القائمة الرئيسية

الصفحات

تفريد العقاب

تفريد العقاب






تفريد العقاب 
المقدمة:
        تعكس العقوبة  في نشأتها وفي تطورها المراحل الرئيسية لتطور القانون ذاته، فإذا كان القانون في كتلته ليس سوى نتائج لأوضاع مكانه وزمانه، فإن العقوبة تعد بحق مرآة عاكسة لذلك القانون .  وقد مرت العقوبة منذ القرن السابع عشر "ق17" بمراحل متعددة من التطور واختلف حالها كثيرا عما كانت عليه قديما، وتتمثل مظاهر هذا التطور الذي لحق بالعقوبة في العصر الحديث في جانبين: يتمثل الجانب الأول في التطور الذي لحق بالعقوبة من حيث تحديدها، أما الجانب الثاني فيتمثل بالتطور الذي لحق بالعقوبة من حيث أسلوب تنفيذها .
        وقد كان هذا التطور الذي لحق بالعقوبة بسبب تطور الفكر الفلسفي في العصور الوسطى، حيث أن هناك ارتباطا وثيقا بين السياسة الجنائية وبين الفكر السياسي والفلسفي السائد في المجتمع، فإذا كان قانون العقوبات يمثل أقصى درجات الحماية التشريعية للقيم والمصالح الاجتماعية من وجهة نظر المشرع الوضعي؛ فمن الطبيعي أن يتأثر في سياسته الجنائية وفي أسلوبه في حل المشاكل المختلفة بالأفكار الفلسفية والسياسية التي تقوم عليها الدولة .
        وقد أدى هذا التطور إلى ثورة قانونية وفلسفية وحقوقية في القرن الثامن عشر توج بمبدأ تفريد العقاب، مع العلم أن هذه التسمية لم تظهر إلا مع ريمون سالي عام 1898 من خلال دروس قدمها لطلبة الكلية الأهلية الحرة للعلوم الاجتماعية تحت عنوان"تفريد العقوبة" ، وقد ظهر هذا المبدأ بسبب القصور الذي كانت تعاني منه المدرسة التقليدية " نشأت هذه المدرسة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر على أيدي دعاتها "بكاريا، فويرباخ وبنتام"، وقد جاءت بسب القسوة الشديدة التي تميزت فيها العقوبات إلى حد تعارضت فيه مع الكرامة البشرية، وكذلك السلطة الواسعة التي كان يتمتع بها القضاء والتي بلغت حد التجريم في بعض الأحيان، ولذلك جاءت بهدفين وهما:
التخفيف من القسوة التي تميزت بها العقوبات حتى ذلك العهد.
تحديد سلطة القاضي في أضيق نطاق للقضاء على تحكمه واستبداده، وذلك بإقرار مبدأ الشرعية."  أي أن القاضي في ظلها عبارة عن أداة في يد المشرع وليس له إلا النطق بالعقوبة دون أي سلطة تقديرية.
        غير أنه وبسبب الانتقادات التي واجهت المدرسة التقليدية وخصوصا تحديد سلطة القاضي أدت إلى ظهور مدرسة جديدة "المدرسة التقليدية الجديدة أو النيوكلاسيكية"،"نشأت هذه المدرسة في القرن التاسع عشر، وكان ذلك على أثر الانتقادات التي وجهت إلى المدرسة التقليدية في ثوبها القديم ويعد "روسي، اورتلان،مولينيه وميتر ماير" من دعاتها، وقد امنوا بالمبادئ الرئيسية التي انطلقت منها المدرسة التقليدية الأولى ولا سيما الغرض من العقوبة ومبدأ الحرية، ولكن أنكر أقطاب هذه المدرسة مبدأ المساواة المطلقة بين الأفراد في العقوبة، أي يجب أن تكون العقوبة متناسبة مع جسامة الجريمة من ناحية، ومع ظروف الجاني من ناحية أخرى، وفي هذا رفض واضح لمبدأ العقوبة المتساوية الذي كان ينادي به أنصار المدرسة التقليدية الأولى."  وقد طالب روادها بإعطاء بعض الصلاحيات للقاضي، غير أن الثورة الكبرى كانت مع ظهور المدرسة الوضعية" يعتبر الطبيب الشرعي، والعالم النفساني "لمبروزو" مؤسسا لهذه المدرسة الوضعية الايطالية، وشاركه في ذلك العالم الجنائي والاجتماعي "فيري"، وكذلك القاضي والفقيه "جارفالو".
        فمنذ ظهور الثورة العلمية في منتصف القرن التاسع عشر، اتجهت السياسة الجنائية منهجا جديدا قوامه الطابع العلمي التجريبي، وقد نشأت هذه المدرسة على أنقاض أفكار المدرسة التقليدية المنتقدة التي كانت تنظر إلى الفعل الإجرامي بذاته، بينما اهتم أنصار المدرسة الوضعية بشخصية المجرم وكان لها مكان الصدارة في أبحاثهم، وقد استندت إلى دعامتين وهما:
1. فكرة الخطورة الإجرامية.
2. فكرة التفريد العقابي." 
 وقد عملت هذه المدرسة على استخدام المنهج العلمي لدراسة الجريمة و كذلك بتحويل النظرة بشكل كلي من الجريمة إلى شخص المجرم.
        وقد أثر هذا التطور الكبير في الفكر العقابي إلى تغيير النظرة إلى العقوبة، فبعدما كان الهدف منها إيلام الجاني والقصاص منه في ظل الأنظمة القديمة؛ أصبح الهدف منها واضحا وسامٍ وهو الردع العام والردع الخاص بالإضافة إلى إصلاح الجاني وإعادة تأهيله، وهذا يتطلب إعطاء القاضي سلطة تقديرية في اختيار العقوبة المناسبة لتحقق هدفها.
        ومن المعروف، بل ومن المسلم به أن تفريد العقوبة يعتبر من أهم خصائصها في التشريعات الجنائية الحديثة، ويعني ذلك أن تكون العقوبة متناسبة مع الجريمة؛ حيث أن هذا التناسب هو الذي يجعل من الأولى جزاءً عادلا للثانية، كما أنه هو الذي يجعل العقوبة صالحةً لتحقيق الأغراض المراد تحقيقها منها، مثل الردع العام، والردع الخاص وإرضاء العدالة وتهدئة شعورها الكامن في النفس البشرية لكل فرد من أعضاء المجتمع، ولقد استقر الرأي الآن على أن العقوبة المتناسبة هي تلك التي تتلاءم مع الخطورة أو الجسامة المادية للجريمة، تلك الخطورة التي يستدل عليها من خلال الأضرار التي ترتبت عليها، وكذلك مع درجة خطورة الجاني وظروفه المختلفة .
        وهذا ما عبر عنه بعض الفقه العربي بقوله أن "التفريد يجعل العقوبة من حيث نوعها ومقدارها وكيفية تنفيذها ملائمة لظروف من تفرض عليه، فتفريد العقاب هو تنويعه ليلائم حال كل فرد يراد عقابه، وأساس هذه النظرية أن العقوبة وسيلة لإصلاح المحكوم عليه" ، فالعقوبة لا ينبغي أن تطبق عبثا، فلا بد أن تكون ذات مردودية، ولكي يتحقق هذا فالعقوبة لا ينبغي تحديها مسبقا بصورة دقيقة وصلبة، ولا تنظيمها قانونا بطريقة لا تقبل التغيير لأن الهدف منها فردي، يكون الوصول إليه باستعمال سياسة خاصة ملائمة للظروف وليس عن طريق تطبيق قانون مجرد لا علم له بالأنواع والحالات التي تعرض على القضاء.
        ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث فالتفريد لا ينفصل عن المفاهيم المعاصرة للسياسة الجنائية حيث أنه يتصل بالتطبيق المباشر لعقوبة نص عليها المشرع بصورة مجردة، وإنزالها على الواقعة الإجرامية، حيث تقوم سلطة القاضي بإخراجها من قالبها المجرد، ومن هنا ظهرت إشكالية كبرى وهي " التفاوت في توقيع العقوبة"، ويمكن تجسيد هذه المشكلة في أن القاضي لا يوقع ذات العقوبة المنصوص عليها في النموذج التجريمي على كل من يرتكب ذات الجريمة، أو بعبارة أخرى لا توقع ذات العقوبة على كل من يرتكب جريمة من الجرائم التي تنتمي إلى طائفة واحدة مع تماثل الظروف العينية للجريمة والظروف الشخصية للجناة .
        والسلطة التقديرية للقاضي الزجري هي محور سير العدالة الجنائية، وهي ذات أهمية بالغة، وكنا نسمع عنها كثيرا ولم نكن نجد لها شرحا يشفي الغليل أو نظرية مستفيضة يمكن الرجوع إليها، أو حتى تعريفا دقيقا يمكن الاعتماد عليه أو الركون إليه في بحث أو دراسة.
        ورغم الأهمية الكبيرة التي يكتسيها هذا الموضوع إلا أنه لم يحظى بالقدر الكافي للدراسة والتحليل اللهم بعض الدراسات التي تطرقت له وهي:
1. مأمون محمد سلامة في كتابه حدود سلطة القاضي الجنائي في تطبيق القانون عام 1975، والذي تطرق في الفصل الثاني منه إلى سلطة القاضي التقديرية وموضوعها في تطبيق العقوبة، وذلك من خلال قانونية القاعدة الجنائية، وكذلك تأثر السلطة التقديرية بوظيفة العقوبة والخطورة الإجرامية.
2. أكرم نشأت إبراهيم في كتابه الحدود القانونية وسلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة عام 1998، وتحدث فيه عن سلطة القاضي في اختيار العقوبة كماً ونوعاً، وتطبيقات التفريد القضائي، ولم يتعرض لأنواع التفريد ولا لضوابط سلطة القاضي في تفريد العقاب؛ غير انه تطرق في الباب الثاني إلى سلطة القاضي في تخفيف وتشديد العقاب من خلال أنظمة وليس من خلال الضوابط التي يجب الاعتماد عليها.
3. مصطفى فهمي الجوهرى في كتابه تفريد العقوبة في القانون الجنائي "دراسة تحليلية وتأصيلية في القانون المصري وقوانين بعض الدول العربية" عام 2002، وتطرق فيه إلى أنواع التفريد الثلاث من خلال بعض تطبيقاتهم؛ إلا انه لم يتطرق إلى الضوابط التي تحكم القاضي في تفريد العقاب، وإنما كان كتاباً يعرض صور التفريد الثلاث من خلال تطبيقاته.
4. لطيفة المهداتي في كتابها حدود سلطة القاضي التقديرية في تفريد الجزاء عام 2007، وناقشت فيه إشكالية مبدأ الشرعية وعلاقته بمبدأ تفريد العقاب، وكذلك تحدثت عن معايير استظهار السلطة التقديرية والمراقبة القضائية، لكن لم تتحدث فيه عن أنواع التفريد إلا بصفة عابرة في التقديم.
    وهذا القصور في الكتابات في هذا الموضوع بالذات ولما له من أهمية كبرى هو ما دفعنا إلى اختيار هذا الموضوع لرسالة الماستر، وسنعمل بإذن الله على جمع فتات هذا الموضوع من خلال التطرق للأنواع والضوابط التي كانت مشتتة في الكتابات السابقة.
        ويجب التذكير والإشارة إلى أن سياسة تفريد العقاب لا يجب أن تؤثر على قاعدة الشرعية الشيء الذي يفهم على أن القاضي الزجري لا يجب أن يتوفر على سلطات واسعة وغير محددة، وذلك حتى لا تتحول سياسة تفريد العقاب إلى تحكمية في يد القاضي، لذا كان من اللازم وضع حدود لهذه السلطة يتمكن من خلالها القاضي إلى تحقيق سياسة تفريد العقاب، وهذا ما جعلنا نعالج الموضوع من خلال إشكالية مركزية: تتمثل في تحديد طبيعة التفريد قانونا وقضائاً وتنفيذاً ومسائلة هذه الأنواع من خلال رصد الضوابط التي تحكم سلطة القاضي في استعمال هذا التفريد؟ وإلى حد يمكن الحديث عن التفريد دون المس بمبدأ الشرعية؟
        وسنحاول الإجابة عن هذه الإشكالية عبر التقسيم التالي:
                الفصل الأول: أنــواع التــــفــريــــــد.
                الفصل الثاني: ضوابط سلطة القاضي في تفريد العقاب.
        وسنقوم باستخدام المنهج التحليلي بحيث أننا سنتطرق إلى تحليل تطبيقات التفريد العقابي بأنواعه الثلاث، وكذلك تحليل الضوابط التي تحكم سلطة القاضي في تفريد العقاب.



الفصل الأول: أنواع التفريد

        كشف التطور الحديث الذي لحق بالسياسة الجنائية حديثا عن مبدأ هام هو مبدأ التناسب، ويتوجه مضمون هذا المبدأ إلى المشرع، وينبه إلى ضرورة مراعاة التناسب بين إيلام العقوبة الجنائية والجريمة التي تقررت لها هذه العقوبة ، وظهر بموازاته مبدأ المساواة في العقاب كرد فعل ضد نظام عدم المساواة الذي اتسمت به الإدارة الجنائية في النظم القديمة، لكن المساواة في القانون الجنائي أدت إلى عدم المساواة بين أناس مختلفين، لأن العقاب وإن كان واحداً في الإسم، فإنه يختلف في الحقيقة بإختلاف النوع والسن والظروف؛ وغير ذلك من الأحوال، فالشكلية التي اتسم بها الاتجاه المحافظ كادت تقضي على المبررات التي من أجلها نودي بمبدأ الشرعية؛ وذلك بالهبوط بالقاضي إلى مستوى الآلة في تطبيقه للقانون بحرمانه من أي سلطة تقديرية، وهذا بطبيعة الحال، يضر بمبدأ المساواة أمام القانون الذي يتطلب بالضرورة أن يؤخذ في الاعتبار التغيرات الإجتماعية للمصالح، وأيضا الظروف الواقعية التي أحاطت بارتكاب الجريمة ، ومن ثم فإن المساواة الحقيقية هي المساواة بين جميع الجناة في الألم.
    ومن هنا ظهر التفريد للتعبير عن هذا المنطق الذي هو في الحقيقة عصب السياسة الجنائية، فالمعنى الحقيقي للمساواة هو تماثل العقوبة كلما تماثلت الظروف والأوضاع، ومن ثم فلا تعارض بين مبدأ المساواة في العقوبة ومبدأ تفريدها ، ولما كان تفريد العقوبة يحقق العدالة والمساواة، فقد أخذت به النظم الجنائية الحديثة على ثلاث مستويات: ابتداء من المرحلة التشريعية إلى المرحلة القضائية، ثم إلى مرحلة تنفيذ العقوبة.
        وسنتحدث في هذا الفصل عن التفريد التشريعي والتفريد التنفيذي (الفرع الأول)، على أن نتناول التفريد القضائي (الفرع الثاني)، لما له من أهمية كبرى تفوق أنواع التفريد الأخرى على أساس أن القاضي الجنائي هو الذي يحدد العقوبة المناسبة التي تطبيق على المتهم.



الفرع الأول: التفريد التشريعي والتفريد التنفيذي
     إذا كان المشرع هو الذي يحدد العقوبة وفقا لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، إلا أنه لا يستطيع أن يحدد كل الظروف التي أحاطت الجاني وقت إرتكاب الجريمة، فأن المشرع يعمل على إعطاء القاضي بعض الصلاحيات لاختيار العقوبة المناسبة لتأهيل وإعادة إدماج المجرم في المجتمع ـ مثلا أن يحدد للعقوبة حدين ـ وهذا ما يسمى بالتفريد التشريعي.
        وبما أن الهدف الأصلي لاختيار العقوبة هو تقويم سلوك المجرم وإصلاحه، والتنفيذ العقابي هو المرحلة التي يتحقق فيها الهدف من هذا الإختيار؛ ولا يمكن تحقيق هذا الهدف ما لم تعمل السلطة التنفيذية على تحقيقه .
        وتقوم فكرة التفريد التنفيذي على أساس أن أخطر عملية تؤثر في مسار حياة المجرم هي مرحلة تنفيذ عقوبته، لذا وجب تحقق التفريد بواسطة تنفيذ العقوبة ومن خلالها يتحقق التفريد التنفيذي، ولقد نبعت هذه الفكرة من إستمرار التفريد العقابي الذي كان قاصراً على المشرع والقاضي؛ أي على إهمال مرحلة تنفيذ العقوبة . 
        ففي مرحلة التنفيذ الذي تتولى إدارة عمومية شؤون تنفيذ العقوبة المحكوم بها على المجرم، تعتبر هي من أبرز النظم العقابية الحديثة، وهو تفريد في المعاملة؛ أي تميز في معاملة المجرمين كل حسب سلوكه .
        وسنتحدث في هذا الفرع: عن التفريد التشريعي (المبحث الأول)، والتفريد التنفيذي ( المبحث الثاني). 




المبحث الأول: التفريد التشريعي     
        قبل الحديث عن تخفيف العقوبة والإعفاء منها (المطلب الثاني) على أنها من  أشكال التفريد التشريعي، سنقوم بتحديد مفهوم التفريد التشريعي والتحدث عن ظروف التشديد (المطلب الأول)، والتي تعتبر من أهم أشكال التفريد التشريعي، حيث أن ظروف التشديد تنقل الجنحة إلى الجناية في بعض الأحيان، وهذه الظروف منصوص عليها بشكل محدد وحصري في القانون .  
 المطلب الأول: مفهوم التفريد التشريعي وظروف التشديد
        سنحاول في هذا المطلب التطرق إلى مفهوم التفريد التشريعي (الفقرة الأولى)، وبعد تبيان المفهوم وتحديده سنقوم بالتطرق إلى ظروف تشديد العقاب (الفقرة الثانية).
 الفقرة الأولى:  مفهوم التفريد التشريعي
       أوضحت دراسات علم الإجرام العديد من الواجبات التي تقع على عاتق المشرع عند تحديده لشق الجزاء الجنائي من القاعدة الجنائية، ومن أهم تلك الواجبات ضرورة أن يراعي المشرع عند إنشاءه للجزاء تدرجه بحسب ظروف كل جاني، فيفترض تطبيق نص معين عقوبته أشد أو أخف من العقوبة العادية المقررة لنفس الفعل إذا وقع في ظروف معينة، أو من جناة محددين ، مثل ظروف التشديد، وأعذار التخفيف، والأعذار المعفية من العقاب.
        ويتمثل التفريد التشريعي أن يدخل المشرع في اعتباره عند وضع الجزاءات المقررة للجرائم المختلفة؛ ظروف الجريمة المرتكبة من ناحية، وظروف الجاني من ناحية أخرى ، أو تدخل المشرع بغية تنظيم تفريد العقوبة .
        ويعرف التفريد التشريعي بأنه: التفريد الذي يتولاه المشرع ذاته محاولاً به أن يجعل من العقوبة جزاءاً متناسباً ومتلائماً مع الخطورة المادية للجريمة من ناحية، بما تتضمنه الجريمة من خطر على المجتمع، أو ما يمكن أن تحدث به من ضررٍ مع الظروف الشخصية للجاني الذي يمكن له أن يتوقعها أو يتنبأ بها وقت تحديده للجريمة والعقوبة، أي لحظة وضع نص التجريم والعقاب، وذلك من ناحية ثانية  .
        والمشرع هو الذي يحدد مبدئيا العقوبة تطبيقا لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، إلا أنه في كثير من الحالات لا يستطيع القيام بذلك بشكل حصري ومحدد، فإذا كان وقت وضع النص التشريعي يقدر خطورة الجريمة؛ ويحدد تبعاً لها العقوبة الملائمة، إلا أنه على يقين بأن مرتكب هذه الجريمة ليس دائماً على هذه الدرجة من الخطورة الإجرامية، حيث أن ظروف وملابسات ارتكاب الجريمة تختلف من مجرم إلى مجرم أخر ارتكب نفس الجرم.  وغالبا ما يضع المشرع عقوبتين للفعل كالإعدام أو السجن المؤبد في بعض الجنايات، والحبس أو الغرامة أو كليهما في بعض الجنح، كما يضع المشرع عقوبة متراوحة بين حدين أدنى وأقصى ، ويترك للقاضي سلطة تقديرية تتناسب وقائع الدعوى .
        وحيث يرى المشرع في بعض الحالات أن العقوبة التي رصدها للجريمة لا تتلاءم مع ظروف إرتكابها، سواءً ما تعلق منها بالجريمة ذاتها أو بمرتكبها، ويرى أن هذه الظروف تستدعي إما تخفيف العقاب؛ وإما تشديده، فينص على ذلك، وقد يكون التخفيف أو التشديد وجوبا؛ أي يلتزم القاضي به دون أن يكون له أي سلطة تقديرية في هذا الشأن، وقد يكون إختياريا للقاضي .  ونكون أمام التفريد التشريعي في الحالة الأولى التي يكون التشديد والتخفيف وجوبيا. 
  الفقرة الثانية: ظروف التشديد
        هذه الظروف محددة في القانون على سبيل الحصر، وبالنسبة لجرائم معينة (جنايات وجنح)، بحيث يؤدي توافرها إلى تشديد عقوبتها ورفعها عن الحد الأقصى المقرر لها قانوناً، وهي: عبارة عن ملابسات رافقت ارتكاب الجريمة قدر المشرع أن توافرها يوجب مبدئيا رفع العقوبة المقررة للجريمة التي ارتكبت في ظروف عادية  .
        أو هي الحالات التي يجب فيها على القاضي ـ أو يجوز له ـ أن يحكم بعقوبة من نوع أشد مما يقرره القانون للجريمة، أو يجاوز الحد الأقصى الذي وضعه القانون لعقوبة هذه الجريمة ، وبصفة عامة هي عبارة عن بعض الأمور أو الخصائص أو الوسائل أو الملابسات التي يرى المشرع أن تخفيفها يوجــب أو يجيز تشديد العقاب المقرر أصلا للجريمة بدونها .
        وتنقسم ظروف التشديد إلى: ظروف عينية أو مادية، وهذه الظروف تتعلق بالملابسات العائدة للجانب المادي أو العيني في الجريمة، ككيفية ارتكابها، أو مكان اقترافها، أو زمن هذا الإقتراف.
        أما النوع الثاني فهو: الظروف الشخصية: وهي تلك التي تتعلق بصفات خاصة بشخص الجاني، أو بطبيعة علاقته بالمجني عليه، أو بدرجة جسامة خطئه العمدي أو غير العمدي.
        وتقسم أيضا إلى الظروف المشددة الخاصة: وهي تلك التي يقتصر أثرها من حيث وجوب التشديد وجوازه على جريمة أو جرائم معينة حددها القانون .                                                      والظروف المشددة العامة: وهي تلك التي يقررها المشرع و يحددها على سبيل الحصر، بحيث ينصرف أثرها في تشديد العقاب إلى جميـع الجرائم، أو عدد كبير غير محدد منها  . 
  

