القائمة الرئيسية

الصفحات

نصاب السرقة ومقاديره المعاصرة

نصاب السرقة  ومقاديره المعاصرة

نصاب السرقة 
ومقاديره المعاصرة





بحث محكم
نصاب السرقة 
ومقاديره المعاصرة
إعداد: 
د. فهد بن عبد الرحمن المشعل (*) 
مقدمة البحث
الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن من ضرورات التعايش الآمن والبناء المطمئن صيانة أموال الناس والمحافظة عليها، فكان من حكمة الله تعالى ورحمته بخلقه أن صان أموالهم وفرض العقوبة الرادعة لكل معتد عليها.
إن مما يخل بأمن الناس ويفسد عليهم معاشهم وجود اللصوص بينهم بلا رادع ولا زاجر.
وإن عقوبة القطع ليد السارق هي الجزاء المطابق لجريرته بلا نقص ولا شطط (والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( ).
قال ابن القيم: "إن عقوبة القطع للسارق أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد – ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل، فكان أليق العقوبات به: إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس وأخذ أموالهم"( ).
ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالغصب والاختلاس؛ لخفائها ( ).
ومن هذا المنطلق اتفق الفقهاء عامة على أن عقوبة السارق قطع يده إذا توافرت الشروط وانتفت الموانع.
ومن الشروط التي جاءت في السنة المطهرة "بلوغ المسروق نصاباً".
لكن الفقهاء اختلفوا في مقدار هذا النصاب إلى أقوال كثيرة كما اختلفوا في تقدير ما ورد به الشرع المطهر بما يجد (في حياة الناس من الدراهم والنقود.
فأحببت أن أسهم في تجلية ذلك بهذا البحث المتواضع، وسميته "نصاب السرقة ومقاديره المعاصرة"، واقتصرت فيه على بيان مقدار النصاب في القديم والحديث، ولم أدخل في تفاصيل أخرى، حرصاً على أصل الموضوع.

أهمية الموضوع:

تتجلى أهمية هذا الموضوع فيما يأتي:
1- أن الإسلام جاء بحفظ الضرورات الخمس ومنها حفظ المال، وجعل حد السرقة علاجاً رادعاً لكل من تسول له نفسه الطمع في أموال الغير، وبلوغ النصاب أهم شروط القطع في السرقة، لذكره في الحديث الشريف، وببحثه يتسنى الوقوف الحقيقي على القول الراجح في مقداره الشرعي باطمئنان ( ).
2- أن الوقوف على الوزن الحقيقي للدرهم والدينار الشرعيين يمكن من معرفة النصاب بالأوراق النقدية المعاصرة بسائر العملات، إضافة إلى معرفة أحكام شرعية كثيرة ربطها الشرع المطهر بالدرهم والدينار، كأنصبة الزكاة في الذهب والفضة، ومقايدر الديات، وكفارة الوطء في الحيض ونحوها.
تمهيد في تعريف السرقة
تعريف السرقة في اللغة:
السرقة (بفتح السين وكسر الراء ويجوز إسكانها) مصدر سرق يسرق سرقاً وسرقة، فهو سارق وهي سارقة، والمتاع مسروع ( ).
وهي لغة: بمعنى الاستخفاء ( )، ومنه قوله تعالى: (إلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ)( ).
وهي: أخذ ما ليس له أخذه في خفاء ( ).
وقال ابن فارس "س ر ق: أصل يدل على أخذ الشيء في ستر وخفاء" ( ).
والسارق: من يأخذ الشيء على وجه الخفاء بحيث لا يعلم به المسروق منه ( ).
تعريف السرقة اصطلاحاً:
لا يختلف التعريف الاصطلاحي عن التعريف اللغوي كثيراً، إلا أن بعض الفقهاء يزيد في التعريف الاصطلاحي بعض القيود التي هي في حقيقتها شروط للقطع، وليس لمطلق السرقة.
وإليك نماذج من تعريفات الفقهاء من المذاهب الأربعة:
فمن تعريفات الحنفية:
أنها: "أخذ الشيء من الغير على وجه الخفية بغير حق" ( ).
وزاد بعضهم: "على وجه الخفية ابتداء وانتهاء" ( ).
ومن تعريفات المالكية أنها:
"أخذ مكلف نصاباً من مال محترم لغيره، خفية بلا شبهة" ( ).
ومنها "أخذ المال خفية من غير أن يؤتمن عليه" ( ).
وعرفها الشافعية بأنها:
"أخذ المال خفية من الحرز" ( ).
ومنها: "أخذ مال الغير خفية من حرز مله بشروط مخصوصة" ( ).
ومن تعريفات الحنابلة:
"أخذ المال على وجه الخفية والاستتار" ( ).
ومنها: "أخذ مال محترم لغيره على وجه الاختفاء، وإخراجه من حرز مثله ولا شبهة له" ( ).
والمختار أن يقال: السرقة هي: أخذ المال من مالكه خفية بغير حق.
فيخرج الغاصب والمنتهب، ومن أخذ عين ماله من غيره، ومن أخذ المال من مالكه بحق كالمدين المماطل.
ومن هذه التعاريف تظهر الشروط التي يذكرها الفقهاء للقطع في السرقة. وهي على وجه الإجمال سبعة:
1- أن يكون السارق بالغاً عاقلاً.
2- أن يكون المروق مالاً محترماً.
3- أن يبلغ المسروق نصاباً.
4- أن يخرجه السارق من الحرز.
5- انتفاء الشبهة.
6- ثبوت السرقة.
7- أن يطالب المسروق منه بماله ( ).
وهذا البحث يختص بالشرط الثالث وهو شرط النصاب ومقداره.
 

المبحث الأول
اشتراط النصاب للقطع في السرقة

أجمع الفقهاء كافة على أن من سرق نصاباً قطعت يده، إذا توافرت بقية الشروط وانتفت الموانع ( ).
لكنهم اختلوفا فيمن سرق ما دون النصاب، هل بلوغ النصاب شرط فلا يقطع؟ أو ليس بشرط فيقطع؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
أنه يشترط للقطع أن يبلغ ما أخذه السارق نصاباً.
وهذا قول أكثر العلماء ( )، وانتفقت عليه المذاهب الأربعة ( ).
القول الثاني:
أنه لا يشترط للقطع بلوغ المسروق نصاباً، بل يقطع في القليل والكثير.
وهذا قول داود الظاهري ( )، في غير الذهب.
وابن بنت الشافعي ( )، والخوارج ( ).
ونقل عن الحسن البصري ( )، وعن سعيد بن المسيب، والزهري ( ).
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
1- قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً" متفق عليه ( ).
وجه الاستدلال:
دل الحديث على منع القطع في أقل من النصاب المذكور، فدل على اشتراط بلوغ النصاب للقطع في السرقة ( ).
2- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "لم تقطع يد سارق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن المجن ( ) ترس أو حجفة ( )، وكان كل واحد منهما ذا ثمن" ( ).
وجه الاستدلال:
ظاهر، فقد أفاد الحديث أنه لا يقطع في كل شيء إلا شيئاً له ثمن، وهذا معنى اشتراط النصاب ( ).
2- قول عائشة رضي الله تعالى عنها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقطع إلا في الشيء التافع" ( ).
وجه الاستدلال:
أفاد الحديث أنه لا يقطع في الشيء اليسير، فدل على أنه يشترط في المسروق بلوغ النصاب ( ).
3- إجماع الصحابة: قال الكاساني: "فإن الصحابة أجمعوا على اعتبار النصاب، وإنما جرى الاختلاف بينهم في التقدير، واختلافهم في التقدير إجماع منهم على أن أصل النصاب شرط ( )، ونقل الوزير اتفاق الفقهاء على اعتبار النصاب ( ).
