بغزة، حيث حضر إليه أحد الأشخاص وطلب منه الخروج معه للحديث على انفراد، وعندما توجه معه شاهد العقيد يوسف عيسى، مسؤول دائرة الشؤون الإسرائيلية في جهاز الأمن الوقائي، الذي طلب منه التوجه معه للخارج، وإزاء رفض الخطيب الاستجابة لطلبه قام أفراد من الأمن الوقائي بدفعه للخارج باتجاه سيارة كانت تقف أمام المجلس التشريعي، وحاولوا حمله ودفعه داخل السيارة، وكانوا يعتدون عليه بالضرب، وعندما بدأ يصرخ طالباً المساعدة من رجال الأمن والصحفيين المتواجدين في المكان، كانوا يخبرون من يحضر لمساعدة الصحفي بأنهم أمن وقائي ولا ضرورة لتدخل أحد، وحاولوا إغلاق فمه ومنعه من الصراخ، وفي هذه الأثناء حضرت مجموعة من الصحفيين حيث قاموا بتخليصه من بين أيديهم، واضطر أفراد الأمن إلى وقف اعتداءهم، بعدما توعده أحدهم بالقتل والوصول له حتى لو كان في بيته، وقد توقفت جلسة المجلس التشريعي بسبب مقاطعة الصحفيين للجلسة. وتم نقل الخطيب إلى مستشفى الشفاء لتلقي العلاج اللازم، توجه بعدها إلى مركز شرطة العباس حيث تقدم بشكوى ضد العقيد يوسف عيسى ومن معه.  وجرى هذا الاعتداء على خلفية مشادة بين الخطيب وزوجة العقيد عيسى، حيث كان الخطيب يصور مسيرة في غزة مناهضة للعدوان على العراق، فتعرضت له زوجة العقيد وطالبته بعدم تصوير صور الرئيس صدام حسين، وتصوير صور الرئيس ياسر عرفات فقط، وعندما رفض الخطيب الاستجابة لمطلبها دفعته وأسقطت الكاميرا التي كان يحملها أرضاً، وقام فور ذلك بتقديم شكوى لنقابة الصحفيين .

ب - اعتداءات على صحف ومؤسسات إعلامية وبحثية

1. إغلاق صحف ومؤسسات إعلامية وبحثية

شنت السلطة الوطنية حملة إغلاقات على المؤسسات الصحفية والإعلامية، إحدى الوسائل المشروعة المستخدمة للتعبير عن الرأي والوصول للمعلومات، ففي مايو 2000 تم إغلاق محطة إذاعة صوت الحب والسلام في رام الله، وجاء هذا الإغلاق على خلفية بث برنامج حول إضراب المعلمين في المدارس الحكومية، وإذاعة رأي لعضو لجنة التنسيق العليا للمعلمين عمر عساف حول إضراب المعلمين ومطالبهم، ومن الجدير ذكره أن هذا الإغلاق الذي استمر أسبوعاً تم دون إبراز أي أمر خطي من أي جهة قضائية أو غيرها، وذلك رغم حصول المحطة على تصريح عدم ممانعة من وزارة الإعلام وفق الأصول القانونية . 

وفي 22 من نفس الشهر قامت الشرطة الفلسطينية بإغلاق محطة تلفزيون وطن، حيث تم استدعاء مديرها العام عمر نزال إلى الأمن الجنائي، وتم إبلاغه شفوياً بقرار وقف البث إلى إشعار آخر،دون إبداء الأسباب الداعية لهذا الإغلاق، وتم تنفيذ القرار بصورة مفاجئة أثناء تقديم المحطة لنشرة أخبار السابعة والنصف، ويعتقد نزال أن قرار الإغلاق جاء على خلفية قيام المحطة بتغطية أحداث انتفاضة الأسرى بشكل كامل، ونقل صور الأحداث و تشييع جنازات الشهداء بشكل متواصل و بشكل يظهر أنه تحريض، حيث لم يستبعد أن يكون قرار الإغلاق جاء نتيجة استجابة السلطة للضغط الإسرائيلي ومطالبها المتكررة بوقف كافة أشكال المقاومة، فكان تلفزيون وطن هو كبش الفداء، وتوجهت إدارة المحطة إلى المحكمة العليا مطالبة بإلغاء قرار الشرطة القاضي بإغلاق المحطة، كما قاموا بتقديم شكوى لوزارة الإعلام التي لم يكن لديها علم عن الموضوع، إضافة إلى تقديم شكاوى لمنظمات حقوق الإنسان و لنقابة الصحفيين الذين شجبوا القرار، كما قام الاتحاد العام لمحطات الإذاعة والتلفزيون الخاصة في فلسطين بإيقاف البث لمدة نصف ساعة في جميع محطات الإذاعة والتلفزيون، تضامناً مع تلفزيون وطن واحتجاجاً على مبدأ الإغلاق الذي يشكل مخالفة واضحة لقانون المطبوعات والنشر، وتجاوزات الأجهزة الأمنية لوزارة الإعلام الجهة الوحيدة المخولة بهذا الموضوع.  تم إعادة فتح المحطة بعد مرور ثلاث أيام على إغلاقها واستأنفت بثها كالمعتاد بتاريخ 24 مايو .

كما قامت الشرطة الفلسطينية بتاريخ 30 مايو2000 بإغلاق محطتي تلفزيون النصر وراديو المنارة في مدينة رام الله . 

وإثر حملة الإغلاقات التي شهدتها مختلف المحطات الإعلامية قامت اللجنة التحضيرية لمؤتمر نقابة الصحفيين بتنفيذ اعتصام، بمشاركة عشرات الصحفيين والإعلاميين والفنانين المسرحيين بتاريخ 1يونيو أمام مقر شرطة محافظة رام الله والبيرة احتجاجاً على الانتهاكات لحرية العمل الإعلامي والحق في التعبير من قبل بعض الأجهزة الأمنية، وقام المشاركون برفع لافتات داعية إلى وقف تدخل الأجهزة الأمنية في العمل الإعلامي وإلى احترام حرية التعبير.  كما دعت مذكرة صادرة عن الصحفيين والإعلاميين تم توزيعها في الاعتصام إلى وقف تدخل الأجهزة الأمنية في عمل المؤسسات الإعلامية وإلى تعزيز دور وزارة الإعلام، وطالبوا المجلس التشريعي بتحمل مسؤولياته لضمان احترام القانون، كما قام وفد صحفي من المشاركين في الاعتصام بمقابلة أحد مسئولي جهاز المباحث الجنائية، وقد أعربوا في الاجتماع عن استيائهم من إغلاق المحطات واعتقال الصحفيين، كما طالبوا  بأن تتم إجراءات الإغلاق بشكل قانوني وعبر وزارة الإعلام.  وكان الوفد قد اجتمع مع وزير الإعلام ياسر عبد ربه، حيث وضعه في صورة خطورة الوضع بعد الإجراءات الأخيرة التي قامت بها المباحث الجنائية بإغلاق بعض محطات الإذاعة والتلفزة، وقد أبدى عبد ربه تفهمه واعداً بدراسة المطالب ومتابعتها بشكل جدي .  إلا أن هذه المطالب تم تجاهلها ولم تجد آذاناً صاغية، ففي نفس اليوم قامت الشرطة بإغلاق محطة تلفزيون المهد في بيت لحم وتم اعتقال مديرها سمير قمصية_كما جاء سابقاً- .

و في عام 2001 وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عملية إغلاق لمكتب الجزيرة في رام الله، ففي 19 مارس قام ثلاثة مسلحين من أفراد الأمن الفلسطيني بإبلاغ وليد العمري مراسل قناة الجزيرة في فلسطين بقرار الإغلاق شفهياً، دون الإفصاح عن هويتهم وأسباب ودوافع طلبهم، إلا أن هذا الإغلاق لم يستمر سوى لساعات قليلة، حيث أعيد فتحه بعد تدخل عدة جهات وتهديد قناة الجزيرة بعدم نقل الوقائع على الأرض الفلسطينية إذا لم يتم إعادة فتح المكتب. 

وقامت السلطة الوطنية بإغلاق صحيفة الاستقلال الأسبوعية التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، والتي تصدر في مدينة غزة، وذلك في شهر ديسمبر من العام 2001، وجاء هذا الإغلاق في فترة تزايد فيها الضغط على السلطة الفلسطينية لوقف نشاط المعارضة والعمل المسلح، حيث تم إغلاق صحيفة الاستقلال باعتبارها من مؤسسات المعارضة، وتم تشميعها بالشمع الأحمر، وبعد مدة قام علاء الصفطاوي المحرر المسؤول وصاحب امتياز إصدار الصحيفة، بتسليم ترخيص الصحيفة لوزارة الإعلام، باعتباره المحرر المسؤول، وباعتبار أن الترخيص صادر باسمه .  وهذا ما أكده توفيق أبو شومر، مدير دائرة المطبوعات والنشر في الوزارة .

كما قامت قوات من الشرطة الفلسطينية بتاريخ 18 ديسمبر 2001 بإغلاق مقر صحيفة الرسالة الصادرة عن حزب الخلاص الإسلامي وختمها بالشمع الأحمر وبالسلاسل الحديدية، دون إبداء أي أسباب، ودون إشعار الحزب بهذا الإغلاق وأسبابه، وتم الإعلان عن إغلاق المقر بواسطة الكتابة على مدخل المقر بالطلاء الأحمر، وعلم الحزب بقرار الإغلاق عن طريق وسائل الإعلام.  وجاء هذا الإغلاق دون أن يتم التحقيق مع أي من مسئوليها من قبل النائب العام، ودون وجود قرار قضائي بذلك كما جاء في قانون المطبوعات والنشر لعام1995.  وقام الحزب بتقديم شكوى عن طريق المركز الفلسطيني حيث قام باتخاذ الإجراءات اللازمة، وتوجه إلى محكمة العدل العليا للبت في هذه القضية، التي أصدرت بدورها قراراً تمهيدياً ببيان الأسباب الداعية لإغلاق مقر الصحيفة من قبل الشرطة الفلسطينية خلال ثمانية أيام وذلك بتاريخ 11 فبراير 2002، وبتاريخ 25 إبريل من نفس العام أصدرت المحكمة قراراً قطعياً بإلزام الشرطة الفلسطينية بإعادة فتح مقر الصحيفة، إلا أن هذا القرار لم ينفذ في حينه حيث تبين أن مقر الصحيفة قد تم الاستيلاء عليه والسكن فيه من قبل الشرطة الفلسطينية، التي قامت بمصادرة كافة الأثاث وأجهزة الحاسوب والأرشيف الخاص بالصحيفة، و تم نقل ممتلكات الصحيفة إلى مقر الشرطة التي ذكرت أن جزء كبير من ممتلكات الصحيفة قد قصف أتناء غارة جوية على مقر الشرطة.  في شهر ديسمبر 2002 تم إعادة فتح مقر الصحيفة على مسؤولية الحزب الخاصة، بعد أن خاطبوا كل الجهات الرسمية، بما فيهم الرئيس ووزير الداخلية ومدير الشرطة، ولكنهم لم يلقوا استجابة منهم.  وبعد إصدار عددين من صحيفة الرسالة، استدعتهم الشرطة وطلبت منهم إغلاقها، وتم إغلاقها بناءً على وعد من الشرطة بإعادة فتحها بعد أن تنهى القضية، وعندما لم تف الشرطة بوعدها أعيد فتحها في شهر شباط 2003، وإثر ذلك استدعت المباحث العامة الدكتور غازي حمد المحرر المسؤول في صحيفة الرسالة للمقابلة في مقر الجوازات بمدينة غزة، حيث أخبروه أن هناك قرار من الرئيس ياسر عرفات موجه للأجهزة الأمنية بإعادة إغلاق الصحيفة واحتجاز الدكتور حمد، وذلك بناءً على تقرير رفع للرئيس من جهة معينة يفيد أن الصحيفة تشهر بالسلطة الوطنية الفلسطينية وبأجهزة الشرطة.  وقامت الصحيفة بالاستجابة لقرار المباحث العامة بإغلاق الصحيفة، وأصدرت عوضاً عنها نشرة الراية الحزبية الأسبوعية .

ورغم الانخفاض الملحوظ في تدخل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية بعمل وسائل الإعلام الخاصة في الآونة الأخيرة، إلا أن هذه التدخلات لا يمكن إيقافها ومنعها بشكل كامل، طالما أن القانون لا يطبق، وطالما لا يوجد تحديد واضح لصلاحيات وسلطات كل جهة تابعة للسلطة التنفيذية .

2. إلغاء تراخيص

رغم أن وزارة الإعلام هي الجهة الوحيد المختصة والمخولة بمتابعة العمل الصحفي والإعلامي بجميع أشكاله، إلا أن دور الوزارة كان مغيباً بشكل كبير، أضف إلى ذلك عدم تطبيق القانون وتدخلات الأجهزة الأمنية المستمر في عمل هذه المؤسسات وتعديها على صلاحيات وزارة الإعلام، واقتصر دور الوزارة على مجرد إلغاء التراخيص، حيث قامت بإلغاء تراخيص 11 صحيفة ومجلة، ففي تاريخ 16سبتمبر 2000 أصدر ياسر عبد ربه وزير الإعلام قرار ألغى فيه تراخيص خاصة بإحدى عشر صحيفة ومجلة بدعوى أن قانون المطبوعات والنشر يعطي لكل مطبوعة فترة زمنية للصدور أو استئناف الصدور إذا توقفت حسب دوريتها، ونظرا ًلتجاوز هذه المطبوعات للقانون وتوقفها عن الصدور فقد تقرر إلغاء وسحب التراخيص الممنوحة لها.  وفي تبريره لهذا القرار صرح هاني المصري مدير عام المطبوعات والنشر أن الوزارة خاطبت رؤساء تحرير هذه الصحف والمجلات عدة مرات ودعتهم فيها إلى ضرورة الصدور، وأن عدمه يعرضهم لوقف الترخيص إلا أن أياً من هذه المطبوعات لم ترسل رداً للوزارة تتعهد فيه بمتابعة الصدور فكان لزاماً على الوزارة أن تقوم بتنفيذ القانون وتصدر أمراً بسحب تراخيص هذه المطبوعات .

3. مصادرة مطبوعات ومعدات

في انتهاك آخر من انتهاكات الأجهزة الأمنية، وتقييدها للحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في الوصول للمعلومات، قامت قوة من المخابرات العامة في شهر يوليو من عام 2000 بمصادرة 25 نسخة من كتاب بعنوان " أكله الذئب " لشاكر النابلسي، يتحدث فيه عن ناجي العلي، وذلك الساعة الحادية عشر ليلاً من مكتبة دار الشروق في مدينة رام الله . 