 المطلب الثاني: تخفيف العقوبة والإعفاء منها 

        ينص القانون أحيانا على أعذار معينة تكون نتيجتها وجوب تخفيض العقوبة أو الإعفاء منها، ويسري مفعولها بالنسبة لجميع الجرائم؛ والأعذار القانونية حالات محددة في القانون على سبيل الحصر، ولا يملك القاضي إزاءها سلطة تقديرية، ويترتب عليها مع ثبوت الجريمة وقيام المسؤولية أن يتمتع المجرم بالإعفاء من العقاب؛ إذا كان العذر معفيا منه تماماً ـ وعلى الرغم من أن هذه الأعذار تعفي الجاني من العقاب، إلا أنه يمكن للقاضي أن يحكم عليه بتدابير الوقاية الشخصية أو العينية  ـ ، وإما أن تقوم بتخفيض العقوبة؛ إذا كان العذر مخفضاً للعقوبة.
        والأسباب التي تؤدي إلى تخفيض العقاب هي نوعين: النوع الأول: يسمى بالأعذار القانونية (لأنها ذات مصدر قانوني ) المخففة ؛ أو المخفضة للعقوبة.  أما النوع الثاني: فيسمى بالظروف القضائية  (لأنها ذات مصدر قضائي) المخففة؛ أو ظروف التخفيف القضائية  . 
        والفرق بين أعذار التخفيف وبين الظروف القضائية المخففة هو أن تطبيق الأعذار القانونية هو أمر وجوبي؛ وهذا يعني أن تخفيف العقوبة عند توافر العذر القانوني يكون إلزامياً على القاضي، في حين أن تطبيق الظروف القضائية المخففة لا يكون إلا جوازياً للقاضي يدخل ضمن سلطته التقديرية التي منحه إياها المشرع .
الفقرة الأولى: أعذار التخفيف  
        يقصد بالأعذار المخففة: الحالات التي حددها المشرع على سبيل الحصر، ويلتزم بها القاضي بأن ينزل عن العقوبة المقررة للجريمة؛ وفقا للقواعد المحددة في قانون العقوبات، وقد تولى المشرع تعيينها، فبين كل عذر والوقائع التي يفترضها؛ ومدى التخفيف عند توافره، ومن ثم لا يستطيع القاضي أن يعتبر العذر متوفرا إلا إذا توافرت الشروط التي حددها القانون، ولا يستطيع القاضي إذا توفر العذر أن ينكر وجوده؛ وأن يمتنع عن تخفيف العقاب بناءً عليه، ويلتزم القاضي أن يشير في الحكم إلى العذر ويثبت توافر شروطه  ، أي هي في حقيقتها عبارة عن بعض الظروف والملابسات التي تتعلق بشخص الجاني، وبحالته النفسية، أو التي ترجع إلي الجريمة المسندة إليه .
        والظروف المخففة هي نظام يسمح للقاضي بألا يوقع على الجاني العقوبة الأصلية المقررة للواقعة، بل عقوبة أخف منها كثيراً أو قليلاً، وعلة تقرير هذا النظام هو أن المشرع رأى بأن العقوبة كما هو منصوص عليها في القانون؛ قد تكون في بعض الحالات أشد مما ينبغي حتى ولو هبط بها القاضي إلى حدها الأدنى، لذلك وضع نظاماً لتخفيف العقوبة ليحقق الملاءمة بين العقوبة والظروف والحالات الخاصة التي أحاطت ارتكاب الجريمة .
        وتنقسم الأعذار المخففة إلى نوعين :
الأعذار المخففة الخاصة: وهي أعذار قانونية يقتصر نظامها على جريمة معينة أو عدد محدد من الجرائم نص عليها القانون صراحةً ، ويستفيد منها الجاني إذا توافرت شروطها فيه، وهذا النوع من الأعذار هو تجسيد لفكرة التفريد التشريعي للعقوبة، بحيث يمنح المشرع مرتكبي بعض الجرائم فرصة الاستفادة منها في بعض الحالات، وفي نطاق الظروف التي قد تحيط بالجريمة، أو بشخص مرتكبها ، ولذلك فإن الدراسة التفصيلية لهذه الأعذار الخاصة تكون في إطار القسم الخاص من القانون الجنائي (الموضوعي)، حيث تتم دراسة أحكام كل جريمة على حدتها من حيث أركانها؛ وعناصرها؛ وظروفها المخففة أو المشددة للعقاب عليها .
الأعذار المخففة العامة: وهي التي يمكن لأي مرتكب للجريمة أن يستفيد منها إن توافرت شروطها فيه، وهذه الظروف تشمل جميع الجرائم بدون استثناء ، أي هي التي يقررها المشرع ويحددها، فينصرف أثرها في التخفيف الوجوبي إلى جميع الجرائم أحياناً، والى عدد معين من الجرائم في أحيانٍ أخرى .
        وهذه الأعذار ملزمة للقاضي فمتى توافرت عناصرها، وتحققت شروطها، وجب على المحكمة أن تأخذ بها وأن تهبط بالعقوبة إلى ما دون الحد الأدنى، بالقدر الذي يحدده القانون، وإلا كان الحكم معيبا  .

 الفقرة الثانية: الأعذار المعفية من العقاب 
        إن الصفة الإجرامية التي يكتسبها الفعل بخضوعه لنص تجريمي ليست ثابتة في كل الأحوال، ويعني هذا أنه إذا تحقق ظروف معينة يقدر معها المشرع انتفاء علة التجريم، وعلى ذلك فإن الفعل الذي يخضع إبتداءً لقاعدة تجريم؛ ولكن المشرع يسمح به إستثناءً إذا وقع في ظروف معينة ومحددة، يكون مباحا إباحة استثنائية . 
        والأعذار المحلة هي: أسباب الإعفاء من العقاب على الرغم من بقاء أركان الجريمة كافة، وشروط المسؤولية عنها متوفرة .
        ويتضح من هذا التعريف أن العذر المحل يعفي فاعل الجريمة الذي يستفيد منه من كل عقوبة، لذا فإن هذه الأعذار تسمى أحياناً بالأعذار المعفية، كما تسمى أحيانا أخرى بموانع العقاب .
وقد نص عليها المشرع على سبيل الحصر وحددها في ثلاث حالات وهي:
1. التبرير الناتج عن أمر القانون وإذن السلطة الشرعية .
2. حالة الضرورة والإكراه .
3. الدفاع الشرعي "دفع الصائل" .
       أي أن المشرع يضفي على الفعل المجرم الذي أقدم عليه الشخص الصفة الشرعية، ويخرجه من نطاق التجريم؛ ويتضح لنا من سياق هذا القول بأن نصوص مواد التجريم ليست مطلقة بل يرد عليها قيود تضيق من نطاقها، والمشرع يهدف من وضعه هذه النصوص حماية مصالح اجتماعية معينة على قدر كبير من الأهمية فينص على تجريم تلك الأفعال، لكنه قد يقدر أن المصلحة التي تعود على المجتمع في عدم العقاب تفوق المصلحة التي تعود عليه في حالة العقاب عليها في ظروف معينة، فيقرر اعتبارها مشروعة في مثل هذه الظروف على الرغم من خضوعها لنصوص التجريم، وأساس تسويغ فعل الإباحة وعلته عند الفقهاء  .


   

المبحث الثاني: التفريد التنفيذي

         لم يعد السجن في الزمن المعاصر مجرد مكان يختص لعزل المحكوم عليهم طيلة فترة العقوبة المحكوم بها، بل تحول في ظل السياسة العقابية الحديثة إلى مرفق اجتماعي غايته تقويم وتأهيل وإصلاح النزلاء ، وقد استفادت الإدارة العقابية من النتائج التي توصلت إليها الدراسات الإجرامية فيما يتعلق بشخصية المحكوم عليه، وما يطرأ عليها من تغير بفعل الجزاء الجنائي حال قيامها بتنفيذ الجزاء الجنائي المقضي به في حق الجاني، فقد يتاح للقائمين على التنفيذ العقابي بالتعديل من طبيعة العقوبة أو من مدتها أو من طريقة تنفيذها حسب ما يطرأ على شخصية المجرم ومدى استجابته للتأهيل والإصلاح .
        فالقاضي بعد أن يحكم على الجاني بالعقوبة التي يراها ملائمة لظروف الجريمة وفاعلها، تتولى السلطة أو الجهة الإدارية مهمة تنفيذ هذه العقوبة على المحكوم عليه، وبحكم اتصالها المباشر والقريب بهذه الأخيرة فأنها قد تجد أن العقوبة المحكوم بها عليه غير ملائمة لظروفه الشخصية، خاصة بعد انقضاء فترة زمنية من التنفيذ، لذلك خولها المشرع الصلاحية لتفريد العقوبة على نحو يحقق عدالتها وملاءمتها لظروف الجاني .
        ويتحقق هذا النوع من التفريد إذا خولت لسلطة التنفيذ الوسائل التي تتمكن بها من جعل كيفية تنفيذ العقوبة ملائمة لظروف كل محكوم عليه، فيسمح لها بتصنيف المحكوم عليهم، وإخضاع كل طائفة لإجراءات تنفيذ تصلح أفرادها، وأعطيت حق العفو عن العقوبة أو تخفيضها، واعترف المشرع لها بالحق في وقف الحكم النافذ، والإفراج عن المحكوم عليهم شرطيا  .
        والتفريد التنفيذي أو الإداري للعقوبة: هو الذي تتولاه السلطة التنفيذية في حدود المبادئ والقواعد العامة التي يحددها المشرع، فكثيرا ما يعهد هذا الأخير إلى السلطة التنفيذية، باعتبارها الجهة القائمة على التنفيذ العقابي وإدارة المؤسسات والمنشآت العقابية التي يتم التنفيذ فيها، بمهمة تفريد العقوبة عندما تكون هي الأجدر على تقدير ملائمتها لظروف الجريمة والمجرم من ناحية، وتحقيقها للغاية منها كما رسمها القانون من ناحية أخرى .
        ومن بين صور التفريد التنفيذي ما يسمح به لجهة التنفيذ من نقل المحكوم عليه بعد فترة إلى أحد السجون العمومية إذا رأت أن التطور الإيجابي الذي طرأ على شخصيته لم يعد يناسب ظروف الليمانات  . ومثال هذا النوع من التفريد أيضاً إمكانية إسقاط الجزء المتبقي من العقوبة بعد فترة من البدء في تنفيذها وفقا لنظام الإفراج الشرطي أو العفو عن العقوبة كلها أو بعضها أو إبدالها بأخف منها، متى كان سلوك المحكوم عليه ينبئ عن عدم العودة إلى طريق الجريمة في المستقبل . 
        وسنقتصر في هذا المبحث بالتحدث عن التفريد التنفيذي من خلال المعاملة العقابية (المطلب الأول)، ونماذج التفريد التنفيذي (المطلب الثاني).


المطلب الأول: التفريد التنفيذي من خلال المعاملة العقابية.
        لم يعد الجزاء الجنائي في ظل السياسة العقابية الحديثة يهدف إلى إيلام الجاني أو الانتقام منه، بل صار هدفه في المقام الأول إصلاح الجاني وتأهيله، وفي ضوء هذا الهدف وجب توجيه أساليب المعاملة العقابية وجهة تحقق هذا الهدف، ولما كانت أساليب المعاملة العقابية مختلفة ومتنوعة، لذلك يبدو ضروريا أن تبدأ مرحلة التنفيذ العقابي بإجراء دراسة كاملة لمختلف الظروف المحيطة بالجاني حتى يمكن في ضوء ذلك تصنيفه واختيار أسلوب المعاملة الأنسب  لحالته .
        وتعني المعاملة العقابية "مجموعة أساليب التنفيذ العقابي التي تحقق الأغراض المبتغاة من العقـوبـة، وهي تأهيـل المحكوم عليه عن طريق تهذيبه أو علاجه"، وقد عرفته مجموعة قواعد الحد الأدنى لمعاملة المسجونين لعام 1955 تعريفا عاما "بأنها مجموعة المبادئ والأسس التي تحدد اقل الأوضاع والمعايير المقبولة لمعاملة مختلف طوائف المسجونين البالغين، وتنظيم و إدارة مؤسساتهم طبقا للآراء والممارسات المعاصرة لعلم العقاب الحديث" .  وسنتحدث في هذا المطلب عن الفحص "الفقرة الأولى"، والتصنيف "الفقرة الثانية".
 الفقرة الأولى: الفحص
        الفحص هو نوع الدراسة الفنية التي يقوم بها أخصائيون في مجالات مختلفة لإجراء الدراسة على المحكوم عليه لتحديد شخصية وبيان العوامل الإجرامية التي دفعته إلى ارتكاب الجريمة، حتى يمكن الملائمة بين ظروفه الإجرامية وبين الأساليب العقابية التي تجعل الجزاء الجنائي المحكوم به يحقق تأهيله، ويعتبر الفحص خطوة تمهيدية لتصنيف المحكوم عليه. ولذلك يجب أن يحدد الفحص درجة خطورة المحكوم عليه في المجتمع، ثم مدى استعداده للتجاوب مع الأساليب العقابية المختلفة .
الفحص في جوهره عمل فني يفترض تضافر جهود فريق من المختصين في علوم الطب وعلم النفس والاجتماع، وهو ما يفترض بعد ذلك تأهيل النتائج التي أثمرتها أعمالهم وإعدادها في صورة صالحة لتكون أساسا للتصنيف.
        وللتصنيف أنواع وهي:
1. الفحص السابق للحكم: وهو ما يسمى بالفحص القانوني الذي يهدف أساسا إلى تحديد نوع ومقدار التدبير الجنائي اللازم للمتهم، وقد نصت تشريعات عديدة على هذا النوع من الفحوص استجابة لما تم إقراره من مفاهيم حديثة في مجال السياسة العقابية، ومن التشريعات التي اخذ بهذا النوع من الفحوص، قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي الذي يلزم قاضي التحقيق والجنايات، ويجيز له ذلك في مواد الجنح أن يجري بنفسه أو عن طريق شخص ينتدبه لذلك، ليجري تحقيقا حول شخصية المتهم ومركزه المادي والعائلي والاجتماعي، كما يجيز له الأمر بإجراء فحص طبي ونفسي للمتهم .
2. وهو الذي يدخل في نطاق دراسة علم العقاب: وهو اللاحق على صدور الحكم بالجزاء الجنائي، وهو الذي يمهد السبيل إلى تصنيف المحكوم عليه، لتقرير المعاملة العقابية الملائمة لكل طائفة، حتى يحقق الجزاء غرضه التأهيلي، ويجب أن يكون هذا النوع من الفحص امتداد للنوع الأول، والسبيل إلى ذلك يكون بنقل ملف شخصية مع المحكوم عليه إلى مركز الفحص .
3. الفحص التجريبي: وهو الذي يجري بعد دخول المحكوم عليه المؤسسات العقابية، ويقوم به القائمون على المؤسسة من إداريين وحراس، فيلاحظون سلوك المحكوم عليه أثناء إقامته بالمؤسسة ومدى تجاوبه معهم، والعلاقة بينه و بين زملائه، ويعين ذلك في تحديد طريق معاملته.
ويجب أن ينصب البحث على الجوانب المختلفة لشخصية المحكوم عليه، وبصفة خاصة الجوانب التي ساهمت في سلوك المجرم سبيل الجريمة، وأهم الجوانب الشخصية التي تكون موضوعا للفحص هي: الجانب العضوي "البيولوجي"، والجانب العقلي والجانب النفسي، وكذلك يمتد إلى دراسة حياته المحكوم عليه الاجتماعية.
      الفقرة الثانية: التصنيف
        قبل البدء في البحث عن موضوع التصنيف تجدر الإشارة إلى نقطة هامة مفاداها أن مبدأ تصنيف السجناء قد أسيء فهمه في أغلب أنحاء العالم، وقد أشار إلى هذه الحقيقة العالم الجنائي الشهير "بول باتان" في كتابه "سبيل الإصلاح المعاصر"، ويقول أن سبب سوء الفهم نابع من عدم فهم الوظيفة الأساسية للتصنيف، بأنها وضع كل صنف من السجناء المتشابهين في محل واحد، كوضع المسجونين عن جرائم القتل في محل والسرقة في محل آخر، وان مثل هذا الفصل هو موضوع انتقاد كبير، وهو بدوره ليس له صلة بموضوع تصنيف السجناء الذي نحن بصدده .
        والتصنيف العلمي للمحكوم عليهم يختلف طبقا للمدلولين الأمريكي والأوروبي:
        المدلول الأمريكي: أن التصنيف في المعنى العقابي هو في المقام الأول "أسلوب" يحقق التنسيق بين التشخيص والتوجيه والمعاملة في كل حالة على حدا في صورة فعالة، وهو يكاد يشمل كل نظم التنفيذ العقابي.
        المدلول الأوروبي: يقسم المحكوم عليهم طبقا للمدلول الأوروبي إلى فئات مختلفة في المؤسسات المتخصصة بالاستناد إلى السن، الجنس،......وغيرها، وبعدها يتم تقسيمهم إلى مجموعات مختلفة داخل كل مؤسسة . 
        وقد ذهب رأي من الفقه العقابي إلى تعريف التصنيف بأنه: "وضع المحكوم عليه في المؤسسة العقابية الملائمة لمقتضيات تأهيله، وإخضاعه في داخلها للمعاملة مع هذه المقتضيات"، بينما عرفته المؤتمر الجنائي الدولي الثاني عشر الذي انعقد في لاهاي عام 1950 "التصنيف عبارة عن عملية تقسيم المحكوم عليهم إلى فئات معينة وفقا للسن، الجنس، العود والحالة العقلية والاجتماعية، وتوزيعهم وفقا لذلك على مختلف المؤسسات العقابية حيث تتم تقسيمات أخرى فرعية" .
        وهناك مجموعة نظم للتصنيف يمكننا حصرها في ثلاث أنظمة وذلك على النحو التالي:
1. نظام مكاتب التصنيف "أجهزة التصنيف التابعة للمؤسسات العقابية": تتبع أجهزة التصنيف -وفقا لهذا النظام- المؤسسات العقابية فيوجد في كل مؤسسة عقابية جهاز ملحق بها، يضم عددا من المتخصصين بإجراء الفحوص المختلفة، يقومون بفحص المحكوم عليهم الذين يرسلون إلى المؤسسة وفقا لأسس محددة قانونا، ثم يقومون معا بعملية التصنيف لكل محكوم عليه –وفقا للنتائج التي أسفر عنها فحص الشخصية- برنامج المعاملة الملاءمة لحالته .
2. النظام التكاملي: يقوم هذا النظام على أساس الجمع بين الأخصائيين والفنيين والإداريين في هيئة أو مجلس ملحق بالمؤسسة العقابية، فبينما يعكف الأخصائيون على تشخيص حالات المحكوم عليهم؛ يقوم الإداريون بوضع برامج المعاملة العقابية لكل حالة على نحو يتلاءم مع إمكانيات المؤسسة المادية و الفعلية .
        ويتميز هذا النظام على خلاف سابقه في أن رأي الهيئة ليس استشاريا بل هو ملزم للإدارة المؤسسة العقابية.
3. نظام مركز الاستقبال: يفترض هذا النظام وجود جهاز مركزي يمتد اختصاصه إلى كامل أقاليم الدولة، حيث تجري دراسة كاملة لكل محكوم عليه على حدا، وفي ضوء ذلك يتم توجيهه إلى المؤسسة العقابية الملاءمة لحالته مع بيان أسلوب المعاملة العقابية الذي ينبغي إتباعه في مواجهته، وهذا النظام يحقق أهداف المعاملة العقابية في أجلى معانيها، وذلك أنه يستقبل جميع المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية ثم يتولى فحصهم وتوزيعهم على المؤسسات وفق معايير موحدة يضعها المركز، مما يحقق قدرا كبيرا من المساواة بينهم.



