القائمة الرئيسية

الصفحات

التمويل بالمشاركة الآليات العملية لتطويره

التمويل بالمشاركة الآليات العملية لتطويره

التمويل بالمشاركة الآليات العملية لتطويره





بسم الله الرحمن الرحيم
 



بحث مقدم إلى

الندوة الثالثة لمصرف أبوظبي الإسلامي
"التمويل بالمشاركة – الآليات العملية لتطويره"
في الفترة 19-20 ينارير 2011 

 إعداد الدكتور / يوسف الشبيلي


بسم الله الرحمن الرحيم
التمويل بالمشاركة – الآليات العملية لتطويره
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد
فيعد التمويل بالمشاركة أحد أهم أساليب التمويل الإسلامية، وأكثرها ربحية، ومع ذلك لم يحظ بحيز كبير من صور التمويل التي تقدمها المصارف الإسلامية إلى الآن، حيث لا يزال التمويل من خلال عقود المداينة هو الأكثر تطبيقاً لدى تلك المصارف. ففي دراسة أجراها أحد المراكز الاستشارية المتخصصة في العام 2009 م على صيغ العقود المطبقة في المصارف والنوافذ الإسلامية في المملكة العربية السعودية – وعددها 12 مصرفاً ونافذة- تبين أن نسب هذه الصيغ وفق الجدول التالي:                                                    
الصيغة التمويلية
النسبة إلى إجمالي تمويلات البنوك
المرابحة
26 %
التورق
57 %
الاستصناع
5 %
الإجارة
4 %
المشاركة
3 %
البيع بالتقسيط
5 %
الإجمالي
100 %
 ومن الجدول يتبين أن التمويل بالمشاركة لا يتجاوز 3% من إجمالي تمويلات البنوك، وإذا ما قورن بعقود المداينات (المرابحة والتورق والاستصناع والبيع بالتقسيط) فهذه النسبة تعد ضئيلة جداًَ.
ولعل من أبرز العقبات التي تواجه البنوك الإسلامية في اعتمادها على صيغة المشاركة هو ارتفاع نسبة المخاطرة لدى البنك الممول بطريقة المشاركة مقارنة بالمداينة، وكذلك صعوبة التخارج بعد انتهاء مدة التمويل.
 ولذا كان من الأهمية إيجاد الآليات المناسبة لتطوير صيغة المشاركة بما يتواءم مع العمل المصرفي، إذ يتميز التمويل بالمشاركة بعدد من المزايا، من أبرزها:
1- البعد عن محاكاة صيغ التمويل التقليدي، إذ إن مما يعاب على المصارف الإسلامية أن صيغها التمويلية القائمة على المداينة من مرابحات وغيرها وإن كانت تختلف في الحقيقة عن الصيغ التقليدية (القروض الربوية) إلا أنها تظل ضمن الإطار العام لتلك التمويلات، من حيث ارتباط الربح بالأجل وبأسعار الفائدة الربوية، مما يخيل إلى كثير من العامة ألا فرق بين هذه وتلك.
2- أنه يحفز البنوك على الدخول في المشروعات التنموية ذات العوائد الجيدة، ففي التمويل بالمشاركة يحرص الممول على أن يكون المشروع الذي يموله مما يحقق عائداً مناسباً له؛ لأن ربحه سيكون من ذلك العائد، بخلاف التمويل بالمداينة الذي لا يلتفت فيه الممول إلى جدوى المشروع بقدر اهتمامه بملاءة المتمول ومدى قدرته على سداد الدين.  
3- أنه يفتح المجال لاستفادة الكثير من أصحاب المشروعات الناشئة والصغيرة، ممن لا تتحقق فيهم الملاءة المالية، والضمانات المطلوبة للتمويل بالمداينة، فواقع البنوك اليوم –بما في ذلك البنوك الإسلامية- أنها توجه تمويلاتها إلى المشروعات التي قامت على أرجلها وثبت نجاحها وتتأكد من ذلك بطلب القوائم المالية لتلك الشركات لسنوات سابقة؛ لأن هدفها في الأخير هو استعادة رأس المال –الممول به- مع هامش ربح محدد سلفاً- فلا يعنيها مقدار الربح الذي يحققه ذلك المشروع، بينما في التمويل بالمشاركة يدخل الممول ونصب عينه مقدار المخاطرة التي سيتحملها في مقابل العائد الكبير الذي سيحققه في حال نجاح المشروع. ولاشك أن هذا الأمر يحقق أحد أهم المقاصد الشرعية من جعل المال دولة بين الناس غنيهم وفقيرهم وليس حكراً على فئة معينة كما هو التوجه المشاهد في ظل النظام المصرفي السائد.
4- أنه يحفز البنك الممول على مراقبة أعمال المتمول للتأكد من نجاح المشروع، وتقديم المشورة والخبرة اللازمة لذلك؛ وهذا أحد أبرز مزايا المشاركة على المداينة إذ لا يقتصر الأمر على تقديم التمويل فحسب بل المشاركة في النجاح.
وفيما يلي بعض الآليات المناسبة لتطبيقات هذا العقد مع مقترحات مناسبة للتخفيف من العقبات التي تواجه البنوك في تلك التطبيقات، وغني عن القول قبل ذكر هذه التطبيقات استحضار شروط الشركات، وهي شروط تتعلق بالشركاء –وهي الأهلية والرضا- وشروط تتعلق برأس المال – بأن يكون معلوماً مباحاً- وشروط تتعلق بالربح والخسارة- بأن تكون حصة كل شريك من الربح مشاعة معلومة وأن يكون الربح بحسب الاتفاق والخسارة على رأس المال-، ومحل تفصيل هذه الشروط في المطولات الفقهية.