وبتاريخ 21 يونيو 2002 قامت مجموعة من أفراد المباحث الجنائية بمداهمة مكتب التلفزيون الألماني بمدينة غزة مدعين أن لديهم أوامر من جهات عليا بمصادرة مادة مصورة لمهرجان أقامته حركة حماس في مخيم الشاطئ في اليوم السابق، وعندما طلب منهم مراسل التلفزيون الألماني الصحفي زكريا التلمس إبراز بطاقاتهم الشخصية التي تثبت أنهم من المباحث أو إبراز أمر التفتيش، رفضوا ذلك فطلب منهم مغادرة المكتب، إلا أنهم لم يستجيبوا وقاموا باستدعاء المزيد من المسلحين، الذين دخلوا غرف المكتب الثلاث وشرعوا بتفتيشها، وعندما تصدى لهم الصحفي التلمس قاموا بدفعه بالقوة وتحت تهديد السلاح، ثم وجدوا شريطي تسجيل على طاولة المكتب قاموا بأخذها بالقوة وغادروا المكتب، وقد تبين لاحقاً أنهم لم يقوموا بمصادرة أية أشرطة من محطات أخرى.  وقد أصدرت نقابة الصحفيين بياناً استنكرت فيه هذه الممارسات ناسبة إياها إلى أوامر وتعليمات العميد عبد الرحمن بركات من المباحث العامة .
4.اعتداءات على مكاتب صحفية

في دليل آخر على عدم الحفاظ على حق المواطنين في حرية الرأي والتعبير، وانتهاك حق الصحفيين والإعلاميين في العمل بكل حرية وفي جو يسوده الأمان، قام مسلحون ملثمون فجر يوم الخميس الموافق 5 ديسمبر 2002، باقتحام مكتب الجيل للصحافة الذي يملكه ويديره الصحفي مصطفى الصواف، وقام الجناة بتدمير المعدات والأثاث في المكتب الواقع في الدور الأول من عمارة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، ومن ثم أضرموا فيه النيران.  وكان من الممكن لهذا الاعتداء الذي يشكل جريمة بحد ذاته أن يتسبب في كارثة إنسانية، وأن يسفر عن سقوط ضحايا جراء استهتار الجناة، وعدم اكتراثهم بحياة عشرات المواطنين من سكان البناية والمباني المحيطة، وقد ذكر الصحفي الصواف أن الملثمين وبعد مغادرتهم مقر الصحيفة استقلوا سيارة جيب تابعة لأحد الأجهزة الأمنية، وهذا يشكل قلقاً كبيراً من استمرار تجاوز الأجهزة الأمنية لأبسط القوانين والأعراف، ويعتقد أن هذا الاعتداء جاء على خلفية سياسية تتصل بأحداث شهدها حي الشيخ رضوان في غزة بين عناصر من حركتي حماس وفتح .
5. الرقابة على استيراد الكتب والمجلات، والإنترنت

لم تشهد الفترة قيد البحث أية انتهاكات لها علاقة بالرقابة على استيراد الكتب والمجلات والدوريات، فالسلطة الوطنية ممثلة بوزارة الإعلام لا تمارس أي نوع من أنواع الرقابة على استيراد المطبوعات بكافة أنواعها، ولا تضع أي قيد أو شرط على عملية الاستيراد، فحسبما أفاد نيكولا عقل، مدير دار الشروق للطباعة والنشر في رام الله، فإنهم يقومون بإرسال قائمة الكتب التي يريدون إدخالها إلى أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية عن طريق الأردن، إلى دائرة المطبوعات والنشر في وزارة الإعلام، والتي توقع عليها بالموافقة، ويتم إرسال هذه القائمة إلى الجانب الفلسطيني عند جسر الملك حسين، ويتم إدخال شحنة الكتب وتوزيعها على فروع الدار في نابلس والقدس وغزة.  كما أكد أحمد اليازجي المسئول في مكتبة اليازجي بمدينة غزة على ذلك، على عدم وجود أي نوع من أنواع الرقابة على المطبوعات المستوردة والمطبوعة محلياً، فبالنسبة للمادة المطبوعة محلياً ذكر اليازجي أنه يتم تسجيل حقوق الطبع في دائرة المطبوعات والنشر، ويتم تسليمهم ثلاث نسخ من كل مطبوعة، وذلك لحفظها في الأرشيف، لا لفرض أي نوع من أنواع الرقابة عليها، وفيما يتعلق بالمطبوعات المستوردة من دور النشر العالمية فيتم إدخالها عن طريق معبر رفح إلى قطاع غزة، دون أي عقبة من الجانب الفلسطيني .  

وأكد عقل على ترحيبه وارتياحه لوجود جهة محددة مسئولة عن الرقابة على استيراد المطبوعات وتوزيعها، وذلك حتى لا يمارس كل جهاز أو كل طرف الرقابة بشكل منفرد، فتكون هناك قيود كبيرة، تمنع حرية استيراد الكتب وحرية تدفق المعلومات .  والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ينظر بإيجابية وارتياح لهذا الأمر، ويعرب عن أمله باستمرار تمتع المواطنين بحقهم في حرية الرأي والتعبير واستقاء المعلومات من مصادرها المختلفة دون قيود.

أما الجانب الذي يتعلق بالرقابة على الإنترنت، وعلى تصفح المواقع على شبكة المعلومات، فإن السلطة لا تفرض أي نوع من أنواع الرقابة على مستخدمي الإنترنت، وهذا ما أكده معين بسيسو مدير شركة بال نت، فرغم أن الخطوط تأتي من إسرائيل إلا أن السلطة تستطيع أن تفرض رقابة وتمنع مستخدمي الشبكة من تصفح مواقع معينة، كما فعلت الولايات المتحدة حيث منعت المستخدمين من تصفح موقع قناة الجزيرة الفضائية، وكما تفعل بعض الدول العربية مثل سوريا والمملكة العربية السعودية. ويرى بسيسو أن سبب عدم فرض هذه الرقابة قد يعود إلى عدم توفر الإمكانيات وإلى جهل وزارة الاتصالات بطرق فرض هذه الرقابة .
 
2. ما يتعلق بحق المواطنين في التعبير عن آرائهم

أ. انتهاك الحق في الحياة على خلفية الرأي

لم تقتصر انتهاكات الأجهزة الأمنية الفلسطينية للحق في حرية الرأي والتعبير على الصحفيين والعمل الصحفي فقط، بل تعدتها لتتجاوز الاعتداء على المواطنين، وانتهاك حقهم في الحياة على خلفية مواقفهم وآراءهم السياسية، ففي 19 يوليو 2002 قتل فضل محمد يوسف أحد عناصر حماس، من مخيم المغازي، بعدما أطلق عليه أحد أفراد المباحث العامة النار من بندقية "ام 16"، حيث أصابه بعيار ناري اخترق صدره من ذراعه اليسرى.  ووفقاً لتحقيقات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فقد حصل إطلاق النار بينما كان ثلاثة من أفراد المباحث العامة يلاحقون السيارة التي كان يستقلها المذكور برفقة شقيقه عبد السلام، حيث كانوا متوجهين من مخيم المغازي لمدينة غزة، لإيصال الإمام أحمد حجازي إلى مكان سكنه في حي الشجاعية، والذي كان قد أنهى خطبة الجمعة في أحد مساجد مخيم المغازي، وكان في خطبته نقد واضح لأداء السلطة الفلسطينية.  واعتقل أفراد المباحث العامة فور الحادث مباشرة، وتم احتجازهم في مركز شرطة المعسكرات الوسطى.
ب. اعتقال أو احتجاز أو استدعاء أشخاص على خلفية الرأي

قامت الأجهزة الأمنية بحملة اعتقالات شملت العديد من الشخصيات التي لها نشاطات أو انتماءات سياسية، وشكلت هذه الإعتقالات تهديداً خطيراً للحق في حرية الرأي والتعبير والمشاركة السياسية، كما شكلت انتهاكاً وتجاوزاً خطيراً للقوانين المعمول بها في الأراضي الفلسطينية، خاصة قانون الإجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001، القاضي بعدم جواز احتجاز شخص أو استدعاءه دون إبراز أمر بالحضور أو مذكرة إلقاء قبض من الشرطة، وبوجوب عرض الشخص المحتجز على النيابة العامة خلال أربع وعشرين ساعة من الإحتجاز.  كما انتهكت هذه الإجراءات البند 1 من المادة 11 من القانون الأساسي التي تنص على أن" الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مكفولة لا تمس"، والبند 2 من نفس المادة الذي يؤكد عدم جواز "القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته أو منعه من التنقل إلا بأمر قضائي "، وانتهكت المادة 12 من نفس القانون التي تنص على ضرورة إبلاغ " كل من يقبض عليه أو يوقف بأسباب القبض عليه أو إيقافه…".
 
ففي 3 مايو 2000 اعتقلت المباحث الجنائية الشيخ عبد الله الشامي أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي، وبحسب مدير عام الشرطة غازي الجبالي فقد جاء هذا الاعتقال على خلفية عقد اجتماعات، وإلقاء خطب تحرض الناس ضد السلطة وضد الوفد الفلسطيني المفاوض وضد اتفاقيات السلام، وأكد الجبالي أن الشامي سيقدم للمحاكمة بتهمة التحريض.  إلا أنه لم تتم محاكمته أو حتى التحقيق معه، وافرج عنه في بداية شهر يونيو .

وبتاريخ 23 مايو 2000 استدعت الشرطة أربعة أشخاص للتحقيق معهم حول نشاطاتهم وعلاقتهم بالكتلة الإسلامية وبالمهرجان الذي أقيم في بيت حانون، بمناسبة الإفراج عن الشيخ صلاح شحادة بتاريخ 19 مايو، وتم سؤالهم عن الهتافات التي تم ترديدها في ذلك المهرجان، والتي كانت حسب قول المحققين تمس السلطة الفلسطينية وشخص محمد دحلان رئيس جهاز الأمن الوقائي في غزة، وكما جاء في عدة إفادات من الذين تم استدعائهم للتحقيق، فقد تعرضوا خلالها للضرب والسب والشتم وتم إجبارهم على الوقوف لعدة ساعات مع رفع الأيدي لأعلى على الحائط والبقاء في الحجز الانفرادي لعدة ساعات .

كما اعتقلت الشرطة الفلسطينية في رفح نظير اللوقة إمام مسجد بلال بتاريخ 29 مايو2001، وذلك إثر قيامه بانتقاد الحكم الصادر بحق المدرس مهدي الداهودي لإدانته باغتصاب قاصر،  والقاضي بسجنه سبع سنوات وذلك أثناء إلقاءه خطبة يوم الجمعة الموافق 26 مايو، حيث اعتبر اللوقة هذا الحكم جائر وطالب القضاة بمراجعة حكمهم، كما قام في 18 من نفس الشهر بإصدار بيان إثر موت ثلاثة أطفال من عائلة رزق خنقاً داخل ثلاجة قديمة، اتهم فيه الشرطة والنيابة والبلدية بالتقصير والإهمال، وبعد التحقيق معه لعدة أيام تم إطلاق سراحه بتاريخ 5 يونيو .

وبتاريخ 21 يونيو 2000، تم اعتقال عبد الفتاح غانم، مستشار الرئيس ياسر عرفات لشؤون المخيمات، وأحد قياديي جبهة التحرير الفلسطينية، وذلك على خلفية ممارسته لحقه في حرية الرأي والتعبير، حيث انتقد في الفترة السابقة لاعتقاله سياسة السلطة، فيما يتعلق بمفاوضات الحل النهائي ومظاهر الفساد.  وكان اعتقال غانم قد تم بأمر من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بعد يوم من قيام أجهزة الأمن الفلسطينية بمداهمة مكتب جبهة التحرير العربية في غزة، و تفتيشه ومصادرة كافة الوثائق والأوراق فيه، ومحاولة معرفة كل الأوراق التي تم إرسالها عبر الفاكس إلى الخارج، وذلك بتهمة قيامه بتسريب معلومات، حول شخصيات في السلطة الوطنية الفلسطينية للصحافة، فيما نفت ابنته هذه التهمة، وقالت أنه تحدث للصحف الخليجية بشكل عام عن الثوابت السياسية، منتقداً التفريط بها وعن مظاهر الفساد بشكل عام، وأنه كان في نفس الوقت يرفض تشويه السلطة الوطنية الفلسطينية ونقدها دون حق .  وقد بقي غانم محتجزاً بمعزل عن العالم الخارجي، ولم يسمح لأسرته بزيارته إلا في 27 يوليو، ورغم مرور شهرين على اعتقاله إلا أنه لم يسمح لمحاميه بزيارته، كما استمر احتجازه في سجن جنائي وليس سياسي، بحسب ما أفادت أسرته .  ولم يتم الإفراج عنه إلا في شهر سبتمبر من دون توجيه تهمة له أو تقديمه للمحاكمة. 
في 30 يوليو 2000تم إلقاء القبض على الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وذلك إثر إدلائه بتصريحات لقناة الجزيرة الفضائية خلال مشاركته في أحد برامجها، أكد فيها على موقف حركة حماس تجاه القضايا والثوابت الفلسطينية، وتساءل عن حقيقة مواقف السلطة تجاه قضايا اللاجئين والحدود والمستوطنات، وطالب السلطة بقول الحقيقة كاملة للشعب، وقد وصف خالد القدرة نائب عام أمن الدولة هذه التصريحات، بأنها بيانات ومعلومات جزافية غير صحيحة تنطوي على القذف والتشهير واتهام السلطة الوطنية والوفد المفاوض بالخيانة والكذب الأمر الذي يستوجب -حسب قوله- المساءلة لمخالفته لقانون النشر والمطبوعات الفلسطيني، وبعد اعتقال دام ما يقرب خمسة أشهر أصدر الرئيس ياسر عرفات قراراً بالإفراج عن الرنتيسي مساء 17 ديسمبر، وذلك إثر اجتماع تم بين الرئيس وممثلي القوى الوطنية والإسلامية في غزة . 

وبتاريخ 5 أغسطس 2000ذهب عثمان زعرب لتسليم نفسه لمقر قيادة الشرطة في مدينة رفح، لأنه كان مطلوباً لجهاز المخابرات العامة منذ 2 أغسطس، حيث جاءت قوة من أفراد المخابرات إلى منزله ووقعت خلافات ومشادات بينهم وبين أفراد من عائلة زعرب، كما جرى إطلاق لأعيرة نارية من قبل أفراد المخابرات، وتم اعتقال والده عبد الغفار كما اعتقل عمه وابن عمه، كما أصيبت إحدى المواطنات من عائلة زعرب برصاص من نوع دمدم في ساقيها.  والجدير بالذكر أن عثمان زعرب مقرب من حركة الجهاد الإسلامي وتم اعتقاله أكثر من مره من قبل السلطة الوطنية .

كما قام أفراد المخابرات العامة في نفس اليوم بحجز المواطن نضال أبو لبدة أثناء توجهه عن طريق معبر رفح إلى جمهورية مصر العربية ومنها إلى باكستان للالتحاق بدراسته، وتم نقله إلى السرايا في مدينة غزة وذلك بسبب انتماءاته الإسلامية .

في تاريخ 31 يناير2001 قام أفراد من الأمن الوقائي في جباليا باعتقال خليل السكني أحد نشطاء حماس، لدى خروجه من مسجد العودة بعد صلاة العشاء، حيث تجمهر المواطنون أمام مقر الأمن الوقائي، وقاموا برشق المقر بالحجارة مطالبين بالإفراج عن السكني، فقام أفراد الأمن الوقائي بإطلاق سراحه فور ذلك.  وبعد هذه الحادثة بأيام وبالتحديد في 3 فبراير قامت قوة من الأمن الوطني بمداهمة منزل عائلة خليل السكني، وتفتيش المنزل بحثاً عن شقيقه شادي الذي تمكن من الفرار من المنزل، وتم اعتقال شقيقه حمدي البالغ من العمر 16 عاماً .