    المطلب الثاني: نماذج التفريد التنفيذي

وسنقتصر في هذا المطلب بالتحدث عن الإفراج الشرطي (الفقرة الأولى)، والبارول والعفو الخاص (الفقرة الثانية)، حيث أنهما يقومان على الإفراج بعد تنفيذ جزء من العقوبة .
 الفقرة الأولى: الإفراج الشرطي
        يمثل الإفراج الشرطي أهم صور التفريد التنفيذي وسنحاول التطرق له بتحديد مفهومه (الفقرة الأولى)، وكذلك بيان شروطه (الفقرة الثانية) .
    أولا: مفهوم الإفراج الشرطي
        الإفراج الشرطي هو: إطلاق سراح المسجون قبل انتهاء مدة عقوبته إذا توافرت شروط معينة، ويكون هذا الإفراج معلقا على شرط يتمثل في إخلال المحكوم عليه بالتزامات معينة يفرضها عليه القانون، فإذا تحقق هذا الشرط كان ذلك قرينة على عدم جدارة المحكوم عليه بهذا الإفراج، ولذلك يقرر القانون إعادته إلى المؤسسة العقابية مرة أخرى يمضي فيها ما تبقى من فترة العقوبة  .   
        وبمعنى آخر هو الإفراج عن المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية بعد إنقضاء مدة معينة منها، إفراجا مقيداً بشروط محددة تتمثل في إخضاعه لمجموعة من الالتزامات التي تقيد حريته، ويترتب على تنفيذها الإفراج النهائي عنه، أما إذا أخل بها فتسلب حريته مرة ثانية ويعود إلى المؤسسة العقابية لتنفيذ المدة الباقية .
        ونظام الإفراج الشرطي يعد أسلوباً من أساليب إعادة التأهيل الاجتماعي للمحكوم عليه بالسماح له بالعودة إلى حياة الحرية، على أن يكون ذلك مصحوبا بإجراءات مساعدة ومراقبة يحددها القانون، والفكرة في هذا النظام أنه من غير المجدي أن تستمر العقوبة السالبة للحرية للمحكوم عليه طالما ثبت للقائمين على المؤسسة العقابية أن سلوكه خلال الفترة التي قضاها فيها يدعو إلى الثقة، وأنه إستجاب لبرامج الإصلاح والتأهيل فقّوم نفسه ، ويعد الإفراج المشروط مرحلة من مراحل تنفيذ العقوبة وليس إنهاءًا  لها .
        وعلى الرغم من أن الإفراج الشرطي يفترض مساساً بالقوة التنفيذية للحكم القضائي، إلا أن له ما يبرره في أنه وسيلة لحث المحكوم عليهم إلتزام السلوك الحسن أثناء تنفيذ العقوبة ، كما يشكل حافزاً يحث المحكوم عليه على إلتزام السلوك الحسن سواءً داخل المؤسسة العقابية، أم بعد الإفراج عليه حتى يستفيد من هذا النظام، كما أنه يعد أسلوباً متمماً لجملة الأساليب العقابية المطبقة داخل المؤسسة العقابية، حيث يمر في ظله المحكوم عليه بمرحلة وسطى تمهد له السبيل من سلب كامل للحرية إلى الحرية التامة .

ثانيا: شروط الإفراج الشرطي 
        لكي يستفيد المحكوم عليه من نظام الإفراج الشرطي فرضت النظم العقابية عدة شروط وهي:
1. شرط المدة: تتطلب أغلب التشريعات العقابية أن يمضي المحكوم علية فترة معينة من مدة العقوبة  المحكوم بها عليه في المؤسسة العقابية قبل أن يتقرر الإفراج عنه إفراجاً شرطياً .
2. أن يكون سلوكه قويما: لما كان الإفراج الشرطي يهدف في حقيقته إلى تكملة مرحلة عقابية سابقة إستنفذت أغراضها إتجاه المحكوم عليه، والتمهيد للتأهيل الكامل لذا وجب ألا يستفيد منه سوى من كان سلوكه قويما وجديراً بالثقة في أن لا يعود إلى الإجرام إذا ما تم الإفراج عنه شرطياً .
3. ألا يكون في الإفراج عن المحكوم عليه خطر يهدد الأمن العام: ولا يؤخذ من هذا الشرط أن يكون مصدر الخطر على الأمن العام هو سلوك الجاني ذاته، ذلك أن من كان حسن السيرة والسلوك أثناء التنفيذ لا يمكن أن يشكل بسلوكه خطراً على الأمن العام، إذ الفرض أن حاله قد إنصلح ولا يخشى عودته إلى الإجرام، ولكن الذي يعنيه هذا الشرط هو انه قد يترتب على الإفراج عن المحكوم عليه تهديد الأمن العام، كما لو كان يخشى إعتداء المجني عليه أو أهله على المحكوم عليه بعد الإفراج عنه، وفي مثل هذه الحالات يكون الإفراج غير جائز ما لم تتخذ السلطات العامة الإجراءات التي يكون من شانها تفادي تهديد الأمن العام، وأن تقدير توافر هذا الشرط من عدمه يرجع إلى إدارة المنشأة العقابية بالتعاون مع الأجهزة المختصة بالأمن العام  .
4. الوفاء بالالتزامات المالية: تتطلب أغلب التشريعات العقابية حتى يمكن تطبيق
 نظام الإفراج الشرطي على المحكوم عليه أن يكون قد أوفى بجميع التزاماته المادية التي قضت بها المحكمة الجنائية طالما أن في إستطاعته الوفاء بها، والحكمة من هذا الشرط حرص المحكوم عليه على الوفاء بهذه الالتزامات يعني ندمه على جريمته، وحرصه على انتهاج السلوك المستقيم . 
        ويطرح هذا الموضوع إشكالية هامة وهي: هل يتطلب الإفراج الشرطي رضا المحكوم عليه أم لا ؟ حيث ظهر هناك اتجاهان وهما:
الاتجاه الأول: لا يشترط رضا المحكوم عليه، حيث أن رضا المحكوم عليه لا يعد شرطا للإفراج عنه، وبالتالي يجوز للجهة المختصة بالإفراج أن تقرره، ولو كان المحكوم عليه رافضا له مفضلا البقاء داخل المؤسسة العقابية، حيث انه في جوهره أسلوب عقابي ابتغى من وراءه المشرع تمهيد السبيل أمام المحكوم عليهم ليندمجوا تدريجيا في الوسط الحر، وبالتالي فان تطبيقه لا يتوقف على إرادة المحكوم علية قبولا أو رفضا، منها التشريع المصري، والتشريع الليبي، والتشريع السوري،  والتشريع العراقي.
الاتجاه الثاني: اشتراط رضا المحكوم عليه، حيث أن تطبيق الإفراج الشرطي يعتبر تطبيقا لنوع من المعاملة العقابية التي تهدف إلى تأهيل المحكوم عليه؛ ومساعدته على التكيف مع المجتمع، وإذا كان تطبيق هذه المعاملة امراً إلزاميا بالنسبة للمحكوم عليه، إلا أن عدم رضائه يضعف الأمل في إمكان جدوى تطبيق هذا النوع من المعاملة عليه تحقيقا لتأهيله، ولذلك اشترطت بعض التشريعات تحقق رضا المحكوم عليه كشرط للإفراج الشرطي منها: التشريع الفرنسي، والتشريع الألماني.
        وينتهي الإفراج الشرطي بأحد أمرين:
1. إخلال المفرج عنه بالتزاماته فيلغى الإفراج الشرطي: لما كان الإفراج معلقا على جملة من الشروط التي يجب على المفرج عنه الإلتزام بها خلال فترة الاختبار، لذا فإن الإخلال بها يعد سببا موجبا لإلغاء الإفراج، وإعادة المحكوم عليه مرة أخرى إلى المؤسسة العقابية لتنفيذ القدر المتبقي من العقوبة المحكوم بها عليه مضافا إليها مدة الإفراج التي قضاها خارج السجن.
2. مضي مدة الإفراج دون إخلال بهذه الالتزامات: يصبح الإفراج الشرطي نهائيا إذا ما انقضت المدة المقررة له دون أن يخل المفرج عنه بالالتزامات المفروضة عليه، فان الإفراج الشرطي يتحول إلى إفراج نهائي وتنتهي الإلتزامات المفروضة على المفرج عنه.

  الفقرة الثانية: البارول والعفو الخاص

        سنقوم في هذا المطلب بالتحدث عن نظام البارول الذي يعتبر النظام الحديث من الإفراج الشرطي والمستخدم في الدول الأنجلو-أمريكية (أولا)، وكذلك على العفو الخاص (ثانيا) .


 أولا: البـــــــارول 
       كلمة بارول Parole  تعبير عن اختصار لكلمة Parole d'Honneur أي كلمة شرف واستخدامها في هذا المعنى يتفق مع تحديد معنى نظام البارول؛ إذ هو في جوهره نوع من الإفراج عن المحكوم عليه الذي تعهد أو يعطي كلمة شرف بان يلتزم سلوكا معينا، ويخضع لإشراف معين تحقيقا لأغراض عقابية ، وهذا الاصطلاح نفسه يستعمل في تشريعات الدول الأنجلو-أمريكية التي يرتبط بها هذا النظام، في حين أن الإفراج الشرطي يستخدم بالنظم القانونية اللاتينية . 
        البارول هو أسلوب عقابي حديث مقتضاه: الإفراج عن المحكوم عليه بعد قضائه جزءً من العقوبة إذا ما تبين حسن سلوكه، وتعهد بأن يلتزم في مسلكه سلوكا غير مخالف للقانون، قابلاً الخضوع للإشراف الإجتماعي؛ ملتزماً بكافة ما يفرض عليه من شروط الوسط الحر .
        ويتضح مما سبق أن البارول يقوم على ذات العناصر التي يقوم عليها الإفراج الشرطي في صورته الحديثة، حيث يقوم على فكرة تعديل المعاملة العقابية، بحيث يفرج عنه فيمنح حريته بعد أن يقدم تعهداً بالتزام حسن السلوك بالخضوع لالتزامات معينة تفرض عليه، ونظام البارول لا يغير مركز المحكوم عليه القانوني كسجين، وكل ما يطرأ على وضعه من تغير هو أنه يقضي بقية عقوبة خارج أسوار السجن .  
        ولتطبيق نظام البارول يجب أن تتحقق شروطه وهي :
1. شرط المدة: مقتضى هذا الشرط وجوب أن يكون المحكوم علية قد أمضى مدة معينة  من العقوبة المحكوم بها عليه في المؤسسة العقابية حتى يتسنى للإدارة العقابية خلالها مراقبة سلوكه؛ والتحقق من أساليب المعاملة العقابية في الوسط المغلق قد حققت أهدافها في مواجهته ، وأهمية هذه المدة تتضح من وجهتين الأولى: أن هذه المدة ضرورية لإمكان ملاحظة سلوك المحكوم عليه؛ ومدى جدارته بتطبيق هذا النظام، والثانية: أن أساليب التأهيل لا تحدث أثرها إلا إذا طبقت خلال فترة معينة.
2. حسن سلوك المحكوم عليه: مفادها أن المحكوم عليه قد صار معداً للحياة في المجتمع، وهذا يفترض بلا ريب تحقق أمرين: أحدهما يتعلق بثبوت حسن سيرته إثناء تنفيذ الجزاء السابق من العقوبة، بينما يرتبط الأخر بتوافر احتمالات التأهيل بعد الإفراج .
        والفرق بين الإفراج الشرطي والبارول ينحصر في ذلك الدور الايجابي الملحوظ الذي يقوم به المشرف الاجتماعي في ظل نظام البارول؛ حيث تتطلب مهمته مراقبة سلوك المفرج عنه، وتقديم يد العون له، وكذلك إعداد تقارير دورية عن حالته مضمنا إياها كافة ملاحظاته بشان الآثار المختلفة المترتبة على الإفراج الايجابية منها والسلبية تمكينا للجهات المختصة من اتخاذ القرار الملائم لتطور حالته  . 

  ثانيا: العفــو الخـــاص 
        العفو الخاص  هو منحة من رئيس الدولة أو الملك تزول بموجبها العقوبة عن المحكوم عليه كلها أو بعضها أو تستبدل بعقوبة أخرى أخف منها. 
     والعفو الخاص تأخذ به أكثر التشريعات في العالم فهو مؤسسة لا غنى عنها لأسباب متعددة أهمها: أن القاضي يطبق القانون ولا يستطيع تعدي الحدود المرسومة له في تطبيق العقوبة؛ بحيث يتعذر عليه أحيانا مواجهة بعض المسائل التي تحتاج إلى حل خاص لا تسمح به حدود سلطته، وقد وجد المشرع أن الحل الوحيد لهذه المسألة هو إناطة حق الموازنة بين ضرورة تنفيذ العقوبة وضرورات المصلحة العامة بسلطة عليا في البلاد مؤهلة لمثل هذه المهمة وهى سلطة رئيس الدولة أو الملك، والعفو الخاص بالإضافة إلى ذلك هو سبيل لإصلاح الأخطاء القضائية التي تكتشف بعد أن يكون الحكم قد أصبح مبرماًُ وسدت أمام المحكوم عليه جميع طرق المراجعة  .
        ويختلف العفو الخاص عن العفو عن الجريمة أو - كما يسمى أيضا- العفو الشامل بحيث يعتبر الأول سببا من أسباب سقوط العقوبة في حين أن الثاني يعتبر من أسباب محو الجريمة وإزالة الحكم الصادر فيها بالعقوبة وجميع أثاره الجنائية . 
        ويتمثل العفو في أحد الأمور التالية:
إسقاط العقوبة المحكوم بها كلها عن المحكوم عليه.
إسقاط جزء من العقوبة المحكوم بها فقط، وينفذ الجزء الباقي منها.
إبدال العقوبة المحكوم بها بأي عقوبة اخف منها مقررة قانونا.
        ولا يمنح العفو الخاص إلا إذا حوكم المحكوم عليه بحقه حكم جزائي مبرم ، أما إذا كانت الدعوى في طور المحاكمة أو صدر بها حكم قابل لأي طريق من طرق المراجعة فلا يجوز إصدار العفو؛ وذلك لأن العفو الخاص طريق احتياطى، ولا يلجأ إليه إلا إذا استنفذ المحكوم عليه كل الطرق القانونية الأخرى لرفع العقوبة عنه أو تخفيضها  .
        يمكن أن يكون العفو شرطيـا ويمكن أن ينـاط بأحـد الالتزامات التالية أو بالأكثر منها : 
أن يقدم المحكوم عليه كفالة إحتياطية . 
أن يخضع للرعاية . 



    الفرع الثاني: التفـريد القضـائي

        يستند المشرع عند تحديده لما يعد جريمة، وما يستوجب من جزاء على عدة معايير تتعلق بالقيمة الاجتماعية المعتدى عليها، وما أصابها من ضرر، وما تعرضت له من خطر، ونوع الخطأ الذي وقع في سبيل المساس بها ، فإنه كثيرا ما يترك للقاضي في ضوء الحدود التشريعية تطبيق القانون، فيحدد طبيعة العقوبة، وما إذا كانت عازلة أو تقويمية على أساس طبيعة الشخصية الإجرامية للمجرم طبقا لما تكشف عنها دراسة ظروف كل واقعة، حيث يؤخذ في الاعتبار كافة العوامل الداخلية والخارجية المسببة لإجرامه من ناحية، وقابلية المجرم أو عدم قابليته للإصلاح والتقويم من ناحية أخرى .
        والتفريد لا ينفصل عن المفاهيم المعاصرة للسياسة الجنائية، ويتصل بالتطبيق المباشر لعقوبة فرضها المشرع بصورة مجرده، شأنها في ذلك شأن القواعد القانونية جميعها، وأن إنزالها "بنصها" على الواقعة الإجرامية محل التداعي، ينافي ملاءمتها لكل أحوالها وملابساتها، بما مؤداه أن سلطة تفريد العقوبة  هي التي تخرجها من قوالبها الصماء وتردها إلى جزاء يعايش الجريمة 
ومرتكبها، ولا ينفصل عن واقعها . 
        فمن خلال نصوص التجريم والعقاب، نجد أن المشرع قد حدد العقوبة على نحو عام ومجرد، حيث أن تفريد العقوبات في العملية التشريعية يقتصر على مجرد التفريق بين عقوبة البالغين والأحداث، أو التميز في العقاب بين المجرمين العائدين والمبتدئين، كما اكتفى المشرع بوضع الحد الأقصى للعقوبة؛ وهو أقصى ما يقدره وفقا لجسامة الفعل المجرم، والحد الأدنى؛ وهو أدنى ما يتصوره من عقاب للجريمة، وفوض للقاضي مهمة وزن العقوبة المناسبة لكل جرم على حدا، وهو ما يمثل السلطة التقديرية للقاضي .
        وتقوم فكرة التفريد القضائي على أساس أن المرحلة الحقيقية لتحقيق التفريد هي مرحلة النطق بالحكم لا مرحلة وضع النص التشريعي الخاص بالجريمة ، ويتحقق التفريد إذا أعطي القاضي سلطة تقديرية واسعة وحاول في نطاق هذه السلطة أن يحدد العقوبة التي يراها ملائمة لظروف المتهم، ويتمتع القاضي بهذه السلطة إذا جعل المشرع العقوبة بين حدين؛ حد أدنى وحد أقصى .
        ويعرف التفريد القضائي للعقوبة بأنه: هو ذلك الذي يتولاه القاضي في حدود القواعد والمبادئ التي يقررها المشرع بقصد الحكم بالعقوبة المناسبة للجريمة؛ ولظروف مرتكبها ، أي أنه يتمثل في إختيار القاضي نوع وقدر العقوبة أو التدبير الملائم لحالة الجاني على ضوء ما تسفر عنه دراسة شخصية وظروف حياته، والحصول على كل المعلومات المتصلة بشخصه، وصفاته الخاصة، والأسباب التي أدت به إلى ارتكاب الجريمة لتكون محل اعتبار عند اختيار العقوبة المناسبة .
        وقد ثار البحث عن إذا كان تفريد العقوبة يتناقض مع مبدأ المساواة أمام القانون، والذي يتطلب عدم إختلاف الناس في المعاملة أمام القانون، إلا أنه يرد على ذلك بأنه يتفق تفريد العقوبة مع مبدأ المساواة أمام القانون؛، الذي يتطلب عدم توحيد المعاملة مع المختلفين، كما أن تفريد العقاب يتفق مع المصلحة العامة التي تتفق مع أهداف القانون في مكافحة الجريمة من خلال عدة أهداف منها: الردع العام، والردع الخاص، الذي يحقق إصلاح المجرم ، ومن ثم فإن التفريد القضائي لا يخالف مبدأ المساواة، والقاضي بوصفه الحارس الطبيعي للحريات هو أفضل من يتولى التفريد، وإن نصوص القانون بشأن الظروف المخففة تتفق مع مبدأ المساواة، وتعتبر من أهم وسائل التفريد، ويعتبر إنكار سلطة القاضي في تقديرها ينطوي على إنكار مبدأ المساواة .
        ويمثل التفريد القضائي أهم أنواع التفريد وأعمقها أثرا في معاملة الجاني، وسنحاول التطرق في هذا الفرع إلى أهم مظاهر التفريد القضائي وهي: الظروف القضائية المخففة؛ ووقف النطق بالعقوبة ( المبحث الأول)، وقف تنفيذ العقوبة، والاختبار القضائي ( المبحث الثاني).


