القائمة الرئيسية

الصفحات

مدى انتفاع المرتهن من المرهون

مدى انتفاع المرتهن من المرهون

مدى انتفاع المرتهن من المرهون




العنوان : مدى انتفاع المرتهن من المرهون
المؤلف : عبدالملك عبدالعلي كاموي




مدى انتفاع المرتهن من المرهون[1]

                                         الدكتور / عبدالملك عبدالعلي كاموي
المقدمة :
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وعلى آله وصحبه وتابعيه - بإحسان - إلى يوم الدين · أما بعد :

فإن الرهن من الأحكام العملية التي ترتبط بمصالح الناس اليومية من بيع وشراء، وقرض ، وإن بعضاً من الناس يمارسون الرهن في معاملاتهم على نحو يستحلون به الحرام تمسكاً بباطل من القول يرونه في نظرهم مشروعاً بناء على فتوى غير صحيحة ، أو لعدم معرفتهم حكم الشرع في هذه المسألة وأمثالها فيعارضون بذلك نصوص الشريعة ·

ولما كان بعض الناس في عصرنا يزاولون الرهن على غير هدي إسلامي - كما هو الحاصل في رهن الأراضي ، والعقارات حيث جرى الناس على أن الدائن يزرع الأرض ويجني ثمار البستان، ويسكن البيت بدون أجرة - آثرت أن أتناول حكم انتفاع المرتهن من المرهون ، لنقف على الراجح في هذه المسألة ، ثم أتناول بيع الوفاء الذي جرى عرف الناس فيه في بعض البلاد الإسلامية مع ذكر بعض صور بيع الوفاء الحديثة مع مقارنتها ببيع الوفاء ·
وذلك إسهاماً مني في سبيل خدمة هذا الدين وعلومه ، ليكون لبنة واحدة أسهم بها في سبيل تطبيق الشريعة الإسلامية · والله من وراء القصد وهو ولي التوفيق ·

المطلب الأولحقيقة الرهن


الفرع الأول : معنى الرهن في اللغة :
بالكشف في المعاجم اللغوية نجد أن مادة رهن تدور حول المعاني التالية :
أ - الثبوت ، والاستقرار ·
ومنه الحالة الراهنة ، أي الثابتة · يقال : ماء راهن ، أي راكد ، ونعمة راهنة ، أي ثابتة ، وأرهن لهم، وأرهنت لهم طعامي ، أو منه (1) ·
ومنه قول الشاعر :
الخبز واللحم لهم راهن          وقهوة راووقها ساكب
ب - الحبس ·
لأنه لما كان الرهن يتصور منه الحبس استعير ذلك للمحتبس أي شيء كان · كما أن الرهن عمله (2) ·
ومنه قوله سبحانه وتعالى : كل امرئ بما كسب رهين  (3) ·
والرهن : ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك · والراهن : هو المهزول من الناس - أي المدين - ، والمرتهن : الذي يأخذ الرهن ، والشيء مرهون ، ورهين ، بمعنى : مرهون · والأنثى : رهينة  (4) ·

الفرع الثاني : معنى الرهن في الاصطلاح :
اختلفت عبارات الفقهاء في بيان المعنى الاصطلاحي للرهن تبعاً لاختلاف الأحكام المتعلقة به عندهم ·
فعرفه الحنفية بأنه : ( حبس شيء مالي بحق يمكن استيفاؤه منه كالدين ) (1)·
وعرفه المالكية بأنه : ( بذل من له البيع ما يباع ، أو غرراً ، ولو اشترط في العقد وثيقة بحق ) (2) ·
وعرفه الشافعية بأنه:(جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منه عند تعذر الوفاء)(3)· وعرفه الحنابلة بأنه : ( المال الذي يجعل وثيقة بالدين يستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه ) (4) ·

ويلاحظ على هذه التعريفات ما يلي :
1 -إن تعريف الحنفية وصف الرهن بأنه محبوس ، بينما وصفته التعريفات الأخرى بأنه وثيقة ، يرجع ذلك إلى أن الحنفية يمنعون الراهن من استرداده ولو للانتفاع به وإن أذن فيه المرتهن فهو محبوس دائماً ، ويجيز المالكية والحنابلة للراهن استرداده للانتفاع به بإذن المرتهن،ويجيز الشافعية ذلك ولو قهراً على المرتهن·
2 -  إن المرهون قد عبر عنه في تعريف المالكية بـ ( ما يباع أو غرراً ) وفي تعريف الحنفية بـ ( شيء ) وفي تعريف الشافعية بـ ( عين مال ) وفي تعريف الحنابلة بـ ( المال ) ·
وسر ذلك أن المالكية يرون جواز أن يكون الرهن ديناً ، أما بقية المذاهب فلا يجوز عندهم ذلك ، بل يوجبون أن يكون الرهن عيناً يجوز بيعها ·
3 -  إن الحنفية والمالكية عبروا عن المرهون بـ ( الحق ) وعبر عنه الشافعية والحنابلة بـ ( الدين ) والسـر في ذلك أن المرهون به عند الشافعية والحنابلة  لا يكون إلا ديناً ، وأما الحنفية والمالكية فإنهم يرون جواز أن يكون المرهون  به عيناً مضمونة ·
4 -إن تعريف المالكية امتاز بوصف المرهون بأنه ( ما يباع أو غرراً ) لأنهم  يجوزون رهن ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه للغرر ، بخلاف المذاهب الأخرى  إذ لا يجوز عندهم رهن ما فيه غرر ·
5 -صرح في تعريف المالكية بالراهن وما يشترط فيه بأنه ( من له البيع ) وخلت منه بقية التعريفات ، مع أن المذاهب الأربعة متفقة على اعتبار هذا الشرط في الراهن· والسر في ذلك أن المالكية دأبوا على ذكر الشروط في تعريفاتهم لتكون ضابطة للماهية الصحيحة شرعاً ، وغيرهم لا يلتزم بذلك · لأن الأسماء الشرعية عندهم تطلق على الماهية صحيحة كانت أو فاسدة · أما المالكية فلا يعتبرون للماهية وجوداً إلا إذا كانت صحيحة ·

والراجح من هذه التعريفات هو تعريف المالكية لعمومه فيما يرهن ، وفي هذا العموم احتياط لحفظ مال المرتهن فضلاً عما يفيده من جواز الرهن بالأعيان المضمونة، سواء كانت مضمونة بنفسها أو بغيرها ، وهذا بخلاف بقية التعريفات فإنها تخصص المرهون بالعين ، ولا تتناول رهن الغرر ، كما أنها تخص المرهون به بالدين · فتعريف المالكية يفيد التيسير على الراهن برهن الدين والغرر وفيه صيانة لمال المرتهن بأي شيء ولو كان ديناً أو غرراً · وفيه كذلك جواز الرهن بالأعيان المضمونة إذا كانت غائبة ، وفي ذلك احتياط لحفظ المال ·

المطلب الثانيحكم الرهن


الفرع الأول : حكم الرهن في السفر ·
لاخلاف بين الفقهاء في جواز الرهن في السفر ·
قال ابن قدامة : ( لا نعلم فيه مخالفاً ) (1) ·
وقد ثبتت مشروعيته بالكتاب ، والسنة ، والإجماع ·
الكتــاب :
قول الله عز وجل : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة(2)·