وبعد منتصف ليلة 3 فبراير 2001 قامت مجموعة من الأمن الوقائي باعتقال أربعة شبان من منازلهم في مخيم جباليا، ويعتقد أن هذه الإعتقالات جاءت على خلفية قيام بعض الشبان برشق مقر الأمن الوقائي بالحجارة إثر اعتقال خليل السكني، والجدير بالذكر أن هؤلاء الشبان معروفون بانتمائهم لحركة حماس. كما قام الأمن الوقائي بمجموعة اعتقالات أخرى في اليوم التالي على نفس الخلفية، وبحسب إفادات المحتجزين فقد تعرضوا للضرب والشتم والتهديد والوقوف لساعات وأيديهم مرفوعة، في محاولة لمعرفة المشاركين في محاصرة مقر الأمن الوقائي وقذفه بالحجارة . 

أما في 28 أبريل2001 فقد تم اعتقال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، أحد قادة حركة المقاومة الإسلامية حماس، وجاء هذا الاعتقال في أعقاب التصريحات التي أدلى بها الرنتيسي خلال مهرجان نظمته الحركة في مخيم جباليا للاجئين، حيث أكد على رفض الحركة للتنسيق الأمني، وعلى ضرورة استمرار استخدام قذائف الهاون ضد الجيش الإسرائيلي.  وقد ذكر مصدر فلسطيني أن الرنتيسي خالف اتفاق مع الشرطة الفلسطينية لجعل التظاهرة سلمية، وعدم تحويلها إلى تظاهرة مسلحة كما حصل.  واستمر اعتقال الرنتيسي ما يقرب الأسبوعين، حيث تم الإفراج عنه بتاريخ 13 مايو دون أن توجه له تهمة أو يعرض على النيابة العامة طوال فترة اعتقاله.  وجاء الإفراج عنه إثر تحركات كبيرة من لجنة المتابعة العليا للانتفاضة . 
وفي 23 يونيو 2001 تم اعتقال الشيخ الشامي مرة أخرى بسبب تصريحاته التي أدلى بها خلال احتفال أقامته حركة الجهاد الإسلامي في مخيم جباليا للاجئين حيث اتهم بانتهاك قرار الرئيس ياسر عرفات بوقف إطلاق النار، إلا أنه تم إطلاق سراحه بعد ساعات من احتجازه الذي وصفه الشامي بأنه اجتماع مع قادة من الشرطة الفلسطينية وذلك إثر تعهده بعدم توجيه انتقادات علنية ضد السلطة الفلسطينية . 

وفي 5 يوليو2001 تم اعتقال المواطن محمد السوفري بتهمة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي، وقد اعتقل أكثر من مرة على هذه الخلفية .

بتاريخ 23 سبتمبر 2001، قام أفراد من جهاز الاستخبارات العسكرية الذين يراقبون وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه الرئيس ياسر عرفات باعتقال خمسة فتية، إثر إلقاءهم قنابل محلية الصنع باتجاه موقع عسكري مقام عند بوابة صلاح الدين جنوب مدينة رفح، وفي أعقاب ذلك تجمهر عشرات الشبان المسلحين أمام مقر المخابرات العامة، ورددوا هتافات معادية لأجهزة الأمن الفلسطينية وأطلقوا عدة أعيرة نارية في الهواء مطالبين بالإفراج عن الفتية المحتجزين، وفور ذلك قام جهاز المخابرات بالاستجابة لمطلب المتظاهرين وتم الإفراج عن الفتية في غضون عشر دقائق .

كما قامت أجهزة الأمن الفلسطينية باعتقال أيمن دراغمة من بلدة طوباس، على خلفية نشاطه في حركة الجهاد الإسلامي.  وذلك بحسب بيان صادر عن حركة الجهاد الإسلامي بتاريخ 7 أكتوبر 2001.

بعد ساعات على مقتل وزير السياحة الإسرائيلي رحباعام زئيفي قامت أجهزة الأمن الفلسطينية بشن حملة اعتقالات واسعة، طالت عدداً كبيراً من أعضاء ومؤيدي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ففي ساعات ليل الأربعاء الموافق 17 أكتوبر 2001 قامت أجهزة الأمن باعتقال الدكتور رباح مهنا عضو المكتب السياسي للجبهة و المحامي يونس الجرو عضو اللجنة المركزية للجبهة، والصحفي هاني حبيب الذي تم إخلاء سبيله بعد عدة ساعات، كما تم اعتقال علي جرادات الناطق باسم الجبهة، وطالت حملة الإعتقالات عدد كبير من أعضاء ونشيطي الجبهة، حيث بلغ عدد حالات الاعتقال التي وثقها المركز على خلفية مقتل زئيفي50 حالة اعتقال في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد تابع المركز الفلسطيني القضية وتقدم بكتاب للمدعي العام الفلسطيني يطالبه بالإفراج عن موكليه المحامي يونس الجرو و الدكتور رباح مهنا، وقد أصدرت محكمة العدل العليا الفلسطينية قراراً بالإفراج عنهما لبطلان إجراءات احتجازهما بتاريخ 7 نوفمبر، إلا أن الشرطة الفلسطينية لم تنفذ القرار إلا بتاريخ 15 نوفمبر .

وفي 21 أكتوبر 2001 اعتقل جهاز الأمن الوقائي أربعة مواطنين بتهمة المشاركة في إطلاق النار بالأحداث المؤسفة التي شهدتها الجامعة الإسلامية، من سلاح أوتوماتيكي من نوع كلاشينكوف و كارلوجوستاف والجدير بالذكر أن هؤلاء الأشخاص من رجال الدعوة وليس لهم أي نشاطات سياسية. 

كما شنت الأجهزة الأمنية الفلسطينية حملة اعتقالات واسعة في الأشهر اللاحقة طالت ناشطين في صفوف حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس، ففي 29 و 30 أكتوبر 2001 اعتقلت الأجهزة الأمنية ثلاثة من أعضاء حركة الجهاد الإسلامي، وقد حكم على بعضهم بـ 6 أشهر إداري،  فيما فشلت الشرطة في اعتقال آخرين منهم الشيخ عبد الله الشامي ، وفي 4 نوفمبر اعتقلت الأجهزة الأمنية ثلاثة أشخاص من أعضاء الجهاد الإسلامي من منطقة الشجاعية .  وفي 6 نوفمبر حاولت قوة من المباحث العامة اعتقال الدكتور محمد الهندي أحد قياديي حركة الجهاد، وذلك أثناء خروجه من شركة رامتان للإنتاج التلفزيوني حيث كان يجري مقابلة مع تلفزيون سحر الإيراني، إلا أن مسلحين من حركة الجهاد أخذوه فور خروجه إلى جهة غير معلومة، بعد أن قام أحدهم بإطلاق صلية رصاص في الهواء، وأقدم أحدهم على كسر زجاج سيارة شرطة وإلقاء قنبلة صوت داخلها، الأمر الذي أربك رجال الشرطة المتواجدين في المكان، وأتاح الفرصة للهندي والمسلحين الذين كانوا برفقته من مغادرة المكان.  إلا أن الأجهزة الأمنية نجحت بتاريخ 1 ديسمبر في اعتقال الدكتور الهندي إثر عملية مطاردة بعد هربه من منزله، وبحسب مصادر أمنية فإن سبب الاعتقال هو عدم التزام الحركة بقرار السلطة الفلسطينية القاضي بوقف إطلاق النار ، وخاصة بعد قيام الحركة بعدة عمليات كان آخرها العملية التفجيرية قرب برديس حنا القريبة من الخضيرة شمال تل أبيب، إلا أن الهندي ينفي معرفته بسبب هذا الاعتقال، ويذكر أنه يتزامن مع زيارة الجنرال أنتوني زيني إلى غزة . إلا أن الأجهزة الأمنية نجحت في اعتقال الهندي، بتاريخ 1 ديسمبر، كما اعتقلت الشرطة الفلسطينية أكثر من عشرة من نشطاء الحركة في الضفة الغربية . وفي اليوم التالي لاعتقال الهندي قامت المباحث العامة باعتقال علاء الصفطاوي أحد قياديي الحركة ورئيس تحرير صحيفة الاستقلال الأسبوعية في مدينة غزة-كما ذكر سابقاً- . 

وامتدت حملة الاعتقالات هذه لتطال أعضاء وناشطي حركة المقاومة الإسلامية حماس، فيوم الأحد الموافق 2 ديسمبر 2001 اعتقل جهاز المخابرات العامة قياديين من حركة حماس هما إسماعيل هنية و الدكتور إسماعيل أبو شنب ، كما حاولت الأجهزة الأمنية ظهر الأحد الموافق 9 ديسمبر اعتقال عدد من أعضاء حركة حماس إلا أن تجمهر المواطنين وتدخلهم حال دون تنفيذ هذه الإعتقالات .

وفي نفس الإطار قامت قوة من جهاز المخابرات العامة بمحاصرة منزل الشيخ أحمد ياسين، في منطقة جورة الشمس في مدينة غزة، وذلك في الساعة العاشرة من مساء الأربعاء الموافق 5 ديسمبر2001.  وذلك تنفيذاً لقرار صدر بوضعه تحت الإقامة الجبرية، وسرعان ما بدأ أنصار حركة حماس و نشطاءها بالتوافد إلى محيط منزل الشيخ ياسين، استجابة لنداء حماس عبر مكبرات الصوت طالبة من المواطنين التوجه إلى هناك، وحصلت مواجهات بين أنصار حماس وأفراد الشرطة، ولم تهدأ الأوضاع إلا بعد أن خرج الشيخ ياسين وخاطب أنصاره، حيث وطلب منهم مغادرة المكان بهدوء والعودة إلى منازلهم، وبالفعل بدأ المتواجدون بمغادرة المكان . 

من ناحية أخرى شهد العام 2002 عدد أقل من الإعتقالات التي وثقها المركز الفلسطيني، ففي 6 يناير اعتقلت أجهزة الأمن الفلسطينية الأمين العام لحزب الخلاص الوطني الإسلامي جمال طالب صالح، وثمانية نشطاء إسلاميين آخرين في الضفة الغربية وقطاع غزة، علماً أن الأجهزة الأمنية كانت قد أغلقت مقر الحزب قبل اعتقاله بفترة بسيطة وصحيفة الرسالة التابعة له .

وفي 24 يونيو 2002 فرضت السلطة الإقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين، زعيم و مؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس، في منزله في قطاع غزة، حيث تم تطويق منزل الشيخ ياسين، ونشر قوات أمن في المنطقة المحيطة بالمنزل، وقد عللت السلطة هذا الإجراء بأنه يخدم المصلحة الوطنية العليا، فيما رفض الشيخ ياسين هذا القرار الذي ذكر أنه لم يبلغ به هو أو الحركة بشكل رسمي .
وكان من بين أهم هذه الإعتقالات اعتقال أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية، ففي مساء 15 يناير 2002 حاصرت قوة كبيرة من أجهزة الأمن الفلسطينية فندق سيتي إن وسط مدينة البيرة، بينما كان يجتمع أحمد سعدات مع العميد توفيق الطيراوي، مدير المخابرات العامة في الضفة الغربية، بناءً على طلب رسمي من الأخير، وقد اقتحمت القوات الفندق وقامت باقتياد سعدات و احتجازه في مقر الرئاسة في رام الله، مع خمسة فلسطينيين آخرين تطالب بهم إسرائيل، دون أن توجه له أي تهمة محددة.  وبتاريخ 1مايو تم نقل سعدات والخمسة معتقلين الآخرين إلى سجن أريحا، بعد التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن، وجاء اعتقال سعدات والمعتقلين الآخرين استجابة للضغوط الأمريكية والإسرائيلية القوية التي تمليها على السلطة الفلسطينية لاعتقاله، حيث تزعم إسرائيل أن سعدات يقف وراء مقتل وزير السياحة الإسرائيلي السابق رحبعام زئيفي في 17 أكتوبر من العام نفسه.  وبخلاف الأربعة معتقلين الآخرين الذين أدينوا من قبل محكمة عسكرية ميدانية فلسطينية باغتيال زئيفي في القدس المحتلة، لم يتم توجيه أي تهمة إلى سعدات، ولم تتم محاكمته بأي شكل من الأشكال.  وفي 3 يونيو قررت هيئة محكمة العدل العليا الفلسطينية في غزة_ وهي أعلى سلطة قضائية مدنية للسلطة الوطنية_ قررت عدم قانونية اعتقال سعادات، وطالبت بالإفراج الفوري عنه، لعدم وجود أية تهمة محددة بحقه أو أي دليل على علاقته بمقتل زئيفي.  إلا أن السلطة الفلسطينية قررت مواصلة اعتقال سعدات، وتجاهل قرار المحكمة، وذلك بعد أيام من تصديق الرئيس ياسر عرفات على قانون السلطة القضائية والقانون الأساسي، ففي بيان لمجلس الوزراء الفلسطيني ذكر أنه لن يتسنى إطلاق سراح سعدات نظراً إلى الظروف الراهنة ونتيجة للتهديدات الإسرائيلية، حيث حذر وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن اليعيزر السلطة الفلسطينية من إطلاق سراح سعدات، مؤكداً أن إسرائيل ستكون معفية من جميع التزاماتها في حال تم إطلاق سراحه.  وما زال سعدات معتقلاً حتى الآن رغم مطالب القوى الوطنية و الإسلامية المتكررة لإطلاق سراحه .

وشنت قوات من عدة أجهزة أمنية حملة اعتقالات بتاريخ 22و 23 يونيو 2002، شملت ثمانية عشر شخصاً من نشطاء حركة المقاومة الإسلامية حماس وحزب الخلاص الإسلامي، وتمت هذه الإعتقالات بصورة غير قانونية، ودون أي مذكرات صادرة عن الجهات المختصة بحسب القانون بإصدار أوامر الإعتقال، وقد حصل المركز الفلسطيني على أسماء سبعة عشر شخصاً من المعتقلين هم: جمال صالح( أمين عام حزب الخلاص)، محمد شهاب، محمود خضر، عبد الكريم البطش، خضر شناط، محمد البنا، موسى طروش، سامي بعلوشة، وائل اللولو، علي صياد، إياد المدهون، عامر عفانه، إبراهيم رضوان، سائد الحلبي، عطا العطل، سيد أبو حصيرة، ناجي السرحي. 

ج. اعتداءات من جهات أخرى على خلفية الرأي

وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عدد من حالات الانتهاكات التي مارسها مواطنون عاديون، منتهكين بذلك حق غيرهم في التعبير عن آراءهم وتوجهاتهم، فمساء يوم الاثنين الموافق 13 مايو  2002 هاجم خمسة ملثمين مسلحين حسن عصفور وزير المنظمات الأهلية، واعتدوا عليه وعلى مرافقه بالضرب فأصيب بجراح في رأسه ويده اليمنى وركبته اليمنى، فيما أصيب مرافقه مجدي الرمحي الذي حاول استخدام سلاحه بجراح في الرأس واليد اليمنى،وتم نقلهما إلى المستشفى للعلاج.  وقد أصدر الرئيس عرفات تعليمات مشددة لكافة الأجهزة الأمنية لتعقب المجرمين لتقديمهم إلى العدالة، ورغم أن عصفور وجه أصابع الاتهام إلى إسرائيل، إلا أن مصادر أخرى أكدت أن هذا الاعتداء جاء في إطار صراعات داخلية بين رئيس جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية وقطاع غزة جبريل الرجوب ومحمد دحلان،والجدير بالذكر أن الوزير عصفور مقرب من دحلان .

