القائمة الرئيسية

الصفحات

خطابات الضمان في الشريعة الإسلامية

خطابات الضمان في الشريعة الإسلامية

خطابات الضمان في الشريعة الإسلامية








خطابات الضمان في الشريعة الإسلامية
أ‌.       د. الصديق محمد الأمين الضرير- مجلة المشكاة



التعريف بخطاب الضمان(1):
خطاب الضمان هو تعهد كتابي، يتعهد البنك بمقتضاه بكفالة أحد عملائه (طالب الضمان) في حدود مبلغ معين، لدى طرف ثالث، عن التزام ملقى على عاتق العميل المكفول، وذلك ضمانًا بوفاء العميل بالتزامه تجاه الطرف الثالث، خلال مدة من الزمن معينة.
وينص عادة في الخطاب على أن يدفع البنك المبلغ المضمون عند أول طلب من الطرف الثالث، يرد خلال مدة سريان خطاب الضمان رغم معارضة العميل إن اعترض(2).
وعرف في موضع آخر من الموسوعة بأنه: (صك يتعهد بمقتضاه البنك المصدر له بأن يدفع مبلغًا لا يتجاوز حدًا معينًا لحساب طرف ثالث لغرض معين)(3).
وعرّفه البروفيسور محمد هاشم عوض بأنّه: (تعهد كتابي من قِبل البنك بأن يدفع لطرف ثالث مبلغًا معينًا يمثل التزامًا على عاتق أحد عملائه تجاه هذا الطرف، عند حلول أجل معيّن في حالة عجز العميل عن الوفاء بهذا الالتزام)(4).
وعرّفه محمد باقر الصدر بأنّه: (تعهد من البنك بقبول دفع مبلغ معيّن لدى الطلب إلى المستفيد في ذلك الخطاب، نيابة عن طالب الضمان، عند عدم قيام الطالب بالتزامات معينة قِبَل المستفيد)(5).
ويلحظ أن البروفيسور محمد هاشم عوض، ومحمد باقر الصدر نصا على أن تعهّد البنك بالدفع يكون عند عدم دفع العميل، وأضاف محمد باقر الصدر أن البنك يدفع نيابة عن العميل.
وعرّفه الدكتور علي جمال الدين عوض بأنه: (تعهد نهائي يصدر من البنك، بناءً على طلب العميل، بدفع مبلغ نقدي معيّن، أو قابل للتعيين بمجرد أن يطلب المستفيد ذلك من البنك خلال مدة محددة)(6).
ويُلحظ أن هذا التعريف أضاف كلمة "نهائي" وعبارة "أو قابل للتعيين".

ما يستفاد من التعريف:

يستفاد من تعريف خطاب الضمان:
1- أنه لا بدّ من وجود ضامن هو البنك، ومضمون هو عميل البنك، ومضمون له هو الطرف الثالث، والمبلغ المضمون.
2- أنّ خطاب الضمان يجب أن يكون مكتوبًا.
3- أنّ الضمان محدّد بمدة معلومة (مؤقت).
4- أنّ المبلغ المضمون ليس دينًا ثابتًا في ذمة المضمون عند إصدار خطاب الضمان، ولكنه قد يثبت إذا لم يفِ المضمون بالتزامه نحو المضمون له.
5- أنّ المستفيد لا يطالب البنك إلا إذا عجز المضمون عن الوفاء بالتزامه.
6- أنّ المبلغ المضمون قد لا يكون معينًا ولكنه قابل للتعيين.
صور خطابات الضمان أو أنواع خطابات الضمان:
خطابات الضمان لها صور وأنواع متعددة، تبعًا لتعدُّد الأغراض الصادرة من أجلها، والأنواع الرئيسة لخطابات الضمان اثنان، هما:
خطابات الضمان الابتدائية:
وهي تعهُّدات موجهة من البنك إلى المستفيد – هيئة حكومية وما في حكمها – لضمان دفع مبلغ من النقود من قيمة العملية التي يتنافس طالب خطاب الضمان للحصول عليها، ويستحق الدفع عند عدم قيام الطالب باتخاذ الترتيبات اللازمة عند وقوع العملية عليه.
وهذه الخطابات خاصة بالعطاءات التي تقدم للجهات الحكومية وما في حكمها، ويتراوح المبلغ ما بين 1% و2% من قيمة العطاء المقدّم.
وغالبًا ما يُحدّد المتعهدون آجال خطابات الضمان التي يطلبونها بمدد تتراوح ما بين شهر وثلاثة أشهر(7).
وفي ما يلي نموذج لخطاب ضمان ابتدائي منقول عن الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية:
خطاب ضمان ابتدائي رقم ( )
التاريخ: ..............................................................
السيد/ ...............................................................
نتعهّد أن نضمن:......................................................
بمبلغ:................................................................
قيمة:...................في المائة من العطاء المقدّم منه عن توريد ..................................... أو مقاولة أعمال ...................على أن ندفع المبلغ ............................................ عند أول طلب منها رغم أية معارضة في ذلك من قبل صاحب العطاء المذكور.
ويسري مفعول هذا الخطاب لمدة تنتهي في ............................ وعليه فأية مطالبة بقيمة هذا الضمان يجب أن تصلنا لغاية هذا التاريخ على ألأكثر، وإذا انقضى هذا التاريخ ولم تصلنا منكم أية مطالبة فإنّ تعهُّدنا ينتهي، ويصبح هذا الخطاب لاغيًا بصفة نهائية.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام..
بنك:..............................................
وهذا نموذج لخطاب ضمان صادر من بنك السودان:
بنك:..............................................
رفع:..............................................
التاريخ:...........................................
خطاب ضمان رقم:.............. بمبلغ:............
السيد/.............................................
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بموجب هذا الخطاب نضمن
في حدود مبلغ............. وذلك فيما يختص..................... هذا ونتعهد بتسديد المبلغ المذكور عند أول طلب كتابي منكم مؤكدين فشل العميل في استيفاء التزاماته نحوكم تحت شروط العطاء الخاص بهذا الضمان.
يسري مفعول هذا الضمان من تاريخ............. إلى............ وأي طلب منكم لسداد المبلغ المذكور أعلاه أو جزء منه، يجب أن يكون كتابة في أو قبل......... وهو التاريخ الذي يعتبر فيه هذا الضمان لاغيًا، ولا مفعول له ويلزم إعادته لنا.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،،،
عن بنك..........................................
ويلحظ أنّ خطاب الضمان الصادر من بنك السودان ينص على أن تعهّد البنك بتسديد المبلغ يكون عند فشل العميل في الوفاء بالتزاماته في حين أن النموذج الذي في الموسوعة سكت عن هذا.

1- خطابات الضمان النهائية:

هي تعهُّدات للجهة الحكومية ونحوها لضمان دفع مبلغ من النقود من قيمة العملية التي استقرّت على عهدة العميل، ويصبح الدفع واجبًا عند تخلف العميل عن الوفاء بالتزاماته، المنصوص عليها في العقد النهائي للعملية، بين العميل والجهة التي صدر خطاب الضمان لصالحها.
فهذه الخطابات خاصة بضامن حسن تنفيذ العقود المبرمة مع الهيئات الحكومية.
والتأمين النهائي يتراوح ما بين 5% و10% من قيمة العطاء وغالبًا ما يصدر البنك خطابات الضمان لمدد لا تتجاوز العامين(8).
فيما يلي نموذج لخطاب ضمان نهائي منقول عن الموسوعة العملية والعلمية للبنوك الإسلامية:
خطاب ضمان نهائي رقم ( )
التاريخ:................................
السيد/..................................
حيث إنّ السيد/................................قد رسا عليه توريد/مقاولة ............ فإنّا نتعهد بأن نضمن................ لغاية مبلغ بمبلغ ..........قيمة.....في المائة من قيمة العقد، وأن ندفع هذا المبلغ عند أول طلب من قبل......دون النظر إلى أية معارضة من قبل المتعهد، ويسرى مفعول هذا الخطاب لغاية....... وعليه فأية مطالبة بقيمته يجب أن تصلنا لغاية هذا التاريخ على الأكثر.
وإذا انقضى هذا التاريخ ولم يصلنا منكم أية مطالبة فإن تعهدنا ينتهي ويصبح هذا الخطاب لاغيًا بصفة نهائية.
بنك:.......................................
