القائمة الرئيسية

الصفحات

العولمة وأثرها على التمتع الكامل بحقوق الإنسان

العولمة وأثرها على التمتع الكامل بحقوق الإنسان

العولمة وأثرها على التمتع الكامل بحقوق الإنسان 





اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان
الدورة الخامسة والخمسون
البند 4 من جدول الأعمال المؤقت
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
العولمة وأثرها على التمتع الكامل بحقوق الإنسان
التقرير النهائي المقدم من ج. أولوكا - أونيانغو وديبيكا أوداغاما،
 عملاً بقرار اللجنة الفرعية 2002/105*




_______________
         *        قدمت هذه الوثيقة بعد الموعد الذي حدده قسم إدارة شؤون الوثائق.

المحتويات
                                                                                                الفقـــرات        الصفحة
أولاً-     مقدمة ومعلومات أساسية....................................................      1  - 6             3
ثانياً-     العولمة في أعقاب 11 أيلول/سبتمبر 2001: ما هو موقع حقوق الإنسان؟                  7  - 13      5
ثالثاً-     حقوق الإنسان وتحرير التجارة، ومصاعب التنمية الدولية..............      14 - 36          7
           ألف-  مرحلة ما بعد الدوحة ونحو كانكون.................................      15 - 26          8
           باء-   النقاش الدائر حول مؤسسات الإقراض المتعددة الأطراف وداخلها                    27 - 36     12
رابعاً-    معاودة التفكير في العولمة ضمن إطار قانون وحكم رشيد دولي جديد..      37 - 47         15
           ألف-  معاودة النظر في التزامات مؤسستي الإقراض المتعددتي الأطراف                  37 - 39     15
           باء-   نحو معنى جديد لصفة الدولة في سياق العولمة....................      40 - 42         16
           جيم-  إعادة تنشيط النقاش حول مسؤوليات الإنسان وواجباته...........      43 - 47         17
خامساً-   الاستنتاجات والتوصيات.....................................................      48 - 50         19
المرفق:  نحو إعادة صياغة التزامات حقوق الإنسان بالنسبة للجهات الفاعلة الرئيسية
           في عملية العولمة: اقتراح...................................................                          29


أولاً- مقدمة ومعلومات أساسية

1-      قررت لجنة حقوق الإنسان في مقررها 2002/102 تأييد تعيين السيد ج. أولوكا - أونيانغو والسيدة ديبيكا أوداغاما مقررين خاصين لإجراء دراسة عن مسألة العولمة وأثرها على التمتع الكامل بجميع حقوق الإنسان، على أن يوليا فيها اهتماماً خاصاً لما وضعته اللجنة الفرعية ولجنة حقوق الإنسان من توصيات بغية زيادة تركيز الدراسة وتحسين أساليبها(1). وقد حظي هذا القرار بموافقة المجلس الاقتصادي والاجتماعي (المقرر 2000/282). وأعقب تعيين المقررين الخاصين تقديمهما لورقة العمل المشتركة بينهما بعنوان "حقوق الإنسان باعتبارها الهدف الرئيسي للسياسات والممارسات التجارية والاستثمارية على الصعيد الدولي" (E/CN.4/Sub.2/1999/11) وتقديم ورقة عمل من جانب السيد أولوكا - أونيانغو بعنوان "العولمة وأثرها على التمتع الكامل بحقوق الإنسان في سياق ازدياد حوادث العنصرية والتمييز العنصري ورهاب الأجانب" (E/CN.4/Sub.2/1999/8).
2-      وقدم المقرران الخاصان تقريرهما الأولي إلى اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان في دورتها الثانية والخمسين (E/CN.4/Sub.2/2000/13). ولفت التقرير الانتباه بصورة خاصة إلى الإطار المؤسسي للقوى الرئيسية في مجـال العولمة مع توجيه الانتباه بشكل خاص إلى حالة المرأة ومختلف السبل التي أدت فيها العولمـة إلى تحسـين ظـروف معيشتها وتخفيضها على حد سواء. وقدم المقرران الخاصان في الـدورة التاليـة تقريرهمـا المرحلـي (E/CN.4/Sub.2/2001/10)، الذي واصل هذا النوع من التحليل. ويلخّص التقرير بعض أوجه التوتر المعلقة والمستمرة بين القانون الاقتصادي الدولي وحقوق الإنسان الدولية - وهما النظامان الرئيسيان للقوانين المرتبطة بمناقشة العولمة.
3-      ومنحت اللجنة الفرعية في دورتها الرابعة والخمسين وقتاً إضافياً للمقررين الخاصين من أجل استكمال دراستهما (المقرر 2002/105). وبالتالي فإن التقرير النهائي الحالي يواصل بحث المواضيع الرئيسية الواردة في التقارير السابقة ويقدم بعض الملاحظات الانتقادية عن التطورات ذات الأهمية الخاصة التي حصلت منذ تقديم التقرير المرحلي. كما يتضمن استعراضاً لتلك المجالات التي تعتبر أساسية في أية دراسات وإجراءات قد تضطلع بها اللجنة الفرعية في المستقبل. ويقدم التقرير الحالي على وجه الخصوص بعض الأفكار عن الطريقة التي غيرت فيها أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 شكل العديد من الاهتمامات في النقاش الدائر حول العولمة. ويضم ملخصاً للآثار المترتبة على الاندفاع المستمر نحو المزيد من تحرير التجارة في منظمة التجارة العالمية والوضع الحالي للمناقشات حول مؤسسات الإقراض المتعددة الأطراف وداخلها. ويختتم التقرير ببعض الأفكار عن القضايا المعلقة فيما يخص الهيكل اللازم لإطار دولي جديد للقانون والحكم الرشيد، والذي قد تقتضيه الضرورة كي تصبح عمليات العولمة أكثر استجابة لتعزيز وحماية حقوق الإنسان على نحو أفضل. وأدرجت هذه المبادئ (المقدمة في شكل موجز وعام) في المرفق بهذا التقرير.
4-      وشددت تقاريرنا السابقة على أن العولمة عملية تنطوي على العديد من الصفات وتتميز على وجه العموم بتزايد كبير في تكامل الاقتصادات الوطنية على النطاق العالمي. أما الآليات التي تتم بها هذه العمليات فتشمل النظم القانونية الاقتصادية المعاصرة التي تحكم الأنشطة التجارية والاستثمارية والمالية على الصعيد الدولي. وأهم المؤسسات والجهات الفاعلة التي تشكل قوة محركة لهذه العمليات هي الشركات عبر الوطنية ومؤسسات الإقراض المتعددة الأطراف مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، علاوة على منظمة التجارة العالمية. أما الأسس المركزية للعولمة فهي تضييق نطاق دور الدولة، وخصخصة المؤسسات التجارية العامة، ورفع الضوابط عن الاقتصادات أو تحريرها(2). وتترتب على هذه العمليات آثار بعيدة المدى في تعزيز وحماية حقوق الإنسان على نحو أفضل استناداً إلى إطار دولي راسخ الأسس ينطلق من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(3).
5-      غير أن عمليات وآثار العولمة أصبحت، بصورة متزايدة، أكثر تفاوتاً وتعقيداً وقد رأينا بعد التمعن في الأمر أن عمليات العولمة تدفع بالعالم إلى المزيد من التقارب، وتفرّق بين أركانه في الوقت ذاته. وعليه فإنه يتعين النظر إلى العولمة بوصفها قوة إدماج واستبعاد وقوة توسع وانكماش معاً، كما هي قوة لتعزيز حقوق الإنسان، وكذلك تهميشها. وبالتالي فإن دراستنا للعمليات الاقتصادية التي تحفز العولمة أساساً ينبغي استكمالها بإجراء دراسة أوسع نطاقاً للتطورات السياسية والاجتماعية والثقافية الهامة التي تحدث بسرعة. ويجب بالترادف مع هذه الدراسة الخوض في أوجه القصور التي تكتنف المؤسسات والآليات الهادفة إلى التعامل مع هذه التطورات واحتج مويزي نعيم بأن العولمة أتاحت لعامة الناس استعمال التكنولوجيات والموارد والإمكانات التي غالباً ما كانت وحتى أوائل التسعينات متاحة للحكومات وحدها(4). وأسفر ذلك عن تفوّق البنية الأساسية للاتصالات السلكية واللاسلكية واللوجستيات المتوفرة لتجار المخدرات، أو المزوّرين أو مهربي الأشخاص على وكالات التنظيم وإعمال القانون في معظم البلدان. وعليه، ورغم أن العولمة فتحت آفاقاً جديدة لاستخدام التكنولوجيا على نحو إيجابي، فإنها أثارت القلق أيضاً بشأن إساءة استعمال المخدرات وغسل الأموال والاتجار بالأشخاص و(خصوصاً) الإرهاب وارتفعت بها إلى ذروة جديدة.
6-      وقد زادت ردود فعل الدول والمؤسسات الدولية إزاء هذه التطورات من الاهتمام بقضية الأمن، لكنها تظل مفهومة تماماً. غير أن إعادة التركيز على الأمن تبعث على القلق بالفعل. ففي المقام الأول إن الأمن هنا هو أساساً الأمن بمعناه الرجعي الواضح وبمعنى الذي يعتمد على التفوق العسكري، والحد من الحريات المدنية. وثانياً، فهو أمن مختزل في العديد من جوانبه حيث يكاد ينظر إلى كل مشكلة دولية تقريباً من منظور الهواجس الأمنية. وأخيراً ثمة نموذج يبدو أنه يحظى بتأييد يكاد يكون شاملاً من جانب الدول، وإن كان ذلك يعود إلى أسباب انتهازية متنوعة (ومتضاربة) أحياناً في أساسها. وأخذ نموذج الأمن الدولي الجديد هذا يلعب دوراً أبرز مما ينبغي في الاقتصاد السياسي الدولي المعاصر. وممّا يثير قلقنا أن هذا النموذج قد أوجد أدنى مستوى على الإطلاق للقاسم المشترك في شؤون الدول وبالتالي في العلاقة بين الدول والأفراد. ومن نافلة القول إن هذا النموذج يجلب معه قضايا إضافية تتطلب الاهتمام في السعي إلى تحقيق التقيّد بحقوق الإنسان وحمايتها على نحو أفضل في إطار عملية العولمة(5). ولا تبرز هذه الحاجة في أوضح صورها أكثـر مما تبرز في رد فعـل الدول على أحداث 11 أيلول/سبتمبر - وهو رد الفعل الذي ما زالت تتردد أصداؤه حتى يومنا هذا.