ويوم الثلاثاء الموافق 24 سبتمبر 2002 أطلق مجهولون عدة عيارات نارية على منزل نبيل عمرو عضو المجلس التشريعي الفلسطيني في مدينة رام الله ، وجاء هذا الاعتداء بعد ساعات معدودة من صدور بيان لكتائب شهداء الأقصى، هددت فيه بالتعرض لكل مسؤول في السلطة الفلسطينية يجرؤ على التفاوض مع إسرائيل بهدف خلق قيادة بديلة لياسر عرفات، وتزامن هذا الحادث أيضاً مع قيام مجهولين بتغطية جدران العديد من شوارع مدينة رام الله بكتابات معادية تتهم نبيل عمرو بالخيانة والتعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة لخلق قيادة فلسطينية بديلة لعرفات .  

وفي مطلع العام الحالي وبتاريخ 2 فبراير 2003، اعتقلت أجهزة الأمن الفلسطينية مجموعة مشبوهة تطلق على نفسها" فرسان الحق والعدالة"، وقد أقدمت هذه المجموعة على حرق مقهيين في مخيم المغازي بدعوى أنها أوكار للفساد، كما قامت هذه المجموعة بتوجيه اتهامات لعدد من المدرسات في إحدى مدارس المخيم الإعدادية وهددت بحرقهن بزعم قيامهن بتشجيع الطالبات على التبرج، الأمر الذي نفاه المواطنون والمربيات والطالبات جملة وتفصيلاً .          
 

الحق في التجمع السلمي

1. قرار مدير عام الشرطة بمنع الاجتماعات العامة بدون إذن مسبق

نشرت الصحف الفلسطينية بتاريخ 29 فبراير 2000 إعلان صادر عن مدير عام الشرطة، الخاص بمنع الاجتماعات العامة دون الحصول على موافقة مسبقة.  وينص هذا الإعلان على أنه" عملاً بأحكام القانون رقم 12 لعام 1998بشأن الاجتماعات العامة ودون المساس بالحق بالاجتماع، تقرر ما يلي:
يمنع منعاً باتاً على جميع المواطنين القيام بمسيرات بدون الحصول على موافقة مسبقة من مدير الشرطة محدداً بها خط مرور المسيرة ووقتها.
يمنع منعاً باتاً عقد الاجتماعات عامة بدون موافقة مسبقة من مدير الشرطة يحدد به مكان الاجتماع وتاريخ عقد الاجتماعات ومدة الاجتماع والجهة المنظمة للاجتماع.
طبقاً للمادة (6) من قانون الاجتماعات العامة ومع عدم الإخلال بأي عقوبة أخرى ينص عليها قانون العقوبات، يعاقب كل من يخالف ذلك بالحبس مدة لا تزيد عن شهرين أو بغرامة لا تتجاوز خمسين ديناراً أردنياً أو ما يعادلها بالعملة المتداولة.
على مدراء شرطة المحافظات كل في ما يخصه اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين وإخطارنا بما يتم".

ومن الجدير ذكره أن هذا الإعلان يخالف وبشكل صارخ حق الأشخاص في التجمع الذي نصت عليه المادة (20) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإذا كان هذا الإعلان موجه"للدول الأعضاء"، فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والموجه لكافة الدول والذي يحمل صفة الإلزام نصت مادته رقم (21) على أن "يكون الحق في التجمع السلمي معترفاً به، ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقاً للقانون وتشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي".

كما أن هذا الإعلان يتناقض تناقضاً كبيراً مع القانون رقم 12 لعام 1998 المتعلق بالاجتماعات العامة، حيث أن المادة (3) من هذا القانون تنص على أنه "يحق عقد الاجتماعات العامة على أن يوجه إشعار كتابي للمحافظ أو مدير الشرطة بذلك قبل 48 ساعة على الأقل من موعد عقد الاجتماع"، أي أنه لا يجب الحصول على إذن مسبق قبل عقد الاجتماع، بل يتم الاكتفاء بتقديم إشعار كتابي بذلك للمحافظ أو مدير الشرطة قبل 48 ساعة على الأقل من موعد عقد الاجتماع، فما ينص عليه القانون يكفل حق المواطن في الاجتماع، أما إعلان مدير عام الشرطة فيعتبر تقييد خطير لهذا الحق.

وقد حصر قانون الاجتماعات في المادة(4) الفقرة (3) صلاحيات المحافظ أو مدير الشرطة في وضع ضوابط على مدة أو مسار الاجتماع، وذلك بهدف تنظيم حركة المرور، كما جاء في الفقرة (4) من نفس المادة أنه يحق للجهة المنظمة إجراء الاجتماع المحدد في حال عدم تلقيها لأي بيان خطي من المحافظ أو مدير الشرطة، وذلك بعد مرور 24 ساعة على الأكثر من موعد تسليم الإشعار.  إضافة إلى ذلك فقد أكدت المادة 8 من القانون على إلغاء قانون الاجتماعات العمومية العثماني، المعمول به في محافظات غزة، والقانون الأردني المعمول به في محافظات الضفة الغربية، وعلى إلغاء كل حكم يخالف أحكام هذا القانون، وبالتالي فإن إعلان مدير عام الشرطة يعتبر لاغي، وذلك بسبب تناقضه ومخالفته لأحكام قانون الاجتماعات العامة.

وقد قام المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، في إطار العمل على إلغاء هذا القرار، بالتشاور مع المنظمات غير الحكومية والقوى والأحزاب السياسية، وبعد استكمال الإجراءات القانونية، قام المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ممثلاً بالمحامي راجي الصوراني، وبالتعاون مع المحامي يونس الجرو، بتقديم طلب لمحكمة العدل العليا الفلسطينية، ضد قرار مدير عام الشرطة، نيابة عن مجموعة القوى السياسية والمنظمات الأهلية، وفي تاريخ 29 إبريل 2000 أصدرت المحكمة قراراً بوقف العمل بالقرار الذي أصدره مدير عام الشرطة لحين الفصل في الطلب.  وفي اليوم التالي أصدر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بصفته وزيراً للداخلية، قراراً بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون الاجتماعات –سيتم الحديث عنها لاحقاً-، وبناءً عليه فقد التمس النائب العام من المحكمة رد الطلب، بادعاء أن إعلان مدير عام الشرطة لا يشكل قراراً إدارياً، ولا تنطبق عليه صفة القرار الإداري، الذي يجوز الطعن فيه أمام المحكمة، كما جاء في اللائحة الجوابية أن اللائحة التنفيذية لقانون الاجتماعات العامة قد صدرت من قبل الرئيس بصفته وزيراً للداخلية، وأنها تضمنت إجراءات تتفق تماماً مع ما ورد في الإعلان الصادر عن مدير عام الشرطة.  وما تزال القضية موضع اهتمام من قبل المركز الفلسطيني ومنظمات حقوق الإنسان.

2. اللائحة التنفيذية
بناءً على المادة (7) من قانون الاجتماعات العامة رقم (12) لسنة 1998، أصدر رئيس السلطة الوطنية ياسر عرفات، بصفته وزيراً للداخلية اللائحة التنفيذية لقانون الاجتماعات العامة، وذلك بتاريخ 30 أبريل 2000.  يتكون المرسوم من (12) مادة تحدد الآليات التي يجب العمل بها عند تنظيم أي اجتماع عام يدعى إليه خمسون شخصاً على الأقل في مكان عام مكشوف.

في الفقرة الثالثة من المادة (1) ذكر أنه يجب أن يحدد في الإشعار مكان وزمان وهدف الاجتماع، وهو أمر يتعارض مع الحرية التي منحها قانون الاجتماعات العامة رقم (12) لمنظمي الاجتماع، حيث تم الاكتفاء بذكر مكان وزمان الاجتماع في الإشعار الكتابي الموقع، وذلك لتنظيم حركة المرور.  

وفي المادة (3) تم إعطاء صلاحيات لمدير الشرطة تتعلق بطلب الاجتماع مع منظمي الاجتماع أو المسيرة، لبحث هدف وموضوع الاجتماع أو المسيرة ومكانهما وزمانهما ومدتهما، وهذه الصلاحيات تتعارض أيضاً مع حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، ومع المادة (2) من قانون الاجتماعات العامة رقم (12) الذي يعطي "للمواطنين الحق  في عقد الاجتماعات العامة والندوات والمسيرات بحرية، ولا يجوز المس بها أو وضع القيود عليها إلا وفقاً للضوابط المنصوص عليها في هذا القانون".

والمادة (4) من المرسوم  تذكر أنه يجب أن يراعى أن " لا يتعارض هدف الاجتماع أو المسيرة مع القانون والنظام العام"، وهذه العبارة قابلة للتفسير والتأويل بأكثر من طريقة، فما المقصود بالقانون أو بالنظام العام؟!، وهذا يتيح لمدير الشرطة أن يمنع قيام مسيرة أو اجتماع عام بدعوى تعارضها مع القانون والنظام، حسب رأيه ووجهة نظره.

وفي المادتين (6) و (7) يعطي الحق لرجال الشرطة بالتدخل لإنهاء الاجتماع أو المسيرة، وتفريق المشاركين في حال خروج الاجتماع أو المسيرة عن الغرض المحدد، أو في حال حدوث أعمال شغب تهدد سلامة المواطنين، ولكنه لم يحدد الآلية التي يجب على رجال الشرطة اتباعها في التعامل مع المجتمعين أو المتظاهرين، ويعطي لرجال الشرطة مطلق الصلاحية في طريقة تفريق المتظاهرين أو المجتمعين.

أما المادة (9) من اللائحة التنفيذية فتؤكد أنه "يجب على منظمي الاجتماع أو المسيرة مراعاة أحكام المرسوم الرئاسي رقم 3 لسنة 1998 بشأن تكريس الوحدة الوطنية ومنع التحريض"، وهذه المادة هي الأخطر بين مواد اللائحة، إذ أن المرسوم الرئاسي رقم 3 الذي ذكرته هذه المادة قد أثار جدلاً ونقاشاً كبيرين بسبب الغموض الذي يكتنفه، وبسبب عدم قدرته على ترسيخ الحق في حرية الرأي والتعبير، فمن جملة الأفعال غير المشروعة الواردة في مادة المرسوم الأولى والتي يعاقب عليها القانون، التحريض على التمييز العنصري، استعمال العنف أو التحريض على العنف الذي يضر بالعلاقات مع الدول الشقيقة والأجنبية، تشكيل الجمعيات غير المشروعة، والتحريض على خرق الاتفاقيات التي تعقدها منظمة التحرير مع الدول الشقيقة أو الأجنبية.

وكما هو واضح فإن هناك العديد من التعابير الضبابية والغامضة، فما هو المقصود ب" التحريض على خرق الاتفاقيات التي تعقدها منظمة التحرير الفلسطينية مع دول شقيقة أو دول أجنبية"، هل المقصود جميع الاتفاقيات التي عقدتها المنظمة منذ تأسيسها في يناير 1965، والتي لا علم للمواطن العادي بها، ومن الجائز أن ينتهك المواطن إحدى هذه الاتفاقيات دون علم أو دراية؟، إضافة إلى ذلك فإن المرسوم يثير جدلاً قانونياً يتعلق بسريان الاتفاقيات التي ينص عليها، فكما هو متعارف عليه فإن أي اتفاق تتوصل له دولة مع دولة أخرى لا يصبح ساري المفعول محلياً وجزءً من القانون المحلي إلا إذا أقر من قبل السلطة التشريعية.  وبالنسبة للاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية، فإن المجلس التشريعي أو المجلس الوطني لم يصادقا على أي منها، وبالتالي فمن غير الممكن أن تصبح جزء من القانون المحلي، ويصدر بشأنها قرارات ومراسيم.  كما أن المرسوم لم يحدد ما هي الحدود التي تفصل بين موقف سياسي ناقد أو رافض للاتفاقيات وما بين التحريض، فهل يعتبر تبني موقف سياسي ناقد أو رافق للاتفاقيات المرحلية شكلاً من أشكال التحريض؟، ومن الذي يمتلك الحق في تحديد ذلك، السلطة الوطنية أم إسرائيل.

وكما هو واضح فإن مطالبة المادة(9) من اللائحة التنفيذية بضرورة مراعاة أحكام ذلك المرسوم، يعني ضمنياً مطالبتها بضرورة الالتزام بنصوص قابلة للتفسير بأكثر من شكل، مما سيعطي السلطة التنفيذية الصلاحية لتحديد" مدى مراعاة منظمي الاجتماع" لأحكام ذلك المرسوم، وبالتالي امتلاك القدرة على منع قيام أي اجتماع عام، إذا رأت أي ضرورة لذلك، حسب تفسيراتها الخاصة لمفهوم تلك " الضرورة"، وهذا يظهر أن الأساس أصبح منع قيام الاجتماعات العامة، والاستثناء هو السماح بقيامها، وهذا يتناقض بشكل صارخ مع الفلسفة التي استند عليها القانون رقم 12 لسنة 1998 بشأن الاجتماعات العامة والتي كان منع قيام اجتماع بموجبها هو الاستثناء.

وجاءت المادة (11) من اللائحة التنفيذية لتؤكد على التحليل السابق، فهذه المادة تنص على أن " يكون رد الشرطة على الإشعار المشار إليه في المادة (1) من هذه اللائحة على شكل ترخيص مكتوب، وفق صيغة يقررها مدير عام الشرطة، يسلم باليد لمقدم الطلب ويتضمن
أ. اسم مقدم الإشعار.
ب.موضوع الاجتماع أو هدف المسيرة.
جـ.. مكان الاجتماع ومدته.
د. مكان تجمع المسيرة وخط سيرها ومدتها.
هـ..الشروط والضوابط الأمنية التي يقدرها مدير الشرطة لتوفير الحماية للاجتماع أو المسيرة بما يضمن حماية الجمهور والسلامة العامة.
و. أية شروط أخرى".

فبعد أن كان الحديث يدور عن مجرد إشعار يقدم لمدير الشرطة لإبلاغه بالنية بالقيام باجتماع عام، بدون ربط مسألة قيام ذلك الاجتماع بموافقة أو عدم موافقة مدير الشرطة، أصبح الحديث يدور عن ترخيص للاجتماع العام.  كما أن الترخيص سوف يتضمن _من بين أمور أخرى_ "موضوع الاجتماع أو هدف المسيرة".  وهو الأمر الذي يمتلك مدير الشرطة الصلاحية المطلقة في تحديده وتقريره.  وإذا أخذ بعين الاعتبار ما جاء في المادة التاسعة فيما يتعلق بضرورة" مراعاة أحكام المرسوم الرئاسي رقم 3 لسنة1998 بشأن تكريس الوحدة الوطنية ومنع التحريض"، فإنه من الممكن أن لا يسمح مدير الشرطة بعقد الاجتماعات العامة تحت مبرر عدم مراعاة مواضيع تلك الاجتماعات أو أهداف المسيرات لأحكام ذلك المرسوم استناداً لتفسيراته الخاصة، وإلى امتلاكه للسلطة المطلقة في تحديد مدى مراعاة أغراض الاجتماع أو أهداف المسيرة لأحكام ذلك المرسوم.

