الشفعة في الفقه الإسلامي
بقلم: د/ جودة عبد الغني بسيوني علي — المدرس بقسم الفقه، بكلية الشريعة والقانون، بطنطا
الفصل الأول: التعريف بالشفعة
الشفعة في اللغة: مشتقة من "الشفع" بمعنى: الضم، ومنه الشفع في الصلاة: وهو ضم ركعة إلى أخرى، وسمي هذا الباب بالشفعة في كتب الفقه لما في الشفعة من ضم العقار المشترى إلى عقار الشفيع، ومن ذلك أيضًا شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم للمذنبين، فإنه يضمهم بها إلى الطاهرين فيدركون الفوز بالجنة[1].
وأما تعريف الشفعة شرعًا فقد تناولها الفقهاء بالتعريف على الوجه التالي:
أولاً: تعريف الشفعة عند الأحناف
عرّفها فقهاء الأحناف بأنها: «حق تملك العقار جبرًا عن المشتري بما قام عليه لدفع ضرر الجوار»[2].
ثانيًا: تعريف الشفعة عند المالكية
«الشفعة استحقاق شريك أخذ ما عاوض به شريكه من عقار بثمنه أو قيمته بصيغة»[3].
ثالثًا: تعريف الشفعة عند الشافعية
«حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث فيما ملك بعوض»[4].
رابعًا: تعريف الشفعة عند الحنابلة
«استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد»[5].
المختار من تعاريف الشفعة
المختار هو ما عرّفها به الأحناف؛ لأن هذا التعريف يشمل الخليط في نفس المبيع، والخليط في حق المبيع، والجار الملاصق، ويتبين هذا من شرح تعريفهم للشفعة تفصيلاً:
- كلمة «حق»: المراد به الثبوت بالشرع، أو الوصف الثابت شرعًا لمن قام به مال أو منفعة أو تصرف.
- كلمة «تملك»: المقصود به ثبوت الملك، وهو قيد يُخرج حق الانتفاع وحق التصرف.
- كلمة «العقار»: الأرض وما عليها من بناء وشجر، دون المنقول.
- قولهم «جبرًا عن المشتري»: أي دون رضاه.
- قولهم «بما قام عليه»: أي بمثل ما دفعه المشتري إن كان الثمن مثليًا، وإلا فقيمته.
- قولهم «لدفع ضرر الجوار»: وهو التعليل الشرعي لمشروعية الشفعة[6].
الفصل الثاني: سبب الشفعة
السبب في تشريع الشفعة: اتصال ملك الشفيع بملك المشتري عند البيع، بشرط أن يكون المبيع عقارًا في عقد معاوضة مالية.
إذن فاستحقاق الشفعة لا يمكن أن يتحقق إلا بتوافر شرطين هما:
- اتصال عقار الشفيع بالعقار المبيع عند البيع.
- انتقال ملك الجار أو حصة الشريك بمعاوضة مالية كالبيع مثلاً.
وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام من الحنفية؛ لأن حق الشفعة يوجد بوجود هذين الشرطين، ويرتفع بارتفاع أحدهما[7].
الفصل الثالث: أركان الشفعة
ركنها هو أخذ الشفيع المشفوع فيه من أحد المتعاقدين عند وجود سببها باتصال الأملاك العقارية في عقود المعاوضات المالية[8]، بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
وبالنظر في تعاريف الشفعة لدى الفقهاء يمكن استنتاج أركانها على النحو التالي:
- الشفيع: وهو من يُباح له الأخذ بالشفعة.
- المشفوع منه: وهو المشتري الذي انتقل إليه العقار المبيع، أو البائع إذا لم يقبض الثمن بعد.
- المشفوع فيه: وهو المبيع الذي يستحقه الشفيع بالشفعة.
- المشفوع به: وهو العقار الذي يملكه الشفيع المختلط أو المتصل بالمبيع[10].
الفصل الرابع: حكم الشفعة
اختلف الفقهاء في حكم الشفعة على قولين:
القول الأول: الإباحة — رأي جمهور الفقهاء
إن حكم الشفعة الإباحة بمعنى: أنها حق اختياري للشفيع المطالبة به فور علمه بالبيع، كما له أن يتركه.
