القائمة الرئيسية

الصفحات

الأسس والمبادئ الإسلامية للعلاقات الدولية

الأسس والمبادئ الإسلامية  للعلاقات الدولية

الأسس والمبادئ الإسلامية
 للعلاقات الدولية

 


الأسس والمبادئ الإسلامية
 للعلاقات الدولية

إعداد

أ.د. علي محي الدين القره داغي



بحث مقدم
للدورة السادسة عشرة للمجلس – اسطنبول
 جمادى الأخرة 1427 هـ / يوليو 2006 م


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وخاتم الرسل والنبيين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين .

وبعد :
فقد أكرم الله تعالى هذه الأمة بهذه الشريعة الغراء التي نزلت رحمةً وخيراً وسعادة ومصلحة للعباد فقد قال تعالى : (وقيل للذين اتقوا ماذا انزل ربكم قالوا خيراً)[1] وقال تعالى في وصف الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : (وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين)[2] وقال تعالى : (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)[3] .
 من هنا أدرك الفقهاء هذه الحقيقة حيث نصوا على أن هذه الشريعة شرعت لتحقيق المصالح ، ودرء المفاسد ، وأينما كانت الشريعة فثم المصلحة ، وأينما كانت المصلحة الحقيقية فثم شرع الله ، يقول العز بن عبدالسلام : (وقد علمنا من موارد الشرع ومصادره أن مطلوب الشرع إنما هو مصالح العباد في دينهم ودنياهم )[4] ويقول ابن القيم : (فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها ، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ،وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل...)[5] .
 ومن هذا المنطلق عالج الإسلام القضايا المتعلقة بحالات الحرب ، وحقوق الإنسان في خضم المعارك ، والقواعد والأعراف الدولية التي تنظم هذه الأمور ، وتكمن أهمية دراسة هذه المبادئ التي تحكم هذه المسائل في أنها تبرز عظمة الإسلام ورحمته ، وسبق الفقه الإسلامي في تنظيم هذه الأمور ، ولا سيما في وقت يبذل أعداء الإسلام جهوداً كبيرة لتشويه سمعة الإسلام منذ فترة طويلة ، وبالأخص بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أيلول 2001م .
 وقد بذلنا ما في وسعنا من جهد لتوضيح أهم المبادئ والأسس التي تحكم العلاقات الدولية ، وبالأخص في حالات الحرب ، داعياً الله تعالى أن يتقبلها مني ، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم ، وان يعصمنا من الخطأ والزلل في العقيدة والقول والعمل ، إنه مولانا فنعم المولى ونعم النصير .     

                                                                                                                    كتبه الفقير إلى ربه
علي بن محي الدين القره داغي

 

التعريف بالعنوان :


أولاً : الأسس : جمع أساس ، وهو قاعدة البناء التي يقام عليها ، وأصل كل شيء ،و مبدؤه ، ومنه أسا الفكرة ، وأساس البحث[6] .
ثانياً : والمبادئ : جمع مبدأ ،ومبدأ الشيء : أوله ومادته التي يتكون منها ، أو يتركب منها ، ومبادئ العلم أو الفن أو الدستور أو القانون : قواعده الأساسية التي يقوم عليها ولا يخرج منها[7] ، والمقصود بمبادئ الإسلام وأسسه هي القواعد الأساسية التي يقوم عليها الإسلام .
ثالثاً : العلاقات الدولية :  والمقصود بها هي الأسس التي تحكم العلاقات بين  الدول المختلفة دينياً أو عرقياً ، أو إقليميا في حالات السلم والحرب ، وحديثنا يتناول أيضاً بإيجاز العلاقات الإنسانية في ظل القانون الدولي الإنساني الذي يحاول الحد من الاثار التي تحدث أثناء الحرب ، وتجنيب المدنيين من آثار الحرب[8] .