وبناءً على كل ما تقدم فإن اللائحة التنفيذية بشأن قانون الاجتماعات العامة لم تكن بأفضل حال من إعلان مدير الشرطة القاضي بمنع الاجتماعات العامة بدون ترخيص، فهي جاءت لتنسف الأساس الفلسفي للقانون رقم (12) بشأن الاجتماعات العامة والذي تمحور حول فكرة السماح لتلك الاجتماعات كأساس، والمنع كاستثناء، وإثر صدور اللائحة التنفيذية أصبح منع تلك الاجتماعات هو الأساس، والسماح بقيامها هو الاستثناء.

وفي الواقع فإن الحديث عن ممارسة الحق في التجمع السلمي لا يقتصر فقط على استعراض العوائق المادية أو القانونية، بل يتعداها ليتناول ممارسات السلطة الوطنية الفلسطينية و انتهاكاتها، الخاصة باعتقال أو إطلاق النار على المواطنين على خلفية ممارستهم لذلك الحق.


3. تفريق المشاركين في تجمعات سلمية بالقوة

قامت الأجهزة الأمنية بمنع التجمعات السلمية، منتهكة بذلك حق المواطنين في ممارسة هذا الحق الذي تكفله لهم التشريعات المحلية، وأدى تدخل الأجهزة الأمنية لفض هذه التجمعات إلى عدد من الوفيات والإصابات في جموع المتجمهرين، نتيجة استخدام الأجهزة الأمنية للأسلحة النارية بشكل مخالف للقانون، ففي الساعة الواحدة من ظهر يوم الأحد الموافق 21 مايو 2000 قام جنود من الأمن الوطني الفلسطيني بمنع مجموعة من الشبان، يبلغ عددهم حوالي 75 شخصاً من التوجه إلى مفترق الشهداء، وذلك لمنعهم من التظاهر أمام الموقع العسكري الإسرائيلي، وذلك تضامناً مع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.  وإثر ذلك قام الشبان بإلقاء الحجارة على رجال الشرطة، ومنع سيارتهم القادمة من غزة من المرور من شارع صلاح الدين، كما قاموا بكسر سيارة تابعة لعقيد في السلطة الفلسطينية، الذي قام بدوره باستدعاء شرطة حفظ النظام، حيث حضرت ثلاث سيارات شرطة إلى المكان، فهرب الشبان ولكن أفراد الشرطة قاموا بمطاردتهم، وتم اعتقال أحد المشاركين، ويدعى كامل الرز، 19 عاماً.  وقام أفراد الشرطة بضربه بأرجلهم وبالهراوات حتى أغمي عليه، ولم يستيقظ إلا في عيادة الخدمات الطبية في مقر الشرطة بغزة، وفي جبهته اليسرى ثلاث غرز.  بعدها حضر أفراد الشرطة واصطحبوه لمقابلة العميد طلال أبو زيد مسؤول المباحث الجنائية، حيث قام بالتحقيق معه وسؤاله حول انتمائه السياسي، وإن كانت له علاقة بحركة المقاومة الإسلامية حماس، وكلما كان ينكر علاقته بحماس كان أحد أفراد الشرطة يقوم بضربه بهراوة على أنحاء مختلفة من جسمه، واستمر ذلك ما يقرب من عشرين دقيقة، بعدها احتجزوه في زنزانة فيها تجار ومعتقلون بقضايا مخدرات، واستمر احتجازه حتى ظهر الخميس الموافق 1 يونيو .
وفي الساعة الثانية فجر يوم الثلاثاء الموافق 24 يوليو 2001 قامت مجموعة مجهولة الهوية بالنداء عبر مكبرات الصوت في شوارع مخيم النصيرات، أن الشرطة الفلسطينية قامت باعتقال عدد من أفراد المقاومة الشعبية، ودعت المجموعة المواطنين للخروج إلى الشوارع في مسيرة احتجاجية على ممارسات السلطة الفلسطينية، وقيام عناصر من المخابرات العسكرية بإطلاق النار على ثلاثة أفراد من المقاومة الشعبية، بعد أن قاموا بإطلاق قذائف الهاون على مستوطنة أشدروت الإسرائيلية، وذلك يوم الأحد الموافق 22 يوليو.  خرج شبان المخيم يتأججون غضباً لدى سماعهم بأمر الاعتقال، حيث بلغ عددهم ما يقرب الـ 700شخص، وبعد أن جابوا شوارع المخيم توجهوا إلى مخيم البريج، فازداد عددهم إلى حوالي الألف شخص، دخلوا إلى مركز شرطة المخيم وقاموا بتكسير أثاثه، وبعدها توجهوا إلى شارع صلاح الدين وقاموا بإشعال الإطارات وإقامة المتاريس الحجرية على الطريق، وواصلوا السير إلى أن وصلوا لمركز شرطة المعسكرات الوسطى على الطريق العام، وقاموا بإلقاء الحجارة والزجاجات الفارغة على أفراد الشرطة المتواجدين في المكان، كما قاموا بإحراق سيارة تابعة لأحد أفراد الشرطة، فقام أفراد الشرطة بإطلاق الرصاص في الهواء وضرب المتظاهرين بالهراوات وإلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع.  مما أدى إلى إصابة ستة من المتظاهرين أحدهم بعيار ناري، والآخرون بكدمات وضربات في أنحاء متفرقة في الجسم، ولكن الشرطة لم تستطع السيطرة على الموقف فطلبت تعزيزات، وما إن حضرت هذه التعزيزات حتى قامت بتفريق المتظاهرين والسيطرة على الأحداث . 

كما منعت قوات الشرطة الفلسطينية بتاريخ 30 سبتمبر 2001 طلاب مدرستي عبد الفتاح الثانوية و يافا الإعدادية من التظاهر تضامناً مع الشهيد محمود الصواف، أحد طلاب مدرسة يافا الإعدادية، مستخدمة الهراوات والغاز المسيل للدموع، وكانت قوة قوامها 70 شرطيا من قوات التدخل السريع وحفظ النظام قد حضرت إلى منطقة يافا في محاولة لتفريق الطلبة ومنع تظاهرهم، وعندما حاول أفراد الشرطة التدخل حصل تدافع بالأيدي بين الطلبة ورجال الشرطة، تطور إلى رشق رجال الشرطة بالحجارة، من قبل الطلاب المتواجدين، فاستخدمت قوات الشرطة الهراوات وقنابل الغاز المسيل للدموع، أصيب جراء ذلك أكثر من ثماني أطفال بحالات إغماء، وحوالي ثلاث سيدات، فضلاً عن شرطي أصيب بحجر، وقد انتشر الغاز في المنطقة المكتظة بالسكان، حيث أصيب عدد من المواطنين بحالات إغماء وهم في بيوتهم . 
وفي حادثة أخرى وثقها المركز، خرج مئات الطلاب من حرم الجامعة الإسلامية، صباح الاثنين الموافق 8 أكتوبر2001، في مسيرة سلمية احتجاجاً على القصف الأمريكي لأفغانستان، كان مقرراً أن تصل إلى مقر المجلس التشريعي الفلسطيني، إلا أن الشرطة الفلسطينية تصدت للمشاركين ومنعتهم من استكمال طريقهم، الأمر الذي تحول إلى أعمال شغب، قام فيها عدد من المشاركين برشق الحجارة باتجاه أفراد الشرطة، ورد أفراد الشرطة بالاعتداء على عدد من المشاركين بالهراوات، وأطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريقهم، فيما شوهد عدد من أفراد الشرطة يطلقون النار في الهواء.  وأسفرت الأحداث عن مقتل اثنين من المتظاهرين، أحدهما الشاب يوسف عقل 19 عاماً من النصيرات، وقد أصيب بعيار ناري في الصدر، والآخر الطفل عبد الله الإفرنجي 14 عاماً من حي الصبرة في غزة، وهو طالب في مدرسة الزيتون الإعدادية، وقد أصيب بعيار ناري في الرأس.  كما أصيب عدد من المتظاهرين بأعيرة نارية، إصابة أحدهم خطيرة حيث أصيب بعيار ناري في الرأس، إضافة إلى إصابات بين عشرات المواطنين، بينهم أطفال وطلبة مدارس تتواجد في المنطقة القريبة من مكان المواجهات، بحالات اختناق جراء استنشاقهم للغاز المسيل للدموع.  وأصيب أكثر من ثلاثين من أفراد الشرطة بالحجارة، وأحرق المتظاهرون سيارة حكومية واعتدوا على ممتلكات عامة وخاصة وأضرموا النار في مكاتب سلطة الطيران الفلسطينية.  وقد أصدرت قيادة الشرطة الفلسطينية ثلاث بيانات صحفية متتالية، وقد ذكرت في آخر بياناتها أن بعض الملثمين من داخل الجامعة الإسلامية قاموا بإطلاق النار بغزارة على رجال الشرطة الفلسطينية المتواجدين بالقرب من الجامعة، مما أدى إلى إصابة أحد أفرادها في رأسه.  ولم تؤكد هذا الأمر أية مصادر محايدة، ووفقاً لباحثي المركز الفلسطيني الذين راقبوا الأحداث عن كثب، فإنه لم يتم إطلاق نار من داخل الحرم الجامعي . 

وفي 21 أكتوبر 2001 انطلقت مسيرة حاشدة في موكب لتشييع جثمان الفتى محمود المقيد ، إلى مثواه الأخير من مسجد عز الدين القسام في مشروع إسكان بيت لاهيا، وذلك فور انتهاء صلاة الجمعة.  ووصل المشيعون إلى وسط مخيم جباليا حيث التقوا مع مسيرة أخرى نظمتها حركة حماس في منطقة غير بعيدة عن مركز شرطة جباليا، ومقرات الأجهزة الأمنية المحاذية له.  وذكر باحثوا المركز أن أكثر من عشرة آلاف شخص شاركوا في هذا الحشد الجماهيري، بينهم عدد من المسلحين.  وسرعان ما تدهورت الأوضاع، في ظل حالة التوتر الشديدة في صفوف المشيعين، وحالة التأهب والاستعداد من قبل رجال الأمن الفلسطينيين الذين شوهد عدد منهم يأخذون مواقعهم على أسطح عدد من المنازل السكنية القريبة من مركز الشرطة وفوق سطح مقر جهاز الأمن الوقائي المجاور.  وكان بين المصابين الفتى عبد العزيز السويركي، 17 عاماً من مخيم جباليا، حيث أصيب بعيارين ناريين، أحدهما في الظهر واخترق الكلية، والعيار الآخر في الساق اليسرى، وقد توفي في مستشفى الشفاء في وقت لاحق، بعد فشل الجهود الطبية لإنقاذ حياته. كما نقل إلى مستشفى الشفاء أيضاً الفتى زكريا حسن النواجحة، 15 عاماً من مشروع بيت لاهيا، الذي أصيب بعيار ناري في الصدر وأعلن عن وفاته متأثراً بجراحه.  وعند الساعة الثانية من بعد ظهر نفس اليوم، وبعد وقت قصير من محاولات التهدئة، تجددت المواجهات في محيط مركز شرطة جباليا وتطورت إلى تبادل لإطلاق النار بين أفراد من الأجهزة الأمنية الفلسطينية الذين أخذوا مواقعهم فوق إحدى البنايات السكنية وبين عدد من المسلحين.  وسقط خلال هذه المواجهات أربعة آخرين من الفتية والأطفال، وهم :خليل عبد اللطيف الصيفي، ويبلغ 17 عاماً من مخيم جباليا.  وحبيب نايف رضوان، 14 عاماً من مخيم جباليا.  ومحمد رياض أهل، 16 عاماً من حي الدرج في غزة.  وعبد الكريم عوني الأشقر، 17 عاماً من منطقة التوام في جباليا .

في الساعة العاشرة من مساء الأربعاء الموافق 5 ديسمبر2001، توجهت قوة من جهاز المخابرات العامة إلى منزل الشيخ أحمد ياسين في منطقة جورة الشمس في مدينة غزة، حيث أبلغ بقرار وضعه تحت الإقامة الجبرية.  وتمركزت قوة من أفراد المخابرات أمام المنزل، وبدءوا في التدقيق في بطاقات المارة ومنعوا دخول أي مواطن إلى منزل الشيخ ياسين باستثناء أفراد عائلته وأقربائه.  وفي حوالي الساعة الحادية عشر مساءً، بدأ أنصار حركة حماس بالنداء عبر مكبرات الصوت بدعوة المواطنين للتوجه إلى منزل الشيخ ياسين.  وسرعان ما بدأ أنصار حركة حماس في الوصول إلى محيط المنزل، في مجموعات صغيرة قادمة من الأحياء السكنية المجاورة (الزيتون، الصبرة، الدرج، الشجاعية، مخيم الشاطئ).  وكانت تعزيزات أمنية قد وصلت إلى المكان ومنعت المواطنين من الدخول إلى المنزل، مما أدى إلى احتكاكات ومشاحنات محدودة بين الجانبين تخللها رشق بالحجارة.  و عند منتصف الليل سمعت أصوات إطلاق نار في الهواء كان مصدرها كلاً من أفراد الشرطة الفلسطينية، وأكثر من عشرين مسلحاً من أنصار حركة حماس تواجدوا في المنطقة.  وامتدت الأحداث إلى مناطق متفرقة من مدينة غزة عدا عن محيط منزل الشيخ ياسين، حيث اصطدم متظاهرون مع أفراد الشرطة في شارع عمر المختار وحطموا النوافذ الزجاجية لإحدى سيارات الشرطة، فضلاً عن إحراق سيارتي شرطة في محيط منزل الشيخ ياسين.  وذكرت الشرطة الفلسطينية أن ثلاثة من أفرادها قد أصيبوا بالرصاص، غير أنه وفقاً لمصادر طبية في مستشفى الشفاء في غزة، فقد وصل إلى المستشفى المذكور أربعة مصابين لم يكن أي منهم من أفراد الشرطة، ثلاثة منهم أصيبوا بالحجارة أو نتيجة السقوط أرضاً أثناء التدافع.  أما المصاب الرابع فكان الشاب محمد سلمي الذي أعلن عن وفاته صباح اليوم التالي نتيجة إصابته بعيار ناري في المثانة، أثناء تواجده بالقرب من منزل الشيخ ياسين.  وظلت أصوات إطلاق النار تسمع حتى الساعة الثالث من فجر يوم الخميس، حيث خرج الشيخ ياسين وخاطب أنصاره وطلب منهم مغادرة المكان بهدوء والعودة إلى منازلهم.  وبالفعل بدأ المتواجدون بمغادرة المكان.  إلا أن الأحداث استمرت في أنحاء مختلفة من المدينة حتى حوالي الساعة الرابعة فجراً .

في مساء 7 أكتوبر 2002 اندلعت مواجهات في مخيم النصيرات بين أفراد من الشرطة الفلسطينية وعدد من المتظاهرين الذين رشقوا مركزاً للشرطة بالحجارة.  وعلم المركز أن تبادلاً لإطلاق النار وقع بين أفراد من الشرطة وعدد من المسلحين.  ونقل إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح 16 مصاباً، بينهم أربعة من أفراد الشرطة.  وذكرت مصادر طبية في المستشفى أن اثنين من المصابين فارقا الحياة متأثرين بجراحهما، وهما كل من: محمد أبو طعيمة، 21 عاماً حيث أصيب بعيار ناري في الرأس.  وعيسى موسى الأحول، 20 عاماً، الذي أصيب بعيار ناري في الصدر .    









البـــاب الثالث
أسباب انتهاكات السلطة الوطنية الفلسطينية للحق في حرية الرأي والتعبير، والتجمع السلمي



اتفاقيات التسوية المرحلية.