المبحث الأول: الظروف القضائية المخففة ووقف النطق بالعقوبة

        إن أهم المواضيع التي يتمتع فيها القاضي الزجري بسلطة تقديرية واسعة في مجال العقوبة: منح ظروف التخفيف (المطلب الأول)، ووقف النطق بالعقوبة (المطلب الثاني).
المطلب الأول: الظروف القضائية المخففة
        منذ زمن بعيد عرضت عوامل الرأفة والرحمة، أو ما يعرف اليوم بظروف التخفيف من العقوبة، وهكذا نادى فلاسفة اليونان ( بروتاغوراس، وأرسطو، وأفلاطون) بجعل العقوبة إنسانية؛ لافتين نظر الحكام إلى أن الجريمة وإن كانت عملا غير محق، إلا أن العقوبات الصارمة والتأثر لا يزيلان آثارها، وبالتالي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الظروف التي دفعت المجرم إلى ارتكاب عمل غير المحق، لأن الغاية من العقوبة هي: إما إصلاح المجرم، و إما جعله أقل شرا من ذي قبل . 
     وإذا كان المشرع قد حدد عقاب أغلب الجرائم بحدين أدنى وأعلى، تأثراً منه ولا شك بالظروف الملابسة لارتكاب الجريمة ماديةً أكانت هذه الملابسات أم شخصية، وترك للقاضي الحرية في تفريد العقاب حين مكنه من أن يحكم بعقوبة واقعة بين الحدين الأدنى والأعلى كما هي واردة في النص القانوني . 
        غير أن القاضي في دعوى معينة مطروحة أمامه قد يرى أن الظروف التي استخلصها منها تستدعي الرأفة بالجاني أكثر من النزول بالعقوبة إلى الحد الأدنى المقرر لها، أو الحكم عليه بأخف العقوبتين المقررتين للجريمة أصلا؛ أي أن الظروف تستدعي إما النزول عن الحد الأدنى المقرر للعقوبة، وإما الاستعاضة عن هذه الأخيرة بعقوبة أخرى أخف منها، لكن القاضي لا يستطيع أن يفعل شيء من ذلك ما لم يسمح له المشرع به بمقتضى نص خاص، لأنه أي القاضي مقيد بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، فلا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص في القانون، لذلك فإن المشرع الجنائي رغبة منه في إفساح المجال أمام القاضي لتفريد العقاب بما يتلاءم مع ظروف كل جريمة وكل جانٍ، قد خول القاضي الصلاحية للنزول بالعقوبة عن الحد الأدنى المقرر لها، أو الحكم بعقوبة أخرى اخف منها يحددها المشرع . 
        والظروف المخففة  هي: أسباب متروكة لتقدير القاضي، تخوله حق تخفيض العقوبة في الحدود التي عينها القانون ، وهي تتناول كل ما يتعلق بماديات العمل الإجرامي في ذاته، ويتعلق بشخص المجرم الذي ارتكب هذا العمل، وبمن وقعت عليه الجريمة، وعلى ذلك فهي كل الظروف والملابسات التي تحيط بالعمل الإجرامي، ومرتكبه والمجني عليه من ظروف وملابسات بلا استثناء، وهو ما يصطلح على تسميته بالظروف المادية والشخصية: وهي مجموعة من الظروف لا تقع تحت الحصر ، ولم يحدد المشرع الأسباب التقديرية المخففة ـ كما فعل بالنسبة للأعذار القانونيةـ وسبب ذلك يعود إلى أن هذه الأسباب كثيرة جدا ومتجددة، بحيث لا يمكن الإحاطة بها كلها، كما أن القضاة يختلفون في نظرتهم إليها، وتتفاوت آراؤهم في تقديرها، ومن أجل ذلك ترك المشرع تقدير هذه الأسباب المخففة للقاضي دون أن يبين مضمونها أو يحدد حدودها .  
        وقد اقتصرنا في هذا المطلب على تحديد مفهوم الظروف القضائية المخففة على أن نتناولها بشيء من التفصيل من خلال أنظمتها وضوابط سلطة القاضي في تطبيق هذه الظروف في إطار الفصل الثاني.

 المطلب الثاني: وقف النطق بالعقوبة  
        تعتبر طريقة ( إرجاء الحكم القضائي) التي كان يطبقها القضاء الإنجليزي قديما المصدر الأساسي لنظام الامتناع عن النطق بالعقاب، وكانت تتمثل هذه الطريقة في إصدار المحكمة قراراً يوقف النطق بالعقوبة أو وقف تنفيذها مؤقتا؛ بسبب الشك في أدلة الإثبات أو وجود ظروف شخصية معينة، أو لتفاهة الجريمة، وذلك لإفساح المجال لطلب عفو مطلق أو مشروط من الملك. 
        واستحدثت بلجيكا نظام وقف الحكم بالإدانة في قانون1964، وذلك لتجنب العيوب الناجمة عن الحكم الصادر بالإدانة، وما يتبعه من قيد في صحيفة السوابق، ومن حرمان المحكوم عليه من بعض الحقوق المدنية، أي لتجنب المعنى المشين للحكم بالإدانة، وهو نظام مستقل اقتضته السياسة الجنائية الحديثة كتدبير من تدابير الدفاع الإجتماعي لمنح الجاني فرصة إصلاح نفسه بعيداً عن السجون، وعن الاختلاط السيئ الذي يتم فيها .
        ويعرف الفقه الإمتناع عن العقاب: بأنه نظام يقتضي الإمتناع عن النطق بعقوبة على المتهم لفترة زمنية محددة، إذا سلك خلالها سلوكاً حسناً، مع جواز وضعه خلال تلك الفترة تحت رقابة شخص تعينه المحكمة، أو تكلفه بتقديم كفالة عينية أو شخصية. ويعرفه البعض الأخر من الفقه بأن الامتناع عن النطق بالعقاب: هو صدور حكم بالإدانة على المتهم مع عدم النطق بعقوبة معينة  . 

 أولا: مميزات نظام الامتناع عن النطق بالعقوبة
        إن لهذا النظام " وقف النطق بالعقوبة" مجموعة من الامتيازات عن غيره من نظم التفريد القضائي ومن هذه المميزات:
1. يقوم هذا النظام على أساس عدم النطق بعقوبة خلال مدة تقررها المحكمة، مما يجنب الجاني الوصمة الاجتماعية نهائيا، ويتميز هذا النظام عن تلك الوجهة من نظام إيقاف التنفيذ  لأن الإيقاف يقتضي دائما النطق بالعقوبة في الحكم ثم إيقاف تنفيذها المدة المقررة قانونا، ولا شك أن مجرد النطق بعقوبة يؤدي إلى إلحاق وصمة بالمحكوم عليه، ولو كان تنفيذ هذه العقوبة موقوفاً .
2. يؤدي إلى استفادة الجاني من عدم حبسه في حالة تنفيذ الإلتزامات المفروضة عليه في الحكم.
3. إن تنفيذ الشروط والإلتزامات من جهة الجاني يساعده على تقويم سلوكه والتغلب على العوامل المؤدية لإنحرافه، وهو ما لا يمكن أن يتحقق من خلال عقوبة الحبس قصير المدة، حيث لا تكفي مدة العقوبة لتنفيذ برامج الإصلاح.
4. يجوز وفقا لهذا النظام العقابي أن تأمر المحكمة بوضع الجاني تحت الإختبار خلال المدة المقررة، وذلك بأن تجعله تحت رقابة شخص تعينه لهذا الغرض، ويكون من واجبات هذا الشخص توجيه الجاني إلى ما يجب إتباعه، والإشراف عليه، والتحقق من أنه ينفذ الشروط التي وضعتها المحكمة.
  ثانيا: الشروط القانونية
        هناك شروط قانونية يجب توافرها لاستخدام القاضي سلطته التقديرية في الحكم بالامتناع عن النطق بالعقاب وهي:
1. الشروط المتعلقة بالجريمة:
        يلاحظ في القانون المقارن وجود اتجاهين إزاء تحديد نوع الجرائم التي يجوز للقاضي أن يقرر وقف النطق بالعقوبة وهما:
تقتصر سلطة القاضي في وقف النطق بالعقوبة على الجرائم التي لا تزيد عقوبتها  عن حد معين .
يسمح للقاضي بالامتناع عن النطق بالعقاب في جميع الجرائم ما عدا المعاقب عليها بعقوبة جسيمة جداً .
        بالإضافة إلى هذين الشرطين فقد قررت بعض القوانين جرائم مستثناة، حيث لا يستطيع القاضي إستخدام سلطته التقديرية في الامتناع عن النطق بالعقاب.
2. الشروط المتعلقة بالمجرم:
       هناك شروط يجب أخذها في الاعتبار عند استخدام القاضي سلطته التقديرية في الامتناع عن النطق بالعقاب، وهي شروط ترتبط بشخصية المجرم، ومن هذه الشروط ما يتعلق بالركن المعنوي للجريمة، فيحدد مقدار ما انطوت عليه الإرادة الإجرامية للمتهم من خطئه وإثمه، ومنها ما يحدده مقدار نصيب الأهلية للمسؤولية ، ومنها ما تبين به درجة خطورة على المجتمع ، وعدم سبق الحكم على المتهم .
  ثالثا: إلغاء وقف النطق بالعقوبة.
        لا يتم إلغاء وقف النطق بالعقوبة إلا بحكم قضائي، لأن هذا الإلغاء بذاته يستلزم تحديد عقوبة للجريمة التي سبق وقف النطق بعقوبتها، والعقوبة لا يجوز تحديدها إلا بحكم يصدره القضاء، لذلك لا محل في هذا المجال لقاعدة الإلغاء القانوني المقررة في بعض القوانين بالنسبة لإلغاء وقف النطق في جميع القوانين التي تأخذ بنظام وقف النطق، وإن كانت هذه القوانين تختلف غالبا فيما بينها من حيث تحديدها لأساليب الإلغاء القضائي .

المبحث الثاني: وقف تنفيذ العقوبة والاختبار القضائي

        لا تقتصر المعاملة العقابية على نزلاء المؤسسات العقابية، بل تشمل أيضا فئات أخرى من المحكوم عليهم خارج تلك المؤسسات ، والأصل أن يكون الإفراج عن المحكوم عليه بعد انتهاء تنفيذ العقوبة المانعة للحرية المحددة في حكم الإدانة كلها، ولكنه قد يكون بعد تنفيذ جزء من هذه العقوبة فحسب، كما قد يتم قبل البدء في تنفيذها .
        وعلى خلاف ما جرى بحثه في إطار التنفيذ الجزئي للجزاء الجنائي  يرتكز النظام الكلي للجزاء الجنائي خارج المؤسسات العقابية على فكرة قوامها تجنب الشخص دخول السجن، والاكتفاء بدلا من ذلك بتهديده بإيقاع العقوبة عليه حكماً وتنفيذاً إذا لم يلتزم بما تفرضه عليه من الشروط خلال فترة الاختبار . 
        والإفراج قبل بدء تنفيذ العقوبة ينطق به القاضي إذا تحققت شروط خاصة ينص عليها القانون، وتوافرت ظروف معينة يرى معها القاضي أنه من الملائم لمصلحة المجتمع؛ ولمصلحة المحكوم عليه ألا تنفذ العقوبة، ويشمل هذا النوع من الإفراج: وقف تنفيذ العقوبة (المطلب الأول)، والاختبار القضائي (المطلب الثاني).
المطلب الأول: وقف تنفيذ العقوبة
        يعتبر نظام وقف تنفيذ العقوبة من أخطر السلط المخولة للقضاء في ميدان تفريد الجزاء وتشخيصه بحسب شخصية المجرم وظروفه ، ويقصد بإيقاف تنفيذ العقوبة : هو تعليق العقوبة المحكوم بها على شرط موقف خلال فترة معلومة يحددها القانون بناءاً على اعتبارات تقدرها المحكمة، فيظل المحكوم عليه متمتعاً بكامل الحرية إذا لم يكن محبوسا، ويتم الإفراج عنه إذا كان محبوسا حبسا احتياطيا .
        ويتبين لنا من هذا التعريف أن وقف التنفيذ يفترض إدانة المتهم، والحكم عليه بعقوبة مع وقف التنفيذ لمدة من الزمن ، ويترك المحكوم عليه خلالها حراً، فإذا عاد إلى الإجرام نفذت فيه العقوبة الموقوف تنفيذها إضافة إلى العقوبة المقررة للجريمة التي ارتكبها، أما إذا انقضت المدة بغير أن يرتكب المحكوم عليه جريمة أخرى سقط الحكم الصادر ضده وأعتبر كأن لم يكن . 
        ويأمر القاضي بإيقاف التنفيذ إما من تلقاء نفسه أو بناءاً على طلب من المتهم، وإذا تعدد المتهمين فللقاضي أن يأمر بوقف تنفيذ العقوبة بالنسبة لأحدهم دون الآخرين، مع بيان الأسباب التي دعته لإيقاف التنفيذ.
        وسنتناول هذا النظام من خلال شروطه ( الفقرة الأولى)، وآثار هذا النظام (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: شروط وقف التنفيذ
        يحدد المشرع شروطا معينة لا يجوز للقاضي أن يقدر ملاءمة إيقاف تنفيذ العقوبة إلا إذا تحققت، وذلك رغبة من المشرع في تقييد سلطة القاضي بالحدود التي تحقق الردع الخاص دون أن يصطدم مع اعتبارات الردع العام وتحقق العدالة ، وهذه الشروط هي:
أولا: الشروط المتعلقة بالمجرم
        يتطلب المشرع بعض الشروط التي يجب توافرها في الجاني حتى يمكنه الإستفادة من وقف تنفيذ العقوبة، لأن وقف التنفيذ يهدف إلى الأخذ بيد من ارتكب جريمة لا تدل على خطورة إجرامية، وعلى ذلك، فإن هناك ظروفا خاصة بالجاني يمكن للمحكمة أن تستشف منها مبررات إيقاف تنفيذ العقوبة بحقه، ومن هذه الظروف  أخلاق المحكوم عليه، طباعه، ماضيه، والظروف التي أحاطت بارتكاب الجريمة، ويشترط أن تكون هذه الظروف فيها ما يبعث على الاعتقاد بأن الجريمة المرتكبة هي أمر عارض في حياة الجاني، وأنه لن يعود إلى مخالفة القوانين مستقبلاً .

ثانيا: الشروط المتعلقة بالعقوبة
        لا يثير وقف تنفيذ عقوبة الحبس أية اعتراضات من جانب الفقه، وذلك على أساس أن إيقاف التنفيذ هو في حقيقته أحد أساليب المعاملة الجنائية "العقابية" التي تهدف إلى تفادي مساوئ تنفيذ العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة، تلك المساوئ التي تترتب على اختلاط المحكوم عليه بغيره من المجرمين الخطرين أو المعتادين على الإجرام داخل السجن، وهو أسلوب مخصص لنوع معين أو لفئة محددة من المحكوم عليهم الذين ترى المحكمة أن عملية تأهيلهم وإصلاح حالهم يمكن أن يتحقق دون تنفيذ العقوبة فيهم، لذلك فإن المحكمة تأمر في حكمها بوقف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة التي تحكم بها عليهم لانعدام الفائدة منها، وقد اقتضت هذه الطبيعة العقابية أو الوظيفة التأهيلية لإيقاف التنفيذ ضرورة تحديد حد أقصى  للعقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة التي يمكن الأمر بتعليق تنفيذها على شرط  .
ثالثا: الشرط المتعلق بالجريمة
        الأصل أن إيقاف التنفيذ يسري على جميع مرتكبي الجرائم أيا كان نوعها ودرجة جسامتها، جناية أم جنحة أم مخالفة ، وذلك أن العلة في إقرار هذا النظام كامنة في مرتكبي هذه الجرائم ، لكن جل هذه القوانين إستثنت المخالفات من وقف التنفيذ ، لأن عقوبة المخالفات إذا شملها وقف التنفيذ فإن ذلك يعني أن تفقد المخالفة كل ما لها من قيمة رادعة، وكذلك أن الحكمة من وقف التنفيذ غير متوافرة بالنسبة للمخالفة؛ لأنه لا يعتد بها بالنسبة للعود للجريمة، فضلا عن أن المخالفات لا تظهر في سوابق المتهم، وبالتالي يتعذر على المحكمة التثبت من ماضيه وسوابقه في هذا المجال، كما أن الحكم بالغرامة في المخالفة مع تحصيلها أولى من الحكم بالحبس مع وقف تنفيذه .
        بالإضافة إلى الشروط الثلاثة السابقة يشترط ألا يكون في القانون المنطبق على الواقعة نص يمنع من وقف تنفيذ العقوبة، وكذلك ينسحب وقف التنفيذ على العقوبة الأصلية المحكوم بها سواء كانت العقوبة غرامةً أو حبساً، أما العقوبات التبعية والتكميلية فإن وقف التنفيذ لا ينطبق عليها، وهي بذلك تكون واجبة التطبيق على المحكوم عليه بها، فما هي أثار وقف التنفيذ وهذا ما سنتناوله في الفقرة الثانية.
الفقرة الثانية: أثــار وقف التنفيذ
      يترتب على إيقاف التنفيذ أثار متنوعة يقع البعض منها أثناء فترة الاختبار، ويقع البعض الأخر بعد مضي تلك الفترة دون إلغائه من الجهات المختصة.
  أولا: أثر انقضاء فترة التجربة دون إلغاء وقف التنفيذ
        يجب الإشارة إلى أن الحكم بالإدانة مع وقف التنفيذ يفترض ثبوت ارتكاب الجريمة، أي إقرار قضائي بأن المستفيد من إيقاف التنفيذ هو مرتكب الجريمة، وهذا الإقرار بالإدانة يختلف عن العقوبة وعن تنفيذها، فالإقرار بالإدانة من جانب القضاء هو أمر قطعي وغير مشروط، أما العقوبة نفسها فهو أمر معلق على شرط .
        ومن أهم الآثار المترتبة على شمول الحكم بإيقاف التنفيذ عدم جوازه اتخاذ أي إجراء تنفيذي ضد المحكوم عليه خلال فترة الاختبار، غير أن هذا الإيقاف ليس نهائيا؛ بل هو قابل للإلغاء في أي لحظة أثناء فترة الاختبار ، وذلك إذا ما ارتكب المحكوم عليه جريمة بمعناها القانوني  .
        أما إذا انقضت فترة التجربة دون إلغاء وقف التنفيذ، يصبح عدم التنفيذ نهائيا، فلا تنفذ العقوبة؛ ويعتبر الحكم بها كأن لم يكن، ومعنى ذلك أن يفقد الحكم الصادر بالعقوبة كل أثاره الجنائية، ولا يعتبر سابقة في العود ، ولا يحتاج المحكوم عليه الذي استفاد من نظام وقف التنفيذ لأن يرد إعتباره .
   ثانيا: إلغاء إيقاف التنفيذ 
        إن الاعتبارات التي من أجلها صدر الأمر بوقف التنفيذ يتمثل أساسا في الشعور الذي يتولد لدى المحكمة بعد فحصها ودراستها لأخلاق أو ماضي أو سن المحكوم عليه، أو الظروف التي ارتكبت فيها الجريمة، والذي يدفعها إلى الاعتقاد بأن هذا الشخص لن يعود في المسـتقبل إلى مخـالفة القانـون، بتكرار جريمته أو ارتكاب جريمة أخرى ، فإذا صدر من المجرم خلال الفترة التي يحددها القانون لإيقاف تنفيذ العقوبة ما يدل على أن إيقاف التنفيذ لم يكن مجديا في ردعه عن مخافة القانون، فإنه يترتب على ذلك جواز إلغاء إيقاف التنفيذ ، فتنفذ فيه العقوبة التي قضى عليه بها ، ومنها:
1. أن يقدم المحكوم عليه خلال مدة وقف التنفيذ (فترة التجربة) على ارتكاب جريمة أخرى يقضى عليه من أجلها بعقوبة من النوع نفسه أو بعقوبة أشد .
2. إذا ظهر خلال المدة أن المحكوم عليه صدر ضده قبل الإيقاف حكم كالمنصوص عليه في الفقرة السابقة ولم تكن المحكمة قد عملت به .
        ويمتاز نظام وقف التنفيذ أنه يحمي المجرمين المبتدئين من خطر الإجرام بإيداعهم في السجن مع المجرمين المعتادين، كما يجنب المحكوم عليهم مساوئ عقوبة الحبس قصيرة المدة؛ من خلال منحهم فرصة لتقويم سلوكهم وإصلاح حالهم ذاتيا، غير أن أي نظام لا يخلو من النقد و يتمثل نقد هذا النظام في :
أنه يهدد الأثر الزاجر للعقوبة على المستويين الفردي والجماعي.
يقوم نظام وقف التنفيذ ـ بصورته التقليديةـ بدور سلبي محض إذ يترك المحكوم عليه ليصلح نفسه بنفسه دون أن يقدم له المجتمع أي عون، ويعتبر السلوك الايجابي المتمثل في مراقبة المحكوم عليه و توجيهم و يقدم المساعدات اللازمة له حتى يسلك سلوكا حسنا يبعده عن مؤثرات الجريمة هو الاختبار القضائي  والذي سنتناوله في المطلب الثاني.