ثانياً- العولمة في أعقاب 11 أيلول/سبتمبر 2001: ما هو موقع حقوق الإنسان؟

7-      قليلة هي الأحداث في تاريخ المجتمع البشري في فترة ما بعد الحرب الباردة التي كانت لها تلك الآثار الهامة وبعيدة المدى مثل تلك التي خلفتها الهجومات على مركز التجارة العالمي في نيويورك وعلى البنتاغون في واشنطن العاصمة. ففي أعقاب هذه الأحداث أعلنت الحكومة الأمريكية الحرب على الإرهاب. وتم اتخاذ عدة تدابير بعد ذلك للتصدي لما عُرّف بأنه "عدو" جديد ومراوغ لكنه شرير وفعال إلى أبعد الحدود. وكان من بين هذه التدابير إصلاح النظم القانونية الوطنية بغية التصدي للتهديدات الجديدة التي يمثلها الإرهاب في أحدث صوره. وتمت إعادة صياغة قانون الهجرة وازداد اللجوء إلى آلية الاعتقال الاحترازي (حتى في الدول التي كان هذا الإجراء فيها غير قانوني فيما مضى)(6). واستكملت هذه الإجراءات بتعزيز سلطات الترصد وزيادة تطبيق عقوبة الإعدام. وتركزت التدابير الأخرى على تحسين الآليات الرامية إلى ضمان الحد من تدفق الموارد الاقتصادية والمالية لدعم الأنشطة الإرهابية، وربما وقفها كلياً(7). وباختصار، فإن العالم برمّته شعر بتداعيات هذه الحرب - ببعديها الجغرافي والمفاهيمي على حد سواء(8). ويترك كل ذلك آثاراً هامة على شكل وصبغة القانون الدولي ذاتها في القرن الواحد والعشرين وعلى تعزيز الالتزام بحقوق الإنسان وحمايتها(9).
8-      واحتدم النقاش حول أسباب أحداث 11 أيلول/سبتمبر. وتفاوت الأمثلة الشائعة بين نظرية  "صراع الحضارات" التي أطلقها على نطاق واسع وحدد معالمها الباحث الأمريكي صموئيل هنتينغتون في أوائـل التسعينات(10). وحاول هنتينغتون في كتاباته في أعقاب إنهاء الحرب الباردة، الخوض فيما كان يرى أنها ستكون أهم أوجه التوتر العالمية التي ستتصف بها العلاقات فيما بين الدول وفي إطار النظام الدولي. وكان الاستنتاج الذي توصل إليه في الحقبة الجديدة (فترة ما بعد الحرب الباردة) هو أن "... صراع الحضارات أكبر خطر يتهدد السلم العالمي...."(11) ومنذ ذلك الحين، أصبح "حديث الثقافة" - أي الفكرة القائلة بأن جذور الصراع بين المجتمعات تعود في أساسها إلى العوامل الثقافية - الموضوع المهيمن على الكثير من النقاش الدائر حـول السياسـات الدولية(12).
9-      وغني عن القول إن العلاقة بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية أشد تعقيداً وتشعباً من ذلك بكثير. وكما لاحظ المجلس الدولي لسياسة حقوق الإنسان فإنه:
"يسود الاعتقاد بأن مستويات الظلم الاقتصادي والسياسي في العالم لها صلة بالعولمة وأن هذه بدورها مرتبطة، بالرأسمالية الغربية ولا سيما الأمريكية منها. وثمة تصوّر واسع الانتشار بأن العولمة تصدّر (أو تفرض) قيماً  ثقافية معنية دون احترام الثقافات أو المعتقدات الأخرى. وكذلك تصوّر آخر واسع الانتشار بأن الحكومات والشركات الغربية تبيع ما تطبقه هي من أشكال الحكم الرشيد إلى الآخرين (الديمقراطية، وسيادة القانون) لأسباب لا صلة لها بالنزاهة ولكنها تعود بالفوائد الاقتصادية عليها. وأن التجارة الحرة تساعد البلدان الغنية أكثر مما تساعد الفقيرة منها، كما يفسح النظام القانوني المجال للشركات الدولية كي تعمل بقدر أقل من المخاطرة، ويتم تشجيع الديمقراطية (ولكن إذا كانت تؤدي إلى قيام أنظمة مستقلة). وقد تكون هذه المفاهيم أو لا تكون صحيحة، لكنها موجودة بالتأكيد وتترك آثارها على السلوك عموماً"(13).
         وقد كان التأثير على السلوك (الدول خصوصاً) متعدد الجوانب. ففي أعقاب 11 أيلول/سبتمبر مباشرة تضافرت جهود الدول في كافة أرجاء العالم لدعم حكومة الولايات المتحدة فيما اعتبر رد فعل مبرر على عدو غامض (الإرهاب المتطرف ومن يدعمه) يشكل خطراً عالمياً. وإذا ما استخدمنا عبارات رئيس البنك الدولي جيمس وليفونسن، فإن أحداث (11 أيلول/سبتمبر 2001) "... ساعدت على إيصال الرسالة إلى الناس بأنه لا يوجد عالمان - الغني والفقير. بل عالم واحد. ويربط بين أطرافه المال والتجارة والهجرة والاتصالات والبيئة والأمراض السارية والجريمة والمخدرات وبالتأكيد الإرهاب"(14).
10-    لكنه إذا بدت الحرب ضد طالبان في أفغانستان نذير حقبة جديدة (وإن كانت منحرفة) من التعددية في إطار السياسات الدولية، فإن التطورات كانت تدل على نقيض ذلك تماماً. وعليه فعلى مدى السنتين الفائتتين بدأت حكومة الولايات المتحدة (وقد يقول البعض "استأنفت") اتخاذ إجراءات أحادية على نحو منهجي ومدروس (تخدم مصلحتها). ويمكن تعقب آثارها بالتنصل من برتوكول كيوتو الملحق باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وتبع ذلك رفضها تأييد إنشاء المحكمة الجنائية الدولية. كما يتجلّى ذلك في تراجع حكومة الولايات المتحدة عن معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وإلغائها لمعاهدة الحد من منظمات القذائف المضادة للقذائف التسيارية(15). أما في الحقل الاقتصادي، فقد صاحب هذه التطورات قرار حكومة الولايات المتحدة بزيادة التعريفات الجمركية على الفولاذ المستورد وزيادة الإعانات الزراعية - وهي إجراءات تتناقض كلياً مع البيانات المنمَّقة الصادرة عن الحكومة نفسها في تأييد "التجارة الحرة وسياسات تحرير الاقتصاد"(16).
11-    وقد بيّنت آخر حرب شنت على العراق بما لا يترك مجالاً للشك أن التعددية الجديدة (بقدر ما إذا كانت قد وجدت على الإطلاق) كانت مولوداً ميتاً. فالإجراءات التي اتخذتها حكومة الولايات المتحدة في الإعداد للحرب توضح عدداً من أهم المؤشرات التي تساعد على فهم الملامح الأساسية لعالم ما بعد 11 أيلول/سبتمبر وآثارها على العولمة والتمتع الكامل بجميع حقوق الإنسان فهماً. أوضح حيث إن الأولى منها تشكل عقيدة الاستخدام الأمثل للقوة، ولا سيما عقيدة تفوق القوة الاقتصادية والعسكرية، من أجل بلوغ غايات السياسات الدولية. وكانت الثانية منها، إلى الحد الذي يمكن أن تكون به المؤسسات المتعددة الأطراف كالأمم المتحدة ذات نفع في تحقيق هذه الغايات فإن ذلك يتم بمعنى استراتيجي وظيفي فحسب، حيث يتم تجاهله أو التخلي عنه نهائياً إذا اقتضت الضرورة.
12-    أما الاتجاه المتزايد نحو الأحادية فينجم أولاً عن المصالح الاقتصادية الكبرى، وكذلك التفوق التكنولوجي الذي تتمتع به الولايات المتحدة اليوم. وتدعم هذه العوامل القول بأن استخدام القوة الكافية ضد الإرهاب (سواء كان حقيقياً أو محتملاً أو متخيلاً) أو ضد حكومات "محور الشر" يجد أساسه المنطقي في الطريقة الميكيافيلية الكلاسيكية؛ أي الغاية تبرر الوسيلة. فكيف يرتبط كل ذلك بعملية العولمة إذن؟ من أوجه عدة هناك نوع مشابه من الأصولية يلعب دوره في الجدل الدائر حول تحرير الأسواق والإصلاحات الاقتصادية، أي أن أسباب الفشل والانكماش الاقتصادي لا تعود إلى انهيار الأسواق، أو سياسات رفع الضوابط أو التحرير، بحد ذاتها. بل إنها عواقب الإخفاق في تطبيق قانون السوق وسياسات التكيف وإعادة الهيكلة المرتبطة بها على نحو أكثر صرامة. وهنا تتقاطع بصورة خاصة الحرب ضد الإرهاب مع تعاظم الأحادية لتترك آثرها على عمليات العولمة وبالتالي التأثير بطرق سلبية جداً على التمتع الكامل بجميع فئات حقوق الإنسان. وفي هذا الإطار يتم التعامل بكل بساطة مع الضرر اللاحق بالبشر على أساس أنه "ضرر جانبي" إذا ما استخدمنا التعبير الملطف الذي أصبح دارجاً في أعقاب التطورات العالمية الأخيرة. ومن الواضح أن ذلك يثير تساؤلات هامة عن دور الدولة وموقعها وهي مؤسسة كان يعتقد قبل أحداث 11 أيلول/سبتمبر أنها في مرحلة الزوال إلى الأبد(17).
13-    وفي ضوء ما سبق قوله فإن نجاح التدابير المعتمدة في الحرب الشاملة على الإرهاب في تحقيق أغراضها بالفعل على الأمد الطويل ليس لـه أهمية تستحق الذكر(18). أما السؤال الأهم فهو فيما إذا كانت هذه التدابير قابلة للاستدامة. إذ من الواضح أن ثمة تداعيات أوسع نطاقاً تترتب على الحرب وتتجاوز "العدو" الموجهة ضده، سواء كان ذلك العدو أسامة بن لادن أم عدواً مبهماً أو منظمة القاعدة التابعة لـه أم الطالبان أو حتى نظام صدام حسين في العراق. والواقع هو أن الأحادية هي التي تهدد بتقويض علة وجود الأمم المتحدة الأساسية، وكذلك الإمعان في تنفير مناطق كاملة من العالم(19). وبالطبع فإن الآثار على المؤسسات المتعددة الأطراف من قبيل منظمة التجارة العالمية، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي تتسم بأهمية كبيرة، ويمكننا الآن الانتقال إلى دراسة الطرق المحددة التي تكتسب بها هذه النقاشات أهميتها بالنسبة لتلك المؤسسات والتنمية البشرية المستدامة ككل.
ثالثاً - حقوق الإنسان وتحرير التجارة، ومصاعب التنمية الدولية
14-    إن أبرز جوانب العولمة هي تلك التي تظهر في ميادين النهوض بتحرير التجارة، وتحسين نظم الاستثمار والتشغيل الأفضل لآليات التمويل الدولية. وبقدر ما كان أحد الأهداف الرئيسية ل‍ 11 أيلول/سبتمبر هو، الوجه الرأسمالي للنظام الأمريكي، فقد تضررت هذه النظم بسبب الآثار التي حاقت بعالم المال والعمل المصرفي والتأمين والصناعات العالمية الأخرى ذات الصلة. وفي الوقت نفسه وعلى الرغم من أن التطورات في هذه القطاعات تتعلق بصورة رئيسية بالاقتصاد الدولي، كما أشرنا من قبل، فإنها تتحرك أساساً بواسطة قوى فاعلة في الحلبة السياسية - المحلية والعالمية. وعليه فإنه من الأهمية بمكان فهم سياسات العولمة هذه بغية تقدير آثارها على التمتع الكامل بحقوق الإنسان. ويتطلب ذلك دراسة عمليات رسم السياسات التي استرشدت بها الجهات الفاعلة الرئيسية في عمليات العولمة على مدى السنتين الماضيتين. وبالتالي فإنه من الضروري استعراض القضايا الرئيسية التي كانت موضع بحث في إطار المفاوضات الجارية بشأن تحرير التجارة بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية ومسألة القضاء على الفقر في مؤسسات بريتون وودز أي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.