الإسلام والعلاقات الدولية : ( نبذة من سيرة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم)
 نزل الإسلام لتنظيم علاقة الإنسان بربه ، وبأخيه الإنسان مسلماً أو غير مسلم ، وبالكون الذي حوله ، ووضع لذلك منهجاً متكاملاً ، ومبادئ عامة ، وقواعد كلية صالحة لكل زمان ومكان ، لما لها من قابلية للتطوير والمعاصرة مع الحفاظ على الأصالة والثوابت .
 وفي الفترة المكية لم تكن هناك دولة ، وإنما كانت العلاقة فردية ، يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم الناس جميعاً إلى الدخول في دين الله والاهتداء بصراطه المستقيم ، وإلى التوحيد ، وبناء الإنسان على العقيدة الصحيحة ، والتربية السليمة الشاملة لجوانب الإنسان الروحية والنفسية البدنية والاجتماعية ...
 وقد تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام الكثير والكثير من الأذى النفسي والبدني في سبيل تبليغ الدعوة الحقة ، وكان شعارهم (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة)[9] والدعاء لهؤلاء المشركين الذين يؤذونهم:(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون).
 وعندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وتأسست دولة الإسلام الأولى سعى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تقوية المجتمع المدني والجبهة الداخلية من جانبين أساسين :
أ ـ الجانب الخاص بالمسلمين حيث قام بتوحيد أواصر الاخوة الحقيقية فيما بينهم من خلال التآخي بين المهاجرين بعضهم وبعضهم ، ثم بين المهاجرين والأنصار حيث أشرك الأنصار حقاً إخوانهم المهاجرين في أموالهم ، وفي نخيلهم وثمارهم [10].
ب ـ الجانب العام الشامل كل من يعيش على أرض المدينة من المسلمين واليهود وغيرهم من خلال الوثيقة التي كانت الدستور لتنظيم العلاقة بين أهل المدينة على أساس المساواة في المواطنة في الحقوق والواجبات والدفاع عن المدينة ونحوها [11].
 ثم كانت العلاقة بين الدولة الإسلامية الفتية وقريش ، والقبائل المحيطة بها علاقة هجوم وحرب من قبلهم عليها ، وكان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم موقف الدفاع عن الإسلام ودولته مع حرصه الشديد على الدعوة أولاً والتصالح معهم ، ولكنهم كانوا لا يلتزمون بعهودهم ومواثيقهم .
 وأما موقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع الدول المحيطة بالجزيرة هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا رؤساءها من خلال رسائل إليهم إلى الدخول في الإسلام ، وحينئذٍ يبقون على حكمهم مع إجراء الإصلاحات والعدالة التي يقتضيها الإسلام .
 ويمكن تلخيص العلاقة الدولية في حالة السلم ، وفي حالة الحرب في الآيات الثلاث في سورة المتتحنة وهي : (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين  ، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)[12] ، فالآية الأولى تبين أن الإسلام يتطلع إلى إزالة العداوة ، وتحقيق المودة بكل الوسائل المتاحة ، وأما الآية الثالثة تبين العلاقة بين المسلمين وغيرهم في حالة السلم وعدم الاعتداء حيث تقوم على ما يأتي :       1 ـ البر والإحسان              2 ـ والعدل والميزان .
 وأما الآية الثانية فتبين العلاقة مع غير المسلم في حالة الحرب والعداوة حيث تقوم على أن يتحد المسلمون ويكون ولاؤهم لله تعالى وللمؤمنين بالمحنة والنصرة ، وأن لا تكون نصرتهم لهؤلاء الكفرة المحاربين ومع ذلك تقوم على العدل والإنصاف حتى في حالة الحرب .
 والعظيم في هذه الآية أنها جاءت في سورة تبدأ بما فعله أعداء الله تعالى مع المسلمين ، وما يريدون أن يفعلوه معهم:(يا أيها الذين امنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل)[13] ثم يقول الله تعالى : (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون)[14] ومع ذلك أمر الله تعالى فيها بالعدل وعدم الظلم ، كما أكد ذلك قوله تعالى : (لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى )[15].
 والأعظم من ذلك أن سورة الممتحنة نزلت بعد سورة البراءة مما يبعد كل البعد مسألة النسخ ونحوه ، حيث برهنت السورة على أن هؤلاء المشركين كانوا لا يرعون عهودهم ، بل إنهم قد خانوا الله وخانوا المؤمنين ، ومع ذلك تؤكد هذه الآيات على أن يتعامل المسلمون مع غيرهم على قواعد العدل في جميع الأحوال ، وعلى قواعد البر والإحسان أيضاً إذا لم يمارسوا ضد المسلمين الظلم والإخراج والقتل والإرهاب ، فالقاعدة الإسلامية الكبرى في العلاقات الدولية هي جعل المقاطعة والخصومة خاصة بحالة العداء والعدوان وفيما عدا ذلك تكون العلاقة هي البر والإحسان ، فالإسلام ليس براغب في الخصومة ، ولا مقطوع بها كذلك ، وهو في حالة الخصومة ستبقى أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك وعدالة المعاملة انتظاراً لليوم الذي تجتمع فيه النفوس على المحبة والسلام .