 المطلب الثاني: الاختبار القضائي
        يتشابه نظام الاختبار القضائي  مع نظام وقف التنفيذ في أن كلا منهما يعتبر أسلوب كفاح ضد ظاهرة الجريمة عن طريق يجنب بعض المجرمين مساوئ العقوبات السالبة للحرية، واستبدال معاملة عقابية أكثر ملائمة لشخصياتهم وظروفهم ، والاختبار القضائي في صورته الأولى لا يعدوا أن يكون مجرد إفراج عن المتهم دون الحكم عليه بالعقوبة، ووضعه تحت الاختبار مدة معينة مع إخضاعه للإشراف والرقابة للتأكد من مدى احترامه للالتزامات المفروضة عليه .
        ويعرف الاختبار القضائي: بأنه معاملة عقابية تتمثل في اختبار المتهم المدان خلال فترة يعلق بها الحكم، مع منحه خلالها حرية مشروطة بحسن سلوكه، ويخضع أثناء ذلك لإشراف وتوجيه المسؤولين، وتقديم المساعدة اللازمة له، فإذا استقام سلوكه خلالها اعتبر حكم الإدانة كأن لم يكن، وإن فشل في تحقيقه استبدل الحرية بسلبها .
        ويلاحظ أن الاختبار القضائي هو نظام ذو طبيعة ايجابية، إذ أنه يمنح المجرم فرصة لإصلاح نفسه وذلك بالمساعدة الايجابية التي يقدمها له، فيتعهد بعض المختصين بالإشراف الاجتماعي الكفيل بإصلاحه و إبعاده عن جو الجريمة، ليعود إلى المجتمع مواطنـاً صالحـاً؛ يستطيع أن يشق طريقه بثقة ودون خوف أو شعور بالأثر التهديدي  للجزاء الجنائي .
        وسنقوم في هذا المطلب بالتحدث عن شروط الاختبار القضائي (الفقرة الثانية)، بعد الحديث عن أساليب تطبيق هذا النظام ومدته (الفقرة الأولى).
الفقرة الأولى: أساليب التطبيق ومدته
        هناك أساليب لتطبيق نظام الاختبار القضائي (أولا)، والمدة التي يبقى فيها المتهم تحت الاختبار (ثانيا).


 أولا: أساليب تطبيق نظام الاختبار القضائي
        إن نظام الاختبار القضائي يطبق إما قبل صدور الحكم بالإدانة وإما أن يطبق لاحقا للحكم.
1. الاختبار قبل صدور الحكم :
        يتحقق هذا النوع حينما يدرس القاضي وقائع الدعوى وظروف المتهم، ويرى انه جدير بالإدانة، ولكنه لا ينطلق بحكم الإدانة؛ وإنما يوقف السير في الدعوى، ويحدد القاضي فترة يخضع فيها المتهم للاختبار ، فتعرض عليه التزاماته ويخضع للإشراف والرقابة، فإذا أمضى فترة الاختبار دون الإخلال بالتزاماته، فإن الحكم لا يصدر ضده، أما إذا أخل بالتزاماته فانه يصدر ضده حكم يفضي بالعقوبة الملائمة . أي تعليق إصدار الحكم بعد ثبوت الإدانة على شرط حسن السلوك خلال فترة الاختبار  .
        من مزايا هذا الأسلوب أن المتهم الخاضع لهذا النظام يظل جاهلاً للعقوبة التي يمكن أن يحكم عليه بها، وقد يتصورها أكثر جسامة مما هي عليه في الواقع، الأمر الذي يدفعه إلى الالتزام بما فرض عليه تجنباً للنطق بحكم ضده، إلا أنه يؤدي إلى إهدار الأثر الزاجر للعقوبة الذي لا يتحقق إلا عند النطق بها ، وهذا ما تفاداه الأسلوب الثاني.
2. الاختبار بعد صدور حكم الإدانة.
        في هذا الأسلوب يصدر حكم الإدانة على المتهم، ثم يأمر القاضي بإيقاف تنفيذ العقوبة؛ وتطبيق نظام الاختبار على المحكوم عليه بما يتضمنه من فرض التزامات عليه، وإخضاعه للإشراف والرقابة .
        ومن مزايا هذا النوع أن يصدر الحكم في الوقت المناسب بمجرد أن يتبين للقاضي جدارة المتهم بالعقاب، وبذلك يتحقق الردع العام والعدالة على أحسن نحو ليتفادى العيب الذي وجه للاختبار السابق على حكم الإدانة، ومن ناحية أخرى فإن صدور الحكم بالإدانة يحمل من الإنذار للمحكوم عليه ما لا يتوافر لمجرد التهديد بصدور هذا الحكم، ولذلك يكون له قوة أكبر في تحقيق الردع الخاص.
  ثانيا: مدة الاختبار
        إذا ما تم إخضاع المحكوم عليه للاختبار فان ذلك بلا شك لا يجب أن يكون إلى أجل غير محدد لما في ذلك من مساس بالحرية الشخصية، لذلك اتجهت التشريعات العقابية إلى تحديد مدة الاختبار بفترة زمنية ذات حدٍ أدنى وحدٍ أقصى، ويترك المشرع فيها للقاضي سلطة تقدير المدة الملائمة فيما بين هذين الحدين ، لحالة كل محكوم عليه على حده، وسلطة تعديلها إذا حدث ما يقتضي ذلك، والحكمة واضحة من تحديد هذه المدة بين حدين أدنى وأقصى، فالحد الأدنى مفهوم لأن التأهيل يتطلب مدة دنيا معينة لا يتصور تحقيقه قبل مضيها، والحد الأقصى يقصد به حماية الحريات حتى لا يتعسف القضاة ؛ فيفرض الخضوع للاختبار مدة أطول مما يلزم للتأهيل .
  الفقرة الثانية: شروط الاختبار القضائي
        لما كانت الفكرة الأساسية في هذا النظام أنه أسلوب معاملة عقابية يصلح لتأهيل طائفة من المجرمين غير الخطرين، لذلك يتعين تميزهم عمن سواهم وتقدير مدى جدارتهم بهذا النظام من ناحية، كما ينبغي من ناحية أخرى تحديد الجريمة لكي يحقق هذا النظام أهدافه:
1. الشروط المتعلقة بالمتهم: ويتحقق هذا الشرط إذا توفر نوعان من الشروط وهما:
شروط موضوعية: تضعها التشريعات المختلفة لتحدد بها نطاق من يجوز إخضاعهم لنظام الاختبار حتى يمكن معه تحقيق اعتبارات الردع العام والعدالة وعدم الاقتصار على الردع الخاص.
شروط شخصية: تنحصر في فحص شخصية المتهم الذي توافرت فيه الشروط الموضوعية قبل الحكم عليه، ودراسة العوامل التي دفعت به إلى ارتكاب الجريمة .
       فهذه الشروط ماثلة في مدى استعداده وقابلية لتقبل حياة كريمة شريفة خارج أسوار السجن، ويكون القاضي هذا الانطباع من الفحص السابق على الحكم لشخصية المتهم طبيا و نفسيا و اجتماعيا .
2. الشروط المتعلقة بالجريمة: تشترط بعض النظم العقابية ألا تكون الجريمة المرتكبة من فئة الجرائم الخطرة، حيث لجأت بعض التشريعات إلى استبعاد تطبيق نظام الاختبار القضائي في طائفة من الجرائم بعينها، وإما على أساس حصر الجرائم التي يمكن فيها تطبيق هذا النظام ما دام معاقبا عليه بعقوبة معينة. 
3. وجوب فرض التزامات على المحكوم عليه: أشرنا من قبل أن أهم ما يميز نظام الاختبار القضائي عن نظام وقف التنفيذ هو ذلك الجانب الايجابي في المعاملة العقابية المتمثل في جملة الالتزامات التي تفرض على المحكوم عليه أثناء فترة الاختبار .
        ويقصد بهذه الالتزامات: تقيد حرية المحكوم عليه بحيث توجه التوجيه الذي يحقق أهداف الاختبار، وهي تأهيل المحكوم عليه وإصلاحه، وتتنوع الالتزامات التي يمكن فرضها على المحكوم عليه، فمنها ما يفرض على المحكوم عليه الامتناع عن القيام بأنشطة وأعمال معينة كحظر الإقامة في مكان معي، ومنها ما هو ايجابي كتعويض المجني عليه مثلا.
4. هل يعد رضا الخاضع للاختبار شرطا لتطبيقه عليه ؟
        اختلفت الآراء حول هذه المسالة، فاتجه رأي إلى اعتبار رضا المحكوم عليه شرطا لازما لتطبيق هذا النظام عليه، بحجة أن تنفيذ الالتزامات المفروضة، وكذا الخضوع للرقابة والإشراف يفترضان قبول المحكوم عليه بالخضوع لذلك النظام.
        في حين ذهب رأي أخر إلى عدم اشتراط رضا المحكوم عليه بدعوى أن نظام الاختبار القضائي إنما هو في حقيقة أمره صورة من صور المعاملة العقابية، وبالتالي فإنه لا يجوز أن يكون لإرادة المحكوم عليه شأناً في تطبيق هذا النوع من المعاملة العقابية.
        ونشير في الأخير أنه إذا تبين من خلال التقارير الدورية التي أعدها ضباط الاختبار أن المعني قد نجح في فترة الاختبار ومن ثم تأهيله اجتماعيا، فإنه يجوز لقاضي التنفيذ أن يحيل القضية إلى المحكمة لإنهاء الوضع تحت الاختبار.
        غير أنه يمكن إلغاء الاختبار القضائي دون الحاجة إلى أن يرتكب المستفيد منه فعلا يعاقب عليه قانون العقوبات، إذ يكفي أن ينتهج المجرم الذي وضعه تحت الاختبار سلوكا معينا يخالف أحد الالتزامات المفروضة عليه خلال فترة الاختبار حتى يحرم من هذا النظام 












الفصل الثاني: ضوابط سلطة القاضي في تفريد العقاب
        إن تفريد العقاب لاختيار الجزاء المناسب للجريمة يقتضي من القاضي فحص شخص المجرم نفسيا واجتماعيا وثقافيا، وأن يراعي في ذلك الجانب النفسي لهذا الأخير، والجانب الاجتماعي لوسطه، وأن يبحث في ظروف ارتكاب الجريمة وفي سوابقه للتفرقة بين المجرم الخطير وبين غيره من السلوكيات الإجرامية غير المعقدة، بدون أن يغفل وقع الجريمة عليه أثناء التنفيذ، وواقعها على الضحية وعلى الوسط الذي ارتكبت فيه، وهو أمر ليس بالهين، وإلا أصبحت سلطة القاضي في تفريد العقاب بمختلف آلياتها وبالاً على المجتمع عوض أن تكون وسيلة للإصلاح .
        وتفريد العقاب يتطلب أن لا يحدد المشرع العقوبة تحديداً جامداً لا يقبل التصرف فيه ولا المرونة، وإنما يضع لها حدين واحد أقصى أعلى وواحد أدنى أسفل، ويعطي الصلاحية للقاضي في تجاوز الحد الأقصى ورفع العقوبة أكثر مما هو عليه؛ إذا توافرت ظروف تستدعي ذلك كظروف التشديد، كما يعطيه أيضا الصلاحية في النزول عن الحد الأدنى للعقوبة إذا ما توافرت ظروف وملابسات يرى القاضي أنها تبرر الرأفة والرحمة والتخفيف من العقاب -الظروف القضائية- كما أن المشرع في غالب الأحيان يحدد للجريمة الواحدة عقوبتين ـالحبس والغرامة ـ فيكون للقاضي أن يحكم بهما معا في إطار حدودهما أو يحكم بواحدة دون الأخرى، حسب ما يراه  متناسب لظروف الجريمة وحالة المجرم .
        وتتفاوت السلطة التقديرية للقاضي في تقدير العقوبة اتساعاً وضيقا وفقا للحدود التي رسمها القانون لكل حالة، ففي عقوبة الإعدام والسجن المؤبد يكتفي القاضي بتقدير أن ظروف الجريمة ووقائعها تستحق العقوبة، وهنا نقول أن السلطة التقديرية للقاضي ضيقة أو شبه معدومة. وتتجلى السلطة التقديرية للقاضي بوضوح عندما يتعلق الأمر بعقوبات السجن المؤقت، الحبس والغرامة، لأن هذه العقوبات يحدد فيها القانون الحد الأقصى والحد الأدنى للعقوبة التي يلتزم القاضي بها، ويتسع نطاق هذه السلطة التقديرية لأبعد من حدي العقوبة .
        فالسلطة التقديرية للقاضي الجنائي تمارس عن طريق ضوابط محددة لا تسمح بفروض التحكم المسموح به قانونا في نطاق الإدارة العامة، فالقاعدة القانونية ليست موضوع السلطة التقديرية للقاضي الجنائي، وإنما ينصب التقدير على مفترضات تطبيقها وعلى الأثر القانوني الذي تنظمه، ومعنى ذلك أن القاضي الجنائي حينما يعمل تقديره سواء في مفترضات القاعدة أو أثارها القانونية؛ وإنما يطبق في الوقت ذات القاعدة الجنائية في مضمونها، وما ترمي إليه من أهداف . والخلاصة إذن أن التفريد العقابي واختيار الجزاء المناسب هو السند الواقعي لسطة القاضي في حدود، وعلى ضوء ما يسمح به المشرع الجنائي، ولذلك قيل بحق أن السلطة التقديرية للقاضي يبررها التغاير اللانهائي لصور ارتكاب الواقعة الإجرامية، فالمغايرة من هذه الزاوية تتطلب الاختلاف في التقدير، كما أن هذه المغايرة يبررها من زاوية أخرى تحديد خطورة المجرم التي يتم استخلاصها من خلال الوقائع وعملية التكييف .
        وسنتحدث في هذا الفصل عن مدى سلطة القاضي في اختيار العقوبة كماً ونوعاً " الفرع الأول"، وعن الضوابط المستمدة من شخصية الجاني " الفرع الثاني".



الفرع الأول: مدى سلطة القاضي في إختيار العقوبة كماً ونوعاً
        إن السلطة العادية للقاضي الجنائي في تقدير العقوبة تتمثل في مدى ما يسمح له القانون به من اختيار نوع العقوبة وتدريج كمها ضمن النطاق المحدد لعقوبة كل جريمة على حدا، فيتناسب مدى سلطة القاضي في تقدير العقوبة تناسباً طرديا مع ما يحدده المشرع من اتساع ثابت أو نسبي للحيز الفاصل بين حدي العقوبة، ومع عدد ما يعينـه من أنواع العقوبات لكـل جريمـة على سبيل التخييـر أو التبديل .
        ولهذا الاعتبار يكون التدريج الكمي للعقوبة؛ والاختيار النوعي لها ضمن نطاقها القانوني هما الوسيلتان الرئيسيتان العاديتان لتفريد العقاب القضائي، وسنقوم بالتحدث عن مدى سلطة القاضي في اختيار العقوبة كماً " المبحث الأول"، ومدى سلطة القاضي في اختيار العقوبة نوعاً " المبحث الثاني".


المبحث الأول: مدى سلطة القاضي في التدريج الكمي للعقوبة
        إن سلطة القاضي في تحديد العقوبة تتسع وتضيق تبعا لسياسة المشرع في بيان العقوبة المقررة للجريمة، ففي بعض الفروض يحدد المشرع العقوبة على سبيل القطع، وذلك بالنص على عقوبة ذات حد واحد دون أن يترك للقاضي أي قدر من الملاءمة في تحديدها، ومثال ذلك عقوبة الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، فهنا نلاحظ أن القاضي لا يمكنه تفريد النص الجنائي تبعاً للوقائع المادية المرتكبة، وتبعا لشخصية مرتكبها .
        ونظام التدريج الكمي القضائي للعقوبة يتمثل في تحديد المشرع حدا أدنى وواحد أعلى للعقوبات التي تقبل طبيعتها التبعيض، وتركه للقاضي سلطة تقدير العقوبة بين هذين الحدين ، ويعكس التدرج الكمي للعقوبة الصورة الأساسية لسلطة القاضي التقديرية في تقدير العقوبة، تتمثل في قدرته على التحرك بين الحدين الأدنى والأقصى للعقوبة لتحديدها بينهما أو عند أحدهما، وقد ينزل بها عن حدها الأدنى بموجب ظروف التخفيف وهي وسيلة لتدريج العقوبة إلى أقل من حدها، وقد يبدو له تشديدها عند توافر أحد ظروف التشديد  .
وهناك نظامين للتدريج الكمي وهما:
1. نظام التدريج الكمي الثابت: ويكون عندما يحدد لها المشرع حداً أدنى وحداً أعلى ثابتين ، سواء أكانا خاصين، أم الأدنى عام والأعلى خاص ، أم الأدنى خاص والأعلى عام ، أم الأدنى والأعلى عاميين .
2. نظام التدريج الكمي النسبي: الغرامة هي العقوبة الوحيدة التي يعين المشرع نطاقها الكمي أحيانا على نحو يلزم القاضي بتدريج مقدارها، بالنسبة لقيمة المال محل الجريمة، وهو تدرج موضوعي، أو بالنسبة للدخل اليومي للمجرم وهو تدرج شخصي.

