القائمة الرئيسية

الصفحات

حق اللجوء السياسي في الفقه الإسلامي والقانون الدولي

حق اللجوء السياسي في الفقه الإسلامي والقانون الدولي

حق اللجوء السياسي في الفقه الإسلامي والقانون الدولي




(دراسة مقارنة)
د. وليد خالد الربيع
أستاذ مساعد بقسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الكويت.
حق اللجوء السياسي في الفقه الإسلامي
والقانون الدولي
(دراسة مقارنة)
د. وليد خالد الربيع
ملخص البحث:
يتناول هذا البحث تعريف اللجوء السياسي، وبيان حكمه، وضوابطه، وبعض آثاره في الفقه الإسلامي والقانون الدولي؛ لتسليط الضوء على أهم معالم التشريعات الدولية في هذه المسألة، مع بيان سبق الشريعة الإسلامية في الاهتمام بهذه الحاجة الإنسانية بقرون عديدة، من خلال النصوص الشرعية، والقواعد الكلية، والاجتهادات الفقهية.
واللجوء السياسي في القانون الدولي. هو: الحماية التي تمنحها دولة لفرد طلب منها هذه الحماية عند توافر شروط معينة، ويقابل اللجوء السياسي في القانون الدولي (عقد الأمان) في الفقه الإسلامي، مع تباين في بعض أسبابه وشروطه وآثاره. وقد قرر فقهاء القانون الدولي أن اللجوء السياسي حق كفلته التشريعات الدولية، وحثت عليه، ودافعت عنه، وفي القانون الدولي حماية اللاجئين مسؤولية الدول، طبقاً لاتفاقية 1951م وبروتوكول 1967م، ويرى فقهاء القانون الدولي أن حق حماية اللاجئين ملزم لجميع الدول، ولو لم تكن أطرافاً في المعاهدات الدولية التي أقرته، أما الفقه الإسلامي: فإنه يقرر بأن منح حق اللجوء لغير المسلم ليس قاصراً على الدولة فقط، بل هو حق ثابت لرئيس الدولة ونوابه وآحاد المسلمين المكلفين من الرجال أو النساء.
ويتفق القانون الدولي مع الفقه الإسلامي على ضرورة استيفاء الشروط والمعايير الخاصة بوضع طالب الأمان وحق اللجوء السياسي، بحيث يكون اختلال بعض تلك الشروط مانعاً من منحه ذلك الحق.
كما يتفق كل من الفقه الإسلامي والقانون الدولي على أن رجوع اللاجئ بإرادته إلى البلد الذي تركه ليقيم فيه يرفع عنه صفة اللاجئ، بحيث لا يتمتع بالآثار المترتبة على ذلك، إلا أن الفقه الإسلامي يقرر أن رفع الأمان يكون في حق اللاجئ وحده، دون ماله أو أهله ما داموا باقين في دار الإسلام.
ومن آثار اللجوء السياسي: التجنس بجنسية بلد اللجوء، والأصل أن تجنس المسلم بجنسية دولة غير مسلمة: الحرمة؛ لما في ذلك من محظورات شرعية، ويستثنى من ذلك حالات الضرورة والحاجة الملحة التي يتوقف عليها تحصيل بعض المصالح المعتبرة شرعاً.
كما أن من آثار اللجوء السياسي: الدخول في الخدمة العسكرية، والأصل فيه الحرمة في حق المسلم اللاجئ في الدول غير الإسلامية؛ لما في ذلك من محظورات شرعية، ويستثنى من ذلك حالات الضرورة والحاجة الماسة التي تسوغ ذلك، من باب درء أعظم المفسدتين بأدناهما، كما لا يجوز للمسلم أن يقاتل المسلمين مع الكفار، وإن أكره على الخروج لحرب المسلمين فعليه ألا يستعمل سلاحه ضدهم، ويحتال لذلك ما أمكنه ذلك، ولو بأن يستسلم للمسلمين.

المقدمة
تشير الإحصائيات الدولية إلى تزايد عدد الفارين من بلادهم بسبب الاضطهاد والظلم والعدوان الذي ينالهم، لأسباب دينية، أو طائفية، أو سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو غير ذلك.
ويوجد حاليا نحو 22 مليون شخص ينطبق عليهم وصف (اللاجئين)، وهو عدد -بلا شك- كبير جداً؛ مما استوجب اهتماما دولياً بهذه الظاهرة الإنسانية، وقد قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتأسيس مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 14 كانون الأول/ ديسمبر عام 1950، وتتمتع المفوضية بتفويض لقيادة وتنسيق العمل الدولي؛ لحماية وحل مشكلات اللاجئين في شتى أنحاء العالم.
ويكمن غرضها الرئيس في تأمين الإجراءات اللازمة لحماية حقوق اللاجئين ورفاههم، وهي تناضل لكي تضمن لكل شخص التمكن من ممارسة حقه في التماس اللجوء والعثور على ملجأ آمن في دولة أخرى، مع احتفاظه بخيار العودة طوعاً إلى الوطن، أو الاندماج محلياً، أو إعادة التوطين في بلد ثالث، وخلال ما يربو على خمسة عقود، ساعدت المفوضية ما يقدر بنحو 50 مليون شخص على بدء حياتهم من جديد، ويواصل نحو 5000 شخص من موظفي المفوضية في أكثر من 120 بلدا تقديم المساعدة لما يقدر بحوالي 19.8 مليون شخص.
بيد أن مشكلة اللاجئين تستمر في التزايد، حيث تتصاعد من نزوح حوالي مليوني شخص في السنوات الأولى من سبعينيات القرن العشرين إلى ذروة بلغت أكثر من 27 مليون شخص في عام 1995.
وفي عام 2002 بلغ عدد اللاجئين وغيرهم ممن تهتم بهم المفوضية على مستوى العالم 19.8 مليون شخص، وإضافة إلى ذلك هناك ما يتراوح بين 20 و 25 مليون شخص نازحون داخل أراضي بلدانهم، وهم من يطلق عليهم اسم (الأشخاص النازحون داخلياً)، مما يصل بمجموع عدد الأشخاص المرحلين إلى 50 مليون شخص، وبعبارة أخرى شخص واحد بين كل 120 شخص يعيش على وجه الأرض.
وتتمثل المسؤولية البالغة الأهمية للمفوضية، والتي تعرف بـ "الحماية الدولية"، في ضمان احترام حقوق الإنسان الأساسية الخاصة باللاجئين، بما في ذلك قدرتهم على التماس اللجوء، وضمان عدم إعادة أي فرد قسرياً إلى بلد تتوافر لديه دواعي الخوف من التعرض للاضطهاد فيه.
وتعمل المفوضية على ترويج الاتفاقات الدولية الخاصة باللاجئين، وتراقب امتثال الحكومات للقانون الدولي، وتؤمن المساعدات المادية من قبيل الأغذية والمياه، والمأوى والرعاية الطبية إلى المدنيين الفارين.
وتنطلق الجهود التي تبذلها المفوضية من خلال ولاية ينص عليها النظام الأساسي للمنظمة، ويسترشد في أدائها باتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بوضع اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967. ويؤمن القانون الدولي المتعلق باللاجئين إطاراً أساسياً للمبادئ فيما يتعلق بالأنشطة الإنسانية التي تقوم بها المفوضية([2]).
ولقد استنبط فقهاء المسلمين أحكاماً كثيرة في كيفية معاملة اللاجئين الوافدين إلى دار الإسلام لشتى الأغراض النزيهة، وضمنوا تلك الأحكام والضوابط في مباحث ومسائل عقد الأمان الذي ينظم دخول غير المسلم إلى بلاد الإسلام، ويحدد شروطاً كثيرة تتعلق بالمستأمن، والغرض الذي يريد الدخول من أجله، والمدة التي تمنح له، والواجبات التي ينبغي أن يلتزم بها، والحقوق التي تثبت له، وجزاء إخلاله بتلك الالتزامات، وغير ذلك من مسائل فقهية تنظم لجوء غير المسلم إلى بلاد المسلمين.
وأيضاً، فقد تناول الفقهاء المسلمون مسألة دخول المسلم إلى البلاد غير الإسلامية، وبينوا ضوابط وشروط ذلك الدخول، من حيث الجواز وعدمه، وتعرضوا لحكم الإقامة، والاستيطان، وحكم المعاملات المالية، وأحكام الأسرة، من حيث الزواج والطلاق، وأحكام العقوبات الشرعية، وغيرها من مسائل ذكرت في مدونات الفقه الإسلامية والسياسة الشرعية.
وقد جدت بعض الصور الحديثة، مما تقتضيه طبيعة العصر، وتعقد العلاقات الدولية، وما يتبع ذلك من ثبوت التزامات وواجبات على طالب اللجوء السياسي، من الالتزام بقانون البلد المانح لحق اللجوء السياسي، وتولي الوظائف فيه، والتجنس بجنسيته، والمشاركة في الخدمة العسكرية، ونحو ذلك من مسائل معاصرة، يكثر السؤال عنها، والحاجة ماسة لمعرفة حكمها، في ضوء النصوص الدينية والقواعد الفقهية والمقاصد الشرعية.
ويأتي هذا البحث الموجز؛ ليقدم صورة مختصرة لجهود الفقهاء السابقين والمعاصرين في بيان بعض أحكام هذه المسألة الإنسانية، وتحديد ضوابطها وآثارها، مقارنة بالقانون الدولي؛ وذلك وفق الخطة التالية:

خطة البحث:

وتشتمل على مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة على النحو التالي:
-       المقدمة: وتتناول أهمية الموضوع، وسبب اختياره، وخطة البحث، ومنهج البحث.
-       الفصل الأول: ويشتمل على تعريف حق اللجوء السياسي.
وفيه ثلاثة مباحث:
-       المبحث الأول: تعريف اللجوء لغة.
-       المبحث الثاني: تعريف اللجوء السياسي اصطلاحا.
-       المبحث الثالث: مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي من حيث تحديد اللجوء السياسي.
-       الفصل الثاني: حكم اللجوء السياسي وضوابطه.
وفيه ثلاثة مباحث:
-       المبحث الأول: حكم اللجوء السياسي في القانون الدولي وضوابطه.
-       المبحث الثاني: حكم اللجوء السياسي في الفقه الإسلامي وضوابطه.
-       المبحث الثالث: مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي، من حيث حكم اللجوء السياسي وضوابطه.
-       الفصل الثالث: آثار حق اللجوء السياسي.
وفيه مبحثان:
-       المبحث الأول: التجنس بجنسية بلد اللجوء السياسي.
-       المبحث الثاني: الخدمة العسكرية في بلد اللجوء السياسي.
-       الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.
منهج البحث:
أولاً: بيان مواضع الآيات التي ورد فكرها في ثنايا البحث، بذكر اسم السورة ورقم الآية في الهامش.
ثانياً: تخريج الأحاديث النبوية الواردة في البحث من كتب السنة المعتبرة.
ثالثاً: الرجوع إلى المصادر الأصيلة والمراجع المعتمدة عند بيان موقف الفقه الإسلامي مع توثيق ذلك بالهامش.
رابعاً: الاستفادة من الدراسات الحديثة في هذا المجال؛ لبيان موقف الفقهاء المعاصرين من موضوع البحث.
خامساً: الاستفادة من الدراسات القانونية التي تناولت هذا الموضوع للوقوف على موقف القانون الدولي من هذه المسألة.
سادساً: بيان موقف الفقه الإسلامي بعد عرض رأي القانون الدولي مع عقد مقارنة بينهما؛ لإيضاح مواطن الاتفاق والاختلاف.


الفصل الأولتعريف اللجوء السياسيالمبحث الأول

تعريف اللجوء لغة
اللجوء: مصدر الفعل لجأ، يقال: لجأ إلى الشيء والمكان يلجأ لجأ ولجوءاً وملجأ، بمعنى لاذ به واعتصم، قال ابن فارس: "اللام والجيم والهمزة: كلمة واحدة، وهي اللجأ والملجأ: المكان يلتجئ إليه، يقال: لجأت والتجأت".
ويقال: ألجأت أمري إلى الله، أي أسندت، ولجأت إلى فلان وعنه والتجأت وتلجأت إذا استندت إليه، واعتضدت به، أو عدلت عنه إلى غيره، وألجأه إلى الشيء: اضطره إليه، وألجأه: عصمه، والتلجئة: الإكراه، والملجأ واللجأ -محركة- المعقل والملاذ([3])، ومنه: قوله عز وجل:(لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ)([4]).

المبحث الثاني
تعريف اللجوء السياسي اصطلاحاً
يتناول هذا المبحث تعريف اللجوء السياسي في اصطلاح القانون الدولي وكذلك في الاصطلاح الفقهي الإسلامي، وذلك في مطلبين:


المطلب الأول
تعريف اللجوء السياسي في القانون الدولي
عرّف معهد القانون الدولي اللجوء السياسي بأنه الحماية التي تمنحها دولة فوق أراضيها، أو فوق أي مكان تابع لسلطتها، لفرد طلب منها هذه الحماية([5]).
وظاهر أن حق اللجوء حماية قانونية تمنحها الدولة لشخص أجنبي في مواجهة أعمال دولة أخرى، وهو ما يعني وروده على خلاف الأصل العام في العلاقة بين الدولة ومواطنيها؛ ولهذا فإنه لا يمنح إلا لضرورة تقتضيه، ويتحدد نطاقه بمداها([6]).
وقد جاء في بنود اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين تعريف اللاجئ بأنه شخص "يوجد خارج بلد جنسيته، بسبب خوف له ما يبرره، من التعرض للاضطهاد بسبب العنصر، أو الدين، أو القومية، أو الانتماء إلى طائفة اجتماعية معينة، أو إلى رأى سياسي، ولا يستطيع بسبب ذلك الخوف، أو لا يريد أن يستظل بحماية ذلك البلد"([7]).
ومما يؤخذ على هذا التعريف: أنه قصر وصف اللاجئ على الأشخاص الذين يضطرون إلى مغادرة بلدهم الأصلي بسبب الخوف من الاضطهاد، أو تعرضهم بالفعل للاضطهاد، بسبب الجنسية، أو العرق، أو الدين، أو الآراء السياسية، ولم تتضمن الأشخاص الذين يفرون من أوطانهم بسبب الخوف على حياتهم نتيجة نشوب حرب أهلية مثلاً، أو نتيجة عدوان خارجي، أو احتلال، أو سيطرة أجنبية، ولذلك وسعت اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لشؤون اللاجئين لعام 1969 تعريف اللاجئ " ليشمل الأشخاص الذين يضطرون إلى مغادرة دولتهم الأصلية بسبب عدوان خارجي، أو احتلال أجنبي، أو سيطرة أجنبية أو بسبب أحداث تثير الاضطراب بشكل خطير بالنظام العام في إقليم دولة الأصل كله أوفي جزء منه([8]).
ويرى بعض الباحثين ضرورة توافر أربعة شروط في الشخص حتى يمكن اعتباره لاجئا من وجهة نظر القانون الدولي وهي:
أولاً: أن يوجد الشخص خارج إقليم دولته الأصلية، أو خارج إقليم دولته المعتادة، إذا كان من الأشخاص عديمي الجنسية، وهو شرط النزوح.
ثانياً: أن يكون الشخص غير قادر على التمتع بحماية دولته الأصلية، سواء لاستحالة ذلك بسبب حرب أهلية أو دولية، أو لرفض الدولة تقديم الحماية لهذا الشخص، أو لأنه غير راغب في التمتع بهذه الحماية؛ لخوفه من الاضطهاد، أو تعرضه لمثل ذلك الاضطهاد.
ثالثاً: أن يكون الخوف من الاضطهاد قائماً على أسباب معقولة تبرره.
رابعاً: يتعين ألا يقوم في مواجهة اللاجئ أحد الأسباب التي تدعو إلى إخراجه من عداد اللاجئين، وهي التي ذكرتها المادة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ووصفتها بأنها أسباب خطيرة، تدعو لاعتبار الشخص قد ارتكب جريمة ضد السلام، أو جريمة حرب، أو جريمة ضد الإنسانية، أو كان قد ارتكب جريمة غير سياسية خطيرة خارج دولة الملجأ، وقبل قبوله فيها، بوصفه لاجئا أو كان قد سبق إدانته بسبب أعمال منافية لأهداف الأمم المتحدة ومبادئها([9]).
فاللاجئ السياسي هو: الشخص الذي تمكن من الهرب من العسف والاضطهاد والفرار من الظلم والعدوان، ولجأ إلى مكان آمن، أو إلى من يستطيع أن يحميه ويدافع عنه([10]).
فاللاجئ أجنبي موجود على إقليم دولة، لكنه أجنبي غير عادي، فهو أجنبي قاصر؛ لأنه لا يتمتع بحماية أو مساعدة أية حكومة، وغياب الحماية الوطنية ينتج من رفض السلطات لهؤلاء الأفراد، أو لرفض الأفراد أنفسهم لذلك السلطات، ومن ثم يستفيد اللاجئون من قواعد الحماية المقررة لهم في الاتفاقيات الدولية، بالإضافة إلى تمتعهم بمجموعة من الحقوق التي قررتها الوثائق الدولية، بحيث تضمن لهم المعاملة الإنسانية، وحمايتهم من الاضطهاد الذي فروا منه([11]).
المطلب الثاني
تعريف اللجوء السياسي في الفقه الإسلامي
يرى بعض الباحثين المعاصرين أن حق اللجوء السياسي هو المعروف شرعاً بالهجرة والتي كانت سنة الأنبياء مع أقوامهم وأممهم، وممن يرى ذلك أ.د. محمد الزحيلي حيث عرّف اللجوء السياسي بأنه: "حق الانتقال إلى بلد لا يحمل جنسيته، وذلك لأهداف سياسية ينادي بها، ويضطهد من أجلها، أو يلاقي العنت والمشقة والمضايقة بسببها"([12]).
ومما يلاحظ على هذا التعريف أنه قصر سبب اللجوء السياسي على الاضطهاد السياسي -فقط- وما ينتج عنه من عنت ومشقة ومضايقة، مع أن تعريف القانون الدولي المتقدم قد وسع بواعث اللجوء السياسي؛ لتشمل الأسباب الدينية والعرقية والاجتماعية وغيرها، وقد جاء (الاضطهاد) مطلقاً عن أي قيد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث نصت المادة الرابعة عشرة على أن: "لكل فرد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى، والتمتع به، خلاصاً من الاضطهاد"([13]).
في حين يرى بعض الباحثين الآخرين أن حق اللجوء السياسي في حقيقته هو عقد أمان، حيث إن هذا المصطلح من المصطلحات الحديثة في الفقه السياسي، ولم يتعرض له فقهاء الإسلام عندما تكلموا عن عقد الأمان والمستأمن في كتب الفقه الإسلامي بهذا الاسم، إلا إنه يمكن أن يفهم معناه من الوقوف على كلامهم عن المستأمن، فاللجوء السياسي يقابل عقد الأمان في الاصطلاح الفقهي([14]).
والذي يظهر هو رجحان الاتجاه الثاني، حيث إن حقيقة اللجوء ليست قاصرة على الهجرة، وإنما الهجرة لازم من لوازم اللجوء، ومظهر من مظاهره، وبناء على هذا فلابد من تعريف عقد الأمان لغة واصطلاحا.
الأمان في اللغة: مصدر الفعل أمن يأمن أمناً وأماناً وأمانة وأمنةً إذا اطمأن ولم يخف، فهو آمن وأمن، قال الخليل: الأمنة من الأمن، والأمان: إعطاء الأمنة.
فالأمان عدم توقع المكروه في الزمن الآتي، وأصله من طمأنينة النفس وزوال الخوف([15]).
وأما تعريف الأمان في الاصطلاح: فقد عرفه الفقهاء بتعريفات عديدة، من أشملها وأدقها: تعريف ابن عرفة حيث قال:
"رفع استباحة دم الحربي ورقِّه وماله حين قتاله أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما"([16]).
فعقد الأمان يقتضي ترك القتل والقتال مع الحربيين، وعدم استباحة دمائهم وأموالهم، أو استرقاقهم، والتزام الدولة الإسلامية توفير الأمن والحماية لمن لجأ إليها من الحربيين واستقر تحت حكمها مدة محدودة([17]).
فالمستأمن كافر حربي أبيح له المقام بدار الإسلام من غير التزام جزية وذلك لغرض مشروع([18])، كسماع القرآن، ومعرفة دعوة الإسلام، أو لأداء رسالة، أو طلب صلح، أو مهادنة، أو لتجارة، أو لعلاج، أو لنحو ذلك من الأغراض المشروعة، التي لا تتعارض مع الأحكام الشرعية، ولا مع مصلحة المسلمين العامة([19]).
وظاهر من صنيع الفقهاء: أنهم عرفوا الأمان في حق الكافر الذي يرغب في دخول بلاد الإسلام، ولم يتناولوا لجوء المسلم إلى البلاد غير الإسلامية في التعريف، إلا إنهم ذكروا أحكامه وضوابطه في المسائل الفقهية المتعلقة بدخول البلاد غير الإسلامية، وحكم الإقامة فيها، وما يتبع ذلك من آثار ولوازم.
كما قال الحنفية: "المستأمن هو من يدخل دار غيره بأمان، مسلماً كان أم حربياً، والمقصود بدار غيره: الإقليم المختص بقهر ملك -إسلام أو كفر- لا ما يشمل دار السكنى"([20]).

المبحث الثالثمقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الدوليمن حيث تحديد اللجوء السياسي

تضمنت التشريعات الدولية الحديثة بيان حقيقة اللجوء السياسي، وتحديد وصف اللاجئ السياسي، وما يتبع ذلك من حقوق وواجبات وحماية دولية تضمن عدم تعرض اللاجئ لما فر منه من الاضطهاد، كما سيأتي تفصيل ذلك في المباحث التالية.
وقد تقدم بيان موقف الفقه الإسلامي من حقيقة اللجوء، من حيث التزام الدولة الإسلامية تهيئة الأمن والحماية لمن لجأ إليها من الحربيين، واستقر تحت حكمها مدة محدودة، مما يقتضي ترك القتلى والقتال، وعدم استباحة دمائهم وأموالهم، أو استرقاقهم.
ومن خلال العرض السابق لموقف القانون الدولي، والاطلاع على أحكام الأمان في الفقه الإسلامي، يتضح أن الفقه الإسلامي كان أوسع مجالاً من القانون الدولي، حيث أوجب منح الكافر الأمان (حق اللجوء) بمجرد طلبه، بغض النظر عن السبب الذي حمله على ذلك، ما دام السبب مشروعاً كما قال إلكيا الهراس: "... والأمان الذي تعارفه الفقهاء أن يؤمن كافراً لا يبغي به سماع كلام الله تعالى، حتى إذا استمع أبلغه مأمنه، بل يبغي به أمانه حتى يتجر ويتسوق ويقيم عندنا مدة لغرض لهذا المسلم، وذلك ليس ما نحن فيه بسبيل"([21]).
ولا شك أن التنصيص في الآية الكريمة على الأمان لسماع القرآن الكريم ومعرفة التوحيد لا ينافي الأمان لأغراض أخرى، لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب([22])؛ ولهذا نص كثير من المفسرين على أن الآية تتناول بعمومها منح الأمان لأغراض أخرى مشروعة([23]).
وكذلك لم يمنع الفقه الإسلامي من لجوء المسلم إلى ديار غير المسلمين عند الضرورة والحاجة الملحة، على تفصيل كما سيأتي، ولخصه ابن حزم بقوله: "وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه ولم يحارب المسلمين ولا أعانهم عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره"([24]).
فظاهر من هذا: أن الفقه الإسلامي يعالج اللجوء السياسي بنوعيه -من الناحية الفقهية- لجوء الكافر إلى بلاد المسلمين، ولجوء المسلم إلى بلاد غير المسلمين، ويحدد ضوابط ذلك وآثاره، مما يؤكد رعاية الفقه الإسلامي لهذا الجانب المهم من الحياة الإنسانية الذي قد تمليه بعض الظروف الطارئة على بعض الأفراد والشعوب، تحقيقا لمقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية وهو تحقيق الأمن والأمان للأفراد والمجتمعات، كما قال عز وجل- ممتناً على أهل مكة- (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)([25])، وقال عز وجل: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ)([26])، وقد شرع الله تعالى العقوبات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حماية لأمن المجتمعات من الداخل من غائلة المعتدين، ومن شرور المفسدين، وشرع الله عز وجل الجهاد؛ لحماية الدولة المسلمة من الشرور الخارجية، ومن اعتداء الكفار عليها، كما قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ)([27]).

الفصل الثاني
حكم اللجوء السياسي وضوابطه
يتناول هذا الفصل بيان حكم اللجوء السياسي في كل من القانون الدولي -ممثلا بالمواثيق الدولية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان-([28]) وأيضاً في الفقه الإسلامي من خلال النصوص الشرعية، والقواعد الكلية، واجتهادات فقهاء المسلمين، مع ذكر ضوابط اللجوء السياسي لدى الاتجاهين، وعقد مقارنة بينهما؛ لبيان أوجه الالتقاء والافتراق، وذلك في المباحث التالية:

المبحث الأول
حكم اللجوء السياسي في القانون
الدولي وضوابطه
ذكر فقهاء القانون الدولي حكم اللجوء السياسي من حيث بيان حكم طلب هذا الحق، وشروط المستحق له، وكذلك من حيث حكم منح هذا الحق والجهة المانحة، ومدى إلزام الدول بهذا الحكم، وما يترتب على ذلك من واجبات، وذلك في المطالب التالية:
المطلب الأول
حكم، اللجوء السياسي في القانون الدولي
يتناول هذا المطلب حكم اللجوء السياسي في القانون الدولي من جهتين:
- الجهة الأولى: حكم طلب اللجوء السياسي.
- الجهة الثانية: حكم منح اللجوء السياسي.
أما الجهة الأولى: فإن كثيراً من العهود والمواثيق الدولية، وكثيراً من الدساتير الوطنية تنص على حق الفرد في طلب اللجوء السياسي، باعتباره حقاً من الحقوق الأساسية للإنسان، التي تنظمها وترعاها جهات دولية كثيرة.
فحق الفرد في الحياة والحرية والأمان، وحقه في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية المهينة، وحقه في عدم التعرض للاحتجاز أو الاعتقال أو النفي على وجه التعسف، وحقه في التمتع بجنسية ما، وحقه في التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتع به خلاصاً من الاضطهاد، من الحقوق ذات الأهمية الكبرى في القانون الدولي.
فقد جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد والمنشور عام 1948م: "إن الجمعية العامة تنشر على الملأ هذا الإعلان لحقوق الإنسان بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم، كيما يسعى جميع أفراد المجتمع وهيئاته واضعين هذا الإعلان نصب أعينهم على الدوام، ومن خلال التعليم والتربية، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات، وكيما يكفلوا بالتدابير المطردة -الوطنية والدولية- الاعتراف العالمي بها، ومراعاتها الفعلية فيما بين شعوب الدول الأعضاء ذاتها، وفيما بين شعوب الأقاليم الموضوعة تحت ولايتها على السواء"([29]).
فهذه المقدمة تبين ضرورة الالتزام بمواد وفقرات هذا الإعلان الدولي، وقد جاء في المادة الرابعة عشرة في الفقرة الأولى منه: "لكل فرد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى، والتمتع به، خلاصاً من الاضطهاد ".
كما جاء في الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان في المادة الثانية والعشرين الفقرة السابعة: "لكل شخص الحق في أن يطلب ويمنح ملجأ في قطر أجنبي، وفقاً لتشريعات الدولة والاتفاقيات الدولية"([30]).
ونصت المادة الثانية عشرة الفقرة الثالثة من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان على: "أن لكل شخص الحق عند اضطهاده في أن يسعى ويحصل على ملجأ في أي دولة أجنبية؛ طبقاً لقانون كل بلد، وللاتفاقيات الدولية"([31]).
كما جاء في المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966 الفقرة الأولى: "لكل فرد حق في الحرية، وفي الأمان على شخصه".
وبينت المذكرة التي قدمها المفوض السامي لشؤون اللاجئين عام 1988م أن حق الفرد في التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتع به خلاصاً من الاضطهاد من بين الحقوق الأساسية لاسيما في حالات اللاجئين.
وأكدت المادة السادسة عشرة من مشروع الميثاق العربي لحقوق الإنسان على أن: "لكل مواطن الحق في طلب اللجوء السياسي إلى بلاد أخرى؛ هرباً من الاضطهاد".
وتناول إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان الصادر عن منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1990م في المادة الثانية عشرة أن لكل إنسان -إذا اضطهد- حق اللجوء إلى بلد آخر([32]).
فمن خلال العرض الموجز يتبين أن طلب اللجوء السياسي حق كفلته التشريعات الدولية، وحثت عليه، ودافعت عنه، وقد تضافرت الجهود الدولية على تقرير هذا الحق، والتأكيد عليه، وحمايته، من خلال إنشاء المفوضة السامية لشؤون اللاجئين، وتنظيم كيفية المطالبة وشروط المطالبين ومن يستحق هذا الوصف؛ ليتمتع بالآثار المترتبة على اكتساب وصف اللاجئ السياسي.
أما الجهة الثانية، وهي حكم منح اللجوء للسياسي:
لا يخفى أنه خلال القرن العشرين ظل المجتمع الدولي يجمع بصورة مطردة مجموعة من المبادئ التوجيهية والقوانين والاتفاقيات التي تستهدف حماية حقوق الإنسان الأساسية، ومعاملة عدد متزايد من الأشخاص أجبروا على الفرار من أوطانهم بسبب الخوف من التعرض لأشكال مختلفة من الاضطهاد وهم اللاجئون.
وقد بلغت هذه العملية التي بدأت في عهد عصبة الأمم المتحدة عام 1921 ذروتها باعتماد اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها الذي تلاها في عام 1967.
وفى الوقت الحاضر بلغ عدد البلدان التي صدقت على هذه الاتفاقية 133 بلداً، وانضم عدد مماثل إلى البروتوكول، وهذا العدد ليس كافياً عند المقارنة بعدد الأطراف في اتفاقيات جنيف عام 1949، حيث بلغ 188 دولة، وعدد الدول التي وقعت اتفاقية حقوق الطفل حيث بلغ 192 دولة.
وبغية العمل على معالجة هذه الأزمة المتزايدة بصورة فعالة، تعتقد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه بات من الضروري توسيع قاعدة الدعم الحكومي لهذه الصكوك الخاصة باللاجئين، مما يضمن أن تكون الحماية المقدمة للاجئين أكثر شمولاً وعالمية في نطاقها، وأن تكون الأعباء والمسؤوليات الملقاة على عاتق الحكومات موزعة توزيعا عادلا، ومطبقة بصورة متناسقة.
ويكمل دور مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الدور الذي تنهض به الدول، وتسهم في توفير الحماية للاجئين عن طريق:
1-               الدعوة إلى الانضمام إلى الاتفاقيات والقوانين الخاصة باللاجئين وتنفيذها.
2-               ضمان أن يعامل اللاجئون وفقاً لمعايير القانون المعترف بها دولياً.
3-               ضمان أن يمنح اللاجئون اللجوء، وألا يعادوا قسراً إلى البلدان التي فروا منها.
4-               ترويج الإجراءات المناسبة لتقرير ما إذا كان شخص ما يعتبر لاجئا أم لا، وفقاً للتعريف الوارد في اتفاقية عام 1951 و وفقاً للتعريفات الأخرى الواردة في الاتفاقيات الإقليمية.
5-               التماس حلول دائمة لمشكلات اللاجئين([33]).
وتُعدُّ اتفاقية اللاجئين مهمة، لأنها كانت أول اتفاق دولي يغطى النواحي البالغة الأهمية من حياة اللاجئ، وقد أكدت الاتفاقية أن اللاجئين يستحقون كحد أدنى نفس معايير المعاملة التي يتمتع بها المواطنون الأجانب الآخرون في أي بلد، وفى حالات كثيرة نفس المعاملة التي يتمتع بها المواطنون.
ويُعدُّ هذا اعترافا بالنطاق الدولي لمشكلة اللاجئين، وأهمية المشاركة في تحمل الأعباء، لمحاولة حل هذه الأزمة، كما أنها تساعد -أيضاً- على تعزيز التضامن والتعاون الدوليين.
وهنا يرد سؤال وهو: هل يطلب إلى بلد ينضم إلى هذه الاتفاقية أن يمنح لجوءا دائماً إلى جميع اللاجئين؟
ويأتي الجواب بأنه سوف تكون هناك حالات يبقى فيها اللاجئون بصورة دائمة، ويندمجون في بلد لجوئهم، بيد أن الحماية التي تقدم بموجب هذه الاتفاقية ليست دائمة بصورة تلقائية، فقد تزول صفة اللاجئ عن أي شخص عند زوال الأسباب التي أدت إلى منحه وضع اللاجئ، وفى حالة الأعداد الضخمة الوافدة من اللاجئين، تكون الإعادة الطوعية إلى الوطن بطبيعة الحال هي الحل المفضل عندما تسمح بذلك الظروف في بلد المنشأ.
لماذا يعتبر الانضمام إلى الاتفاقية وبروتوكولها أمراً مهماً؟
يعد الانضمام مهماً للأسباب التالية:
1-               إنه يبين مدى التزام بلد ما بمعاملة اللاجئين وفقاً للمعايير القانونية والإنسانية المعترف بها دولياً.
2-               إنه يحسن فرص اللاجئين في الوصول إلى بر الأمان.
3-               إنه يساعد في تفادي حدوث أي احتكاك بين الدول بشأن المسائل المتعلقة باللاجئين، فلو أقدم بلد بعينه من البلدان الموقعة على الاتفاقية فعلاً على منح اللجوء، فإن بلد المنشأ الخاص باللاجئين سيفهم هذا العمل على أنه عمل سلمي، وإنساني، وقانوني، وليس بادرة عدوانية.
4-               إنه يظهر استعداد بلد ما للمشاركة في تحمل مسؤولية حماية اللاجئين.
5-               إنه يساعد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تعبئة الدعم وتأمين الحماية الدوليين للاجئين([34]).
ومن خلال العرض السابق يتضح أن حماية اللاجئين هي المسؤولية الأساسية للدول، والبلدان الموقعة على اتفاقية 1951 ملزمة بحماية اللاجئين المقيمين في أراضيها حسب الشروط المحددة في هذه الوثيقة، ومن ثم فإن جميع الدول -بما فيها تلك الدول التي لم توقع على الاتفاقية- ملزمة بأن تمتثل للمعايير الأساسية لحماية اللاجئين، التي تُعدُّ في الوقت الحاضر جزءاً من القانون الدولي العام.
فلا يجوز -على سبيل المثال- أن يعاد أي لاجئ إلى إقليم تكون فيه حياته أو حريته معرضة للتهديد وفي الواقع، فإن ذلك يعني أنه لا يجوز حرمان أي لاجئ من الدخول إلى بلد ما يلتمس فيه الحماية ضد الاضطهاد.
ويمكن القول: بأن منح حق اللجوء السياسي ملزم للدول عموماً، لاسيما المنضمة لهذه الاتفاقية، مع مراعاة تحديد تعريف اللاجئ والشروط الواجب توافرها فيه؛ ليستحق حق اللجوء في تلك الدولة، وهذا ما نصت عليه المادة (32) الفقرة (1) ونصها: "تمتنع الدول المتعاقدة عن طرد اللاجئ الموجود بصورة شرعية على أرضها، إلا لأسباب تتعلق بالأمن الوطني أو النظام العام".
وفي الفقرة (2): "لا يتم طرد مثل هذا اللاجئ إلا تنفيذاً لقرار متخذ وفقاً للأصول القانونية ".
وفي المادة (33): "يحظر على الدول المتعاقدة طرد أو رد اللاجئ بأي صورة إلى الحدود أو الأقاليم حيث حياته أو حريته مهددتان([35]).
ونظراً للأهمية القصوى لهذا المبدأ -وهو عدم جواز إعادة اللاجئ إلى دولة الاضطهاد- في مجال حماية اللاجئ، فإنه لا يجوز للدول الأطراف في هذه الاتفاقية أن تورد أية تحفظات على نص المادة (33) السابقة، وهو ما نصت عليه المادة (42) من الاتفاقية ذاتها.
وهنا يرد سؤال: ما هي الطبيعة القانونية لهذا المبدأ؟ هل يعد هذا المبدأ قاعدة قانونية اتفاقية، أم قاعدة قانونية عرفية؟ أم باعتباره من المبادئ العامة للقانون الدولي؟
والجواب: أن هذا المبدأ ملزم وواجب الاحترام بالنسبة للدول المنضمة لاتفاقية 1951م لشؤون اللاجئين وبروتوكول 1967، أما الدول التي لم تنضم لهذه الاتفاقية فقد اختلف فقهاء القانون في إلزامية هذا المبدأ إلى فريقين:
الفريق الأول وهو قلة من الفقهاء: يرى أن مبدأ عدم جواز الإعادة إلى دولة الاضطهاد يلزم الدول التي هي أطراف في الاتفاقيات الدولية التي تقرره فقط.
أما الفريق الثاني وهو الرأي الغالب في الفقه الدولي: فيذهب إلى أن هذا المبدأ قد أصبح في السنوات الأخيرة قاعدة قانونية دولية ملزمة، سواء باعتباره قاعدة قانونية عرفية أو باعتباره مبدأ من المبادئ العامة للقانون التي أقرته الأمم المتمدينة، ومن ثم فهو ملزم لجميع الدول، ولو لم تكن أطرافاً في المعاهدات الدولية التي أقرته.
ويستند هذا الفريق من فقهاء القانون إلى حجج منها:
أولاً: أن الوثائق الدولية الخاصة باللاجئين اطردت على النص على مبدأ عدم جواز إعادة اللاجئ إلى دولة الاضطهاد من الثلاثينيات من القرن العشرين، ومن هذه الوثائق: ما هو ملزم لغالبية أعضاء الأمم المتحدة، كاتفاقية شؤون اللاجئين لعام 1951م.
ثانياً: أن مبدأ عدم جواز إعادة اللاجئ قد نصت عليه التشريعات الداخلية، كما تأخذ به المحاكم في كثير من الدول.
ثالثاً: أن الدول تجري في الغالب على احترام هذا المبدأ في الممارسات العملية، وحتى في الحالات القليلة التي حدث فيها خروج عن مقتضى هذا المبدأ لوحظ أن الدول تبرر هذا المسلك عن طريق الإعلان بأن الأجانب الذين شملتهم إجراءات الطرد أو الإبعاد ليسوا من اللاجئين، وبذلك فهي تعترف بطريقة ضمنية باحترام مبدأ عدم الإعادة إلى دولة الاضطهاد.
وبهذا يظهر أن هذا المبدأ قد صار مبدأ قانونياً ملزماً لكافة الدول الأعضاء في المجتمع الدولي، على أساس اعتبار أن ذلك المبدأ قاعدة قانونية عرفية أو مبدأ من المبادئ العامة للقانون التي أقرتها الأمم المتمدينة([36]).

المطلب الثانيضوابط اللجوء السياسي في القانون الدولي

الحماية الدولية لا تمنح إلا للأشخاص الذين يستوفون المعايير الخاصة بوضع اللاجئ، وهناك فئات معينة يرتأى أنها لا تستحق هذه المساعدة، وهذا ما أكدته الفقرة (ج) من اتفاقية 1951 حيث نصت على ما يلي:
"يتوقف مفعول هذه الاتفاقية بحق أي شخص تنطبق عليه أحكام النبذة (أ) في حال:
1-          تذرعه الطوعي بحماية الدولة التي يحمل جنسيتها.
2-          أو استعادته الطوعية لجنسيته التي كان قد فقدها.
3-          أو اكتساب جنسية جديدة، وتمتعه بحماية بلد جنسيته الجديدة.
4-          أو إذا عاد طوعاً ليقيم في البلد الذي تركه، أو الذي أقام خارجه خشية الاضطهاد.
5-          أو إذا أصبح متعذراً عليه الاستمرار في رفض حماية البلد الذي يحمل جنسيته بسبب زوال الأسباب التي أدت إلى اعتباره لاجئاً".
وجاء في الفقرة (و): "لا تسري هذه الاتفاقية مع أي شخص توجد بحقه أسباب جدية تدعو إلى اعتبار أنه:
1-          اقترف جريمة بحق السلام، أو جريمة حرب، أو جريمة ضد الإنسانية، كما هو معروف عنها في الوثائق الدولية الموضوعة والمتضمنة أحكاماً خاصة بمثل هذه الجرائم.
2-          ارتكب جريمة جسيمة خارج بلد الملجأ قبل دخوله هذا البلد كلاجئ.
3-          ارتكب أعمالاً مخالفة لأهداف ومبادئ الأمم المتحدة."([37])
فظاهر من هذا أن القانون الدولي لا يعد الأشخاص الذين لجأوا إلى الخارج مع استمرار تمتعهم بحماية ومساعدة حكوماتهم لاجئين؛ لأنهم لاجئون باختيارهم، كالنرويجيين والبلجيكيين الذين غادروا بلادهم باختيارهم أثناء الحرب العالمية الثانية، كانوا يعاملون معاملة الأجانب في الدول التي تعترف بحكوماتهم.
وكذلك يخرج عن معنى اللاجئ كل شخص يهرب من دولته أو يترك وطنه بسبب خروجه على القانون، حتى يتهرب من الخضوع لقضاء الدولة التي يقيم فيها، فمثل هؤلاء الأشخاص يخضعون لمبدأ تسليم المجرمين في القانون الدولي.
لا يكون المجرم الذي حوكم محاكمة عادلة لمخالفته القانون العام والذي يفر من بلده هربا من السجن، بالضرورة لاجئا، غير أن أي شخص يتهم بهذه الجرائم أو بغيرها من الجرائم غير السياسية -سواء أكان بريئاً أو مذنباً- أو قد يضطهد -أيضاً- لأسباب سياسية، أو لغيرها من الأسباب، لا يستبعد بالضرورة من وضع اللاجئ، وعلاوة على ذلك، فإن الأشخاص المدانين "بجريمة" النشاط السياسي يجوز اعتبارهم لاجئين.
كما يستبعد على وجه الخصوص الأشخاص الذين شاركوا في ارتكاب جرائم الحرب والانتهاكات للقانون الإنساني الدولي ولحقوق الإنسان -بما في ذلك جريمة الإرهاب- من الحماية والمساعدة التي تقدم للاجئين.
ولا يكفي لوصف الشخص بأنه مبعد أو منفي أن يهجر دولة إقامته المعتادة؛ لأن الأحداث السياسية التي وقعت في ذلك البلد لا تروقه أو لا تعجبه، طالما أنه لم يكن يتعرض فيها للاضطهاد، أو كان مهدداً بالاضطهاد نتيجة هذه الأحداث، وذلك أن الاعتراف له بصفة اللاجئ سيترتب عليه الاعتراف بالعديد من الامتيازات.
ويلاحظ من ناحية أخرى أن الأشخاص الذين يرغبون في الاستقرار في دولة أخرى غير دولتهم الأصلية لأسباب اقتصادية خالصة لا يمكن الادعاء بأنهم لاجئون إذا كانت الظروف تسمح لهم بهذه الهجرة([38]).
وهنا يرد سؤال: هل يمكن أن يكون المتهرب من الخدمة العسكرية لاجئاً؟
وتجيب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين([39]) بأن لكل بلد الحق في دعوة مواطنيه إلى حمل السلاح في فترات الطوارئ القومية، غير أنه ينبغي أن يكون للمواطنين الحق المتساوي في الاعتراض بوحي من ضميرهم الحر، وفى الحالات التي لا يحترم فيها خيار الاعتراض بوحي من الضمير، أو عندما ينتهك الصراع الدائر بشكل ظاهر المعايير الدولية، يجوز أن يكون المتهربون من الخدمة العسكرية الذين يخشون الاضطهاد على أساس الآراء السياسية أو أي أسباب أخرى، مؤهلين للحصول على صفة اللاجئ.
وهذا تساؤل آخر يمس الاعتبارات الاجتماعية ووضع المرأة، وهو هل بمقدور النساء اللاتي يواجهن الاضطهاد لأنهن يرفضن الامتثال للقيود الاجتماعية أن يطلبن اعتبارهن لاجئات؟
ويأتي الجواب من المصدر ذاته بأنه من الواضح أن المرأة -شأنها في ذلك شأن الرجل- قد تضطهد لأسباب سياسية أو اثنية أو دينية. وإضافة إلى ذلك أن المرأة التي تفر من جراء تعرضها لتمييز أو لامتناعها عن الانصياع لقوانين اجتماعية صارمة، تصبح لديها مبررات للنظر في منحها صفة اللاجئ.
وقد يكون هذا الاضطهاد صادراً عن سلطة حكومية - أو من عناصر غير حكومية في حالة عدم وجود حماية حكومية كافية، ويجوز أن يعتبر العنف الجنسي -كالاغتصاب- اضطهاداً.
ويتعين أن يكون لهذا التمييز عواقب ضارة بشكل ظاهر، فالمرأة التي تخشى وقوع هجوم عليها من جراء رفضها ارتداء الشادور أو أي ملابس أخرى مقيدة للحركة أو بسبب رغبتها في اختيار زوجها والعيش حياة مستقلة، قد تُعدُّ لاجئة.
وفى عام 1984 قرر البرلمان الأوروبي أن النساء اللاتي يواجهن معاملة قاسية أو لا إنسانية لأنهن تعدين -على ما يبدو- القواعد الأخلاقية الاجتماعية، ينبغي اعتبارهن طائفة اجتماعية معينة لأغراض تقرير منح صفة اللاجئ. وتوجد لدى الولايات المتحدة وكندا مبادئ توجيهية شاملة تتعلق بالاضطهاد على أساس الجنس، ويحدث تقدم مماثل في ألمانيا وهولندا وسويسرا.
وقد تم في فرنسا وهولندا وكندا والولايات المتحدة الاعتراف رسميا بأن تشويه الأعضاء التناسلية يمثل شكلا من أشكال الاضطهاد، وأن ذلك يعدُّ أساسا لمنح صفة اللاجئ.
 وفى إحدى الحالات تم الاعتراف بامرأة كلاجئة؛ لأنها خشيت التعرض للاضطهاد في بلدها بسبب رفضها إيقاع تشويه للأعضاء التناسلية لابنتها الرضيعة.
ويجوز أن يكون أصحاب الميول الجنسية المثلية مؤهلين للحصول على صفة اللاجئ على أساس التعرض للاضطهاد بسبب انتمائهم إلى طائفة اجتماعية معينة.
وتقضي سياسة المفوضية بأن الأشخاص الذين يواجهون هجوماً، أو معاملة لا إنسانية، أو تمييزاً خطيراً بسبب ميولهم الجنسية المثلية، وتكون حكوماتهم عاجزة عن حمايتهم أو غير مستعدة لذلك، ينبغي الاعتراف بهم كلاجئين([40]).