ويُلحظ أنّه لا فرق بين صيغة خطاب الضمان الابتدائي والنهائي إلا في الغرض الذي صدر من أجله، وأنّ كلاّ منهما تعهّد بضمان مبلغ وليس بأداء عمل.
2- خطابات ضمان لأغراض أخرى:
وبجانب هذين النوعين تصدر البنوك خطابات ضمان لأغراض أخرى مثل:
‌أ- خطابات ضمان للتمويل (عن دفعة مقدمة).
قد تدفع بعض الجهات للمقاولين مبلغًا من المال لتيسر لهم العمليات الكبيرة المسندة إليهم، ويحصل هذا قبل بدء العمل فهو شبيه بالقرض، لذا تطلب الجهة الدافعة من المقاول خطاب ضمان من البنك بقيمة المبلغ المدفوع له.
‌ب- خطابات الضمان لتغطية التزامات متعهدي توزيع المنتجات.
‌ج- خطابات ضمان لصالح مصلحة الجمارك(9).
‌د- خطابات ضمان لسحب بضائع من شركات الملاحة قبل تسلم مستندات الشحن.
هـ- خطابات ضمان للتأمينات المطلوبة لتغطية المكالمات التلفونية الزائدة ومكالمات الترنك(10).
تلك كانت أنواع خطابات الضمان من حيث الغرض منها، وتنقسم خطابات الضمان أيضًا من حيث التغطية وعدمها ثلاثة أنواع:
1- خطابات الضمان غير المغطاة.
2- خطابات الضمان المغطاة تغطية كاملة.
3- خطابات الضمان المغطاة تغطية جزئية.
تصدر بعض البنوك خطابات ضمان للمتعاملين معها من غير أن تطلب منهم دفع أي مبلغ، لاطمئنانها إلى وفائهم بالتزاماتهم وهذه هي خطابات الضمان غير المغطاة.
وتطلب بعض البنوك من عملائها دفع نسبة من مبلغ الضمان نقدًا وتأخذ على الباقي ضمانًا عينيًا أو شخصيًا، وتتوقف نسبة الغطاء على مدى ثقة البنك في العميل(11).
وفي السودان يُحدِّد البنك المركزي بالتشاور مع اتحاد المصارف السوداني الهامش النقدي الذي يحصل من العميل والمعمول به الآن هو:
10 – 15% من قيمة الضمان للعطاءات والمقاولات.
25% من قيمة الضمان – حد أدنى – بالنسبة لخطابات الضمان الأخرى المتعلقة بشراء البضائع وغيرها.
ويلزم البنك المركزي البنوك بأن تتحصل على ضمانات كافية من عملائها بالنسبة للجزء المتبقي من الضمان(12).

العمولة على خطابات الضمان:

تتقاضى البنوك علاوة على المصاريف التي تتحملها لإصدار خطابات الضمان عمولة في مقابل الضمان على النحو التالي:
عمولة خطاب الضمان الابتدائي دفعة واحدة في حدود أربع بالمائة تقريبًا.
عمولة خطاب الضمان النهائي تحسب العمولة حسب مدة الخطاب، سنة أو سنتين وهي في حدود 20% في السنة.
ويجوز للبنك تخفيض العمولة إلى النصف في حالة ما إذا كان الغطاء نقدًا، كما يجوز له تحصيل العمولة عن المدة كاملة(13).
وفي السودان يُحدّد اتحاد المصارف مقدار العمولة من وقت لآخر والمعمول به في الوقت الحالي هو:
1- تخليص البضائع قبل وصول مستندات الشحن:
أ‌- مغطى بخطاب اعتماد 1000 دينار.
ب‌- غير مغطى بخطاب اعتماد 3000 دينار(14).
التكييف الفقهي لخطاب التأمين:
خطاب الضمان ليس عقدًا جديدًا وإنّما هو عقد الضمان المعروف في الفقه الإسلامي اسمًا ومعنىً، ويتّضح هذا من الموازنة بين تعريف خطاب الضمان المعمول به في البنوك، الذي سبق بيانه وتعريف عقد الضمان في الفقه الإسلامي الذي نبيّنه فيما يلي، ثم من بيان بعض خصائص خطابات الضمان التي قد يظن أنها لا تتفق مع أحكام عقد الضمان في الفقه الإسلامي ثم دفع حجة من ذهب إلى أن خطاب الضمان عقد مستحدث مختلف عن عقد الضمان (الكفالة).
الضمان في الفقه الإسلامي:
تعريف الضمان:
أذكر فيما يلي تعريف الضمان في المذاهب الأربعة مبتدئًا بالمذاهب التي تستعمل لفظ الضمان – المذهب المالكي، الشافعي، الحنبلي، ثم المذهب الحنفي الذي يستعمل كلمة الكفالة. واللفظان مؤداهما واحد.
المذهب المالكي:
الضمان ويسمى كفالة وحمالة وزعامة(15) هو: (التزام مكلف غير سفيه دينًا على غيره، أو طلبه من عليه لمن هو له، بما يدل عليه)(16).
هذا التعريف يشمل أنواع الضمان الثلاثة عند المالكية: ضمان المال، ضمان الوجه، وضمان الطلب(17)، والذي يهمنا هنا هو ضمان المال الذي عرّفه الدردير بأنه: (التزام مكلف غير سفيه دينًا على غيره).
وأركان الضمان عند المالكية خمسة: ضامن، ومضمون، ومضمون له، ومضمون به، وصيغة.
وعرّف الشيخ خليل الضمان بأنه: (شغل ذمة أخرى بالحق)(18).
المذهب الشافعي:
عرّف الشيرازي الضمان بأنه: (إيجاب مال في الذمة بالعقد)(19).
وعرّفه الرملي بأنه: (التزام الدين والبدن والعين)(20).
والتعريفان مؤداهما واحد بالنسبة لالتزام المال غير أن الشيرازي خصص الضمان بالمال، وخصص الكفالة بالبدن، وتحدث عنها بعد حديثه عن الضمان(21)، والرملي جعل الكفالة قسمًا من الضمان، وعرّفه بما يشمل ضمان المال والبدن والعين، مخالفًا ما مشى عليه النووي في المتن في تخصيص الضمان بالمال، والكفالة بالبدن(22)، وما نقله الشيرازي عن الماوردي من أنه قال: إنّ العرف خصص الضمان بالمال والكفالة بالبدن(23). والذي يعنينا من هذا هو ضمان المال.
المذهب الحنبلي:
عرّف ابن قدامة الضمان بأنه:
(ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق)(24).
وعرّف ابن قدامة الكفالة بأنها: (التزام إحضار المكفول به).
والمكفول به قد يكون بدن من عليه دين، أو عينًا مضمونة(25)، فالحنابلة يستعملون الضمان في ضمان الحق فقط وإن كان يصح عندهم الضمان بلفظ الكفالة(26).
المذهب الحنفي:
عرّف التمرتاشي الكفالة بأنها: (ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة مطلقًا)(27).
والمراد بـ"ذمة" الأولى ذمة الكفيل وبـ"ذمة" الثانية ذمة الأصيل والمراد بـ "مطلقًا": بنفس أو بدين أو بعين(28).
وعرّفها بعضهم بأنها: (ضم ذمة إلى ذمة في الدين).
والتعريف الأول تعريف للكفالة بأنواعها الثلاثة وبأنّ الضم يكون في المطالبة في الأنواع الثلاثة، أما التعريف الثاني فهو تعريف لنوع واحد من الكفالة هو الكفالة بالمال، لأنّ الكفالة بالمال هي التي وقع فيها الخلاف بين فقهاء الحنفية هل هي الضم في المطالبة، أم الضم في الدين. أما الكفالة بالنفس والأعيان فهي في المطالبة اتفاقًا(29).
ويرى ابن عابدين أن كلا من كفالة المال وكفالة النفس تنعقد بـ "كفلت" كما تنعقد بـ"ضمنت". فإذا قال ضمنت زيدًا أو أنا كفيلٌ به يكون كفالة نفس، وإذا قال ضمنت لك ما عليه من المال، أو أنا كفيل به فهو كفالة مال(30).
يتضح من الموازنة بين تعريف خطاب الضمان وتعريف الضمان في المذاهب الأربعة؛ أن التعريفين متفقان في المعنى، وهو التزام الشخص مالاً واجبًا على غيره لشخص ثالث.
قد يقال أن هذا لا يكفي لاعتبار خطاب الضمان عقد ضمان – كفالة – وإعطائه جميع أحكام الضمان، لأنّ خطاب الضمان كما ظهر لنا من تعريفاته وصوره يشتمل على خصائص وصور قد لا تكون متفقة مع أحكام الضمان في الفقه الإسلامي، وهي:
خطاب الضمان مؤقت بمدة.