وجه الدلالة :
إن قوله سبحانه وتعالى: فرهان مقبوضة مصدر مقرون بحرف الفاء في محل الجزاء وهذا يفيد أن ثمة فعل أمر محذوف بعد الفاء وجوباً ، تقديره ، فأرهنوا رهاناً مقبوضة وثيقة بأموالكم ، والأمر هنا لا يفيد الوجوب وإنما هو مصروف عن حقيقته إلى الإباحة بقرينة قول الله تعالى بعد ذلك : فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته (3) ، وأن الله أمر بالرهن بدلاً عن الكتابة عند عدم إمكانها ، أو عدم قبول المرتهن التوثق بها ، والبدل يأخذ حكم المبدل منه ، ولما كانت الكتابة غير واجبة فيكون الرهن غير واجب كذلك (4) ·
السنة :
1 -روت السيدة عائشـة - رضي الله عنها - ( أن النبي صلى الله عليه وسلم     اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل ورهنه درعاً له من حديد ) (1) ·
2 -  عن أنس - رضي الله عنه - قال : ( رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعاً له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله ) (2) ·
وجه الدلالة :
ففي هذين الحديثين دلالة جلية على مشروعية الرهن ، لأنه صلى الله عليه وسلم باشره بنفسه ، وفعله صلى الله عليه وسلم دليل على جوازه ومشروعيته·
الإجماع :
وقد انعقد الإجماع سلفاً وخلفاً على جواز الرهن (3) ·
الفرع الثاني : حكم الرهن في الحضر :
اختلف الفقهاء في جواز الرهن في الحضر ، ولهم في ذلك مذاهب ثلاثة :
المذهب الأول :
يرى من ذهب إليه جواز الرهن في الحضر ·
وقد ذهب إلى هذا الجمهور الأعظم من الفقهاء ، الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة (4) ·
المذهب الثاني :
يرى من ذهب إليه عدم جواز الرهن في الحضر ، وهو مروي عن مجاهد ، والضحاك وداود الظاهري (1) ·
المذهب الثالث :
يرى أصحابه أنه لا يجوز الرهن في الحضر إذا شرطه المرتهن في العقد ويجوز إذا كان تطوعاً من الراهن ، إلى هذا ذهب ابن حزم الظاهري (2) ·
الأدلة والمناقشة :
أ - أدلة أصحاب المذهب الأول :
استدل الجمهور على مذهبهم من جواز الرهن في الحضر بالكتاب ، والسنة ، والقياس ·
أ - الكتاب :
قوله تعالى : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ·
وجه الاستدلال :
إن الله تعالى بعد أن أرشد عباده إلى وسيلة حفظ الأموال في أثناء التعامل فيها وذلك بالكتابة والإشهاد ، عقب ذلك بما ينبغي اتباعه في حفظ هذه الأموال في حالة تعذر الكتابة والإشهاد عليها ثم نبه على حالات العذر بما يغلب فيه وجوده وهو السفر ، يقول القرطبي : ( ويدخل في ذلك المعنى كل عذر قرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات اشتغال الناس وبالليل ··· وأيضاً فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن ) (3) والرهن شرع توثقه على الدين بدليل قوله تعالى بعد ذلك ·  : فإن أمن بعضكم بعضاً ··· ومعنى هذا ، إن أساس مشروعية الرهن الاستيثاق ، فيجوز كلما كانت هناك حاجة لذلك ، والتقييد بالسفر خرج مخرج الغالب لأنه مظنة فقد الكاتب (4) ·
ب - السنة :
1 -ما روته السيدة عائشة -رضي الله عنها - ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً من يهودي ورهنه درعاً له من حديد ) (1) ·
2 -   عن أنس - رضي الله عنه - قال : ( رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعاً عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله ) (2) ·
وجه الاستدلال :
أفادت هذه الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رهن درعه عند هذا اليهودي ، وقد كان بالمدينة وهي حضر ·· كما صرح بذلك رواية أنس - فالرهن في الحضر يجوز سواء كان باشتراط من المرتهن ، أو بغير شرط · وقد رهن رسول الله  صلى الله عليه وسلم درعه في الحالين ، وفعله يدل على جواز الرهن في الحضر مطلقاً لأن الأصل عدم خصوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحكم ، لعدم قيام الدليل على هذه الخصوصية (3) ·
ج - القياس :
وهو : قياس الرهن على الضمان · لأن المقصود من كل منهما توثيق الدين ، وكما جاز الضمان حضراً وسفراً يجوز الرهن سفراً وحضراً كذلك (4) ·
ب - أدلة أصحاب المذهب الثاني :
استدل مجاهد ومن وافقه على أن الرهن لا يجوز في الحضر مطلقاً بما يلي :
الكتاب :
قوله تعالى : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ·
وجه الاستدلال :
إن مشروعية الرهن قد علق على السفر وعدم الكاتب ، والتعلق بالشرط يقتضي عدم الحكم عند عدم الشرط ، وإلا لما كان للتعليق بالشرط فائدة فمفهوم قوله تعالى: وإن كنتم على سفر يمنع الرهن في الحضر مطلقاً (5) ·
ونوقش هذا الاستدلال بما يلي :
1 -إن التقييد بالسفر لا مفهوم له ، إذ العمل بالمفهوم عند من يقول به مشروط بأن لاتوجد للتقييد به فائدة أخرى سوى تخصيص المذكور بالحكم ، وهنا الأمر ليس كذلك فإن فائدة التقييد هنا بيان الواقع ، أو ذكر الحالة الغالبة على حد ماهو معلوم في قوله تعالى  : وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن (1) · إذ إن الربيبة حرام سواء تربت في حجر زوج أمها ، أم تربت بعيداً عنه ، ولكن التقييد خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له ·
2 -لقد ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم جواز الرهن في الحضر ، لأن رهنه صلى الله عليه وسلم درعه عند اليهودي كان بالمدينة وهي موطنه ، والنبي صلى الله عليه وسلم قدوة لنا (2) ·
ج - أدلة أصحاب المذهب الثالث :
استدل ابن حزم على ماذهب إليه من أن الرهن لا يجوز في الحضر إذا كان باشتراط من المرتهن ، وجوازه إذا كان تطوعاً من الراهن بما يلي :
الكتاب :
قول الله عز وجل :  يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه···· (3) - إلى قوله تعالى - : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة (4) ·
وجه الاستدلال :
قال ابن حزم : إن هذه الآية الكريمة تدل على الآتي :
أ -إن الله سبحانه وتعالى قد شرع الرهن مشروطاً بأربعة شروط وهي :
1 -   أن يكون في عقد مداينة التي هي : البيع ، والسلم ، والقرض ، إذ المداينة لا تكون إلا في هذه العقود الثلاثة ·
2 -   أن يكون الدين مؤجلاً إلى أجل مسمى ·
3 -أن يكون العاقد على سفر ·
4 -ألاَّ يوجد كاتب ·
فهذه الشروط الأربعة قد نص القرآن عليها ، فوجب اعتبارها والعمل بمقتضاها، واشتراط الرهن في عقد مداينة في الحضر مخالف لما جاء في الكتاب الكريم فيكون مردوداً · لقوله صلى الله عليه وسلم : ( كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو شرط باطل وإن كانت مائة شرط ، من اشترط شرطاً ليس في كتابه فليس له ) (1) ·
ب - أما إذا وقع الرهن تطوعاً في الحضر فلا بأس به · لأنه في هذه الحالة يكون من التعاون على البر ، وحسن المعاملة الذي يدخل تحت مدلول قوله تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى (2) ·  ولأنه فعل لم ينه عنه الشارع بل هو داخل تحت ما أمر به (3) ·
ونوقش هذا الاستدلال :
إن النص القرآني الكريم دل فيما دل عليه على جواز الرهن في حالات العذر ، والعذر كما يكون في السفر يكون في الحضر ، وقد سبق آنفاً ما ذكره الإمام القرطبي في هذا المعنى · ويؤيد هذا أن الشروط التي ذكرها في عقد المداينة إنما جاء التعبير بها لفوائد أخرى غير نفي الحكم عما سوى المذكور ·
وبيان ذلك فيما يلي :
1 -إن القول بالشرط الأول ، وهو شرط المداينة ممنوع · لأنه ورد فيه حصر المداينة وأسبابها في البيع ، والسلم ، والقرض · فكما يوجد المداينة بسبب هذه الأمور فإنه يوجد بأسباب أخرى كالنكاح وغيره · وفي ذلك يقول القرطبي نقلاً عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( قال ابن عباس في هذه الآية : إن آية المداينة نزلت على السلم خاصة · ثم عقب على قول ابن عباس قائلاً : إن سلم أهل المدينة كان سبب نزول الآية ، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعاً )(1) ·
وما قاله القرطبي في غاية الوضوح · لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ·
2 -أما الشرط الثاني · وهو : أن يكون الدين مؤجلاً ·
فإنه لا يبقى أن يكون مشروعاً في الدين الحـال ، لأن الرهن قد شرع للتوثـق
والحاجة إليه في الدين المؤجل أظهر منها في الدين الحال · وهذا لا يعني أن الدين الحال لا يحتاج فيه إلى التوثق ففيه أيضاً يحتاج إلى ذلك فمع احتمال هلاك المدين ، أو فراره قبل أداء الدين ، أو هلاك ماله · فكل ذلك يمكن تجنبه بالرهن ·
3 -وأما الشرطان الثالث والرابع ، وهما : السفر ، وعدم وجود الكاتب ، فقد خرجا مخرج الغالب ، لأن السفر مظنة عدم وجود الكاتب ، خصوصاً إذا لا حظنا أن الكاتب لم يكن متيسراً في عهد التنزيل في حالتي السفر والحضر وإن كان في حالة السفر أكثر عذراً ·
الترجيح :
والذي يظهر رجحانه - بعدما مر من الاستدلال والمناقشة - هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز الرهن في الحضر مطلقاً ، لقوة أدلتهم ، ولأنه الذي يتفق وسماحة الإسلام ويسره ، وكفالته لمصالح الأفراد والجماعات · وما استدل به المخالفون إنما هو مفهوم المخالفة ، ومن شروط العمل به عند من يرون حجيته في الأحكام أن لا يكون هناك ما هو أقوى منه من منطوق ، أو مفهوم موافقة يعارضه(2) ، وقد وجد في هذه المسألة منطوق يخالف هذا المفهوم وهو ما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهودي بطعام اشتراه لأهله ، وقد كان هذا بالمدينة وهى حضر· فلا يكون ثمة مجال لإعمال مفهوم المخالفة الذي استدل به من خالف الجمهور ·

المطلب الثالثانتفاع المرتهن من المرهون


لا خلاف بين الفقهاء على أن عين الرهن ومنافعه ملك للراهن ، وأن للمرتهن حق استيفاء دينه من ثمن المرهون إذا تعذر على الراهن وفاء الدين للدائن إذا حل أجل الوفاء ، ويكون المرتهن مقدماً على سائر الغرماء في استيفاء حقه ·
وكذلك لا خلاف بين الفقهاء على أنه لا يحل للمرتهن أن ينتفع بشيء من المرهون إذا لم يأذن له الراهن ولم يكن المرهون مركوباً ، أو محلوباً ، أو صالحاً للخدمة (1) ·

لكن ثمة خلافاً وقع بين الفقهاء في حكم انتفاع المرتهن من المرهون إذا أذن له الراهن مطلقاً ، سواء كان المرهون مركوباً ، أو محلوباً ، أو صالحاً للخدمة ، أو لم يكن كذلك ، أو إذا لم يأذن له الراهن ، وكان المرهون مركوباً ، أو محلوباً ، أو صالحاً للخدمة · وأبين فيما يلي الخلاف في هاتين المسألتين ثم أتطرق إلى حكم بعض المعاملات المعاصرة التي جرى عرف الناس بالتعامل فيها في بعض البلاد - كأفغانستان ، وباكستان - · ليتضح لنا هل تلك المعاملة تدخل تحت إطار الانتفاع من المرهون أم لا ؟

الفرع الأول : انتفاع المرتهن من المرهون بناء على إذن من الراهن :

اختلف الفقهاء في حكم انتفاع المرتهن من المرهون إذا أذن له الراهن على أقوال ثلاث:
القول الأول :
يرى من ذهب إليه أنه لايجوز للمرتهن أن ينتفع من المرهون مطلقاً · وإن أذن له الراهن · وقد ذهب إلى هذا بعض الحنفية ، وهو قول للإمام الشافعي (2)  ·
القول الثاني :
يرى من ذهب إليه أنه يجوز للمرتهن أن ينتفع من المرهون مطلقاً · سواء كان الدين قرضاً ، أم غير قرض ، وسواء شرطه المرتهن في العقد أم لم يشترطه ·
وقد ذهب إلى هذا الحنفية ، وهو وجه عند الشافعية إذا كان الإذن خارج العقد(1)·
القول الثالث :
يرى أصحابه عدم جواز انتفاع المرتهن من المرهون وإن أذن له الراهن فيه ، إذا كان الرهن بدين قرض ، فإذا كان بدين مترتب عن غير القرض ، كثمن مبيع ، أو أجرة دار ، أو نحوهما ، جاز الانتفاع به · وقد ذهب إلى هذا المالكية ، والشافعية ، والحنابلة (2) ·