المبحث الثاني
حكم اللجوء السياسي في الفقه
الإسلامي وضوابطه
على الرغم من أن مسألة اللجوء السياسي تتبع مجال القانون الدولي وتخضع للعهود والمواثيق الدولية، إلا أن الفقه الإسلامي كان له قصب السبق في بيان الأحكام الفقهية لهذه المسألة من خلال النصوص الشرعية والقواعد الكلية، وقد تناول فقهاء المسلمين حكم اللجوء السياسي من جهة لجوء غير المسلم إلى بلاد المسلمين، ومن جهة لجوء المسلم إلى بلاد غير المسلمين، كما تعرضوا لذكر ضوابط وشروط ذلك اللجوء، وذلك في المطالب التالية:
المطلب الأول
حكم اللجوء السياسي في الفقه الإسلامي
اللجوء في الفقه الإسلامي يتصور في حالتين:
الأولى: لجوء غير المسلم إلى بلاد المسلمين.
والثانية: لجوء المسلم إلى بلاد غير المسلمين.
وسيتناول هذا المطلب هاتين الحالتين بالبيان، وذلك على النحو التالي:
أولاً: حكم لجوء غير المسلم إلى بلاد المسلمين:
تقدم أن فقهاء المسلمين تناولوا حكم اللجوء تحت مصطلح عقد الأمان، وللأمان تعريفات عدة، من أدقها: تعريف ابن عرفة، حيث قال: "رفع استباحة دم الحربي ورقِّه وماله حين قتاله: أو العزم عليه، مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما "([41]).
وقد ثبتت مشروعية الأمان بأدلة من الكتاب الكريم والسنة المطهرة والإجماع.
فمن الكتاب الكريم قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ)([42]).
قال القرطبي: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ) أي من الذين أمرتك بقتالهم (اسْتَجَارَكَ) أي سأل جوارك أي أمانك وذمامك فأعطه إياه ليسمع القرآن، أي يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه، فإن قبل أمراً فحسن، وإن أبى فرده إلى مأمنه، وهذا ما لا خلاف فيه"([43]).
وأما من السنة المطهرة: فقد وردت أحاديث كثيرة دلت على مشروعية الأمان، منها: ما رواه الشيخان عن علي بن أبي طالب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم"([44])، قال النووي" "المراد بالذمة -هنا- الأمان، ومعناه: أن أمان المسلمين للكافر صحيح، إذا أمنه به أحد من المسلمين حرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم"([45])، وقال الترمذي: "ومعنى هذا عند أهل العلم: أن من أعطى الأمان من المسلمين فهو جائز عن كلهم([46]).
وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة: "ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام وجب أن يعطاه، ثم يرد إلى مأمنه، لا نعلم في هذا خلافاً"([47]).
فعقد الأمان يقتضي ترك القتل والقتال مع الحربيين، وعدم استباحة دمائهم وأموالهم أو استرقاقهم، والتزام الدولة الإسلامية توفير الأمن والحماية لمن لجأ إليها من الحربيين واستقر تحت حكمها مدة محدودة([48]).
فالمستأمن كافر حربي، أبيح له المقام بدار الإسلام من غير التزام جزية؛ وذلك لغرض مشروع([49])، كسماع القرآن ومعرفة دعوة الإسلام أو لأداء رسالة، أو طلب صلح، أو مهادنة، أو لتجارة، أو لعلاج، أو لنحو ذلك من الأغراض المشروعة، التي لا تتعارض مع الأحكام الشرعية، ولا مع مصلحة المسلمين العامة([50]).
ثانياً: حكم لجوء المسلم إلى بلاد غير المسلمين:
لجوء المسلم إلى بلاد غير المسلمين من النوازل والمسائل المستحدثة، إذ أن هذه المسألة لم تبرز عبر تاريخ الأمة الإسلامية الطويل؛ لوجود الخلافة الإسلامية التي ترعى المسلمين في العالم الإسلامي العريض، فكان المسلم إذا ضاقت عليه الأمور في مكان انتقل من أرض إلى أخرى بحرية ودون قيود، أما بعد سقوط الخلافة وتقسيم العالم الإسلامي إلى دول عديدة ووضع قيود على انتقال المسلم مع ما قد يتعرض له في بلاده من ظروف يضطر معها للمغادرة برزت مسألة لجوء المسلم إلى بلاد غير المسلمين؛ طلبا للأمن أو للرزق، وقد تناول الفقهاء المسلمون هذه المسألة بالبيان تأسيسا على مسألة حكم الإقامة بين الكفار، وحكم الهجرة من بلاد غير المسلمين، وهذا ما تتناوله المسألتان التاليتان:
المسألة الأولى: هل حكم الهجرة قائم أم نسخ؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على مذهبين:
المذهب الأول: أن الهجرة انقطعت بعد فتح مكة.
وهو قول بعض الحنفية([51]) والقاضي من الحنابلة([52]) ولهم في ذلك أدلة منها:
1- قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا هجرة بعد الفتح"([53]).
2- لما أسلم صفوان بن أمية، قيل له: لا دين لمن لم يهاجر، فأتى المدينة فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما جاء بك يا أبا وهب؟" قال: قيل له: إنه لا دين لمن لم يهاجر، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة، وأقروا على مساكنكم، فقد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية"([54]).
نوقش هذا:
1- أما الحديث الأول: فقد قال ابن قدامة "أراد بها لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فتح"([55])، وقال النووي: "معناه: لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضلها قبل الفتح، كما قال الله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)([56])، قال الماوردي: لأنها كانت قبل الفتح أشق منها بعده، فكان فضلها أكثر من فضلها بعده([57]).
2- وقوله لصفوان: إن الهجرة قد انقطعت، يعني من مكة، لأن الهجرة: الخروج من بلد الكفار، فإذا فتح لم يبق بلد الكفار، فلا تبقى منه هجرة، وإنما الهجرة إليه، لا منه.
وأخرج البخاري عن عطاء بن أبي رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير الليثي، فسألناها عن الهجرة، فقالت: "لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- مخافة أن يفتن عليه، أما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، واليوم يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية"([58]).
قال ابن حجر: "قوله (فسألها عن الهجرة) أي التي كانت قبل الفتح واجبة إلى المدينة، ثم نسخت بقوله: "لا هجرة بعد الفتح"، وقولها (لا هجرة اليوم) أي بعد الفتح، وقولها (كان المؤمنون ..) أشارت عائشة رضي الله عنها إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه، وإلا وجبت، ومن ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها، لما يرتجي من دخول غيره في الإسلام.
وقال الخطابي: كانت الهجرة -أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم- في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت لما هاجر إلى المدينة إلى حضرته؛ للقتال معه، وتعلم شرائع الدين، وقد أكد الله ذلك في عدة آيات، حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ)([59])، فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب([60]).
وقال البغوي في شرح السنة: يحتمل الجمع بينهما بطريق آخر بقوله: "لا هجرة بعد الفتح" أي من مكة إلى المدينة، وقوله: "لا تنقطع الهجرة" أي من دار الكفر في حق من أسلم إلى دار الإسلام، قال: ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن قوله: "لا هجرة" أي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، حيث كان بنية عدم الرجوع إلى الوطن المهاجر منه إلا بإذن، وقوله: "لا تنقطع" أي هجرة من هاجر على غير هذا الوصف من الأعراب ونحوهم([61]).
قال ابن حجر: "قلت: الذي يظهر أن المراد بالشق الأول -وهو المنفي- ما ذكره في الاحتمال الأخير، وبالشق الآخر المثبت ما ذكره في الاحتمال الذي قبله، وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلي بلفظ: "انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار -أي مادام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن عن دينه"([62]).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه: "وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا هجرة بعد الفتح" وقال: "لا تنقطع الهجرة" وكلاهما حق، فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه، وهي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب، فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب، وكان الإيمان بالمدينة، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة على من يقدر عليها..([63])
المذهب الثاني: حكم الهجرة باق إلى يوم القيامة.
وهو قول عامة أهل العلم، ولهم في ذلك أدلة منها:
1-             قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"([64]).
2-             وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو"([65]).
3-             ولإطلاق الآيات والأخبار الدالة، ولتحقق المقتضي لها في كل زمان.
ولا شك أن مذهب الجمهور هو الأظهر في هذه المسألة لقوة ما استدلوا به وصراحته وضعف ما استدل به المذهب الأول.
المسألة الثانية: حكم لجوء المسلم إلى بلاد غير المسلمين:
هذه المسألة تشتمل على صور عديدة مما يقتضي تحرير محل النزاع وذلك على النحو التالي:
أولاً: من قدر على الهجرة وخاف الفتنة في دينه يجب عليه الخروج.
قال ابن كثير([66]): "فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكناً من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع، وبنص هذه الآية حيث يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي بترك الهجرة (قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ) أي لم مكثتم هاهنا وتركهم الهجرة؟ (قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ) أي لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض (قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً) الآية.
وقال رسول -صلى الله عليه وسلم-: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله"([67]).
قال القاري: "الهجرة واجبة من دار الكفر على من أسلم وخشي أن يفتن في دينه"([68]).
ثانياً: من عجز عن الهجرة لم يجب عليه الخروج:
قال ابن كثير([69]): "وقوله تعالى: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ) إلى آخر الآية، هذا عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: (لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) قال مجاهد: يعني طريقاً، وقوله تعالى: (فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ) أي يتجاوز الله عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة (وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً)  قال البخاري عن أبي هريرة قال: بينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده؛ ثم قال قبل أن يسجد: "اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف"([70])، وقال البخاري عن ابن عباس: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ) قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل([71]).
قال شيخ الإسلام: "وبالجملة فلا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر، وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة لا يجب عليه شيء من الشرائع ما يعجز عنها، بل الوجوب بحسب الإمكان"([72]).
ثالثاً: اختلف الفقهاء في ما عدا هاتين الصورتين على مذهبين:
المذهب الأول: يجب على من أسلم بدار الحرب أن يهاجر ويلحق بدار المسلمين؛ لئلا تجري عليه أحكامهم، ولا يجوز لأحد من المسلمين دخول أرض شرك لتجارة ولا لغيرها إلا لمفاداة مسلم، وواجب على والي المسلمين أن يمنع الدخول إلى أرض الحرب للتجارة، ويضع المراصد في الطرق والمسالك لذلك حتى لا يجد أحد السبيل إلى ذلك، لاسيما إن خشي أن يحمل إليهم ما لا يحل بيعه منهم، مما هو قوة على أهل الإسلام، وهذا مذهب المالكية([73])، واختيار الشوكاني([74])، واستدلوا بما يلي:
1-        قال ابن رشد: "وأصل الكراهية لذلك: أن الله تعالى أوجب الهجرة على من أسلم ببلاد الكفر إلى بلاد المسلمين، حيث تجري عليه أحكامهم، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ)([75])، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً)([76])، نزلت هذه الآية فيما قال ابن عباس وغيره من أهل التأويل والتفسير في قوم من أهل مكة كانوا قد أسلموا وآمنوا بالله ورسوله، فتخلفوا عن الهجرة معه حين هاجر، فعرضوا على الفتنة فافتتنوا، وشهدوا مع المشركين حرب المسلمين، فأبى الله قبول معذرتهم التي اعتذروا بها حيث يقول مخبراً عنهم:  (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا) أي فتتركوا هؤلاء الذين يستضعفونكم (فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً)، ثم أنزل الله تعالى عذر أهل الصدق فقال: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) أي لا يهتدون سبيلا يتوجهون إليه، لو خرجوا لهلكوا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، يعني في إقامتهم بين ظهراني المشركين([77]).
2-        قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله"([78])، قال الشوكاني([79]): "قوله: "فهو مثله" فيه دليل على تحريم مساكنة الكفار ووجوب مفارقتهم، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم لكن يشهد لصحته قوله تعالى: (فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ)([80]) وحديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده مرفوعاً: "لا يقبل الله من مشرك عملاً بعد ما أسلم أو يفارق المشركين"([81]).
3-        إن مساكنة المشركين فيها كثير من المفاسد الدينية والدنيوية، منها:
ظهور شعار الكفر على المسلم مما ينافي علو الإسلام وكلمة التوحيد، وفيها تعريض الصلاة للإضاعة والازدراء والهزء واللعب، كما قال عز وجل: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً)([82])، وتضييع الزكاة بعدم إخراجها لفقد مستحقيها، ومنها: الإذلال والإهانة للمسلم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه"([83])، وقال: "اليد العليا خير من اليد السفلى"([84])، ومنها: الخوف على النفس والأهل والولد والمال من شرارهم وسفهائهم، ومنها: الخوف من الفتنة في الدين، ومنها: الخوف من سريان عوائدهم ولسانهم ولباسهم إلى المقيمين معهم بطول السنين، ومنها: الاستغراق في مشاهدة المنكرات، والتعرض لملابسة النجاسات، وأكل المحرمات والمتشابهات، فقد ثبت بهذه المفاسد الواقعة والمتوقعة تحريم هذه الإقامة، وحظر هذه المساكنة([85]).
ونوقش هذا الاستدلال بما يلي:
1-        أما الاستدلال بالآية الكريمة: فيحمل على من قدر على الهجرة وخشي الفتنة في دينه ولم يفعل، كما دلت عليه أدلة المذهب الثاني، قال الشافعي: "ودلت سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أن فرض الهجرة على من أطاقها إنما هو على من فتن في دينه بالبلد الذي يسلم بها؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم: العباس بن عبد المطلب وغيره، إذ لم يخافوا الفتنة، وكان يأمر جيوشه أن يقولوا لمن أسلم: "إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين، وإن أقمتم فأنتم كأعراب، وليس بخيرهم إلا فيما يحل لهم"([86]).
وقال الطاهر بن عاشور: "وقد اتفق العلماء على أن حكم هذه الآية انقضى يوم فتح مكة؛ لأن الهجرة كانت واجبة لمفارقة أهل الشرك وأعداء الدين، وللتمكن من عبادة الله دون حائل يحول عن ذلك، فلما صارت مكة دار إسلام ساوت غيرها، ويؤيده حديث: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية"([87]) فكان المؤمنون يبقون في أوطانهم إلا المهاجرين يحرم عليهم الرجوع إلى مكة، وفي الحديث: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم"([88]) قاله بعد أن فتحت مكة"([89]).
2-        أما الأحاديث فتحمل على أحوال معينة، كما ذكر الطبري بإسناده عن قتادة في تفسير قوله تعالى: (وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)([90])، قال: "كان الرجل ينزل بين المسلمين والمشركين فيقول: إن ظهر هؤلاء كنت معهم، وإن ظهر هؤلاء كنت معهم، فأبى الله عليهم ذلك، وأنزل الله في ذلك، فلا تراءى نار المسلم ونار المشرك إلا صاحب جزية مقراً بالخراج"([91]).
ويمكن أن تحمل على من خشي على دينه وقدر على الهجرة ولم يهاجر كما قال ابن القيم: "ومنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إقامة المسلم بين أظهر المشركين إذا قدر على الهجرة من بينهم([92]) وقال: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"([93]).
وأما من يأمن على نفسه ودينه فيرخص له في الإقامة، كما قال البيهقي: باب الرخصة في الإقامة بدار الشرك لمن لا يخاف الفتنة([94])، و ذكر مجموعة من الأحاديث التي سيرد ذكر بعضها في أدلة المذهب الثاني.
المذهب الثاني: التفصيل، وهو مذهب الحنفية([95])، والشافعية([96])، والحنابلة([97])، قالوا: الناس في الهجرة علي ثلاثة أضرب:
الأول: من تجب عليه، وهو: من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة؛ لقوله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً)([98])، وهذا وعيد شديد، يدل على الوجوب.
ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: "أنا بريء من مسلم بين مشركين، لا تراءى ناراهما"([99]) ومعناه: لا يكون بموضع يرى نارهم ويرون ناره إذا أوقدت، وقال الماوردي: ومعناه: لا يتفق رأيهما، فعبر عن الرأي بالنار، لأن الإنسان يستضيء بالرأي كما يستضيء بالنار([100]).
ولأن القيام بواجب دينه واجب على من يقدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الثاني: من لا هجرة عليه: وهو من يعجز عنها؛ إما لمرض، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم، فهذا لا هجرة عليه؛ لقوله عز وجل: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً* فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً)([101])، ولا توصف باستحباب؛ لأنه غير مقدور عليها.
قال ابن عباس: "كنت أنا وأمي من المستضعفين ممن عذر الله، هي من النساء وأنا من الولدان"([102]).