المبلغ المضمون في خطاب الضمان غير ثابت في ذمة المضمون عند العقد.
المبلغ المضمون في خطاب الضمان قد لا يكون معلومًا عند العقد.
التزام البنك بدفع المبلغ المضمون له مشروط بعدم وفاء المضمون (العميل) بالتزامه.
البنك يطالب المضمون (العميل) أحيانًا بأن يدفع له المبلغ المضمون كاملاً عند العقد.
المسألة الأولى: توقيت الضمان:
خطابات الضمان التي تصدرها البنوك كلها تصدر مؤقتة بمدة محددة ينتهي الضمان بانتهائها، كما هو واضح من تعريف خطاب الضمان، ونماذج خطابات الضمان.
فهل يجوز توقيت الضمان (الكفالة) في الفقه الإسلامي؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فالحنفية يذكرون ثلاث صور للتوقيت لكل صورة حكمها:
الأولى: كفلت لك زيدًا، أو ما على زيد، إلى شهر.
الثانية: كفلته من اليوم إلى شهر.
الثالثة: كفلته شهرًا.
ففي الصورة الأولى يكون كفيلاً في الحال أبدًا أي في الشهر وبعده. وقيل لا يكون كفيلاً في الحال، بل بعد الشهر وعلى كل فلا يطالب في الحال، وعند أبي يوسف والحسن هو كفيل في المدة فقط.
وفي الصورة الثانية هو كفيل في المدة بلا خلاف، وفي الصورة الثالثة قيل كالصورة الأولى وقيل كالثانية.
قال ابن عابدين بعد أن ذكر هذه الصور الثلاث وحكمها: (وينبغي عدم الفرق بين الصور الثلاث في زماننا كما هو قول أبي يوسف والحسن، لأن الناس اليوم لا يقصدون بذلك إلا توقيت الكفالة بالمدة، وأنه لا كفالة بعدها، وقد تقدم أن مبنى لفظ الكفالة على العرف والعادة .. ثمّ رأيتُ في الذخيرة قال: وكان القاضي الإمام الأجلّ أبو علي النّسفي يقول/ قول أبي يوسف أشبه بعرف النّاس إذا كفلوا إلى مدة يفهمون بضرب المدة أنهم يطالبون في المدة لا بعدها(31).
ومنع الشافعية توقيت الضمان واختلفوا في جواز توقيت الكفالة، والأصح عندهم المنع.
يقول الرملي: (والأصحُّ أنّه لا يجوز توقيت الكفالة – كأنا كفيل بزيد إلى شهر، وبعده أنا بريء، والثاني يجوز، لأنه قد يكون له غرض في تسليمه في هذه المدة بخلاف المال فإنّ المقصود منه الأداء، فلهذا امتنع تأقيت الضمان قطعًا(32).
وعند الحنابلة في صحة توقيت الضمان وجهان(33).
ورأي أبو يوسف الذي رجحه ابن عابدين والنّسفي هو الذي يجب العمل به في زماننا، للعلة التي رجحا العمل بها في زمانهما، ثمّ إنّ صيغة التأقيت في خطاب الضمان تتفق تمامًا مع الصورة الثانية التي يم يختلف الحنفية في جواز التأقيت بها.
والتفرقة التي ذكرها الشافعية بين توقيت الكفالة بالنفس والكفالة بالمال غير وجيهة عندي، لأن الكفيل قد يكون له غرض في أداء المال في وقت معين كما قالوا في الكفالة بالنفس.
ولا أوافق الأستاذ/ علي الخفيف فيما ذهب إليه من أن الكفالة بالمال ليس هناك ما يمنع توقيتها على الرأي القائل بأنها ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة فقط، أمّا على الرأي القائل بأنّ ذمة الكفيل تصبح مشغولة بالدين أيضًا وهورأي الجمهور، فإنّ مقتضاه عدم جواز التوقيت معللاً عدم الجواز بقوله: (ذلك لأن المعهود في الشرع أنّ الذمة إذا شغلت بالدين الصحيح وهو ما تصح فيه الكفالة، لم تبرأ إلا بأدائه أو بالمعارضة عليه، أو بإسقاط الدائن إياه، أو بهبته للمدين، أمّا إنّها تبرأ بمضي زمن محدّد فيكون مضي هذا الزمان مسقطًا للدين فلا عهد لنا به في الحقوق، لأنّها لا تسقط بمضي الزمن ولا بالتقادم شرعًا..
ومن المعلوم أنّ دين الكفالة من الديون الصحيحة القوية فإذا ثبت في الذِّمة ولو كانت ذمَّة الكفيل لم يسقط بمضي الزمن، وعلى ذلك يكون مقتضى هذا الرأي (رأي الجمهور) عدم قبول الكفالة للتوقيت حتى لا يترتب على توقيتها سقوط الدين عن الكفيل بمضي الزمن الذي أقتت به، ذلك ما نستظهره(34).
استظهار الأستاذ الخفيف يكون مقبولاً لو أنّ الدين إذا سقط عن الكفيل يسقط نهائيًا ولا يستطيع صاحبه الحصول عليه، ولكن الحاصل في حالتنا أنّ الدين يسقط عن الكفيل، ولكنه يبقى في ذمة الأصيل ويستطيع صاحبه أخذه من الأصيل، فلا تعارض بين القول بسقوط الدين عن الكفيل بمضي المدة وقاعدة عدم سقوط الدين بمضي المدة، لأن الدين لم يسقط.
المسألة الثانية: المبلغ المضمون في خطاب الضمان غير ثابت في ذمة المضمون عند العقد:
ظهر لنا من التعريف بخطاب الضمان أنّ المبلغ الذي يتعهد البنك بدفعه للمستفيد – المضمون له – غير ثابت في ذمة العميل – المضمون. ولكنه قد يثبت في المستقبل إذا أخلّ العميل بالتزامه، فهل يجوز هذا الضمان في الفقه الإسلامي؟.
نعم يجوز ضمان ما يثبت في ذمة المضمون ولو لم يكن ثابتًا في العقد في مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو أحد قولين عند الشافعي(35). يقول الدردير (وشروط الدين لزومه للمضمون في الحال، بل ولو يلزم المضمون في المال أي المستقبل كدائن فلانًا وأنا أضمنه، أو إذا ثبت لك عليه دين فأنا ضامن)(36).
ويقول ابن قدامة (ولا يشترط كون الحق معلومًا(37)، ولا واجبًا إذا كان مآله إلى الوجوب فلو قال ضمنت ما على فلانًا أو ما تداينه به صحّ)(38).
المسألة الثالثة: المبلغ المضمون في خطاب الضمان قد لا يكون معلومًا عند العقد:
رأينا في تعريف الدكتور علي جمال الدين عوض لخطاب الضمان أنّ المبلغ المضمون قد يكون معينًا، أو قابلاً للتعيين، ويشرح الدكتور علي جمال الدين هذا بقوله: (الأصل أن يحدد ضامن البنك بمبلغ معين، ومع ذلك فمن المتصور أن يصدر الخطاب بغير تحديد مبلغ، بل يتعهد فيه البنك أن يضمن عميله في كل ما يسببه تصرفه من ضرر للغير أي المستفيد .. وتعهُّد البنك على هذا النحو صحيح، لأن محله لم يكن محددًا فهو قابل للتحديد(39)، فهل يقبل الضمان في الفقه الإسلامي هذا؟.
نعم يقبله وتصح الكفالة – الضمان – ولو كان المال المضمون مجهولاً عند أكثر الفقهاء لأنها مبنية على التوسع كما يقول ابن عابدين(40)، ولأنها التزام في حق الذمة من غير معاوضة فتصح في المجهول كما يقول ابن قدامة(41)، ولأنها من إيجاب المرء المعروف على نفسه ومن أوجب المعروف على نفسه لزمه، كما يقول مالك(42)، ولأن الضمان لا ينافيه الغرر لأنه ليس معاوضة، كما يقول الشهيد الثاني(43).
يقول المرغيناني: (وأما الكفالة بالمال فجائزة معلومًا كان المال أو مجهولاً، إذا كان دينًا صحيحًا مثل أن يقول تكفلت عنه بألف، أو بما لك عليه، أو بما يدركك في هذا البيع لأن مبنى الكفالة على التوسع فيحتمل فيها الجهالة وعلى الكفالة بالدرك إجماع وكفى به حجة)(44)، ويقول الكمال: (والكفالة بالمال عندنا جائزة وإن كان المال المكفول به مجهول المقدار وبه قال مالك وأحمد والشافعي في القديم)(45).