غير أن المالكية ، والشافعية قيدوا الجواز في هذه الحالة بشرطين ·
الأول : أن يكون الانتفاع في صلب العقد · أي في صلب عقد البيع لا الرهن · لأنه لو شرط في الرهن كان باطلاً ·
الثاني : أن تكون المنفعة معلومة ببيان مدتها (3)  ·
الأدلة والمناقشة :
أ - أدلة أصحاب القول الأول :
 استدل هؤلاء على ماذهبوا إليه - من أنه لا يجوز للمرتهن أن ينتفع من المرهون  وإن أذن له الراهن فيه - بأدلة من السنة ، والمعقول ·
أ - السنة :
 ما رواه سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يغلق الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه ) (1) ·
وجه الاستدلال :
إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( له غنمه وعليه غرمه ) صريح في أن منافع الرهن ملك للراهن · فلا يباح شيء منها للمرتهن إلا ما قام على إباحته دليل صحيح ، ولم يقم دليل صحيح على ذلك أما إذن الراهن فليس إلا لدواعي الحاجة القاسية ·
ب - المعقول :
1 - إن كان الانتفاع مشروطاً في صلب العقد ، فإنه يكون ربا ، لأن المرتهن   يستوفي حقه كاملاً بأخذه الدين ، فتبقى المنفعة فضلاً وهو معنى الربا (2)·
2 -   إن كان الدين قرضاً ، فإنه يكون قرضاً جر منفعة وهو حرام ، وإن كان بسبب غير القرض كالإجارة ، والبيع وغير ذلك من أسباب المداينات فهو في معنى القرض أيضاً · لأنها كلها ديون لازمة فيكون الانتفاع في مقابل الأجل وهو معنى الربا (1) ·
ب : أدلة أصحاب القول الثاني :
استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه - من جواز الانتفاع من المرهون إذا إذن الراهن - بما يلي :
المعقول :
وهو : إن الراهن مالك لجميع منافع المرهون بالاتفاق ، فكان له أن يملكها لغيره ، فإذا أباحها للمرتهن صح ذلك وحل له الانتفاع بالمال المرهون · فكأن الراهن وهبه منفعة المال المرهون ، والهبة مشروعة (2) ·
ويناقش هذا :
بأن الهبة المشروعة هي ما أقدم عليها المرء بمحض اختياره ، والظاهر من حال الراهن أنه ما أقدم على إباحة الانتفاع للمرتهن إلا تحت تأثير الحاجة ولم يكن عن طيب نفس منه · وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه ) (3) وعليه : فلا يحل للمرتهن أن ينتفع من المال المرهون وإن أذن له الراهن فيه ·
ج : أدلة أصحاب القول الثالث :
استدلوا على عدم جواز الانتفاع من المرهون إذا كان الرهن بدين قرض بما يلي :
السنة :
ما رواه فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا ) (1) ·
وجه الاستدلال :
أفاد الحديث أن كل نفع مترتب على القرض فهو ربا منهي عنه ، وانتفاع المرتهن بالرهن إذا كان بدين قرض هو زيادة خالية عن عوض فيكون ربا ·
ويناقش هذا :
إن هذا الحديث قد ضعفه علماء الحديث من جهة سنده فلا يصلح حجة (2) ·
واستدلوا على جواز الانتفاع من المرهون إن لم يكن بدين قرض بما يلي :
حديث فضالة السابق ، فإن مفهوم المخالفة للقرض فيه ، يقتضي أن غير القرض إذا جر نفعاً فإنه لا يكون ربا ومن ثم فلا يكون نفعه محرماً ·
ويناقش هذا :
إن الاستدلال بمفهوم الحديث مردود · لأن الحديث لا مفهوم له لأنه خرج مخرج الغالب ، حيث كان الغالب أن الناس كانوا يأخذون الرهن في مقابل الدين وينتفعون به فنهى الشارع عنه بخصوصه ، ولا ينفي الحكم عما عداه · ولو سلم أن له مفهوماً فلا حجة فيه لأنه مفهوم لقب(3)  ومفهوم اللقب لا يحتج به على الراجح من أقوال العلماء ·
واستدل المالكية والشافعية على تقييد الانتفاع من المرهون أن يكون مشروطاً في صلب العقد ويكون لمدة معينة · بما يلي :
المعقول :
وهو : إن الانتفاع من المرهون إذا كان مشروطاً في صلب العقد كان بيعاً وإجارة وهو جائز ، تعيين المدة يخرج من الجهالة المفسدة للجهالة (1) ·
ويناقش هذا :
إن هذا التقييد لايجنبهم المحظور الذي فروا منه وهو فساد الإجارة ، لأنها فاسدة مع ذلك لجهالة الأجرة ، والبيع فاسد لجهالة الثمن إذ الدين أصبح أجرة وثمناً على الشيوع ·
الترجيح :
والراجح من هذه المذاهب ، هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من عدم جواز انتفاع المرتهن من المرهون مطلقاً ، وإن أذن له الراهن فيه · وذلك لما استدلوا به على مذهبهم ، ولأنه يتفق وسماحة الإسلام ونبل مقصده ، وحضه على التعاون على البر، وعدم استغلال حاجات الناس لأكل أموالهم بالباطل ·
 ↚
الفرع الثاني : انتفاع المرتهن من المرهون بدون إذن الراهن :

ثار الخلاف بين الفقهاء في حكم انتفاع المرتهن من المرهون ، إذا كان المرهون مما يمكن الانتفاع به ، بأن كان مركوباً ، أو محلوباً ، أو صالحاً للخدمة إلا أن الراهن لم يأذن للمرتهن في الانتفاع به · وللفقهاء في ذلك اتجاهات أربع ·
الاتجاه الأول :
يرى من ذهب إليه أنه يجوز للمرتهن أن ينتفع من المرهون ركوباً ، وحلباً ، واستخداماً بمقدار ماينفقه المرتهن عليه ، إذا امتنع الراهن عن الإنفاق عليه · وهو قول الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأبي ثور (2) ·
الاتجاه الثاني :
يرى أصحابه أنه لا يجوز للمرتهن أن ينتفع من المرهون إذا كان محلوباً ، أو مركوباً أو صالحاً للخدمة ، إن لم يأذن له الراهن ، سواء كان الانتفاع بقدر النفقة ، أو أكثر منها ، وسواء كان لامتناع الراهن عن الإنفاق أم لم يكن ، وسواء كان قادراً على أخذ المنفعة أو لم يكن قادراً ·
وقد ذهب إلى هذا الحنفية ، والمالكية ،والشافعية ،والإمام أحمد في رواية عنه (1)·
الاتجاه الثالث :
يرى من ذهب إليه جواز الانتفاع من المرهون ركوباً ، وحلباً فقط ، بمقدار ما ينفقه عليه مراعى في ذلك العدل فيه ، سواء كان الإنفاق بسبب امتناع الراهن من النفقة عليه أو عدم امتناعه منه مع قدرته وحضوره ·
وهو قول إسحاق بن راهوية ، وإليه ذهب الإمام أحمد في رواية عنه واختاره الخرقي (2) ·
الاتجاه الرابع :
يرى من ذهب إليه جواز انتفاع المرتهن من المرهون ركوباً ، وحلباً فقط في مقابل ما ينفقه عليه إذا امتنع الراهن عن الإنفاق عليه من غير تقييد المنفعة بمقدار النفقة ، وإليه ذهب الظاهرية (3) ·
الأدلة والمناقشة :
أ - أدلة أصحاب الاتجاه الأول :
استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه من جواز انتفاع المرتهن من المرهون ركوباً وحلباً، واستخداماً في حالة امتناع الراهن من الإنفاق عليه على أن يكون الانتفاع بقدر النفقة - بأدلة من السنة ، والقياس ·
أ - السنة :
1 -   ما رواه سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه سلم قال : ( لا يغلق الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه ) (4) ·
2 -  عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ( الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً وعلى الذي يركب ، ويشرب النفقة ) (1)  ·
وجه الاستدلال :
إن الحديث الأول يدل على أن جميع منافع الرهن للراهن · والحديث الثاني يدل على أن للمرتهن أن ينتفع بالمرهون ركوباً ، وحلباً ، في مقابل النفقة عليه ·
وجمعاً بين الحديثين ، يحمل الحديث الأول على ما إذا قام الراهن بالإنفاق عليه ولم يمتنع عنه ويحمل الحديث الثاني على ما إذا امتنع عن الإنفاق على المرهون ·
أما كون النفقة مقدراً بقدر النفقة نستدل له برواية حماد بن أبي سلمة وهي : (إذا ارتهن شاة شرب من لبنها بقدر علفها فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا) (2) التي بين فيها جواز الانتفاع من المرهون بقدر ما أنفق عليه من النفقة (3)  ·
ب : القياس :
إن الاستخدام كالحلب ، والركوب وما في معناهما · فكما جاز للمرتهن الانتفاع من المرهون ركوباً ، وحلباً ، فكذلك يجوز له الانتفاع بالاستخدام (4) ·
ب : أدلة أصحاب الاتجاه الثاني :
استدل هؤلاء على ماذهبوا إليه - من عدم جواز الانتفاع مطلقاً - بالسنة ، والقياس ·
أ - السنة :
حديث : ( لا يغلق الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه ) (1) ·
وجه الاستدلال :
إن الحديث جعل الغنم للراهن والغرم عليه ، والمنافع من غنمه فتكون ملكاً له ·
لا يملك أحد أن يستبيح هذه المنافع بدون إذن الراهن (2) ·
ونوقش هذا الاستدلال بما يلي :
1 -  إن هذا الحديث اختلف في وصله ، وإرساله ، وفي وقفه ، ورفعه (3) وهو مع هذا الاختلاف لا يقوى على معارضة حديث أبي هريرة وهو : ( الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً وعلى الذي     يركب ويشرب النفقة ) (4) ·
أجيب عنه :
إن الوصل والرفع زيادة من الثقة ، وهي مقبولة · والاختلاف فيها لا يمنع من صحة الاحتجاج بالحديث (5) ·
2 -  إن هذا الحديث جاء في بعض طرقه عبد الله بن الأصم الأنطاكي ، وله أحاديث منكرة ، ذكرها ابن عدي في الكامل ومنها هذا الحديث (6) ·
أجيب عنه :
بأن الحديث قد روي من طرق عدة ، وليس فيها هذا الراوي ، وهذه الطرق حسنها علماء الحديث (7) ·
3 -  عبارة : ( له غنمه وعليه غرمه ) ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هي من كلام سعيد بن المسيب نقلها عنه الزهري وذكره أبوداود في مراسله (1) ·
أجيب عنه :
بأن معمراً ذكره عن الزهري مرفوعاً ، ومعمر أثبت الناس في الزهري (2) ·
وعلى فرض تسليم إنها من كلام سعيد فإنها لا تفيد في الاستدلال ، لأن المستدل يكفيه لإثبات مذهبه بهذا الحديث قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الرهن من راهنه) ·
ب  : القياس :
إن المرهون كغيره من أموال الراهن ، فكما لا يجوز للمرتهن أن ينتفع بشيء من أمواله غير المرهون فكذلك المال المرهون بجامع أن كلاً منهما ملك لغيره ، وبالتالي فليس للمرتهن في المرهون إلا الحبس دون الانتفاع (3) ·
ونوقش هذا :
بأن هذا القياس فاسد · لأنه في مقابلة النص ، وهو قوله صلى الله عليـه وسلم : ( الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ··· ) ·
ج : أدلة أصحاب الاتجاه الثالث :
استدل هؤلاء على مذهبهم - وهو جواز الانتفاع بالمرهون ركوباً وحلباً بقدر النفقة مع تحري العدل - بالسنة ، والقياس ·
أ - السنة :
حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : ( الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً وعلى الذي يركب ويشرب النفقة ) ·
وجه الاستدلال :
إن الفعلين وإن وردا بصيغة المبني للمجهول ، إلا أن الفاعل متيقن وهو المرتهن · لأنه يجوز أن يكون غير الراهن ، والمرتهن للإجماع ، حيث لايجوز لأحد أن ينتفع بمال أحد من غير إذنه ، كما لا يجوز أن يكون مراداً به الراهن · لأن الحديث جعل الركوب والشرب في مقابل النفقة وعوضاً عنها وذلك حق المرتهن ، أما الراهن فله حق الركوب والشرب باعتباره مالكاً له في مقابل النفقة ولا عوضاً عنها (1) ·
ونوقش هذا بما يلي :
1 - إن الحديث مجمل ، لأنه لم يبين من له حق الانتفاع ، أهو الراهن أم المرتهن ·   وبالتالي فلا حجة فيه (2)  ·
أجيب عنه :
بأنه لا إجمال في الحديث · لأنه جعل الانتفاع في مقابل النفقة وعوضاً عنها ، ولا يكون ذلك إلا للمرتهن ، أما الراهن فإن له حق الانتفاع بموجب حق الملك لا بطريق المعاوضة ، و على فرض إجمال الحديث فقد وردت روايات أخرى تبين هذا الإجمال (3)·
2 -هذا الحديث كان قبل تحريم الربا ، ثم نسخ بقول النبي صلى الله عليه وسلم:  ( كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا )(4)،(5) ·
أجيب عنه :
بأن دعوى النسخ هذه احتمالية · لأن النسخ لا يثبت إلا بالجزم بتقدم المنسوخ وتأخر الناسخ ، وعدم إمكان الجمع بينهما وهذا أمر متعذر لكون التاريخ مجهولاً (6) ·
3 -هذا الحديث معارض بحديث أخر (7) وهو ما رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه ··· ) (1)  فحديث محل الاستدلال مبيح ، وهذا الحديث محاظر ، وعند التعارض يقدم المحاظر على المبيح ·
أجيب عنه :
بأنه يمكن فك التعارض بين الحديثين · لأن حديث ابن عمر عام ، وحديث محل الاستدلال خاص ، والقاعدة : أنه إذا اجتمع عام وخاص في موضع واحد يبنى العام على الخاص لأن الجمع بين الدليلين أولى من إهدارهما (2)  ·
4 -هذا الحديث مخالف للأصول الشرعية ، والقياس من وجهين :
الوجه الأول :
أنه أباح لغير المالك أن ينتفع بملكه بغير إذنه وهو ممنوع لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه )(3) ·
الوجه الثاني :
  أنه جعل الضمان بالنفقة وهذا مخالف للأصل في التضمين والذي يقضي بالمثل في المثلي وبالقيمة في القيمي (4) ·
أجيب عنه :
بأن مخالفة الحديث للقياس لا تقدح في الاستدلال به · لأن الأئمة أثبتوا كثيراً من الأحكام بالنصوص وقالوا : إنها ثابتة على خلاف القياس كالإجارة ، والسلم (5) ·
ب : القياس :
وقالوا في تقريره :
إن نفقة الحيوان واجبة على الراهن ، وللمرتهن فيه حق · وقد أمكنه استيفاء حق من نماء الرهن ، والنيابة عن المالك فيما وجب عليه واستيفاء ذلك من منافعه فجاز ذلك كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند امتناعه عن الإنفاق عليها من غير إذنه ، والنيابة عنه في الإنفاق على نفسها · والجامع بين المرتهن والمرأة هو مطلق امتناع كل من الراهن والزوج عن الإنفاق على المرهون ، والزوجة · فجاز للمرتهن أن ينفق على الحيوان المرهون ويأخذ مقابلها من منفعته ، كما يجوز للمرأة أن تنفق على نفسها من مال زوجها عند امتناعه عن الإنفاق عليها (1) ·
د - أدلة أصحاب الاتجاه الرابع :
استدل هؤلاء على ماذهبوا إليه - من جواز انتفاع المرتهن من المرهون ركوباً ، وحلباً فقط ، إذا امتنع الراهن عن الإنفاق عليه على أن يكون الانتفاع في مقابل النفقة مهما كان قدرها - بالكتاب ، والسنة ·
أ - الكتاب :
1 -  قول الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم  (2) ·
2 -  قوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل (3) ·
ب : السنة :
1 -  عن أنس بن مالك - رضي اللـه عنه - عن النبي صلى اللـه عليه وسلم قـال :    ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه )(4) ·
2 -  عن أبي بكرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن دماءكم ، وأموالكم عليكم حرام ···· )(5) ·
وجه الاستدلال :
فهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل بوضوح على أنه لا يحل لأحد أن ينتفع بمال غيره بدون إذنه وإلا كان أكلاً له بالباطل ·
فالمرتهن لا يجوز له أن ينتفع بالمرهون بدون إذن الراهن ولكن قد ورد حديث هو: ( الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ··· ) فأفاد جواز انتفاع المرتهن من المرهون ركوباً وحلباً من غير إذن الراهن ، ولم يقيد المنفعة بمقدار النفقة ، فاقتصر الجواز على مورد النص وبقي التحريم فيما عداه (1) ·
ويناقش هذا :
بأن حديث : ( الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ··· ) قد قيدته رواية حماد بن سلمة : ( إذا ارتهن شاة شرب من لبنها بقدر علفها فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا ) (2) ·
فهذا صريح في أن الانتفاع بما زاد على قدر النفقة يكون حراماً ، فالواجب تقييد   حديث أبي هريرة السابق بهذا الحديث ·
الترجيح :
والذي يتضح رجحانه - من خلال العرض والمناقشة - هو ماذهب إليه الأوزاعي، والليث ، وأبو ثور ، من جواز انتفاع المرتهن من المرهون إذا امتنع الراهن عن الإنفاق عليه شريطة أن يكون الانتفاع بقدر النفقة ولا يزيد عنها · وذلك لقوة ما استدلوا به ولموافقته مع مبادئ الشريعة العامة التي تقضي بالمحافظة على الأموال وصيانتها من الضياع ، ولما فيه من صيانة لحقوق كل من الراهن والمرتهن ·
هذا ····· إذا كان المرهون مما يحتاج إلى النفقة وامتنع الراهن عن الإنفاق عليه ، فيجوز للمرتهن أن ينتفع بها بقدر ماينفق عليه · أما إذا كان الرهن مما لا يحتاج إلى النفقة كالدار ، والأرض ، والسيارة ، وجهاز الحاسب الآلي ، وغير ذلك · فلا يجوز للمرتهن أن ينتفع به · لأنه يأخذ حقه كاملاً ويبقى الانتفاع زائداً وهوربا ·
وأساس ذلك الأحاديث الواردة في هذا الشأن هو قوله صلى الله عليه وسلم : (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً وعلى الذي يركب ويشرب النفقة) (1) ·
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا ارتهن شاة شرب من لبنها بقدر علفها )(2) · حيث قيدت هذه النصوص انتفاع المرتهن بشرط الإنفاق عليه · إذا كان الرهن مما يحتاج إلى النفقة ، بحيث إذا امتنع الراهن أو المرتهن عن الإنفاق عليه يؤدي إلى تلفه أو هلاكه · فيبيح للمرتهن الانتفاع شريطة الإنفاق عليه ·
أما الدار ، والأرض وأمثالها فلا تحتاج إلى النفقة · وبالتالي فلا يؤدي  عدم الإنفاق عليها إلى هلاكها أو تلفها ·
لكن هناك سؤالاً يطرح نفسه وهو : إذا كان المبدأ العام أنه لايجوز للمرتهن أن ينتفع بالمرهون إذا كان مما لا يحتاج إلى النفقة · كالعقارات ، والسيارات ، والأجهزة الكهربائية بمختلف أنواعها · فما حكم بيع الوفاء الذي يتعامل به الناس الآن في بعض البلدان - مثل: أفغانستان ، وباكستان ، والهند - مع أن بيع الوفاء رهن حقيقي؟
وللإجابة عن هذا السؤال أتعرض للتكييف الفقهي لبيع الوفاء ، ثم أذكر مستند من قال بجوازه من الفقهاء مع التطرق إلى تعارض العرف مع النص الشرعي وتحليل ذلك ، وأختتم البحث مع ذكر بعض صور بيع الوفاء الحديثة ومقارنتها ببيع الوفاء الذي حكم الفقهاء بجوازه ·




