عدم تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات.

عدم تطبيق القانون.

تنازع السلطات بين عدة جهات.

ضعف أداء نقابة الصحفيين.
 
اتفاقيات التسوية المرحلية
 
تعتبر اتفاقيات التسوية المرحلية التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل مليئة بمضامين ذات أبعاد غير ديمقراطية، وكانت من ضمن القيود التي فرضتها إسرائيل لإعاقة المسار الديمقراطي الفلسطيني تلك القيود المتعلقة بحرية الرأي والتعبير والتنظيم.  فقد أكدت المادة12 من اتفاقية القاهرة التي وقعها الطرفان في مايو 1994، على أن إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية سوف تعملان على منع التحريض والدعاية العدائية والإرهاب. 
كما جاءت اتفاقية طابا الموقعة في واشنطن بتاريخ 28 سبتمبر 1995 لتؤكد على ذلك، فاستناداً للفقرة 1 من المادة 22 يجب على الجانبين السعي "لتعزيز التفاهم المتبادل والتسامح وبالتالي الامتناع عن التحريض، بما فيها الدعاية العدائية، ضد بعضها البعض، وبدون الانتقاص من مبدأ حرية التعبير، وسوف يأخذان الإجراءات القانونية لمنع تحريض كهذا من قبل أي من المنظمات، الجماعات أو الأفراد ضمن ولايتيهما"، وتمتاز هذه الفقرة بالكثير من الغموض، فما هي النشاطات التي يمكن إدراجها تحت بند" الدعاية العدائية" أو التحريض، ومن الذي يمتلك صلاحية تحديد ذلك، كما أنه لم يوضح المقصود بمبدأ حرية التعبير؟ هل هو فقط ما يتعلق بالتفاهم المتبادل والتسامح؟ وهل كل ما يخرج عن هذا الإطار يعتبر دعاية عدائية وتحريضاً.
كما نصت الفقرة 2 من نفس المادة على أن الطرفين سيضمنان " بأن تساهم الأنظمة التعليمية الخاصة بهما في السلام بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، والسلام في المنطقة عامة.  وسوف تمتنعان عن التقدم بأية مواضيع يمكن أن تؤثر بشكل سلبي على مسيرة المصالحة"، وبالرجوع إلى الفقرة 1 من نفس المادة فإن أي منهاج أو طرق تعليمية تعبر عن وجهة نظر معارضة أو ناقدة للاتفاقيات تعتبر شكلاً من أشكال التحريض والدعاية العدائية.   وبما أن الجانب الفلسطيني ملتزم بهذه الاتفاقيات، فإن أي تشريع يتعلق بحرية الرأي والتعبير يجب أن ينسجم مع أحكام وبنود هذه الاتفاقيات.

كما تجدر الإشارة إلى اتفاق واي ريفر، الموقع في واشنطن بتاريخ 23 أكتوبر 1998، حيث يعتبر هذا الاتفاق الأسوأ على الإطلاق، مقارنة بالاتفاقيات السابقة، وبأبعاده السياسية والأمنية والاقتصادية، وما يعنينا هنا في هذه الإتفاقيه هو الجانب الذي رسخ لانتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني، خاصة إذا علمنا أن المرسوم الرئاسي رقم 3 لمنع التحريض، والمشار إليه سابقاً، جاء في إطار التزامات السلطة في اتفاق واي ريفر.  الجانب المتعلق بالإجراءات الأمنية يلزم السلطة الوطنية الفلسطينية بمكافحة الإرهاب والعنف ضد الطرفين، دون تحديد تعريف واضح للمقصود بالإرهاب، المختلف على تعريفه دولياً، فهل تعتبر حركات التحرر الوطني حركات إرهابية؟، وهلل يعتبر المقاومون إرهابيون؟!. كما تم تخصيص بند مستقل لمنع التحريض، ألزم فيه السلطة الوطنية بإصدار مرسوم يحظر أي نوع من أنواع التحريض، كما تقرر تشكيل لجنة ثلاثية أمريكية-إسرائيلية-فلسطينية، تقوم بمتابعة "حالات التحريض المحتمل على العنف أو الإرهاب".

وعلاوة على ذلك فقد ساهم هذا الاتفاق في تهميش سيادة القانون، وتهميش عمل السلطتين القضائية والتشريعية، وذلك من خلال تجاهله للقوانين الفلسطينية المقرة من قبل المجلس التشريعي، والمعمول بها في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، فرغم إقرار المجلس التشريعي لقانون الأسلحة والذخائر، إلا أنه تم تجاهل هذا القانون، حيث صدر مرسومين رئاسيين بشأن الأسلحة غير القانونية، إثر التوقيع على هذه الاتفاقية.  وهذه المراسيم تثير جدلاً واسعاً حول قانونيتها وشرعيتها، فكما هو متعارف عليه فإن أي اتفاق تتوصل إليه دولة مع دولة أخرى، لا يصبح ساري المفعول محلياً وجزءاً من القانون المحلي إلا بعد إقراره من السلطة التشريعية، وبالنسبة لهذه الاتفاقيات فإن أياً منها لم يعرض على المجلس التشريعي الفلسطيني أو على المجلس الوطني للمصادقة عليه، وبالتالي فمن غير الممكن أن تصبح جزء من القانون المحلي ويصدر بشأنها قرارات ومراسيم.     
 
وبطبيعة الحال فإن هذه البنود التي تقيد حرية الرأي وتلزم السلطة الوطنية الفلسطينية بالقيام بتجاوزات وخروقات واضحة لأهم الأعراف والمواثيق الدولية، ولأهم معايير الديمقراطية، تخدم إسرائيل بشكل كبير، وهذا في الحقيقة هو ما سعت له، وليس أدل على ذلك من تصريحات رابين، التي أوردتها صحيفة "يديعوت أحرنوت" في عددها الصادر بتاريخ 7 سبتمبر 1993 حيث قال" إنني أفضل أن يقوم الفلسطينيون بحفظ النظام(الأمن) في قطاع غزة، وسيكون الفلسطينيون أفضل منا في هذا الصدد، لأنهم لن يسمحوا باستئنافات قضائية إلى المحكمة العليا، وسيمنع الفلسطينيون المنظمة الإسرائيلية للحقوق المدنية(بتسيلم) من نقد الأوضاع في غزة، وذلك بمنع هذه المنظمة الحقوقية المدنية من دخول القطاع، وسيحكم الفلسطينيون بأساليبهم الخاصة وبذلك يعفون الجيش الإسرائيلي من هذا الواجب".  كما أن إسرائيل أكدت مراراً وبشكل علني أنها سوف تتخلى عن اتفاقيات التسوية إذا استطاعت قوى المعارضة مثل التيارات الإسلامية أن تعتلي سدة الحكم في الأراضي الفلسطينية، وهذا يعتبر بمثابة أمر تحريضي لقمع حرية التنظيم والحركة السياسية في الأراضي الفلسطينية.


عدم تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات
إن تحديد حدود السلطة السياسية والفصل بين السلطات الأساسية الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، من أهم سمات ومقومات نظام الحكم الديمقراطي، الذي يعتبر وسيلة لحفظ حقوق المواطنين المختلفة، ويعطي شرعية للنظام الحاكم.  وكما يرى الدكتور جميل هلال، فإنه من الصعب إرساء قواعد أسس الديمقراطية دون وجود هذه السلطات المحددة التي تحسم "احتكار حق استخدام العنف في المجتمع، وتأسيس إطار لاتخاذ القرارات الخاصة بالحياة العامة" .  وفي حال غياب هذا الفصل، وغياب هذه المؤسسات بمعناها الفعلي، وتركز الحكم بيد شخص واحد أو مجموعة محدودة العدد، وتم الاعتماد على المقربين، والعلاقات الشخصية في تسيير شؤون الدولة والمواطنين، بدلاً من اللجوء إلى التكنوقراط والمؤسسات المؤهلة، دون خوف من حكم قانون، أو حجب ثقة السلطة التشريعية، فإن الشعب سيعيش حالة اغتراب سياسي بسبب حرمانه من أبسط حقوقه، وتهميش دوره في المشاركة السياسية و الاجتماعية وكل مناحي الحياة، وفي سبيل ذلك يعمل النظام الحاكم على الاعتماد على جهاز الأمن الداخلي، فيتم تدريبه وزيادة عدد أفراده ووظائفه، حيث تتعدى وظيفته حفظ الاستقرار والنظام إلى القمع والترهيب.

وفي وضعنا الفلسطيني، فإن هناك غياباً واضحاً لمبدأ الفصل بين السلطات، فالسلطة التنفيذية اختزلت هذه السلطات داخلها، "وقد أدت السلطة الكرزمية والإرث التاريخي والمكانة الرمزية التي يتمتع بها الرئيس إلى اختزال عملية المأسسة السياسية إلى أدنى مستوياتها الشكلية، وحل مكانها نظام سياسي قائم على الزبائنية.  وشجع ذلك بروز مراكز قوى شخصانية، سياسية وأمنية، تتآلف وتتصارع ضمن رحى المعركة المستترة، ولكن المستعرة" ، وقد أدى هذا إلى إلغاء دور السلطتين الأخريين، فالسلطة التنفيذية تأمر بالاعتقال وبالإفراج، بإغلاق مؤسسات وأحزاب وتعطي تراخيص بفتح أخرى، رغم أن هذا ليس ضمن نطاق صلاحياتها.

وقد نتج عن عدم الرسمية في صنع القرار، تهميش واضح لدور مؤسسات أخرى، وإلغاء دورها الفعلي، كما أدت إلى إضعاف سيادة القانون، الذي تظهر حالات الانتهاكات التي تعرض ويتعرض لها الصحفيون، والمؤسسات الإعلامية البحثية، والأحزاب والشخصيات السياسية الحزبية وغير الحزبية، أنه مهمش بشكل كلي ولا يطبق.  ورغم التحفظات على عدد من بنود القوانين المتعلقة بحرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، إلا أنه لو تم العمل بهذه القوانين وتطبيقها لكان حال الحريات أفضل مما هو عليه. 

وإضافة إلى عدم الفصل بين السلطات الثلاث فإن هناك تنازع بين الوزارات والهيئات الحكومية على الصلاحيات، وذلك راجع لعدم تحديد وظيفة ودور كل جهة، ولتجاهل السلطة التنفيذية لأهمية عدم تداخل الصلاحيات والسلطات،  ففي 12 فبراير 1996 تم إنشاء الهيئة العامة للاستعلامات، بناءً على قرار رئاسي، وتشرف الهيئة على عمل الصحفيين الأجانب، القادمين إلى أراضي السلطة الفلسطينية، عن طريق إعطائهم بطاقات صحفية لتسهيل عملهم، وعمل الهيئة العامة للاستعلامات يتعارض مع عمل وزارة الإعلام، فالوزارة هي الجهة الرسمية المسؤولة عن العمل الصحفي، بجميع أشكاله، حتى لو كان يتعلق بصحفيين ومراسلين أجانب.  وإضافة إلى هذا النزاع، فإن هناك نزاع بين وزارة الإعلام من جهة ووزارتي الداخلية والاتصالات من جهة أخرى، ويرى الصحفي عارف حجاوي مراسل إذاعة الـBBC  والمدرس في دائرة الصحافة والإعلام في جامعة بيرزيت أن سبب ذلك هو سياسي، لأن حقيبة الإعلام منحت لياسر عبد ربه وهو ليس من حزب السلطة - فتح-  . 

كما أن جهاز الشرطة الفلسطينية الضخم، بمختلف أذرعه، والذي يتكون من قوات عسكرية وأفراد تم تجنيدهم بسرعة، دون أن يتلقوا تدريباً كافياً على العمل الشرطي الحرفي المختلف عن عمل الأجهزة الفدائية ، وجهاز الكفاح المسلح الذي كان قائماً طوال فترة النضال الفلسطيني، يقوم بالتصرف بلا رادع من قانون أو تحديد صلاحيات، حيث يداهم ويفتش أفراده أماكن السكن والعمل دون إذن تفتيش، كما يتم اعتقال واحتجاز مواطنين دون إبراز إذن اعتقال أو حتى توضيح سبب الاعتقال، ويتعامل أفراد الشرطة مع المواطنين على اعتبار أنهم سلطة فوق القانون، يمارسون شتى أنواع الانتهاكات والقمع.  ويتنافسون فيما بينهم على إبراز الولاء لرأس هرم السلطة التنفيذية .  وهذه الإعتقالات التي تتم خارج القنوات القانونية اللازمة تعتبر مخالفة للمادة رقم 29 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 3 لسنة 2001، والتي تنص على أنه " لا يجوز القبض على أحد أو حبسه إلا بأمر من الجهة المختصة بذلك قانوناً، كما تجب معاملته بما يحفظ كرامته، فلا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً".  كما أن المعتقلين الذين يتم اعتقالهم لا يعرضوا على النيابة العامة، وذلك يشكل مخالفة صارخة للمادة 34 من القانون المذكور حيث تنص هذه المادة على ضرورة" إرسال المقبوض عليه خلال 24 ساعة إلى وكيل النيابة"، كما لا يتم عرض هؤلاء المعتقلين على قاض ليمدد فترة توقيفهم رغم انقضاء 24 ساعة على اعتقالهم، وهذا يشكل انتهاكاً للمادة 108 من نفس القانون. وعلاوة على ذلك فإن رجال الشرطة المنوط بهم تطبيق القانون، يستخدمون القوة والأسلحة النارية دون وجود مبرر لذلك، وهذا يعتبر انتهاكاً للقوانين والأنظمة المتعلقة بعمل الشرطة، الصادرة عام 1963 والمعمول بها في أراضي السلطة الوطنية.  كما أنه يعتبر انتهاكاً للمدونة الخاصة بقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون الصادرة عن الجمعية العامة في ديسمبر من عام 1979، حيث تنص المادة 2 من المدونة على ضرورة أن" يحترم الموظفون المكلفون بإنفاذ القانون، أثناء قيامهم بواجباتهم، الكرامة الإنسانية ويحمونها، ويحافظون على حقوق الإنسان لكل الأشخاص ويوطدونها"، والمادة 3 تنص على أنه" لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى، وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم". 

عدم احترام سيادة القانون

وظيفة السلطة أو النظام الحاكم، هو تنظيم المجتمع بشكل يحقق التوازن بين واجبات المواطنين وحقوقهم، ووظيفة القانون التعبير عن ظهور السلطة من المجتمع بدلاً من انشقاقها وتعاليها عليه، كما أنه يعد دليل على تقدم المجتمع نحو الديمقراطية، وشرط من الشروط الأولية لبلوغ هذا الهدف.  فهو عبارة عن تشريع يوضح علاقة المواطن بالدولة على صعيد الحقوق والواجبات، وينظم علاقة السلطات فيما بينها، ويمنع تضارب مستوياتها.  ويعتبر القانون في الأنظمة الديمقراطية المجال الرئيسي الذي تتحدد فيه واجبات المواطن وحقوقه وحرياته داخل مجتمعه، من حقوق فكرية وسياسية تكفل للمواطن حرية الاعتقاد والتفكير واختيار الانتماء السياسي.  ومن الطبيعي فإنه لا يوجد مجتمع فيه حريات وحقوق بدون واجبات والتزامات . 