 يقول سيد قطب : (وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية ، بل نظرته الكلية لهذا الوجود ، الصادر عن إله واحد ، المتجه إلى إله واحد ، المتعاون في تصميمه اللدني وتقديره الأزلي ، من وراء كل اختلاف وتنويع ، وهي أساس شريعته الدولية ، التي تجعل حالة السلم بينه وبين الناس جميعاً هي الحالة الثابتة ، لا يغيرها إلاّ وقوع الاعتداء الحربي وضرورة رده ، أو خوف الخيانة بعد المعاهدة ، وهي تهديد بالاعتداء ؛ أو الوقوف بالقوة في وجه حرية الدعوة وحرية الاعتقاد ، وهو كذلك اعتداء ، وفيما عدا هذا فهي السلم والمودة والبر والعدل للناس أجمعين .
 ثم هي القاعدة التي تتفق مع التصور الإسلامي الذي يجعل القضية بين المؤمنين ومخالفيهم هي قضية هذه العقيدة دون غيرها ؛ ويجعل القيمة التي يضن بها المؤمن ويقاتل دونها هي قضية العقيدة وحدها ، فليس بينهم وبين الناس ما يتخاصمون عليه ويتقاتلون إلاّ حرية الدعوة وحرية الاعتقاد ، وتحقيق منهج الله في الأرض ، وإعلاء كلمة الله .
 هذا التوجيه يتفق مع اتجاه السورة كلها إلى إبراز قيمة العقيدة ، وجعلها هي الراية الوحيدة التي يقف تحتها المسلمون ، فمن وقف معهم تحتها فهو منهم ، ومن قاتلهم فيها فهو عدوهم ، ومن سالمهم فتركهم لعقيدتهم ودعوتهم ، ولم يصد الناس عنها ، ولم يحل بينهم وبين سماعها ، ولم يفتن المؤمنين بها ، فهو مسالم لا يمنع الإسلام من البر به والقسط معه .
 إن المسلم يعيش في هذه الأرض لعقيدته ، ويجعلها قضيته مع نفسه ومع الناس من حوله ، فلا خصومة على مصلحة ، ولا جهاد في عصبية ـ أي عصبية ـ من جنس أو أرض أو عشيرة أو نسب ، إنما الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا ، ولتكون عقيدته هي المنهج المطبق في الحياة)[16] .   
 فالإسلام لم يحمل السلاح لفَرض عقيدته بالقوة والإكراه فقال تعالى :(لا إكراه في الدين)[17] كما أن فكرة الهيمنة والاستعلاء فكرة مرفوضة في الإسلام ، فقال تعالى : (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً)[18] فالحرب في الإسلام هو للدفاع عن العدل ورفع الظلم فقال تعالى : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير)[19] وأنها للدفاع عن المستضعفين فقال تعالى : (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون : ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً )[20] .
 وقد تشكلت أول دولة إسلامية في المدينة المنورة فقامت على قاعدة المؤاخاة بين المسلمين من المهاجرين والأنصار ، وانهم أمة واحدة من دون الناس ، وأنهم كجسد واحد ، وان يدهم واحدة ضد من عاداهم ، وعلى قاعدة العدل والمواطنة والحقوق والواجبات المتقابلة لغير المسلمين ، حيث كُتب فيما بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين اليهود صحيفة ووثيقة نصّت على حوالي 47 بنداً منها :
1 ـ أن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم ،وان المؤمنين بعضهم موالي بعض من دون الناس .
2 ـ وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم .
3 ـ وأن تسلم المسلمين واحدة ، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلاّ على سواء وعدل بينهم .
4 ـ وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضهم بعضا .
5 ـ وأنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد .
6 ـ وأن يهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين .       
7 ـ وأن على يهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ، وان بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وان بينهم النصح والنصيحة ، والبرّ دون الإثم .
8 ـ وانه لا يأثم امرؤ بحليفه ، وإن النصر للمظلوم .
9 ـ وأنه لا تجار حرمة إلاّ بإذن أهلها .
10 ـ وأن ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبرّه .
11 ـ وأن بينهم النصر من دهم يثرب .
12 ـ وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ، ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلاّ من حارب في الدين .