المطلب الرابع
بيع الوفاء

عرف ابن عابدين من الحنفية بيع الوفاء بقوله :
( بيع الوفاء هو : أن يبيعه العين بألف على أنه إذا رد عليه الثمن رد عليه العين )(1) فبيع الوفاء ، بيع يشترط فيه البائع على المشتري ، أن يرد له المبيع إذا رد عليه الثمن، وإنما سمي ( بيع الوفاء ) لأن المشتري يلزمه الوفاء بالشرط ·

التكييف الفقهي لبيع الوفاء :
اختلف الفقهاء في التكييف الفقهي لبيع الوفاء على مذاهب عدة ، المشهور منها ثلاثة·
المذهب الأول :
يرى أصحابه ، أن بيع الوفاء رهن حقيقي ، يأخذ أحكام الرهن فلا يملكه المشتري ويسترده البائع إذا دفع الثمن للمشتري ، ويستوفي منه المشتري حقه ، إذا عجز البائع عن دفع الثمن عند الأجل وإلى هذا ذهب بعض الحنفية (2) ·
المذهب الثاني :
يرى من ذهب إليه أن بيع الوفاء رهن باطل ، وإليه ذهب بعض المالكية (3) ·
المذهب الثالث :
يرى أصحابه أنه بيع باطل ، وإليه ذهب المتقدمون من الحنفية ، وهو مذهب جمهور المالكية ، والشافعية ، والحنابلة (4)  ·
الأدلة :
استدل أصحاب المذهب الأول على أن بيع الوفاء رهن حقيقي بما يلي :
المعقول :
إن المتعاقدين إنما قصدا من هذا البيع الرهن والاستيثاق بالدين · والعبرة في العقود للمعاني ، لا للألفاظ والمباني ولهذا كانت الهبة بشرط العوض بيعاً ، وكانت الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة ، فكذلك البيع بشرط رد المبيع عند رد الثمن يكون رهناً (1) ·
استدل أصحاب المذهب الثاني على أن بيع الوفاء رهن باطل بما يلي :
المعقول :
إن البيع بشرط رد المبيع إذا رد البائع الثمن ، وهو سلف بمنفعة لأن المشتري ينتفع بالمبيع بلا مقابل بمقتضى عقد البيع وذلك من الربا المنهي عنه (2) ·
استدل أصحاب المذهب الثالث على أن بيع الوفاء بيع باطل بما يلي :
المعقول :
1 -   إن اشتراط البائع أخذ المبيع إذا رد الثمن إلى المشتري يخالف مقتضى البيع وحكمه ، وهو ملك المشتري المبيع على سبيل الاستقرار والدوام ، وفي هذا الشرط منفعة للبائع ولم يرد دليل معين يدل على جوازه فيكون شرطاً فاسداً يفسد البيع باشتراطه فيه ·
2 -إن البيع على هذا الوجه لا يقصد منه حقيقة البيع بشرط الوفاء وإنما يقصد من ورائه الوصول إلى الربا المحرم ، وهو إعطاء المال إلى أجل ، ومنفعة المبيع هي الربح ، والربا باطل في جميع حالاته (3) ·

والراجح من هذه المذاهب ، هو ما ذهب إليه بعض الحنفية ، من أن هذا المبيع رهن حقيقي ، فيأخذ أحكام الرهن ، لأن الدافع إليه في الغالب هو الحاجة الملحة ، فإن من الناس من يفتقر إلى المال ، ولا يجد ما يخرجه من هذه الضائقة إلا بيع عقاره ، أو منقوله إلى شخص آخر ، فيشترط على المشتري أن يرجع إليه ملك المبيع إذا رد إليه الثمن ، فهذا في الواقع يدل على أن البائع إنما قصد الرهن ، وقد أجبرته الضرورة على إخراج ملكه عنه هذه المدة التي عينت للوفاء ، وواقع حال المشتري أنه قبل ابتياعه للانتفاع به هذه المدة فإن عجز البائع عن رد الثمن ، فإن المشتري يملك المبيع دون عقد جديد أو إجراء آخر ، وإذا كان مقصود الشريعة المحافظة على الأموال حتى لا يحصل غبن لأحد من المتعاملين ، فإن القول بأن بيع الوفاء بيع باطل أو رهن باطل، فيه غبن على المشتري بترك ماله دون توثق ، وهو مالا يأمن البائع على ما دفعه له فقد يدعي الإفلاس ، وقد يتصرف في ماله على وجه يجعله معدماً فيضع على المشتري مادفعه ، وفي القول بأن هذا البيع رهن حقيقي يحقق حفظ مال البائع والمشتري ، فإن المبيع بمقتضى اعتباره رهناً لا يملكه المشتري ولا ينتفع به ، ولكن له حق استيفاء ثمنه منه عند أجل الوفاء ، ويجعل المبيع وثيقة يستوفي منها ماله ، وبذلك يتحقق مقصود الشارع من المحافظة على الأموال على وجه لا ظلم فيه ·