الثالث: من تستحب له ولا تجب عليه: وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر، فتستحب له؛ ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه؛ لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة، وقد كان العباس عم النبي -صلى الله عليه وسلم- مقيما بمكة مع إسلامه.
ومما يستدل به لهذا المذهب:
1-        عن أبي سعيد الخدري أن أعرابياً أتى النبي فسأله عن الهجرة فقال: "ويحك، إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟" قال: نعم، قال: "فتعطي صدقتها؟" قال: نعم، قال: "فهل تمنح منها؟" قال: نعم، قال: "فتحلبها يوم ورودها؟" قال: نعم قال: "فاعمل من وراء البحار؛ فإن الله لن يَتِرَكَ من عملك شيئاً"([103]).
ووجه الدلالة من الحديث ظاهرة، حيث لو كانت الهجرة واجبة عليه لما صرفه النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها([104]).
2-        أخرج مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "أغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله..." إلى أن قال: "ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين"([105]).
قال النووي: "معنى هذا الحديث: أنهم إذا أسلموا استحب لهم أن يهاجروا إلى المدينة، فإن فعلوا ذلك كانوا كالمهاجرين قبلهم في استحقاق الفيء والغنيمة وغير ذلك، وإلا فهم أعراب، كسائر أعراب المسلمين الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو"([106]).
وبهذا يتبين رجحان مذهب الجمهور؛ لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة، وقد ذهب الشافعية([107]) إلى أن من يقدر على الامتناع والاعتزال ويقدر على الدعاء -أي الدعوة- والقتال، فهذا يجب عليه أن يقيم في دار الحرب؛ لأنها صارت بإسلامه واعتزاله دار الإسلام، ويجب عليه دعاء المشركين إلى الإسلام بما استطاع من نصرته بجدال أو قتال.
ومن يقدر على الامتناع والاعتزال ولا يقدر على الدعاء والقتال، فهذا يجب عليه أن يقيم ولا يهاجر، لأن داره صارت باعتزاله دار إسلام، وإن هاجر عنها عادت دار حرب، ولا يجب عليه الدعاء والقتال لعجزه عنه.
وذهبوا إلى أنه يستثنى من وجوب الهجرة من في إقامته مصلحة للمسلمين، فقد حكى ابن عبد البر وغيره أن إسلام العباس كان قبل بدر، وكان يكتمه، ويكتب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأخبار المشركين، وكان المسلمون يثقون به، وكان يحب القدوم على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكتب إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مقامك بمكة خير، ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة.
وبينوا أن محل استحباب الهجرة ما لم يرج ظهور الإسلام هناك بمقامه، فإن رجاه فالأفضل أن يقيم، ولو قدر على الامتناع بدار الحرب والاعتزال وجب عليه المقام بها؛ لأن موضعه دار إسلام، فلو هاجر لصارت دار حرب، فيحرم ذلك، نعم إن رجي نصرة المسلمين بهجرته فالأفضل أن يهاجر.
وبناء على ما ترجح وهو استحباب الهجرة لا وجوبها، فإن دخول البلاد غير الإسلامية والإقامة بها جائز، لاسيما عند الحاجة إلى ذلك أو الاضطرار إليه، وهذا ما قرره إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان الصادر عن منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1990م حيث نص في المادة الثانية عشرة على أن: "لكل إنسان الحق -في إطار الشريعة- في حرية التنقل، واختيار محل إقامته داخل بلاده أو خارجها، وله إذا اضطهد حق اللجوء إلى بلد آخر، وعلى البلد الذي لجأ إليه أن يجيره حتى يبلغ مأمنه، ما لم يكن سبب اللجوء اقتراف جريمة في نظر الشرع"([108]).
ويمكن أن يستدل لهذا الحكم بما يلي:
أولاً: حين رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- من الطائف دخل في جوار المطعم بن عدي وكان كافراً([109])، وقد حفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- للمطعم هذا الجميل، فقال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنة لتركتهم له"([110]) أي لو كلمه في طلب فدائهم لتركهم له النبي -صلى الله عليه وسلم- بلا فداء؛ جزاء صنيعه قبل الهجرة.
ثانياً: دخول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في جوار ابن الدغنة، وذلك لما ضاقت عليه مكة وأصابه الأذى استأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة فأذن له، فخرج مهاجراً حتى إذا سار من مكة يوماً لقيه ابن الدغنة وهو سيد الأحابيش سأله عن سبب خروج فأخبره فقال له: ارجع فإنك في جواري، فرجع معه ودخل في جواره([111]).
ثالثاً: هجرة الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة ودخولهم في جوار النجاشي قبل إسلامه([112])، ومنهم: من بقي فيها حتى قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- في السنة السابعة من الهجرة، كما قال أبو موسى رضي الله عنه: "بلغنا مخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن باليمن فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافقنا النبي -صلى الله عليه وسلم- حين افتتح خيبر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان"([113]).
فهذه الأدلة تدل على مشروعية لجوء المسلم إلى غير بلاد الإسلام عند الحاجة لذلك، وقد ذكر ابن حزم أن محمد بن شهاب الزهري كان عازماً على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم، لأن الوليد بن يزيد كان نذر دمه إن قدر عليه، وقد كان هو الوالي بعد هشام، قال ابن حزم: "من كان هكذا فهو معذور"([114]).
المطلب الثاني
ضوابط اللجوء السياسي في الفقه الإسلامي
أولاً: ضوابط لجوء غير المسلم إلى البلاد الإسلامية:
 ذكر الفقهاء جملة من الضوابط والشروط لمنح غير المسلم حق اللجوء إلى بلاد المسلمين؛ وذلك لحفظ الدولة الإسلامية من دخول المفسدين وأصحاب الأغراض السيئة: كالجواسيس، والمجرمين، ومن هذه الضوابط ما يلي:
الضابط الأول: من يملك منح اللجوء السياسي لغير المسلم:
تقدم أن الفقه الإسلامي يعبر عن اللجوء السياسي بعبارة أخرى وهي (عقد الأمان) وقد تناول الفقهاء صوراً عديدة تبين من له الحق في منح عقد الأمان، لغير المسلمين، وذلك على النحو التالي:
أولاً: لا خلاف بين الفقهاء في أن أمان إمام المسلمين جائز؛ لأنه مقدم للنظر والمصلحة، ولأنه نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع المضار([115]).
ثانياً: يصح أمان أمير جيش المسلمين لأهل بلدة ولي قتالهم فقط، أما في حق غيرهم فهو كآحاد المسلمين؛ لأن له الولاية على قتال أولئك دون غيرهم([116]).
ثالثاً: اختلف الفقهاء في أمان آحاد المسلمين على مذهبين:
المذهب الأول: يصح الأمان من الواحد، سواء أمّن جماعة كثيرة، أم قليلة أم أهل مصر أو قرية، وهو مذهب الحنفية([117]).
لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ويسعى بذمتهم أدناهم"([118])، ولأن الوقوف على حالة القوة والضعف لا يقف على رأي الجماعة، فيصح من الواحد.
المذهب الثاني: يصح الأمان من الواحد لأهل القرية الصغيرة و العدد القليل، أما تأمين العدد الذي لا ينحصر فهو من خصائص الإمام، وهو مذهب الجمهور([119]) لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد بأمانهم، ويؤدي إلى الافتيات على الإمام.
وهو الأظهر، وعموم الحديث الذي استدل به الحنفية مخصوص بما لا يؤدي إلى الإضرار بالمسلمين، كأمان الكافر وغير المكلف.
الضابط الثاني: أن لا يترتب على عقد الأمان ضرر بالمسلمين:
أجيز عقد الأمان لما فيه من المصالح الدينية والدنيوية كما تقدم، فإذا ترتب على ذلك إضرار بالمسلمين في دينهم أو دنياهم فلا يصح عقد الأمان، لأن شروط صحة عقد الأمان أن لا يكون فيه مضرة للمسلمين([120]).
الضابط الثالث: شروط من يبذل الأمان:
 ذكر الفقهاء شروطاً عديدة لمن يحق له منح حق اللجوء السياسي لغير المسلمين؛ وذلك لخطورة هذا التصرف وما يتبعه من آثار دينية وأمنية واقتصادية على مجتمع المسلمين، ومن هذه الشروط:
الشرط الأول: الإسلام، فلا يصح أمان الكافر ولو كان يقاتل مع المسلمين عند عامة الفقهاء([121])، وذلك لأنه متهم في حق المسلمين فلا تؤمن خيانته، ولأنه إذا كان متهماً فلا يدري هل بنى أمانه على مراعاة مصلحة المسلمين أم لا؟
وذهب الأوزاعي إلى أن الذمي لو غزا مع المسلمين فأمّن أحداً من الكفار، فللإمام الخيار بين إمضائه أو رد المستأمن إلى مأمنه([122])، والأول أظهر.
الشرط الثاني: العقل، فلا يصح أمان المجنون بالاتفاق، لأن العقل شرط الأهلية، وهو فاقد له، ولأن كلمه غير معتبر، فلا يثبت به حكم([123]).
الشرط الثالث: البلوغ، فلا يصح أمان الصبي غير المميز بالاتفاق، قال ابن المنذر. أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز، وقال الخطابي: لأن القلم مرفوع عنه([124]).
واختلفوا في أمان الصبي المميز على مذهبين:
المذهب الأول: يصح أمانه إذا راهق البلوغ.
وهو قول مالك([125]) وأحمد في رواية([126])، ومحمد بن الحسن([127])، ودليلهم: عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ويسعى بذمتهم أدناهم"([128]) فهو مسلم مميز يعقل الإسلام ويصفه فيصح أمانه كالبالغ؛ لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه في كثير من الأحكام.
المذهب الثاني: لا يصح أمانه.
وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف([129]) والشافعي([130]) وأحمد في رواية([131])، ودليلهم: أن الصبي مرفوع عنه القلم حتى يبلغ، والأمان أمر خطير لاسيما وقت الحرب، فيحتاج إلى عقل راجح لتقدير المصالح والمفاسد المترتبة عليه والصبي والمجنون ليسا من أهل النظر في العواقب.
وهو الأظهر؛ سداً للذرائع، ومنعاً للضرر الذي قد يصيب المسلمين من ذلك لو أجزنا أمان الصبي، وأما ما استدل به المذهب الأول فيمكن أن يقال: بأن الحديث خطاب للبالغين كسائر الأدلة الشرعية؛ لأن البلوغ والعقل مناط التكليف.
الشرط الربع: الاختيار، فلا يصح أمان المكره؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"([132])، والأمان تحت الإكراه قول أكره عليه بغير حق، فلم يصح، كالإكراه على الإقرار والطلاق ونحو ذلك، واختلفوا في أمان الأسير المسلم على مذهبين:
المذهب الأول: لا يصح أمان الأسير.
وهو قول الحنفية([133]) والمالكية([134]) والأصح عند الشافعية([135]) والثوري([136])، ودليلهم: أن الأسير المسلم مقهور في يد الكفار، فهو متهم في حق بقية المسلمين؛ لأنه غير آمن، فصار في حكم المكره.
المذهب الثاني: يصح أمان الأسير.
وهو قول مرجوح للشافعية([137]) والحنابلة والأوزاعي([138])، ودليلهم: عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ويسعى بذمتهم أدناهم"([139]).
والأول أظهر؛ لأن دليل المذهب الثاني مخصوص بالأدلة الأخرى الدالة على عدم اعتبار تصرفات المكره والمخطئ والناسي.
الشرط الخامس: الذكورة، لا خلاف بين الفقهاء في أن أمان المرأة جائز، قال الخطابي: أجمع عامة أهل العلم أن أمان المرأة جائز، ولكن اختلفوا في نفاذه على مذهبين:
المذهب الأول: أمان المرأة صحيح نافذ، وهو مذهب الجمهور([140])، ودليلهم:
1- حديث أم هاني المتقدم، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "قد أجرنا من أجرت يا أم هاني"، وجاء في رواية: "وآمنا من آمنت"([141]) أي أعطينا الأمان لمن أعطيته، قال النووي: استدل بعض أصحابنا وجمهور العلماء بهذا الحديث على صحة أمان المرأة، قالوا: وتقدير الحديث: حكم الشرع صحة جوار من أجرت.
2- عن عائشة رضي الله عنها قالت: "إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين فيجوز"([142]).
المذهب الثاني: أمان المرأة موقوف على إذن الإمام، وهو قول بعض المالكية([143]).
وحملوا أدلة الجمهور على إجازة أمان المرأة لا صحته في نفسه.
والأول أظهر لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينكر عليها الأمان، ولو كان أمانها غير صحيح لبيّن ذلك لئلا يغتر به.
الضابط الرابع: ألا يرتكب ناقضاً من نواقض عقد الأمان:
ينتقض عقد الأمان بأمور منها:
الأول: نقض الإمام: لو رأى الإمام المصلحة في نبذ الأمان، وكان بقاؤه شراً على المسلمين، فله ذلك([144])؛ لقوله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء)([145]) أي جهراً لا سرا، وينبغي أن يعلمهم بذلك؛ لما روى أبو داود، والترمذي، عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية والروم عهد وكان يسير نحو بلادهم؛ ليقرب حتى إذا انقض العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا هو عمرو بن عنبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشدّ عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء"، فرجع معاوية بالناس([146]).
الثاني: رد المستأمن الأمان: قال النووي: إن المستأمن إذا نبذ العهد وجب تبليغه المأمن، ولا يتعرض لما معه بلا خلاف([147]).
الثالث: مضي مدة الأمان: إذا كان الأمان مؤقتاً فإنه ينقضي بمضي المدة المقررة من غير حاجة للنقض([148]).
وقد اختلف الفقهاء في تحديد مدة عقد الأمان:
فذهب الحنفية إلى أنها تقدر بسنة واحدة([149]) وهو قول للشافعية([150])، وذهب الشافعية في قول آخر إلى تقديرها بأربعة أشهر([151])، وذهب الحنابلة إلى تقديرها بعشر سنين([152])، والأظهر في هذا أن التقدير يترك لنظر ولي الأمر بحسب الحاجة لأنه لم يرد نص يستند إليه في تقديرها، فيرجع في ذلك إلى النظر والاجتهاد.
الرابع: عودة المستأمن إلى دار الحرب: لو عاد المستأمن إلى الكفار مستوطناً أو محارباً ولو إلى غير داره فإنه ينتقض أمانه في نفسه لا في ماله عند جمهور الفقهاء([153])، أما إن عاد لتجارة أو متنزهاً، أو لحاجة يقضيها ثم عاد إلى دار الإسلام فهو على أمانه.
الخامس: عدم ارتكاب خيانة:
1- قرر الفقهاء أن المستأمن لو دخل دار الإسلام بأمان لمدة محددة وكان قد شرط عليه عدم القيام بالتجسس على عورات المسلمين أو الدلالة على عوراتهم بالمكاتبة أو غيرها فإنه ينتقض عهده بذلك بالاتفاق، وذلك لأن المعلق على شرط يكون معدوما عند عدم المشروط، وإذا نقض العهد فإنه لا يستحق تبليغ المأمن، لأنه نقض عهده، وفعل ما فيه ضرر على المسلمين وهو أشبه ما لو قاتلهم.
2- أما لو دخل مستأمن دار الإسلام بأمان لمدة محددة ولم يشرط عليه عدم القيام بالتجسس، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: من دخل دار الإسلام بأمان ثم تبين أنه جاسوس ينقل أخبار المسلمين إلى العدو فإنه ينتقض أمانه بذلك.
وهو قول المالكية([154]) والحنابلة([155])، ودليلهم:
1- ما رواه الشيخان عن سلمة بن الأكوع قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- عينٌ من المشركين -وهو في سفر- فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انفتل فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اطلبوه واقتلوه" فقتلته، فنفله سلبه([156]).
قال ابن حجر: وقد ظهر الباعث على قتله وأنه اطلع على عورة المسلمين وبادر ليعلم أصحابه فيغتنمون غرتهم، وكان في قتله مصلحة للمسلمين.
3- أن الأمان لا يقتضي التجسس، بل يقتضي الامتناع عنه، فإن فعله المستأمن انتقض أمانه، ولو لم نجعله ناقضاً للعهد بهذا رجع إلى الاستخفاف بالمسلمين وضياع هيبتهم.
المذهب الثاني: لا ينتقض عهد المستأمن بذلك وإنما يعاقب عقوبة منكلة ويحبس
وهو قول الحنفية([157])، والشافعية([158]). ودليلهم:
أن المسلم إذا تجسس لم يكن تجسسه ناقضاً لإيمانه فكذلك تجسس المستأمن لا يكون ناقضاً لأمانه.
ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأن هذا قياس مع الفارق، إذ إن العاصم لدم المسلم هو الإسلام والإيمان لا العقد أو الشرط، فلا ينقض إسلامه إلا بنواقض الإسلام المعروفة، وليس منها التجسس، في حين أن المستأمن إنما يعصم نفسه وماله بعقد الأمان، فحيث أخل بهذا الشرط يرجع الحكم إلى الأصل، وهو إباحة دمه وماله.
والأول أظهر، لأن المستأمن ثبت له الأمان بمقتضى عقد الأمان، فإذا ثبت عليه استغلال ذلك للتجسس على الدولة الإسلامية فإنه يعتبر بذلك مخالفاً لشروط الأمان، ويستحق العقوبة، وأدنى ما يمكن اتخاذه معه اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، ويطلب منه مغادرة البلاد على الفور، مع مطالبة بلاده باتخاذ العقوبة اللازمة في حقه، ويمكن اتخاذ عقوبة أشد من ذلك بحسب ما يراه الحاكم المسلم.
السادس: عدم ارتكاب المستأمن جناية:
لقد اختلفت مذاهب الفقهاء في عقوبة المستأمن إذا صدرت منه بعض الجرائم التي تمس حقوق الله تعالى أو حقوق العباد([159])، إلا أنهم لم يقولوا بنقض عقد الأمان في حقه بسبب ارتكابه تلك الجناية كما هو مثبت في الهامش.
ثانياً: ضوابط لجوء المسلم إلى البلاد غير الإسلامية:
ذكر بعض الباحثين ضوابط لجواز لجوء المسلم إلى البلاد غير الإسلامية منها:
الضابط الأول: أن يؤكد من وقوع الظلم عليه في دار الإسلام، ويختار الأرض التي يكون فيها آمناً هو وأهله وأمواله، ويمكنه أن يعبد الله بحرية أكثر من بلده الذي كان فيه.
الضابط الثاني: أن لا يعين الكفار على المسلمين بأي أسلوب من أساليب الإعانة، كأن يفشي لهم أسرار المسلمين، أو أن يقاتل معهم ضد المسلمين.
الضابط الثالث: أن ينوي الرجوع إلى دار الإسلام فوراً بعد أن تزول الأسباب التي من أجلها ترك دار الإسلام.
الضابط الرابع: أن يكون سفيراً إسلامياً في تلك البلاد بخلقه وعمله وإخلاصه، وأن يقوم بتعريف الناس بالإسلام إذا كانت تسمح له ظروف تلك الدولة وقوانينها.
الضابط الخامس: الحرص على عدم التأثر بأحوال غير المسلمين، أو موافقتهم في عقائدهم أو أخلاقهم أو خصائصهم، سواء في ذلك اللاجئ في نفسه وكذلك أسرته ومن معه([160]).
قال الشيخ ابن عثيمين: "المقامة في بلاد الكفار لابد فيها من شرطين أساسيين:
- الشرط الأول: أمن المقيم على دينه بحيث يكون عنده من العلم والإيمان وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه والحذر من الانحراف والزيغ ...، مبتعدا عن موالاتهم ومحبتهم، فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي الإيمان.
- الشرط الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه، بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع([161]).