ألف- مرحلة ما بعد الدوحة ونحو كانكون

15-    صدر إعلان الدوحة في تشرين الثاني/نوفمبر 2001 عن الاجتماع الرابع للمجلس الوزاري لمنظمة التجارة العالمية(20) وعُقد هذا الاجتماع في العاصمة القطرية، الدوحة، وفي تناقض واضح إلى حد ما مع الكارثة التي حاقت بالمجلس نفسه في سياتل عام 1999. فقد اشتدّ التوتر، قبل الدوحة، بشأن عدد من المسائل المماثلة التي لازمت بإلحاح مناقشات سياتل. ومنها بعض القضايا الموضوعية والإجرائية، علاوة على الجدال بشأن معايير العمل، والزراعة، (وخصوصاً موضوع الإعانات) وأحكام المعاملة الخاصة والتفضيلية الواردة في اتفاقات جولة أوروغواي. وتعلقت القضايا الإجرائية بمسائل الشفافية، والمشاركة والمساواة، ولا سيما موقع البلدان النامية والأقل نمواً في المنظمة(21).
16-    ومما زاد الطين بلة، أنه أولي اهتمام كبير على مدى السنوات التي أعقبت مؤتمر سياتل بقضية حقوق الملكية الفكرية، ومسألة الحصول على الأدوية الأساسية(22): واتخذت هذه القضية في مرحلة الإعداد للدوحة أبعاد العلاقة بين الشمال والجنوب على نحو واضح فيما يخص اتفاق جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة، وخصوصاً قضية ما إذا كان مختلف الآليات من قبيل الحصول على التراخيص الإلزامية تعد طرقاً مناسبة يمكن أن تستخدم في معالجة الأزمة الصحية التي نشأت عن جائحة فيروس الإيدز/مرض الإيدز(23). وكان للولايات المتحدة الدور الأكبر في معارضة هذا الموقف، حيث عززت دعوتها باتخاذ إجراءات ثنائية كان الهدف منها إجبار عدة بلدان على الامتثال لما يسمى بالتدابير الإضافية للاتفاق المتعلق بحقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة (TRIPS-plus)(24). وكانت للدعاوى القضائية التي رفعتها عدة شركات صيدلانية دولية (وأيدتها حكومة الولايات المتحدة) ضد القوانين المتصلة ببراءات الاختراع التي اقترحتها حكومة جنوب أفريقيا، والشكوى التي قدمتها حكومة الولايات المتحدة ضد البرازيل في المجلس المعني بالاتفاق المتعلق بجوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة (مجلس تريبس)، قد دفعت المجتمع المدني الدولي إلى اتخاذ إجراءات بهذا الصدد(25). وبعد أن أخذت تترنّح تحت وطأة الدعاية السلبية الناجمة عن هذه الإجراءات، انسحبت تلك الشركات بكل لباقة من الدعوى، في حين علقت حكومة الولايات المتحدة الإجراءات التي اتخذتها بشأن شكواها(26). وعليه فقد كانت الرهانات في مرحلة الإعداد للدوحة "كبيرة جداً بالفعل"(27).
17-    وليس من الهين الإشارة إلى أن أحداث 11 أيلول/سبتمبر ساهمت في جوانب رئيسية معينة في التوصل إلى نتيجة أفضل في الدوحة مما كان عليه الحال في سياتل(28). وكانت حكومة الولايات المتحدة قد وضعت نفسها في ورطة خطيرة عندما أظهر الذعر العام حول قضية "الانثراكس" على وجه التحديد صحة موقف البلدان النامية فيما يتعلق بإتاحة الحصول على الأدوية في حالات الطوارئ الطبية(29). وعززت التطورات الآنفة الذكر بشكل كبير حسن النية الذي ساد في مؤتمر الدوحة وعلى العكس مما كان متوقعاً في مرحلة الإعداد للاجتماع، مما أسفر عن إحراز تقدم لا بأس به بشأن عدد من القضايا التي كانت تواجه عوائق من قبل(30). وغني عن القول أن الأحداث أثبتت فيما بعد أنه كان هناك ما يدعو إلى الحيطة والحذر أيضاً(31).
18-    وأعاد الأعضاء التأكيد في الإعلان الصادر عن الاجتماع على أهمية التجارة في النمو الاقتصادي والتنمية والعمالة وقالوا على وجه الخصوص إن التجارة تلعب دوراً كبيراً في التخفيف من وطأة الفقر. وسلم الإعلان أيضاً بضرورة استفادة كافة الشعوب من زيادة الفرص والمكاسب المتاحة في مجال الرعاية الاجتماعية الناجمة عن النظام المتعدد الأطراف. وبذا قرر الأعضاء أن احتياجات ومصالح البلدان النامية ينبغي أن تحتل موقع الصدارة في برنامج العمل الذي تم اعتماده بموجب الإعلان. أما قضية التزام الأعضاء بالتنمية المستدامة فقد برزت أيضاً في العديد من أحكام الاتفاق. ولا سيما الفقرة 6 من الإعلان التي جاءت على النحو التالي:
"... ينبغي، بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية عدم منع أي بلد من اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية حياة أو صحة الإنسان أو الحيوان أو النبات، أو البيئة على المستويات التي تراها مناسبة، رهناً بالشرط الذي يمنع تطبيقها بطريقة تشكل وسيلة للتمييز التعسفي أو غير المبرر بين البلدان التي تسود فيها نفس الظروف، أو فرض أية قيود مستترة على التجارة الدولية، على أن تتطابق خلاف ذلك مع أحكام اتفاقات منظمة التجارة العالمية".
وقد تناول الاجتماع هذا الموضوع بالتفصيل فيما يخص قضية الحصول على الأدوية عن طريق "الإعلان الخاص بالاتفاق المتعلق بجوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة والصحة العامة"(32). ومن بين "الانتصارات" الأخرى التي خرج بها مؤتمر الدوحة تعديل فترات الامتثال بموجب اتفاق تريبس لأقل البلدان نمواً(33)، واستخدام صيغة الحل الوسط إلى حد ما بشأن قضية الإعانات المقدمة للصادرات وبشأن "الهواجس غير التجارية" وما يتعلق بالمعاملة الخاصة والتفضيلية في الاتفاق بشأن الزراعة.
19-    وعلى الرغم من التطورات الإيجابية عموماً المشار إليها أعلاه، فقد واجه اتفاق الدوحة بدوره بعض القيود الهامة - وأصبحت هذه القيود أشد وضوحاً عندما بدأ يجفّ الحبر الذي كتبت به الوثيقة، ومن ثم عادت الأمور إلى طبيعتها. وعلى الرغم من تناول قضايا حقوق الإنسان (وخصوصاً فيما يتعلق بالحق في الحياة والحق في الصحة)، فقد خلا الإعلان من أية صيغة تتعلق بحقوق الإنسان. وأثيرت تساؤلات جدية أيضاً إزاء الصبغة الملزمة للإعلان. وحتى المسألة الوحيدة التي يبدو أن مؤتمر الدوحة حقق توافق الآراء حولها وسجل نجاحاً بشأنها - أي قضية الحصول على الأدوية الأساسية - يظهر أنه نجاح رمزي ليس إلا. أما مسألة التدابير الواجب اتخاذها لمساعدة البلدان التي لا تملك القدرة على تصنيع الأدوية - وهي مشكلة خاصة تواجهها العديد من البلدان الأقل نمواً التي تتحمل وطأة الوباء - فظلت دون حل أيضاً.
20-    ومما زاد من تفاقم هذه القيود مبادرة حكومة الولايات المتحدة إلى سد الطريق أمام الاتفاق النهائي بشأن هذه القضية بسبب الخشية من إمكان معالجة حتى الأمراض التي لا تعد سارية أو تشكل حالة طوارئ في مجال الصحة العامة (كالداء السكري والربو) بأدوية نوعية رخيصة الثمن ما أن يفتح الباب أمامها(34). ولا يعكس استمرار المأزق بشأن هذه القضية المشكلة الأساسية المتمثلة بأحادية الولايات المتحدة التي أشرنا إليها بالفعل فحسب، ولكن الأهم من ذلك هو عدم الاسترشاد بمبادئ حقوق الإنسان في إطار المفاوضات. وثمة مشكلة أخرى تكمن في استخدام الوسائل الثنائية للضغط على البلدان بغية اعتماد أحكام تتجاوز بكثير الالتزامات الواردة في اتفاق "تريبس" - أي استخدام ما يسمى بمعايير "تريبس" الإضافية(35). وباختصار فإن اتفاق الدوحة لم يواجه المشكلات بسبب مركزه القانوني فحسب، بل بسبب خلوّ صيغته كلية من أية عبارات تتعلـق بحقـوق الإنسان(36). ومنذ اجتماع الدوحة، ظلت المفاوضات حول تحرير التجارة تراوح مكانها في بعض القضايا المثيرة للخلافات نفسها التي ابتليت بها منظمة التجارة العالمية منذ ولادتها تقريباً(37).
21-    وما زال هناك الكثير من القلق بشأن الجدول الزمني للقضايا (ومحاولة إدخال قضايا جديدة) في جدول أعمال كانكون، المكسيك، حيث سيعقد المجلس الوزاري اجتماعه الخامس. ومنذ تسلمه منصبه في أيلول/سبتمبر 2002، أعلن المدير العام الجديد لمنظمة التجارة العالمية، نائب رئيس الوزراء ووزير التجارة السابق في تايلند سوباتشاي بانيتشباكدي، آراءه بصورة واضحة بشأن الاتجاه الذي سيتبعه للتقدم في المفاوضات. فقد أعرب، على سبيل المثال عن رغبته بجعل جولة الدوحة "جولة إنمائية" حقيقية(38). ويعتقد الدكتور سوباتشاي أن ثمة اتفاق واسع في الآراء حول الرأي القائل إن السياسة التجارية تشكل عنصراً هاماً من عناصر النهوض بالتنمية والحد من الفقر، وأن التأكيد على هاتين المسألتين، إضافة إلى وضع جدول أعمال محلي متسق من شأنه أن يسفر عن نتائج إيجابية(39). وتعهَّد المدير العام الدكتور سوباتشاي بتوطيد الدعائم الأربع لنظام التجـارة الـدولي أثناء ولايته، أي: `1` الإطار القانوني الذي يربط نظام التجارة المتعدد الأطراف مع بعضه البعض؛ `2` المساعدة المقدمة للبلدان النامية وأقل البلدان نمواً؛ `3` الاتساق في صنع السياسة الاقتصادية الدولية؛ و`4` تعزيز قدرة منظمة التجارة العالمية على خدمة أعضائها بشكل أفضل(40). لكنه مما يدعو للأسف أنه ما من بيان من بيانات الدكتور سوباتشاي الأخرى بشأن تحرير التجارة وصلاتها بالتنمية ينطوي على الكثير من الأمل باتباع نهج منقح إزاء موضوع حقوق الإنسان من جانب المنظمة. وبالإضافة إلى ذلك، وبالنظر للعديد من العقبات التي تواجهها ما تسمى بجولة الدوحة الإنمائية، فإن توقعات المستقبل لا تبدو مشرقة(41).
22-    ومما زاد من أوجه التضارب والتناقض في مرحلة الإعداد لكانكون الضغط المتواصل (الذي تمارسه بصورة خاصة البلدان المتقدمة الصناعية) لإدراج قضايا جديدة في المفاوضات(42). ومن بين هذه القضايا الاستثمار، والمنافسة، والشفافية في المشتريات الحكومية وتيسير التجارة(43). ولعل محاولة إدخال موضوع الاستثمار على نحو خاص يردد أصداء محاولة منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وضع مشروع لاتفاق متعدد الأطراف بشأن الاستثمار في أواخر التسعينات. وبالنظر إلى المشكلات الإجرائية والموضوعية التي واجهتها المنظمة، فإنه من الأهمية بمكان ضمان عدم تنفيذ النظم المشدّدة لحماية الاستثمار على حساب النمو السليم وحماية حقوق الإنسان أو التنمية البشرية المستدامة(44).
23-    وبذا فإن منظمة التجارة العالمية بوصفها منظمة دولية تجد نفسها في ورطة إلى حد ما، حيث إنها تقع بين فكي ضغط البلدان الصناعية للإبقاء على التركيز على تحرير التجارة والدفع على إدراج قضايا جديدة في المفاوضات، وبين الناشطين الذين يريدون إجراءات أكثر حزماً بشأن حقوق الإنسان. وبالطبع، فإن مقاومة هذا النهج الأكثر شمولاً إزاء حقوق الإنسان من جانب منظمة التجارة العالمية تأتي أيضاً من البلدان النامية والمتخلفة على حد سواء(45). وتظل المشكلة الأساسية هي كيفية التوفيق بين هذه المصالح المتضاربة، مع ضمان قيام منظمة التجارة العالمية بدورها الأساسي في تعزيز التنمية العالمية(46).
24-    وكانت إحدى القضايا الرئيسية التي أعربنا عن قلقنا إزاءها في تقريرنا المرحلي هي نظام تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية. وكانت من بين أوجه القلق قضايا سبل الوصول والتكلفة، والعوائق الهيكلية(47). ووفقاً لما يقوله غابرييل مارسو، فإن ميدان منظمة التجارة العالمية الضيق (أي القانون التجاري) "... لا يعني أن اتفاق منظمة التجارة العالمية يوجد ضمن نظام منغلق بإحكام، أو منغلق أمام القانون الدولي العام وقانون حقوق الإنسان. بل على العكس من ذلك، فإنه يتوجب على الدول أن تنفِّذ كافة التزاماتها بحسن نية، بما في ذلك الالتزامات المتصلة بحقوق الإنسان ومنظمة التجارة العالمية"(48). وكثيراً ما يتم الاستشهاد في هذا الميدان، باتفاق الدوحة بشأن الحصول على الأدوية باعتباره حالة دُرست فيها قضايا تحرير التجارة عبر منظور هواجس حقوق الإنسان. وثمة تفسير مبتكر وينم عن حسن نية للأحكام الأخرى في نظام التجارة الدولية من شأنه أن يسفر أيضاً عن نتائج أكثر إيجابية. وكما أشارت كارولين دومين "... إذا ما عُرِض أي تضارب بين قاعدة من قواعد منظمة التجارة العالمية وأي حكم من الأحكام المتعلقة بحقوق الإنسان على آلية تسوية المنازعات، فإنه من الواضح أن هذه الآلية ستراعي قانون حقوق الإنسان الدولي في هذا الصدد"(49).
25-    غير أن القول بأن منظمة التجارة العالمية هي أكثر تأثراً بالفعل بالهواجس المتعلقة بقانون حقوق الإنسان فإنما يتطلب المزيد من التمحيص الانتقادي. وفي حين أنه من الصحيح تماماًَ أن ما نسميه باعتبارات حقوق الإنسان تجد طريقها بالفعل إلى المفاوضات وكذلك إلى تسوية المنازعات، فإن هذا لا يتم بالضرورة بطريقة منهجية أو متأنيّة. ولم تصمم الآليات على نحو يضمن مراعاة الاهتمامات المتعلقة بحقوق الإنسان كمسألة اعتيادية. وهذه مثلاً هي الطريقة التي يمكن أن تؤدي إلى مقررات كالتي اتُّخِذت بشأن المنازعات المتعلقة بهرمونات لحم البقر والإسبستوس(50) التي لها تداعيات خطيرة على حقوق الإنسان(51). وتُعتبر في هذا الصدد، عملية الدوحة استثنائية في أن اعتبارات أخرى غير النصوص القانونية قد حظيت باهتمام شديد في منظمة التجارة العالمية. غير أن ما ميَّز عملية الدوحة هو مشاركة الجهات الفاعلة من غير الدول، وكذلك القضية قيد البحث. لكنه لسوء الحظ لا شيء يضمن تواجد هذه الجهات الفاعلة على الدوام في المفاوضات أو في آلية تسوية المنازعات ولا يجوز أن تتعرض القضية قيد البحث للتأثر بنفس نوع التعبئة والإجراءات كالتي حصلت فيما يخص سبل الوصول إلى الأدوية مثلاً. وبالإضافة إلى ذلك، لا يجوز لما يبدو أنها عملية تشمل الاهتمامات الخاصة بحقوق الإنسان وتستجيب إليها أن تتعرض للتخريب فيما بعد بسبب هيمنة القوة المطلقة لعضو واحد، إذ إنه من الواضح تماماً أن الأمر يتطلب عندئذ بذل المزيد من الجهود الجبارة لضمان تطبيق القانون الدولي عموماً وقانون حقوق الإنسان خصوصاً على نحو أكثر صرامة في منظمة التجارة العالمية. ولا توجد في الوقت الحاضر أية ضمانات بأن لا تعامل الهواجس الملحة المتصلة بالتجارة معاملة فوقية. وباختصار فإنه من الضروري تجنُّب النُهج المخصصة والعارضة.
26-    وبغية ضمان اكتساب الاهتمامات المتعلقة بحقوق الإنسان لجمهور أعرض بالفعل في منظمة التجارة العالمية، فمن الضروري اتباع استراتيجية ذات شعبتين. أولاً، تتطلب الضرورة المشاركة على نحو أكثر اتساقاً في عملية منظمة التجارة العالمية وضمان المزيد من التكامل بين المبادئ الأساسية للقانون التجاري الدولي كما تطبقه المنظمة وبين قانون حقوق الإنسان الدولي، على أن يتم أيضاً التصدي لبعض النظريات التي برزت مؤخراً والساعية لتفضيل القانون التجاري(52). غير أن ثمة حاجة كذلك لعودة مشاركة الدول الأعضاء في هذه المنظمة التي ستكون، في التحليل الأخير، أساسية وهامة (كما كانت بالنسبة لقضية الحصول على الأدوية الأساسية) في تحديد نطاق مراعاة الاهتمامات المتعلقة بحقوق الإنسان.