مستند القائل بجواز بيع الوفاء :
إذا كان مذهب المتقدمين من الحنفية وجمهور الفقهاء أن بيع الوفاء رهن باطل لأنه بيع اقترن بشرط - وفيه منفعة لأحد المتعاقدين - وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط ، إذاً ، فما المستند الذي استند إليه متأخرو الحنفية في حكمهم على جواز بيع الوفاء ، وكيف وفقوا بين قوله صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع وشرط وهذا البيع ؟
ومن المقرر فقهاً وأصولاً أنه لا عبرة للعرف إذا عارض نصاً تشريعاً ، سواء كان العرف عاماً ، أو خاصاً ، لفظياً كان أو عملياً ·

تعارض العرف مع النص وتحليل ذلك :
إذا عارض العرف نصاً تشريعاً عاماً شاملاً بعمومه الأمر المتعارف ففي سلطان العرف عندئذ تفصيل بحسب كون العرف مقارناً لورود النص ، أو حادثاً بعده ·
أولاً : العرف المقارن لورود النص العام المعارض له :
العرف القائم عند ورود النص التشريعي إما أن يكون لفظياً ، أو عملياً ·
أ -  فإذا كان لفظياً فلا خلاف بين الفقهاء في اعتباره فينزل النص التشريعي العام على حدود معناه العرفي عند الخلو عن القرائن لو كانت دلالة اللفظ الذي استعمله الشارع هي في أصل اللغة أوسع من دلالته العرفية ، لأن العرف اللفظي العام هو لغة التخاطب فيوجه الألفاظ إلى معانيها في حدودها المألوفة مالم توجد قرينة دالة على أن الشارع أراد بلفظه حدوداً أوسع ، وهذا في الواقع فرع من قاعدة وجوب حمل اللفظ على معناه الحقيقي مالم تضم قرينته على إرادة المجاز ، لأن العرف اللفظي يجعل المعنى المتعارف حقيقة عرفية ، وهي مقدمة في الفهم على الحقيقة اللغوية التي تصبح هي بالنسبة إلى الحقيقة العرفية مجازاً يحتاج إلى قرينة ، فألفاظ البيع ، والشراء ، والإجارة ، والسلم ،  وغيرها كل ذلك وغيره من النصوص يحمل على معانيه العرفية عند ورود النصوص بها وإن اختلفت عن المعاني الوضعية في أصل اللغة ·

ب - وأما إذا كان العرف القائم عند ورود النص المخالف له عرفاً عملياً فقد اختلفت الاجتهادات في كونه صالحاً لتخصيص النص العام أو غير صالح · ولدى من يعده صالحاً يجد تفصيلاً بين أن يكون العرف عاماً أو خاصاً نلخصه فيما يلي :

أ - العرف المقارن العام :
      فإذا كان العرف القائم عند ورود النص العام المعارض له عرفاً عاماً فإنه في الاجتهاد الحنفي يكون مخصصاً للنص ، فيعد عندئذ ذلك النص مقصور الشمول على ماسوى الأمر المتعارف إذ يكون ذلك العرف قرينة قائمة دالة على أن الشارع لم يرد شمول ذلك الأمر المتعارف بعموم نصه المعارض له في الظاهر ·
والنظـر الفقهـي في ذلك أن النص إذا كان عامـاً فإن العمل بالعرف في موضعه لا يكون تعطيلاً للنص كما في حالة خصوص النص ، بل يبقى النص معملاً في مشمولاته الأخرى التي يتناولها عمومه ، فليس في تخصيص النص بالعرف عندئذ إهمال للنص ، بل هو إعمال للعرف والنص معاً ، والعرف العملي يدل على حاجة الناس إلى ما تعارفوا عليه ، وفي نزع الناس عما تعارفوه عسر وحرج ، فالعمل بهما أولى وأوفى بالحاجة (1) ·

ب - العرف المقارن الخاص :
وأما إذا كان العرف القائم المعارض للنص العام عرفاً خاصاً بمكان دون آخر أو بفئة من الناس دون سواهم ، كعرف التجار ، والصناع في بعض البلدان ، أو بعض الأصناف فالراجح من الآراء في الاجتهاد الحنفي أنه ليس له عند معارضة النص ما للعرف العام من قوة وسلطان ، فلا يصلح العرف الخاص مخصصاً للنص العام المعارض ولو كان قائماً عند ورود النص لأنه إذا كان عرف بعض البلاد أو الناس يقتضي تخصيص النص فإن عدم هذا العرف لدى بقية الأماكن أو الناس مالا يقتضيه فلا يثبت التخصيص بالشك (2) ·

ثانياً : العرف الحادث بعد النص العام المعارض له :
وأما إذا كان العرف المعارض للنص العام حادثاً بعد ذلك النص ، فإن هذا العرف لا يعد ولا يصلح مخصصاً للنص التشريعي باتفاق الفقهاء ولو كان عرفاً عاماً ، لأن العرف الحادث هو طارئ بعد أن حدد مفهوم النص التشريعي ومراد الشارع منه وأصبح نافذاً منذ صدوره عن الشارع ، فإذا ساغ تخصيصه بعد ذلك بعرف طارئ مخالف له كان ذلك نسخاً للنص التشريعي بالعرف ، وهذا غير جائز ، إذ لو جاز لأدى إلى تبديل معظم أحكام الشريعة بأعراف طارئة تلغيها وتحل محلها فلا يبقى للشرع معنى ·
ولا فرق بين العرف العملي ، والعرف اللفظي في عدم صلوح الطارئ منهما لتخصيص النص السابق عليه ، بل العرف اللفظي الحادث هو أبعد عن الصلوح لهذا التخصيص ·
فبعد ورود نصوص القرآن والسنة إذا تبدل عرف الناس في معاني بعض الألفاظ الواردة في نصوصهما فلا عبرة لهذا التبدل ، بل العبرة لتلك المعاني والحدود التي كانت هي المفهومة منهما عند الورود لأن العرف اللفظي القائم عند ورود النص التشريعي هو الذي يحدد مراد الشارع من كلامه (1) ·
وعلى هذا الأساس يجب تطبيق نصوص الفقهاء ، وتفسير صكوك الوقفيات ، والوصايا ، والبيوع ، والهبات ، وسائر الصكوك العقدية وما يرد فيها من شروط واصطلاحات ، فإنها جميعاً يجب أن تفسر بحسب عرف العاقدين المنشئين لها في زمانهم قياساً على نصوص الشارع ولا يسوغ تنزيلها في الفهم على عرف حادث يخرج به كلامهم عن مرادهم ·
قال ابن نجيم في الأشباه والنظائر تحت القاعدة السادسة ما نصه: ( العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر ولذا قالوا : لا عبرة بالعرف الطارئ )(2) ·
وقد عرفنا فيما سبق أن عدم اعتبار العرف الطارئ في تخصيص معاني النصوص وتقييدها لا ينحصر في العرف اللفظي ، فالعرف العملي الطارئ ليس له أيضاً هذا السلطان تجاه النص ، ولو كان عرفاً عاماً · إلا أن يكون النص معللاً بالعرف أو معللاً بعلة يزيلها العرف كما سنرى قريباً ·
فهذا هو المبدأ الفقهي المقرر عند تعارض العرف والنص التشريعي العام ، يتلخص بأنه :
أ - إذا كان العرف قائماً عند ورود النص كان للعرف العام في الاجتهاد الحنفي سلطان يخصص النص ، ويفيد قصر حكمه على غير الأمر المتعارف وليس للعرف الخاص مثل هذا السلطان إلا على رأي ضعيف مرجوح ·
ب - وإذا كان العرف حادثاً فإنه لا يصلح مخصصاً للنص العام السابق ، بل العبرة لعموم النص دون العرف ولو كان العرف عاماً ·هذا ، والمتتبع للفروع الفقهية ، والناظر في تعليلاتها التي يعلل بها الفقهاء يجد أن العرف الحادث ولو خالف ظاهر النص التشريعي يعتبر ويحترم في حالتين :
1 - إذا كان النص التشريعي نفسه معللاً بالعرف ، أي مبنياً على عرف عملي قائم عند وروده ، فعندئذ إذا تبدل ذلك العرف يتبدل تبعاً له حكم النص ولو كان النص خاصاً بالموضوع · وهذا الرأي انفرد به أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة ، وهو الرأي الأقوى مدركاً وحجة وإن كان الجمهور على خلافه (1) ·
2 - وإذا كان النص التشريعي معللاً بعلة ينفيها العرف الحادث سواء أكانت علة النص مصرحاً بها فيه أو مستنبطة استنباطاً بطريق الاجتهاد · ففي مثل هذه الحال يعتبر العرف الحادث ويحترم وإن خالف النص لأن هذه المخالفة تصبح ظاهرية غير حقيقية ما دامت علة النص تنتفي بوجود العرف ، إذ من المقرر في قواعد الأصول أن الحكم الشرعي يدور مع علته فيثبت عند ثبوتها وينتفي بانتفائها ·