الفرع الأول: المشاركة من خلال رأس المال المخاطر (Ventur Capital)

وهذا النوع من الشركات ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية في الخمسينات لتقديم الدعم المالي للمشروعات الناشئة لاسيما في مجال التقنية وتكنولوجيا المعلومات، والتي لا تتوافر لديها السيولة الكافية ولا الملاءة المالية ويتوقع لها تحقيق نمو وعائد مرتفع، ثم انتشرت هذه الشركات في أوروبا والصين وجنوب شرق آسيا، كما ظهرت بعض المؤسسات المالية المهتمة بهذا النوع من المشاركات في بعض البلدان العربية.
وقد كان لهذا النوع من التمويل أثر كبير في دعم كثير من المشروعات التي بدأت بأفكار إبداعية وبراءات اختراع ولم تكن تتوافر فيها كفاية رأس المال وفق المعايير المصرفية، وتحولت -بعد الدعم المالي والفني والإداري من قبل مؤسسات رأس المال المخاطر- إلى شركات عملاقة.
وبصورة مبسطة يمكن شرح عمل شركات رأس المال المخاطر على النحو الآتي:
1-       تقوم الشركة الممولة بدراسة عدد من المشروعات المتقدمة لطلب التمويل، واختيار الأنسب منها، بالنظر إلى نسبة نجاح المشروع والعوائد المتوقعة.
2-       يتم تقديم التمويل للمشروعات التي يقع عليها الاختيار من خلال عقد مشاركة، بحيث تؤسس شركة مغلقة، من الممول ومالك المشروع، ويكون للممول نسبة من المقاعد في مجلس إدارة الشركة، وفي العادة لا تتجاوز نسبة ملكية الممول 25% من تلك الشركة، مع أن مالك المشروع أو الفكرة قد لا يكون له مساهمة نقدية في رأس مال تلك الشركة، وإنما تم تقييم فكرته بما يعادل ملكيته في الشركة.
3-       يكون للشركة الممولة حق مراقبة أداء الشركة المتمولة، بل والتدخل في إدارتها وسيرها، وفي كثير من الأحيان تكون أسهم الشركة الممولة من الأسهم الممتازة التي يكون لمالكها الأولوية عند التصفية.
4-       تضع الشركة الممولة في العادة خطة زمنية لبقائها في الشركة الجديدة تتراوح ما بين ثلاث إلى عشر سنوات، ثم يتم التخارج بإحدى طرق ثلاث:
                              ‌أ-            ببيع حصتها على الشريك
                           ‌ب-          ببيعها على طرف ثالث
                            ‌ج-           بطرحها للاكتتاب في سوق الأوراق المالية.
وهذا النوع التمويل هو ما ينبغي أن تتوجه له المصارف الإسلامية لما يحققه من التنمية الاقتصادية بشكل فعال، ولكنه –مع الأسف- يكاد يكون غائباً عن نشاط المصارف الإسلامية؛ إما لتخوف البعض منها من المخاطرة، أو تخوفاً من قيود العمل المصرفي، مع أن كثيراً من شركات رأس المال المخاطر في الغرب تم تأسيسها من قبل بنوك استثمارية ومؤسسات مالية.
ويمكن للبنك –لتلافي القيود المصرفية ولتقليل مخاطر هذا التمويل الأخذ ببعض وسائل الحماية، كإنشاء صناديق مغلقة لهذا الغرض، أوإنشاء شركات مسؤولية محدودة ذات أغراض خاصة (SPV) لغرض تقليل المخاطر، أو وضع شروط خاصة لأسهم الملكية.
ومن الوسائل المناسبة لتقليل مخاطر هذا التمويل تنويع المحفظة الاستثمارية ما بين شركات تقنية وطبية وتعليمية وصناعية وغير ذلك لتحقيق التوازن في نشاط المحفظة بشكل إجمالي؛ إذ من المتوقع في هذا التمويل إخفاق بعض المشروعات وتعويضه من مشروعات أخرى. فقد ذكر مؤسس شركة (e.planet)  وهي إحدى أكبر عشر شركات من شركات رأس المال المخاطر في أمريكا أن 90% من المشروعات التي يتم تمويلها تخفق بينما لا تتجاوز نسبة المشروعات الناجحة 10% إلا أن ما تحققه من نمو وأرباح يغطي الإخفاق في المشروعات الأخرى بل إن محفظة الاستثمار تحقق نمواً إجمالياً سنوياً يتجاوز 35%.
وفي الغالب فإن رأس المال المخاطر يلبي احتياجات الشركات في أحد المراحل الثلاث الآتية:
أ – المرحلة المبكرة: وفيها يتم تمويل بحوث التنمية والتطوير للمشروعات الجديدة أو تقنيات جديدة قبل بدء النشاط الإنتاجي على نطاق تجارى.
ب - مرحلة التمويل اللاحقة: وفي هذه المرحلة يتم تمويل تنمية وتطوير شركات قائمة تكون بحاجة إلى متطلبات تمويلية خاصة وتقدم آفاق نمو جذابة، ويتضمن ذلك توفير التمويل لأغراض التوسع للشركات غير المدرجة في الأسواق المالية بهدف مساعدتها على النمو ودخول أسواق جديدة أو لأغراض الحلول محل بعض الشركاء الراغبين في التخارج من تلك الشركات0
ج - تمويل الحالات الخاصة: وفيها يوجه رأس المال المخاطر لتمويل احتياجات خاصة لشركات منتجة وتكون غالباً أجزاء من شركات ضخمة ويتضمن ذلك تمويل شراء حصة الملكية والسيطرة على شركات قائمة إضافة إلى تمويل الشركات ذات الأداء الضعيف ولكن يتوافر لديها فرص واضحة للتحسن.