المبحث الثالث
مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي
من حيث حكم اللجوء السياسي وضوابطه
تبين من خلال العرض السابق لموقف كل من الفقه الإسلامي والقانون الدولي من مسألة اللجوء السياسي بعض مواضع الاتفاق والافتراق، ويمكن تلخيص هذه المواضع فيما يلي:
أولاً: من حيث حكم اللجوء السياسي:
1- يقرر فقهاء القانون الدولي أن اللجوء السياسي حق كفلته التشريعات الدولية وحثت عليه ودافعت عنه، وقد تكللت تلك الجهود بإنشاء المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، مما يؤكد أن حق اللجوء السياسي من الحقوق ذات الأهمية الكبرى في القانون الدولي.
والشريعة الإسلامية قد سبقت تلك التشريعات بقرون عديدة بتقرير هذا الحق السامي من خلال النصوص الشرعية والاجتهادات الفقهية التي بينت مشروعيته وضوابطه كما تقدم.
2- يتضح من العرض السابق أن حماية اللاجئين مسؤولية الدول، ومنح هذا الحق ملزم لها، لاسيما الدول المنضمة إلى اتفاقية 1951، وبروتوكول عام 1967، ويرى فقهاء القانون الدولي -على الرأي الراجح- أن حماية اللاجئ بعدم طرده أو رده إلى دولة الاضطراب من المبادئ العامة للقانون الذي أقرته الأمم المتمدنة، ومن ثم فهو ملزم لجميع الدول، ولو لم تكن أطرافاً في المعاهدات الدولية التي أقرته.
أما الفقه الإسلامي: فإنه يقرر بأن منح حق اللجوء لغير المسلم ليس قاصراً على الدولة فقط، بل هو حق ثابت لرئيس الدولة ونوابه وآحاد المسلمين المكلفين من الرجال أو النساء، كما دل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم"([162])، وقوله -صلى الله عليه وسلم- لأم هانئ: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ"([163])، ويمكن لولي الأمر أن يمنع رعايا الدولة الإسلامية من مباشرة هذا الحق إذا رأى في ذلك المصلحة، بحيث يقصر منحه على الجهات الرسمية في الدولة؛ استنادا إلى جواز تقييد ولي الأمر للمباح عند الحاجة.
كما أن الفقه الإسلامي لا يلزم الدولة بمنح حق اللجوء أو عقد الأمان لكل من طلبه، وإنما جعل ذلك واجبا في حالة المصلحة الدينية، كسماع القرآن والتعرف إلى الدين، أما في غير هذه الحالة فإن الدولة غير ملزمة بهذا الحق ولها أن تمتنع من منح الأمان إذا لم يكن في ذلك مصلحة خالصة أو راجحة، أو ترتب عليه ضرر عاجل أو آجل.
ولا يخفى أن انضمام الدولة الإسلامية إلى العهود والمواثيق الدولية يجعلها ملزمة بمقتضى تلك الاتفاقيات، استنادا إلى عموم قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)([164])، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "والمسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراما"([165]).
ثانياً: من حيث ضوابط اللجوء السياسي:
من خلال بيان ضوابط اللجوء السياسي في كل من القانون الدولي والفقه الإسلامي، تتضح بعض أوجه الاتفاق وأوجه الافتراق، وذلك كما يلي:
أولاً: أوجه الاتفاق:
1- يتفق القانون الدولي مع الفقه الإسلامي على ضرورة استيفاء الشروط والمعايير الخاصة بوضع طالب الأمان وحق اللجوء السياسي، بحيث يكون اختلال بعض تلك الشروط مانعا من منحه ذلك الحق.
فالحفاظ على مصلحة الدولة المانحة للأمان وحق اللجوء أمر بالغ الأهمية، ولهذا يشترط الفقه الإسلامي أن لا يترتب على عقد الأمان ضرر بالمسلمين، وذلك بإيواء المجرمين أو المفسدين للأديان أو الأبدان أو الأموال، وهو -أيضاً- ما أكده فقهاء القانون الدولي أن حق اللجوء لا يمنح لمن اقترف جريمة بحق السلام، أو جريمة حرب، أو جريمة ضد الإنسانية، أو ارتكب جريمة جسيمة خارج بلد الملجأ، أو ارتكب أعمالا مخالفة لأهداف ومبادئ الأمم المتحدة، وكل شخص هرب من دولته بسبب خروجه على القانون، لأن مثل هؤلاء يخضعون لمبدأ تسليم المجرمين في القانون الدولي.
2- يتفق كل من الفقه الإسلامي والقانون الدولي على أن رجوع اللاجئ بإرادته إلى البلد الذي تركه ليقيم فيه يرفع عنه صفة اللاجئ، بحيث لا يتمتع بالآثار المترتبة على ذلك، إلا أن الفقه الإسلامي يقرر أن رفع الأمان يكون في حق اللاجئ وحده، دون ماله أو أهله ما داموا باقين في دار الإسلام.
ثانياً: أوجه الافتراق:
1- يرى القانون الدولي أن أصحاب الميول الجنسية المثلية -وهم الشواذ- يستحقون منح حق اللجوء على أساس التعرض للاضطهاد بسبب انتمائهم إلى طائفة اجتماعية معينة.
والفقه الإسلامي لا يعد مثل هذا الأمر مسوغاً لمنح الأمان، لأن الشذوذ الجنسي جريمة في الشريعة الإسلامية، شرعت لها عقوبات وتعزيرات، حفاظاً على سلامة المجتمع من الانحراف الأخلاقي، ودرءاً للشرور والآفات التي وقعت في المجتمعات المتحررة، كما هو مشاهد في الواقع.
2- لا يعد القانون الدولي الأشخاص الذين لجأوا إلى الخارج مع استمرار تمتعهم بحماية ومساعدة حكوماتهم لاجئين، لأنهم لجأوا باختيارهم، في حين أن الفقه الإسلامي لا يشترط ذلك، فكل من طلب الأمان لدخول دار الإسلام يمكن أن يمنح هذا الحق، ولو كان يتمتع بحماية دولته، إذ لا يقصر الفقه الإسلامي حق اللجوء في حالات الاضطهاد السياسي، وإنما يجمل أسباب طلب الأمان بأن يكون غرضاً مشروعاً، فيشمل ذلك تحقيق المصالح الدينية والدنيوية: كالسفارة، والعلاج، والدراسة، والتجارة، ونحو ذلك.
3- يقرر الفقه الإسلامي أن عقد الأمان عقد مؤقت، ينتهي بانتهاء الغرض الذي منح لأجله، أو بانقضاء الأجل المحدد له، في حين أن القانون الدولي يرى أن هناك حالات يبقى فيها اللاجئون بصورة دائمة، ويندمجون في بلد لجوئهم، كما أن هناك حالات يمكن أن تزول فيها صفة اللاجئ عند زوال الأسباب التي أدت لمنحه حق اللجوء، ولا شك أن الإعادة الطوعية إلى الوطن هي الأفضل عندما تكون الظروف مناسبة لذلك.