وفي حالتنا الفلسطينية فإن عدم تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات، وعدم وجود تحديد واضح للصلاحيات أدى إلى تهميش القانون، وتحجيم دور السلطة القضائية، حيث يعاني القضاة من الإهمال، ومن عدم تخصيص ميزانيات مطلوبة ولازمة بما يتوافق مع مكانة المناصب التي يشغلونها، كما هو متعارف عليه في مختلف أنحاء العالم، كما يعاني القضاة من تدخل السلطة التنفيذية المتكرر في تعيين القضاة، ومن تجاهل السلطة التنفيذية للأحكام الصادرة عن المحاكم ، ومما زاد الوضع سوءً إصدار مرسوم رئاسي في فبراير 1995، تم بمقتضاه تشكيل محكمة أمن الدولة العليا، حيث ضرب هذا القرار بعرض الحائط، مبادئ استقلال القضاء والفصل بين السلطات وسيادة القانون.

فهناك سلطة غير ديمقراطية، تمارس انتهاكاتها بغطاء ديمقراطي.  وهذا التناقض يجعل المجتمع يعيش حالة انتظار وترقب ليصبح هناك تطابق وتوافق بين شكل الديمقراطية ومضمونها المجتمعي، كما يجعله يعيش حالة من الخوف وعدم الاستقرار، وعدم الثقة بالسلطة القضائية، فالقانون مهمش، وأي جهة تستطيع أن تأخذ القانون بيدها، كما هو واضح في الحالات التي وثقها هذا التقرير، وهذا أثر بطبيعة الحال على العمل الصحفي والرسالة الإعلامية، فكما يرى السيد طلال عوكل مدير الإعلام الحكومي في وزارة الإعلام، فإن غياب القانون وعدم وجود حصانة تحمي الصحفي من الاعتداء الذي قد تمارسه جهات حكومية أو مجتمعية أدى إلى منع الصحفي من الكتابة بحرية ونقل الحدث كما هو بكل موضوعية ومصداقية.  كما يمنع أي مواطن من التعبير عن رأيه بحرية خوفاً من التعرض للمضايقة أو الاحتجاز أو الاعتقال .


ضعف أداء نقابة الصحفيين وعدم ترابط الجسم الصحفي

تعتبر النقابة الجسم الذي يجمع الأعضاء المنتمين والمنتسبين له، وتقع على كاهل النقابة دوراً كبير في تنظيم أعضاءها وعملهم، والانتصار لهم، ومؤازرتهم وقت الحاجة، وهذه الأمور بطبيعة الحال يفترض أن تنطبق على نقابة الصحفيين الفلسطينيين (رابطة الصحفيين العرب)، إلا أن الواقع عكس ذلك تماماً، فهناك شرخ واضح في الجسم النقابي الصحفي، ينعكس بدوره على العمل الصحفي الإعلامي، فإضافة إلى العوائق والحواجز المقيدة لحرية التنقل، التي يضعها الاحتلال أمام الفلسطينيين بشكل عام والصحفيين بشكل خاص، مما يجعل حتى اجتماع أعضاء الهيئة الإدارية للنقابة مستحيل، بسبب وجود مقر النقابة ورئيس النقابة في القدس، يلاحظ وجود خلل وعجز واضح لدى النقابة يمنعها من القيام بدورها، بسبب عدم وحدة هذا الجسم، ووجود تفرد واضح في اتخاذ القرارات، وتجاهلاً للتنسيق الإعلامي بين مقر النقابة في القدس وفرعها في غزة، حيث أصبحت مؤسسة بيروقراطية تفتقد للمهنية ولأصول العمل النقابي.

ساهمت تركيبة النقابة التي تعتمد على الانتماء الحزبي في إضعاف دورها، وفي تأمين سيطرة فصيل معين على النقابة .  وهذا بدوره انعكس على رد فعل النقابة في التعامل مع مشاكل الصحفيين، فكما أجمع عدد من الصحفيين فإن هناك تمييز في التعامل معهم حسب الخلفية والتوجه السياسي ، ويتم هذا التعامل بشكل شخصي، لا بشكل قانوني ورسمي .  فيما نفى ذلك نقيب الصحفيين السابق، وعضو هيئة إدارية في النقابة، الصحفي زكريا التلمس، حيث أكد أن حالة وطبيعة الانتهاك هي التي تفرض آلية التعامل .  وهذه الآلية تضعف سيادة القانون، كما أنها لا تعالج ولا تمنع تعرض الصحفيين للاعتداءات المختلفة، بل تزيدها سوءً، بسبب عدم وجود رادع للجهة التي يصدر عنها الانتهاك، وبسبب عدم إحساس الصحفي بالحماية والأمن.  

ومن المشاكل الهامة التي تعاني منها النقابة حصول عدد كبير من الأشخاص على عضوية النقابة دون أن يكون لهم علاقة بالعمل الصحفي، فلا هم يمارسون مهنة الصحافة، ولا هم يحملون شهادة جامعية بتخصص الصحافة.  علاوة على ذلك فإن بعض الحاصلين على عضوية النقابة يجمعون بين العمل الصحفي والعمل في مؤسسات السلطة، وكما يذكر زكريا التلمس، فأنه" لا يعقل أن تكون في مؤسسة هي في مواجهة دائمة لبعض سلوكيات السلطات، ثم تكون في إطار هذه السلطة، وضمن مسؤولية حكومية" .  ومما يزيد الأمر صعوبة هو عدم وجود تعريف واضح لمن هو الصحفي، ويرى عارف حجاوي أن الشهادة لا تعتبر مقياس لمدى كفاءة العاملين في حقل الصحافة، فرئيس التحرير يسأل ما هي قدراتك لا ما هي شهادتك. ويرى أن تعريف من هو الصحفي يعيدنا لدور النقابة التي يجب أن ترعى هذه المهنة وترقى بمستواها، ويقترح أن تقوم النقابة قبل منح العضوية بعمل امتحان كفاءة مثل نقابة الأطباء.  إضافة إلى ذلك فإن قانون النقابة الداخلي" متخلف ومصلحي"، بحسب الكاتب طلال عوكل ، أحد المشاركين في صياغة القانون.  كما أن اعتماد النقابة في تمويلها على الدعم الذي تتلقاه من السلطة الوطنية الفلسطينية، يؤثر على نزاهتها واستقلالها، وعلى جدية مواقفها تجاه الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون من قبل مؤسسات وأجهزة السلطة، وزاد ذلك من تهميش وإضعاف النقابة كعنوان وملجأ للصحفيين.     
 
البــــاب الرابع
الآثار الناتجة عن انتهاكات السلطة الوطنية الفلسطينية للحق في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي




الرقابة الذاتية.

إلغاء دور الصحافة كسلطة رابعة.

انتشار الأقاويل والشائعات.

 
الرقابة الذاتية وإشاعة مناخ من الخوف لدى الصحفيين

تعتبر الرقابة الذاتية من أهم الآثار الناتجة عن انتهاكات النظام الحاكم لحرية الرأي والتعبير، والرقابة بمفهومها العام هي " سياسة الحد من التعبير العام عن الأفكار والآراء والدوافع والمثيرات، التي يمكن أن يكون لها تأثير على تقويض السلطة الحكومية، أو تقويض النظام الاجتماعي والأخلاقي، الذي تعتبر السلطة أنها ملتزمة بحمايته"  .  أما الرقابة الذاتية فتعرف بأنها الرقابة التي يمارسها الصحفي على عمله، بدافع المسؤولية واحترام الآخرين، ولا يكون الدافع لوجودها قانونياً أو زجرياً، وهذا التعريف بطبيعة الحال، لا يعرف الرقابة الذاتية الموجودة لدى الصحفيين الفلسطينيين بشكل دقيق، فالرقابة الذاتية التي يمارسها الصحفي على عمله بدافع من الخوف والقلق من التعرض للمضايقة،  مرتبطة بأنواع شتى من الرقابة:
  
أ. الرقابة العشائرية والقبلية: تعتبر العشائر ومنطق القوة، هي الحكم الفاصل في العديد من القضايا، خاصة في ظل ضعف النظام القضائي، وغياب سيادة القانون، وانتشار مبدأ أخذ القانون باليد، مما يجعل الصحفي في خوف دائم من نشر تقارير وأخبار قد تثير استياء وغضب عائلة من العائلات، وهذا قد يعرض الصحفي للاعتداء عليه.

ب. الرقابة الحزبية:كما أن الأحزاب تمارس نوعاً من الرقابة، على الصحف والنشرات التي تصدرها، فالصحفيون والكتاب في هذه الصحف لا يستطيعون أن يوجهوا نقداً للحزب الذي ينتمون إليه، ويعملون في صحيفته، فالأحزاب صورة مصغرة عن المجتمع، لا تتقبل النقد الذاتي، كما لا تتقبل الرأي الآخر، وتلعب دوراً كبيراً في تهميش القانون.

جـ. الرقابة الإعلانية: الإعلان له سطوته، والمعلن هو مالك الصحيفة.  لذا فإنه من العبث أن يعد صحفي تقريراً ينتهك فيه شركة أو مؤسسة، تدفع مبالغ طائلة نظير نشر إعلانات في الصحيفة التي يعمل بها، لأن رئيس التحرير سيرفض نشره، خوفاً من خسارة أحد المعلنين.  كما أن مراعاة رؤساء تحرير الصحف، ومسئولي وسائل الإعلام للخطوط الحمراء التي لا يجب تجاوزها، يؤثر على حرية العمل الصحفي، حيث يفرض الصحفي نوعاً من الرقابة الذاتية على عمله، للحفاظ على مصدر رزقه، ولعدم إغضاب إدارة الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية التي يعمل بها، خاصة وأنه لا يوجد عقود عمل موقعه بين الصحفيين ووسائل الإعلام الخاصة والفضائيات التي يعملون بها .   

ومن الجدير بالذكر أن حصول عدد من الصحف المحلية على تمويل من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية، والعلاقات التي تربط بين مسئولي هذه الصحف ووسائل الإعلام، وبين مسؤولين في الأجهزة الأمنية ومؤسسات السلطة، تمنع نشر معلومات على قدر كبير من الأهمية، ويصف الصحفي عماد الإفرنجي الصحف الفلسطينية بأنها صحف علاقات عامة، بعيدة عن آلام المجتمع وهمومه .  وهذه الممارسات تنتهك حق الصحفيين والمواطنين في حرية الرأي والتعبير، وفي حق الوصول للمعلومات.

كل ما سبق ذكره، إضافة إلى المحظورات الواردة في اتفاقيات التسوية المرحلية، وتلك التي نص عليها قانون النشر والمطبوعات، تشكل نوعاً من التهديد على الصحفي وعمله، فقد يضرب أو يعتقل، أو يفصل من عمله لأنه مارس حقه المكفول له بموجب الدستور في حرية الرأي والتعبير.  لذا، وتجنباً لهذه التهديدات فإن الصحفي يفرض نوعاً من الرقابة الذاتية على عمله، ويرسم لنفسه خطوطاً حمراء لا يتجاوزها.  وهذا أثر على العمل الصحفي، حيث أصبح اهتمام الصحفي يتمحور بين الحصول على الراتب ونقل الخبر العادي، مما أدى إلى تردي مستوى العمل الصحفي ومستوى وسائل الإعلام، وتراجع حالة الإبداع لدى الصحفي الفلسطيني، وهذا بطبيعة الحال أثر على مستوى ثقافة المجتمع، ومستوى مشاركته واهتمامه بما يدور حوله من أحداث.    

ولكن كما أكد البعض فإن مستوى الرقابة الذاتية، وتحكمها بعمل الصحفي تختلف لدى الصحفيين الفلسطينيين العاملين لدى وسائل الإعلام المحلية عنها لدى الصحفيين الفلسطينيين العاملين كمراسلين لوسائل إعلام أجنبية، حيث يتمتعون بقدر من الحماية، كما أن مجتمع الفئة التي توجه لها الرسالة الإعلامية الصادرة عن وسائل الإعلام الأجنبية أوسع من الفئة التي تتلقى رسالة الإعلام المحلي، وهذا يقتضي اختلافاً في طبيعة تناول الحدث، أضف إلى ذلك أن المراسلين يفترض بهم الالتزام بسياسة الوسيلة الإعلامية التي يعملون لديها، فبعضهم لا يستخدم كلمة شهيد عند الإشارة إلى الشهداء الفلسطينيين، بل يستخدم كلمة قتلى، لضمان الحياد الذي هو أساس العمل الصحفي، فكل طرف من أطراف الصراع يرى أن " قتيلنا شهيد، وقتيلهم في النار" .  وأكد وليد العمري أنه لا يجب على الصحفي الرضوخ لأي رقابة تفرض على عمله، على أن تراعى القيم المجتمعية الإيجابية، فواجب كل صحفي أن يغطي القضايا التي تخدم المجتمع، وأن يكشف ما تسعى السلطة لإخفائه . 


إلغاء دور الصحافة كسلطة رابعة

من المتعارف عليه في الأنظمة الديمقراطية، أن الصحافة ووسائل الإعلام تعتبر سلطة رابعة، لأنها تمارس نوعاً من الرقابة على السلطات الثلاث، حيث تكشف الكثير من تجاوزات السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، فهي فوق هذه السلطات، وتعتبر عنصراً رادعاً لها، وذلك راجع لاعتراف الأنظمة الديمقراطية بأهمية الصحافة والحق في حرية الرأي والتعبير.  والدلائل على ذلك كثيرة، فلطالما كشفت الصحافة فضائح وانتهاكات وتجاوزات هذه السلطات، وكانت سبباً في إسقاط حكومات، واستقالة وزراء.

أما الصحافة ووسائل الإعلام في الأراضي الفلسطينية، فيكاد دورها يكون معدوماً كسلطة رابعة، فهي بدل أن تكون فوق السلطات أصبحت أداة ووسيلة بيد السلطة التنفيذية، التي تسيطر بدورها على السلطتين التشريعية والقضائية.  وبدل أن تتعامل مع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تهم الشارع، بموضوعية ومصداقية وحيادية، فإنها تردد ما تقوله السلطة التنفيذية وتريده، تستوي في ذلك وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، وذلك بدلاً من أن تصبح لسان الشارع، تعبر عن نبضه واهتماماته، وتكون منبراً له.  ولتفعيل دور الإعلام كسلطة رابعة يرى البعض أنه يفترض أن تلغى السلطات المفروضة على وسائل الإعلام، بما في ذلك وزارة الإعلام، ويستشهد أصحاب هذا الرأي بدولة قطر التي ألغت وزارة الإعلام، وأدى هذا إلى ظهور قناة الجزيرة على أرضها، وهي أقوى قناة فضائية إخبارية في المنطقة . 