الشواهد الفقهية على هذا المبدأ :
هناك شواهد فقهية عديدة على هذا المبدأ في اعتبار العرف الحادث نورد بعضها لنصل من خلالها إلى موضوعنا ·
الشاهد الأول :
يذكر فقهاء الحنفية في بحث الشرط المفسد في عقود المعاوضات كالبيع ، أن الشرط المفسد لعقد المعاوضة هو كل شرط تشترط فيه منفعة خارجة عن الحكم الأصلي للعقد وعما يلائمه ، كشرط المشتري على البائع طحن الحنطة المشتراة ، أو حمل البضاعة على حسابه ، أو إصلاح الآلة المبيعة إذا تعطلت عند المشتري ، أو اشتراط البائع أن يستعمل المبيع مدة بعد البيع(2) فكل ذلك في أصل نظريتهم شروط مفسدة · وقد أخذ الحنفية في ذلك بظاهر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( نهي عن بيع وشرط ) (1) ·
وقد استثنوا من هذا النص نوعين من الشروط التعاقدية حكموا بصحتها وإلزامها إذا اشترطا في العقد ، وهما :
1 -  الشرط الذي ورد بجوازه نص شرعي كشرط الخيار (2) ·
2 -  الشرط الذي تعارف الناس باشتراطه ·
فالشروط التي تعتبر عند الحنفية مفسدة بحسب تفسيرهم لهذا النص الوارد في السنة إذا تعورف شيء منها يصبح بالعرف صحيحاً ملزماً واجب الاحترام شرعاً ، ولو كان العرف فيه حادثاً ·
ومن فروع هذا النظر تصحيحهم بيع الوفاء لجريان العرف به رغم أنه في الأصل يقوم على أساس اشتراط مفسد عندهم وقد أفتى متقدمو الحنفية بفساده قبل أن يفشى فيه العرف ولهذا نجد متأخريهم أفتوا بجوازه لجريان العرف فيه ·
ومستندهم في ذلك هو النظر إلى علة الحديث النبوي الذي نص على منع الشرط في البيع ، فقد اعتبروا أن الغرض التشريعي منه هو منع سبب المنازعة ، لأن هذه الشروط الزائدة على أصل عقد البيع يفضي تنفيذها وكيفيته إلى النزاع غالباً فرأوا أن العرف إذا جرى على بعضها ينفي النزاع إذ يجعل الأمر معلوماً مألوفاً فلا يكون العرف قاضياً على النص بل موافقاً لغرضه وروحه ولو كان عرفاً حادثاً (1) ·
ولم يوجبوا لتصحيح الشرط المتعارف أن يكون العرف فيه عاماً بل يكفي العرف الخاص ، فإن الشروط الممكنة متنوعة أنواعاً لا تحصى وهي في كل مكان وزمان بحسب حاجات أهله ، فقد يتعارف في بلد من الشروط العقدية مالا يتعارف في غيره، فيصح من كل قوم أن يشترطوا في بيوعهم وسائر معاوضاتهم مايتعارفونه من الشروط مالم يوجد نص خاص يمنع شرطاً مخصوصاً بعينه ، فحينئذ لا يعتبر عرف على خلافه (2) ·
الشاهد الثاني :
يصرح فقهاء الحنفية في بابي الربا والقرض من كتاب البيوع بأنه يجوز اقتراض الخبز عدداً بين الجيران ، لأن ذلك أصبح متعارفاً بينهم للحاجة إليه · وهذا رأي الإمام محمد صاحب أبي حنيفة ، وهو الراجح المفتى به في المذهب فيجوز ذلك ولو اختلف رغيف القرض عن رغيف الوفاء وزناً مع أن الخبز مال ربوي من صنف الموزونات ، والنصوص العامة في الشريعة توجب التساوي في مبادلة الأموال الربوية بجنسها وزناً في الموزونات وكيلاً في المكيلات وتعد الفضل الزائد في أحدها عن الآخر محرماً وعقده باطلاً أو فاسداً · بل إن شبهة الربا كتحققه في الحرمةوالمنع وعقده باطلاً أو فاسداً · باتفاق الفقهاء (1) ·
وهذا التجويز لاقتراض الخبز عدداً بين الجيران دون النظر إلى تفاوت الوزن قد استند فيه الإمام محمد إلى العرف الشائع محتجاً بأنه قد تعارف الجيران إهدار فرق الوزن واعتبار العدد فقط  (2) ·
وبذلك أصبح هذا التعامل غير صالح لأن يتخذ طريقاً للمراباة الممنوعة شرعاً· فكانت علة النصوص العامة في تحريم الربا ( وهي الاسترباح ) غير متحققة بهذا الطريق ، والحكم يدور مع علته ، ولا يوجد نص خاص يمنع اقتراض الخبز عدداً بين الجيران على سبيل التخصيص والتعيين ليكون هذا العرف مصادماً للنص الصريح ، فأصبح المقياس المنظور إليه هو علة النصوص العامة في منع المراباة · وهذه العلة لا تتحقق في هذا العرف بين الجيران حيث لا يعتبرون فرق الوزن بين الأرغفة ·
فهذه طائفة من الشواهد الفقهية المقررة تنطق هي وتعليلاتها المنقولة عن الفقهاء بأن العرف إذا كانت تزول وتنتفي به علة النص المعارض يحترم شرعاً ولو كان عرفاً حادثاً · أما إذا كانت علة النص المعارض لا ينفيها العرف الحادث فلا عبرة لهذا العرف تجاه عموم النص ، لأن اعتبار العرف الحادث عندئذ يكون نسخاً للنص ، والعرف ليس له هذا السلطان  (3) ·

بعض صور بيع الوفاء الحديثة :
إذا كان بيع الوفاء هو : أن يبيع الرجل داره ، أو أرضه لشخص أخر بشرط أنه - أي البائع - متى رد الثمن يرد المشتري المبيع له ·
وهو - أي بيع الوفاء - في الحقيقة عقد توثيقي في صورة بيع على أساس احتفاظ الطرفين بحق التراد في العوضين ، فهو عقد مزيج من بيع ورهن غير أن أحكام الرهن فيه هي الغالبة · وإنما احتيج إلى هذا العقد ولم يغن الرهن عنه ، لأن الرهن لا يفيد المرتهن حق الانتفاع به ، أو إيجاره في مقابل الدين ، وإذا أذن الراهن للمرتهن بالانتفاع فله أن يرجع عن هذا الإذن شرعاً ، فاستحدثوا بيع الوفاء ليدخلوا به من أحكام البيع على أحكام الرهن حق الانتفاع للمرتهن بمقتضى العقد ، لأن الناس أمسكوا أموالهم عن إقراضها بلا منفعة فتعورف هذا العقد في صورة شراء  وانتفاع وفي معنى رهن ليكون فيه للناس مندوحة عن الالتجاء إلى المراباة ·
لكن بمرور الزمن قد استحدث الناس صوراً لهذا العقد لم تكن مألوفاً أو معروفاً لدى الفقهاء ، وأدرجوا تلك الصور تحت بيع الوفاء ·
ومن هذه الصور :
اعتاد بعض التجار - في أفغانستان ، وباكستان ، والهند - القيام ببناء عمارات ، أو بيوت ، وبيعها وفاءً على الناس مقابل مقدار من المال - كخمسين ألف ريال مثلاً - ويبرم البائع والمشتري عقداً مؤداه إنهما متى أرادا إنهاء العقد ، يرد كل واحد منهما ما أخذه من صاحبه·
والهدف من جراء هذا العقد هو : أن البائع يبتغي من وراء هذا العقد زيادة دخله ، ورواج تجارته · والمشتري يقوم بدوره هو الآخر بالاستفادة من الانتفاع بالدار ، أو الأرض ، ويربح كل واحد منهما ربحاً حسناً من وراء هذا العقد ·
ولما كان هذا العقد يدر بربح حسن على صاحبه لم يمض وقت طويل حتى أصبح الشغل الشاغل عند الناس ، وبالخصوص عندما أفتى بعض العلماء في تلك البلدان بجواز هذا التعامل مستنداً في فتواه أنه من بيع الوفاء الذي حكم متأخرو الحنفية بجوازه ، مع أن هذه الفتاوى قد عارضها كبار العلماء في تلك البلدان ·
ولما كان هذا الموضوع موضع الخلاف بين العلماء آثرت أن أتطرق إليه وذلك من خلال مقارنته مع بيع الوفاء ، وأختتم به هذا البحث ·

المقارنة بين هذا العقد وبين بيع الوفاء :
بعد أن عرفنا حقيقة بيع الوفاء · ومستند القائل بجوازه ، والأسباب الداعية إلى انعقاده نجد أن هناك فرقاً بين بيع الوفاء وبين هذا العقد الذي يتعامل به الناس الآن في أفغانستان ومن هذه الفوارق :
1 -  أن بيع الوفاء رهن حقيقي - عند القائل بجوازه - ومن ثم فقد اشترط لصحته شرطان وهما :
1 - أن ينص في العقد على أنه متى رد البائع الثمن رد المشتري المبيع ·
2 - سلامة البدلين ·
فإن تلف المبيع وفاء وكانت قيمته مساوية للدين - أي الثمن - سقط الدين في مقابلته ، وإن كانت زائدة على مقدار الدين ، وهلك المبيع في يد المشتري سقط من قيمته قدر ما يقابل الدين (1) ·
فإذا انعدم  هذان الشرطان ، أو انعدم أحدهما ، فلا يصح بيع الوفاء · ولا يترتب عليه أي أثر من آثاره ·
بينما الأمر ليس كذلك في هذا العقد ، وذلك لانعدام الشرط الثاني - وهو سلامة البدلين - لأن هلاك الدار أو العمارة يكون من ضمان بائعها ولا يرجع بشيء في ذلك على المشتري ، اللهم إلا إذا كان الهلاك بسبب فعل المشتري فإنه في هذه الحال يتحمل تبعة الهلاك ، وفي غير ذلك يكون البائع مسئولاً عن هلاك العقار وتلفه · وبهذا فارق هذا العقد ، بيع الوفاء الذي حكم بجوازه متأخرو الحنفية · 
2 -  إن بيع الوفاء جُوّز للضرورة الملحة إليه ، لأن الناس يمتنعون عن اقتراض أموالهم إذا لم يكن ثمنه منفعة ينتفعون بها من هذا الاقتراض ، وقد جرى عرف الناس على ذلك ، حتى لجأ الفقهاء إلى جوازه ، مع أن هذا العرف متعارض مع نص تشريعي ، فقام الفقهاء بتعليل النص بما يوافق مع هذا العرف ، وهو أن علة النص إذاً تنتفي وتزول بالعرف ، وحينها يجوز التعامل بهذا العرف الطارئ ·
أما الناظر في هذا العقد فإنه يرى أن الضرورة معدومة من أساسها ، لأن          التاجرالذي يأخذ أموال الناس في مقابل بيع العقار وفاء عليهم ، لا يقصد من    وراء هذا العقد سوى زيادة دخله ورواج تجارته ، وليست هناك أية ضرورة تستدعيه إلى هذا التعامل سوى الطمع والجشع · ثم إن هذا العرف متعارض تماماً مع نص تشريعي وهو النهي عن بيع وشرط · لأن علة النص - وهو وقوع المنازعة والمشاحنة - لاتزول بهذا العرف بل تزيد وتكثر، والواقع خير شاهد على ذلك ، حيث أكثر المنازعات والخصومات تكون بسبب هذا العقد، وبالتالي فلا يصح مقارنة هذا العقد مع بيع الوفاء ، ولا وجه قياسه على بيع الوفاء في الجواز والإباحة ·
3 -   إن الإباحة في العقود مشروط بعدالتها ، وعليه فكل عقد يحل حراماً حرمه الله على عباده ، أو يحرم حلالاً أحله لهم يكون باطلاً وغير مشروع ·
ومن هنا نرى أن العدالة معدومة في هذا العقد لأن التاجر الذي يبيع عمارته في مقابل مقدار من المال إلى أجل معلوم ، قد يستفيد المشتري ويكسب في خلال تلك الفترة من الربح مايزيد أضعافاً عما دفعه إلى التاجر مضافاً إليه أنه في النهاية يأخذ ماله كما هو · أليس هذا هو عين الربا الذي نهى عنه الشارع · وأين العدالة التي اشترطها الفقهاء في إباحة العقود وكيف حققت ؟
ولما كان الأمر كذلك ، التجأ الفقهاء - في أفغانستان وباكستان - إلى حرمة هذا التعامل ، وأفتوا بحرمته ·
واستندوا في فتاواهم إلى الأدلة التي تحرم التعامل بالربا ، بالإضافة إلى أن هذا العقد لا يندرج تحت أي صنف من أصناف العقود التي بينها الفقهاء ووضعوا لكل عقد أحكامه الخاصة به يميزه عن غيره من العقود (1) ·
وبهذا أكون قد وصلت إلى نهاية المطاف في هذه الدراسة الفقهية ، عسى الله أن أكون قد قربت به بعيداً أو قنصت به شارداً ·
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ·
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى أهله وصحبه وكل من أعانه على رفع منارة الدين ، وتفقه في دينه ·
 أهم نتائج البحث