    المطلب الأول: سلطة القاضي في تخفيف العقاب
        تحدثنا في إطار الفصل الأول عن أعذار التخفيف والظروف القضائية المخففة، غير أننا في إطار هذا المطلب سنقتصر على ضوابط القاضي في استعمال الظروف القضائية المخففة لأنها جوازية وليست وجوبية عكس أعذار التخفيف التي متى تواجدت وجب على القاضي الأخذ بها وسنتطرق في هذا المطلب إلى أنظمة الظروف القضائية المخففة " الفقرة الأولى"، ثم ضوابطها "الفقرة الثانية".
الفقرة الأولى: أنظمة الظروف القضائية المخففة.
        لقد منح المشرع الفرنسي للقاضي سلطة تقديرية موسعة في تحديد الظروف المخففة بتركه له تحديد هذه الظروف، وسلكت قوانين غير قليلة هذا السبيل، في حين اتجهت قوانين أخرى نحو تحديد الظروف المخففة حصراً، فقيدت بذلك السلطة التقديرية للقاضي في هذا المجال، وأخيرا عمدت بعض القوانين الحديثه إلى الاكتفاء ببيان الظروف المخففة على سبيل المثال، فأتاحت للقاضي التمتع بسلطة نسبية في تحديد هذه الظروف ، أي أنه هناك ثلاثة أنظمة لهذه الظروف وهي:
1. نظام عدم التعداد القانوني.
        يطلق عليه بعض الفقه " التحديد القضائي للظروف المخففة"، ويتلخص هذا النظام في كون المشرع لا يحدد سلفا الظروف الشخصية أو الموضوعية التي يمكن اعتبارها مخففة بالنسبة للجاني، بل يترك هذا العمل لسلطة القاضي التقديرية حيث يجتهد هذا الأخير في استظهار هذه الظروف، وهذا يتفق مع الدور الاجتماعي الذي تلعبه وكونها وسيلة للتفريد القضائي وأداة لتحقيق التجانس والتوافق بين نصوص التشريع وتطور المجتمع دون التضحية بأي من الاعتبارين .
2. نظام حصر الظروف المخففة.
           بمقتضى هذه القاعدة ينفرد المشرع وحده بتحديد الظروف المخففة حصراً، بحيث لا يجوز للقاضي تخفيف العقوبة بسبب أي ظرف أخر لم ينص عليه المشرع، ولكن القاضي غير ملزم بتخفيف العقوبة عند توافر أحد تلك الظروف المنصوص عليها، لأن التخفيف جوازي له في مثل هذه الحالة وليس وجوبياً عليه، وهذا ما يميز الظروف المخففة المحددة عن الأعذار القانونية المخففة التي يلتزم القاضي بتخفيف العقوبة حال وجودها .
3. النظام المعتدل.
        نظراً لعيوب كل من السلطة الموسعة والسلطة المقيدة للقاضي في تحديد الظروف المخففة ظهر اتجاه يقوم على التوفيق بين النظامين السابقين ويسمى النظام المعتدل أو النظام المختلط، حيث يلجا المشرع إلى تحديد بعض الظروف المخففة، ومع ذلك يترك للقاضي سلطة تقديرية في استظهار ظروف أخرى يرتئيها. 
 الفقرة الثانية: ضوابط تطبيق الظروف المخففة القضائية
        يمكن تحديد مضمون الأسباب المخففة التقديرية إما على أساس موضوعي يتعلق بمدى جسامة الجريمة، وهذا يعني أن القاضي يحدد أسباب التخفيف، وأنه يستخلصها من الظروف الموضوعية التي أحاطت بارتكاب الجريمة، والتي تؤثر على جسامة الجريمة، أو على أساس اعتبارات شخصية لا تتعلق بجسامة الجريمة وإنما تتعلق بظروف الجاني الشخصية، ومدى دلالتها على توافر الخطورة الإجرامية لديه .
        وبين هذين الاتجاهين الموضوعي والشخصي نجد اتجاها ثالثا يحدد مضمون الأسباب المخففة على أسس موضوعية وشخصية معا، ذلك أن الجريمة هي مزيج من ماديات تتعلق بمدى جسامة الضرر، ومعنويات يعكس الخطورة الإجرامية ومدى الإثم، والعبرة دائما بما يستشعره القاضي في حواسه وشعوره، بحيث يرى - بناء على علل مختلفة - مادية ومعنوية، أن الجاني جدير بعقوبة دون الحد الأدنى المقرر قانونا، لأن ذلك أدعى لتحقيق العدالة .
        وتتسع سلطة القاضي في منح الأسباب المخففة التقديرية لجميع المجرمين من مرتكبي الجنايات والجنح، ولا فرق بين عائدين ومبتدئين، أو بين وطنين أو أجانب.
        وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن الظروف التقديرية أو القضائية هي من الأسباب الشخصية لتخفيف العقاب ، أي أنها ذات طبيعة شخصية، لذلك فهي تقدر وتنتج أثرها في التخفيف بالنسبة لكل متهم على نص. ولا يمتد أثرها إلى غيره من باقي المساهمين في الجريمة .
        وبالتالي نستطيع أن نقول بأننا انتقلنا من لا جريمة إلا بنص، ولا عقوبة إلا بنص، إلى لا جريمة إلا بنص، والعقوبة بدون نص، وكأننا لا نقبل فكرة التجريم إلا بنص، ونقبل العقوبة بدون نص  .


المطلب الثاني: سلطة القاضي في تشديد العقاب 
        تجمع كافة التشريعات على تشديد العقوبة كلما توافرت شروط هذا التشديد، وتوافر هذه الظروف إنما ينم في حقيقته على أن الجريمة قد بلغت خطورتها تدرجا أكثر في الجسامة ، وقد تحدثنا في إطار التفريد التشريعي عن تشديد العقاب غير أننا في هذا المطلب سنتحدث عن حالتين حددهما المشرع وأعطى صلاحية الأخذ بتشديد العقاب عليهما للقاضي، وهما: العود "أولا"، والتعدد " ثانيا".
أولا: العـــود 
        لما كانت الجريمة في مفهوم التقليدين تمثل انتهاك إرادة خاطئة لقواعد أمن المجتمع الواجب الرعاية، فإنه كان منطقيا اعتبار العود مظهرا لإرادة مصرة على الشر، وبالتالي ظرفا مشددا للجريمة ، يبرر توقيع عقوبة أشد ، والعود إلى الإجرام بصفة عامة هو: حالة الشخص الذي يرتكب جريمة أو أكثر بعد سبق الحكم عليه بحكم بات حائز للحجية بالعقاب من أجل جريمة أو جرائم أخرى سابقة، وهو يفترض بذلك تعدد جرائم هذا الجاني، ولكن يفصل بينها حكم بات بالعقاب صدر عليه من أجل أحداهما أو بعضهما . 
        ويعرف العـود على أنـه: حالـة الجاني الذي يقدم على ارتكاب جريمة أو عدة جرائم جديدة سبق الحكم عليه نهائيا في جريمة أو جرائم سابقة، ويتيح للقاضي إمكانية تشديد العقوبة عليه أو اتخاذ تدبير من التدابير الوقائية حياله ، فعودة المجرم إلى ارتكاب الجرائم دليل على عدم تحقيق الردع الخاص، وقد يشترط أحيانا أن تكون الجريمة الجديدة مماثلة للجريمة السابقة ومن نفس طبيعتها ويسمى هذا النوع بالعود الخاص، وفي بعض الأحيان يجب ألا تتعدى مدة معينة وهو ما يعرف بالعود المؤقت، وأحيانا لا يحدد لها أجل فيكون عوداً أبدياً .
        ويعتبر العود ظرفا مشدداً للعقوبة يتميز بكونه سببا شخصيا دوما، فلا يرفع العقوبة إلا على من توافر فيه هذا الظرف من مساهمين ومشاركين، حيث يقتصر أثره على العائد شخصيا فقط، كما يتميز العود أيضا بكونه ظرفا يؤدي لرفع العقوبة -عند توافره-  بالنسبة لكافـة الجـرائم سواء كانت جنايات أو جنح أو مخالفات .
        والعود إما أن يكون بسيط أو متكرر وإما اعتياد على الإجرام، فالعود البسيط: هو الذي تتحقق صورته بعودة الجاني إلى ارتكاب الجريمة بعد سبق الحكم عليه نهائيا بالعقاب في جريمته الأولى، أما العود المركب أو المتكرر: فهو الذي يتطلب فيه المشرع - لتحقيقه - عددا معيناً من السوابق، حكمين أو أكثر بعقوبة معينة عن جرائم معينة، أو غير ذلك من الشروط الإضافية التي تنم عن تخصص الجاني في نوع معين من الجرائم وإعتياده عليه وإحترافه له على نحو يستلزم تشديد العقاب على الجريمة الجديدة التي غالبا ما يشترط المشرع فيها أن تكون مماثلة أو مشابهة للسوابق، أما الاعتياد على الإجرام: فهو حالة الشخص الذي يرتكب جريمة جديدة بالشروط التي يحددها أو يتطلبها القانون فيها، بعد سبق الحكم عليه باعتباره عائداً عوداً مكرراً .


ثانيا: التـعـدد  
      يقتضي التعدد في المجرم "اقتراف جريمتين أو أكثر قبل أن يحكم عليه نهائيا في أيهما، وقبل أن يتلقى بالتالي إنذار القانون بعدم العود إلى طريق الجريمة من جديد" .
        ولتعدد الجرائم نوعين وهما : 
1. التعدد المعنوي أو تزاحم الوصف الجنائي، وهو: عبارة عن نشاط إجرامي واحد يقع تحت طائلة عدة فصول، وهنا يجب على القاضي أن يطبق الوصف القانوني الذي يجب للعقوبة الأشد ، وقد ظهرت في العقوبة الواجبة التطبيق ثلاث نظريات وهي :
نظرية تقتضي بتشديد العقوبة وبالتالي تعددها 
تسوي بين التعدد المعنوي والتعدد المادي إذ لا تقر بوجود فارق بين الاثنين
تقتضي بتطبيق عقوبة الوصف الأشد .
2. التعدد الحقيقي أو المادي للجرائم ويتحقق عندما يرتكب الشخص جرائم متعددة في آن واحد؛ أو في أوقات متوالية دون أن يفصل بينهما حكم غير قابل للطعن ، وأيضا ظهرت في العقوبة الواجب أن تطبق في حالة وجود تعدد مادي ثلاث نظريات وهي :
تقضي بضم العقوبات
عدم ضم العقوبات والحكم بالعقوبة المخصصة لأشد جريمة 
النظرية المختلطة التي توفق بين النظريتين السابقتين وتكتفي بتشديد العقوبة
        وهذه النظرية الأخيرة هي التي تبنتها جل التشريعات  مع اختلاف في أسلوب تطبيقها، حيث تسمح بعضها للقاضي بتجاوز الحد الأقصى للعقوبة الأشد، وفي حين تضع حدا معينا لكل نوع من أنواع الجرائم الذي لا يمكن للقاضي تجاوزه عند ضم العقوبات .


المبحث الثاني: سلطة القاضي في اختيار العقوبة نوعا.
        لقد أشار "فان هامل" إلى ضرورة منح القاضي سلطة الاختيار بين نوعين من العقوبة كالحبس والغرامة ليتمكن من ملائمة العقوبات طبقا لظروف المجرم والجريمة، ثم جاء "جارسون" بتقريره المقدم للمؤتمر الدولي لجمعية السجون العامة في سنة 1896 يعرض نظرية العقوبات المتوازنة التي تقتضي بوضع مجموعتين من العقوبات، الأولى مشينة، والثانية غير مشينة، مع تخويل القاضي سلطة اختيار العقوبة المناسبة في إحدى المجموعتين لكل مجرم، وأعلن سالي أيضا اقتناعه بنظرية العقوبات المتوازنة ، وسنتطرق في هذا المبحث إلى العقوبات التخيرية "المطلب الأول"، وبدائل العقوبات "المطلب الثاني".
 المطلب الأول: العقوبات التخييرية.
        في بعض الحالات لا يحدد المشرع العقوبات تحديداً كاملاً وإنما يترك للقاضي ذلك التحديد في إطار معين نص عليه المشرع، ويندرج تحت تلك الفروض والأحوال التي ينص فيها المشرع على عقوبات تخييرية؛ حيث يمكن للقاضي أن يطبقها مجتمعة، ويمكنه أن يختار من بينها عقوبة واحدة .
        وقد لجأت عدة تشريعات حديثة إلى الأخذ بنظام العقوبات التخيرية الذي "يقضي بترك القانون للقاضي حرية الاختيار في الحكم على المجرم بإحدى عقوبتين مختلفتي النوع، أو بكليهما، أو بعقوبة واحدة أو عقوبتين من بين عقوبات أو أكثر مختلفة النوع محددة للجريمة التي إرتكبها ذلك المجرم، وتعتبر كل عقوبة من العقوبات المحددة لتلك الجريمة صنواً للأخرى" .
        أي أن للقاضي حرية كاملة في الحكم بالعقوبة التي يراهاً مناسبة من بين العقوبات التي رصدها المشرع، والاختيار النوعي للعقوبة يتأرجح حسب الأنظمة القانونية بين الاختيار النوعي الحر، والاختيار النوعي المقيد :
1. نظام العقوبات التخيرية.
        بمقتضى هذا النظام يتمتع القاضي بحرية اختيار تامة  في الحكم بالعقوبة التي يرتئيها من ضمن العقوبات المقررة للجريمة سواء أكانت عقوبتين متنوعتين أم أكثر، والقانون لا يلزمه بإتباع أية قاعدة معينة في الاختيار، وإن كانت السياسة الجنائية الحديثة تملي عليه مراعاة شخصية المجرم وظروفه بما في ذلك الباعث على ارتكاب الجريمة عند اختيار العقوبة الملاءمة من بين العقوبات المقررة ، أي أن هذا النظام يعرف بأنه: هو النظام الذي يترك أمر اختيار الجزاء فيه إلى سلطة القاضي التقديرية مع ما يحمله هذا الموقف من خطورة تكمن في  احتمال التعسف في استعمال هذه السلطة . 
2. نظام العقوبات التخيرية المقيد:
        وهو ذلك النظام الذي اهتم المشرع بوضع ضوابط له يلتزم القاضي بها عند اختيار الجزاء، وقد اختلفت القوانين فيه حيث قيدته بعضها بالباعث، وبعضها بالملائمة، والبعض الأخر بتوافر شروط معينة أخرى كشناعة الجريمة، أو خطورة المجرم :
أ- نظام العقوبات التخيرية المقيدة بالباعث: ويقتضي بتعين المشرع عقوبتين متباينتين على سبيل التخير للجريمة، مع إلزام القاضي أن يحكم بالعقوبـة الأشد أو منعه من الحكم بالعقوبة الأخف عندما يكون الباعث على ارتكابها دنيئا .
ب- نظام العقوبات التخيرية المقيدة بالملائمة: وهي إذا خول القانون للمحكمة سلطة الاختيار بين عقوبة سالبة للحرية وعقوبة الغرامة، فإن المحكمة لا تحكم بالعقوبة السالبة للحرية إلا إذا كان الحكم بالغرامة غير ملائم، والملائمة هي من المعايير العامة الاعتيادية لسلطة التقدير التي يمارسها القاضي في تحديده العقوبة كماً ونوعاً، ومن ثم يترتب على القاضي عند حكمه في مثل هذه الجرائم أن لا يفكر في الحكم بالعقوبة السالبة للحرية إلا بعد أن يظهر له عدم ملائمة عقوبة الغرامة للمجرم في ضوء ظروفه الشخصية وظروف جريمته الموضوعية .
        ونلاحظ من خلال هذه الأنظمة أن عملية تقدير ظروف الفعل المرتكب وشخصية المجرم متروكة للقاضي بحكم سلطته التقديرية، حيث يرجع له في الأخير الدور الحاسم في الخوض في خلفيات الفعل وأبعاده وانعكاسه على المجتمع، ومن ثم اختيار العقوبة التي يراها أنجع لمعالجة المجرم.
        غير أن الملاحظ أن ترك الحرية وتوسيع مجال التخيير قد يحير القاضي ويربكه، بالإضافة إلى أنه ممكن أن يكون آلة في يد القضاء لإستعمال الشطط والتعسف دون حسيب أو رقيب، وبالتالي يجب تحديدها تحديداً كاملاً.

المطلب الثاني: العقوبات البديلة "بدائل العقوبات".
        العقوبات السالبة للحرية هي العقوبات التي يفقد فيها المحكوم عليه حريته بإيداعه في إحدى المؤسسات العقابية الفترة التي يحددها الحكم الجنائي الصادر بإدانته، هذا واختلفت مواقف التشريعات العقابية المعاصرة من هذه العقوبات، فأكثرها أخذ بفكرة التنوع في العقوبة مقسما إياها إلى عقوبة السجن المؤبد، السجن، والحبس .
        لكن ومن خلال التطور الكبير الذي لحق بالعقوبة ، والتي أصبح لها عدداً من الأهداف، ومن خلال ما أظهره التطبيق العملي للعقوبات السالبة للحرية بشكل عام وقصيرة المدة بشكل خاص، فإن الإشكالية التي يمكن إثارتها هنا هي: ما مدى فاعلية العقوبات السالبة للحرية ؟ وإلى أي حد يمكن أن يكون للبدائل الأخرى من فاعلية ؟
        هذا ويجمع علماء العقاب أن عقوبة الحبس قصيرة المدة عاجزة عن تحقيق أي هدف، بل هي ضارة وذات نتائج سيئة، فهي من جهة عاجزة عن تحقيق الردع بشقيه العام والخاص، وبيان ذلك أن قصر مدة العقوبة لا يضمن تحقيق الردع الخاص في مواجهة المحكوم عليه، لا سيما المجرم المعتاد الذي تعود أن ينزل ضيفا على السجون، بل إن هناك طائفة من المجرمين الخطيرين الذين لا يأبهون مطلقا من الحكم عليهم بعقوبة سالبة الحرية . ومن هنا اتجه البحث عن إيجاد بدائل أخرى تجني المحكوم عليه والمحتجز على حد سواء مضار العقوبات السالبة للحرية، لتعارضها مع البرامج الإصلاحية، وذلك بإبدالها بعقوبات غير سالبة للحرية كالغرامة والعمل الإصلاحي والاختبار القضائي .
        غير أن الجميع غير متفق على فكرة البدائل، إذ ارتفعت أصوات ضد هذه التسمية وطالبت بالتخلي عنها باعتبار أن عقوبة السجن هي العقوبة المثلى؛ والبدائل مجرد استثناء، وهناك أصوات أخرى ترى أن السجن ليس الحل الوحيد للعقاب، ولا يجب اللجوء إليه إلا عند الضرورة القصوى، زيادة على ذلك يرى هذا الرأي من الناحية العلمية أن تراكم القضايا يضر بحسن تدبير الإدارة القضائية، لكن وضع بدائل للسجن إستراتيجية محفوفة بالمخاطر، ونادراً ما حلت هذه البدائل صراحة محل عقوبة الحبس .
        ومن أكثر البدائل فعالية بالنسبة للجرائم البسيطة نذكر:
1ـ العمل لفائدة المصلحة العامة: وله مظهرين إيجابيين أولا: إلزام صاحبه بفعل عمل ما بدل عقوبة السجن، وثانيا: الإدماج داخل المجتمع، ويجب أن يحضر الشخص عند النطق بالعقوبة وموافقته على البديل المصرح به في حقه لكون الأشغال الشاقة أصبحت غير قانونية، وهذا يبين أن المدان يعترف بخطئه ويختار عقوبته .
2ـ الغرامة: وهي أكثر العقوبات قابلية للتفريد، فطبيعة عقوبة الغرامة تسمح بإمكانيات كبيرة في تفريدها، أي في توافقها مع ظروف كل مجرم، فإذا كان يعاب عليها عدم عدالتها، وأنها عقوبة الأثرياء، فإنه يمكن عن طريق التفريد ملاءمة الغرامة لظروف كل مجرم على حدا مع مراعاة خطورة جريمته، وكذلك ظروفه الشخصية والاجتماعية ومركزه الاقتصادي وأعباءه العائلية، فإذا تحقق ذلك تحققت عدالتها وقيمتها العقابية .
3ـ الوضع تحت المراقبة الالكترونية: ويلجأ لهذا البديل عندما تكون العقوبة تساوي أو تقل عن سنة واحدة حبساً، أو عندما تكون العقوبة المتبقية سنة واحدة على الأكثر، أو كشرط قبلي للاستفادة من الإفراج الشرطي، وفي هذه الحالة الوضع تحت المراقبة لا يمكن أن يتجاوز سنة واحدة، ويلتزم المدان الذي وضع تحت المراقبة الالكترونية بعدم التغيب عن منزله أو عن المنطقة المحددة له من طرف القاضي، باستثناء الأوقات التي يشتغل فيها أو يتابع فيها تكوينا ما، كما يمكن منعه من الاتصال بالضحية أو شركائه في الجريمة أو ارتياد بعض الأمكنة كالحانات ودور الألعاب . 
4ـ نصف الحرية                   
5ـ وقف تخفيض العقوبة
6ـ رخص الخروج تحت الحراسة