الفصل الثالث
آثار حق اللجوء السياسي
يترتب على ثبوت حق اللجوء السياسي التزامات وواجبات على من ثبت له ذلك الحق، كالالتزام بقانون البلد المانح لحق اللجوء السياسي، وتولي الوظائف فيه، والتجنس بجنسيته، والمشاركة في الخدمة العسكرية([166])، ونحو ذلك من مسائل معاصرة يكثر السؤال عنها والحاجة ماسة لمعرفة حكمها في ضوء النصوص الدينية والقواعد الفقهية والمقاصد الشرعية، ونظراً لتشعب تلك المسائل وتفرعها سيقتصر هذا الفصل على مسألتين من تلك الآثار فقط، ويمكن معرفة حكم بقية المسائل في مظانها من الدراسات المعاصرة، وسيتناول هذا الفصل مبحثين، هما:
- المبحث الأول: التجنس بجنسية بلد اللجوء السياسي.
- المبحث الثاني: الخدمة العسكرية في بلد اللجوء السياسي.

المبحث الأول
التجنس بجنسية بلد اللجوء السياسي
الجنسية في اللغة مشتقة من الجنس، والجنس كما يقول ابن فارس: "هو الضرب من الشيء، قال الخليل: كل ضرب جنس، وهو من الناس والطير والأشياء جملة، والجمع أجناس"([167]).
وفي المعجم الوسيط: "الجنسية: الصفة التي تلحق الشخص من جهة انتسابه لشعب أو أمة"([168]).
وفي الاصطلاح القانوني: تعددت تعريفات فقهاء القانون للجنسية باعتبارات مختلفة:
- فمنهم: من يزاوج بين الجنسية والأمة، فعرفها بأنها علاقة الشخص بأمة معينة([169]).
ومنهم: من عدها رابطة بين الفرد والدولة، وليست وصفاً للشخص، سواء أكانت تلك الرابطة قانونية فقط كما عرفها د. فؤاد عبد المنعم رياض فقال: "علاقة قانونية بين الفرد والدولة، يصير الفرد بمقتضاها عضواً في شعب الدولة"([170])، أم كانت العلاقة قانونية سياسية كما عرفها د. جابر جاد عبد الرحمن بأنها: "العلاقة السياسية والقانونية التي تربط الفرد بدولة ما"([171]).
فمن خلال ما تقدم يظهر أن الجنسية رابطة سياسية وقانونية بين الشخص ودولة معينة، تجعله عضواً فيها، وتفيد انتماءه إليها، وتجعله في حالة تبعية سياسية لها، ويسمى من يتمتع بهذه الرابطة وطنياً، أما الذي لا يتمتع بها فهو الأجنبي.
فالجنسية نظام قانوني، تضعه الدولة؛ لتحدد به من هم وطنيوها، ويتم بمقتضاه التوزيع القانوني للأفراد في المجتمع الدولي.
ولجنسية الفرد أهمية كبرى في تحديد حقوق الشخص وواجباته، فللوطني حقوق أكثر، وعليه التزامات أكثر من الأجنبي، فمثلاً الحقوق السياسية قاصرة على الوطنيين، ولا يتمتع بها الأجانب، وبعض الواجبات قاصرة على الوطنيين كالخدمة العسكرية، والوطنيون لا يجوز إبعادهم عن إقليم الدولة بعكس الأجانب.
والذي يضع قواعد الجنسية في كل دولة هو قانونها الداخلي، وتختلف الدول فيما بينها في القواعد التي تنظم بمقتضاها جنسيتها([172]).
أما فيما يتعلق بمنح اللاجئ السياسي جنسية البلد الذي لجأ إليه، فقد جاء في المادة (34) من اتفاقية اللاجئين لعام 1951: "تسهل الدول المتعاقدة بقدر الإمكان استيعاب اللاجئين ومنحهم جنسيتها، وتبذل -على الخصوص- كل ما في وسعها لتعجيل إجراءات التجنس وتخفيض أعباء ورسوم هذه الإجراءات إلى أدنى حد ممكن"([173]).
وقد قرر فقهاء القانون الدولي الخاص أن اكتساب الجنسية لا يفرض فرضاً، كما أن الجنسية لا تنزع كرهاً، وقد أكدت المادة (15) من وثيقة إعلان حقوق الإنسان الصادرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948م هذا المعنى، حيث نصت على أنه: "لكل فرد حق التمتع بجنسية ما، وأنه لا يجوز -تعسفاً- حرمان أي شخص من جنسيته، ولا من حقه في تغيير جنسيته"([174]).
فإذا هاجر بعض الأشخاص من دولة إلى أخرى فلا يصح لهذه الدولة أن تفرض عليهم جنسيتها رغماً عنهم، بل يجب أن تحترم إرادتهم، فتفتح لهم باب التجنس، وتخفف من شرائطه إذا أرادت، أو تمنحهم جنسيتها بفضل القانون، فتضع القواعد العامة والشرائط الخاصة وتبيح لمن تنطبق عليه هذه القواعد أو استوفى هذه الشرائط أن يدخل في جنسيتها باختياره، أو تعده سلفاً من رعاياها ما دام يطلق جنسيتها في مدة معينة([175]).
فالتجنس الطارئ هو أن يكتسب الفرد جنسية أخرى غير جنسيته الأصلية، ويتم ذلك من خلال أمرين:
الأمر الأول: تعبير إرادي من جانب الفرد، حيث يعلن فيه عن رغبته في اكتساب جنسية الدولة، فلا يتصور التجنس مجرداً عن رغبة الفرد، إذ لا يجوز للدولة أن تفرض الجنسية الطارئة على الأفراد دون الاعتداد بإرادتهم في ذلك.
وهذا التعبير له وجهان:
أحدهما: سلبي، وهو رغبة الفرد في التخلي عن جنسيته الأولى.
وثانيهما: إيجابي وهو إرادة اكتساب جنسية جديدة.
الأمر الثاني: موافقة السلطات المختصة في الدولة على منح الفرد الجنسية، فرغبة الفرد وحدها لا تكفي لاكتساب جنسية الدولة، إذ تحتفظ الدولة بحق التقدير المطلق لقبول طلب التجنس من عدمه، وذلك عند توافر الشروط التي تضعها الدولة في المتقدم لطلب الجنسية.
وتختلف الشروط التي تضعها الدول لاكتساب الجنسية الطارئة وفقاً للأهداف التي تسعى إليها السياسة التشريعية في كل منها، ويمكن رد هذه الشروط إلى ثلاث فئات أساسية: شروط لازمة لاندماج الأجنبي في الجماعة الوطنية، وشروط تقتضيها حماية هذه الجماعة، بالإضافة على الشروط الخاصة بالأهلية([176]).
أما من الناحية الفقهية الشرعية، فقد اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم تجنس المسلم بجنسية دولة غير مسلمة، وذلك على ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: جواز تجنس المسلم بجنسية دولة غير مسلمة، وممن قال به: فضيلة أ. د. يوسف القرضاوي و فضيلة أ. د. وهبة الزحيلي، بشرط المحافظة على الشخصية الإسلامية([177]).
معللين ذلك: بأن التجنس ما هو إلا لتنظيم العلاقة، فالجنسية تسهل له الأمور، وتسهل له -أيضاً- الاستفادة من خدماتهم.
الاتجاه الثاني: جواز تجنس المسلم بجنسيه دولة غير مسلمة عن الاضطرار، وممن قال به فضيلة الشيخ الحاج عبد الرحمن بن باه، وفضيلة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل سعد، و فضيلة الشيخ أحمد بن محمد الخليلي، والقاضي محمد تقي الدين العثماني، وفضيلة الشيخ علي الطنطاوي([178]).
وغيرهم، معللين ذلك، بأن ذلك من باب الإكراه والاضطرار وقد قال عز وجل: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)([179])، وقد اشترطوا لذلك شروطاً منها:
1- أن تكون هنالك ضرورة حقيقية للتجنس بالجنسيات غير المسلمة.
2- أن لا يكون التجنس حباً للتشبه بأهل الكفر، والتسمي بأسمائهم، أو الاتصاف بأوصافهم.
3- ألا يؤدي هذا التجنس إلى تعطيل أو نقص شيء من أمور دينه أو يجره إلى موالاة أعداء الله، أو أن يقول أو يعمل ما يخالف الشرع.
4- أن يكون المتجنس -وهو في مهجره- مصانة حقوقه الشخصية؛ دمه وماله وعرضه.
الاتجاه الثالث: التفصيل والتفريق بين بواعث طلب الجنسية وذلك على النحو التالي:
أولاً: المسلمون الذين هم من أهل تلك البلاد أو استولى غير المسلمين على بلادهم وضموها إلى دولتهم، فهذه الفئة لا اختيار لها في عدم قبول جنسية تلك الدولة، فهم مكرهون عليها، ولا إثم عليهم في ذلك، بل قد يجب عليهم قبولها، لأنها بالنسبة لهم وسيلة للحصول على ضروريات الحياة، ومن غيرها لا يستطيع المسلم القيام بواجباته تجاه نفسه وأهله، فضلا عن القيام بواجبه تجاه الآخرين، كالدعوة والتعليم، وذلك لأن للوسائل أحكام المقاصد، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما أن ما يؤدي إلى الحرام فهو محرم، ولا شك أن إضرار المسلم بنفسه ومن يعول من غير موجب شرعي محرم، وترك الجنسية في الحالة مفضٍ إلى الإضرار بنفسه ومن يعول، فيكون محرماً([180]).
ثانياً: المسلمون الذي اضطهدوا في بلادهم واضطروا إلى الفرار إلى البلاد غير الإسلامية ولم يجدوا بلداً مسلماً يلجؤون إليه، فهذه الفئة يجوز لها التجنس بجنسية الدولة غير المسلمة بشروط:
1-        أن يكون مضطراً حقيقة وليس توهماً.
2-        أن يختار بلداً يكون فيه آمناً على دينه ونفسه وأهله.
3-        أن يحافظ على دينه وأهله.
4-        أن ينوي الرجوع إلى بلده عند تيسر ذلك.
ودليل ذلك: أن مثل هذا الإنسان مكره، والشرع رخص للمكره والمضطر الوقوع في المحظور بما يرفع عنه الاضطرار والإكراه، كما قال عز وجل: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)([181]) وقال -صلى الله عليه وسلم-: "أن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"([182]).
ثالثاً: المسلم الذي يتجنس لمصلحة الإسلام والمسلمين، كتحصيل بعض العلوم المهمة التي لا تبذل إلا للمتجنسين من رعايا الدولة، فمثل هذه الفئة لا مانع من تجنسها بالجنسية غير الإسلامية؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
رابعاً: المسلم الذي يريد التجنس لمصلحة نفسه، كتحصيل قوته، إذا لم يستطع ذلك في بلده أو بلاد المسلمين، فليس له ذلك، لأن الغالب أن العمال يحصلون على الإقامة المؤقتة، لكن لو فرض أنه مضطر لذلك بحيث لا يسمح له بالعمل إلا بعد التجنس فيجوز له ذلك، لأنه مضطر كما تقدم.
خامساً: التجنس لمجرد أغراض دنيوية لا ضرورة فيها ولا مصلحة للإسلام ولا للمسلمين، وإنما يتجنس المسلم للاعتزاز والافتخار والاستكثار فإن ذلك غير جائز لما فيه من تولي غير المسلمين، وتكثير سوادهم، والتزام قوانينهم، والدفاع عن بلادهم، وغير ذلك من المحظورات الشرعية التي يقع فيها المسلم عند تجنسه من غير عذر شرعي، ولا مسوغ من ضرورة أو إكراه([183]).
وبعد هذا العرض الموجز لأهم آراء الفقهاء المعاصرين في هذه المسألة، تظهر أمور:
الأول: أن الأصل في التجنس بجنسية دولة غير مسلمة الحرمة، لما في ذلك من محظورات شرعية، تتمثل في التزام القوانين الوضعية، وقبول التحاكم إليها، مما يتنافى مع وجوب التحاكم إلى الشريعة الإسلامية دون سواها، كما قال عز وجل: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً)([184])، وقال: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)([185])، كما أنه يتضمن الدفاع عن تلك البلاد، وقد يكون ذلك على حساب الدولة المسلمة كما سيأتي، وهذه أمور تتنافى مع أصول الإسلام وقواعده الكلية التي تقوم على الولاء لله ورسوله ودينه والمؤمنين، والبراءة من الشرك والكفر وأهله وعدم التعاون على الإثم والعدوان، كما قال عز وجل: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ)([186])، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)([187])، وقال عز وجل: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)([188]).
الثاني: أن الواقع يشهد بوجود أعداد كثيرة من المسلمين المضطهدين الذين لجأوا إلى البلاد غير الإسلامية طلباً للأمن أو للرزق، فمثل هؤلاء يرخص لهم في التجنس بالجنسية غير الإسلامية بالشروط المتقدمة متى ما اضطروا إلى ذلك، أما إذا كان يمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد دون الحاجة إلى التجنس فلا يجوز لهم ذلك؛ مراعاة للأصل أن الضرورة تقدر بقدرها.
الثالث: تحصيل بعض المصالح الحاجية للمسلم التي لا ترقى إلى درجة الضرورة، كدراسة بعض العلوم المهمة، أو القيام بالدعوة إلى الله عز وجل، إذا كان لا يتحصل إلا بالتجنس بجنسية تلك الدولة، فإنه يعامل معاملة المضطر لذلك؛ لأن الحاجات تنزل منزلة الضرورات، كما قال الفقهاء([189])، مع مراعاة الشروط المتقدمة.
ويمكن تلخيص المقارنة بين القانون الدولي والفقه الإسلامي فيما يلي:
أولاً: يتفق القانون الدولي والفقه الإسلامي في أن منح الجنسية للاجئ أمر اختياري، يرجع إلى إرادته، دون إكراه أو فرض، كما أن التجنس منحة من الدولة، إذ هو يخضع دائما لسلطتها التقديرية المطلقة، بحيث يمكن أن تقبل طلب التجنس أو ترفضه.
ثانياً: يجوز للاجئ أن يطلب أن يكتسب جنسية بلد اللجوء متى ما توافرت فيه الشروط التي وضعتها الدولة، أما الفقه الإسلامي: فيقرر أن الأصل في التجنس بجنسية دولة غير مسلمة: الحرمة؛ لما في ذلك من محظورات شرعية كما تقدم، و يستثنى من ذلك بعض حالات الضرورة والحاجة، وتحصيل بعض المصالح المعتبرة شرعاً.

المبحث الثاني
الخدمة العسكرية في بلد اللجوء السياسي
يترتب على ثبوت الجنسية نشوء حقوق والتزامات بالنسبة لكل من الفرد والدولة، فيترتب على انتماء الفرد لجنسية الدولة التزامه بالدفاع عن كيان الدولة، وأهم صور هذا الالتزام: التكليف الخاص بأداء الخدمة العسكرية([190]).
والخدمة العسكرية هي الواجب الوطني الذي يلزم به كل مواطن في الدولة التي ينتمي إليها؛ لكي يكون مستعداً في حالة نشوب الحرب مع دولة أخرى ليدافع عنها([191]).
وتُعدُّ الخدمة العسكرية الإلزامية -التجنيد- عنصراً من عناصر توحيد بناء الشخصية القومية، وتجربة هامة مشتركة بين أفراد الشعب الواحد، كما يساعد التجنيد على استخدام القوات المسلحة في المشاريع الحيوية للشعب كشق الطرق والأقنية، وتنفيذ بعض خطط التنمية والإسعاف في حالات الكوارث والمحن القومية([192]).
وقد استخدمت كثير من الدول التجنيد الإجباري في وقت الحرب، ولكن عدداً قليلاً من الدول استخدمته أثناء فترة السلم، وقد استغنت عنه دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا والهند وباكستان، كما أن دولا أخرى كثيرة -وخصوصاً في أوربا- قد خفضت مدة الخدمة([193]).
وينظم قواعد الخدمة العسكرية قانون الخدمة العسكرية والقضاء العسكري الذي تختلف مواده القانونية تبعاً لاختلاف الدول([194])، وقد تنص عليه بعض الدساتير، كالدستور الكويتي والمصري وغيرهما.
ومن خلال هذا العرض الموجز يظهر أن الخدمة العسكرية واجب وطني على كل مواطن تتوافر فيه الشروط التي تحددها قوانين التجنيد، من حيث السن واللياقة الصحية وغيرها من الشروط، واللاجئ السياسي عندما يتجنس بجنسية بلد اللجوء تنطبق عليه هذه القوانين، كما قال د. عز الدين عبد الله: "يترتب على التجنس أن يكسب الأجنبي صفة الوطنية، فيصبح له وعليه ما لسائر مواطني الدولة وعليهم، دون تفرقة بينه وبين الوطني بميلاده"([195]).
وقد تناول الفقهاء المعاصرون([196]) هذه المسألة من ثلاث جهات:
الجهة الأولى: الخدمة الإجبارية:
تقدم أن من آثار حمل جنسية بلد اللجوء السياسي: وجوب الدفاع عن الدولة التي ينتمي إليها، وذلك أن بعض الدول تلزم من توافرت فيه شروط معينة بالخدمة العسكرية، ففي هذه الحالة إذا وجد المسلم وسيلة لعدم الدخول في الخدمة العسكرية فعليه الأخذ بها، وإلا فله أن ينضم للخدمة العسكرية؛ لأنه مكره، بحيث لو لم يفعل ذلك سيعاقب بالسجن ونحوه من العقوبات، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه"([197])، فدخوله الخدمة العسكرية مفسدة، إلا أن دخوله السجن مفسدة أعظم، ولا شك أن المفاسد إذا تزاحمت ولم يمكن دفعها جميعاً فتدرأ المفسدة الأعظم، ولو ارتكبت المفسدة الأدنى، كما لا يخفى.
وينوي بذلك التدرب على فنون القتال؛ تحقيقاً لقوله عز وجل: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)([198]) ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير"([199])، وعليه ألا يشارك في القتال ضد المسلمين إن وجد كما سيأتي.
الجهة الثانية: الخدمة الاختيارية:
ويقصد بذلك دخول المسلم السلك العسكري كوظيفة لكسب الرزق، والذي يظهر أن هذا الأمر لا يجوز؛ لما فيه من تكثير سواد غير المسلمين، وتقوية صفوفهم، وهذا يتنافى مع واجب موالاة المؤمنين والبراء من الكافرين، كما قال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء)([200]) وقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء)([201])، والتعرض للأذى والمهانة والإذلال على أيدي الضباط غير المسلمين، وهذا يتنافى مع قوله عزوجل: (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)([202]) وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، يتعرض للبلاء لما لا يطيق"([203])، وقد يمنع من إقامة الشعائر، أو قد يقع في بعض المحرمات مما تقتضيه طبيعة الحياة العسكرية، ولا موجب لمثل هذه المحظورات من إكراه أو اضطرار يسوغ ذلك.
الجهة الثالثة: مقاتلة المسلمين مع جيش دولة اللجوء:
عامة الفقهاء على أنه لا يجوز للمسلم أن يقاتل المسلمين مع الكفار، لقوله  صلى الله عليه وسلم-: "من حمل علينا السلاح فليس منا"([204])، قال النووي: "من حمل السلاح على المسلمين بغير حق ولا تأويل ولم يستحله فهو عاص، ولا يكفر بذلك، فإن استحله كفر"، قال محمد بن الحسن: "وإن قالوا -أي الكفار- لهم -أي للأسرى المسلمين- قاتلوا معنا المسلمين وإلا قتلناكم، لم يسعهم القتال مع المسلمين، فإن هددوهم يقفوا معهم في صفهم ولا يقاتلوا المسلمين رجوت أن يكونوا في سعة" قال السرخسي معلقاً: "لأن ذلك -أي القتال- حرام على المسلمين بعينه، فلا يجوز الإقدام عليه بسبب التهديد بالقتل، كما لو قال له: "اقتل هذا المسلم وإلا قتلناك"([205]).
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: "إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل بل عليه إفساد سلاحه، وأن يصبر حتى يقتل مظلوماً، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام كمانعي الزكاة والمرتدين ونحوهم، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور ألا يقاتل، وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلاً على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل، فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس"([206]).
وبناء على ما تقدم على المسلم إن أكره على الخروج لحرب المسلمين ألا يستعمل سلاحه ضدهم، ويحتال لذلك ما أمكنه ذلك، ولو بأن يستسلم للمسلمين([207]).
ومن خلال ما تقدم يظهر أن القانون الوضعي -في بعض تشريعاته- يلزم حامل جنسية البلد بالخدمة العسكرية، باعتبارها واجبا وطنياً.
أما الفقه الإسلامي المعاصر فإنه يرى منع اللاجئ المسلم من الدخول في الخدمة العسكرية الاختيارية؛ لما في ذلك من محظورات شرعية كما تقدم، يستثنى من ذلك حالات الإكراه والحاجة الملحة كما تقدم.