ومذهب الحنابلة يتفق تمامًا مع ما قرره الدكتور علي جمال الدين، فقد جاء في المقنع وحاشيته (ولا يشترط كون الحق معلومًا إذا كان مآله إلى العلم)(46).
المسألة الرابعة: التزام البنك بدفع المبلغ للمستفيد مشروط بعدم وفاء المضمون (العميل) بالتزامه:
رأينا بعض التعريفات لخطاب الضمان وبعض النماذج تنص على أن البنك يتعهد بالدفع عندما يطلب المستفيد منه المبلغ مؤكدًا فشل العميل في عدم الوفاء بالتزاماته. فهل هذا مقبول في الضمان في الفقه الإسلامي؟.
نعم هو مقبول، لأنه إمّا أن يكون تعليقًا للضمان، إذا كان المراد فشل العميل في اتخاذ الترتيبات اللازمة عند رسو العملية عليه في خطاب الضمان الابتدائي، أو فشله في الوفاء بالتزاماته المنصوص عليها في العقد في خطاب الضمان النهائي، وتعليق الضمان بالشرط الملائم جائز عند الحنفية(47)، والمالكية(48). وفي أحد قولين عند الحنابلة(49)، والأصح عند الشافعية عدم الجواز، والثاني الجواز(50).
أمّا إذا كان المراد فشل العميل في دفع المبلغ المستحق عليه لعدم وفائه بالتزامه فإنه يكون مقبولاً أيضًا على الرأي المرجوع إليه عند مالك من أنه لا يجوز مطالبة الكفيل إلا عند تعذر مطالبة الأصيل(51)، وإن كان رأي الجهور أن الدائن له أن يطالب الكفيل بأداء الدين، دون أن يتقيد في ذلك بتعذر مطالبة الأصيل(52).
المسألة الخامسة: مطالبة المضمون (العميل) بدفع المبلغ المضمون كاملاً:
يطالب البنك في بعض الحالات العميل – المضمون – بدفع المبلغ المضمون عند إصدار خطاب الضمان ليدفعه للمستفيد عند طلب منه – وهذا هو خطاب الضمان المغطى.
فهل في الفقه الإسلامي حكم لهذه المسألة؟ نعم لها حكمها في المذاهب الأربعة:
وهذه خلاصة لما جاء في متن تنوير الأبصار وشرحه وحاشية ابن عابدين عليه: إذا دفع الأصيل المال إلى الكفيل على وجه القضاء بأن قال له إني لا آمن أن يأخذ منك الطالب حقه، فأنا أقضيك المال قبل أن تؤديه، فليس له أن يسترده منه، وإن لم يعطه الكفيل إلى الطالب لأنه ملكه بالاقتضاء، فالكفالة توجب دينًا للطاب على الكفيل، ودينًا للكفيل على الأصيل.
أمّا إذا دفع الأصيل المال إلى الكفيل على وجه الرسالة بأن قال المطلوب للكفيل خذ هذا المال وادفعه إلى الطالب، فإن المال المدفوع لا يكون ملكًا للكفيل، وإنّما يكون أمانة في يده، يأخذ حكم الأمانة ولكن لا يكون للمطلوب أن يسترده من الكفيل، لأنه تعلق به حق المطالب.
وفي حالة دفع الأصيل المال إلى الكفيل على وجه القضاء يجوز للكفيل التصرف فيه بالاستثمار وغيره، وله ربحه لأنه نماء ملكه وإذا هلك المال ضمنه.
أما في حالة قبل الكفيل المال على وجه الرسالة فإنه لا يجوز له التصرف فيه، وإذا هلك يهلك هلاك الأمانة، وإذا استثمره الكفيل فربح لا يطيب له الربح، وعليه أن يتصدق به لأنه غاصب.
ولو أطلق المطلوب عند الدفع للكفيل فلم يبين أنه على وجه القضاء أو الرسالة يقع عن القضاء.
هذه الأحكام خاصة فيما إذا كانت الكفالة بأمر المكفول(53)، والكفالة بالأمر هي الصورة التي تتفق مع خطاب الضمان، لأنه يكون دائمًا بالأمر.
وفصل المالكية حكم هذه المسألة أيضًا، ونورد فيما يلي ما كتبه الشيخ الدردير بنصه لوضوحه: (وليس للضامن مطالبة الغريم بتسليم المال إليه ليوصله إلى ربه وليس على الغريم دفعه له، وضمنه الضامن إن اقتضاه من الغريم ليوصله إلى ربه سواءً طلبه منه أو دفعه له الغريم بلا طلب، لكن على وجه البراءة منه، ولو تلف منه بغير تفريط أو قامت على هلاكه بينة، لأنه متعد بقبضه بغير إذن ربه – (المضمون له).
وحيث قبضه على وجه الاقتضاء بغير إذن ربه كان لربه غريمان، يطلب أيهما شاء، لا إن أرسله المدين به إلى رب الدين فضاع منه، فلا ضمان حيث لم يفرط، لأنه صار أمينًا بالإرسال، ومثل الإرسال لو دفعه له على وجه التوكيل عنه في توصيله لربه أو هو إرسال حكمًا فلا ضمان على الضامن، ولو تنازعا، فقال الغريم: قبضه مني اقتضاء، وقال الضامن بل رسالة، أو توكيلاً. فالقول للغريم وكذا لو انبهم الأمر كما لو مات الضامن أو غاب)(54).
ويقول الشيرازي الشافعي في بيان حكم هذه المسألة: (فإن دفع المضمون عنه مالاً إلى الضامن، وقال خذ هذا بدلاً عمّا يجب لك بالقضاء ففيه وجهان:
أحدهما: يملكه، لأن الرجوع يتعلق بسببين الضمان والغرم، وقد وجد أحدهما، فجاز تقديمه على الآخر، كإخراج الزكاة قبل الحول وإخراج الكفارة قبل الحنث، فإن قضى عنه الدين استقرّ ملكه على ما قبض وإن أبرئ من الدين قبل القضاء وجب ردّ ما أخذه، كما يجب ردّ ما عجل من الزكاة، إذا هلك النصاب قبل الحول.
والثاني: لا يملكه لأنه أخذه بدلاً عمّا يجب في الثاني فلا يملكه كما لو دفع إليه شيئًا عن بيع لم يعقده، فعلى هذا يجب رده فإن هلك ضمنه، لأنه قبضه على وجه البدل فضمنه كالمقبوض بسوم البيع(55).
ويقول ابن قدامة مبيّنًا مذهب الحنابلة في المسألة: (إذا ضمن عن رجل بإذنه فطولب الضامن فله مطالبة المضمون عنه بتخليصه، لأنه لزمه الأداء عنه بأمره، فكانت له المطالبة بتبرئة ذمته، وإن لم يطالب الضامن لم يكن مطالبة المضمون عنه، لأنه لما لم يكن له الرجوع بالدين قبل غرامته، لم يكن له المطالبة به قبل طلبه منه، وفيه وجه آخر: أن له المطالبة لأنه شغل ذمته بإذنه فكانت له المطالبة بتفريغها ... والأول أولى(56).
يتضح من هذه النصوص أن أخذ البنوك الغطاء في خطابات الضمان له أصل في الفقه الإسلامي، والذي ظهر لي من هذه النصوص أنه لا خلاف بين الفقهاء في جواز الغطاء إذا كان باتفاق الطرفين الضامن والمضمون، عند العقد، وهذا هو الحاصل في إصدار البنوك لخطابات الضمان.
والخلاف الحاصل بين الفقهاء هو مطالبة الضامن المضمون بالمبلغ المضمون – الغطاء – بعد العقد، وإلزام المضمون بدفعه، فقد منعه أكثرهم وأجازه الحنابلة في وجه، والمنع أولى عندي، وهذا لا يحدث في معاملة البنوك.
ويتضح أيضًا من هذه النصوص أن المضمون إذا دفع المال المضمون – الغطاء – إلى الضامن إما أن يدفعه له على وجه القضاء، أو يدفعه على وجه الرسالة، أو التوكيل، فإن دفعه على وجه القضاء ملكه الضامن عند الحنفية، وليس للمضمون أن يسترده منه، ويجوز للضامن أن يتصرف فيه بالاستثمار وغيره، وله ربحه، وإذا هلك المال ضمنه، أما إذا دفع المضمون المال للضامن على وجه الرسالة، أو الوكالة، فإن المال يكون أمانة في يد الضامن، ولكن ليس للمضمون أن يسترده من الضامن لأنه تعلّق به حتى المضمون له، ولا يجوز للضامن التصرف فيه، وإذا هلك يهلك هلاك الأمانة، وإذا استثمره فربح لا يطيب له الربح.