باء- النقاش الدائر حول مؤسسات الإقراض المتعددة الأطراف وداخلها

27-    على الرغم من أنه غالباً ما يشار إلى مؤسستي بريتون وودز باسم "التوأمين"، فإن عملياتهما، وهياكلهما والنُهج التي تتبعهما إزاء القضايا التي تواجه الاقتصاد الدولي حالياً ليست متماثلة بأي حال من الأحوال. وينطبق ذلك بصورة خاصة على الطريقة التي استجابت فيها المؤسستان إلى الدعوة بضرورة إيلائها مزيد من الاهتمام للأثر المترتب على سياساتها بالنسبة لتعزيز وحماية حقوق الإنسان(53) وقد مورست ضغوط كبيرة ووُجِّهت انتقادات شديدة لعملياتها ودستوريها وأساليب تصرفها من جانب عدد لا يحصى من منظمات حقوق الإنسان وحركة البيئة والمرأة. وعلى الرغم من أنه قد خفّت حدّة بعض الضغوط بسبب أحداث 11 أيلول/سبتمبر إلا أن القضية المركزية المتعلقة بمدى استجابة مؤسستي بريتون وودز للاهتمامات الاجتماعية غير الاقتصادية والاهتمامات الأخرى ما تزال تحتل مكاناً بارزاً.
28-    ومن بين الانتقادات العديدة الموجهة إلى هاتين المؤسستين هو تركيزهما المفرط على سياسات الاقتصاد الكلي، وأن استراتيجياتهما تحابي النمو أكثر من التنمية العادلة والمستدامة، وأنهما ملتزمتان أكثر من اللازم
ب‍ "أساسيات" تحرير الاقتصاد والخصخصة السريعة وإزالة الضوابط التنظيمية(54). ومما يجده العديد من منتقدي المؤسستين محبطاً بصورة خاصة أن هذه الأساسيات تشكل لبّ عملياتها منذ قيامها ولم تشهد سوى قدراً ضئيلاً من التعديل رغم أن برامجها بشأن الديون (مثل مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون ومرفق تعزيز النمو والحد من الفقر تُعتبران خطوتين هامتين إلى الأمام. كما أن هناك مشكلات بشأن مقاومة المؤسستين للجدل الدائر بخصوص التزاماتهما فيما يتعلق بتعزيز وحماية حقوق الإنسان(55).
29-    والواقع أنه نتيجة لتزايد التعقيدات في مجال التنمية الدولية والتي تتمثل جزئياً في هذه التطورات هي بالذات ما يدفع عبد الفتاح موساح إلى القول بأن مؤسستي بريتون وودز أخذتا تشكلان "... دراسة حالة في مجال التناقض:"(56)
"إذ إنهما من ناحية اعتمدتا أدواراً تفعيلية لمنع المنازعات في تعاملهما مع المجتمعات المعرضة لنشوب النزاعات بمطالبتها `بالحكم الرشيد` و`حقوق الإنسان` بوصفهما معيارين للمشاركة والالتزام. ومن جهة أخرى مارستا، من خلال برامج التكيُّف الهيكلي التي تعتبر ترياقاً لكل العلل، ضغوطاً زائدة عن الحد على الدول التي تعاني من النحول سلفاً لكي يزداد نحولها ببيع الأصول الحكومية، وخفض الإنفاق العسكري والإعانات المقدمة للخدمات الاجتماعية الأساسية".
وعلاوة على الطريقة المتبعة في رسم السياسات وتنفيذها ومراجعتها فقد تركّز الانتقاد أيضاً على طرق الحكم الرشيد وعمل مؤسستي بريتون وودز. والتهمة المركزية هنا أنه في حين تحث الدول الأعضاء على اتباع طرق الشفافية وزيادة المشاركة والحكم الرشيد، فإنهما لم تتمكنا من تكييف هذه المبادئ بالذات لأغراض عملياتهما وسياساتهما. وكما يقول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فإن هاتين المؤسستين تعانيان من "أزمة مشروعية"(57).
30-    إلى أي حد إذن تعمدت المؤسستان إلى هذه التهم. ولا سيما تلك المتصلة بتعزيز وحماية حقوق الإنسان على نحو أفضل؟ ورغم أن المؤسستين تعملان بالتلازم، فقد انصب أكبر قدر من الاهتمام على البنك بالمقارنة مع الصندوق. ويظهر أن البنك أكثر استجابة للضغوط الكثيرة التي تمارس عليه مما هو الحال بالنسبة للصندوق. أما من ناحية قضايا مثل وضع المرأة، وعمالة الأطفال، ووباء فيروس الإيدز/مرض الإيدز، و"الحكم الرشيد" وزيادة الشفافية، والعواقب المترتبة على التشريد القسري (سواء كان بيئياً أم إنمائياً)، فقد تجاوز البنك في العديد من النواحي ما كان يدّعي بأنه ولايته الأساسية. حيث عقد البنك مؤخراً سلسلة من حلقات العمل بذل فيها محاولة للعثور على السبل والوسائل الكفيلة بتعزيز استجابة عملياته لادعاءات الناشطين من أنه يفتقد إلى الحساسية والشفافية والمساءلة. وفي اجتماع "داخلي" عقد في 2 أيار/مايو 2002 سعى البنك بصورة خاصة إلى "... رفع مستوى وعي موظفيه بقضايا حقوق الإنسان والأطر القانونية، وما يترتب عليها بالنسبة لعمليات البنك والنطاق الذي يتم فيه تناول قضايا حقوق الإنسان أو وجوب تناولها في عمليات البنك الدولي(58). وعقدت حلقة دراسية مشتركة لتعليم حقوق الإنسان والتنمية للموظفين بالاشتراك مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان في 10 و11 حزيران/يونيه 2002(59).
31-    ويتضح على الفور من قراءة المداولات الجارية في هذه الاجتماعات أنه ثمة انقسام في الرأي بين كبار موظفي البنك فيما يتعلق بأنسب موقع ودور لحقوق الإنسان في عمليات البنك. فمن جهة يؤكد "التقليديون" بأن البنك ملزم من الناحية المبدئية بمواد الاتفاق المتعلق بإنشائه وأن هذا الصك يحدد وظائفه المتخصصة، وهي وظائف لا تشمل حقوق الإنسان. ولا يعتبر تعزيز حقوق الإنسان سوى غاية غير مباشرة، قد تجد أو لا تجد طريقها إلى مشاريع البنك(60). ولكن ما يعنيه هذا الرأي بصورة رئيسية هو أن ثمة التزام لا يستطيع البنك تنفيذه إلا من خلال الدعم الذي يقدمه للدول التي تظل هي الجهات الفاعلة والملتزمة الرئيسية في مجال حقوق الإنسان. وثمة رأي آخر مضاد بأن هناك حاجة ملحة لوضع نهج أكثر شمولية إزاء حقوق الإنسان، ويسلّم بأن السياسات الاقتصادية لا تترك "أثراً محايداً على حقوق الأفراد أو الجماعات"(61). ولم يتخذ البنك أية تدابير بعد سوى عقد المناقشات. لكن المقررين الخاصين يعتقدان بأن هذه المناقشات تشكل نقطة انطلاق مفيدة للمزيد من الحوار وتبادل الآراء بشأن كيفية معالجة القضية على نحو أكثر شمولاً، وذلك في البنك ومع الجهات الفاعلة الخارجية الرئيسية على السواء.
32-    ويظل صندوق النقد الدولي من ناحيته هو الأقلّ مراعاة للقضية المحددة المتمثلة في انطباق قضايا حقوق الإنسان على عملياته. لكنه استجاب بالتأكيد إلى انتقادات أخرى. ففي تقييم أجراه مؤخراً أشار الصندوق إلى ستة تدابير إصلاحية عكف على تنفيذها طوال السنوات العديدة الماضية، ومنها:
-        تعزيز المراقبة ومنع نشوب الأزمات؛
-        مساعدة البلدان الأعضاء على تدعيم قدرتها المؤسسية؛
-        تحسين القروض التي يقدمها الصندوق؛
-        تحسين الإطار الخاص بحل الأزمات؛
-        تعزيز الدعم المقدم للبلدان ذات الدخل المنخفض؛
-        ضمان كون صندوق النقد الدولي مؤسسة منفتحة وتعليمية(62).
ومما لا شك فيه أن هذه القائمة تشير إلى انشغال متزايد بالعواقب السلبية المترتبة على عمليات الصندوق. إذ يمكن القول بالنسبة للتدبيرين الأخيرين بصورة خاصة إنهما يعتمدان على بعض المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان. ومن الواضح في الوقت نفسه أن القائمة ليست طويلة بما فيه الكفاية وتُغفل عدة مسائل تتطلب بالضرورة الاهتمام بها في سياق بلوغ غايات القضاء على الفقر التي يدعي الصندوق الآن أنها من أهم عملياته(63).
33-    وكما سبق القول، فقد تركزت إحدى التهم الرئيسية الموجهة إلى البنك والصندوق على إخفاقهما في معالجة مشكلات الشفافية والمشاركة والنهوض بإدماج المجموعات والبلدان المهمشة(64). وفي اجتماع عقد مؤخراً للجنة الإنمائية، نظرت اللجنة في مذكرة تقنية بشأن تحسين مشاركة البلدان النامية والتي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية في عملية صنع القرار في المؤسستين(65). وغطت المذكرة قضايا من قبيل وزن وهيكل تصويت ("الصوت") البلدان داخل المؤسستين، وزيادة الشفافية، وإنشاء ثقافة "التعلم والإصغاء"(66). وادعّت المذكرة بأن ثمة قدر كبير من الاتفاق حول نظام تمثيل الأعضاء في البنك والصندوق وأن المبدأ الذي يقوم عليه توزيع الحصص والأسهم وحقوق التصويت ما زال مناسباً بالنسبة للمؤسستين. وبالتالي لم تناقش هذه القضايا في المذكرة.
34-    وتفيد الاستجابات المبدئية للمذكرة أنه من غير المحتمل أن تسفر عن تغييرات أساسية سواء كان ذلك بالنسبة للمشاكل الرئيسية التي تواجهها البلدان النامية والتي تمر اقتصاداتها بمرحلة انتقالية (الفقر والديون)، أو بالنسبة للقضيتين التوأمتين المتمثلتين في الحكم الرشيد والمشاركة في مؤسسات الإقراض المتعددة الأطراف(67). وبالإضافة إلى ذلك تجاهلت المذكرة بصورة تامة مسألة المناصب العليا والمساءلة في المؤسستين. وبذا فإن مسائل من قبيل طريقة اختيار رؤساء المؤسستين، والاستجابة ومساءلة المؤسستين عن الأزمات التي تنشب في بلدان مثل الأرجنتين وأوروغواي، لم يتم التطرق إليهما. ومما يكشف الكثير عن هذا الموضوع أن المذكرة لم تناقش القضايا التي يجادل البعض بأنها جوهر "أزمة المشروعية" التي تواجه توأمتي بريتون وودز. وقد أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن "الرمزية السيئة لعملية اختيار مغلقة وسرية تستند إلى الامتيازات في مؤسسات ملتزمة بالمساءلة والشفافية، جليّة تماماً"(68).
35-    وقد تركزت معظم الإجراءات الإصلاحية في مؤسستي الإقراض المتعددتي الأطراف على استراتيجية الحد من الفقر(69). وتضمن تقريرنا المرحلي تحليلاً لورقات استراتيجية الحد من الفقر ووجِّه الانتقاد إلى افتراضاتهما الأساسية وأوجه تنفيذها. وعلى الرغم من أن انتقاداتنا الأساسية باقية، فإنه من الأكيد أن ثمة وعي متزايد بطبيعة الفقر وأسبابه والآثار المترتبة عليه نتيجة الأنشطة المتصلة بعمليات ورقات استراتيجية الحد من الفقر في مختلف البلدان في شتى أنحاء العالم(70). غير أنه كما سبق القول في تقريرنا المرحلي، فإن المشكلة الأساسية في عملية ورقات استراتيجية الحد من الفقر هي أن الافتراضات الأساسية المتصلة بالنمو الاقتصادي التي تستند إليها اشتراطات الاقتصاد الكلي للبنك منذ أن استحدث برامج التكيف الهيكلي في الثمانينات، ما زالت على حالتها دون أي تغيير.
36-    وجرى بالفعل دعوة المجتمع المدني وغيره من الجهات الفاعلة من غير الدول إلى تقديم المدخلات بشأن وضع أهداف الحد من الفقر في معظم البلدان التي تم فيها تنفيذ ورقات استراتيجية الحد من الفقر. غير أنه حتى في الحالات التي اعتبر أنها حققت نجاحاً، فقد تم استبعاد هذه الجهات الفاعلة من مناقشة طبيعة سياسات الاقتصاد الكلي التي وضعتها المؤسستان لبلوغ أهداف القضاء على الفقر. ومما لا شك فيه أنه ينبغي استعراض هذا النهج وخصوصاً بسبب أن سياسة الاقتصاد الكلي سوف تؤثر تأثيراً حاسم الأهمية على مستويات الفقر والمشكلات التي يواجهها الفقراء(71). وما لم يتم ذلك، فإن قضية "المشاركة" التي قوبلت بالإطراء الشديد والتي تشكل جوهر ورقات استراتيجيات الحد من الفقر تظل مجرد مسألة روتينية(72). أما الاستنتاج الذي خلصنا إليه فهو أنه على الرغم من بذل جهود أكيدة من أجل الإصلاح، فإنه من الواضح أن هذه الجهود تتطلب المزيد من العمل. ويشير المقرران الخاصان في هذا الإطار إلى ما بذلته المؤسسات من محاولات للدخول في حوار أوثق مع المجتمع المدني(73)، لكنه لا يمكن اعتبار ذلك سوى نقطة انطلاق ضرورية لعملية من الجلي أنها تتطلب المزيد من التفصيل الدقيق(74). وتقتضي الضرورة إيلاء اهتمام شديد لعدد من القضايا. أولها إجراء استعراض لأطر الاقتصاد الكلي الأساسية التي تستند إليها تدخلات مؤسستي الإقراض المتعددي الأطراف. كما أنه من الضروري إجراء تقييم انتقادي للشكل والصبغة الحالية للأساليب المتبعة في "المشاركة"، سواء كان ذلك في ورقات استراتيجية الحد من الفقر أو فيما يتعلق بعمليات التدخل الأخرى التي تقوم بها المؤسستان. وأخيراً، فإنه من الأهمية بمكان إجراء استعراض انتقادي لقضيتي المساءلة والحكم الرشيد فيما يتعلق بالمؤسستين نفسهما.