الفرع الثاني: المشاركة المتناقصة مع التأجير التمويلي أو المشاركة في الإنتاج:

وفي هذه الصورة يشترك البنك الممول مع العميل في تملك أصل ذي عائد تشغيلي، ثم تتناقص ملكية البنك لصالح العميل حسب جدول زمني متفق عليه.
ويمكن أن يتم التعاقد هنا على إحدى صورتين:
الصورة الأولى: أن يؤجر البنك حصته على العميل إجارة منتهية بالتمليك، وهذا يعد من إجارة المشاع، وهو جائز عند عامة الفقهاء، وما يدفعه المستأجر من دفعات إيجارية يتضمن أجرة انتفاعه بحصة البنك المشاعة ودفعات يتم بها إطفاء ملكية البنك للأصل المؤجر.
ويجوز في هذه الصورة أن تكون الأجرة التي يدفعها المتمول مبلغاً محدداً أو متغيراً وفقاً لمؤشر منضبط حسب ضوابط الإجارة، ويجري على العقد هنا أحكام الإجارة، وعلى هذا فلا تلازم بين الأجرة المستحقة وعائد التشغيل الذي يحققه المستأجر.
ويجوز أن يكون الوعد بالتمليك هنا بالقيمة الاسمية أو بالقيمة السوقية، ولا يعد ذلك من ضمان رأس المال في الشركة؛ لأن الشركة هنا شركة ملك وليست شركة عقد.
الصورة الثانية: أن يدخل البنك مع شريكه (المتمول) في مشاركة إنتاجية، بأن يقدم البنك حصته المشاعة من الأصل على أن يعمل عليها شريكه وما يتحقق من عائد يكون بينهما حسب الاتفاق، فهذه الصورة جمعت بين نوعين من الشركات:
الأولى: شركة ملك، حيث يشترك البنك مع العميل في تملك أصل من الأصول.
والثانية: شركة عقد، حيث يقدم البنك حصته المشاعة ليعمل عليها العميل ويكون العائد بينهما. وقد يُتوهم دخول هذه الصورة فيما ذكره جمهور الفقهاء من  تحريم جعل الأجرة جزءً مما يعمله العامل ([1]) . وهذا غير صحيح فليس العقد هنا من قبيل الإجارة؛ لأن الإجارة تستحق فيها الأجرة للمؤجر بالتمكين من استيفاء المنفعة بغض النظر عن العائد، أما هنا فالبنك يستحق حصة من العائد المحققق، وهذا من قبيل المشاركة. وقد ذكر أهل العلم نظائر لذلك، فقد روى ابن أبي شيبة عن الحسن وقتادة وابن سيرين أنهم لم يروا بأساً أن يدفع الثوب إلى النساج بالثلث والربع ([2]). ونقل ابن قدامة صوراً متعددة تشبه هذه المسألة، ومنها: ما لو دفع دابته لرجل ليعمل فيها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثاً، أو دفع ثوبه بالثلث والربع، أو أعطى فرسه على النصف من الغنيمة، ثم قال: (( وقد أشار أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة .. وهذا يدل على أنه قد صار في هذا ومثله إلى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة لا إلى المضاربة ولا إلى الإجارة )) ([3]).
وقال ابن القيم: (( تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره بأن يدفع إليه أرضه ويقول: اغرسها من الأشجار كذا وكذا والغرس بيننا نصفان، وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهما وكما يدفع إليه شجره يقوم عليه والنسل بينهما، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما .. ونظائر ذلك، فكل ذلك شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس )) ([4]).
وفي التاج والإكليل: (( وذهب أهل الظاهر وطائفة من السلف إلى جواز المجهولات 
في الإجارة من البـدل، وأجازوا أن يعطي حماره لمن يسقي عليه أو يعمل بنصف ما يرزق بسعيه على ظهره، ويعطي الحمام لمن ينظر فيه بجزء منه مما يحصل منه كل يوم قياساً على القراض والمساقاة.. وعليه يخرج اليـوم عمـل النـاس في أجـرة الـدلال  لحاجـة الناس إليه)) ([5]).