13 ـ على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم .
14 ـ وان يهود الأوس مواليهم وانفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة ، وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلاّ على نفسه ، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة ، وأبرّه .
15 ـ وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم ، وانه من خرج آمن ، ومن قعد آمن بالمدينة إلاّ من ظلم وأثم ، وإن الله جار لمن برّ واتقى.....[21].
 كما أكدت الوثيقة على الحرية الدينية بكل وضوح فنصت على أن للمسلمين دينهم ، ولليهود دينهم ، وحتى حينما حاول بعض الأنصار أن يجبروا بعض أبناء عشيرتهم الذين تهودوا على العودة إلى الإسلام أنزل الله تعالى : (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ)[22] حيث نصت إحدى مواد الصحيفة على ان : (لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم : مواليهم وانفسهم إلاّ من ظلم نفسه وأثم فإنه لا يوتغ إلاّ نفسه...)[23] كما اكدت الوثيقة على المسؤولية الشخصية تأكيداً لقوله تعالى : (ولا تزر وازرة وزر أخرى )[24] .
 غير أن اليهود لم يحافظا على هذه الوثيقة ومحتواها ، ونقضوا عهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابهم ما أصابهم بظلمهم ونقضهم العهود .
 وأما القبائل (وعلى رأسها قريش) وأهل الأديان المحيطة بهذه الدولة فلم تقبل بوجود هذه الدولة ، بل قاومتها بكل وسائل البطش والعدوان ، وبذلت كل جهودها للقضاء عليها قضاءً مبرماً ، ولذلك لم تكن العلاقة فيما بينهم وبين الدولة الإسلامية علاقة ود وتعاون بل كانت علاقة تخاصم وحرب وعداء ، ومع ذلك استطاع الإسلام أن يربي أتباعه على اتباع العدل والقسط ، فكان من الطبيعي أن تدافع هذه الدولة العقدية عن نفسها ، حيث نلاحظ هذه الروح الدفاعية في أول آية نزلت بخصوص تشريع الجهاد : (أذن للذين يقاتلون في بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير)[25] .
 ثم بينت الآية الثانية بأن مبررات الجهاد والقتال هو انهم ظلموا وأنهم أخرجوا من ديارهم ، وبالتالي فهم يدافعون عن أنفسهم ، وعن درء الظلم ، والدفاع عن العقيدة وأماكن العبادة حتى لغير المسلمين فقال تعالى : (الذين اخرجوا من  ديارهم بغير حق إلاّ أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز )[26] .  
 ولذلك فالحرب في نظر الإسلام ضرورة لا يلجأ إليها إلاّ عندما تضيق السبل ، وتنسد الطرق على الدعوة وقبول الإسلام ، أو الاعتراف بدولته من خلال ما يسمى بالجزية التي هي مشاركة من غير المسلم في تحمل أعباء الأمن والمواطنة ، كما يتحمل المسلمون اكثر من ذلك من الواجبات المالية من الزكاة ونحوها ولذلك لا يبدأ المسلمون بالحرب ضد غيرهم بل بعرض الدعوة عليهم أولاً ، فإن قبلوها فبها ونعمت،وإلاّ فالجزية،أي المسالمة والصلح .
 ويدل على هذه الروح في أسمى معانيها صلح حديبية حيث قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجموعة من الشروط التي في ظاهرها إجحاف واعتساف ، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم : (والله لا تدعوني قريش إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلاّ أعطيتهم إياها)[27] واعظم من ذلك سمى الله تعالى هذا الصلح بالفتح المبين،نزلت فيه سورة سميت بسورة الفتح.
 وقد أكد القرآن الكريم على هذا المنهج في أكثر من آية فقال تعالى : (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله)[28] .  
 حتى من الناحية الفقهية فإن جماهير الفقهاء (الحنفية ، والمالكية في قول ، والشافعية والحنابلة)[29] بوجوب الدعوة إلى الإسلام قبل بدء الحرب استدلالاً بقوله تعالى : (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)[30] وكان منهج الرسول صلى الله عليه وسلم ووصيته لصحبه الكرام عندما يرسلهم في مهمة حتى مع المشركين (...وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث ، أو خلال ، فأيهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام....)[31]
 بل حسم ابن عباس (ترجمان القرآن وحبر الأمة) هذه المسالة بصيغة الحصر فقال : (ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً قط حتى يدعوهم إلى الإسلام)[32] .
 وقد أجيب عن إغارة الرسول صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق بأنهم هم بدؤه بالقتال خلال إعدادهم القوة للإغارة على المدينة المنورة[33] كما أنهم قد بلغتهم الدعوة.