رابعاً- معاودة التفكير في العولمة ضمن إطار قانون وحكم رشيد دولي جديد
ألف - معاودة النظر في التزامات مؤسستي الإقراض المتعددتي الأطراف
37-    أوضحنا في تقريرينا التمهيدي والمرحلي كيف أن الدول ليست وحدها، بل وكذلك المؤسسات المتعددة الأطراف أيضاً من قبيل منظمة التجارة العالمية ومؤسستي بريتون وودز، تندرج ضمن اختصاص وإعمال قانون حقوق الإنسان الدولي. ولا يمكن لأي كيان يتخذ لنفسه شخصية قانونية دولية أن يطالب بالاستثناء من هذا النظام. وقد أشرنا بصورة خاصة إلى أن ادعاءات المؤسسات المتعددة الأطراف مثل منظمة التجارة العالمية بأن الالتزامات إنما تقع على فرادى الدول الأعضاء وحدها وليس على المؤسسة نفسها - لأن المؤسسة تتناول العلاقات بين الدول وليس بين الأفراد والدول - لكن هذه الادعاءات غير واردة ولا مكان لها في القانون الدولي. وإذا ما اعتبر ادعاء من هذا القبيل ادعاءاً مشروعاً، فإنه سيؤثر بصورة خطيرة على سيادة القانون على الصعيد الدولي. ونرى بعد التعمق في الأمر أن القواعد التي تحكم العلاقات فيما بين الدول لا يمكن صياغتها هي ذاتها بطريقة تبطل مفعول المبادئ الأساسية للقانون الدولي، بما فيها معايير حقوق الإنسان. وثانياً فإن نظام منظمة التجارة العالمية والنظم التي تحكم مؤسسات بريتون وودز تؤثر تأثيراً مباشراً على حياة الناس وحقوق الإنسان الخاصة بهم أينما كانوا، ذلك نظراً لشمولية واتساع نفوذ هاتين المؤسستين. وهذا ما يحدث تماماً نظراً لأن القانون الدولي يتصور عملية التنمية وكأنها تتمركز حول تحقيق التنمية البشرية المستدامة - وهو هدف تشترك فيه الصكوك المؤسِّسية لكافة المؤسسات قيد البحث.
38-    وفي ضوء ما سبق، فإنه لا يجوز مساءلة الدولة وحدها عن عدم احترام وحماية وتعزيز وإعمال حقوق الإنسان لأنها تعمل على تنفيذ قواعد منظمة التجارة العالمية وسياسات وعمليات مؤسستي بريتون وودز، حيث إن ذلك يؤدي إلى قيام وضع شاذ في الكيانات المنفذة، لأنها تعتبر مسؤولة في حين تتمتّع المؤسسات الرئيسية التي تشرف على اعتماد هذه السياسات بالحصانة من المسؤولية. وقد أدركت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية شذوذ هذا الوضع، وحثت المنظمات الدولية على "اتخاذ أية تدابير ممكنة لمساعدة الحكومات على التصرف بطريقة تتطابق مع التزاماتها في مجالات حقوق الإنسان والسعي إلى استحداث سياسات وبرامج تعزز احترام تلك الحقوق"(75). وبالإضافة إلى ذلك، فقد أشارت المفوضة السامية لحقوق الإنسان في عام 2002 إلى أن "قواعد ومعايير حقوق الإنسان تتيح الإطار القانوني لحماية الأبعاد الاجتماعية لتحرير التجارة كعنصر مكمِّل للقواعد التجارية"(76).
39-    ويعتبر تأكيدنا مرة أخرى على الالتزام القانوني الذي يقع على المنظمات الدولية كمنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي أمراً ضرورياً بغية التشديد على أن هذه المؤسسات ينبغي، كحد أدنى، أن تعترف بحقوق الإنسان وتحترمها وتحميها. أما ما سقط من هذه الصيغة فهو الالتزام بتعزيز وإعمال الحقوق، وهو أمر يقع على عاتق الدولة فعلاً. وفي الوقت نفسه، وبالنظر إلى مراوغة هذه المؤسسات فيما مضى بشأن التزامها بنظام حقوق الإنسان، فإننا نرى أن الالتزام بالاعتراف يعد أساسياً. كما أننا نؤكد من جديد على أن هذه الالتزامات تطبق سواء عند صياغة سياساتها، أو عند تنفيذ الغايات الأساسية منها. وكان تمّ بحث هذه النقطة وأعيد التأكيد عليها في توافق آراء مونتيري(77) وإعلان جوهانسبرغ بشأن التنمية المستدامة(78). وبغية توحيد وتوطيد هذه الالتزامات يقترح المقرران الخاصان أن تجري اللجنة الفرعية المزيد من الحوارات مع هذه المؤسسات حول مشروع الإطار الوارد موجزه في المرفق بهذا التقرير. ويلخص الإطار، على وجه الخصوص من تفاصيل المجالات الثلاثة التالية: الالتزامات العامة في مجال حقوق الإنسان، والمبادئ الأساسية والإطار المعياري.
باء- نحو معنى جديد لصفة الدولة في سياق العولمة
40-    تركزت المناقشات حول آثار العولمة على الدول تركيزاً أكبر من اللازم على الطريقة التي اتبعتها سياسات عديدة رغبة في تحقيق النمو الاقتصادي، وجعلت الدول غير قادرة على الوفاء بالعديد من التزاماتها في مجال حقوق الإنسان(79). وكما لاحظ سكوغلي وغيبني فإنه "من المسلم به أن قوى العولمة في شكلها الحالي قد تحد من قدرة الدول"(80) ويذهب كريستوفر كلابام إلى أبعد من ذلك ليقول إن "أسطورة سيادة الدول التي لا تعرف أية حدود أو قيود يمكن بذلك إيداعها بكل ثقة ثنايا التاريخ"(81).
41-    وفي حين أنه من الصحيح أن العولمة قد أثرت على جوانب عديدة من السلطات التنظيمية وغيرها من السلطات التي تمارسها الدولة، يرغب المقرران الخاصان الابتعاد عن مفهوم الدولة "التي لا حول لها ولا قوة" - حيث تصبح الدولة عاجزة (وبالتالي غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها في مجالات حقوق الإنسان) بسبب عمليات العولمة. ونحن نرى أنه ثمة جانب آخر لهذه الرواية. فإذا كانت أحداث 11 أيلول/سبتمبر قد أظهرت شيئاً فإنما أظهرت استمرار صلاحية الدول والضرورة المحورية لها في اتخاذ الإجراءات الهادفة إلى الاستزادة من تعزيز وحماية حقوق الإنسان(82). وقد أظهرت أحداث 11 أيلول/سبتمبر أنه بمقدور الدول أن تتخذ إجراءات صارمة وحاسمة بغية معالجة أية مشكلة خطيرة. أما السؤال الأنسب الواجب طرحه فهو ما إذا كانت الدول تمتلك بالفعل الإرادة السياسية للتصدي لمختلف الضغوط والمشكلات الناجمة عن العولمة. ويجب بالضرورة على الدول أن تبدي التزاماً أقوى بضمان تعزيز وحماية حقوق الإنسان بيقظة وحماسة لا تقلان عما ظهر في أعقاب الهجمات الإرهابية(83).
42-    والمقرران الخاصان على قناعة بأن الحاجة تدعو إلى إطار جديد للحكم الرشيد وتحديد مسؤوليات أكبر للجهات الفاعلة التي تعمل على الصعيد الدولي. غير أن الدول لا يمكنها أن تتنصل من هذه المهمة الأساسية لضمان احترام حقوق الإنسان لمواطنيها وحمايتها وتعزيزها وإنفاذها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الالتزامات لا تتوقف بالضرورة على توفر الموارد اللازمة للدولة لاتخاذ إجراءات فعالة بصددها. وفيما يتعلق بسياسات المؤسستين المتعددتي الأطراف التي تتبناها الدول والتي قد تعود بالضرر عليها، فإن اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حثت الدول على اتخاذ الخطوات المطلوبة لحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عند تنفيذ برامج التكيف. وبالتالي فإنه يتعين على الدول أن تكفل "إدماج تلك الحماية، إلى أقصى حد ممكن، في البرامج والسياسات الرامية إلى تعزيز التكيف".
جيم- إعادة تنشيط النقاش حول مسؤوليات الإنسان وواجباته
43-    نجد أنه لزاماً علينا، لدى اختتام هذا الفرع من التقرير، أن نلفت الأنظار إلى قضية واجبات الإنسان والتزاماته ومسؤولياته. وبالنظر إلى الإعراب عن الكثير من أوجه القلق بشأن مختلف جوانب عمليات العولمة وأثرها المحتمل والفعلي على إعمال حقوق الإنسان، فإن القضية تستحق الاهتمام الجدي. زد على ذلك، أن الأزمات الاقتصادية الأخيرة في الأرجنتين، وأصداءها في بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى مثل أوروغواي والبرازيل، تطرح بوضوح قضية التزامات المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي ومسؤوليتها ومساءلتها. فالفضائح المؤسسية التي حاقت بشركة "إنرون" وغيرها من الشركات الكبرى تثير مرة أخرى قضية المسؤولية المؤسسية. وهي قضية تناولها مشروع المعايير الذي وضعته اللجنة الفرعية. ويجب أيضاً لفت انتباه الدول نفسها إلى الالتزامات والمسؤوليات الكثيرة الملقاة على عاتقها حسبما ورد في طائفة من الصكوك الدولية.
44-    إذ تنص المادة 28 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل فرد في التمتع بنظام اجتماعي ودولي يتيح إنفاذ الحقوق والحريات المنصوص عليها في الإعلان(85). وتنص المادة 29 منه أنه "على كل فرد واجبات إزاء الجماعة التي فيها وحدها يمكن أن تنمو شخصيته النمو الحر الكامل" وتأسيساً على الموضوع نفسه، فإن المادة 30 من الإعلان كانت أكثر صراحة من ذلك عندما نصت على أنه ليس في هذا الإعلان أي نص يجوز "تأويله على نحو يفيد انطوائه على تخويل أية دولة أو جماعة، أو أي فرد، أي حق في القيام بأي نشاط أو أي فعل يهدف إلى هدم أي من الحقوق والحريات المنصوص عليها فيه". وفي عام 1999 اعتمدت الأمم المتحدة الإعلان المتعلق بحق ومسؤولية الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما اتخذ كل من إعلان الألفية والأهداف الإنمائية للألفية من هذين الإعلانين نقطة مرجعية هامة أخرى لدى مناقشة هذه القضية.
45-    أما أكثر المحاولات تطوراً لوضع هذه القضية على الحلبة الدولية فقد بذلها مجلس العمل المشترك. حيث قام في عام 1997 بصياغة مشروع إعلان عالمي لمسؤوليات الإنسان(86) الذي يسعى من خلاله إلى معالجة القلق البالغ من عدم إيلاء اهتمام كافٍ لقضية المسؤوليات(87). وتم إجراء تحليلات عدة لمشروع الإعلان هذا، ركّز الكثير منها على ما كان يعتبر الأخطار المترتبة على وضع صك كهذا في سياق قد يضعف بصورة خطيرة أوجه الحماية الحالية لحقوق الإنسان. ووفقاً لما يقوله بن صول، فإن صكاً كهذا "رغم النية الحسنة التي ينطوي عليها ليس ضرورياً ولا مستصوباً"(88). وعلى النقيض من ذلك، يقول أندرو كلابام بأن الإعلان لا يفي بالغرض المنشود لأنه لم يتحدث بالتفصيل عن القوة المتزايدة وما يترتب عليها من مسؤوليات بالنسبة للجهات الفاعلة الدولية والمالية الرئيسية مثل الشركات عبر الوطنية والمؤسسات المالية المتعددة الأطراف في حماية حقوق الإنسان(89).
46-    وثمة ضرورة للتعامل بصورة أدق مع قضية الواجبات والمسؤوليات من أجل السعي إلى إيجاد طرق أفضل لمعالجة الطبيعة الخاصة لانتهاكات حقوق الإنسان التي ميَّزت عصر العولمة. ولا بد من أن تواجه آليات حقوق الإنسان الإقليمية والدولية الإساءات التي ترتكبها الجهات الفاعلة من غير الدول بطريقة مباشرة بشكل أكبر، وذلك دون مواصلة التركيز الشديد والثابت على الجهات الفاعلة التقليدية في المجال الدولي - أي الدول. ويتعين على هذه الآليات النظر في أحكام الصكوك التي تتولى أمرها وتتناول قضية المسؤوليات والواجبات، وإقامة التوازن المناسب بين مسؤولية الدول ومسؤولية الجهات الفاعلة من غير الدول. وقد تساعد القرارات المتخذة مؤخراً في إطار اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب(90)، ومحكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان(91) في تسليط الضوء في هذا الاتجاه.
47-    وغني عن القول أنه يتعين على منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية أن تقوم ضمن إطار النقاش الجديد بشأن واجباتها ومسؤولياتها بتكريس جهودها ثانية للتصدي لأوجه التفاوت الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية التي ما زالت تسود المشهد العالمي. حيث يتعين عليها أن تقلع عن إيلاء اهتمام تجريدي فحسب للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وأن تبدأ بوضع برامج ملموسة لتحقيقها(92). وما زال هناك الكثير من الارتباك النظري الذي يكتنف مصطلحي "المشاركة" و"التمكين" فيما يخص تخطيط وتنفيذ وتقييم البرامج. وثانياً فثمة حدود لما يمكن للجهات الفاعلة في المجتمع المدني أن تمارسه من تأثير فعلي على عمل المؤسسات العالمية بطريقة مستمرة ومستدامة(93). وأخيراً يتعيَّن على الدول أن تعتبر الجهات الفاعلة في المجتمع المدني بمثابة حلفاء لها وليس بأعداء في معركة تمس جميع الشعوب.