أدلة القول الثاني:
1- قول الله تعالى: (والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ( ).
وجه الاستدلال: أن الأمر في الآية مطلق، فيفيد قطع كل سارق وسارقة، سواء أسرقا نصاباً أم أقل، فالكل سارق ( ).
ونوقش بأمرين:
أولاً: إطلاق الآية قد قيدته الأحاديث الصريحة الصحيحة في اعتبار النصاب، فوجب حمل الآية عليه لأن المطلب يحمل على المقيد ( ).
الثاني: أن الله تعالى أوجب في الآية لقطع على السارق والسارقة – وهما اسمان مشتقان من معنى – "وهو السرقة"، والسرقة: اسم للأخذ على سبيل الاستخفاء، وسارقة الأعين، وإنما تقع الحاجة في الاستخفاء فيما له خطر، والحبة – مثالاً – لا خطر لها، فلم يكن أخذها سرقة "فكان إيجاب القطع على السارق اشتراط للنصاب دلالة" ( ).
2- قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" ( ).
وجه الاستدلال:
أن ظاهر الحديث دل على أن يد السارق تقطع في القليل والكثير، لأن البيضة والحبل من الأشياء الحقيرة القليلة الثمن ( ).
ونوقش: بأن هذا الحديث ليس على ظاهره عند أكثر أهل العلم، بل يحمل على أحد الوجوه الآتية:
الوجه الأول: أن يحمل الحبل الوارد فيه على حبل له خطر كحبل السفن، والبيضة على بيضة خطيرة كبيضة الحديد أو النعام، توفيقاً بين الدلائل ( ).
قال البخاري: "قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أن منها ما يساوي دراهم" ( ).
وتعقب هذا الوجه بأن فيه تكلفاً ( ).
قال النووي: "أنكر المحققون هذا الوجه وضعفوه، لأن بيضة الحديد وحبل السفينة لهما قيمة ظاهرة، وليس هذا السياق موضع استعمالها، بل بلاغة الكلام تأباه، ولأنه لا يذم في العادة من خاطر بيده في شيء له قدر وقيمة، وإنما يذم من خاطر بها فيما لا قدر له، فهو موضع تقليل لا تكثير" ( ).
الوجه الثاني: حمله على السببية والتدرج، بمعنى أنه إذا سرق البيضة والحبل فلم يقطع جره ذلك إلى سرقة ما هو أكبر منها، فكانت سرقة البيضة والحبل هي سبب قطعه، لأنها بداية التدرج" ( ).
وتعقب أيضاً بأن فيه تكلفاً ( ).
الوجه الثالث:
أنه حديث منسوخ، كان حين نزول الآية، ثم أحكمت الأمور بعد ذلك، فسن رسول الله صلى الله عليه وسلم القطع في ربع دينار ( ).
ويناقش هذا بأنه بعيد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقطع في القليل، حتى يقال بالنسخ.
ثم لا بد للقول بالنسخ من العلم بالتاريخ ( ).
الوجه الرابع:
أن المراد بالحديث المبالغة في التنفير من السرقة، وبيان حقارة السارق على عظيم ما خسر، مقابل حقير ما كسب من المال.
وجعل الحديث ما لا قطع فيه بمنزلة ما فيه قطع، فخرج مخرج التحذير بالقليل من الكثير، كما جاء في معرض الكتابة بالترغيب في القليل عن الكثير في قوله صلى الله عليه وسلم: "من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة" ( ).
ومن المعلوم أن مفحص القطاة لا يكون مسجداً، والمحرق لا ثواب عليه لعدم النفع، فالسياق سياق مبالغ ولم يسق الحديث لبيان نصاب السرقة ( ).
وقيل معناه: أن يبقى من نصاب القطع ثمن البيضة والحبل، فيقطع بسرقته إياه حينئذ ( ).
وقيل: إن المراد به أنه قد يسرق البيضة أو الحبل فيقطعه بعض الولاة سياسة، لا قطعاً جائزاً شرعياً ( ).
وقيل: أراد جنس البيض، وجنس الحبال ( ).
وأولى هذه الوجوه في نظري هو الرابع، وهو المبالغة في التحذير من سرقة القليل والكثير، لا حقيقة القطع بالقليل؛ جمعاً بين الأدلة، فيكون معنى الحديث: لعن الله السارق، يسرق الشيء القليل كالبيضة والحبل فتقطع يده.
وربع الدينار شيء قليل يشبه البيضة والحبل، فأراد أن يمثل البيضة والحبل عن ربع الدينار، مع أنها لا تساوي ذلك للمبالغة في الزجر.
بخلاف ما لو قال: لعن الله السارق يسرق ربع دينار فتقطع يده. فإنها تقل المبالغة وتخفف ( ).
وبهذا يظهر بجلاء رجحان قول الجمهور في اشتراط النصاب للقطع في السرقة، فهو الأقوى والأحوط والأبعد من الشبهة. والعلم عند الله تعالى.

المبحث الثاني
مقدار النصاب في السرقة

تقدم أن عامة أهل العلم يشترطون للقطع في السرقة بلوغ المسروق نصاباً، ولكنهم اختلفوا في مقدار هذا النصاب إلى أقوال، أوصلها بعضهم إلى عشرين، وأشهرها تسعة: 
القول الأول:
أن نصاب القطع في السرقة عشرة دراهم فما فوقهم.
وهذا مذهب الحنفية.
واشترط أكثرهم أن تكون مضروبة.
والمرجع في التقويم عندهم هو الدراهم (من الفضة) لكل ما عداها ولو كان ذهباً ( ).
وروي القول بعشرة دراهم عن ابن عباس، وابن مسعود، وعطاء، وسعيد بن المسيب ( )، وإبراهيم ( )، وسفيان الثوري ( )، وحماد بن أبي سليمان ( ).
القول الثاني:
أن نصاب السرقة الموجب للقطع هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
وهما أصلان، ويقوم غيرهما بالدراهم.
وهذا مذهب المالكية ( ) ورواية عند الحنابلة، اختارها القاضي وأكثر أصحابه ( ).
وهذا القول مروي عن أبي بكر وعمر، وعثمان، وعائشة وغيرهم ( ).
القول الثالث:
أن نصاب السرقة ربع دينار من الذهب أو ما يثمنه ربع دينار من غير الذهب، وهذا مذهب الشافعية ( ).
"وهو قول عائشة، وعمرة رضي الله عنهما، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والليث، وأبي ثور، ونقل عن عمر، وعثمان، وعلي" ( ).
القول الرابع:
أن نصاب السرقة ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، أو عرض قيمته كأحدهما.
وهذا هو المذهب عند الحنابلة ( ). وبه قال بعض الشافعية ( ).
القول الخامس:
أن نصاب السرقة ثلاثة دراهم لا غير، والذهب والعروض تقومان بالدراهم، أي أن المعتبر الدراهم لا غير، وهذه رواية في مذهب الحنابلة ( ).
ويحكى عن الليث وأبي ثور ( ).
وحكاه الخطابي عن مالك، وهو عكس مذهب الشافعية ( ).
القول السادس:
أنه لا يقطع إلا في خمسة دراهم:
وبه قال سليمان بن يسار، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة ( ).
وروين عن عمر، وعلي، وأنس، وعروة، والزهري، والنخعي، والحسن البصري ( ).
القول السابع:
أن نصاب السرقة أربعة دراهم.
وهذا مروي عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ( )، نقله القاضي عياض عن النخعي ( ).
القول الثامن:
أن اليد تقطع في درهم.
وبه قال عثمان البتي ( )، وربيعة ( ).
القول التاسع:
أنه يقطع في درهمين ( ).