الأسس الفكرية الإسلامية التي تساعد على التعايش وتعضده (بإيجاز) :

أولاً : الإنسانية :

 اعترف الإسلام بكرامة الإنسان باعتباره إنساناً مع قطع النظر عن فكره وعقيدته ، فقال تعالى : (ولقد كرمنا آدم)[34] .
 كما جعل الله تعالى الإنسان خليفة في الأرض وزوده بالإرادة والاختيار فقال تعالى : (إني جاعل في الأرض خليفة)[35] وحينما تدخلت الملائكة لبيان الحكمة من ذلك أثبت لهم بان الإنسان اعلم منهم في مجال الاستخلاف والتعمير .
 وقد أكرم الله تعالى الإنسان بالحرية في مجال العقيدة فقال تعالى : (لا إكراه في الدين)[36] وحرره من رق العبودية لغير الله ، وسعى بكل ما في وسعه لإعتاق العبد ومنع المثلة والتعذيب وحتى الترويع وأعطى حرمة عظيمة لحرمات الإنسان وخصوصياته وحقوقه ، وممتلكاته ، وساوى بين جميع البشر إلاّ من خلال العمل الصالح فقال تعالى : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )[37] .
 وجعل المسؤولية شخصية فقال تعالى : (وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى)[38] وقال تعالى : (ولا تزر وازرة وزر أخرى)[39] .
 والتحقيق ان الإسلام يعترف بمجموعة من دوائر الارتباط والوشائج وإن كان قد جعل وشيجة العقيدة والاخوة الإيمانية هي الأساس ، حيث يريد من خلال التوسع في هذه الدوائر إيجاد أرضيات مشتركة للتقارب والتعايش والتعاون ، والدعوة ، وتلك الدوائر هي :
أ ـ دائرة الإنسانية حيث الجميع من آدم وحواء ولذلك يجيء الخطاب بـ : يا أيها الناس .
ب ـ دائرة القومية ، حيث عبر القرآن ـ أحدهم صالح ـ .
ج ـ دائرة من هم أهل الكتاب (سورة مريم).
د ـ وأخيراً دائرة الباحثين عن الحق ( وإنا أو إياكم)

ثانياً : وحدة الأديان :

 يُرجع الإسلام الأديان السماوية كلها إلى أصل واحد وهو الوحي الإلهي ، وأن شرائع الله تعالى قد انبثقت من مشكاة نور واحد ، ولذلك يدعو الإسلام أتباعه إلى الإيمان بجميع الأنبياء والرسل السابقين ، والكتب السماوية ، والكتب المنزلة السابقة ، فقال تعالى : (آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)[40] وقال تعالى : (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون )[41] .
 ويبين الله تعالى بأنه شرع لهذه الأمة كل الشرائع الأساسية التي شرعها على بقية الأنبياء (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما أوحينا به إلى إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)[42] .
 وقد ذم الله تعالى الذين فرقوا دينهم فقال تعالى : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء)[43].
 بل إن القرآن الكريم يدعو اتباعه إلى اتباع سنن المرسلين فقال تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)[44] .
 وأكثر من ذلك فإن القرآن الكريم جعل لفظ الإسلام اسماً مشتركاً لجميع الأديان وعلى ألسنة أكثر الأنبياء فيقول في شأن إبراهيم : (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين)[45] وقال في شان يعقوب : (إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون)[46] ويقول تعالى : (إن الدين عند الله الإسلام)[47] .

ونتج عن ذلك :

1 ـ الاعتراف بالأديان السماوية الحقة ، وبجميع الرسل والأنبياء الذين ذكرهم القرآن أو الذين لم يذكرهم ، وفسح المجال لأصحاب الأديان أن يعيشوا في ظل الإسلام .
2 ـ التعامل مع غير المسلمين بالتسامح دون الإكراه والاعتداء فقال تعالى (لا إكراه في الدين)[48] وقال تعالى : (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)[49] وقال تعالى محدداً وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم (ما على الرسول إلاّ البلاغ)[50] وقال تعالى :(فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما انزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير)[51] وقال تعالى : (لكم دينكم ولي دين)[52] وقد أكد الله تعالى هذه المعاني في الآيات التي نزلت بالمدينة مثل قوله تعالى : (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد)[53] .
 ومن الناحية العملية كانت وثيقة المدينة التي تعتبر بمثابة دستور يحكم أهل المدينة الذين كانوا مختلفين من حيث الدين (الإسلام والشرك واليهودية) ومن حيث الجنس ( القحطانيون والعدنانيون واليهود) حيث سوّت بين الجميع في الحقوق العامة والواجبات من حسن الجوار والتناصر وما يسمى في عصرنا الحاضر بحقوق المواطنة .