خامساً- الاستنتاجات والتوصيات
48-    لا يعتبر هذا التقرير نهائياً إلا بمعنى أنه ينهي ولاية المقررين الخاصين. لكنه اتضح خلال كامل دراستنا لهذه القضايا أن عملية العولمة سوف تزداد حجماً وتأثيراً على إعمال حقوق الإنسان وحمايتها. أما شكل ذلك، فقد يتباين، حيث إن المحتوى الموضوعي لأوجه القلق التي أثرناها في دراستنا سيظل ماثلاً. وينبغي أن تواصل اللجنة الفرعية معالجة هذه القضية وأن تواصل مراقبة الأطراف المؤسسية الرئيسية والطريقة التي تتطور بها مختلف عمليات العولمة. وتتسم هذه المراقبة بأهمية خاصة لأن الجهات الفاعلة الرئيسية في عمليات العولمة، ورغم تبنيها موقف الانعزال والازدراء (وحتى العداء)، بدأت على الأقل في إجراء حوار ذي مغزى حول العواقب المحتمل أن تترتب على سياساتها وعملياتها بالنسبة للتحقيق الفعلي لكافة أوجه حقوق الإنسان. ويتعين على اللجنة أن تثابر على هذا الحوار وتواصله في مسعى للتوصل إلى نهج جماعي أكثر قابلية للاستدامة والدوام إزاء التحديات المتعددة الجوانب الناشئة عن عمليات العولمة.
49-    ومنذ الشروع في إجراء هذه الدراسة، بدأت الوكالات الحكومية الدولية والحكومات الأطراف من غير الدول بمختلف مشاربها تتعامل مع موضوع العولمة وأثرها على حقوق الإنسان. ويشير المقرران الخاصان على وجه التحديد إلى إعادة تقارير صدرت عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وعملية وضع وتحسين مشروع المبادئ التوجيهية المتعلقة بحقوق الإنسان في إطار عملية ورقات استراتيجية الحد من الفقر، ناهيك عن عمل اللجنة الفرعية بشأن مشروع المعايير الخاص بالشركات الكبرى عبر الوطنية. وتتطلب هذه الجهود دعماً حاسماً مع إيلاء اهتمام خاص لضمان تحويل عمليات العولمة في نهاية المطاف إلى عمليات أكثر حساسية وأكثر استجابة للاهتمامات التي تم الإعراب عنها في دراساتنا. وبقدر ما تتنوع وتتفاوت وتتعدد عمليات العولمة، بقدر ما يزداد الآن عدد الجهات الفاعلة التي تقتفي أثر هذه التطورات، ويتعين أن تستعرض اللجنة الفرعية التدخلات التي يمكن إجراؤها بهدف تحديد ما هو أكثر استراتيجية ودواماً من بينها.
50-    ولا يقدم المرفق بهذا التقرير سوى موجز مبدئي لما يعتبره المقرران الخاصان أنه أمر أساسي في توسيع نطاق الحوار بين اللجنة الفرعية والجهات الفاعلة الرئيسية المنخرطة في عمليات العولمة. وهو يلفت الانتباه إلى كل من السياق الذي تعمل فيه هذه الجهات والتزاماتها. وأملنا كبير في أن يكفل مثل هذا الحوار في نهاية المطاف لعمليات العولمة أن تبدأ في أن يكون لها أثر أكثر إيجابية على التمتع الكامل بحقوق الإنسان مما كان عليه الوضع حتى الآن.
الحواشي
         (1)     يود المقرران الخاصان الإعراب عن امتنانهما للأشخاص التالية أسماءهم الذين قدموا لهما المساعدة في البحوث الجارية من أجل هذا التقرير: آدم برانش، آليس فارمر، داميين جيرارد، فيفيان لاباتون، وروبا مادهاف.
         (2)     E/CN.4/Sub.2/2001/10، الفصل الأول.
         (3)     للاطلاع على تفاصيل الإطار الذي نظر فيه المقرران الخاصان في عمليات العولمة وأثرها على التمتع الكامل بحقوق الإنسان، انظر المرجع السابق نفسه، الفقرة 5.
         (4)     Moisé Naím, The Fourth annual Grotius Lecture: Five Wars of Globalization, American University International Law Review, vol.18, No.1, 2002, p.4..
         (5)     وكما حذر جورج صورص: "لا يمكن لأي نظام أن يبقى على قيد الحياة بفضل القوة العسكرية وحدها، ومن المؤكد أنه لا يمكن حكم العالم بالتفوق العسكري. وأعتقد أن التفوق عظيم بما فيه الكفاية ليسمح لنا بالتفكير في أشياء أخـرى بدلاً مـن محاولة المغالاة في هـذه الفوقية". George Soros, globalization, Public Affairs, Perseus Books, New York, 2002,p. 176 .
         (6)     انظر Richard Garver Human Rights After 11 September: Civil Liberties Refugeesm Intolerance and Discrimination paper presented to the International Meeting on Global Trends and Human Rights _Before and After September 11 Geneva, 10-12 January 2002..
         (7)     انظر See Joseph E. Stiglitz, Globalization and its Discontents, W.W. Norton & Co., New York/London, 2002, p. 228.
         (8)     فيما يتعلق بالأخير منهما، فقد لوحظت أبرز التطورات على الإطلاق في تطبيق عدة مفاهيم لم تكن معروفة حتى الآن. وهي تشمل فكرة "الضربات الوقائية" وتصنيف أسرى الحرب بوصفهم "محاربين غير شرعيين" وفكرة تغيير الأنظمة التي جرت أولاً في أفغانستان واتسعت فيما بعد لتشمل العراق. وبغية الاطلاع على دراسة للتدابير التي اتخذتها حكومة الولايات المتحدة، انظر:Lawyers Committee for Human Rights, Imbalance of Powers: how changes to us Law & Policy Since 9/11Erode Human Rights and civil liberties, New York, 11 March 2003m available at: http://www.1chr.org/us laws/loss/imbalance/powers.pdf. On the case of measures taken by states in Africa, for example see Rotimi Sankore, September 11 And Its Implications For Africa, Pambazuka Electronic Newsletter, vol.79 12 September 2002, available at: http://www.pambazuka.org//nweslette.php.
         (9)     انظر: "For Whom the Liberty Bell Tolls," The Economist, 29 August, 2002.
         (10)   انظر Samuel P. Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order, Simon & Schuster, New York, 1996.
         (11)   المرجع السابق، الصفحة 321.
         (12)   للاطلاع على نقد لفكرة "حديث الثقافـات" انظـر: Mahmood Mamdani, Good Muslim, Bad Muslim:  A Political Perspective on Culture and Terrorism, available at: http://www.sidint.org/ journal/TOCdeve452.htm
         (13)   International Council on Human Rights, Human Rights After September 11, Versoix, Switzerland, 2002, p. 44.
         (14)   James Wolfensohn, Bridging the Gap Between Human Rights and Development, December 2001.
         (15)   B. Boutros-Ghali, “Why the US Won’t Succeed in Fighting Global Terrorism”, The EastAfrican, 21-27 April 2003, p. 10.
         (16)   Daniel Altman, “Global Trade Looking Glass:  Can US Have It Both Ways?”, New York Times, 9 November 2002, p. B1.
         (17)   للاطلاع على تعليق نقدي انظر: Saskia Sassen, “The State and Economic Globalization:  Any Implications for International Law?”, Chicago Journal of International Law, vol. 1, No. 1, 2000, pp. 110-111.
         (18)   Benedetto Della Vedova, “Will the War Make America, EU Less Selfish in World Trade?”, The EastAfrican, 14 April 2003, p. 8.
         (19)   انظر: Mary Robinson, Shaping Globalization:  The Role of Human Rights, The Fifth Annual Grotius Lecture, American Society of International Law, 97th Annual Meeting, Washington DC, 2 April 2003.
         (20)   الإعلان الوزاري المعتمد في مؤتمر الدوحة، قطر، 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2001 في الدورة الرابعة لمؤتمر منظمة التجارة الدولية الوزاري (WT/MIN(01)DEC/1) المؤرخ في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2001.
         (21)   انظر: Caroline Dommen, “Raising Human Rights Concerns in the World Trade Organization:  Actors, Processes and Possible Strategies”, Human Rights Quarterly, vol. 24, No. 1, 2002, pp. 27-30.
         (22)   انظر: G.A. Cornia, “Globalization and Health:  Results and Options”, Bulletin of the World Health Organization, vol. 79, No. 9, 2001, pp. 834-841.
         (23)   انظر المفوضة السامية لحقوق الإنسان بشأن تأثير الاتفاق المتعلق بجوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة في حقوق الإنسان (E/CN.4/Sub.2/2001/13).
         (24)   Dommen، مرجع سابق، pp.41 ff.
         (25)   للاطلاع على سرد لهذه التطورات، انظر الوثيقة E/CN.4/Sub.2/2001/10، الفقرات 21-25.
         (26)   المرجع نفسه، الفقرتان 26 و27.
         (27)   انظـر: Diana Bronsen, Assessing Doha:  What Does the Qatar Meeting of the World Trade Organization Mean for Human Rights?, available at:  http://www.ichrdd.ca/english/prog/ globalization/wtoMeetingDoha.html.
         (28)   انظر على سبيل المثال: Martin Khor, “The WTO post-Doha Agenda:  Squeezing the South under an Inequitable Work Programme”, Third World Resurgence, No. 141/142, 2002, pp. 24-30.
         (29)   Grace K. Avedissian, “Global Implications of a Potential U.S. Policy Shift Toward Compulsory Licensing of Medical Inventions in a New Era of ‘Super-Terrorism’”, American University International Law Review, vol. 18, No. 1, pp. 258-259.
         (30)   برونسون، مرجع سابق.
         (31)   ألـمّت مقالة في مجلة نيوزويك إلماماً جيداً بهذا التحذير حيث قالت: "وأخيراً، وبعد الكثير من العناء، يأتي الجزء العسير. ومرة أخرى تزودنا جولة أوروغواي بمفتاح اللغز. إذ إنه بعد الاتفاق على ما يريدون التفاوض حوله، أمضى أصحاب الصفقات خمس سنوات أخرى للتوصل إلى صفقة تقضي بتخفيض التعريفات الجمركية وفتح الأسواق العالمية. ومما لا شك فيه أنها خطوة في غاية الأهمية، وإن كانت شاقة، لكن قضايا الدوحة لا تقل تعقيداً - وسوف تستغرق بدون أدنى شك وقتاً طويلاً كسابقتها إن لم يكن أطول" انظر: “Smiles Now, Struggles to Come”, Newsweek, 26 November 2001, p. 2.
         (32)   انظر الإعلان المتعلق بتريبس والصحة العامة (WT/MIN(01)/DEC/2) المؤرخ في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2001.
         (33)   Ellen’t Hoen, “The Declaration on TRIPS and Public Health:  A Step in the Right Direction”, BRIDGES (post-Doha Ministerial Issue), Year 5, No. 9, November/December 2001.
         (34)   انظر: US Blocks Cheap Drugs Agreement, BBC News, 21 December 2002.
         (35)   انظر تقريـر لجنـة المملكة المتحـدة المعنية بالملكية الفكريـة: ,Integrating Intellectual Property Rights and Development Policy, August 2002, pp. 162-164, available at:  http://www.iprcommission.org/text/documents/final.report.htm.
         (36)   انظر Doha Declaration’s Meaning Depends on the Reader”, BRIDGES, Year 5, No. 9, November/December 2001.
         (37)   تحرير التجارة في الخدمات، ولا سيما قضية خصخصة الخدمات الأساسية كالمياه، التي تجتذب قدراً كبيراً من الاهتمام. انظر على سبيل المثال: John Mbaria, “Private Investors to Supply Water in Kenya”, The EastAfrican, 14-20 April, p. 6.
         (38)   Andrew Walker, New WTO Boss Backs Poor, BBC World Service, 3 September www.bbc.co.uk 2002, available at:.
         (39)   انظر: Supachai Panitchpakdi, The Doha Development Agenda:  Challenges and Opportunities for the Arab World, speech before the World Economic Forum, 9 September 2002, www.wto.org available at:.
         (40)   Supachai Panitchpakdi,  From Doha to Cancún and Beyond, speech before the General Assembly of the Swiss Bankers Association, 20 September 2002, available at www.wto.org.
         (41)   انظر Stalemate in Agriculture Casts Pall over Doha Round”, BRIDGES, Year 7, No. 2, 2003.
         (42)   تتفاوت الآراء ما بين الشائع شعبياً والمختص علمياً. انظر for example, Tina Rosenberg, “The Free-Trade Fix”, New York Times Magazine (sect. 6), 18 August 2002, p. 28 and Oxfam International, Rigged Rules and Double Standards:  Trade, Globalization and the Fight against Poverty, Oxford, 2002.
         (43)   Arthur Okwemba, “Poor Countries Cry Foul Over New Trade Plan by the West”, The EastAfrican, 14-20 April 2003, p. 23.
         (44)   سبق لنا تناول هذه القضية في ورقة العمل التي وضعناها بشأن التجارة الدولية والاستثمارات والمال.
         (45)   Pradeep S. Mehta and Sandeep Singh, “Current Issues in Human Rights, Development and International Trade in the WTO”, INTERIGHTS Bulletin, vol. 13, No. 4, 2001, p. 143.
         (46)   انظر: Padideh Ala’I, “A Human Rights Critique of the WTO:  Some Preliminary Observations”, George Washington International Law Review, vol. 33, Nos. 3 and 4, 2001.
         (47)   Gregory Shaffer, How to Make the WTO Dispute Settlement System Work for Developing Countries:  Some Proactive Developing Country Strategies, in Towards a Development‑Supportive Dispute Settlement System in the WTO, International Centre for Trade and Sustainable Development (ICTSD), Resource Paper No. 5, Geneva, 2003.
         (48)   Gabrielle Marceau, “WTO Dispute Settlement and Human Rights”, European Journal of International Law, vol. 13, No. 4, 2002, p. 779.
         (49)   Dommen، مرجع سابق، صفحة 49.
         (50)   للاطلاع على تحليل للآثار المترتبة على هذه الحالات بالنسبة لحقوق الإنسان انظر: Caroline Dommen, Balancing Global Trade with Social Need:  A Role for Human Rights Norms and Mechanisms?, in Rosskam and Loos (eds.), Balancing Global Trade with Social Need, 2002.
         (51)   Anne Orford, Contesting Globalization:  A Feminist Perspective on the Future of Human Rights, in Burns H. Weston & Stephen P. Marks (eds.), The Future of International Human Rights, Transnational Publishers, Ardsley, 2000, pp. 169-175.
         (52)   انظر، على سبيل المثال: Ernst-Ulrich Petersmann, “Time for a United Nations ‘Global Compact’ for Integrating Human Rights Law into the Law of Worldwide Organization:  Lessons from European Integration”, European Journal of International Law, vol. 13, No. 3, 2002, p. 621.  For a response to Petersmann, see Philip Alston, “Resisting the Merger and Acquisition of Human Rights by Trade Law:  A Reply to Petersmann”, European Journal of International Law, vol. 13, No. 4, 2002, p. 815.
         (53)   انظر: Sigrun Skogly, The Human Rights Obligations of the World Bank and the International Monetary Fund, Cavendish Publishing House, London, 2001.
         (54)   Orford, op. cit., p. 167.
         (55)   وبالمثل فإنه بالنظر إلى أن عدداً كبيراً من البلدان التي تتعامل معها هذه المؤسسات شهد نزاعات عنيفة، فقد قيل إنه ثمة ضرورة ملحّة بأن تطّلع مؤسسات الإقراض المتعددة الأطراف بصورة أفضل على القانون الإنساني الدولي. ويقول دانييل برادلو إنه في حين لا تتوفر لهذه المؤسسات الخبرات اللازمة أو الدور الواضح في هذا الصدد، فقد يستحيل عليها تفادي هذه الضرورة.Daniel Bradlow, “Should the International Financial Institutions Play a Role in the Implementation and Enforcement of International Humanitarian Law?”, University of Kansas Law Review, vol. 50, No. 4, 2002, p. 696.
         (56)   Abdel-Fatau Musah, “Privatization of Security, Arms Proliferation and the Process of State Collapse in Africa, Development and Change, vol. 33, No. 5, 2002, pp. 911-934.
         (57)   ترسيخ الديمقراطية في عالم مفتت: تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نيويورك، أوكسفورد، 2002، وخصوصاً الصفحات 112-117.
         (58)   انظر: حقوق الإنسان والتنمية المستدامة: أي دور للبنك؟ يمكن الاطلاع عليه على العنوان: http://inweb18.worldbank.org/essd/essd.nst/SocialDevelopment/HR&SD-ExecSum.
         (59)   Joint Staff Learning Seminar on Human Rights and Development at the World Bank Headquarters, available at: http://inweb18.worldbank.org/essd/essd.
nst/ed184c367402e19e8525604f00766cac.
         (60)   يقوم بتفصيل هذه الحجة (والتي ندعوها موقف "الولاية والهيكل") بصورة رئيسية الموظفون القانونيون في البنك، ولا سيما نائب الرئيس/كبير المستشارين القانونيين والمجلس العام. انظر خلاصة اجتماع 2 أيار/مايو 2002. كما ورد ذكره في تقريرنا المرحلي، فإن هذا الرأي الذي أعرب عنه بقوة المستشار القانوني الرئيسي السابق للبنك ابراهيم شحاتة. انظر الوثيقة E/CN.4/Sub.2/2001/10، الفقرات 54 إلى 56 في النسخة الإنكليزية.
(61)   هذه هي وجهة النظر التي عبّر عنها مركز التنسيق المؤسسي في البنك بشأن حقوق الإنسان.
(62)   International Monetary Fund, Reforming the IMF:  Progress Since Prague 2000, http://www.imf.org/external/np/exr/ib/2002/120502.htmDecember 2002, available at:.
(63)   انظر: Daniel Bradlow, “Stuffing new wine into old bottles:  The Troubling Case of the IMF,” Journal of International Banking Regulation, vol. 3, No. 1, 2001. p. 9.
(64)   اتفاق آراء مونتيري، 2002.
(65)   IMF/IBRD Staff for the Development Committee, Enhancing the Voice and Participation of Developing and Transition Countries in Decision-Making at the
World Bank and IMF
(DC2003‑0002), dated 27 March 2003, available at: http://wb1n0018.worldbank.org/DCS/devcom.nsf
.
(66)   المرجع نفسه، الصفحتان 2 و3.
(67)   انظر عماد مكي: “IMF, WB:  No Room at the Table for Poor Nations”, The EastAfrican, 21‑27 April 2003, p. 16.
(68)   تقرير التنمية البشرية، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2002، الصفحة 114. ويواصل التقرير: "إن عملية الاختيار تحتاج إلى الانفتاح وربما جعلها أكثر موضوعية فيما يتعلق بآراء المرشحين بشأن تصوُّر المنظمات".
(69)   انظر على سبيل المثال: the International Community Consultation on the PRSP, Sarajevo, 7 February 2003, available at: http://www.bih.prsp.info/konsultacije/donatori/
Consolidated%
20eng.pdf.
(70)   The Panos Institute, Reducing Poverty:  Is the World Bank’s Strategy Working?, London, 2002, p. 2.
(71)   انظر: Jennie Richmond and Paul Ladd, Proving the Impact:  A User’s Guide to Poverty and Social Impact (Draft), World Bank, Christian Aid, August 2002.
(72)   يخلص تقييم أجري مؤخراً لحالة أوغندا - وهو من التقييمات الأولى ويوصف بأنه أكثر نجاحاً من ورقات استراتيجية الحد من الفقر - إلى أنه بالنظر إلى أن توجيهات السياسة العامة تسترشد بالنزعة الإيديولوجية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإن أهداف القضاء على الفقر يتعذر تحقيقها. انظر: Warren Nyamugasira and Rick Rowden, Poverty Reduction Strategies and Coherency of Loan Conditions:  Do the new World Bank and IMF Loans Support Countries’ Poverty-Reduction Goals?  The Case of Uganda, April 2002.
(73)   انظر على سبيل المثال: the account of a “Q & A” session between civil society representatives and the IMF Managing Director and the World Bank President.  Peering into the Minds of the IMF and the World Bank (Q & A at Washington, DC on 17 January 2002), Uganda National NGO Forum, Kampala, 2002.
(74)   انعقد اجتماع أكثر شمولاً بين المجتمع المدني وموظفي البنك في وقت لاحق من عام 2002. انظر: Promoting, Respecting and Fulfilling Human Rights:  The Challenges Before Intergovernmental Agencies (report of a seminar held on 24 September 2002 in Washington, DC).
(75)   اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: بيان بشأن العولمة وأثرها على التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تم اعتماده في دورتها الثامنة عشرة في عام 1998. انظر E/1999/22 - E/C.12/1998/26، الفقرة 515.
(76)   العولمة وأثرها على التمتع الكامل بحقوق الإنسان، تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان (E/CN.4/2002/54)، الفقرة 45.
(77)   انظر اتفاق آراء مونتيري في المؤتمر الدولي لتمويل التنمية، آذار/مارس 2002، ويمكن الاطلاع عليها على العنوان الإلكتروني: http://www.un.org/esa/ffd.
(78)   4 أيلول/سبتمبر 2002، يمكن الاطلاع عليها على العنوان الإلكتروني:
http://www.johannesburgsummit.org/html/docs/summit_declaration_final.pdf.
(79)   انظر: Vincent Cable, “The Diminished Nation-State:  A Study of the Loss of Economic Power”, Daedalus, vol. 124, No. 2, Spring 1995.
(80)   Sigrun Skogly and Mark Gibney, “Transnational Human Rights Obligations”, Human Rights Quarterly, vol. 24, No. 4, 2002, p. 784.
(81)   Christopher Clapham, “The Challenge to the State in a Globalized World”, Development and Change, vol. 33, No. 5, 2002, pp. 775-795.
(82)   “A globalized polity is complex - there are many actors and nations involved. Sovereignty may be intact in one sense, but only when it relies upon the conditional compliance with transnational regulations.” See Daniel Petito, “Sovereignty and Globalization: Fallacies, Truth and Perception”, New York Law School Journal of Human Rights, vol. 17, No. 4, 2001, p. 1151.
(83)   انظر: Emma Bonino, “Dear Anti-Globalists, You’re Full of Paradoxes”, The EastAfrican, 20‑26 January 2003, p. 27.
(84)   التعليق العام رقم 2 على تدابير المساعدة التقنية الدولية، 1990، الفقرة 9.
(85)   انظر: Asbjørn Eide, Article 28, in G. Alfredsson and A. Eide (eds.), The Universal Declaration of Human Rights, Kluwer Law International, The Hague, 1999, p. 597.
(86)   يمكن الاطلاع عليه على العنوان التالي: http://www.asiawide.or.jp/iac/UDHR/EngDec11.htm.
(87)   للاطلاع على دراسة أكثر تفصيلاً لهذه القضية انظر: J. Oloka-Onyango, “Reinforcing Marginalized Rights in an Age of Globalization:  International Mechanisms, Non-State Actors, and the Struggle for Peoples’ Rights in Africa”, American University International Law Review, vol. 18, No. 4, 2003.
(88)   انظر بن سول “In the Shadow of Human Rights;  Human Duties, Obligations and Responsibilities”, Columbia Human Rights Law Review, vol. 32, No. 3, 2001, p. 572.
(89)   Andrew Clapham, “Globalization and the Rule of Law”,Review of the International Commission of Jurists, vol. 61, 1999, available at
http://www.business-humanrights.org/Globalization-and-the-Rule-of-Law.htm
.
(90)   انظر: The Social and Economic Rights Action Centre (SERAC) and the Centre for Economic and Social Rights (CESR) v. Nigeria (communication No. 155/96), available at: http://www1.umn.edu/humanrts/africa/comcases/155-96b.html. ويتعلق هذا القرار بانتهاك حكومة نيجيريا لمختلف حقوق شعوب أوغوني في دلتا منطقة النيجر في نيجيريا.
(91)   The Mayagna (Sumo) Indian Community of Awas Tigni v. Nicaragua, judgement of the Inter-American Court of Human Rights dated 31 August 2001 (Series C) No. 79 of 2001, available at:  http://www1.umn.edu/humanrights/iachr/AwasTignicase.html.
(92)   المجلس الدولي لحقوق الإنسان، مرجع سابق، الصفحة 52.
(93)   Gita Sen, Engendering Poverty Alleviation:  Challenges and Opportunities, in Shahra Razavi (ed.) Gendered Poverty and Well-Being, Blackwell, Oxford/Malden, 2000, p. 274.