الفرع الثاني: الضوابط من شخصية الجاني.
        بعد أن اهتمت المدرسة الوضعية بشخص الجاني، كان لابد أن يتم اخذ هذه الشخصية في الاعتبار عند تحديد ضوابط تقدير العقوبة، وهي إمارات تكشف عن خطورة الجاني وتتصل بشخصيته، ولذلك فهي ذات طابع شخصي .
        وإذا تأملنا النظام القانوني نجد أن العقوبة كأثر قانوني للجريمة لا تطبق في كل مرة ترتكب الجريمة في مادياتها، وإنما ينبغي لإعمال هذا الأثر القانوني أن تتوافر عناصر أخرى تتعلق بشخص الجاني، ولا تتعلق بالواقعة المرتكبة، وهذه العناصر المتعلقة بالجاني تتمثل في حالة شخصية وليس مجرد موقف إرادي أو نفسي حيال الواقعة المتحققة ، وهذه الحالة الشخصية تتعلق في جانب منها بالأهلية الجنائية للجاني، وفي جانب أخر بخطورته الإجرامية.
        حيث أن توفر الأهلية الجنائية بالنسبة للجاني لا يفيد بالضرورة توقيع عقوبة معينة، وإنما تتوقف العقوبة التي تطبق على الجاني بسبب ارتكاب الجريمة على حالة الخطورة الإجرامية المتوفرة لديه.
        ويقتضي تحقيق العدالة وجود تناسب دقيق بين درجة جسامة الفعل الجرمي ودرجة الجزاء الجنائي من حيث نوعه ومقداره وأسلوب تنفيذه من جهة، وأن يتناسب هذا الجزاء مع شخصية المجرم وظروفها وبواعثها على الإجرام من جهة أخرى، وهذا يعني ضرورة أن يتناسب الجزاء مع مدى جسامة الجريمة بالدرجة الأولى، مع الأخذ بعين الاعتبار مقدار الخطورة الإجرامية لمرتكب الجريمة، ومدى استعداده أو ميله للإجرام، لأن الجناة يتباينون في شخصياتهم وفيما يختلج في نفسية كل منهم، وفي الظروف المحيطة بهم، وبذلك تتفاوت درجة الخطورة الإجرامية بمقدار التفاوت في مدى الالتزام بالقواعد المنظمة للسلوك الاجتماعي .
        وسنتحدث في هذا الفرع عن الخطورة الإجرامية " المبحث الأول"، والضوابط المستمدة من معايير الشخصية "المبحث الثاني".

المبحث الأول: الخطورة الإجرامية
        يرجع إلى المدرسة الوضعية الفضل في توجيه الأنظار إلى ضرورة العناية بأشخاص المجرمين الذين أغفلتهم المدرسة التقليدية تماما، وإعتبرتهم نموذجا ثابتا لا يتغير في جميع الجرائم، وأصبح بفضل آراء هذه المدرسة البحث عن حالة الجاني في المقام الأول عندهم بعد أن كان البحث قاصرا على الجريمة ذاتها حتى يتاح للمجتمع مكنة الدفاع عن نفسه عن طريق مؤاخذة الجاني لأول بادرة تدل على خطورته الإجرامية بهدف استئصال جذور الشر من نفسه قبل أن تشتد شوكته، ويصبح إصلاحه متعذرا . 
        إن مفهوم الخطورة الإجرامية له أهمية بالغة في النظام القانوني المعاصر بوصفه مفترضا للجزاء، وذلك إن الخطورة هي الضابط الذي يستند إليه القاضي لتحديد نوع ومقدار هذا الجزاء، وأكثر من ذلك فالمشرع يجيز للقاضي عند انتفاء الخطورة الإجرامية بالنسبة للجاني العدول عن تطبيق العقوبة، وهذا ما يسمى في الاصطلاح القانوني بوقف التنفيذ .
        وتعرف الخطورة الإجرامية بأنها: هي استعداد يتواجد لدى الشخص بمقتضاه يكون من المحتمل إقدامه على ارتكاب جرائم مستقبلا، فهي قدرة الشخص على ارتكاب الجرائم، ولذلك فهي حالة نفسية يعتد بها القانون في تقدير العقوبة والشكل الذي تكون عليه ، أي أنها هي الخطر المنبعث من الشخص الذي يدل على الحالة التي يعيش فيها، ويصبح معها وقوع جريمة في المستقبل منه  أمرا محتملا، فهي احتمال ارتكاب شخص لجريمة في المستقبل .
        وسنتناول الخطورة الإجرامية من زاويتين، الأولى من خلال خصائصها "المطلب الأول"، والثانية من خلال أنواعها وإثباتها "المطلب الثاني".


    المطلب الأول: خصائص الخطورة الإجرامية
        تنطوي كلمة الخطورة على معنى الخطر الذي هو: حالة تنذر بوقوع ضرر يصيب شخصا، أو تنذر بوقوع أمر غير مشروع، وقد يصدر هذا الخطر عن سلوك معين يحدث أثراً أو تغييراً في العالم الخارجي، ومن شأنه أن ينتج ضرراً أو أمراً معينا غير مشروع، كما قد يصدر هذا الخطر عن شخص يعيش في حالة يصبح معها وقوع جريمة مستقبلية من الشخص ذاته أمراً محتملاً ، أي أن الخطورة الإجرامية هي حالة تلحق بالشخص وليس وصفا للجريمة، ويترتب على هذا أن حالة الخطورة الإجرامية لا علاقة لها بإرادة الشخص، ولا بموقفه النفسي من الجريمة، لأنها تنصب على عوامل خارجية عن إرادته، وإن كانت لصيقة بشخصه . 
        والخطورة الإجرامية كحالة أو صفة يوصف بها الشخص تختلف عن الجريمة كواقعة أو كفعل إرادي يدخل تحت طائلة التجريم، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود رابطة بينهما، فمما لا شك فيه أن وقوع الجريمة يعد إمارة قوية تدل على توافر الخطورة ، وهو بمثابة دليل قوي على وجود الاستعداد الجرمي عند مرتكب الجريمة، مما يدل على وجود خطورة لديه، إلا أن هذا الربط بين الخطورة الإجرامية والجريمة ليس حتمياً، فارتكاب الجرائم ليس دليلاً مطلقا على توافر الخطورة .
        والخطورة الإجراميـة من جانب أخر تقوم على الاحتمال لا على اليقين أو بالإمكان، فالاحتمال هو الضابط في تحديد وجود أو عدم وجود الخطورة  الإجرامية لدى الشخص الذي سبق أن ارتكب جريمة ، ويقصد بالاحتمال كمعيار للخطورة الإجرامية: دراسة العوامل التي تؤدي إلى إحداث الجريمة بالنسبة للمجرم، سواء كانت عوامل ذاتية تتعلق بالتكوين العضوي والنفسي والعاطفي للمجرم، أم عوامل خارجية تتصل بالبيئة الاجتماعية، لمعرفة ما إذا كان من شأنها أن تفضي إلى جريمة يرتكبها في المستقبل ، بعبارة أخرى يقوم الاحتمال على علاقة سببية تربط بين مجموعة من العوامل توافرت في الحاضر وواقعة مستقبلاً، ويتوقع في الغالب الإقدام على ارتكاب جريمة، وفكرة الاحتمال تكون أكثر وضوحاً عند مقارنتها بفكرتي الإمكان والحتمية.
        فالإمكان يعني: قلة توقع أن تؤدي العوامل الموجودة إلى حدوث النتيجة، والاحتمال يعني غلبة توقع أن تؤدي هذه العوامل إلى حدوث النتيجة، بينما الحتمية  تفيد تأكد توقع حدوث النتيجة كأثر لهذه العوامل. وبالتطبيق على الخطورة الإجرامية نجد أن القاضي حينما يعرض عليه الأمر ويعلم بوجود عوامل إجرامية محددة لدى المجرم فإنه يتصور إمكان أن تؤدي به هذه العوامل إلى ارتكاب الجريمة، وإذا علم بوجود عدد كبير من العوامل الإجرامية فإنه يتصور احتمال إقدام المجرم على الجريمة، أما إذا علم القاضي - وهذا أمر نادرا ما يحدث - بجميع العوامل الإجرامية فإنه يقطع بوقوع الجريمة كأثر لها على سبيل الحتم .
        وقد حاول البعض التفرقة بين الخطورة الإجرامية والنزعة الإجرامية -التي هي: قدرة الشخص على مخالفة قانون العقوبات والتي تستفاد من الواقعة   المرتكبة- فبينما تتضمن الأولى فكرة الاحتمال، فإن الثانية تقوم على الإمكان، وعلى حين تشكل الخطورة مفترضا للتدبير الاحترازي، فإن النزعة الإجرامية هي المعيار في استخدام القاضي لسلطة التقديرية في تطبيق العقوبة، فالذين تتوفر لديهم الخطورة الإجرامية يطبق عليهم تدبيراً احترازياً حتى ولو كانوا كاملي الأهلية، وعلى ذلك فإن الخطورة الإجرامية ينظر فيها إلى المستقبل، بينما النزعة الإجرامية ينظر فيها إلى الماضي أي إلى الواقعة المرتكبة .  
        ونخلص مما تقدم إلى أن الاحتمال المعتبر مناطا للخطورة الإجرامية هو درجة وسطى بين الحتمية والإمكان، وأنه ذو طابع علمي، بمعنى أنه لا يقوم على محض تصور شخص أو يحكم من القاضي بان الشخص سوف يقدم على ارتكاب الجريمة مستقبلا .  وللخطورة الإجرامية دور في تقرير المسؤولية الجنائية فيكفي أن نشير هنا إلى أن ثبوت ارتكاب الجريمة في حق المتهم لا يكفي لتوقيع العقوبة عليه، بل يلزم لاستحقاق العقوبة أن تظل الخطورة الإجرامية لدى الفاعل، والتي تكشف بفعل الجريمة باقية إلى حين النطق بالحكم، وذلك حتى يحكم القاضي بتوقيع العقوبة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب توافر الخطورة عند الحكم بتدبير احترازي يضاف إلى العقوبة أو يحل محلها .
        فالخطورة الإجرامية هي أداة القاضي التي يستعين بها للتحقق من ملاءمة العقوبات والتدابير في إصلاح المجرم وإعادة تأهيله إلى المجتمع، فما هي أنواعها؟ وكيف يتعرف القاضي عليها ؟ أي كيف يثبت القاضي توفر هذه الخطورة  ؟ وهذا ما سنتناوله في المطلب الثاني.





  المطلب الثاني: أنواع وإثبات الخطورة الإجرامية
        سنتحدث في هذا المطلب عن أنواع الخطورة الإجرامية " الفقرة الأولى"، ثم بعد ذلك عن كيفية إثباتها "الفقرة الثانية".
الفقرة الأولى: أنواع الخطورة الإجرامية
        مع أن الخطورة الإجرامية هي احتمال لأن يكون الشخص مصدرا للجريمة في المستقبل، إلا أن هذه الخطورة يجب أن تكون فعلية وليست مفترضة حتى يمكن للقاضي أن يستعمل سلطته التقديرية، ويكون عقيدته لاختيار الجزاء المناسب الذي سيوقعه على من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب الجريمة، وذلك في ضوء درجة خطورته الإجرامية، فالمجرمون يتفاوتون في درجة الخطورة لدى كل منهم ، حيث أن هناك خطورة تنذر باحتمال وقوع جرائم جسيمة، بالمقابل هناك خطورة تنذر باحتمال وقوع جرائم أقل جسامة هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى أن درجة جسامة الخطورة الإجرامية تتمثل في درجة احتمال وقوع الجرائم مستقبلا من جانب الجاني، فإذا كان احتمال وقوع هذه الجرائم كبيرا كانت خطورته أكثر جسامة.
        وتنكشف الخطورة عادة بوقوع الجريمة، أي بارتكاب الشخص لجريمة تنبئ عن خطورته، إلا أن هذا لا يعني دائما أن ارتكاب الجريمة هو شرط لتوفر الخطورة في الجاني، فهذه الخطورة قد تتوافر حتى قبل ارتكاب صاحبها لأي فعل مخالف للقانون، وتسمى بالخطورة السابقة لوقوع الجريمة .
        إن معرفة الخطورة السابقة  على وقوع جريمة يقتضي إجراء فحص علمـي مبنـي على وقائـع فعلية، إذ لا يمكن الاعتماد على مجرد الافتراضات أو التكهن، وتثير معرفة الخطورة الإجرامية السابقة على ارتكاب الجريمة إشكالا يتعلق بماهية الإمارات الكاشفة عنها؟ لأن المعايير التي تستخدم في ذلك لا يمكن أن يكون لها حجية مطلقة مهما بلغت دقتها، وتكون وسيلة علاج هذه الخطورة ومواجهتها بفرض تدابير احترازية على شخص صاحبها.


 الفقرة الثانية: إثبـاتـهـا
        إن قانون السببية في مجال العلوم الطبيعية أو النفسية يقتضي بأنه متى تواجدت بعض العوامل الكامنة لإحداث أثر معين فإنه لا بد وأن يتحقق ، ويثير إثبات حالة الخطورة الإجرامية بعض الصعوبات على صعيد التطبيق، وذلك أنها حالة نفسية تلحق بالشخص وليست وصفا لواقعة مادية، ولما كان ذلك وبالنظر  إلى تعدد العوامل التي تسهم في تكوينها، واختلاف درجة تأثير كل منها في تكوين الحالة، فإنه وبحكم كل ذلك يواجه القاضي بعض الصعوبات العلمية في تقديره لإثبات قيام الحالة من عدمها، لذا لم يترك المشرع القاضي سدى، بل أنار السبيل أمامه بوسيلتين يمكن الاعتماد عليهما  وهما: 
1. يمكن إثبات الخطورة الإجرامية من خلال افتراض وجودها في بعض الحالات، وذلك من خلال ارتكاب جرائم، وعلة افتراض توافر الخطورة الإجرامية هي أن المشرع يقدر بأن الجريمة الخطيرة لا يقدم على ارتكابها إلا مجرم خطير، وأن خطورته هذه لا تثير أدنى شك، وينتقد البعض بحق مثل هذا الافتراض ويرون أنه من الملائم في السياسة التشريعية أن يلتزم القاضي بالتحقق من توافر الخطورة الإجرامية في كل حالة على حدا .
2. إن الجريمة هي من أهم العناصر التي يأخذها القاضي بالاعتبار لتكوين عقيدته بالنسبة لخطورة الجاني، لأن الجريمة واقعة مادية ملموسة يمكن التثبت منها، وهذه الجريمة لها دلالاتها في الكشف عن شخصية مرتكبها ، وتستخلص من طبيعة الفعل ونوعه والوسائل التي استعملت في ارتكابه من ناحية، وجسامة الضرر أو الخطر الناتج عن الفعل، وكذلك من طبيعة القصد الحنائي، وفيما إذا كان عمديا أم غير عمدي من ناحية أخرى، وغني عن البيان أن هذه العناصر لا تشكل في حد ذاتها الخطورة، وإنما هي مجرد مصدر لها يمكن للقاضي بموجب ما أوتي من سلطة تقدير الاعتماد عليها في إثبات الحالة ونفيها .
        وقد أشار قانون العقوبات الايطالي في المادة 133/الفقرة الأخيرة من أن القاضي يضع في اعتباره عند استعمال سلطته التقديرية في تحديد العقوبة الميل الإجرامي للمتهم كما يستخلص من الاعتبارات التالية:
بواعث الجريمة و نوع الجريمة
سوابقه الإجرامية
سلوكه المعاصر أو اللاحق للجريمة
ظروف حياته الخاصة والعائلية والاجتماعية
        وهذا ما سنتناوله في المبحث الثاني

المبحث الثاني:الضوابط المستمدة من المعايير الشخصية
        سنتحدث في هذا المبحث عن الدافع والباعث على ارتكاب الجريمة "المطلب الأول"، وسلوك المجرم أثناء وبعد تنفيذ الجريمة وظروف حياته "المطلب الثاني".
 المطلب الأول:الباعث والدافع
        يجدر بنا أولا قبل الحديث عن الباعث و الدافع أن بعض الفقه حاول التفرقة بين الباعث والدافع  باعتبار الإدراك هو قوام الأول والإحساس هو قوام الثاني، إلا أن هذه التفرقة لا أساس لها حيث انتهى الأمر إلى استعمال الكلمتين كمترادفين .
        إن حالة الإجرام ليست ناتجة عن جبرية الفرد على الجريمة، أو وراثتها، وإنما هي ناتجة عن بواعث خارجية تؤدي بالفرد إلى ارتكاب السلوك الإجرامي، وما من جريمة إلا ولها بواعث ودوافع  تؤثر لمن لديه استعداد إجرامي ، لأن الجريمة نتيجة تأثير البواعث الخارجية التي تؤدي بالفرد إلى انحراف واقتراف السلوك الإجرامي ، وإذا كان المشرع  لا يعتد بالبواعث التي تقف وراء السلوك الإجرامي في التكوين القانوني للجريمة كقاعدة، إلا أن تلك البواعث لها قيمتها في تقدير العقوبة من القاضي باعتبار أنها تعكس شخصية الجاني .
        والباعث هو مثير خارجي يحرك الدوافع داخل الفرد، مما يجعله يقوم بسلوك إرادي ، ويعرف بعض الفقه الباعث: بالجانب النفسي الذي يتحرك بدافع تأثيرات داخلية تحرك بدورها السلوك الإجرامي، لذلك اعتبر بعض الفقه الآخر أن بحث الحالة النفسية للجاني يذهب عادة إلى معرفة الدوافع النفسية الباطنية التي دفعت بالمتهم إلى التورط في ارتكاب الجريمة، وتقدير مسؤولية الجاني في ضوء  ما يكشف عنه الفحص من علل نفسية ومدى أثرها في هذه المسؤولية .
        والبواعث على الإجرام تؤخذ في مفهوم واسع وآخر ضيق، فوفقا للمفهوم الواسع يقصد بالبواعث على الإجرام: الأسباب النفسية المتعلقة بالحياة النفسية للفرد في جميع جوانبها سواء العاطفية أو الانفعالية، ولذلك يدخل فيها الأنانية وحب الذات والشعور بالعظمة وغير ذلك، أما بواعث الإجرام بالمعنى الضيق فهي: تنصرف إلى الغاية التي يرمي إلى تحقيقها الجاني عن طريق الجريمة، أي المنفعة التي ينبغي تحقيقها بالجريمة، وعلى قدر فاعلية الباعث وقوته تكون الخطورة الإجرامية .
        والباعث على ارتكاب الجريمة نوعان هما:
1. الباعث الدنيء: وهو مؤشر الوضاعة والحقارة والانحطاط الخلقي الذي تنطوي عليه نفسية الجاني
2. الباعث الشريف: وهو درجة من السمو والنبل، فهناك من يرتكب الجريمة انتقاما لعرضه أو شرفه أو سمعته، وقليل من القوانين التي اتخذت من الباعث سببا في تشديد العقوبة إذا كان شائنا، ومن تخفيضها إذا كان نبيلا . 
        فعند معرفة الدافع والباعث يتم تحقيق إصلاح الجاني بناء على دوافعه وبواعثه، فدراسة الباعث والدافع على الجريمة أهمية في معرفة الظروف المحيطة بالفرد، ومعالجة أسبابها وتهيئة الظروف المناسبة لكافة أفراد المجتمع حسب الإمكان ومعالجة مرتكب الجريمة نفسه؛ حسب دوافعه وبواعثه لكي يمتنع من العودة إلى السلوك الإجرامي، ويعود مواطنا صالحا يسهم في بناء مجتمعه .
        ومن هنا يتبين أن للباعث دور حاسم في توجيه الإرادة نحو ارتكاب السلوك الإجرامي، بل أن الباعث هو السبب الأول والمحرك الأساسي لمجموعة من الأحاسيس التي تتضارب فيما بينها، وتنتهي في الأخير بحمل الجاني على الإقدام على الجريمة ، لذا يجب على القاضي أن يأخذ الباعث بعين الاعتبار ويجعله معيارا لاختيار الجزاء المناسب.
        فإذا كان الباعث لا يشكل ركنا ولا شرطا في قيام الجريمة أو عدم قيامها لأن المشرع لا يعتد به في الجريمة، إنما يمكن أن يكون ذا أثر على نفسية الجاني لمعرفة مدى الخطورة الإجرامية له، لأنه لصيق بسلوكه وأخلاقياته وعاداته وطباعه، كما يمكن أن يكون للباعث اثر عند تقدير العقوبة لأنها تقدر بعين الاعتبار خطورة الجريمة المرتكبة؛ والذي هو لصيق بالقصد الجنائي، وأخذاً بشخصية المجرم والذي هو أيضا لصيق بنفسيته، وبما أن الباعث نفسه خاضع للسلطة التقديرية للقاضي الزجري فله أن يتركه جانبا ولا يكترث بوجوده كما فعل المشرع .
المطلب الثاني: سلوك المجرم وظروف حياته.
        بعد أن اهتمت المدرسة الوضعية بشخص الجاني  كان لا بد أن يتم أخذ هذه الشخصية بعين الاعتبار عند تحديد ضوابط تقدير العقوبة، وهي إمارات تكشف عن خطورة الجاني، وتتصل بشخصه، ولذلك فهي ذات طابع شخصي ، وبما أن مهمة القاضي الزجري الأساسية منع المجرم نفسه من العود إلى الإجرام، ولا يمكن أن يتأتى له ذلك إلا بدراسة شاملة لشخص المجرم؛ لأن الدراسة هي التي تطلع القاضي على العوامل والأسباب الشخصية والاجتماعية التي تدفع بالمجرم إلى اقتراف الجريمة .
        وسوف نتعرض لهذه الإمارات التي هي سلوك الجاني أثناء ارتكاب الجريمة وبعده " الفقرة الأولى"، وظروف حياته "الفقرة الثانية".