أدلة الجمهور من السنة:
«أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرض والدور» رواه أحمد عن عبادة بن الصامت[11].«لا شفعة فيما إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق» رواه البخاري وأحمد من حديث جابر رضي الله عنه[12].«قضى بالشفعة بين الشركاء في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به» رواه مسلم وأبو داود والنسائي[13].
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على ثبوت الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما يبيع من دار أو حائط.
القول الثاني: عدم الإباحة
ذهب إلى هذا جابر بن زيد من التابعين، وأبو بكر الأصم[15]، واستدلوا بما يلي:
من الكتاب:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾[16]
من السنة:
«لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه»[18].ما ذهب إليه الجمهور بإباحة الأخذ بالشفعة؛ لقوة أدلته، وملاءمته لروح الشريعة الإسلامية في سعيها لتحقيق العدل ورفع الأضرار، وعدم إلحاق ضرر بالمشتري لأن ما دفعه ثمنًا سيعود إليه.
الفصل الخامس: حكمة مشروعية الشفعة
شُرعت الشفعة في الإسلام من أجل دفع ضرر الدخيل وهو المشتري عن الشفيع على الدوام، لسوء المعاشرة والمعاملة الواقعة أو المتوقعة، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
لهذا يتضح جليًا أن مشروعية الشفعة تتفق مع الأصول العامة للشريعة الإسلامية، وإن كانت على خلاف ما وضع من حدود للملكية؛ إذ إن إباحة الشفعة للشفيع واستعماله لها يترتب عليها أخذ ما في يد المشتري جبرًا عنه، وهذا ينافي قاعدة اشتراط الرضا في انتقال الملكية.
فالشفعة بمثابة استثناء تدعو إليه المصلحة التي شُرعت من أجلها، ولم يترتب على ذلك ضرر لطرفي عقد البيع؛ فالبائع وجد له ما يبقى من المال عوضًا عن المبيع، والمشتري لم يخسر شيئًا لأن الشرع أوجب له أخذ ما دفعه ثمنًا.
الفصل السادس: من يثبت له حق الشفعة
القول الأول: رأي الأحناف
أثبت الأحناف حق الشفعة لثلاث فئات بهذا الترتيب:
- الخليط في نفس المبيع: وهو الشريك الذي لم يقاسم.
- الخليط في حق المبيع: وهو الشريك في الشرب والطريق الخاصين.
- الجار الملاصق[19].
أدلة الأحناف من السنة:
«الشفعة لشريك لم يقاسم»[20].«جار الدار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا» رواه الخمسة إلا النسائي[21].«الجار أحق بسقبه ما كان» رواه أحمد والنسائي[22].
القول الثاني: رأي المالكية والشافعية والحنابلة
لا تثبت الشفعة لغير الشريك في الرقبة، وهو الخليط في نفس المبيع[23]، مستدلين بحديث:
الفصل السابع: اجتماع الشفعاء وترتيبهم
المبحث الأول: اجتماع الشفعاء في درجة واحدة
إن اجتمع الشفعاء في درجة واحدة كأن يكونوا شركاء في نفس المبيع، فالشفعة بينهم على عدد رؤوسهم ولا معتبر لاختلافهم في حصة الملك، وهذا رأي الأحناف[26].
ويرى جمهور الفقهاء أن المشفوع فيه يوزع على الشركاء بنسبة حصصهم التي يشفعون بها[27].
أدلة الأحناف:
إن اتصال الملك سبب كامل للشفعة، سواء قل الاتصال أم كثر؛ لأن صاحب القليل لو انفرد استحق المشفوع فيه كاملاً كما يستحقه صاحب الكثير لو انفرد، فهما متساويان في سبب الاستحقاق[28].
المبحث الثاني: اجتماع الشفعاء من درجات مختلفة
إذا تعدد من ثبتت لهم الشفعة من طبقات مختلفة وأراد كل منهم الأخذ بها، فالذي يُقدَّم هو صاحب الدرجة الأولى (الشريك في نفس المبيع)، ثم الثانية (الشريك في حق المبيع)، ثم الثالثة (الجار الملاصق)[31].
فإن ترك الأقوى حقه انتقل الحق إلى من يليه في الطبقة عند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف في ظاهر الرواية.