والذي ينبغي أن يحمل عليه دفع العميل الغطاء للبنك في حالة إصدار خطاب الضمان، هو الدفع على وجهة القضاء، لأن البنوك تستثمر الغطاءات، وتربح منها، فلو حملنا الدفع على الرسالة، أو الوكالة، ما جاز لها التصرف في الغطاء.
وهذا الحكم يكشف لنا عن أمر هام بالنسبة لتكييف خطاب الضمان وأنه كفالة (ضمان) فقط في حالة الخطاب المغطى، والخطاب غير المغطى، وهذا التكييف مخالف لما تقرر في كثير من الفتاوى والمؤتمرات السابقة(57)، من أنّ خطاب الضمان المغطى هو كفالة ووكالة معًا، كفالة بالنسبة لعلاقة البنك مع المستفيد ووكالة بالنسبة لعلاقة البنك مع العميل.
هذا ويكن الأخذ بهذا التكييف إذا كان البنك يأخذ الغطاء على وجه الوكالة شريطة أن يتقيد بأحكام الوكالة، ومنها عدم التصرف في الغطاء إلا فيما أخذ منه أجله، وهذا يمنع البنك من استثماره، الأمر الذي لا يرغب فيه البنك، ولهذا ترجح عندي تكييف خطاب الضمان المغطى وغير المغطى على أنه كفالة فقط – ضمان اسمًا ومعنى – كما ذكرت في أول حديثي عن التكييف.
دفع حجة المخالف في اعتبار خطاب الضمان كفالة:
ومع هذا الوضوح في تكييف خطاب الضمان على أنه كفالة فقد وجدنا من ينازع في هذه الحقيقة، وينفي أن يكون خطاب الضمان كفالة بمفهومها الفقهي محتجًا بالآتي:
1- الكفالة عقد تابع، والتزام ملحق بالأصل، وأما خطاب الضمان المصرفي فإنه عقد مستقل، والتزام البنك فيه منفصل عن التزام طالب الخطاب.
2- الكفالة عقد قائم على التبرع ابتداءً والمعاوضة انتهاءً. إذا كانت بناء على طلب المكفول، وهذا بخلاف الحال في خطاب الضمان حيث أنّ نية التبرع ليست قائمة لا في الحال ولا في المآل.
3- الكفالة تعطي الكفيل حق الخيار في أن يقوم بعمل المكفول أو بدفع المبلغ المطلوب وهذا بخلاف الحال في خطاب الضمان المصرفي، حيث لا يملك البنك مثل هذا الخيار.
ويذهب صاحب هذا الرأي على أن الضمان أقرب للوكالة بأداء مبلغ معيّن من النقود عند تحقيق شرط المطالبة(58).
الحجة الأولى: يذكرها رجال القانون في التفرقة بين خطاب الضمان والكفالة القانونية، ولا تصلح للتفرقة بين خطاب الضمان والكفالة الفقهية، لأن رجال القانون يذكرون هذه التفرقة لتفادي بعض الإجراءات الواجب إتباعها في الكفالة بتنظيمها المدني(59).
ثم إنّ القول بأن "التزام البنك منفصل عن التزام طلب الخطاب" يتعارض مع تعريفات خطاب الضمان، والنماذج التي أوردتها في أول بحثي، تعارضًا واضحًا، وإصدار خطاب ضمان مستقل غير متصور عقلاً.
الحجة الثانية: تفرق بين خطاب الضمان والكفالة بأن نية المتبرع غير قائمة في خطاب الضمان، والرد عليها هو أن نية التبرع ليست شرطًا لاعتبار العقد عقد تبرع، إذا كانت الصيغة صيغة عقد تبرع فمن قال وهبت كذا فقد تبرع بالموهوب، ولا يسأل عن نيته، وكذلك من قال تكفلت لك بكذا، أو ضمنت لك كذا فقد تبرع بالكفالة ولا يُسأل عن نيته.
الحجة الثالثة: غير مسلّم بها فالكفالة لا تعطي الكفيل حق الخيار في أن يقوم بعمل المكفول، أو يدفع المبلغ المطلوب، وإنما تلزمه بدفع المبلغ الذي تكفّل بدفعه، وهذا هو ما يلتزم به البنك في خطاب الضمان، فالبنك يتعهد في خطاب الضمان بدفع مبلغ، وليس بأداء عمل.
وبهذا نكون قد انتهينا من بيان تكييف خطاب الضمان، وننتقل بعد هذا إلى بيان حكم إصدار خطابات الضمان، ثم أخذ العمولة على إصدار خطاب الضمان.
حكم إصدار خطابات الضمان:
خطابات الضمان بجميع أنواعها وصورها يجوز إصدارها؛ لأنها إمّا أن تكون كفالة أو وكالة، وبما أن كلاّ من الكفالة والوكالة مشروع، فإن إصدار خطابات الضمان تكون مشروعة وصحيحة، ما لم يصاحبها ما يفسدها، كأن يكون محل العقد محظورًا شرعًا، أو يكون إصدارها مقابل أجر على الضمان كما سنرى.
وخطابات الضمان كلها لازمة بالنسبة للبنك لا فرق في هذا بين خطابات الضمان الابتدائية وخطابات الضمان النهائية، وما ذهب إليه بعض الباحثين في هذا الموضوع من أن خطاب الضمان النهائي يجوز إصداره ويكون ملزمًا بموجب الشرط الذي في العقد بين المستفيد والمقاول، أما خطاب الضمان الابتدائي فيجوز للبنك إصداره والوفاء به، ولكنه غير ملزم له، لأن طالب الضمان الابتدائي لم يرتبط بعد بعقد مع الجهة التي تجري المناقصة ليمكن إلزامه بشرط في ذلك العقد(60).. غير مقبول عندي للآتي:
صحيح أنّ طالب الضمان الابتدائي مقدّم العطاء لا يكون قد ارتبط بعقد مع الجهة التي تجري المناقصة عندما يطلب خطاب الضمان من البنك، ولكنه يطلب ضمانًا من البنك معلقًا على ارتباطه بالعقد برسو المناقصة عليه، ويصدر له البنك خطاب الضمان على هذا الاعتبار، والضمان يجوز تعليقه بالشرط الملائم، وهذا شرط ملائم، فإذا رست المناقصة على طالب الضمان وأخل بالتزامه، فإن البنك يكون ملزمًا بما التزم به.
هذا حكم إصدار خطاب الضمان بالنسبة لجواز إصداره وعدم جوازه، وبالنسبة لصحته ولزومه، ويبقى علينا بيان حكم م إصدار خطاب الضمان بالنسبة لطلب الشارع له أو نهيه عنه:
حكم إصدار خطاب الضمان بهذا الاعتبار هو حكم الضمان، وقد ذكر الرملي أنه سنة في حق قادر عليه آمن من غائلته(61)، والأولى عندي أن يكون حكمه كحكم القرض، وقد اتفق الفقهاء على أن الأصل في القرض الندب فيكون الضمان مثله، لأن كلا منهما من فعل الخير، ولأن في الضمان معنى القرض، وقد يؤول إلى قرض، هذا بالنسبة للضامن – البنك – أمّا بالنسبة للمضمون – العميل – فالأصل فيه الإباحة، وقد يعرض للضمان ما يجعله واجبًا على الضامن كما إذا كان طالب الضمان مضطرًا، وقد يعرض له ما يجعله حرامًا على الضامن والمضمون، إذا اشتمل على محرم، وقد يكون مكروهًا إذا اشتمل على مكروه.
حكم أخذ العمولة على إصدار خطابات الضمان – الجعل على الضمان:
انتهينا في الكلام عن تكييف خطاب الضمان إلى أنه هو الضمان (الكفالة) المعروفة في الفقه الإسلامي، وعلى هذا يكون حكم أخذ العمولة على إصداره هو حكم الجعل على الضمان في الفقه الإسلامي.
الجعل على الضمان:
لا يجوز في الفقه الإسلامي أخذ جعل على الضمان (الكفالة)، قال البغدادي: (ولو كفل بمال على أن يجعل الطالب له جعلاً، فإن لم يكن مشروطًا في الكفالة فالشرط باطل، وإن كان مشروطًا في الكفالة فالكفالة باطلة)(62).