قال قتادة: أجمع رأينا في عهد زياد على درهمين ( ).
وهو قول عن الحسن البصري، حزم به ابن المنذر عنه ( ).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
1. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا قطع فيما دون عشرة دراهم" ( ).
وجه الاستدلال:
أن الحديث أفاد صراحة أنه لا قطع فيما هو أقل من عشرة دراهم، فدل على أن هذا القدر هو النصاب ( ).
ونوقش بثلاثة أمور:
الأمر الأول: أنه من رواية الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب، والحجاج مطعون في روايته ( ).
ورواية عمرو بن شعيب تكلم فيها الناس ( ).
وقد ضعف الحديث جمع من أهل العلم كابن القطان ( )، وابن الملقن ( ) والهيثمي ( )، وابن رجب ( ) وابن حزم ( ) وابن البنا ( ).
الأمر الثاني: أنه مرجوح:
أي أنه على تقدير صحة هذا الخبر وما ماثله في التقدير بعشرة، فإنه معارض بالأخبار الصحيحة في التقدير بربع دينار، كحديث عائشة المتفق عليه "تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً" ( ).
ولأنه لم يمكن الجمع بينهما لا بد من ترجيح أحدهما على الآخر.
ومن وجوه الترجيح عند أهل العلم كون أحد الخبرين أصح من الآخر ( ).
كما هنا، فإن أدلى الجمهور أصح ( ).
الأمر الثالث: أنه منسوخ.
أي أن أحاديث القطع بعشرة دراهم على تقدير صحتها منسوخة بأحاديث ربع الدينار وأنه زيد في تغليظ الحد، قال ابن حجر: "ويمكن الجمع بين الروايتين في القطع على تقدير ثبوت رواية العشرة بأنه كان أولاً لا قطع إلا فيما كان فوق عشرة دراهم، ثم شرع القطع في الثلاثة ( )).
ولكن يناقش هذا:
بأن القول بالنسخ يحتاج إلى معرفة التاريخ، وهو غير مذكور هنا.
2. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقطع اليد إلا في دينار أو في عشرة دراهم" ( ).
وجه الاستدلال:
أفاد الحديث صراحة أن نصاب السرقة دينار أو عشرة دراهم، فلا يقطع فيما دونها ( ).
ونوقش:
بأنه حديث ضعيف، منقطع ( )، في إسناده أبو المطيع البلخي، وهوة واه ( ).
وكذا يرد عليه ما ورد على سابقه من أنه معارض بما هو أصح، أو أنه منسوخ.
3. عن ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن، وكان يقوم يومئذ بعشرة دراهم" ( ).
وجه الاستدلال:
أفاد الحديث أن السارق لا يقطع إلا في ثمن المجن، وهو عشرة دراهم، لا ما دونها ( ).
ونوقش بثلاثة أمور:
الأمر الأول:
أن قوله "لا يقطع السارق" لا أصل له في هذا الحديث.
وقوله: "قيمته عشرة دراهم" من رواية محمد بن إسحق، وهو مدلس، وقد عنعن ( ).
قال الشوكاني: الروايات عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو في إسنادها جميعاً محمد بن إسحق، وقد عنعن، ولا يحتج بمثله، ولا يصلح لمعارضة ما في الصحيحين ( ).
 الأمر الثاني:
ذكره الشافعي وهو أن المجان – قديماً وحديثاً – سلع تختلف أثمانها، فيكون عشرة، ومائة، ودرهمين، وثلاثة، وهذا كله لا يمنع القطع فيما دون العشرة ( ).
فغاية ما في الخبر أنه حكاية فعل، وقع في عهده صلى الله عليه وسلم، وليس فيه تحديد النصاب بشيء ( ).
قال ابن دقيق العيد: "الاستدلال به على اعتبار النصاب ضعيف، لأنه حكاية فعل، ولا يلزم من القطع في هذا المقدار عدم القطع فيما دونه( ).
وقال ابن حجر: "الجمع بين ما اختلفت الروايات فيه من ثمن المجن ممكن بالحمل على اختلاف الثمن والقيمة، أو على تعدد المجان التي قطع فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أولى  ( ).
وقال ابن قدامة: "الحديث لا دلالة فيه على أنه لا يقطع فيما دون العشرة، لأن من أوجب القطع بثلاثة دراهم أوجبه بالعشرة" ( ).
الأمر الثالث:
أن هذا الحديث – على تقدير وحدة الواقعة – يعارضه ما في الصحيحين من أن ثمن المجن كان ثلاثة دراهم ( ).
وما في الصحيحين مقدم على غيره( ).
4. وعن أيمن ابن أم أيمن أنه قال: ما قطعت يد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ثمن المجن، وكان يساوي يومئذ عشرة دراهم  ( ).
وجه الاستدلال:
أن هذا الحديث أفاد أن اليد لا تقطع إلا فيما يساوي عشرة دراهم" ( ).
ونوقش بأمرين:
الأول: أن هذا الخبر معلول، للاختلاف فيه على أيمن الراوي، هل هو الصحابي ابن أم أيمن ( )، أو أيمن الحبشي التابعي ( ).
فإن كان صحابياً فعطاء ومجاهد لم يدركاه، فالحديث منقطع، وإن كان تابعياً فالحديث مرسل ( ).
وقال ابن حجر: "أيمن الذي في السرقة قيل هذا – يعني الحبشي – وقيل: مولى الزبير وقيل: ابن أم أيمن، وهذا الأخير خطأ ( ).
وقل ابن حبان: "حديث أيمن في القطع مرسل" ( ).
وقال ابن الأثير: روى مجاهد وعطاء حديث القطع، وهذا حديث مرسل، فإن مجاهداً وعطاء لم يدركا أيمن" ( ).
وقال النووي: "أما ما يحتج به بعض الحنفية من رواية جاءت في أنه قطع في مجن قيمته عشرة دراهم، فهي رواية ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت، فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة الصريحة في التقدير" ( ).
وقال الألباني: "هو حديث منكر" ( ).
الأمر الثاني: أن هذا الحديث وما ماثله حكاية حال وقضية عين لا عموم لها، فليس فيه ما يدل على منع القطع في أقل من العشر ( ).
كما أنه يرد على هذا الحديث ما ورد على سابقه من أنه معارض بما هو أصح منه، فيقدم الأصح، وكل ذلك على تقدير صحته.
5. ما روي أن عمر رضي اله عنه أمر بقطع يد سارق ثوب بلغت قيمته عشرة دراهم فمر به عثمان فقال: إن هذا لا يساوي إلا ثمانية، فدرأ عمر القطع عنه ( ).
وجه الاستدلال:
أن هذا الأثر دل على أن نصاب القطع عشرة دراهم كاملة، وقد درأ عمر رضي الله عنه الحد عن سارق الثمانية ( ).
ونوقش:
بأنه أثر ضعيف.
قال الشافعي: روايته عن عمر غير صحيحة ( ).
وقال البيهقي: هو منقطع ( ).
6. استدلوا بالإجماع فقالوا:
انعقد الإجماع على وجوب القطع في عشرة الدراهم، واختلف العلماء فيما دونها لاختلاف الأحاديث، فوقع الاحتمال في وجوب القطع فيها، فلم يجب مع الاحتمال ( ).
وقال الطحاوي: 
"رجعنا إلى آية السارق فوجدناهم أجمعوا على أنه لا يقطع كل سارق، وإنما السارق لمقدار معلوم من المال، ثم وجدناهم أجمعوا على أن سارق العشرة دراهم يقطع، واختلفوا في سارق ما دونها، فلم يجز لنا أن نشهد على الله تعالى أنه عني ما لم يجمعوا أنه عناه، فجعلنا سارق ما دون العشرة خارجاً من الآية فلم نقطعه" ( ).