انتشار الأقاويل والشائعات لعدم وجود وسيلة إعلام تتمتع بالمصداقية والموضوعية لدى الشارع

تعتبر الشائعات نوعاً من أنواع الضغط الاجتماعي، مجهول المصدر يلفه الغموض والإبهام، ويحظى باهتمام العديد من القطاعات والأفراد، ويؤدي إلى بلبلة الأفكار وإثارة السخط، وتهييج الخواطر وزيادة الانفعال .  وما يساهم في انتشار الشائعات هو عنصري الغموض والأهمية.  كما أن وسائل الإعلام الأجنبية تلعب دوراً كبيراً في الترويج للشائعات، ونشر معلومات مغلوطة، تهدف إلى إضعاف الجبهة الداخلية، وبذر بذور الفرقة السياسية، أو الطائفية أو الطبقية، وما يؤدي إلى لجوء المواطنين للتوجه لوسائل الإعلام الأجنبية، هو عدم وجود إعلام محلي يتمتع بالموضوعية والمصداقية.
لذا فإن أنظمة الحكم الديمقراطية، الواعية لخصائص وآثار وسائل الإعلام، وللحد من انتشار الشائعات وإثارة السخط لدى العامة، تعمل على دعم أجهزة الإعلام المركزية التي يمكن للأفراد أن يطلعوا من خلالها، وبشكل مباشر على الحقائق والمواقف، وبالتالي فإن الأفراد سيلجئون إلى وسائل الإعلام المحلية، بدلاً من اللجوء لمصادر إعلام أجنبية أو أفراد للحصول على الأخبار والتأكد من صحة الأنباء.  كما تعمل على إيجاد مؤسسات دستورية وشعبية تهيؤ للجماهير فرصة التعبير عما يجول في خاطرهم بطريقة علنية ومشروعة، بدلاً من عمليات الهمس وأسلوب الإشاعة في التعبير. 

وكما هو واضح فإن الإعلام الفلسطيني إعلام ضعيف من الناحية المهنية، إضافة إلى أنه إعلام رسمي تسيطر عليه السلطة التنفيذية، مما يلغي إمكانية الكشف عن انتهاكاتها ، كما أن عدم وجود ناطق رسمي باسم السلطة الوطنية الفلسطينية، سمح بانتشار الإشاعات والأقاويل بين أفراد المجتمع، كما أدى إلى وجود هوة بين السلطة التنفيذية وصناع القرار، وبين قطاعات المجتمع، بسبب عدم قدرة وسائل الإعلام على مخاطبة الشارع، بأسلوب موضوعي وعقلاني، وهذا يؤدي إلى اختلال العملية الديمقراطية.  

 
التوصيـــات
على ضوء ما جاء في هذه الدراسة، فإن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، يضع التوصيات التالية، التي يرى أنها تعمل على تدعيم العملية الديمقراطية، وترسيخ مفاهيم حرية الرأي والتعبير، والحق في التجمع السلمي.  كما تفعل دور مختلف المؤسسات المجتمعية في عملية التوعية السياسية، وترسيخ هذه الحقوق:

عرض قانون المطبوعات والنشر لعام1995، الصادر عن السلطة التنفيذية على المجلس التشريعي، وتشكيل لجنة مختصة لدراسته، وإجراء تعديلات عليه آخذة بعين الاعتبار المعايير والمواثيق الدولية، وبنود القانون الأساسي التي تكفل حريات العمل الصحفي وحق المواطنين في تلقي المعلومات، ومن ثم إحالة هذا القانون للسلطة التنفيذية للمصادقة عليه. فقانون المطبوعات في شكله الحالي، عدى عن أنه يشكل قيوداً كبيرة على العمل الصحفي، فإنه لا يتمتع بالشرعية اللازمة، حيث صدر قبل إجراء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني.

مع التحفظات المذكورة سابقاً على قانون المطبوعات والنشر، فإن المطلوب من السلطة التنفيذية احترام هذا القانون، وعدم الاستمرار في تجاهله، خاصة فيما يتعلق باعتبار وزارة الإعلام المرجعية الأساسية المسؤولة عن العمل الصحفي والمؤسسات الصحفية والإعلامية، والمنوط بها متابعة هذا العمل.  إضافة إلى إيقاف عملية إغلاق الصحف والمراكز الإعلامية، واعتقال الصحفيين دون الرجوع للقضاء وفقاً لأحكام القانون.

إلغاء اللائحة التنفيذية لقانون الاجتماعات العامة، ووضع لائحة جديدة تكفل التنفيذ الأمين لقانون الاجتماعات العامة نصاً وروحاً، باعتباره من أفضل القوانين التي سنتها السلطة الفلسطينية، حيث تكفل فيه حق المواطنين في حرية التعبير والتجمع السلمي.
تلعب جماعات الضغط دوراً كبيراً في الدفاع عن مصالح وصفات معنوية، فهي تضم فئات معينة من الشعب لها مصالح متقاربة تدافع عنها، وتحل مشاكلها كجماعات وأفراد. ويفترض بنقابة الصحفيين أن تعي الدور الهام، الذي يمكن أن تضطلع به في التأثير على مدى تقيد السلطة التنفيذية بتطبيق ومراعاة الاتفاقيات والمعايير الدولية في تعاملها مع حرية الرأي والتعبير، وفي تطبيق القانون الأساسي والالتزام بالقوانين الأخرى التي تتعلق بالعمل الصحفي وحرية الرأي والتعبير والوصول للمعلومات، والمطالبة بتعديل القوانين والبنود التي تقيد هذه الحريات، كما يجب أن تعمل على تنظيم حملة، توعي فيها المجتمع الفلسطيني بحقهم في تلقي المعلومات بكل صدق وموضوعية، وبأهمية الإعلام ودور الصحفيين والمراسلين في نقل الحدث الفلسطيني للعالم كافة، وتوضيح دورهم في كشف الانتهاكات والتعديات التي تمارس من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية، ومن قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي على حد سواء، وذلك حتى تتغير الصورة النمطية الخاطئة المترسخة في العقلية الفلسطينية عن العمل الصحفي، فيصبح المواطنون أكثر تفهماً لدور الصحافة ووسائل الإعلام، مما يسهل عمل هذه الوسائل ومراسليها.  كما أن هناك أهمية كبيرة لقيام نقابة الصحفيين بتنظيم بيتها الداخلي كي تستطيع القيام بمهامها والواجبات المنوط بها، وتجاوز كل الأزمات والعقبات التي تعترض تفعيل دورها.  

وبما أن المجلس التشريعي هو السلطة التي تعبر عن الشعب، وتعمل على سن التشريعات التي تضمن حقوقه، فمن الأهمية بمكان أن يعمل المجلس التشريعي وفق آلية منظمة، على بلورة وسائل ضغط على السلطة التنفيذية، وذلك من أجل الالتزام بقواعد وأحكام القانون، وبالصلاحيات المحددة لكل سلطة، ولكل مؤسسة من مؤسسات السلطة.  والعمل على تكوين لجان مختصة، لكل موضوع قانوني، على أن تتكون هذه اللجان من أعضاء مجلس تشريعي، ومحامين، ومنظمات حقوق إنسان ومراكز نسائية ونقابات، تقوم هذه اللجان بالتشاور، ووضع مشاريع قوانين، وعرضها على المجلس التشريعي لإقرارها، وهذا يعطي شرعية للقوانين الصادرة، حيث تكون بعيدة عن تدخل السلطة التنفيذية. كما يفترض بالمجلس التشريعي وبالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني العمل على تنظيم فعاليات تثقيفية للشارع الفلسطيني، لتعريفه بحقوقه، وبالقوانين التي تضمن هذه الحقوق.
 
من المهم أن تقوم السلطة التنفيذية باحترام قرارات المحاكم، وعدم التعدي على صلاحياتها وقراراتها، والاعتراف بتكامل واستقلالية النظام القضائي، كما يجب العمل على إلغاء المحاكم العسكرية، وعلى رأسها محكمة أمن الدولة.  وترسيخ مبدأ سيادة القانون واحترامه لدى مختلف القطاعات الفلسطينية.   

كما يجب ممارسة الضغط، من قبل السلطة التشريعية ومؤسسات المجتمع المدني، على السلطة التنفيذية والأجهزة المكلفة بنفاذ القانون، من أجل التقيد والالتزام بالقوانين المعمول بها في الأراضي الفلسطينية نصاً وروحاً، والتقيد بالقوانين والمعايير الدولية الخاصة بقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون، ومعاقبة المخالفين، والتنسيق لعمل دورات تدريبية لأفراد الشرطة، تؤهلهم للعمل مع المجتمع الفلسطيني وأفراده بمختلف الظروف، وتساهم في توعيتهم بأهمية عملهم، وهدف وجودهم الذي هو لخدمة الشعب والسهر على حمايته، والحرص على تنفيذ القانون الذي يحترم الإنسان وحقوقه،لا انتهاك هذا القانون، والاستهانة بأرواح المواطنين والاعتداء عليهم وانتهاك حقوقهم.

من المفروض أن تلعب مؤسسات المجتمع المدني دوراً إيجابياً وفعالاً في ترسيخ مبادئ الديمقراطية بسبب استقلاليتها وتخصصها، كما أن لها دوراً كبيراً في تغيير المفاهيم المجتمعية السائدة، والتي تستند إلى أخذ القانون باليد، وعدم احترامه، وشيوع روح الشللية والجهوية والروابط العائلية والموالاة الشخصية.  ويتم إحداث التغيير ذلك طريق عقد ندوات و ورشات عمل خاصة بمختلف قطاعات المجتمع  الفلسطيني، من معلمين وأولياء أمور وطلبة، وموظفين في القطاعين الخاص والحكومي، لتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم وبالقوانين المعمول بها في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، وتنمية روح المواطنة لديهم، فالعملية الديمقراطية لا تنحصر بالمشاركة في الانتخابات.  

يقع على الأحزاب السياسية في الأراضي الفلسطينية دوراً كبيراً في التأثير على أعضائها ومؤيديها، ومن الضروري أن تمارس هذه الأحزاب دوراً أكبر في تثقيف الشارع الفلسطيني، وفي التوعية الاجتماعية، ونشر مبادئ الديمقراطية، وتعريفهم بواجباتهم التي لا يمكن فصلها عن حقوقهم، كما يفترض أن تعمل على توعية مؤيديها بضرورة عدم استخدام الأسلحة النارية في التجمعات السلمية، التي هي بالأساس للتعبير عن فكرة ما، وتحقيق هدف معين، وليس لإراقة الدماء وإزهاق الأرواح.  وعدم الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، من منطلق أن هذه الممتلكات هي مؤسسات ملكية عامة، يفترض أن وجودها هو لخدمة الشعب، لا لقمعه وإرهابه.  كما يفترض بهذه الأحزاب التي تنادي بحرية الرأي والتعبير، والعمل السياسي، أن تتقبل الاختلاف، وحرية الآخرين في التعبير عن آراءهم، فلا تمارس القمع الفكري على مؤيديها، وعلى الأطراف المعارضة الأخرى.  

من المهم أن يعمل اتحاد أصحاب محطات التلفزة الخاصة في الضفة الغربية، وبالتنسيق مع هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية، على تفعيل دور وسائل الإعلام في التوعية الاجتماعية والسياسية لدى أفراد المجتمع، ونشر المفاهيم والعادات الصحيحة، المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، بهدف نشر ثقافة تتمتع بمستوى عالي من الإدراك والشعور بالمسؤولية، واحترام التعدد والاختلاف، وحكم القانون، عن طريق إعداد برامج تثقيفية موجهة لكافة قطاعات وفئات المجتمع الفلسطيني.  انطلاقاً من وعي وسائل الإعلام لوظائفها، ولدورها في التأثير على معرفة ومواقف وسلوك الفئات المستهدفة التي تتابع وسائل الإعلام.  فإذا لم تعمل وسائل الإعلام على الالتزام بنقل الوقائع بأمانة وصدق، فإنها تكون قد ضحت بالمصداقية التي تحتاجها كي تمارس سلطتها على الدولة، وتضعها أمام مسؤولياتها، وسوف يفقد المواطنون الأمل في الحصول على المعلومات التي يحتاجونها ليمارسوا حقوقهم بفاعلية. 

يقع على عاتق نقابة الصحفيين والمؤسسات الإعلامية في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، دوراً كبيراً في الرقي بمستوى العمل الصحفي، فيجب على هذه الجهات التعاون فيما بينها لتنظيم دورات وندوات تهدف إلى تطوير العمل الصحفي، وتنمية الوعي والقدرات لدى الصحفيين الفلسطينيين، بأهمية عملهم ورسالتهم الإعلامية.  كما يتوجب على كل وسيلة إعلامية أن تعمل على تحديد قواعد وأخلاقيات العمل الصحفي التي ينبغي على مديرو التحرير والصحفيين العاملين بها إتباعها، وذلك لضمان التزام الصحفيين والعاملين في المؤسسة الإعلامية بأعلى المقاييس للسلوك المهني والأخلاقي، فصحيفة نيويورك تايمز على سبيل المثال حددت مبدأها على جدار الردهة في مدخل الصحيفة فتقول:" يجب أن تكون الأخبار غير منحازة، بلا خوف ولا مجاملة، وبغض النظر عن أي حزب، أو أية طائفة أو مصلحة تتعلق بالخبر."



 
الخاتمـــة

ترصد هذه الدراسة انتهاكات السلطة الوطنية الفلسطينية، لحق المواطنين في حرية الرأي والتعبير ولحقهم في التجمع السلمي، وذلك لمعرفة مدى إلتزام السلطة الوطنية بالحفاظ على حريات المواطنين وترسيخ الحق في حرية الرأي والتعبير والحق في التجمع السلمي، كجزء من الممارسة السياسية والإرث الثقافي في المجتمع الفلسطيني.  وتعتبر هذه الدراسة ثالث دراسة يصدرها المركز بهذا الخصوص، ويغطي- كما أشير سابقاً- الفترة الممتدة من 1 مايو 2000 وحتى 31 مايو 2003، وقد تميزت انتهاكات السلطة الوطنية الفلسطينية في هذه الفترة بين مد وجزر، وقد يكون مرد ذلك إلى الوضع الذي تشهده الأراضي الفلسطينية، واندلاع انتفاضة الأقصى، حيث كانت هناك حاجة ماسة لتوحيد الجبهة الفلسطينية الداخلية، خاصة في ظل مطالب حكومة الاحتلال الإسرائيلي بعزل الرئيس عرفات وترحيله للخارج أو حتى اغتياله.  وفي المقابل فقد كانت تجاوزات الأجهزة الأمنية تتصاعد،- حيث أغلقت مراكز، ومؤسسات إعلامية، واعتقلت مواطنين وصحفيين على خلفية تعبيرهم عن رأيهم-، في الوقت الذي كانت تتزايد الضغوط والمطالب التي تتعرض لها السلطة الفلسطينية، باعتقال قيادات فصائل المعارضة.

وفي هذه الدراسة تم توثيق الحالات التي تم الوصول إليها ومعرفتها، في كلا من الضفة الغربية وقطاع غزة، وقبل عرض هذه الانتهاكات قمنا بعرض أهم المعايير الدولية التي تناولت هذه الحقوق، ومن ثم عرضنا التشريعات الفلسطينية الخاصة بهذه الحقوق.  وبعد ذلك قدمنا سرد لحالات الانتهاكات التي استطاع المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن يوثقها، حيث عرضنا الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون، والمؤسسات الإعلامية والبحثية، إضافة إلى ما تعرض له المواطنون العاديون من انتهاكات لحقوقهم، لدى تعبيرهم عن رأيهم قولاً أو كتابة،ً أو حتى بسبب انتمائهم لحزب سياسي معارض لخط السلطة الوطنية الفلسطينية، ومن الجدير ذكره أن حالات الانتهاكات هذه لم تقتصر على الأجهزة الأمنية فقد تجاوزتها لتشمل بعض التنظيمات والأحزاب السياسية.  كما عرضنا القوانين والقرارات المقيدة للحق في التجمع السلمي والانتهاكات التي مارستها السلطة فيما يتعلق بحرية التجمع السلمي.
 



تعليقات