وعلل ابن عابدين بأن (الكفيل مقرض في حق المطلوب وإذا شرط له الجعل مع ضمان المثل فقد شرط له الزيادة على ما أقرضه فهو باطل لأنه ربا)(63).
وقال الحطاب: (ولا خلاف في منع ضمان بجعل، لأن الشرع جعل الضمان والقرض والجاه لا يفعل إلا لله بغير عوض، فأخذ العوض عليه سحت)(64).
وعلل الدردير المنع بأن: (الغريم إن أدى الدين لربه كان الجعل باطلاً، فهو من أكل أموال الناس بالباطل، وإن أتاه الحميل لربه، ثم رجع به على الغريم كان من السلف بزيادة فتفسد الحمالة، ويرد الجعل لربه)(65).
وأضاف البناني علة أخرى هي: (إن ذلك من بياعات الغرر، لأن من أخذ عشر على أن يتحمل بمائة لا يدري هل يفلس من حمل عنه، أو يغيب فيخسر مائة ولم يأخذ إلاّ عشرة، أو يسلم من الغرامة فيأخذ العشرة)(66).
وجاء في حاشية الرهوني: (وأجمعوا على أن الحمالة بجعل يأخذه الحميل لا يحل ولا يجوز)(67).
ويقول ابن قدامة: (ولو قال أكفل عني ولك ألف لم يجوز، وذلك لأن الكفيل يلزمه الدين، فإذا أداه وجب له على المكفول عنه فصار كالغرض، فإذا أخذ عوضًا صار الغرض جارّاً للمنفعة فلم يجز)(68).
حكم العمولة في خطاب الضمان:
يتّضح مما نقلته من أقوال الفقهاء أن العمولة التي تأخذها البنوك على خطابات الضمان لا تجوز، لأنها تؤخذ نظير الضمان، إمّا كلها إذا كان البنك يأخذ مصروفات زيادة على العمولة، وإمّا أكثرها إذا كانت المصروفات داخلة في العمولة.
والتعليل الذي ذكره الفقهاء لمنع الجعل على الضمان ينطبق انطباقًا كاملاً على العمولة في خطاب الضمان غير المغطى، لأنه هو الذي يقابل الضمان عند الإطلاق إذ الأصل في الضمان الفقهي ألا يدفع فيه المضمون مالاً للضامن، وينطبق أيضًا على خطاب الضمان المغطى جزئيًا.
أمّا خطاب الضمان المغطى تغطية كلية سواءً اعتبرناه كفالة فقط، أم اعتبرناه كفالة ووكالة، فإنّه لا تتحقق فيه علّة الربا، ولا علة الغرر، لأن البنك لن يدفع مالاً من عنده، ولكن تتحقق فيه علة أكل المال بالباطل، إذا كانت العمولة نظير الضمان، سواءً اعتبرناه كفالة أم اعتبرناه كفالة ووكالة، أما إذا كانت العمولة نظير الوكالة وحدها وعلى قدرها، في حالة اعتباره كفالة ووكالة فلا مانع منها شرعًا لأنه ليس فيها أكل للمال بالباطل.
الرد على حجج المجوِّزين لأخذ العمولة على خطابات الضمان (الجعل على الضمان):
يرى بعض الباحثين جواز أخذ العمولة على خطابات الضمان، مع اعترافهم بأنها كفالة (ضمان) لأنهم لا يرون مانعًا شرعيًا من أخذ الجعل على الضمان، محتجين بالآتي:
1- الضمان عمل محترم فيجوز أخذ الأجر عليه.
2- قياس الضمان على الجاه، فكما جاز أخذ الأجر على الجاه يجوز أخذ الأجر على الضمان.
3- قياس الضمان على بعض الأعمال التي منع الفقهاء أخذ الأجر عليها ثم أجازوه.
الحجة الأولى: الضمان عمل محترم:
يرى بعض المجوِّزين لأخذ الأجر على مجرد الضمان أنه عمل محترم أو خدمة محترمة ومقومة شرعًا، فيجوز أخذ الأخر عليها(69).
ونقول لهم نعم الضمان أو الكفالة عمل محترم، يثاب فاعله إن شاء الله، ولكن ليس كل عمل محترم يجوز أخذ الأجر عليه، فالإقراض عمل محترم ولا يجوز أخذ الأجر عليه، فكيف يجوز أخذ الأجر على الإقراض المتوقع المستتر في الضمان.
يقول الأستاذ/ مصطفى الزرقا في هذا المعني ما خلاصته: (قضيت في الماضي زمنًا طويلاً متحيرًا في اتفاق الفقهاء على تحريم أخذ الأجر على الكفالة، ولكن بعد تفكير طويل جاءتني فكرة كشفت لي حكمة النصوص الفقهية بالتحريم، ذلك أني قلت إذا جاز أخذ الأجر على الكفالة فإن تحريم الربا يفقد حجيته، فلا يبقى مجال أبدًا لتعليل حكمة الربا، لأننا نحرم على المقرض أن يأخذ فائدة لأنها ربا محرّم فكيف إذن نبرر ذلك إذا قبلنا أن الكفيل لمجرد تعرضه لأن يؤدي عن الكفيل مالاً في المستقبل وقد لا يؤدي يسوغ له أخذ الأجر(70).
الحجة الثانية: قياس الضمان على الجاه:
يرى بعض المجوزين لأخذ الأجر على الضمان أنه يقاس على أخذ الأجر على الجاه الذي جوّزه عددٌ من الفقهاء (والجاه شقيق الضمان، وحيث يجوِّز بعض الفقهاء الأجر للجاه نظرًا لتطور الحياة فلا بأس من تجويز الأجر مقابل الضمان في إصدار خطابات الضمان)(72).
وهذا قياس مع الفارق فالجاه ليس شقيق الضمان في شيء لأن الضمان فيه شغل ذمّة بدين، والجاه ليس كذلك، والضمان قد يغرم فيه الضامن، والجاه ليس كذلك، والضمان أقرب إلى القرض من إلى الجاه. والجامع بين هذه الثلاثة هو أنها من أعمال البر التي لا يجوز أحد الأجر عليها كما جاء في الأثر ثلاثة لا تكون إلا لله، القرض والجاه، والضمان.
ثمّ إنّ كل النصوص التي أوردها أصحاب هذا الرأي ليس فيها ما يفيد جواز أخذ الأجر على الجاه، وإنما فيها ما يفيد أخذ الأجر على العمل الذي يقوم به ذو الجاه، وعلى قدر العمل فقط.
والذين منعوا البنوك من أخذ العمولة على الضمان لم يمنعوها من أخذها على ما تقدم به من عمل، وما تتكبده من مصاريف في سبيل إصدار خطاب الضمان، وإنّما منعوها من أخذ عمولة على مجرد الضمان كما منعت النصوص التي أوردها المعارضون أخذ الأجر على مجرد الجاه.
ثمّ إنه لا يلزم من جواز أخذ الأجر على الجاه – على فرض وجود من يقول به – جواز أخذ الأجر على الضمان للفارق الذي ذكرته بينهما، ولأن العلة التي منعت أخذ الأجر على الضمان وهي السلف بزيادة والغرر غير موجودة في الجاه، بل غير متصورة، لأن ذا الجاه لا يدفع مالاً.
الحجة الثالثة: قياس الضمان على بعض الأعمال التي منع الفقهاء أخذ الأجر عليها ثم أجازوه:
يرى بعض المجوِّزين لأخذ الأجر على الضمان قياسه على أخذ الأجر على بعض الأعمال التي أفتى المتقدمون من فقهاء بعض المذاهب بعدم جواز أخذ الأجر عليها، مثل تحفيظ القرآن، ثمّ أفتى المتأخرون من فقهاء هذه المذاهب بجواز أخذ الأجر عليها(73).
وهذا أيضًا قياس مع الفارق الكبير، فكل الأمثلة التي ذكرها هؤلاء القائسون يؤدي فيها الإنسان عملاً، قد يشغل كل وقته، وليس في الضمان المجرد أي عمل سوى قول الضامن (ضمنت).
ثمّ إنّ العلة التي من أجلها منع الفقهاء أخذ الأجر على الضامن وهي السلف بزيادة والغرر غير متصورة في أخذ الأجر على هذه الأعمال.