وما يميز هذه الشركة عن بقية الشركات كشركة المضاربة والعنان أن مقاسمة العوائد تكون فورية ونهائية بخلاف المضاربة فإن المقاسمة لا تكون نهائية إلا بعد التأكد من سلامة رأس المال.
الفرع الثالث: المشاركة من خلال أسهم امتياز بزيادة حصة الشريك من الأرباح:
وفي هذه الطريقة يقدم البنك تمويلاً بالمشاركة في ملكية مشروع أو شركة، ولتقليل المخاطر من الممكن أن تكون الأسهم المملوكة للبنك ذات امتياز بزيادة حصة البنك من الأرباح إلى أن يتم التخارج، كأن يشارك البنك بما نسبته 30% من رأس مال الشركة على أن يكون له 90% من الأرباح سنوياً إلى أن يستعيد كامل رأس ماله ثم يتم التخارج.
والغرض من ذلك تحقيق الفائدة للطرفين: فالبنك يقلل من مخاطر التمويل، ويتعجل استعادة رأس المال، والعميل يقلل كذلك من مدة مزاحمة البنك له في ملكية الشركة.
والمعتاد في أسهم الامتياز أن يكون لحامل السهم أولوية في توزيع الأرباح قبل حملة الأسهم العادية، وهذه الأسهم لا تجوز؛ لأنها تؤدي إلى قطع المشاركة في الربح، فقد لا تربح الشركة إلا بمقدار نصيب حملة الأسهم الممتازة أو أقل فيستأثرون بالربح دون حملة الأسهم العادية، أما الامتياز هنا فهو من نوع خاص وهو أن يكون بزيادة حصة حملة الأسهم الممتازة من الأرباح مع اشتراك الجميع في الربح، وهذا النوع من الامتياز تشترطه بعض شركات رأس المال المخاطر، وهو معروف في عدد من الأنظمة والتشريعات.
وقد اختلف أهل العلم في حكم اختلاف نسبة المقاسمة في الأرباح عن نسبة الملكية، فذهب المالكية ([6])، والشافعية ([7])، والظاهرية ([8])، إلى أن قسمة الربح في العنان يجب أن تكون على قدر المالين لا على ما اتفقا عليه.
وحجتهم في ذلك:
-            أن الربح تبع للمال وثمرة له فلا بد أن يكون على قدره .
-            ولأن التفاضل في الربح مع التساوي في المال يؤدي إلى ربح ما لم يضمن، لأن صاحب الزيادة سيستحقها بلا ضمان ([9]).
وذهب الحنفية ([10])، والحنابلة ([11])، إلى أن قسمة الربح في العنان بحسب الشرط، فيجوز أن يجعلا الربح على قدر المالين، ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال، وأن يتفاضلا فيه مع تساويهما في المال.
وحجتهم : أن الحاجة ماسة إلى التفاضل لأنه قد يكون أحدهما أحذق وأكثر عملاً ، فلا يرضى بالمساواة ([12]).
وهذا القول هو الراجح ، لأن لكل من المال والعمل حصة من الربح، وقد يكون في اشتراط زيادة حصة لأحدهما مصلحة للشركة لكونه أبصر بالتجارة .
وأما استدلال الفريق الأول بأن الربح تبع للمال فيجاب عنه: بأن الربح قد يستحق بالمال وقد يستحق بالعمل، فجاز أن يتفاضلا في الربح مع وجود العمل منهما كالمضاربين لرجل واحد، وذلك لأن أحدهما قد يكون أبصر بالتجارة أو أقوى على العمل فجاز له أن يشترط زيادة في الربح في مقابلة عمله كما يشترط الربح في مقابل عمل المضارب([13]).
واستدلالهم الثاني منقوض بالمضاربة، فإن المضارب يستحق الربح ولا ضمان عليه في حال الخسارة، ولأن الربح كما يستحق بالمال، يستحق بالعمل ويستحق بالضمان ([14]).
ونظير ذلك ما ذكره الفقهاء في شركة الأعمال ( شركة التقبل ) من أن الربح يكون بينهما على ما شرطا، مع أن أعمالهما تتفاوت كمية وكيفية. والسبب في ذلك كما يقول الكاساني : (( أن استحقاق الربح في الشركة بالأعمال بشرط العمل لا بوجود العمل )) ([15]). وفي المبسوط : ((  والشريكان في العمل إذا غاب أحدهما أو مرض أو لم يعمـل ، وعمل الآخر فالربح بينهما على ما اشترطا )) ([16]). وفي البحر الرائق ، في شرح قوله : ((وتقبل : إن اشترك خياطان أو خياط وصباغ على أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب بينهما .. قال : (( وشمل قوله : (( والكسب بينهما )) : ما إذا شرطا على السواء أو شرطا الربح لأحدهما أكثر من الآخر ، وقد صرح به في البزازية معللاً بأن العمل متفاوت، وقد يكون أحدهما أحذق، فإن شرطا الأكثر لأدناهما اختلفوا فيه، والصحيح الجواز، لأن الربح بضمان العمل، لا بحقيقته، كذا في فتح القدير )) ([17]).
وفي المغني : (( وإن عمل أحدهما دون صاحبه فالكسب بينهما .. وقد سئل يعني الإمام أحمد عن الرجلين يشتركان في عمل الأبدان فيأتي أحدهما بشيء ولا يأتي الآخر بشيء، قال: نعم، هذا بمنزلة حديث سعد وابن مسعود ([18]).. ولأن العمل مضمون عليهما معاً وبضمانهما له وجبت الأجرة )) ([19]). وقال: (( وأما شركة الأبدان، فهي معقودة على العمل المجرد، وهما يتفاضلان فيه مرة، ويتساويان أخرى، فجاز ما اتفقا عليه من مساواة أو تفاضل )) ([20]).

الفرع الرابع: المشاركة مع ترديد نسبة المقاسمة في الأرباح:

وصورة ذلك أن يقدم البنك تمويلاً بالمشاركة في ملكية مشروع أو شركة، ويكون الاتفاق على أن للبنك 70% من أرباح السنوات الخمس الأولى ثم 50% من أرباح السنوات التالية إلى أن يتم التخارج، أو يكون الاتفاق على أن يكون للبنك 70% من الأرباح السنوية إلى أن يستعيد 80% من رأس ماله ثم يكون له 50% من الأرباح إلى حين التخارج.
وقد اختلف أهل العلم في ذلك:
فذهب جمهور العلماء من المالكية ([21])، والشافعية ([22])، والحنابلة في الرواية المشهورة 
عندهم ([23])، إلى عدم صحة الإبهام في الإجارة أو المضاربة ونحوها؛ لما فيه من الجهالة.