الفصل الثامن: محل الشفعة (المشفوع فيه)
تمهيد: تعريف العقار والمنقول
تعريف العقار:
- عند الجمهور: ما لا يمكن نقله وتحويله عن مكانه، وهو الأرض بأنواعها.
- عند المالكية: ما له أصل ثابت لا يمكن نقله مع بقاء هيئته، ويشمل الأرض والبناء والشجر والنخل.
تعريف المنقول:
- عند الجمهور: ما أمكن نقله وتحويله سواء بقي على هيئته أم تغيرت، ويشمل البناء والشجر وجميع الحيوانات والعروض.
- عند المالكية: ما أمكن نقله مع بقاء شكله كالسيارة والطيارة[33].
المبحث الأول: محل الشفعة عند الأحناف
محل الشفعة عند الأحناف هو العقار إذا مُلك بعوض هو مال، سواء أكان مفرزًا أم جزءًا شائعًا، وسواء أكان يقبل القسمة أم لا كالحمام والرحى والطريق.
وتثبت الشفعة في المنقول إذا كان تابعًا للعقار وبيع معه في صفقة واحدة[34].
أدلة الأحناف من السنة:
«قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة، أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به» رواه مسلم والنسائي وأبو داود[35].«الشفعة في كل شرك أو ربع، أو حائط» رواه مسلم.
المبحث الثاني: رأي الجمهور في العقار الذي لا يقبل القسمة
خالف جمهور الفقهاء الأحنافَ في ثبوت الشفعة فيما لا يقبل القسمة، وقالوا بعدم ثبوتها فيه[37]، مستدلين بحديث:
المبحث الثالث: الشفعة في المنقول
القول الأول: إثبات الشفعة في المنقول (الظاهرية)
«الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء» رواه الترمذي والبيهقي[41].
القول الثاني: نفي الشفعة في المنقول (الجمهور)
«لا شفعة إلا في ربع أو حائط» أخرجه البزار[43].«لا شفعة إلا في دار أو عقار» أخرجه البيهقي[44].ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من ثبوت الشفعة في العقارات وما في حكمها من المنقولات اللازمة لها كآلات الحرث والسقي؛ لأن الشفعة شُرعت لدفع ضرر دائم والملك في المنقولات لا يدوم.
المبحث الرابع: الشفعة في البناء والشجر المبيعَين مفردَين
الرأي الأول (الحنفية والشافعية والحنابلة): عدم ثبوت الشفعة فيهما لأن البناء والشجر ليسا مما يدوم بقاؤهما فكانا كالمنقول[46].
الرأي الثاني (المالكية والظاهرية): ثبوت الشفعة فيهما لأنهما ثابتان فكانا كالأرض[47].
المبحث الخامس: الحالات التي لا يصلح فيها العقار محلاً للشفعة
- العقار الذي يتزوج الرجل عليه ويجعله مهرًا في النكاح.
- العقار الذي تخالع المرأة به زوجها بدلاً في الخلع.
- العقار الذي يجعل بدلاً في الإجارة.
- العقار الذي يُصالَح عليه عن دم العمد[49].
- العقار المملوك بطريق الهبة إلا إذا كانت هبةً بعوض مشروط.
- العقار المبيع بخيار الشرط للبائع.
- العقار المشترى شراءً فاسدًا.
- العقار المقسوم بين الشركاء[51].
الفصل التاسع: كيفية طلب الشفعة والخصومة فيها
المبحث الأول: كيفية طلب الشفعة
لابد للشفيع أن يقوم بطلبات ثلاث:
أولاً: طلب المواثبة
إذا علم الشفيع بالبيع أشهد في مجلسه ذلك على المطالبة بالشفعة فور علمه من غير توقف يدل على الإعراض[52]، ويصح هذا الطلب بكل لفظ يفهم منه قصد الشفعة[54].
ثانيًا: طلب التقرير أو الإشهاد
يقوم الشفيع من مجلس علمه بعد طلب المواثبة بالإشهاد عند البائع أو المشتري أو عند العقار قائلاً: «أنا شفيعها وقد كنت طلبتها بالشفعة وأطلبها الآن فاشهدوا على ذلك»[55].