1-  جعلت الشريعة الإسلامية عقد الرهن من الوثائق المالية محافظة على أموال الناس ، وصوناً لحقوقهم من الضياع · ليكون المرهون بمنزلة وثيقة مالية لدى المرتهن ليستوفي منها حقه بالبيع عند تعذر الوفاء وحلول الأجل ، ويقدم المرتهن على سائر الغرماء في استيفاء حقه ·
2 - إن عين المرهون ومنافعه ملك للراهن ، فلا يحل للمرتهن الانتفاع بشيء منه إذا لم يأذن له الراهن ، ولم يكن المرهون مركوباً ، أو محلوباً أو صالحاً للخدمة ·
3 - رجح البحث - بعد مناقشته أقوال الفقهاء وأدلتها - عدم جواز انتفاع المرتهن من المرهون مطلقاً - سواء كان الدين قرضاً ، أو غير قرض ، وسواء اشترط في العقد أو لم يشترط · وإن صدر له الإذن من الراهن بالانتفاع ·
4 - إن ما يحتاج إلى النفقة من المرهون ، من مركوب ، أو محلوب ، أو صالح للخدمة وامتنع الراهن عن الإنفاق عليه ، فيجوز للمرتهن الانتفاع منه شريطة أن يكون الانتفاع بمقدار النفقة وإن لم يأذن له الراهن ، لما فيه الحفاظ على ذي روح وهذا ما يتفق ومبادئ الشريعة السامية المقتضية بالمحافظة على كل ذي روح من الضياع والهلاك ·
5 - يعد بيع الوفاء رهناً حقيقياً ، فيأخذ أحكام الرهن ·
6 - استثنى فقهاء الحنفية - المتأخرون - بيع الوفاء من نهي الشارع عن بيع وشرط · وعللوا لذلك بأن العرف إذا كانت تزول وتنتفي به علة النص المعارض - وهي وقوع النزاع والمشاحنة بين المتعاقدين في بيع وشرط - يحترم شرعاً ولو كان عرفاً حادثاً ·
7 - ما يتعامل به الناس في بعض البلدان من قيام التجار ببناء العمارات والمحلات التجارية ، ثم بيعها وفاءً مقابل مقدار معلوم من المال مستهدفين بذلك رواج تجارتهم وزيادة دخلهم ليس من بيع الوفاء كما زعموا ·
8 - بالمقارنة بين بيع الوفاء وهذا العقد رأينا أن هناك فروقاً عدة بينهما· ومن هذه الفروق :
  أ - يشترط لصحة بيع الوفاء ، سلامة البدلين ، فإن تلف المبيع وفاء وكانت قيمته مساوية للدين - أي الثمن - سقط الدين في مقابله ، وإن كانت زائدة على مقدار الدين وهلك المبيع في يد المشتري سقط عن قيمته قدر ما يقابل الدين ·
  ورأينا أن هذا الشرط معدوم في هذا العقد ، فالبائع هو الذي يتحمل تبعة هلاك المعقود عليه دون المشتري - سواء كان الهلاك بالآفة أو بفعل الآدمي - اللهم إلا إذا كان للمشتري يد في هلاكه ، ففي هذه الحالة يكون مسئولاً عن الهلاك أو التلف ·
ب - جوز بيع الوفاء للحاجة الملحة إليه ، والدافع إلى جوازه افتقار المرء إلى المال ليخرجه عن الضائقة ، فلا خيار أمامه سوى بيع عقاره وفاءً · بينما الناظر في هذه المعاملة يرى أن الدافع إلى هذا العقد هو رواج التجارة وزيادة الدخل والضرورة والحاجة ·
ج - الإباحة في العقود مشروطة بعدالتها ، فكل عقد خلا عن هذا الوصف يعد باطلاً، كما هو الحال في هذا العقد · فإن المشتري في هذا العقد يكسب من الأرباح والخيرات في خلال المدة المضروبة للعقد ما يتجاوز أضعاف ما دفعه إلى البائع ، بالإضافة إلى ذلك أنه يسترد أو يرد إليه حقه كاملاً · فيبقى الانتفاع من المعقود عليه وما اكتسبه من الأرباح دون مقابل وهذا بعينه يعد ربا ·
 وأخيراً أصدر كبار العلماء في أفغانستان وباكستان فتوى بعدم جواز هذا العقد ، وعدوه من الربا المنهي عنه شرعاً ·

            وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ·



الهوامش:

(1)الزبيدي : تاج العروس : 9/122-222 ، والفيومي : المصباح المنير : 1/249 ،    والأزهري: تهذيب اللغة : 6/572·
(2)المصادر السابقة ·
(3)سورة الطور من الآية 21 ·
(4)تاج العروس : 9/222 ، وتهذيب اللغة : 6/572-672 ، والمعجم الوسيط : 1/973 ·
---------------
(1)البابرتي : شرح العناية على الهداية : 8/981 وحاشية الطحطاوي على الدر : 4/439 ·
(2)ابن عرفة : حاشية الدسوقي : 3/139-239 وحاشية العدوي على الخرشي : 5/639 ،  والحطاب : مواهب الجليل : 5/2-3 ·
(3) الرملي : نهاية المحتاج : 4/992 ، والشربيني : مغني المحتاج : 2/191 ·
(4) ابن قدامة : المغني : 4/512 ، والبهوتي : كشاف القناع : 3/123 ·


--------------
(1)المغني : 4/512 ·
(2)سورة  البقرة من الآية 382 ·
(3)سورة  البقرة من الآية 283 ·
(4)الجصاص : أحكام القرآن : 1/625 وأبو السعود : فتح المعين على منلا مسكين : 3/344·
 ---------------
(1)الحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة - رضي الله عنها -· صحيح البخاري: 3/421 كتاب: الرهن ، باب: من رهن درعه ، وصحيح مسلم : 2/ق 1/94  باب : الرهن في الحضر ، والسفر ·
(2)الحديث أخرجه ابن ماجة في سننه عن نصر بن علي الجهضمي عن أبيه ، عن هشام ، عن قتادة ، عن أنس - رضي الله عنه - سنن ابن ماجة : 2/618 ، ح/7342 ·
(3)المرغيناني : الهداية : 4/621 ، والموصلي : الاختيار لتعليل المختار : 2/36، والشربيني : مغني المحتاج : 2/121، وابن قدامة : المغني : 4/512 ·
(4)السرخسي : المبسوط : 11/46 ، المرغيناني : الهداية : 4/621 ، البابرتي : شرح العناية : 8/981، ابن العربي أحكام القرآن: 11/901، القرطبي : الجامع لأحكام القرآن : 13/5121 الشافعي : الأم : 3/831 ، الشيرازي : المهذب : 1/503 الشربيني : مغني المحتاج : 2/121، المغني : 4/512 ، البهوتي : كشاف القناع : 3/123 ·
------------
(1)الجصاص : أحكام القرآن : 1/625 ، المغني : 4/512 ، ابن حزم : المحلى : 6/263 ·
(2)المحلى : 6/263 ·
(3)الجامع لأحكام القرآن : 3/5121 ·
(4)ابن حجر : فتح الباري : 01/922 ·
-------------
(1)تقدم تخريجه ·
(2)تقدم تخريجه ·
(3)السرخسي : المبسوط : 12/46 ·
(4)ابن قدامة : المغني : 4/512 ·
(5)الجامع لأحكام القرآن : 3/5121 ·
--------------
(1)سورة النساء من الآية 23 ·
(2)المبسوط : 12/46 الجامع لأحكام القرآن : 3/5121 ، كشاف القناع : 3/123 ·
(3)سورة البقرة الآية 282 ·
(4)سورة البقرة الآية 283 ·
-------------
(1)الحديث أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة · صحيح البخاري : 3/331 كتاب : المكاتب ·
(2)سورة المائدة من الآية 2 ·
(3)المحلى : 6/263 - 463 ·
--------------
(1)الجامع لأحكام القرآن : 3/5121 ·
(2)الآمدي : الإحكام في أصول الأحكام : 3/441-541 ، مطبعة المعارف بمصر 2331هـ ،  الشوكاني : إرشاد الفحول ص 971 ، ط مصطفى البابي الحلبي بمصر 6531هـ ·
--------------
(1)المغني : 4/052 - 152 ·
(2)مجمع الأنهر : 2/885 ، الأم : 3/551 ، تحفة المحتاج : 5/25 ·

--------------
(1)   البابرتي : شرح العناية : 8/691 ، داماد أفندي : مجمع الأنهر : 2/785 ، البغدادي : مجمع الضمانات : ص 901 ، وابن عابدين : رد المحتار : 5/23 ، الرملي : تحفة المحتاج مع حاشيتي الشرواني والعبادي عليه : 5/25 ·
(2)النفراوي : الفواكه الدواني : 2/331، مواهب الجليل : 5/71 ، شرح الخرشي : 5/542 ، تحفة المحتاج : 5/25 ، المغني : 4/152 ·
(3)الفواكه الدواني : 2/331-431 ، المغني : 4/152 ·

--------------
(1)الحديث أخرجه البيهقي ، والدارقطني في سننهما ، وعبد الرزاق في مصنفه ، عن طريق معمر، ويونس بن يزيد الآيكي عن الزهري ، عن سعيد ( مرسلاً ) إلا أن رواته قد جعلوا قوله ( له غنمه وعليه غرمه ) من قول سعيد ·
وأخرجه الشافعي في مسنده · والبيهقي في سننه ، وعبد الرزاق في مصنفه ( مرسلاً) من حديث ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن سعيد ( بمعناه ) وأخرجه البيهقي عن سفيان عن ابن أبي ذئب وقال في سننه : ( الرهن ممن رهنه له غنمه ··· )
وأخرجه أبو داود في مراسيله عن ابن المسيب وجعل هذه اللفظة  ( له غنمه ··· ) من قول سعيد بن المسيب ·
وأخرجه الحاكم ، والبيهقي ، والدارقطني ( موصولاً ) من حديث زياد بن سعد عن الزهري ، وقال الحاكم : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لخلاف فيه على أصحاب الزهري ، وقد تابعه مالك ، وابن أبي ذئب وسليمان بن أبي داود ، والحراني ، ومحمد بن الوليد الزبيدي ، ومعمر بن راشد على هذه الرواية · وقال الدارقطني : زياد بن سعد من الحفاظ الثقات ، وهذا إسناد متصل وصححه عبد الحق في أحكامه ·
وأخرجه البيهقي ، والحاكم ، والدارقطني ( موصولاً ) عن طريق إسماعيل بن عياش ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن سعيد  ، عن أبي هريرة ( بلفظه ) · وأخرجه الحاكم، والدارقطني عن طريق سليمان بن أبي داود ، وإسماعيل بن عياش ، عن الزبيدي ، وكديد بن يحيى ، عن معمر ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ( بمعناه ) ·
سنن البيهقي : 6/93 - 04 ، سنن الدارقطني : 3/03-33 ، المستدرك : 2/15 - 25 ، بدائع المنن في ترتيب مسند الشافعي : 8/981-091 ، المصنف : 7/732 ، مراسيل أبي داود : ص 12 نصب الراية : 4/023 - 123 ·
(2)مجمع الأنهر : 2/885 ·
----------------
(1)الدكتور الشهاوي : المذاهب الفقهية في الشفعة والرهن : ص 04 ·
(2)مجمع الأنهر : 2/885 ، شرح العناية : 8/691 ·
(3)الحديث أخرجه البيهقي في سننه عن يحيى بن سعد ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ·  وقال فيه الحافظ ابن حجر : وفيه الحارث بن محمد الفهري وهو مجهول ، وفيه أيضاً داود  ابن الزبرقان وهو متروك الحديث ·
 سنن البيهقي : 6/79-001 ، تلخيص الحبير : 3/54 - 64 ·
-------------
(1)الحديث أخرجه  البيهقي في سننه ، عن عبد الله بن عياش ، عن يزيد بن حبيب ، عن أبي مرزوق النجيبي عن فضالة بن عبيد ( موقوفاً ) ، وقال الحافظ : لم يصح فيه شيء · وإن إمام الحرمين ، قال : إنه صح وتبعه الغزالي ·
سنن البيهقي : 5/053 ، تلخيص الحبير : 3/43 ·
(2)السيوطي : الجامع الصغير : 2/49 ، المناوي : كنوز الحقائق : 2/04 ·
(3)مفهوم اللقب : هو : دلالة منطوق اسم الجنس ، أو اسم العلم على نفي حكمه المذكور عما عداه ، وقد مثل الآمدي للأول بحديث الأصناف الستة في تحريم الربا وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ··· ) و للثاني بقوله : زيد قائم · فإذا قلنا بمفهوم اللقب فما عدا الأصناف الستة التي تناولها الحديث لا تعد أصنافاً ربوية ، وماعدا زيداً فهو غير قائم ، ولم يقل بهذا المفهوم غير الدقاق من الشافعية وبعض الحنابلة ، أما الجمهور فهم على خلاف ذلك ·
راجع : الآمدي : الإحكام في أصول الأحكام : 2/312 ، الغزالي : المستصفى : 2/64 ·
---------------
(1)الفواكه الدواني : 2/431 ، تحفة المحتاج : 5/25 ·
(2)ابن حجر: فتح الباري : 01/332 الشوكاني: نيل الأوطار:5/462-562المحلى : 6/763 ·
----------------
(1)   الكاساني : بدائع الصنائع : 6/641، مجمع الأنهر : 2/885 الاختيار : 2/66-76، مواهب الجليل : 5/22، شرح الخرشي : 5/832، ابن جزي : القوانين الفقهية ص 312 الأم : 3/551، تحفة المحتاج : 5/25 ، المغني : 4/152 ، كشاف القناع : 3/243 ·
(2)المغني : 4/152 ·
(3)المحلى : 6/663 ·
(4)تقدم تخريجه ·
---------------
(1)الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، والبيهقي في سننهم من حديث زكريا عن الشعبي ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ·
وقال أبو داود : هو عندنا صحيح · وقال الترمذي : حديث حسن لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث الشعبي عن أبي هريرة · وقد روى غير واحد هذا الحديث عن الأعمش ، عن أبي صالح عن أبي هريرة ، مرفوعاً ·
صحيح البخاري : 3/421-521 باب : الرهن مركوب ومحلوب · ، سنن أبي داود : 3/093-193، ح /6253 ، سنن الترمذي : 3/645 ، ح 4521 ، سنن ابن ماجة : 2/618 ، ح/0442 ، سنن البيهقي : 6/83 ·
(2)رواية حماد أخرجها ابن حزم في المحلى ، عن حماد بن سلمة ، عن حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم النخعي ، وقال ابن حزم ، إن عبارة : ( فإن استفضل من اللبن ···· ) زيادة من إبراهيم · وليس من قوله صلى الله عليه وسلم · المحلى : 6/763 ·
(3)المغني : 4/152 ·
(4)الجصاص : أحكام القرآن : 1/235 ، المغني : 4/152 ·