قال في نهاية المحتاج : (( فلو قال : قارضتك على أنك إن ربحت ألفاً فلك نصفه، أو ألفين فلك ربعه فسد القراض للجهل بتعيينها )) ([24]).
وذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية([25])، والإمام أحمد في رواية اختارهـا بعض أصحابه إلى جواز الإبهام في الإجارة ([26]). ومثل ذلك في المضاربة، ويطرد هذا القول مع قاعدة الحنفية في جواز خيار التعيين في البيع بين ثلاثة أشياء فأقل، غير أنهم لم يشترطوا اشتراط الخيار هنا، وفي البيع روايتان ([27]).
ومما يؤيد هذا القول ما ذكره البخاري في صحيحه عن عمر أنه دفع أرضه إلى من يزرعها وقال: إن جاء عمر بالبذر من عنده فله كذا، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا ))([28])، فهذا ترديد في حصتهم من الثمرة، وهي بمنزلة الربح في الشركات.
وأيضاً فإن الأصل في العقود والشروط هو الصحة ما لم يرد دليل على المنع، وليس في هذا الشرط محذور شرعي، قال ابن القيم: (( قد تدعو الحاجة إلى أن يكون عقد الإجارة مبهماً غير معين ثم ذكر الأمثلة المتقدمة ثم قال : (( ولا محذور في ذلك ولا خطر ولا غرر ولا أكل مال بالباطل، ولا جهالة تعود إلى العمل ولا إلى العوض )) ([29]). ومثل ذلك المشاركة بل هي أولى لأن العوض فيها غير ثابت أصلاً، ويغتفر في الشركة ما لا يغتفر في الإجارة، وإنما يفسد الشرط في الشركات إذا كان يؤدي إلى قطع المشاركة في الربح، كأن يقول: لك ربح العشرين الأولى ولي ما زاد على ذلك، ونحو ذلك، أما هنا  فهذا الشرط لا يؤدي إلى قطع المشاركة في الربح، بل على كل الأحوال سيكون هناك اشتراك فيه وإن تفاوتت نسبهما. 
وبناء على القول بجواز هذه المسألة والتي قبلها فيمكن الجمع بينهما كأن يقدم البنك تمويلاً يعادل 50% من رأس مال الشركة ويكون له 70% من الأرباح السنوية إلى أن يستعيد 80% من رأس ماله ثم يكون له 50% من الأرباح السنوية للسنوات التالية إلى حين التخارج.
الفرع الخامس: التمويل بالمشاركة مع وعد الشريك بالتنازل عما زاد عن القيمة الاسمية عند التخارج:
وصورة هذه المسألة أن يمول البنك عميله بالمشاركة معه في ملكية المشروع، ويعد البنك البنك العميل وعداً ملزماً بأنه عند التخارج فيتنازل البنك عما زاد من القيمة السوقية عن القيمة الاسمية ( ثمن التكلفة) وعائد محدد.
فمثلاً لو كانت تكلفة المشروع مليونين، دفع البنك منها مليوناً، على أن له نصف الأرباح، ووعد العميلَ بأنه عند التخارج إذا استرجع رأس ماله وعائداً سنوياً بمقدار 5% فيتنازل عما زاد على ذلك. فلو تم التخارج في نهاية السنة العاشرة والقيمة السوقية للمشروع حينئذٍ أربعة ملايين فيأخذ البنك مليوناً ونصف المليون فقط ويتنازل عن القيمة الزائدة من حصته، فإن كان قد أخذ أرباحاً موزعة خلال السنوات السابقة بمقدار ربع مليون فيأخذ عند التخارج مليوناً وربع، وهكذا.
وهذه المسألة مبنية على حكم الهبة المعلقة، والهبة بمجهول؛ لأن القدر المتنازل عنه مجهول عند الهبة، وهي معلقة على أمر مستقبل.
وقد اختلف أهل العلم في حكم تعليق الهبة وفي هبة المجهول، فذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة في أشهر الروايتين إلى المنع منهما أي الجهالة في الهبة أو تعليقها ([30]). وعللوا لذلك بأن انتقال الملك يعتمد الرضا، والرضا إنما يكون مع الجزم، ولا جزم مع التعليق؛ ولأن الجهالة في الهبة تجعل العقد من عقود الغرر، فيدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر ))([31]).
ويرى المالكية ([32])،جواز تعليق الهبة وكونها مجهولة. قال ابن رشد: ولا خلاف في المذهب في جواز هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود, وبالجملة كل ما لا يصح بيعه في الشرع من جهة الغرر. وهذا القول إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم ([33])؛ إذ الأصل في العقود والتصرفات الصحة، وليس في التعليق محظور، ولا يسلم بأنه ينافي الرضا، إذ الرضا لا يستلزم التنجيز. وأما الغرر فهو محرم في عقود المعاوضات لا في التبرعات ، والفرق بينهما (( أن التبرعات لا يقصد بها تنمية المال، بل إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه، لأنه لم يبذل شيئاً بخلاف المعاوضات إذا فات بالغرر والجهالات ضاع المال المبذول في مقابلته، فاقتضت حكمه الشرع منع الجهالة فيه، أما الإحسان الصرف فلا ضرر فيه، فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق بالمعلوم والمجهول )) ([34]).
ومما يرجح هذا القول حديث صاحب كبة الشعر التي أخذها من الغنائم ثم رفعها بيده، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهبه إياها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما ما كان لي، ولبني عبد المطلب، فهو لك )) ([35]). فالحديث أفاد جواز هبة المجهول، لأن نصيب النبي صلى الله عليه وسلم ونصيب بني عبد المطلب من الكبة مجهول ([36])،  وأيضاً ما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلين اختصما إليه في مواريث دَرَست: (( اقتسما، وتوخيا الحق، ثم استهما، ثم تحالا )) ([37]). فدل الحديث على جواز الإبراء من الحقوق المجهولة.
ومما يدل على جواز تعليق الهبة قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة:{ إن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك}. فهذه هبة معلقة على أمر مستقبل.
والقول الثاني هو الراجح، وحتى على القول الأول، لو كانت الهبة على سبيل الوعد لا التعليق فتصح، قال ابن قدامة –رحمه الله-: " لا يصح تعليق الهبة بشرط; لأنها تمليك لمعين في الحياة, فلم يجز تعليقها على شرط, كالبيع. فإن علقها على شرط.. كان وعدا"[38].
وعلى هذا فلو أن البنك وعد العميل بأن يتنازل عما زاد من القيمة السوقية لحصته عن قيمتها الاسمية وعائدٍ محدد فيصح هذا الوعد ويكون لازماً له. والله أعلم.