وقال العيني: "ولنا: الأخذ بالأكثر في هذا الباب أولى؛ احتياطاً لدرء الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات وفي الأخذ بالأقل شبهة، وأدنى درجات الخلاف إيراث الشبهة" ( ).
وخلاصة الاستدلال: "أن اليد محترمة بالإجماع فلا تستباح إلا بالإجماع" ( ).
ونوقش هذا:
بأن القاعدة المذكورة غير مطردة، فإنا نقتل النفس المحترمة بالإجماع بالمختلف فيها وكذا تقطع اليد بمختلف فيه وذلك كثير، وإنما المعول في ذلك على قوة الدليل ( ).
أدلة القول الثاني:
يتفق القول الثاني والثالث والرابع في الاستدلال بحديث عائشة وابن عمر الآتيين:
1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً" ( ).
ولمسلم عن عائشة: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً" ( ).
وله عنها: "لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه" ( ).
وفي رواية: "اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك" ( ).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما طال علي ولا نسيت القطع في ربع دينار فصاعداً ( )، وهذا في معنى المرفوع ( ).
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث:
أن الروايات الصحيحة السابقة أفادت أن يد السارق تقطع في ربع دينار فما فوقه ولا تقطع فيما دونه، ودلالاتها واضحة صريحة ( ).
ونوقش الاستدلال بها بأمرين:
الأمر الأول: ما ذكره الطحاوي رحمه الله من الاضطراب في هذا الحديث عن عائشة، فقد روى عنها موقوفاً عليها، وروي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمرفوع روي تارة من قول النبي صلى الله عليه وسلم وتارة من فعله، وذكر أمثلة لكل.
ثم قال: "فلما اضطرب حديث الزهري على ما ذكرنا واختلف عن غيره كما وصفنا ارتفع ذلك كله فلم تجب الحجة بشيء منه، إذ كان بعضه ينفي بعضاً".
ثم ذكر أن المرفوع من قول عائشة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم يرده احتمال أنه اجتهاد من عائشة رضي الله عنها في تقويم النصاب، وهذا لا يكون فيه حجة على غيرها ممن قدره بأكثر من ذلك ( ).
وأجيب: بأن الاضطراب المذكور غير مسلم ما دام أن الحفاظ الأثبات رووه مرفوعاً من صريح قول النبي صلى الله عليه وسلم.
وهو لا يعارض ما روي من فعله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن عائشة رضي الله عنها تارة تروي قوله، وتارة تروي فعله صلى الله عليه وسلم، وتارة تفتي به، فيروى موقوفاً عليها، وهذا شأن كثير من الأحاديث، ثم إن من شرط الاضطراب أن تتساوى وجوهه، أما إذا رجح بعضها – كما هنا – تعين الأخذ بالراجح.
أما احتمال كون التقدير بربع دينار من اجتهاد عائشة رضي الله عنها فتعقب باستبعاد أن تجزم عائشة بذلك، مستندة إلى ظنها المجرد.
واختلاف التقويم وإن كان ممكنا، لكنه محال في العادة أن يتفاوت هذا التفاوت الفاحش بحيث يكون عند قوم أربعة أضعاف قيمته عند آخرين، وإنما يتفاوت بزيادة قليلة أو نقص قليل لا يبلغ المثل غالباً ( ).
الأمر الثاني: أن هذا الحديث معارض بالأحاديث الواردة في عدم القطع فيما هو أقل من عشرة دراهم، وهي أحاديث تحظر القطع، وحديث عائشة يبيحه، وخبر الحظر أولى من خبر الإباحة ( ).
وقد تقدم إيراد هذه الأحاديث مع المناقشات الواردة عليها في أدلة القول الأول بما يغني عن إعادته هنا.
2- حديث ابن عمر رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم"، وفي لفظ "قيمته ثلاثة دراهم" ( ).
قال ابن عبد البر: "هذا أصح حديث يروى في هذا الباب، لا يختلف أهل العلم في ذلك" ( ).
وفي رواية عن ابن عمر رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارقاً سرق من صُفة النساء ترساً قيمته ثلاثة دراهم" ( ).
3- حديث عبد الله بن أبي بكر: "أن سارقاً سرق أترجة ( ) في عهد عثمان فأمر بها عثمان فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر بدينار فقطع يده" ( ).
4- ما روى أنس رضي الله عنه: "أن سارقاً سرق مجناً ما يسرني أنه لي بثلاثة دراهم، أو ما يساوي ثلاثة دراهم، فقطعه أبو بكر" ( ).
وجه الاستدلال: من هذه الأخبار:
أن التقدير بثلاثة دراهم هو أقل ما ثبت، فظاهره أن هذا هو النصاب، لأن الأصل عدم القطع فيما دونه ( )، وظاهره كذلك ال قطع بثلاثة دراهم، وإن لم تبلغ ربع دينار للإطلاق.
والقيمة هي ما تنتهي إليه الرغبة في الشيء.
والثمن: هو ما يقابل به المبيع عند البيع أياً كان، والمعتبر هنا القيمة، ومن رواه بالثمن إما تجوزاً أو لتساويهما في ذلك المجن ( ).
ونوقش بأمرين:
الأمر الأول: أن الاستدلال به على اعتبار النصاب ضعيف، لأنه حكاية فعل، ولا يلزم من القطع في هذا المقدار فعلاً عدم القطع فيما دونه مطلقاً ( ).
وأجيب: بأن الأحاديث أفادت صراحة القطع في ثلاثة دراهم خاصة وما كان فوقها بطريق الأولى.
ودل بالمفهوم على أنه لا يقطع ما دونها إذ لو كان القطع في كل شيء لم يكن لذكر الثلاثة فائدة.
قال الباجي: "دل التقويم على أن القطع يتعلق بقدر معلوم، وإلا فلا يكون لذكره فائدة" ( ).
الأمر الثاني: أنه معارض بالأحاديث والآثار الدالة على أن ثمن المجن عشرة دراهم، وهو يبيح القطع وهي تحظره، والحاضر يقدم ( ).
وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث والآثار مع مناقشتها، فلا تكافئ أدلة الجمهور حتى يطلب الترجيح.
واستدل المالكية وبعض الحنابلة على خصوص مذهبهم في أن العروض تقوم بالدراهم فحسب بالآتي:
1- أن الأحاديث السابقة قومت العرض – وهو المجن والترس والأترجة – بالدراهم لا بالذهب.
فدل ذلك على اعتبارها، وإلا لم يكن لذكرها فائدة ( ).
ويمكن أن يناقش بأنه إنما حصل التقويم بالدراهم جرياً على الغالب والتقويم في البلد ( ).
قال الحافظ العراقي: "وأجيب بأن العادة جارية بتقويم الشيء التافه بالدراهم، والأشياء النفيسة بالدنانير، لأنها أنفس النقود وأكرم الجواهر، فتكون الدراهم الثلاثة ربع دينار، والله أعلم" ( ).
ويمكن الجواب بعدم التسليم بأن العادة جارية بذلك.
2- أن الفضة أصل مال يعتبر في الأثمان وقيم المتلفات، فوجب أن تكون سرقتها معتبرة بمقدارها في نفسها دون الاعتبار بغيرها، أصله الذهب ( ).
3- أنكل حكم تعلق على الذهب والورق واعتبر فيه نصاب من الذهب وجب أن يعتبر فيه نصاب من الورق أصله الزكاة ( ).
أدلة القول الثالث:
استدل الشافعية لخصوم مذهبهم بالآتي:
1- حديث عائشة رضي الله عنها السابق: "تقع اليد في ربع دينار فصاعداً" ( ).