المرفق
نحو إعادة صياغة التزامات حقوق الإنسان بالنسبة
للجهات الفاعلة الرئيسية في عملية العولمة:
اقتراح
أولاً - الالتزامات العامة فيما يخص حقوق الإنسان
1-      استناداً إلى المقدمات المنطقية القانونية المبيّنة في التقارير الثلاثة الصادرة عن المقررين الخاصين، يُقترح وضع إطار يلخِّص المبادئ والمعايير الأساسية لحقوق الإنسان العالمية المنطبقة على الجهات الفاعلة الرئيسية في عملية العولمة. وينبغي أن تنطبق تلك المبادئ على ما يلي:
         (أ)      صياغة السياسات؛
         (ب)    تنفيذ هذه السياسات؛
         (ج)     تقييم أثر هذه السياسات والتدقيق فيه.
2-      وتنطوي الالتزامات بموجب قانون حقوق الإنسان الدولي على تعهدات إيجابية وسلبية على حد سواء. وعلى وجه العموم غالباً ما يتم التعبير عن الالتزامات السلبية في إطار الحقوق المدنية والسياسية، في حين تنشأ الالتزامات الإيجابية في إطار إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، غير أنه ثمة اعتراف اليوم بأن جميع حقوق الإنسان تنطوي على التزامات إيجابية وسلبية.
3-      وفي حين أن الالتزامات السلبية تعني الالتزام بالامتناع عن التدخل غير المبرَّر في التمتع بحقوق الإنسان، فإن الالتزامات الإيجابية تتطلب اتخاذ إجراءات مسبقة بما فيها الالتزام باتخاذ الإجراءات لمنع الانتهاكات من جانب أطراف خاصة من غير الدول. وبالنظر إلى الأهمية الحالية للجهات الفاعلة من غير الدول في عملية العولمة، فإن هذه الالتزامات الإيجابية تتخذ مغزى إضافياً.
4-      ولا تتوقف الالتزامات المنصوص عليها على ما إذا كانت الوثيقة الأم (الميثاق، أو مواد الاتفاق أو أي صك آخر من هذا القبيل) التي تُنشئ كل واحدة من هذه المؤسسات تبيِّن هذه الالتزامات بالتفصيل أم لا. بل إنها تنبني على المبادئ العامة للقانون الدولي.
ثانياً - المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان
5-      وتستند المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان الوارد ذكرها أدناه إلى ميثاق الأمم المتحدة وسائر المعاهـدات الدولية بشأن حقوق الإنسان، والقانون الدولي العرفـي وإعلان وبرنامج عمل فيينـا. وتشمل بين أمور أخرى ما يلي:
         (أ)      حقوق الإنسان حق متأصل في جميع بني البشر؛
         (ب)    حقوق الإنسان إحدى القيم العالمية النطاق؛
         (ج)     جميع حقوق الإنسان مترابطة ومتواصلة وغير قابلة للتجزئة؛
         (د)      لكل شخص الحق في التمتع بجميع حقوق الإنسان على أساس من عدم التمييز؛
         (ه‍)     بعض حقوق الإنسان غير قابلة للتصرف، كما تنص عليه المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛
         (و)     يشكِّل انتهاك حقوق معينة من حقوق الإنسان في ظل ظروف محددة جرائم ضد الإنسانية يمكن ممارسة الولاية القضائية الشاملة حيالها.
ثالثاً - الإطار المعياري لحقوق الإنسان
6-      يستند الإطار المقترح لحقوق الإنسان إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان الواردة في المعاهدات الدولية، بما فيها تلك التي اعتمدتها الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، وكما تم الاعتراف بها في المبادئ الراسخة في القانون الدولي العرفي والأحكام الآمرة. ويتعين التشديد على أن الإطار المقدَّم هنا يسلِّم بالصلة بين كامل معايير حقوق الإنسان الدولية وعملية العولمة، بناء على الفرضية القائلة بأن هذه العملية تستهدف تحقيق التنمية البشرية المستدامة. وتتضمن عملية التنمية البشرية كامل مجموعة حقوق الإنسان كما تم الاعتراف بها في المادة 1 من إعلان الحق في التنمية لعام 1986. أما المتطلبات الأساسية لتحرير نظام التجارة، أو البحث عن إزالة الضوابط على الأسواق المالية وتحسين نظم الاستثمار، فلا يجوز أن تجبّ احترام حقوق الإنسان والاهتمام بها. وينص القانون الدولي في صيغته الحالية على وجوب إيلاء أقصى درجات الاعتبار لحقوق الإنسان.
ألف - الإنصاف وعدم التمييز
التعليق
7-      تعترف قواعد التجارة الدولية بمبادئ عدم التمييز التي تتخذ شكل "المعاملة الوطنية"، أي أنه ينبغي معاملة جميع الأطراف ذات العلاقة على قدم المساواة وفقاً للمعايير الوطنية، سواء كانت هذه الأطراف شركات عبر وطنية عملاقة أو شركات تجارية محلية صغيرة. وقد وُضِع هذا المبدأ بغية القضاء على كافة العلل والمساوئ التي تبرز في الحمائية. غير أنه كما سبق لنا القول في تقاريرنا السابقة، فإن قواعد التجارة الدولية القائمة حالياً تركت آثاراً شديدة التفاوت على مختلف الجهات الفاعلة ومختلف الفئات المجتمعية. ففي أجزاء عدة من العالم زادت هذه القواعد من تفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء وزادت من تهميش المجموعات المهمشة سلفاً كالنساء والأقليات والشعوب الأصلية.
8-      ويتعين على المنظمات المتعددة الأطراف والدول التسليم بأن نظام التجارة الدولي لم يتم وضعه أو تطبيقه على أساس العدل والمساواة ولا بد من الاعتراف بضرورة التسليم التفعيلي بأن السياسات أو عناصر منها ستترك أثراً تمييزياً إما فيما بين الشعوب التي تعيش في مختلف البلدان أو بين تلك التي تعيش في بلد واحد. كما أنه من الضروري مراعاة أثر السياسات المحايدة ظاهرياً. وبالتالي لا بد من إيلاء الأولوية لاعتماد إجراءات تصحيحية، بما في ذلك تبنّي سياسات العمل الإيجابي لصالح المجموعات المتأثرة بصورة سلبية. ولا بد من أن تشمل هذه الإجراءات إقامة شبكات السلامة الاجتماعية، وتوفير الإعانات واتخاذ التدابير المماثلة الرامية إلى حماية أولئك الذين لا يستطيعون الاستفادة من "الأيادي الخفية" للسوق.
باء - حقوق المشاركة
التعليق
9-      يشكل احترام وكفالة حق كل فرد ومجموعة أفراد في المشاركة في عمليات المداولات واتخاذ القرارات التي تُسفر عن وضع السياسات الاقتصادية عنصراً أساسياً في الحكم الديمقراطي. وقد ناقشنا في تقريرنا المرحلي تدخلات المجتمع المدني في عمليات العولمة وازدياد الطلب على شفافية العمليات وسبل الاطلاع عليها. ولا يمكن وضع نظام قواعد يترتب عليه مثل هذا الأثر العميق على حياة الإنسان وراء أبواب مغلقة سواء كان ذلك على الصعيد الدولي أو الوطني.
10-    ويتعين، في هذا السياق، على كل من المؤسسات المتعددة الأطراف والدول احترام الحقوق التالية بوجه خاص:
         (أ)      حرية التعبير؛
         (ب)    الحق في الحصول على المعلومات؛
         (ج)     الحق في المشاركة في الشؤون العامة؛
         (د)      حرية تكوين الجمعيات؛
         (ه‍)     حرية التجمع.
وتتداخل حقوق المشاركة مع كافة الحقوق الأخرى، ولا سيما في إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعيـة. ومما لا شك فيه أنها تشكل عنصراً حاسماًَ من عناصر إطار حقوق الإنسان ويتعين أن تحظى بالاهتمام والاحترام في كافة الأوقات.