الفرع السادس: التمويل بالمشاركة مع أولوية بعض الشركاء في التصفية:

وصورة ذلك أن يمول البنك عميله تمويل مشاركة، على أن يكون للبنك الأولوية عند التصفية باستعادة رأس ماله أولاً قبل بقية الشركاء. وهذا أحد أنواع أسهم الامتياز (Preferred Shares).
وهذا الامتياز ذهب إلى جوازه هيئة الفتوى بالبنك المركزي الماليزي، على اعتبار أنه تنازل معلق من قبل بقية الشركاء عن أنصبتهم للشريك ذي السهم الممتاز، وهو أي –التنازل المعلق- جائز عند المالكية كما سبق؛ ولأن هذا الشرط ليس فيه ضمان رأس مال الشريك، فالشريك ذو السهم الممتاز قد يخسر رأس ماله كله إذا لم يبق عند التصفية شيء، وقد يخسر بعضه إذا بقي مال لا يكفي لرأس ماله، فالأولوية لا يترتب عليها الضمان.
والذي عليه عامة المجامع الفقهية أن هذا الشرط محرم؛ لأنه يخالف قاعدة الشركات "أن الوضيعة على رأس المال"، ولأن مؤدى هذا الشرط قطع المشاركة في تحمل الخسارة، فكما يحرم الشرط الذي يؤدي إلى قطع المشاركة في الربح يحرم كذلك ما كان يؤدي إلى قطع المشاركة في الخسارة.
الفرع السابع: التمويل من خلال شركة توصية أو شركة ذات مسؤولية محدودة:
من الوسائل التي تلجأ إليها البنوك وغيرها لتقليل مخاطر الاستثمار أن يكون تمويلها بالمشاركة بمسؤولية محدودة، بحيث لا تتعدى مسؤوليتها حدود رأسمالها في الشركة. ويمكن أن يتم ذلك بإحدى طريقتين:
الأولى: أن يكون التمويل من خلال شركة ذات مسؤولية محدودة، كأن ينشئ الممول شركة (SPV)، ويقدم التمويل من خلال تلك الشركة؛ لغرض حماية أمواله الأخرى من مخاطر هذا التمويل. وبناء على قرار مجمع الفقه الإسلامي والمجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية فإن اشتراط المسؤولية المحدودة في الشركات جائز إذا لم يتخذ وسيلة لإساءة التصرف في الأموال أو إهمال حفظها.
والثانية: أن يكون ذلك من خلال شركة توصية، بحيث تكون الشركة التي يتم تكوينها مؤلفة من نوعين من الشركاء: الأول، شركاء متضامنون، يتولون إدارة الشركة وهم المسئولون بشكل مطلق أمام الغير عن الحقوق المتعلقة بالشركة، والثاني: شركاء موصون، تكون مسؤوليتهم عن التزامات الشركة بمقدار رؤوس أموالهم، وقد تكون هذه الشركة شركة توصية بسيطة أو شركة توصية بالأسهم. وهي من الشركات الجائزة، وتنطبق عليها قواعد الشركات[39]؛ إذ إن وجود نوعين من الشركاء لا يمنع من صحتها فالشريك الضامن لا يضمن خسارة الشريك الموصي، ولا يلتزم له كذلك بقدر من الربح. ويسري على هذه الشركة حكم شركة المضاربة فالشريك الضامن هو المضارب أي العامل، والشريك الموصي هو رب المال، ولا يقدح في هذا التخريج كون الشريك الضامن يشارك مع عمله في رأس المال، فقد ذكر ابن قدامة رحمه الله للمضاربة ثلاث صور: (( أن يشترك بدنان بمال أحدهما، أو بـدنُ ومال ، أو مالان وبدن صاحب أحدهما )) ([40]).
 الفرع الثامن: التمويل بالمشاركة مع نقل عبء الإثبات في حال الخسارة على الشريك المدير:
فمن العقبات التي تحول دون دخول كثير من المؤسسات أو المستثمرين في عقود المشاركة أن المال يكون بيد الشريك المدير وهو مؤتمن عليه، وفي حال وقوع الخسارة يصدق قوله في عدم التعدي أو التفريط، مع تعذر إثبات رب المال وقوع الإهمال أو التعدي.
ومن الحلول المناسبة أن يجعل عبء الإثبات على المدير، وذلك بأن ينص في عقد الشركة أو المضاربة على أن المدير يتحمل أي نقص أو خسارة في الاستثمار ما لم يُثبت عدم تعديه أو تفريطه في وقوع ذلك النقص أو الخسارة، والمسوغ لجواز هذا الشرط ما فيه من المصلحة وصيانة أموال الناس، وسد ذريعة الفساد وإهمال الأموال للعلم بعدم الضمان.
ولهذه المسألة نظائر متعددة مما ذكره الفقهاء المتقدمون -ولاسيما فقهاء المالكية- بتضمين يد الأمانة لوجود التهمة أو للمصلحة العامة، كتضمين الصناع؛ للمصلحة العامة، صيانة لأموال الناس من الضياع[41]، وعلى هذا يمكن أن يحمل ما ورد عن الإمام أحمد –رحمه الله- من جواز اشتراط تضمين يد الأمانة[42]؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم"[43].