   الفقرة الأولى: سلوك المجرم وقت ارتكاب الجريمة وبعده 
        إن سلوك المجرم وقت ارتكاب الجريمة وبعده مهم من الناحية العلمية لأن هذا السلوك يمكن أن يساعد القاضي على اكتشاف شخصية الجاني التي إما أن تكون خطيرة، وإما أن تكون ذات خطورة ضئيلة لا قيمة لها .
        ويقصد بسلوك الجاني المعاصر للجريمة عدم الاكتراث الذي يرافق ارتكاب الجريمة والقسوة والعنف في ارتكابها مما يفصح عن نزعة إجرامية  أو خطورة أكثر جسامة من تلك التي تتوافر لدى الذي يرتكب الجريمة بخوف وتردد، كذلك أيضا من يرتكب الجريمة دون خشية من مواجهة المجني عليه تختلف خطورته عن ذلك الذي يرتكبها في غفلة من المجني عليه وخوفا من مجابهته ، وكذلك أن يلجأ الجاني إلى استعمال بعض الوسائل الاحتيالية مثلا إخفاء معالم الجريمة أثناء ارتكابها.
        وكذلك الحال بالنسبة للسلوك اللاحق والمتمثل في عدم الندم والاكتراث بما ارتكب، والذي يظهر من الاطمئنان أو الإنفاق على الشهوات والملذات من ناتج الجريمة ، ومن عدم الاهتمام بإصلاح الأضرار الناشئة عن الجريمة، والمباهاة بارتكاب الجريمة، وكذلك عدم الندم والتوبة، إلا أن التوبة التي يمكن الاعتداد بها في هذا الصدد هي التي لا تقتصر على الأسف السلبي بل تتعداه إلى محاولة إصلاح الضرر الناتج عن الجريمة، وذلك عن طريق التعويض، وهذا ما اصطلح عليه الفقه بالتوبة الايجابية أو إصلاح الضرر في الفقه الايطالي .
 الفقرة الثانية:  ظروف حياة المجرم
        لا شك أن البيئة وما يدخل في تكوينها من عوامل لها تأثير كبير على السلوك الإجرامي، لذلك فإن تقدير النزعة الإجرامية أو الخطورة لا يمكن أن يغفل العوامل البيئية المؤثرة في شخصية الجاني، فمن الثابت أن البيئة تؤثر وتتأثر بالشخص، ولذلك فان لها دلالة كبيرة في تقدير احتمال قدرة الشخص على ارتكاب السلوك الإجرامي كرد فعل على المثيرات المتأتية من البيئة المحيطة به ، حيث أن هذه الظروف يكون لها تأثير كبير على سلوك المجرم.
        فهذه الظروف يحسن للقاضي الاستعانة بها عند تطبيق العقوبة وأخذها في عين الاعتبار، كما يستحسن به أيضا أن يعتمد على بعض الظروف الأخرى كالسن والزواج والمرض، لأن مثل هذه الظروف قد يكون لها تأثير في توجيه سلوك المجرم نحو ارتكاب الجريمة.
        وفي الواقع أن إصرار الجاني على ارتكاب فعله هو العنصر الأكثر أهمية ووضوحاً في الكشف عن الخطورة الإجرامية، ويبدو الإصرار في تخطي العقبات التي اعترضت تنفيذ الجريمة والتغلب عليها، وإحباط جهود المجني عليه للتخلص من آثار الجريمة . 
        والجدير بالذكر أن الخطورة الإجرامية تكون أكثر جسامة كلما كانت العوامل الداخلية للإجرام لها الغلبة على العوامل البيئية، ويبدو ذلك واضحا حينما تكون الخطورة الإجرامية مركزة على جرائم من نوع خاص، أي في الأحوال التي يكون لدى الجاني ميلا إجراميا نحو جرائم من نوع معين، كجرائم الأموال أو جرائم الأشخاص أو جرائم العرض، أما حينما تتغلب العوامل البيئية على الداخلية فغالبا ما تكون الخطورة عامة.







الخاتمة:
        إذا كانت وظيفة العقوبة قد تطورت في اتجاه يخدم المصلحة العامة، مما دعا إلى تمتيع القاضي بسلطة تقديرية واسعة في تفريد الجزاء، إلا أن المصلحة العامة اقتضت تنظيم هذه السلطة، وبعد الاطلاع والتمحيص في مجال تفريد العقاب خلصنا إلى مجموعة من النتائج:
1. منح المشرع للقاضي سلطة تقديرية في اختيار العقوبة بشكل شبه مطلق وذلك بالسماح له باستخدام الظروف القضائية المخففة وعدم تحديد الحالات التي يجب فيها عدم استخدامها.
2. عدم تحديد الجرائم التي يمكن استخدام تفريد العقاب فيها، بل الأكثر من ذلك وجود فارق كبير بين الحدين الأقصى والأدنى يصل في بعض الجرائم إلى عشر سنوات. 
ومن هنا نتقدم بمجوعة من التوصيات وهي:
1. يجب تحديد الظروف القضائية المخففة ومنع استخدامها في الحالات المشمولة بأعذار التخفيف، فالملاحظ أن الأعذار القانونية يجب أن يتم الأخذ بها عند توافرها، لكن قد يتم أيضا الأخذ بالظروف القضائية المخففة. وكما هو معلوم أن الأعذار القانونية يتم الأخذ بها بناءا على نفسية الجاني، وظروف ارتكاب الجريمة، وكذلك الظروف القضائية المخففة أي أن هذه النفسية يتم إعطائها ظرفين تخفيفيين وهذا يؤدي إلى إفراغ العقوبة من محتواها.
        ومن هنا نطالب بمنع استخدام الظروف القضائية المخففة في الحالات التي يتوفر فيها الأعذار القانونية للحفاظ على العقوبة وعدم المساس بها.
2. إخراج أنواع من الجرائم من مبدأ تفريد العقاب على غرار ما جاءت به الشريعة الإسلامية، فالملاحظ أن الشريعة الإسلامية عرفت مبدأ تفريد العقاب، ولا نقول أن المجتمع الإسلامي كان مثاليا وخاليا من الإجرام، إلا انه في نفس الوقت عرف الجريمة لكن بصورة قليلة، وتجدر الإشارة هنا أن الشريعة الإسلامية منعت تفريد العقاب في (12) جريمة وهي: الزنا، القذف، الشرب، السرقة، الحرابة، البغي، الردة، القتل العمد، القتل شبه العمد، القتل الخطأ، الجرح العمدي، والجرح الخطأ. حيث أن الشريعة الإسلامية في هذه الجرائم أهملت الجاني واهتمت بالجريمة.
        وبالرجوع إلى الإحصائيات الجنائية نلاحظ أن نسبة الجرائم التي أخرجتها الشريعة من مبدأ تفريد العقاب تمثل تقريبا 8% من مجموع الأفعال التي تعد جرائم في القانون الجنائي، غير أنه وفي نفس الوقت بلغ متوسط ارتكاب هذه الجرائم في عشرين سنة نسبة72.2%  من مجموع جرائم الجنايات، و63.3% من مجموع جرائم الجنح، أي أنها  من اغلب الجرائم التي ارتكبت.
        وبما أن هدف السياسة الجنائية بشكل عام هو العمل على محاربة ارتكاب الجرائم يضطرنا إلى إعادة النظر في بعض الجرائم وإخراجها من مبدأ تفريد العقاب.
        وأننا إذ نأتي على نهاية هذا البحث نأمل بأن يكون الهدف قد تحقق ألا وهو التعريف بأهمية التفريد، لكن في إطاره التنظيمي حتى لا يخرج عن الأهداف المتوخاة منه.









لائحة المراجع
أولا: الكتب
أحمد المجذوب، الغرامة كبديل للحبس قصير المدة، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ـ قسم بحوث المعاملة الجنائيةـ، القاهرة، 2004
أحمد فتحي سرور، أصول السياسة الجنائية، دار النهضة العربية، 1972
أحمد فتحي سرور، الحماية الدستورية للحقوق والحريات، دار الشروق، مصر، الطبعة الثانية، 2000
أحمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، دار الشروق، الطبعة الثانية، 2002، 
أحمد لطفي السيد، المدخل لدراسة الظاهرة الإجرامية والحق في العقاب، ج1      - الظاهرة الإجرامية -، 2003
إدريس لكريني، السلطة التقديرية للقاضي الزجري، الطبعة الأولى،2004
أكرم نشأت إبراهيم، الحدود القانونية لسلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، 1998
أمين مصطفى محمد، علم الجزاء الجنائي - الجزاء الجنائي بين النظرية   والتطبيق - دار الجامعة الجديدة للنشر، 1995
جعفر العلوي، مدخل لدراسة القانون الجنائي العام المغربي ، ط 2005 
حسنين المحمدي، الخطر الجنائي ومواجهته، منشأة المعارف بالإسكندرية، .2003
رمزي رياض عوض، التفاوت في تقدير العقوبة "المشكل والحل دراسة مقارنة"، دار النهضة العربية، مصر، 2005
العلمي عبد الواحد، شرح القانون الجنائي المغربي، القسم العام، طبعة 2002 
عبد الرحمن محمد أبو توتة، أصول علم العقاب، شركة ELGA، مالطا،  .2001
عبد الرحيم صدقي، علم العقاب على ضوء العلم الحديث في الفكر المصري والمقارن، دار المعارف، الطبعة الأولى، .1986
عبد السلام بنحدو، الوجيز في القانون الجنائي المغربي، المطبعة والوراقة الوطنية ـ مراكش ـ ط5،  .2004
عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر التوزيع، لبنان، الطبعة الرابعة عشرة، 2000، الجزء الأول
عدنان بن عبد الله البرواني، تجاوز حدود الدفاع الشرعي، سلطنة عمان
19.فوزية عبد الستار، مبادئ علم الإجرام وعلم العقاب، دار النهضة العربية، لبنان، الطبعة الخامسة، 1985
لطيفة المهداتي، حدود سلطة القاضي في تفريد الجزاء، مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى، 2007
مأمون محمد سلامة، حدود سلطة القاضي الجنائي في تطبيق القانون، دار الفكر العربي، 1975
محمد بجاد العتيبي، السلطة التقديرية للقاضي في الامتناع عن النطق بالعقاب، معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية، الكويت، 2005 
محمد سعيد نمور، دراسات في فقه القانون الجنائي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، الطبعة الأولى، 2004
مصطفى فهمي الجوهري، تفريد العقوبة في القانون الجنائي "دراسة تحليلية في القانون المصري و قوانين بعض الدول العربية"، دار النهضة العربية، مصر، .2002 
هاشم رستم، الإفراج الشرطي، جامعة السلطان قابوس، .2007
شرح قانون المسطرة الجنائية، تقديم الأستاذ محمد بوزوبع، الطبعة الثالثة، 2005.

ثانيا: الرسائل و الأطروحات.
آيت عبد المالك نادية، مذكرة ماجستير، الحماية الجنائية لحقوق الإنسان في ظل التشريع الوطني والقانون الدولي ألاتفاقي، جامعة سعد دحلب ، البليدة، الجزائر، 2005
سرور بن محمد العبد الوهاب، رسالة ماجستير بعنوان "الدافع والباعث على الجريمة وأثرهما في العقوبات التعزيرية، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2004.
ثالثا: المجلات:
إدريس لكريني، مجلة المحاماة، دورية، عدد46 ، ماي 2002
عبد الوهاب حومد، نظرات معاصرة على قاعدة قانونية الجرائم والعقوبات في التشريع المقارن، : مجلة الحقوق ، نوع المجلة : سنوية ، رقم العدد : 4، السنة : 2000 ، الكويت
محمد سعيد نمور، دراسة في الخطورة الإجرامية، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات مجلة سنوية،  العدد : 3، المملكة الأردنية الهاشمية 

رابعا: الندوات
بلقاسم الفاضل،عرض بعنوان "السياسة العقابية"، خلال ندوة "السياسة الجنائية بالمغرب: واقع وآفاق"، المجلد الأول للأعمال التحضيرية، انعقدت أيام 9،10،11، دجنبر 2004، بمكناس.
عبد الجليل الفيداني، عرض بعنوان "بدائل الدعوى العمومية وبدائل العقوبات السالبة للحرية"، خلال ندوة "السياسة الجنائية بالمغرب: واقع وآفاق"، المجلد الأول للأعمال التحضيرية، انعقدت أيام 9،10،11، كانون الأول\دجنبر 2004، بمكناس.
محمد بوزلافة، عرض بعنوان "السلطة التقديرية للقاضي الزجري في اتخاذ التدابير السالبة للحرية في قضايا الأحداث"، انعقدت يوم 23ايار\ماي 2008، بتازة.
واثبة داود السعدي، عرض بعنوان "واقع وآفاق نظام العدالة الجنائية في الوطن العربي"، خلال ندوة "السياسة الجنائية في الوطن العربي"، أشغال الندوة التي نظمتها وزارة العدل بالمملكة المغربية، أيام 26،27 ابريل\ نيسان 2006، بمراكش.


خامسا: المواقع الالكترونية
مركز القوانين العربية                            www.arblaws.com     
أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية               www.nauss.edu.sa
الدليل الالكتروني للقانون العربي            www.arablawinfo.com 
مقال عن الخطورة الإجرامية، الدخول يوم السبت 3/ أيار/ 2008    http://www.alamalnet.com/vb/showthread.php?t=2753   
أسباب تشديد العقاب .... وفق قانون العقوبات البحريني.                                                                       http://www.arblaws.com/board/showthread.php?t=2692 
العفو العام و الخاص، http://www.4shared.com/dr/3606424/e...8/sharing.html
محمد سعيد نمور، الظروف المخففة للعقوبة في التشريع الجزائي الأردني 
الدليل الالكتروني للقانون العربي            www.arablawinfo.com
محمد سعيد نمور, وقف تنفيذ العقوبة "نظام نفتقده في تشريعاتنا الجزائية في الأردن", الدليل الالكتروني للقانون العربي     www.arablawinfo.com
الأعذار المخففة وفق قانون العقوبات البحريني     
   http://www.arblaws.com/board/showthread.php?t=2579 


الفـهـــرس
المقدمة.....................................................................(1)
الفصل الأول: أنواع التفريد.................................................(9)
الفرع الأول: التفريد التشريعي والتفريد التنفيذي...........................(11) 
المبحث الأول: التفريد التشريعي...........................................(12)
المطب الأول: مفهوم التفريد التشريعي وظروف التشديد...................(13)
الفقرة الأولى:  مفهوم التفريد التشريعي...................................(13)
الفقرة الثانية: ظروف التشديد..............................................(16)
المطلب الثاني: تخفيف العقوبة والإعفاء منها..............................(18) 
الفقرة الأولى: أعذار التخفيف..............................................(19)
الفقرة الثانية: الأعذار المعفية من العقاب..................................(22)
المبحث الثاني: التفريد التنفيذي............................................(24)
المطلب الأول: التفريد التنفيذي من خلال المعاملة العقابية .................(26)
الفقرة الأولى: الفحص.....................................................(27)
الفقرة الثانية: التصنيف...................................................(29)
المطلب الثاني : نماذج من التفريد التنفيذي................................(32)
الفقرة الأولى: الإفراج الشرطي........................................... (33)
الفقرة الثانية: البارول والعفو الخاص................ .....................(38)
الفرع الثاني: التفـريد القضـائي..........................................(44)
المبحث الأول: الظروف القضائية المخففة ووقف النطق بالعقوبة...........(47)
المطلب الأول: الظروف القضائية المخففة..................................(48)
المطلب الثاني: وقف النطق بالعقوبة.......................................(50)
المبحث الثاني: وقف تنفيذ العقوبة والاختبار القضائي......................(55)
المطلب الأول: وقف تنفيذ العقوبة..........................................(56)
الفقرة الأولى: شروط وقف التنفيذ.........................................(57)
الفقرة الثانية: أثــار وقف التنفيذ........................................(61)
 المطلب الثاني: الاختبار القضائي..........................................(64)
الفقرة الأولى: أساليب التطبيق و مدته.....................................(65)
الفقرة الثانية: شروط الاختبار القضائي....................................(68)
الفصل الثاني: ضوابط سلطة القاضي في تفريد العقاب.....................(72)
الفرع الأول: مدى سلطة القاضي في اختيار العقوبة كما ونوعا............(75)
المبحث الأول: مدى سلطة القاضي في التدريج الكمي للعقوبة..............(76)
 المطلب الأول: سلطة القاضي في تخفيف العقاب..........................(77)
الفقرة الأولى: أنظمة الظروف القضائية المخففة...........................(78)
الفقرة الثانية: ضوابط تطبيق الظروف المخففة القضائية...................(80)
المطلب الثاني: سلطة القاضي في تشديد العقاب............................(81)
المبحث الثاني: سلطة القاضي في اختيار العقوبة نوعا.....................(86)
 المطلب الأول: العقوبات التخيرية.........................................(86)
المطلب الثاني: العقوبات البديلة "بدائل العقوبات"...........................(89)
الفرع الثاني: الضوابط المستمدة من شخصية الجاني......................(93)
المبحث الأول: الخطورة الإجرامية ........................................(94)
المطلب الأول: خصائص الخطورة الإجرامية...............................(96)
المطلب الثاني: أنواع وإثبات الخطورة الإجرامية.........................(100)
الفقرة الأولى: أنواع الخطورة الإجرامية.................................(100)
الفقرة الثانية: إثبـاتـهـا ..............................................(102)
المبحث الثاني:الضوابط المستمدة من المعايير الشخصية.................(104)
المطب الأول:الباعث والدافع.............................................(104)
المطلب الثاني: سلوك المجرم وظروف حياته...........................(108)
الفقرة الأولى: سلوك المجرم وقت ارتكاب الجريمة وبعده................(109)
الفقرة الثانية:  ظروف حياة المجرم......................................(110)
الخاتمة.................................................................( 112)
لائحة المراجع...........................................................(115)
الفهرس..................................................................(121)
 

تعليقات