وأودُّ أن أنبه إلى أن هذا القياس انبنى على فهم خاطئ أو تصور غير سليم من أصحابه لآراء الفقهاء في حكم أخذ الأجر على تحفيظ القرآن، لأن الذي يقرأ أقوال هؤلاء الباحثين يفهم منها أن المتقدمين من الفقهاء منعوا أخذ الأجر على تحفيظ القرآن، وجاء المتأخرون فأجازوه للعلل التي ذكروها، والحقيقة خلاف هذا لأن أخذ الأجر على تحفيظ القرآن أجازه جمهور المتقدمين من الفقهاء منهم فقهاء المالكية، والشافعية، والإمام أحمد في رواية عنه اعتمادًا على أحاديث صحت عندهم، وأجازه (المتأخرون من مشايخ الحنفية وهم البلخيون) مخالفين ما ذهب إليه الإمام وصاحباه، وقد اتفقت كلمتهم جميعًأ في الشروح والفتاوى على التعليل بالضرورة وهي خشية ضياع القرآن(74).
فكيف يصح قيام أخذ الأجر على الضمان، الذي اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على منعه، على أخذ الأجر على تحفيظ القرآن الذي اتفق جمهور الفقهاء على جوازه.
هذا وقد حاول بعض المجوّزين لأخذ الأجر على الضمان نفي شبهة كون أخذ الأجر سلفًا جر نفعًا فجاء بما لا غناء فيه، قال صاحب هذا الرأي:
علل ابن عابدين في عبارته السابقة ضمن فتوى بنك فيصل – عدم جواز الأجر على الضمان بأن الضامن مقرض للمضمون، فإذا شرط له الجعل مع ضمان المثل، فقد شرط له زيادة على ما أقرضه، وهو ربا، ونقول ردًا على ذلك إنّ الضمان ليس بقرض، ولا أحسب أن أحدًا عدّ الضمان وجهًا من وجوه القرض(75).
ونقول له إنّ الضمان قرض وقد عدّ الضمان وجهًا من وجوه القرض عدد من الفقهاء منهم ابن عابدين الذي نقلت أنت عبارته قبل سطر من قولك (ولا أحسب أحدًا)، ومنهم الدردير وابن قدامة في عبارات صريحة تقدّم ذكرها(76)، وأضيف هنا قول السمرقندي: (الكفالة في حق المكفول عنه استقراض وهو طلب القرض، والكفيل بالأداء مقرض للمكفول عنه ونائب عنه في الأداء إلى المكفول له)(77).
وأضيف أيضًا ما أفادنا به الشيخ عبد اللطيف جناحي من التغيير الذي حدث في شكل إظهار ميزانيات البنوك الأمريكية منذ 1982م بالنسبة لخطابات الضمان ومن أن نسبة العمولة يحسبها البنك بأسس وقواعد ربوية(78)، مما يدل على أن البنك يعتبر نفسه مقرضًا، ويؤيد هذا ما ذكرنا في التعريف بخطابات الضمان من أن البنوك تخفض العمولة إلى النصف في حالة خطاب الضمان المغطى(79).
ويقول صاحب هذا الرأي في نفي كون الضمان قرضًا: (القرض بالمقابل لا ينعقد مضافًا إلى زمن ولا معلقًا على شرط كما هو الشأن في الضمان)(80).
ونقول له: ما ذكرته هو رأي الحنفية والشافعية، وأجاز مالك تعليق التبرعات(81)، وأجاز ابن تيمية تعليق جميع العقود بالشروط، إذا كان في ذلك منفعة للناس، ولم يكن متضمنًا ما نهى الله عنه ورسوله، وذكر ابن تيمية عن الإمام أحمد جواز تعليق البيع بشرط، وقال إنه لم يجد عنه ولا عن قدماء أصحابه نصًا يخالف ذلك، وإنّ عدم جواز التعليق ذكره المتأخرون من أصحاب أحمد، كما ذكر ذلك المتأخرون من أصحاب الشافعي(82).
والعمل برأي المالكية وابن تيمية أولى عندي لأن الحاجة تدعو إلى تعليق القرض فلا فرق إذن بين القرض والضمان في جواز التعليق.
ويقول أيضًا صاحب هذا الرأي في نفي كون الضمان قرضًا: (وفي الختام نقول إنّ عقد الضمان عقد استيثاق وليس عقد قرض، فإنّه وإن شابه القرض في وجهٍ فقد خالفه في وجوه كثيرة(83)، ولم يذكر وجهًا من هذه الوجوه سوى الوجهين السابقين.
ونقول له: إن الضمان عقد استيثاق وعقد قرض معًا، عقد استيثاق بالنسبة لعلاقة المضمون له مع الضامن (فالكفالة) كما يقول ابن عابدين، توجب دينًا للطالب على الكفيل، وهذا هو الاستيثاق، وتوجب دينًا للكفيل على الأصيل وهذا هو القرض.
البديل لأخذ العمولة على خطابات الضمان:
انتهينا إلى أن أخذ الأجر على خطابات الضمان ربا، أو فيه شبهة الربا على الأقل، فالواجب إذن على البنوك الإسلامية تركه وإصدار خطابات الضمان بأحدى الطرق التالية:
الطريقة الأولى:
إصدار خطابات الضمان بتغطية كاملة نقدًا للقادرين على الدفع من العملاء أو بتجنيب المبلغ من حسابهم الجاري، والمفروض في العملاء الذين يطلبون خطابات ضمان ابتدائية، أو نهائية، أن يكونوا قادرين، وهذه هي أكثر حالات إصدار خطابات الضمان، ولا مصلحة للمجتمع ولا للبنك في إصدار مثل هذا النوع من خطابات الضمان لعملاء لا يملكون المبلغ المطلوب منهم.
وهذه الطريقة معمول بها فعلاً في بعض البنوك ومدونة في الكتب التي تتحدث عن خطابات الضمان في البنوك.
يقول الدكتور على جمال الدين عوض في حديثه عن غطاء الضمان: المقصود بذلك الضمانات التي يقتضيها البنك من العميل – عند الاتفاق بينهما على عقد فتح الاعتماد بالضمان – لكي يغطي بها موقفه فيما لو اضطر البنك إلى تنفيذ تعهده ودفع قيمة الخطاب إلى المستفيد ولهذه الضمانات صور متعددة فالغالب أن يكون للعميل حساب جار في البنك فيجنب البنك – بموافقة العميل – مبلغًا منه مساويًا لقيمة خطاب الضمان يفرج عنه عندما يتحرر البنك من التزامه الناشئ من خطاب الضمان(84).
وقد أورد الدكتور على جمال الدين الاعتراض التالي على هذه الطريقة وأجاب عنه في قوله: (قد يتصور أن احتباس البنك مبلغًا مساويًا لقيمة الخطاب تساوي في الواقع تقديم الضمان المطلوب إلى الحكومة نقدًا، ولكن الواقع أن المتعهد أو المقاول يفضل إيداع المبلغ لدى البنك لأنه يسترده فورًا بمجرد انتهاء ضمان البنك، أما إذا كان المبلغ المقدم للحكومة فمن الصعب استرداده بسرعة حتى ولو نفذ المشروع أحسن تنفيذ(85).
والأفضل في هذه الحالة أن يكون دفع العميل المبلغ للبنك على سبيل الاقتضاء لكي يحل للبنك التصرف فيه، وأخذ ربحه إن استثمره فربح(86).
الطريقة الثانية:
إصدار خطابات الضمان لمن لديهم ودائع استثمارية في البنك المصدر للخطابات أو في غيره على أن يعطى طالب خطاب الضمان توكيلاً للبنك بسحب المبلغ من وديعته، ودفعه للمستفيد، إذا طلبه منه في حالة فشله في الوفاء بالتزامه، وينبغي أن تكون الوديعة قابلة للسحب في أي وقت أو في الوقت الذي يحتمل أن يطالب فيها البنك بالمبلغ.
وهذه الطريقة أفضل من الطريقة الأولى بالنسبة للعميل، لأنها لا تخرج ماله من ملكه، وتحتفظ له به مستثمرًا، وإن كانت تمنعه من سحبه ومن التصرف فيه بأي تصرف يخرجه من ملكه، قبل وفائه بالتزاماته نحو المستفيد، وانتهاء خطاب الضمان؛ لأن الوكالة هنا تكون لازمة بالنسبة للموكل لتعليق حق الغير بها.
والطريقة الأولى أفضل للبنك من هذه الطريقة. لأنه يستفيد فيها بالتصرف في المبلغ، وفي كل خير للبنك لأنها تجعله في مأمن من الغرامة وخير للعميل لأنها تمكنه من قضاء حاجته.