وقد أخذ بهذا الرأي –أي جواز نقل عبء إثبات عدم التعدي والتفريط إلى الأمين-مؤتمر المصارف الإسلامية المنعقد بالكويت عام 2009 .
وينبغي أن يعلم أن تحميل المضارب أو الشريك المدير عبء الإثبات لا يعني تحميله مسئولية الضمان، فبينهما فرق، إذ المقصود من مطالبته بالإثبات أنه إن أتى بالبينة أو بقرائن مقبولة على عدم تعديه أو تفريطه فلا ضمان عليه، وإن لم يأت بالبينة فعليه الضمان؛ لقيام التهمة، بينما تحميله مسئولية الضمان تعني مطالبته بالضمان على كل الأحوال ولو أثبت أن الخسارة وقعت بغير تقصير منه.
الفرع التاسع: التأمين التكافلي على عقود الشركات:
من الحلول المطروحة لحماية رأس المال في الاستثمارات: التأمين على الاستثمار تأميناً تكافلياً، وذلك من خلال إنشاء صندوق تأمين تكافلي تشترك فيه مجموعة من جهات الاستثمار، ويدار من قبل شركة تأمين تكافلي مستقلة عنهم، بحيث تقتطع نسبة معينة من رؤوس أموال المستثمرين، أو من الأرباح المتحققة، وتودع في ذلك الصندوق، ويتم تغذيته بشكل دوري، وإذا حصل أي ضرر في المستقبل على أي من جهات الاستثمار المشتركة في الصندوق التكافلي فيتم جبره من ذلك الصندوق.
والتأمين بهذه الطريقة يمكن أن يوجه للحماية من أنواع متعددة من المخاطر المتعلقة بالاستثمار، ومنها:
1- المخاطر على رأس المال، وذلك بحماية رأس المال من أي مخاطر محتملة من خسارة أو نقصان في قيمته أو هلاكه.
2- مخاطر العائد على الاستثمار، وذلك لمواجهة أي انخفاض مستقبلي في الأرباح وتحقيق موازنة في التوزيعات.
3- مخاطر العائد على التمويل، وذلك بحماية عقود التمويل لاسيما طويلة الأجل من التقلبات في معدلات العائد على التمويل..
4- مخاطر الائتمان، وذلك بحماية عقود التمويل التي  يشتمل عليها الاستثمار،كالمرابحات والإجارات وغيرها من مخاطر التعثر في السداد.
5- مخاطر الصرف، وذلك بحماية الاستثمار من أي تذبذب في أسعار الصرف قد يؤدي إلى تآكل رأس المال، أو نقصان الربح عن حد معين.
ولا يظهر ما يمنع شرعاً من التأمين التكافلي لحماية الاستثمار أياً كانت المخاطر التي يحتمى منها ما دام هذا التأمين متماشياً مع ضوابط التأمين التكافلي، ولا تعد هذه الحماية ضماناً لرأس المال، وإنما هي نوع من التعاون فيما بين المستثمرين يقصد به توزيع المخاطر فيما بينهم.
الفرع العاشر: التمويل بالمشاركة مع تحميل المتمول (المدير) بعض المصروفات المنضبطة:
ومثل هذا النوع من التمويل يكثر في المشاركة المتناقصة، فقد تتم المشاركة بين البنك وعميله، ويكون ثم مصروفات تشغيلية يتحملها العميل في ماله الخاص حتى لا يحسبها البنك ضمن تكلفة التمويل عند التخارج،  ومن أمثلة ذلك:
1-       في اعتمادات المشاركة قد يتحمل العميل المتمول وحده دفع ضرائب الاستيراد أو رسوم التأمين أو أجور النقل ونحو ذلك.
2-       في التمويل العقاري بالمشاركة المتناقصة قد يتحمل العميل المتمول وحده رسوم الصيانة الدورية أو الخدمات البلدية ونحو ذلك.
فإذا كانت هذه المصروفات منضبطة، فالأظهر هو جواز تحمل أحد الشركاء تلك المصروفات. ونظير ذلك اشتراط رب المال على العامل زكاة رأس المال من الربح، مع أن الزكاة يتحملها رب المال وحده، وقد تحيط بالربح، فلا يحصل المضارب على شيء، بينما ينتفع رب المال بدفع الزكاة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ويصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح.. فيختص رب المال بعمله؛ لأنا نقول: لا يمتنع ذلك، كما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر"[44]، أي فيحصل النفع لرب الشجر دون العامل.
والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
                                                              د. يوسف بن عبد الله الشبيلي