وجه الاستدلال:
أن حديث عائشة هذا صريح في الحصر بهذا المقدار من الذهب، وأما غيره من الأخبار الصحيحة فهي حكاية فعل لا عموم لها.
قاله ابن حجر ( )، فأفاد أن العبرة في النصاب الذهب، وهو المعول عليه.
2- أن الذهب هو المعول عليه في القيمة، لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها.
ويؤيد ما نقله الخطابي أن الصكاك القديمة كان يكتب فيها: "عشرة دراهم وزن عشرة مثاقيل"، فعرفت الدراهم بالدنانير وحصرت بها ( ).
ويمكن الجواب بأن الفضة كذلك من أصول الجواهر وأثبتها، وهي قرينة الذهب، فتأخذ أحكامه كما هو حاصل في نصب الزكاة، وقيم المتلفات، ومقادير الديات ( ).
أدلة القول الرابع:
استدل الحنابلة على خصوص مذهبهم في أن النصاب ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو عرضاً يساوي أحدهما، بأن الأحاديث السابقة جاءت بربع دينار من الذهب، وثلاثة دراهم من الفضة، فدل على أن كلا منهما أصل مستقل بنفسه، والعروض تابعة لهما، فإذا بلغ العرض قيمة أحدهما وجب القطع ( ).
أدلة القول الخامس:
استدل القائلون بأن النصاب ثلاثة دراهم لا غير، ويقوم الذهب والعروض بالدراهم بالآتي:
1- الأحاديث السابقة: عن ابن عمر، وابن أبي بكر، وأنس ونحوها مما قدر فيه ثمن المجن والترس والأترجة بثلاثة دراهم.
ووجه الاستدلال: أن تقدير العروض بالدراهم في هذه الأخبار دليل على اعتبارها دون الذهب ( ).
ويناقش هذا: بأن التقويم بالدراهم إنما كان جرياً على الغالب في البلد، والعادة الجارية بتقويم الأشياء الحقيرة بالدراهم ( )، فلا يكون فيه دليل على النصاب المعين.
2- ما روى أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها: "اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم" ( ).
وجه الاستدلال:
أن الذهب وهو ربع الدينار، قوم بالفضة وهي الدراهم، فدل ذلك على أ، الذهب يرد إلى الفضة ( ).
ويناقش هذا: بأنه لو رد الذهب إلى الفضة لما جاز القطع بربع دينار إذا كانت قيمته أقل من ثلاثة دراهم، وهذا يخالف أو الحديث: "اقطعوا في ربع دينار"، ولما كان لإيراد ربع الدينار فائدة.
أدلة القول السادس:
استدل القائلون بأن نصاب السرقة خمسة دراهم بالآتي:
1- ما روي عن عمر رضي الله عنه قال: لا تقطع الخمس إلا في خمس" ( ).
وجه الاستدلال: أن الأثر دل على أن اليد المشتملة على خمسة أصابع لا تقطع إلا بسرقة خمسة من الدراهم.
ونوقش بثلاثة أمور:
الأول: أنه أثر غير ثابت ( ).
الثاني: أنه قول صحابي مخالف لقوله النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يكون حجة ( ).
الثالث: أنه محتمل الدلالة، فإنه لم يصرح بذكر الدراهم، بل لو أراد الدراهم لقال "خمسة" ليخالف المعدود كما هو معروف في اللغة.
2- عن عبد الله بن عمر أنه قال: "قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجن قيمته خمسة دراهم" ( ).
وجه الاستدلال: أن الحديث أفاد أن المجن قوم بخمسة دراهم، فدل على اعتبارها في القطع.
ونوقش بثلاثة أمور:
الأول: أنه حديث شاذ خالف الجماعة الذين رووا أن ثمن المجن كان ثلاثة دراهم ( ).
الثاني: أنه ضعيف ( ).
الثالث: أنه حكاية فعل، ومن يرى القطع في ثلاثة فإنه يقطع فيما زاد، فلا دلالة فيه على النصاب ( ).
3- وعن أنس قال: "سرق رجل مجناً على عهد أبي بكر رضي الله عنه فقوم بخمسة دراهم فقطع" ( ).
وجه الاستدلال:
أن المجن قوم بخمسة دراهم، فدل على اعتبارها نصاباً ( ).
ونوقش بأمرين:
الأول: أنه أثر غير ثابت ( ).
الثاني: أنه حادثة عين، فلا يكون فيه حجة، لأن من رأي القطع في ثلاثة قطع فيما زاد ( ).
دليل القول السابع:
استدل القائلون بأن نصاب السرقة أربعة دراهم بما روى شعبة عن داود أنه سمع أبا سعيد وأبا هريرة يقولان: "لا تقطع اليد إلا في أربعة دراهم فصاعداً" ( ).
ووجه الاستدلال ظاهر ( ).
ونوقش بأمرين:
الأول: أنه غير ثابت ( ).
الثاني: أنه قول صحابي مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يكون حجة.
الثالث: أنه يحتمل أنهما قوما المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة دراهم، وهذا لا يمنع من القطع فيما دونها ( ).
دليل القول الثامن:
استدل القائلون بأن نصاب السرقة درهم بأن الدرهم أول معدود من الدراهم ( ).
ويناقش بأن هذا تعليل عليل، وفي مقابل الدليل، فلا يكون فيه حجة.
دليل القول التاسع:
استدل القائلون بأن اليد تقطع في درهمين بالآتي:
1- ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: " من استحل بردهمين فقد استحل" ( ).
ونوقش بأمرين:
أحدهما: أنه ضعيف ( ).
الثاني: "أن الحديث ليس فيه تصريح بالسرقة ولا بالقطع، بل يرويه أهل العلم في الصداق بلفظ الدرهم والدرهمين، قال الشوكاني: "ولا دليل على هذا القول من المرفوع" ( ).
وقال ابن حجر: لم يصح أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم ( ).
الترجيح:
بعد ذكر الأقوال والأدلة والمناقشات يظهر لي رجحان القول الثالث، وهو أن النصاب ربع دينار من الذهب أو عرض يساويه، وذلك لبنائه على حديث قولي صريح، وهو حديث عائشة السابق، وما عداه من الأحاديث فغير صريح في تحديد النصاب، لاحتمال كونه حكاية فعل وواقعة عين لا تنفي الزيادة ولا النقصان، مع وجاهة القول الرابع وهو أن نصاب القطع في السرقة هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو عرض يساوي أحدهما.
وذلك أن النصوص الصحيحة جاءت بكل منهما، فوجب اعتبارهما معاً، وإلا لم يكن لذكرهما فائدة، والعلم عند الله تعالى.
ثمرة الخلاف:
تظهر ثمرة الخلاف بين القول الثاني والثالث والرابع والخامس ( ) في صور:
أولها: أن سرقة ثلاثة دراهم لا تساوي ربع ينار لا قطع فيها على القول الثالث ويقطع على الباقي.
ثانيها: أن سرقة ربع دينار لا يساوي ثلاثة دراهم، لا قطع فيها على القول الخامس ويقطع على الباقي.
ثالثها: أن سرقة عرض قيمته ثلاثة دراهم ولا يبلغ ربع دينار فيه قطع، إلا على القول الثالث.
رابعها: أن سرقة عرض قيمته ربع دينار ولا يبلغ ثلاثة دراهم فيه قطع على الثالث والرابع، ولا يقطع على الثاني والخامس.
المبحث الثالث
وزن النصاب (الدرهم والدينار الشرعين)
المطلب الأول: مقدار الدينار الشرعي:
الدينار: اسم فارسي معرب.
وهو اسم للقطعة النقدية المضروبة من الذهب ( ).
وهو المثقال ( ).