الطريقة الثالثة:
إصدار خطابات الضمان مغطاة برهن عقاري، أو بضائع أو أوراق مالية، أو غيرها، أو ضمان شخصي.
وهذه الطريقة معمول بها في البنوك، وإن كانت لا تؤمن البنك تأمينًا كافيًا فقد يضطر فيها إلى دفع المبلغ من عنده في كثير من الحالات قبل استرداده من الضمان الذي أخذه.
الطريقة الرابعة:
إصدار خطابات الضمان بغير غطاء، إذا أمن البنك طالب الخطاب ووثق في أنه يفي بالتزاماته، وهذا هو الأصل في الضمان في الفقه الإسلامي، ولكن بما أن البنوك تتصرف في أموال المستثمرين، فالواجب عليهما أن تحتاط وتتثبت في إصدار هذا النوع من الخطابات.
الطريقة الخامسة:
اشتراك البنك مع طالب خطاب الضمان في العملية إذا كانت قابلة للمشاركة، ويصدر البنك خطاب الضمان في هذه الحالة باعتباره شريكًا (أصيلاً) لا ضامنًا.
هذه ويجوز للبنك في هذه الحالات الخمس أن يأخذ مبلغًا مساويًا للمصاريف الفعلية والمصاريف الإدارية لإصدار خطابات الضمان، مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل(87).
وفي الحالات الأربع الأولى يأخذ البنك المبلغ من العميل لنفسه، وفي الحالة الخامسة يحمل المبلغ للمشاركة.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
----------
(1) هذا تعريف بخطاب الضمان الذي تمارسه البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية أيضًا.
(2) الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، الجزء الخامس – المجلد الأول 1402هـ - 1983م، ص 464.
(3) المصدر السابق ص 484، وموقف الشرعة من المصارف الإسلامية المعاصرة، 361، الدكتور عبد الله عبد الرحيم العبادي.
(4) دليل العمل في البنوك الإسلامية، ص 63.
(5) البنك اللاربوي في الإسلام، ص 128.
(6) عمليات البنوك من الموجهة القانونية، 357.
(7) البنك اللاربوي في الإسلام 178. ومجلة البنوك الإسلامية 31، نقلاً عن الموسوعة مصدر سابق.
(8) المصدر السابق، والأعمال المصرفية والإسلام، 226 للدكتور مصطفى عبد الله الهمشري.
(9) مجلة البنوك الإسلامية، ص 33.
(10) الأعمال المصرفية والإسلام، ص 226.
(11) الموسوعة العملية والعلمية 5/465، والأعمال المصرفية والإسلام 225، وموقف الشرعية من المصارف الإسلامية المعاصرة ص 313، ومجلة البنوك الإسلامية، ص 34 العدد 54.
(12) منشور الإدارة العامة للرقابة على المصارف والمؤسسات المالية رقم (35/93).
(13) الموسوعة العملية والعلمية 465، والأعمال المصرفية والإسلام، 227، وموقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة، ص 311.
(14) تعريفة الخدمات المصرفية 1999م.
(15) الشرح الصغير على أقر المسالك مع حاشية الصاوي 3/429.
(16) أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك 3/429 – 431.
(17) الشرح الصغير، 3/430.
(18) مختصر خليل، 209.
(19) المهذب، 1/339.
(20) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 4/418.
(21) المهذب، 1/339، و 341.
(22) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، 4/418 و431.
(23) نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي 4/418. الشافعي يستعمل الضمان والكفالة والحمالة في المال، ويستعمل الكفالة في النفس، الأم 2/204 و 205.
(24) المقنع، 2/112.
(25) المصدر السابق، 3/118.
(26) المصدر السابق، 2/112.
(27) تنوير الأبصار مع حاشية ابن عابدين 4/246.
(28) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين 4/346.
(29) المصدر السابق 3/118.
(30) حاشية ابن عابدين 4/250 و251.
(31) خاشية ابن عابدين، 4/353.
(32) نهاية المحتاج، 4/441.
(33) المغني والشرح الكبير، 5/101.
(34) الضمان في الفقه الإسلامي، ص 25.
(35) الضمان في الفقه الإسلامي، ص 67.
(36) الشرح الصغير على أقر المسالك، 3/431.
(37) قال في الحاشية يعني إذا كان مآله إلى العلم.
(38) المقنع، 2/113؟
(39) عمليات البنوك من الوجهة القانونية، 262.
(40) حاشية ابن عابدين، 4/364.
(41) المغني، 4/536، وانظر ما نقله عن المقنع في ص 18.
(42) المنتقى، 6/83.
(43) الروضة البهية، 1/363، وانظر كتاب الغرر وأثره في العقود، ص 555.
(44) الهداية مع فتح القدير، 5/402.
(45) فتح القدير، 2/113.
(46) المقنع، 3/133.
(47) ابن عابدين، 4/369.
(48) الشرح الصغير على أقرب المسالك، 3/432.
(49) المغني، 4/441.
(50) نهاية المحتاج، 4/441.
(51) الشرح الصغير على أقرب المسالك، 3/438.
(52) الضمان في الفقه الإسلامي، 102.
(53) حاشية ابن عابدين، 4/385، 386.
(54) الشرح الصغير على أقرب المسالك، 3/440، وانظر أيضًا المدونة الكبرى، 13/132.
(55) المهذب، 1/341.
(56) المغني مع الشرح الكبير، 5/108.
(57) من هذه الفتاوى فتوى هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي السـوداني، التي أتشرف برئاستها قبل خمسة عشر عامًا. انظر فتاوى هيئة الرقابة الشرعية صفحة 65، ومنها القرار رقـم (5) الصادر من مجلس مجمع الفقه الإسلامي سنة 1406هـ - 1985م، انظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدورة صفحة 1209.
(58) مجلة مجمع الفقه اإسلامي الدورة الثانية، 1407هـ - 1986م، صفحة 1159.
(59) انظر عمليات البنوك من الوجهة القانونية، 358 ، 370.
(60) البنك اللاربوي فـي الإسـلام، ص 130 – 131. ومجلة مجمع الفـقه الإسـلامي الـدورة الثانية، ص 1112.
(61) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، 4/419.
(62) مجمع الضمانات، 282.
(63) منحة الخالق على البحر الراتق، 6/242.
(64) مواهب الجليل بشرح مختصر خليل 4/242.
(65) الشرح الصغير على أقرب المسالك 3/442. وقال الصاوي : (إنما فسدت بالجعل للضامن لقوله في الحديث: "ثلاثة لا تكون إلا لله الغرض ، الضمان ، الجاه، ولم أقف على هذا الحديث.
(66) حاشية البناني على شرح الزرقاني، 6/32.
(67) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني، 6/25.
(68) المغني مع الشرح الكبير ، 4/265.
(70) البنك اللاربوي (13)، ومجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الثاني، صفحة 143 – 145، د. أحمد علي عبد الله. وصفحة 1111 الشيح محمد على التسخيري.
(71) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثاني، ص 1186.
(72) الأعمال المصرفية والإسلام، ص 118 – 221، 228. وموقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة، 219.
(73) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الثانية صفحة 1103، بحث زكريا البري، وصفحة 1118، بحث الدكتور رفيق المصري، وصفحة 1129 بحث الدكتور أحمد علي عبد الله، وصفحة 1158 البحث المقدم لندوة البركة الثالثة.
(74) نيل الأوطار، 5/314، 306، وحاشية ابن عابدين 5/46، والصاوي على الشرح الصغير، 2/16، و4/34، والمهذب، 1/398، والمقنع، 2/201.
(75) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثاني، صفحة 1138، بحث الدكتور أحمد علي عبد الله.
(76) انظر صفحة 29.
(77) تحفة الفقهاء 3/402.
(78) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، 1185.
(79) أنظر تعريف خطابات الضمان في أول البحث.
(80) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثاني صفحة 1128، بحث الدكتور أحمد على عبد الله.
(81) أحكام المعاملات الشرعية، 269 ط بنك البركة الإسلامي.
(82) نظرية العقد 227، وانظر كتاب الغرر وأثره في العقود، 140.
(83) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، 1138.
(84) عمليات البنوك من الوجهة القانونية، 373.
(85) المصدر السابق، 259.
(86) راجع ما تقدم في هذه المسألة، 20 – 23.
(87) انظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثاني ، قرار مجمع الفقه الإسلامي.

تعليقات