جيم - الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
التعليق
11-    يمكن تقسيم هذه الحقوق على نحو عام إلى فئتين: الحقوق التي تساهم في مستوى معيشة لائق وتلك التي تشكل ظروف عمل عادلة ومواتية، أو حقوق العمل.
12-    ومن المقبول به عموماً أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أيضاً، مثلها تماماً مثل الحقوق المدنية والسياسية، تفرض التزامات بالاعتراف بتلك الحقوق واحترامها وإعمالها وحمايتها. كما أنه من المسلّم به أيضاً أن تنفيذ الالتزامات فيما يتعلق بالحقوق الدنيا الأساسية أمر إلزامي ولا يتوقف على توفر الموارد. وفي حين أن الدول تتحمل مثل هذا الالتزام على نحو مباشر، فينبغي ألا تعتمد المؤسسات المتعددة الأطراف سياسات تعرِّض للخطر وفاء الدول لتلك الالتزامات. والواقع أنه ينبغي على المؤسسات المتعددة الأطراف مساعدة الدول إلى أقصى حد ممكن على الوفاء بتلك الالتزامات.
1- الحق في مستوى معيشة لائق
13-    وتندرج في هذه الفئة الحقوق المتعلقة بالغذاء الكافي والملبس والمسكن أو المأوى، وبأعلى مستوى يمكن بلوغه من السلامة البدنية والعقلية، والتعليم. وورد تفصيلها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وزادت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من الإسهاب فيها. وتم الاعتراف مؤخراً بأن الحق في الحصول على المياه بوصفه حقاً من حقوق الإنسان يرتبط بطائفة من الحقوق الأخرى. وتُعتبر معظم تلك الحقوق متصلة بالحق في الحياة. ووضعت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان المزيد من التفاصيل، فيما يفرضه الحق في الحياة من اتخاذ تدابير إيجابية، على سبيل المثال من أجل خفض وفيات الرضّع، وزيادة متوسط العمر المتوقع والقضاء على سوء التغذية والأوبئة. ومما يعد أمراً مركزياً في التمتع بهذه المجموعة من الحقوق تقديم الحماية والمساعدة للوحدة الأسرية. كما أن توفير شبكات السلامة الاجتماعية الذي أشير إليه في الفرع "ألف" بشأن "الإنصاف وعدم التمييز" يترك أثراً مباشراً على ضمان التمتع بمستوى معيشة لائق.
2- حقوق العمل
14-    يعتبر تيسير ممارسة الحق في العمل وضمان ظروف عمل عادلة ومواتية، بما في ذلك الحق في تشكيل النقابات والانتماء إليها والإضراب، التزامات أساسية تتصل بإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وتنص المواد 6 إلى 8 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على التزامات دنيا في هذا الصدد. كما تحدّد الالتزام بضمان المساواة بين الجنسين في مجال العمل، ومنح إجازة الأمومة وحماية الأطفال من الاستغلال تحديداً دقيقاً. وتشكِّل معايير العمل الأساسية لمنظمة العمل الدولية مضمون ما يعتبر ظروف عمل عادلة ومواتية.
15-    وينبغي كحد أدنى ضمان الحقوق التالية في هذا المجال:
         (أ)      الأجور المنصفة التي تساعد على التمتع بمستوى معيشة لائق؛
         (ب)    عدم التمييز في مجال العمل؛
         (ج)     التحرر من العمل القسري؛
         (د)      حماية الأطفال من الاستغلال؛
         (ه‍)     الأجر المتكافئ عن العمل المتكافئ؛
         (و)     ظروف العمل المأمونة والصحية؛
         (ز)     ساعات العمل المعقولة؛
         (ح)     الاستراحة وأوقات الفراغ الكافية، بما في ذلك العطل المدفوعة الأجر؛
         (ط)     الحق في تشكيل نقابات العمال والانضمام إليها؛
         (ي)     الحق في الإضراب؛
         (ك)     إجازة الأمومة؛
         (ل)     الضمان الاجتماعي.
16-    وجاءت إزالة الضوابط عن قطاع العمل وتوسيع نطاق القطاع غير الرسمي نتيجة مباشرة لعمليات العولمة مما ترك آثاراً سلبية إلى أبعد الحدود على ظروف العمل. ولا بد من اتخاذ الخطوات التي توفر الأمان الضروري للأشخاص الذين قد تمسهم مثل تلك التدابير.
دال - الحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي
التعليق
17-    قد ينتهك تنفيذ نظام التجارة الحرة أحياناً بصورة مباشرة السلامة الجسدية وحرية الأشخاص وكذلك حقوقهم في المشاركة كما ورد الحديث عنه أعلاه. ويمكن أن تتفاوت هذه الانتهاكات بين عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، والاختفاء القسري، والتعذيب، وغير ذلك من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة، وكذلك الاحتجاز التعسفي والحرمان من الحق في محاكمة عادلة.
18-    وقد تنشأ مثل هذه الأوضاع، وقد نشأت بالفعل فيما مضى، عندما تستخدم الدولة القوة المفرطة في التعامل مع معارِضي عملية العولمة نفسها أو في التنفيذ المحلي لقواعد التجارة الحرة، أو في السعي إلى تعزيز حماية نظم الاستثمار. والمثال على ذلك أن خصخصة الخدمات الأساسية مثل إمدادات مياه الشرب، أو نقل الأراضي وغيرها من الموارد الطبيعية إلى الشركات التجارية الكبيرة أدت إلى ممارسة المقاومة والمعارضة من جانب مختلف الجهات الفاعلة في المجتمع المدني. وكانت استجابة بعض الدول لهذه المعارضة من النوع الذي لا يسمح بالتعبير عن هذه الحقوق الديمقراطية. وقد يشكِّل القمع المنهجي لهذه الحقوق استراتيجية تتبعها الدولة بغية تنفيذ التدابير الاقتصادية التي لا تلقى تأييداً شعبياً. وقد تكون هذه الاستراتيجيات هي المفضلة لدى الكيانات التجارية التي تسعى إلى الوصول إلى الموارد الطبيعية وغيرها من الموارد في البلدان النامية الفقيرة.
19-    وقد تقول المؤسسات المتعددة الأطراف إن الالتزام باحترام وحماية هذه الحقوق يقع بالكامل على عاتق الدول وليس على تلك المؤسسات. والمسؤولية عن انتهاكات حقوق الإنسان لا تنشأ عن الانتهاكات المباشرة وحدها بل وعن الانتهاكات غير المباشرة أيضاً. وكما هو الحال بالنسبة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وفي حالة الحقوق المدنية والسياسية أيضاً، فإن المؤسسات المتعددة الأطراف مسؤولة عن كفالة عدم انتهاك سياساتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة لهذه الحقوق. وعليه فإنه يتعين عليها اتخاذ تدابير تصحيحية بخصوص انتهاكات تلك الحقوق. والجدير بالذكر أن حظر انتهاك الحق في الحياة والحرية من التعذيب يعدان من مبادئ القانون الآمر.
هاء - الحقوق الجماعية والثقافية
التعليق
20-    تسلّم العديد من الحقوق الجماعية والثقافية التي يعترف بها القانون الدولي بوجود تحديات وعوائق محددة تواجهها المجموعات المهمّشة في التمتع بحقوق الإنسان وتسعى لمعالجتها. وقد أشرنا في تقاريرنا السابقة إلى الأثر السلبي على نظام التجارة الحرة بالنسبة لهذه المجموعات المهمّشة على نحو خاص، والتي تشمل النساء والأطفال والأقليات والمجموعات الأصلية والمسنين والمعوقين. وقد أسهم رفع الضوابط في قطاع العمل وتراجع الإنفاق الحكومي على شبكات السلامة الاجتماعية مساهمة كبيرة في هذا الوضع.
21-    ومن السمات المشتركة بين الحقوق الجماعية الهدف المتمثل في القضاء على الممارسات التمييزية وغيرها من الممارسات الضارة الموجهة ضد الأفراد المنتمين إلى هذه المجموعات وضمان تمتعهم الكامل بجميع حقوق الإنسان. وتتشاطر هذا الهدف الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري، والإعلان الخاص بحقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية أو دينية ولغوية، والاتفاقية المتعلقة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية منظمة العمل الدولية (رقم 169) المتعلقة بالشعوب الأصلية والقبلية في البلدان المستقلة كلها.
22-    وثمة عامل آخر لا بد من أخذه بعين الاعتبار ألا وهو أن حقوق جماعات معينة تشكِّل لبَّ الهوية الجماعية. فالممارسات الثقافية التي تدعم حقوق الإنسان كتلك المتصلة بالموارد الطبيعية والبيئة، والعادات الغذائية، والأمن الغذائي والزراعة كلها ذات أهمية بالغة بالنسبة لمجموعات كالشعوب الأصلية والقبلية. ومن المهم أن لا تحترم الدول وحدها بل والمؤسسات المتعددة الأطراف المعنيّة هذه الحقوق لدى صياغة السياسات وتنفيذها وضمان عدم تضاربها مع الحقوق الثقافية لتلك المجموعات.
23-    ومن نافلة القول إن الحق في التنمية يعتبر حقاً حاسماً في النقاش الدائر حول صلة حقوق الإنسان بعملية العولمة. وبالمثل فإن حق الشعوب في تقرير مصيرها وحقها في التصرف في مواردها الطبيعية يتّسمان بأهمية جوهرية. ويقع على عاتق المجتمع الدولي والمنظمات الدولية الالتزام باحترام هذا الحق على حد سواء(ز).
واو - البيئة وحقوق الإنسان
24-    رغم عدم الاعتراف بأي معيار دولي ملموس بشأن الحق في البيئة المناسبة، يتزايد التعبير عن الحاجة إلى بيئة نظيفة وصحية من ناحية الروابط التي تجمعها بمعايير حقوق الإنسان الدولية المعترف بها مثل الحق في الحياة والحق في مستوى صحي لائق والحق في الخصوصية وعدم التمييز والحق في تقرير المصير.
25-    ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن ديباجة اتفاقية مراكش لإنشاء منظمة التجارة العالمية تعترف بأن علاقات الدول الأعضاء في مجال النشاط التجاري والاقتصادي ينبغي أن تستهدف رفع مستويات المعيشة، ومما يتيح في الوقت نفسه للاستخدام الأمثل لموارد العالم بصورة تتلاءم مع هدف التنمية المستدامة..."
26-    ويمكن القول عن التزامات الدول والمؤسسات المتعددة الأطراف في هذا الصدد بأنها ناشئة عن الالتزامات المتعلقة بحقوق الإنسان المواكبة لها. ويمكن القول أيضاً بأن مبدأ "التنمية المستدامة" قد أصبح شائعاً إلى حد يتطلب الاعتراف والاهتمام اللازمين من جانب كافة الجهات الفاعلة في عملية العولمة.
حواشي المرفق
(أ)      ما نعنيه بعبارة الجهات الفاعلة الرئيسية في المقام الأول هو الدول، ولا سيما التزامها الناشئ عن إعلان وبرنامج عمل فيينا الذي ينص على أن حقوق الإنسان هي"أول التزام يقع عليها" ونتحدث أيضاً عن مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الوقت الذي ندرك فيه أن كل مؤسسة من هذه المؤسسات لها مواثيق تأسيسية، وطرق عمل وعلاقات مختلفة مع الدول، من جهة، ومع الأمم المتحدة من جهة أخرى. أما النوع الثالث من الجهات الفاعلة في عملية العولمة فهي الشركات عبر الوطنية. وفيما يتعلق بهذه الأطراف، بدأت اللجنة الفرعية بالفعل عملية لممارسة المزيد من المساءلة لها عن طريق آلية مسؤوليات الشركات عبر الوطنية وغيرها من المؤسسات التجارية في مجال حقوق الإنسان (E/CN.4/Sub.2/2002/13).
         (ب)    انظر بيان ممثل منظمة التجارة العالمية أمام الفريق العامل المعني بالحق في التنمية في دورته الثانية، 19 كانون الثاني/يناير إلى 2 شباط/فبراير 2001، جنيف.
         (ج)     انظر التعليق العام رقم 3 الصادر عن اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك مبادئ ماسترخت التوجيهية بشأن انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، 1997.
         (د)      انظر النص في الحاشية (أ) أعلاه.
         (ه‍)     التعليق العام رقم 15/2002.
         (و)     التعليق العام رقم 6، 1982.
         (ز)     الفقرة 7 من قرار الجمعية العامة المؤرخ 14 كانون الأول/ديسمبر 1962 بشأن السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية (القرار 1803 (د-17):
"يعتبر خرق حقوق الشعوب والأمم في السيادة على ثروتها ومواردها الطبيعية منافياً لروح ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه ومعرقلاً لإنماء التعاون الدولي وصيانة السلم".
وتنص الفقرة 8 على ما يأتي:
"... وتراعي الدول والمنظمات الدولية الاحترام الدقيق الصادق لسيادة الشعوب والأمم على ثروتها ومواردها الطبيعية وفي الوقت نفسه إفساح المجال أمام الاستخدام الأمثل للموارد العالمية وفقا لهدف التنمية المستدامة.".
- - - -

تعليقات