وأصله من الروم ( ) وقد ورد ذكره في قوله تعالى: (ومِنْهُم مَّنْ إن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ) ( ).
والدينار الشرعي هو المطابق للأوزان المكية التي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "الوزن وزن مكة والمكيال مكيال المدينة" ( ) وذلك أن أهل مكة أهل وزن، وأهل المدينة أهل مكيال؛ لكثرة ما يكال عندهم.
والدينار الشرعي لم يتغير في جاهلية ولا إسلام ( ).
وهو الذي يعادل السبعة منه زنة عشرة دراهم بالإجماع ( ).
أي أنه 1.7 درهم.
وقد ذكر الرواة أن عبد الملك بن مروان قد جدد ضربه، مطابقاً للأوزان المكية، قال ابن الأثير: "في سنة ست وسبعين ضرب عبد الملك بن مروان الدراهم والدنانير، وكان هو أول من أحدث ضربها في الإسلام فانتفع الناس بذلك، وصار وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل" ( ).
وقال الخطابي: "أما الدنانير فمشهور من أمرها أنها كانت تحمل إليهم من بلاد الروم، وكانوا يسمونها "الهرقلية":
يروق العيون الناظرات كأنه هرقلية، وإن أحمر التبر راجح
ثم روى بإسناده أن عبد الملك بن مروان لما أراد ضرب الدنانير والدراهم سأل فأجمعوا له على أن المثقال اثنان وعشرون قيراطاً إلا حبة بالشامي، وأن عشرة الدراهم وزن سبعة مثاقيل ( ).
وقال أبو عبيدة: " لم يزل المثقال في آباد الدهر مؤقتاً محدوداً، لا يزيد ولا ينقص" ( ).
وقال الرافعي: "المثقال لم يختلف في جاهلية ولا إسلام، أما الدراهم فكانت مختلفة، والذي استقر عليه الأمر في الإسلام أن وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل ذهب" ( ).
وقال البهوتي: "ولم تتغير المثاقيل في جاهلية ولا إسلام، بخلاف الدراهم" ( ).
وقال المناوي: "المثقال أصل متفق عليه، ولم يختلف في جاهلية ولا إسلام" ( ).
أما وزنه بالحبوب:
فقد قدر أكثر الفقهاء وزن الدينار الشرعي بزنة اثنتين وسبعين حبة شعير متوسطة لم تقشر وقطع من طرفيها ما امتد ( ).
وقيل: مائة شعيرة ( ).
وقيل: اثنتان وثمانون ( ).
أما بحب الخردل – وهو أدق من الشعير – فقدره بعضهم بستة آلاف (6000) حبة ( ).
المطلب الثاني: مقدار الدرهم الشرعي:
الدرهم: مفرد دراهم، وهو لفظ يوناني معرب، وهو نوع من النقد يضرب من الفضة ( ).
وقد ورد ذكره في قوله تعالى: (وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) ( ).
وهو مختلف الأنواع والأوزان.
لكن الدرهم الإسلامي الشرعي هو المطابق للأوزان المكية التي أقرها صلى الله عليه وسلم لأهل مكة كما تقدم.
وهو الذي يزن العشرة منه سبعة مثاقيل باتفاق العلماء ( ).
وعليه هكذا في عامة البلاد ( ).
وعليه فإن الدرهم سبعة أعشار المثقال ( ).
وتسمى الأربعون منه أوقية بلا خلاف ( ).
وجدد عبد الملك بن مروان ضربه حسب أوزان الجاهلية وصدر الإسلام مع الدينار.
قال الخطابي: "وزن أهل مكة هي دراهم الإسلام المعادلة العشرة منها بسبعة مثاقيل، والدراهم مختلفة الأوزان لكن منها الدرهم الوزان" ( ).
وقال ابن خلدون: "الإجماع منعقد منذ عصر الإسلام وعهد الصحابة والتابعين على أن الدرهم الشرعي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب، أي أنه سبعة أعشار الدينار" ( ).
وقال النووي: "الصحيح الذي يتعين اعتماده أن الدراهم المطلقة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت معلومة الوزن معروفة المقدار، وهي السابقة إلى الأفهام، وبها تتعلق الزكاة وغيرها من المقادير الشرعية، ولا يمنع هذا من كونه كان هناك دراهم أخرى.
وكل درهم ستة دوانيق، وكل عشرة سبعة مثاقيل، وأجمع أهل العصر الأول فمن بعدهم على هذا، ولا يجوز أن يجمعوا على خلاف ما كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين والله أعلم ( ).
وقال ابن قدامة: "والدراهم التي يعتبر بها النصاب هي الدراهم التي كل عشرة منها وزن سبعة مثقايل بمثقال الذهب.
وهي الدراهم الإسلامية التي تقدر بها نصب الزكاة ونصاب القطع في السرقة وغير ذلك، وكل درهم ستة دوانيق" ( ).
أما وزنه بالحبوب:
فقد قدر جمهور الفقهاء وزن الدرهم بخمسين حبة شعير من النوع المتوسط ( ).
قال ابن خلدون ".. فالدرهم الذي هو سبعة أعشار المثقال وزنه خمسون حبة وخمسا حبة، وهذا المقادير ثابتة بالإجماع ( ) وقدره آخرون بسبعين حبة ( ).
أما بحبو الخردل فقدره بعضهم بـ 4200 حبة ( ).
المطلب الثالث: وزن الدينار والدرهم بالغرام:
انقطعت الصلة بين المسلمين وبين درهمهم ودينارهم الذي أحالهم عليه الشرع، وهو ما كان متعارفاً بينهم إبان نزول الوحي، وذلك بسبب تغيير الخلفاء والحكام للنقود المتداولة بين الناس.
وهذا  أمر خطير دعا علماء الأمة إلى الاهتمام بهذا الموضوع، لصلته الوثيقة بالأحكام الشرعية، كنصب الزكاة، ومقادير الديات والقطع في السرقة ونحو ذلك.
ولقد بذل أولئك جهوداً شتى لمحاولة الوصول إلى حقيقة وزن الدينار والدرهم الشرعيين.
وسلكوا في سبيل ذلك مناهج مختلفة، منها:
أولاً: الرجوع إلى الوزن بالحبوب، فقد جعل بعض الباحثين الحبة هي الأساس، فقاموا بوزن حبات الشعير أو القمح أو الخردل التي حددها الفقهاء بالغرامات، فظهر لبعضهم أن وزن الدينار الذي هو على مذهب الجمهور 72 حبة شعير متوسطة يعادل 3.07 من الغرامات وعند آخرين 3.5 من الغرامات.
ووزن الدرهم الذي هو على مذهب الجمهور 2 / 5.5 حبة يعادل 2.15 من الغرامات وعند آخرين 2.30 من الغرامات.
وبحبو القمح كانت النتيجة أن وزن الدينار 3.15 من الغرامات.
ووزن الدرهم 2.20 من الغرامات ( ).
لكن هذا المسلك غير مرتضى عند أكثر الباحثين؛ نظراً للتفاوت الكبير في أوزان الحبوب تبعاً للنوع والبلد والوقت، وهو المر الذي تيقنت منه بنفسي ( ).
ثانياً: الاعتماد على الصنج الزجاجية:
من الباحثين من اهتم بالصنج الزجاجية التي كانت تستعمل معياراً لسك العملة.
فذكروا أنه يوجد في المتحف البريطاني صنجة للدرهم الشرعي تعطي وزن 32.98 من الغرامات.
لكن هذا المسلك غير دقيق أيضاً، نظراً للتفاوت في الوزن بين الصنح المختلفة ( ).
ثالثاً: الاعتماد على حقيقة وزن الدرهم والدينار الشرعيين.