([2]) المصنف  5/180  . 
([3]) المغني 7/116  .
([4]) أعلام الموقعين 4/19  . 
([5]) التاج والإكليل 7/494 . 
([6]) المدونة 3/608 ، بداية المجتهد 2/306 ، الدسوقي 3/353 ، منح الجليل 6/252  .
([7]) تحفة المحتاج 5/292 ، أسنى المطالب 2/258 ، شرح البهجة 3/169.
([8]) المحلى 8/125.
([9]) تحفة المحتاج 5/292 ، بداية المجتهد 2/306.
([10]) المبسوط 11/156، بدائع الصنائع 7/517 ، تبيين الحقائق 3/318 ، درر الحكام شرح غرر الأحكام 2/321.
([11]) المغني 7/138، الفتاوى الكبرى لابن تيميه 4/208 ، الفروع 4/403 ، المبدع 5/498.
([12]) المغني 7/138 ، بدائع الصنائع 7/517.
([13]) المغني 7/138  .
([14]) بدائع الصنائع 7/517  .
([15]) بدائع الصنائع 7/518  .
([16]) المبسوط 11/157 ، وانظر : مجمع الضمانات ص 302  .
([17]) البحر الرائق 5/196  .
([18]) يشير إلى ما رواه أبو داود ( كتاب البيوع / باب الشركة على غير رأس مال برقم 3388 ) والنسائي ( كتاب المزارعة / باب شركة الأبدان برقم 3937 ) وابن ماجه ( كتاب التجارات / باب الشركة والمضاربة برقم 2288 ) والبيهقي ( كتاب الشركة / باب الشركة في الغنيمة ) من حديث أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر ، قال : فجاء سعد بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار بشيء )) . والحديث إسناده ضعيف ، قال المنذري ( مختصر سنن أبي داود 5/53 ) إسناده منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ، والحديث سكت عليه ابن حجر في تلخيص الحبير 3/49  .
([19]) المغني 7/114  .
([20]) المغني 7/139  .
([21]) المدونة 3/419 ، التاج والإكليل 7/515  . 
([22]) روضة الطالبين 5/175 ، حاشية الجمل 3/331  .
([23]) الإنصاف 14/298 ، مطالب أولي النهي 3/597  .
([24]) نهاية المحتاج 5/227 ، أسنى المطالب 2/383  . 
([25]) البحر الرائق 8/35 ، الكفاية 8/71  . 
([26]) الشرح الكبير على المقنع 14/297 ، الفروع 4/424  . 
([27]) تبيين الحقائق 5/139  . 
([28]) ذكره البخاري تعليقاً ( كتاب الحرث والمزارعة / باب المزارعة بالشطر ونحوه ) ، وقال ابن حجر (الفتح 5/12) بعد أن ذكر أنه روي من طريقين كلاهما مرسل : (( وهذا مرسل أيضاً فيتقوى أحدهما بالآخر )) . 
([29]) إعلام الموقعين 3/412  . 
([30]) تبيين الحقائق 4/13 ، البحر الرائق 6/194، شرح البهجة 3/388، المنثور في القواعد 1/81، المغني 5/386، الإنصاف 17/32.
([31]) أخرجه مسلم ( كتاب البيوع / باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر ) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-.
([32]) حاشية الدسوقي 4/99 ، منح الجليل 8/178.
([33]) الفروع 4/193، إعلام الموقعين 3/399، الإنصاف 17/32.
([34]) الفروق للقرافي 1/151.
([35]) أخرجه أحمد 2/184 ، وأبو داود ( كتاب الجهاد / باب فداء الأسير بالمال برقم 2694 ) والنسائي ( كتاب الهبات / باب هبة المشاع برقم 3688 ) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . والحديث قال عنه الهيثمي في المجمع (6/188) : (( رواه أحمد ورجال أحد إسناديه ثقات )) وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند (11/18) : (( إسناده صحيح )) ، وحسنه الألباني في الإرواء (5/36).
([36]) إعلام الموقعين 2/9  .
([37]) أخرجه أحمد (6/320) وأبو داود ( كتاب الأقضية / باب في قضاء القاضي إذا أحطأ برقم 3583 ) . والحديث صححه الألباني في الإرواء (5/252) .
[38] المغني 5/386.
[39] الشركات للخياط 2/142.
([40]) المغني 7/121 .
[41] بداية المجتهد 2/231 البهجة شرح التحفة 2/282.
[42] الشرح الكبير على المقنع 14/493.
[43] أخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عوف –رضي الله عنه- في كتاب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله  - صلى الله عليه وسلم -  في الصلح برقم (1272) وأبو داود من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- في كتاب الأقضيه، بـاب في الصلح برقم (3120 )، والدارقطني من حديث عائشة -رضي الله عنها- بزيادة (( ما وافق الحق )) 3/2. وهو حديث صحيح بمجموع طرقه. تغليق التعليق 3/280 ، فتح الباري 4/451 ، غوث المكدود 2/205. 
[44] الأخبار العلمية ص146.

تعليقات