ثالثاً: طلب الخصومة والتملك (عريضة الدعوى)
يطلب الشفيع الشفعةَ عند قاضٍ فيُحدد العقار المشفوع فيه ويطلب من القاضي الأمرَ بتسليمه[56].
المبحث الثاني: إجراءات الخصومة
إذا تقدم الشفيع إلى القاضي وطلب الشفعة، سأل القاضي المشتريَ، فإن اعترف قضى بالشفعة لمن طلبها، وإن لم يعترف كلَّف القاضي طالبَ الشفعة بالبينة. وتجوز المنازعة أمام القضاء وإن لم يُحضر الشفيع ثمن المشفوع فيه إلى المجلس.
فإذا صدر الحكم لمصلحة الشفيع ثبت له خيار الرؤية والعيب؛ لأنه بيع[58].
الفصل العاشر: مبطلات الشفعة
أولاً: مبطلات الشفعة اتفاقًا
- إذا ترك الشفيع طلب المواثبة أو التقرير وهو قادر على ذلك.
- إذا صولح الشفيع عنها على عوض.
- إذا باع الشفيع العقار المشفوع به قبل القضاء له بالشفعة.
- إذا كان الشفيع وكيلاً عن البائع في البيع.
- إذا أُخبر الشفيع بالبيع وسعره فسلّم، ما دام الخبر صادقًا[60].
ثانيًا: مبطل مختلف فيه: موت الشفيع
إذا مات الشفيع قبل القضاء له بالشفعة:
- الأحناف: تبطل شفعته لأن حق الشفعة حق ضعيف لا يورث[62].
- الشافعية: لا تبطل بالموت لأنها حق معتبر في الشرع فيورث كالقصاص[61].
الفصل الحادي عشر: حكم الحيلة في إبطال الشفعة
روى الإمام السرخسي في مبسوطه عدم كراهة الاحتيال في باب الشفعة لإسقاطها فقال: «استعمال الحيلة لإبطال الشفعة لا بأس به قبل وجوب الشفعة وبعده».
- أبو يوسف: غير مكروه قبل وجوب الشفعة لعدم تعلق حق لأحد.
- محمد بن الحسن: مكروه؛ لأن الشفعة وجبت لدفع الضرر، فلو أبحنا الحيلة ما دفعناه.
من صور الحيل:
- أن يبيع دارًا إلا مقدار ذراع في طول الحد الذي يلي الشفيع فلا شفعة لانقطاع الجوار.
- أن يبيع من العقار جزءًا يسيرًا بثمن كثير فترغب عنه الشفيع، فيملكه المشتري ويصير شريكًا، ثم يشتري بقية العقار بثمن قليل[64].
الفصل الثاني عشر: حكم الشفعة للكافر على المسلم
لا خلاف في ثبوت الشفعة للذمي على الذمي؛ لعموم الأخبار ولتساويهما في الحرمة. وإنما الخلاف في ثبوتها للذمي على المسلم:
- القول الأول (الحنفية ومالك والشافعي وغيرهم): تثبت الشفعة للذمي على المسلم[65]، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه»، وقد أقر عمر بن الخطاب قضاء شريح بها.
- القول الثاني (الحسن والشعبي وابن أبي ليلى): لا تثبت الشفعة للذمي على المسلم[66].
الفصل الثالث عشر: ميراث الشفعة
للفقهاء في مسألة ميراث الشفعة ثلاثة أقوال:
القول الأول: الشفعة تورث مطلقًا (المالكية والشافعية)
سواء أكان المورث قد طلبها أم لم يطلبها[69].
القول الثاني: الشفعة لا تورث مطلقًا (الأحناف والثوري)
إذا مات الشفيع بعد وجود سببها وقبل الأخذ بها سواء طالب بها أم لا[70].
القول الثالث: الشفعة تورث إن طُلبت، ولا تورث إن لم تُطلب (الحنابلة والظاهرية)
الشفعة قبل طلبها مجرد رغبة تزول بالموت، وبعد طلبها حق ثابت لا يزول[74].
شكرا جزيلا
للاستفادة من موقعنا ابحثوا على الموضوع الذين تريدون، بمربع البحث. نسعى دائما لتطوير موقعنا، شكرا لكم