وهذا المسلك ارتضاه أكثر الباحثين، وهو يعتمد على أن الدينار والدرهم الذين ضربهما عبد الملك بن مروان شرعيان، وهما موجودان في المتاحف ودور الآثار، ويستفيد هذا المنهج من اتفاق العلماء على ثبات النسبة بين وزن الدرهم والدينار بحيث إذا علم أحدهما علم بالآخر قطعاً ( ).
وقد تقدم أنه لا خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة في أن درهم ودينار عبد الملك يمثلان الدرهم والدينار الشرعيين ( ).
يؤكد ذلك أن أبا عبيد ذكر في كتابه (الأموال) أن درهم بني أمية موافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقة، لا وكس ولا شطط، وأن الأمة أجمعت على هذا ( ).
وذكر أن عشرة الدراهم تساوي سبعة مثاقيل، وكذا فعل المقريزي ( ).
وقال القاضي أبو يعلى: "قد استقر في الإسلام على أن وزن الدرهم ستة دوانيق، وكل عشرة منها وزنها سبعة مثاقيل" ( ).
وحيث تبوأ دينار عبد الملك هذه المكانة فلا بد من معرفة أوزانه.
وقد قام مجموعة من الباحثين بوزن دينار عبد الملك من المتاحف الإسلامية والعالمية ومنها:
1- الأستاذ ناصر النقشبندي مدير المسكوكات والأبحاث الإسلامية، بالمتحف العراقي، قام بوزن أربعة دنانير من دنانير عبد الملك ضربت عام 80 – 86 هـ فوجد أن متوسط وزنها بلغ 4.267 من الجرامات ( ).
2- المؤرخ علي باشا مبارك، قام باستقراء النوقد الإسلامية المحفوظة في المتاحف الأجنبية وقام بوزن سبعة دنانير من دنانير عبد الملك فوجد متوسطها 4.25 ( ).
3- بعض الغربيين وزنه فوجده 4.233 من الجرامات ( ).
4- محمد نجم الدين الكردي ذكر في كتابه أنه قام بوزن 33 ديناراً ضربت في عهد عبد الملك يوجد منها في المتحف العراقي "4" وفي المتحف الإسلامي "19" وفي متحف لندن "7" ومن متاحف أجنبية أخرى.
فصارت النتيجة أن متوسط أوزانها 4.24 بالتقريب.
ونقل الكردي أن متوسط وزن 26 ديناراً من دينار عمر بن عبد العزيز هو 4.25 من الغرامات في المتاحف الأوروبية.
وفي المتحف العراقي دينار واحد زنته 4.26 من الجرامات ( ).
أما الدرهم:
فإذا أخذنا بالنسبة التي ذكرها الفقهاء بين الدرهم والدينار وجدنا أن الدرهم:
يزن 2.97 من الغرامات على اعتبار أن الدينار 4.25 من الغرامات حاصل 4.25 × 7 / 10 = 2.97، وإذا رجعنا إلى الأوزان الحقيقية لما هو موجود في المتاحف المختلفة من دراهم عبد الملك بن مروان وجدنا أن الكردي ذكر أن متوسط أوزان 32 درهماً هو 2.77 من الجرامات. وهو قريب مما ذكر الفقهاء، ولا يستغرب اختلاف أوزان الدراهم والدنانير القديمة، نظراً لبدائية الآلات التي سكت بها، وفي المتاحف بعض هذه الآلات.
وبهذا تكون المحصلة الأخيرة هي أن وزن الدينار 4.25 بالجرامات ذهباً ووزن الدرهم 2.97 من الجرامات فضة.
وهذا الذي اختاره الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى ( ).
والدكتور يوسف القرضاوي ( ).
واعتمدته الموسوعة الفقهية الكويتية ( ) ودائرة المعارف الإسلامية ( ).
وموسوعة وحدات القياس العربية ( ).
ولأنه ترجح أن نصاب القطع في السرقة هو ربع الدينار تكون النتيجة أن نصاب السرقة هو 1.06 من الجرامات من الذهب حاصل قسمة 4.25 على أربعة.
ولأن سعر الذهب في 5 / 5 / 1428 هـ هو (68) ريالاً سعودياً يكون النصاب بهذه العملة الورقية ذلك اليوم هو (72) ريالاً، وهكذا في كل بلد يضرب الجرام وستة في المائة نم الذهب بسعر بعملتهم المتداولة يخرج لهم قدر النصاب.
أما الفضة فيكون النصاب عند من يرى التقدير بالفضة 8.91 من الجرامات من الفضة، حاصل ضرب 2.97 في ثلاثة، تقدر وقتها بعملة البلد التي وقعت فيها السرقة يظهر لهم النصاب، والله أعلم.
المبحث الرابع
وقت تقويم النصاب
إذا سرق السارق سلعة واحتجنا إلى تقويم سعرها فهل نقدرها يوم السرقة أو يوم الحكم عليه؟
اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين، وتظهر ثمرة خلافهم عندما يختلف سعر السلعة يوم السرقة عن سعرها يوم الحكم على السارق، بأن تكون نصاباً يوم السرقة ثم يقل سعرها عن النصاب يوم الحكم.
القول الأول: ذهب أكثر أهل العلم من المالكية ( ) والشافعية ( ) والحنابلة ( ) والحنفية في قول لهم ( ) إلى أن المسروق يقوم يوم السرقة، فإن بلغ نصاباً قطع السارق وإلا فلا، ولا أثر لتغير قيمته بعد إخراجه من الحرز، فلو نقصت قيمته عن النصاب يبقى القطع.
أدلة الجمهور:
استدل الجمهور على مذهبهم هذا بالآتي:
1- قول الله تعالى: (والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا) ( ).
ووجه الاستدلال: أن المختلف فيه سارق لنصاب كامل، فيقطع لدخوله في عموم الآية ( ).
ونوقش: بأن هذا عام مخصوص، ونحن نسلم بأن الآية تدل على وجوب قطعه، لكن الأمر هل يسقط القطع بعد وجوبه أو لا؟ ( ).
ويمكن الجواب: بأن الأصل بقاء حكم العموم حتى يرد المخصص، ولا مخصص في مسألتنا ولا مسقط.
2- أن النقص الحادث بعد انفصال المسروق من الحرز نقص طارئ حدث في العين، فلم يمنع من ثبوت القطع، كما لو حدث نقصان للعين باستعمال السارق أو غيره ( ).
ونوقش بأمرين:
الأمر الأول: أن هناك فرقاً بين نقصان العين ونقصان السعر، فإن نقصان العين مضمون على السارق، فيقطع فيه بخلاف نقصان السعر فهو غير مضمون عليه ولا اختيار له فيه، فلم يقطع فيه ( ).
وأجيب: بعدم التسليم، ذلك أن نقصان السعر مضمون مع التلف، فأشبه نقصان العين فاستويا ( ).
الأمر الثاني: أن قولكم "ما يطرأ في الحدود غير مؤثر" منتقض بدلالة ردة الشهود وفسقهم، فإنه طارئ ومؤثر في إسقاط شهادتهم وإسقاط الحد الناتج عنها، فكذا طروء نقصان النصاب ( ).
ويجاب: بعدم التسليم بهذا الناقض، وذلك أنه في حالة ردة الشهود وفسقهم تبينا عدم صحة شهادتهم وعدم وجوب الحد أصلاً يوم السرقة.
بخلاف نقصان النصاب الطارئ، فلم يكشف لنا عن شيء كان مجهولاً يوم السرقة، فيبقى وجوب الحد كما كان.
3- أن الاعتبار في الحدود حال الوجوب لا حال الاستيفاء، كالبكر إذا زنى فلم يحد حتى أحصن، وكالعبد إذا زنى فلم يحد حتى أعتق، فالحد الواجب عليهما أولاً لا يتغير ( ).