الخاتمة
وفي الختام:
أحمد الله تعالى إذ يسر وأعان على إتمام هذا البحث الموجز، وفيما يلي أبرز وأهم النتائج التي توصل إليها البحث:
أولاً: تزايد عدد اللاجئين الفارين من بلادهم بسبب الاضطهاد والفقر يمثل أزمة إنسانية تستوجب اهتماما دولياً وتضافراً للجهود لاحتوائها.
ثانياً: اللجوء السياسي في القانون الدولي هو الحماية التي تمنحها دولة لفرد طلب منها هذه الحماية عند توافر شروط معينة.
ثالثاً: يقابل اللجوء السياسي في القانون الدولي (عقد الأمان) في الفقه الإسلامي، مع تباين في بعض أسبابه وشروطه وآثاره.
رابعاً: يقرر فقهاء القانون الدولي أن اللجوء السياسي حق كفلته التشريعات الدولية، وحثت عليه، ودافعت عنه، وقد تكللت تلك الجهود بإنشاء المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، والشريعة الإسلامية قد سبقت تلك التشريعات بقرون عديدة بتقرير هذا الحق السامي من خلال النصوص الشرعية والاجتهادات الفقهية التي بينت مشروعيته وضوابطه.
خامساً: في القانون الدولي حماية اللاجئين مسؤولية الدول، ومنح هذا الحق ملزم لها؛ لاسيما الدول المنضمة إلى اتفاقية 1951، وبروتوكول عام 1967، ويرى فقهاء القانون الدولي -على الرأي الراجح- أن حماية اللاجئين أمر ملزم لجميع الدول، ولو لم تكن أطرافاً في المعاهدات الدولية التي أقرته، أما الفقه الإسلامي فإنه يقرر بأن منح حق اللجوء لغير المسلم ليس قاصراً على الدولة فقط، بل هو حق ثابت لرئيس الدولة ونوابه وآحاد المسلمين المكلفين من الرجال أو النساء، ويمكن لولي الأمر أن يمنع رعايا الدولة الإسلامية من مباشرة هذا الحق إذا رأى في ذلك المصلحة، بحيث يقصر منحه على الجهات الرسمية في الدولة، استنادا إلى جواز تقييد ولي الأمر للمباح عند الحاجة.
سادساً: يتفق القانون الدولي مع الفقه الإسلامي على ضرورة استيفاء الشروط والمعايير الخاصة بوضع طالب الأمان، وحق اللجوء السياسي، بحيث يكون اختلال بعض تلك الشروط مانعا من منحه ذلك الحق.
سابعاً: يتفق كل من الفقه الإسلامي والقانون الدولي على أن رجوع اللاجئ بإرادته إلى البلد الذي تركه ليقيم فيه يرفع عنه صفة اللاجئ، بحيث لا يتمتع بالآثار المترتبة على ذلك، إلا أن الفقه الإسلامي يقرر أن رفع الأمان يكون في حق اللاجئ وحده دون ماله أو أهله ما داموا باقين في دار الإسلام.
ثامناً: الأصل في التجنس بجنسية دولة غير مسلمة: الحرمة؛ لما في ذلك من محظورات شرعية، ويستثنى من ذلك حالات الضرورة والحاجة الملحة التي يتوقف عليها تحصيل بعض المصالح المعتبرة شرعاً.
تاسعاً: لا ينبغي للمسلم الدخول في الخدمة العسكرية في الدول غير الإسلامية؛ لما في ذلك من محظورات شرعية، ويستثنى من ذلك حالات الضرورة والحاجة الماسة التي تسوغ ذلك؛ من باب درء أعظم المفسدتين بأدناهما.
عاشراً: لا يجوز للمسلم أن يقاتل المسلمين مع الكفار، إن أكره على الخروج لحرب المسلمين، فعليه ألا يستعمل سلاحه ضدهم، ويحتال لذلك ما أمكنه ذلك، ولو بأن يستسلم للمسلمين.


قائمة المراجع
القرآن الكريم
مراجع التفسير
-       أحكام القرآن- عماد الدين الطبري (الكيا الهراس)- دار الكتب الحديثة- القاهرة ط1 1974.
-       أحكام القرآن- القاضي ابن العربي- دار المعرفة ط3 -1972.
-       تفسير القرآن العظيم- إسماعيل بن كثير- دار المعرفة-1982.
-       الجامع لأحكام القرآن- محمد بن أحمد القرطبي- دار إحياء التراث ط2 سنة 1966.
مراجع الحديث الشريف وشروحه
-       سنن أبي داود- سليمان بن الأشعث السجستاني- دار الفكر.
-       سنن الترمذي- محمد بن يزيد القزويني- دار الفكر.
-       شرح صحيح مسلم- يحيى بن شرف النووي- دار الفكر.
-       شرح معاني الآثار- أحمد بن محمد الطحاوي- دار الكتب العلمية- ط2 - 1987.
-       صحيح البخاري- محمد بن إسماعيل البخاري- المكتبة العصرية بيروت.
-       صحيح مسلم- مسلم بن الحجاج النيسابوري- دار إحياء الكتب العلمية .
-       عون المعبود شرح سنن أبي داود- محمد شمس الحق- دار الكتب العلمية ط1.
-       فتح الباري بشرح صحيح البخاري- أحمد بن حجر العسقلاني- دار الفكر.
-       النهاية في غريب الحديث والأثر- محمد بن الأثير- أنصار السنة القاهرة 1963.
-       نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار- محمد بن علي الشوكاني- مطبعة الحلبي-1971.
مراجع المذهب الحنفي.
-       بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع- أبو بكر الكاساني- دار الكتب العلمية.
-       البناية في شرح الهداية- محمود بن أحمد العيني- دار الفكر.
-       تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق- عثمان الزيلعي- دار الكتاب الإسلامي.
-       رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)- محمد أمين ابن عابدين - دار إحياء التراث العربي.
-       شرح السير الكبير- محمد بن أبي سهل السرخسي- دار الكتب العلمية- ط1- 1997.
-       فتح القدير- الكمال بن الهمام- دار الفكر.
مراجع المذهب المالكي.
-       التاج والإكليل- محمد بن يوسف المواق- دار الفكر- ط 3-1992.
-       حاشية الدسوقي على الشرح الكبير- محمد بن عرفة الدسوقي- دار إحياء الكتب العربية.
-       الخرشي على مختصر خليل- محمد الخرشي- دار صادر.
-       شرح الزرقاني على مختصر خليل- محمد عبد العظيم الزرقاني- دار الفكر.
-       الكافي في فقه أهل المدينة- يوسف بن عبد البر- دار الكتب العلمية- ط1- 1987.
-       المدونة الكبرى- رواية سحنون عن ابن القاسم عن الإمام مالك- مطبعة السعادة.
-       المقدمات الممهدات- محمد بن رشد الجد- دار الغرب الإسلامي ط1- 1988.
-       مواهب الجليل بشرح مختصر خليل- محمد الحطاب- دار الفكر- ط3.
مراجع المذهب الشافعي
-       أسنى المطالب شرح روض الطالب- زكريا الأنصاري- دار الكتاب الإسلامي.
-       الأم- محمد بن إدريس الشافعي- دار الفكر.
-       الحاوي الكبير- علي بن محمد الماوردي- دار الكتب العلمية.
-       روضة الطالبين وعمدة المفتين- يحيى بن شرف النووي- المكتب الإسلامي.
-       مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج- الخطيب الشربيني- دار الفكر.
-       نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج- محمد بن أبي العباس الرملي- دار إحياء التراث العربي.
مراجع المذهب الحنبلي
-       الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف- على بن سليمان المرداوي- عالم الكتب- ط4- 1985.
-       شرح منتهى الإرادات- منصور بن يونس البهوتي- عالم الكتب- ط1 1993.
-       الفروع- محمد بن مفلح- عالم الكتب- ط 4- 1985.
-       كشاف القناع عن متن الإقناع- منصور بن يونس البهوتي- دار الفكر.
-       مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تسمية- عبد الرحمن بن محمد النجدي- الرئاسة العامة لشؤون الحرمين.
-       مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى- مصطفى الرحيباني.
-       معونة أولي النهى شرح المنتهى- محمد بن أحمد الفتوحي (ابن النجار).
-       المغني- عبد الله بن أحمد بن قدامة- دار الكتب العلمية.
مراجع المذهب الظاهري:
-       المحلى بالآثار- علي بن حزم- دار الفكر.
المعاجم اللغوية ومراجع المصطلحات
-       شرح حدود ابن عرفة- محمد الأنصاري- وزارة الأوقاف المغربية.
-       لسان العرب- محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي- دار صادر.
-       المصباح المنير- أحمد بن محمد الفيومي- مكتبة لبنان.
-       المطلع على أبواب المقنع- محمد بن أبي الفتح البعلي- المكتب الإسلامي.
-       معجم مقاييس اللغة- أحمد بن فارس بن زكريا- دار إحياء التراث العربي.
-       المعجم الوسيط- مجمع اللغة العربية- القاهرة.
-       مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني- دار القلم- ط1-1992.
الدراسات القانونية والمقارنة الحديثة
-       اتفاقية 1951 وبروتوكولها لعام 1967 موقع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين على الشبكة العنكبوتية: WWW.UNHCR.ORG.
-       أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب- د. سالم الرافعي- دار الوطن- السعودية- ط1- 3001 م.
-       الأحكام السياسية للأبيات المسلمة محمد توباك- دار النفائس- ط1- 1997.
-       الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- دولة الكويت.
-       الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- جمعية المحامين الكويتية.
-       أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام- د. عبد الكريم زيدان- مؤسسة الرسالة.
-       أصول العلاقات الدولية في فقه الإمام محمد بن الحسن الشيباني- د. عثمان ضميرية- دار المعالي- ط1-1999.
-       جنسية المرأة المتزوجة في القانون الدولي الخاص المقارن والفقه الإسلامي - د. مصطفى محمد مصطفى الباز- دار الفكر الجامعي الإسكندرية- 2001م.
-       الجنسية والموطن ومركز الأجانب- د. هشام علي صادق- منشأة المعارف الإسكندرية- 1977م.
-       حقوق الإنسان- د. فيصل شطناوي- دار الحامد- الأردن-1999.
-       حقوق الإنسان د. محمود بسيوني وآخرون- دار العلم للملايين بيروت- ط2- 1998.
-       حقوق الإنسان في الإسلام- د. محمد الزحيلي- دار الكلم الطيب ت سوريا ت ط2-1997.
-       حقوق الإنسان مدخل إلى وعي حقوقي- أمير سيف- مركز دراسات الوحدة العربية- 1994.
-       الحماية القانونية للاجئ في القانون الدولي- د. أبو الخير أحمد عطية- دار النهضة العربية-1997.
-       الدبلوماسية بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي- أحمد سالم با عمر- دار النفائس 2001.
-       دراسة سياسية في العلاقات الدولية الإسلامية- د. فهد المكراد- المكتب الفني الحديث.
-       فقه الأسرة المسلمة في المهاجر د. محمد العمراني- دار الكتب العلمية -ط1- 2001.
-       فقه الأقليات المسلمة- خالد عبد القادر- دار الإيمان- ط 1-1998.
-       القاموس السياسي- أحمد عطية الله- دار النهضة العربية- القاهرة 1968م.
-       القانون الدولي الخاص- د. عز الدين عبد الله- الهيئة المصرية العامة للكتاب- ط11- 1986م.
-       القانون الدولي الخاص- د. ماجد الحلواني- مطبوعات جامعة الكويت 1974م.
-       القانون الدولي الخاص العربي- د. جابر جاد عبد الرحمن- 1958م.
-       اللجوء السياسي في الإسلام- حسام محمد سعد- دار البيارق- ط1- 1997م.
-       مجلة مجمع الفقه الإسلامي.
-       موسوعة السياسة- عبد الوهاب الكيالي وآخرون- المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت.
-       الموسوعة العربية العالمية- مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر- السعودية 1996م.
-       الموسوعة العسكرية- المقدم هيثم الأيوبي وآخرون- المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط3 1990م.
-       الوسيط في الجنسية ومركز الأجانب- د. فؤاد عبد المنعم رياض- دار النهضة العربية- القاهرة الطبعة الخامسة 1988م.

تعليقات