---------------
(1)تقدم تخريجه ·
(2)الأم : 3/551 ·
(3)المغني : 4/152 ·
(4)تقدم تخريجه ·
(5)نيل الأوطار : 5/562 ·
(6)الشهاوي : المذاهب الفقهية : ص 54 ·
(7)الزيلعي : نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية : 4/023 - 123 ·
--------------
(1)الجصاص : أحكام القرآن : 1/925 ، مراسل أبي داود : ص 12 ·
(2)نصب الراية : 4/123 ·
(3)المغني : 4/152 ·
-------------
(1)المغني : 4/15 ، نيل الأوطار : 5/562 ·
(2)أحكام القرآن : 1/925 ·
(3)نيل الأوطار : 5/562 ·
(4)تقدم تخريجه ·
(5)السرخسي : المبسوط : 12/801 ·
(6)المذاهب الفقهية : ص 74 ·
(7)نيل الأوطار : 5/562 ·

--------------
(1)الحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر · صحيح  البخاري : 2/46 صحيح مسلم : 2/621 ·
(2)نيل الأوطار : 5/562 ·
(3)تقدم تخريجه ·
(4)نيل الأوطار : 5/662 ·
(5)ابن القيم : إعلام الموقعين : 2/73 ، نيل الأوطار : 5/662 ·
 وقد بين ابن القيم والشوكاني أن هذا الحديث على وفق القواعد ، والأصول الشرعية وليس  مخالفاً للقياس ، ولا يرد إلا بما هو أرجح منه ·
-------------
(1)المغني : 4/452·
(2)سورة النساء من الآية 29 ·
(3)سورة البقرة من الآية 188 ·
(4)الحديث تقدم تخريجه ·
(5)الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن طريق عبد الله بن محمد ، عن أبي عامر ، عن محمد بن سيرين ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، صحيح البخاري : 1/003 ·
--------------
(1)المحلى : 6/563-663 ، نيل الأوطار : 5/562 - 662 ·
(2)تقدم تخريجه ·
------------
(1)الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، والبيهقي في سننهم من حديث زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً·
وقال أبو داود : هو عندنا صحيح ·
وقال الترمذي : حديث حسن لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث الشعبي عن أبي هريرة ·
وقد روى غير واحد هذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً ·
صحيح البخاري : 3/421-521 باب الرهن مركوب ومحلوب ·
سنن أبي داود : 3/093-193 ، ح/6252 ·
سنن الترمذي : 3/645 ، ح/4521 ·
سنن ابن ماجة : 2/618 ، ح/0442 ·
سنن البيهقي : 6/83 ·
(2)الحديث أورده ابن حزم في المحلى عن حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي ·
وقال ابن حزم : إن عبارة : ( فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا ) زيادة من إبراهيم النخعي وليست من قول النبي صلى الله عليه وسلم ·
المحلى بالآثار : 6/763 ، تحقيق : الدكتور عبدالغفار البنداري ·

--------------
(1)رد المحتار : 4/752 ·
(2)الزيلعي : تبيين الحقائق : 5/381 ، وابن البزاز : الفتاوى البزازية بهامش الهندية : 4/504·
(3)مواهب الجليل : 4/373 ·
(4)تبيين الحقائق : 5/481 ، وابن نجيم : البحر الرائق : 6/8 والفتاوى الهندية : 3/802 - 902 ورد المحتار : 4/642 - 742 ومواهب الجليل : 4/373 ومغني المحتاج : 2/13 ونهاية المحتاج : 3/334 والحجاوي : الإقناع : 3/85 ·
---------------
(1)مصادر أصحاب هذا  المذهب ·
(2)مصادر أصحاب هذا المذهب ·
(3)مصادر أصحاب هذا المذهب ·


----------
(1)   ومن الأمثلة التي يذكرها الفقهاء على ذلك عقد الاستصناع - وهو : شراء ما سيصنع قبل صنعه · والقواعد تأباه لأنه من باب بيع ما ليس عند الإنسان وقد نهى الشارع عن بيع ما ليس عند الإنسان ، ولكن الاستصناع عقد قد تعارفه جميع الناس في كل البلاد لاحتياجهم إلى طريقته ، ولا سيما في الأحذية ونحوها مما فيه مقاييس وأوصاف يختلف فيها الشخص عن غيره · فلذلك آثر الاجتهاد جواز عقد الاستصناع للعرف الجاري فيه ، وعد هذا العرف مخصصاً لعموم النص العام المانع · 
(2)ابن نجيم : الأشباه والنظائر : 1/431 ، ابن عابدين : رسالة نشر العرف : 2/611 · من مجموعة رسائله ·
----------------
(1)ابن نجيم : المرجع السابق : 1/331 القرافي : الفروق : 1/6 والزرقا : المدخل الفقهي العام 2/009 ·
(2)1/331 ·
--------------
(1)الهداية بشروحها : 6/751 ·
(2)الهداية وشروحها : 6/67 - 77 ·
-------------
(1)الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الوسيط عن أبي حنيفة ، عن عمرو بن شعيب ، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم ·
الزيلعي : نصب الراية لأحاديث الهداية : 4/81 ·
(2)وقد ثبت في السنة جواز اشتراط الخيار للمشتري في عقد البيع ، أي اشتراط حق الفسخ أو الإبرام خلال مدة معينة ويسمى : خيار الشرط ، لأن المشتري قد يحتاج إلى التروي خشية الغبن ، وقد شكا أحد الصحابة وهو حبان بن منقذ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كثيراً ما يغبن في البياعات فأرشده إلى اشتراط الخيار بقوله : ( إذا اشتريت فقل لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام ) ·
فقاس عليه الفقهاء جواز اشتراط الخيار المذكور للبائع أيضاً لأن حاجته إلى ذلك كحاجة المشتري · وقاموا أيضاً على أصل خيار الشرط في الجواز حالة أخرى سموها : خيار النقد · وهو أن يشترط البائع على المشتري المستمهل في دفع الثمن أنه إن لم يحضر الثمن خلال مدة معينة فلا بيع بينهما وذلك خوفاً من أن يغيب المشتري طويلاً ويتأخر في الدفع وقد أصبح المبيع ملكاً له بالعقد لايستطيع البائع التصرف فيه فيتعزر البائع ويبقى معلقاً تحت رحمة المشتري · ووجه قياسه على خيار الشرط هو دفع لحاجة مشروعة ·
راجع : الزرقا : المدخل الفقهي العام : 1/37-47 ·
---------------
(1)العناية شرح الهداية : 6/67 - 77 ·
هذا ، ويتضح من ذلك أن اعتبار العرف الحادث المخالف في الظاهر لعموم النص التشريعي العام ليس من قبيل تخصيص النص العام بعرف حادث ، لأن من شرائط تخصيص النص التشريعي العام أن يكون دليل تخصيصه مقارناً له في الوجود ، إذا التخصيص تفسير لمراد الشارع من نصه منذ صدوره عنه فلا يمكن أن يعد النص العام النافذ على عمومه مخصصاً منذ صدوره بعرف سيحدث فيما بعد وربما لا يحدث · ولكن اعتبار العرف الحادث الذي يزيل علة النص هو نتيجة لاعتبار النص مخصصاً بمقتضى علته فهو تخصيص بالعلة لا بالعرف الحادث فالنص المانع للشرط في البيع بعد أن حدد الاجتهاد علة المنع فيه يعد منذ صدوره مخصوصاً ومقصوراً على الحالات التي تتحقق فيها علته ، دون سواها من الحالات التي تنتفي فيها تلك العلة · ومن هذه الحالات التي تنتفي فيها علة هذا النص صيرورة الشرط متعارفاً ·
فالتخصيص هنا في الحقيقة إنما هو تخصيص بعلة النص ، وما اعتبار العرف الحادث إذا كان نافياً لتلك العلة إلا تطبيق لذلك التخصيص السابق الاعتبار ·
(2)شرح العناية : 6/77 ورد المحتار : 4/121-321 ·
---------------
(1)شرح العناية : 6/451 ·
(2)رد المحتار : 4/781 ·
(3)الشاطبي : الموافقات : 2/382 - 482 ·

---------------
(1)   راجع في الشرطين : ابن عابدين : رد المحتار : 4/742، مجلة الأحكام العدلية مادة 993-004 ·
----------------
(1)الفتاوى المعاصـرة : 1/401 - 211 تأليف : لجنة من كبار علماء أفغانستان وباكستان · ط: دهلي تعلبندي ، كراتشي ، باكستان ، الطبعة الثانية 3141هـ - 3991م ·





[1] منشورات مجلة البحوث الفقهية المعاصرة

تعليقات