ونوقش: بأن هذا منتقض بما لو ثبت بإقرار أو بينة بأن المسروق كان مملوكاً للسارق.
ويجاب: بأنه في هذه الحالة تبينا عدم وجوب الحد عليه أصالة لانتفاء شرط القطع يوم السرقة، بخلاف مسألتنا، فشروط القطع فيها مكتملة يومها.
4- أن القدر شرط في وجوب القطع، فوجب أن يكون نقصانه بعد وجوب القطع غير مؤثر في إسقاطه قياساً على خراب الحرز ( ).
أي أن النصاب شرط لوجوب القطع فلم تشترط استدامته كالحرز ( )، فإن الحرز إذا خرب بعد السرقة فلا قائل بسقوط الحد يومئذ، فكذا نقص السعر.
5- أنه سارق لنصاب من حرز مثله ولا شبهة له فيه، فوجب قطعه أصله إذا لم تنتقص القيمة ( ).
6- أن سبب القطع هو السرقة، فكان المعتبر وقتها لا وقت الحكم ( ).
القول الثاني: أن المعتبر في التقويم هو وقت الإخراج من الحرز ووقت الحكم معاً، فإذا تغيرت الأسعار بأن نقصت قيمة المسروق عن النصاب قبل الحكم فلا يقام عليه الحد.
وهذا ظاهر الرواية عند الحنفية ( ).
واستدلوا بالآتي:
1- قالوا: إن القيمة إنما تعلم بالحزر والظن، ونقصها وقت الحكم يورث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات ( ).
ويناقش: بأن الشبهة المعتبرة هي الشبهة القوية المؤثرة لا كل شبهة، بدلالة اتفاقنا على أن نقص العين وخراب الحرز بعد السرقة شبه غير مؤثرة، فكذا شبهة نقصان القيمة.
2- أن نقص السعر صفة للعين المسروقة، ولو كانت موجودة عند السرقة لم يجب القطع بها، فإذا طرأت لم يجب القطع لأجلها، أصله ما لو ثبت بإقرار أو بينة أنها ملك للمسروق ( ).
ونوقش: بأن قاعدتكم "الطارئ المسقط كالموجود ابتداء" تنتقض بخراب الحرز، فإنه يمنع من وجوب القطع عند ابتداء السرقة، ولا يمنع إذا طرأ خرابه بعد الإخراج ( ).
ثم المعنى في الأصل أنه إذا ثبت أنه مالك للمسروق استدل بذلك على أنه كان مالكاً لها عند إخراجها من الحرز فلذلك لم يقطع، بخلاف ما لو حدث نقص في سعرها فإنه لا يستدل به على نقصها عند إخراجها، فلذلك يقطع ( )، فالمعيار هو يوم الإخراج.
3- أن حد السرقة وضع لصيانة المال، كما وضع حد القذف لصيانة الأعراض، وكل واحد من الحدين لا يثبت إلا بخصم، وتغير صفات المقذوف قبل استيفاء الحد بأن يزني يسقط الحد، فكذا تغير صفة العين المسروق قبل الاستيفاء يجوز أن يؤثر في سقوط الحد ( ).
ونوقش: بأن هذا منتقض كذلك بخراب الحرز، فإنه لا يؤثر في سقوط الحد، ثم المعنى في زنا المقذوف بعد قذفه أنه دل حدوثه على انتفاء عفته أصلاً ( ).
بخلاف تغير سعر المسروق فإنه أمر طارئ فلا يؤثر فيما مضى كما مر.
الترجيح:
بعد عرض القولين وأدلتهما والمناقشات يظهر لي والله أعلم رجحان القول الأول وهو عدم تأثير نقصان القيمة في نصاب السرقة، وأن التقويم إنما يكون وقت السرقة لا غير، ولا أثر لتغير السعر في إسقاط الحد، وذلك:
‌أ- لثبوت الحد بتمام شروطه وقت السرقة.
‌ب- أن هذا القول موافق لعمومات النصوص في الكتاب والسنة الموجبة لقطع السارق.
‌ج- أنه يترتب على الأخذ بالقول الثاني مفاسد، منها:
1- عدم استقرار حد السرقة، إذ يجوز أن ينقص السعر في أي وقت كان.
2- أنه لو نقص السعر بعد تنفيذ الحد لجاز للسارق أن يطالب بدية يده من الحاكم.
3- أن السارق لو علم بهذه الشبهة وكان له أعوان، لما عجزوا عن ضخ كميات كبيرة من السلعة المسروقة ليقل سعرها، ويسلم صاحبهم من القطع.
4- أنه يلزم على قاعدة هذا القول أن يقطع من لا يستحق القطع، وهو من سرق ما دون النصاب ثم زادت قيمة ما سرق بعد ذلك فصارت نصاباً، ولم يقل بذلك أحد ( ).
والله تعالى أعلم وأحكم.
 
خاتمة البحث
في ختام هذا البحث أحمد الله العلي القدير أن أعانني على إتمامه ويسر، ثم أضع بين يدي القارئ الكريم أهم ما توصلت إليه من نتائج مرقمة حسب ورودها في البحث:
1- أن حقيقة السرقة: أخذ المال خفية من مالكه بغير حق.
2- أنه يشترط لقطع يد السارق أن يكون مكلفاً، وأن يبلغ ما سرقه نصاباً، ويخرجه من حرز مثله، وتنتفي عنه الشبهة، ويطالبه المسروق بماله ويرفعه للحاكم.
3- أن القول بالقطع بسرقة ما دون النصاب قول مرجوح خالف إجماع عامة الأمة.
4- أن أولى وجوه التفسير لقوله صلى الله عليه وسلم "لعن الله السارق .. إلخ" هو أن ذلك محمول على وجه المبالغة، التي معناها أن السارق تقطع يده العزيزة عنده في شيء يسير مقارب لثمن البيضة والحبل، وهو ربع الدينار.
5- أن للفقهاء في مقدار النصاب أقوالاً كثيرة، أرجحها بالدليل والتعليل القول بأن نصاب السرقة ربع دينار إسلامي فما فوقه.
6- أن الدينار الإسلامي نقد من الذهب كان موجوداً في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ووزنه مثقال، وقد جدد عبد الملك بن مروان ضربه موافقاً للأوزان النبوية، وقد وجدت بحمد الله نسخ من هذا الدينار في المتاحف العربية والغربية، وساعد ذلك الباحثين على الوقوف على الوزن الحقيقي للدينار الإسلامي.
وكانت الحصيلة أنهم توصلوا إلى أن الدينار بالجرامات المعاصرة يزن 4.25 وأن ربعه 1.06 من الجرام وهو نصاب السرقة.
7- أن الوقت المعتبر لتقويم المسروق هو يوم السرقة، فإذا بلغ نصاباً يومها استحق السارق القطع، ولو نقص سعر المسروق عن النصاب بعد ذلك.
8- أن الخلاف الضعيف لا يورث شبهة يدرأ بها الحد، لأن المعتبر من الشبهات ما كان قوياً وإلا ما أقيم حد قط.
وأخيراً: أوصي إخواني القضاة في المحاكم الشرعية بالحرص على إقامة حد السرقة لكل من سرق نصاباً، والحزم في ذلك، لأن هذا هو الجزاء المناسب والعلاج الرادع للحد من كثرة السرقات، مع عدم الالتفات إلى الدعايات المغرضة التي تبثها المنظمات العالمية بهفد تعطيل الشرائع ودعوى حقوق الإنسان، بل من حقوق الإنسان أن يأمن على أمواله في حال غيبته وحضوره، ولا أمن دون حد.
والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

تعليقات