ثالثاً : الأصل في الإسلام هو السلام لا الحرب :

 الحرب في الإسلام لا يلجأ إليها إلاّ في حالة الضرورة ، فهي ليست محبوبة من حيث المبدأ بل هي مكروهة في نفوس المؤمنين فقال تعالى : (كتب عليكم القتال وهو كره لكم ....)[54] .
 وقد أكد القرآن الكريم ذلك حيث يقول : (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم)[55] . وقد منّ الله على رسوله محمد وصحبه بأنه منعهم من الوقوع في الحرب فقال تعالى : (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيدكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) وردّ الله الذين كفروا لم ينالوا خيراً
 وتدل هذه الآية بوضوح على أن الإسلام دين سلام وعقيدة ، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله ، وان يقيم فيه منهجه ، وان يجمع الناس تحت لواء الله اخوة متعارفين متحابين ، وهذا الرجاء من الله تعالى معناه القطع بتحققه ، وهذا ما تحقق فعلاً حيث أسلمت قريش ومعظم القبائل المحيطة ، وأن وقف الجميع تحت لواء واحد ، وان طويت الثارات والمواجد.

رابعاً : تقديم الصلح على الحرب حتى ولو كان الصلح فيه بعض الغبْن :

 وقد أطلق الله تعالى الخير على الصلح فقال : (والصلح خير)[56] وقال تعالى : (...أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس...)[57] ولم يقل بين المؤمنين فقط ، بل عمم الصلح والإصلاح بين الناس جميعاً ، فذلك الخير والأنفع ، وقال تعالى : (لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً)[58].
 وقد بين الإسلام خطورة الإفساد في الأرض وعدم الإصلاح فجعله من الكبائر المحرمات الموبقات ، فقال تعالى : (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)[59] وقال تعالى في وصف الكفرة المجرمين : (الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون)[60] .
 والإصلاح هو رسالة الأنبياء فقال تعالى على  لسان شعيب عليه السلام : (إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب)[61]  وقد جعل الله التوفيق حليف إرادة من يريد الإصلاح دائماً فقال تعالى : (إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما)[62] .
 وربط الله تعالى بين الهلاك والإفساد ، وبين النجاة والإصلاح فقال تعالى : (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)[63] .
 وليس الصلح والإصلاح في الإسلام مجرد شعار ، وإنما طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم في سيرته العطرة حيث حينما جاء للعمرة ومعه عدد كبير من صحبه الكرام منعهم قريش على الرغم من ان كل الدلائل كانت تشير إلى أن الهدف الأساس هو أداء العمرة ، ولذلك أتوا محرمين ،وساقوا الهدي حتى وصلوا حديبية ، حيث بركت ناقته القصواء ..ثم قال : (والذي نفسي بيده ، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلاّ أعطيتهم إياها)[64] ثم حاول الرسول صلى الله صلى الله عليه وسلم دخول مكة ، ولكن قريش منعته ، فأرسل رسله تترى لبيان موقفه لهم ، حيث أرسل خراش بن أمية الخزاعي ، فأرادت قريش قتله لولا أن منعهم الأحابيش ثم أرسل عثمان بن عفان فأبلغهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بأن الهدف هو زيارة الكعبة وتعظيمها ، غيران قريشاً أخرته حتى ظن المسلمون أنها قتلته ، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى البيعة تحت الشجرة[65] فبايعوه جميعاً على الموت سوى الجد ابن قيس (وكان منافقاً) ثم انتهى الأمر بالصلح الذي في ظاهره تنازل من طرف المسلمين لصالح المشركين ، فمثلاً كتب علي بن أبي طالب عقد الصلح ، وسطر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بـ : بسم الله الرحمن الرحيم ، فاعترض ممثل قريش سهيل بن عمرو فقال : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي ، ولكن اكتب : باسمك اللهم ، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلاّ باسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتب باسمك اللهم .
 ثم اعترض سهيل على عبارة : (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ) حيث قال سهيل : (والله لو كنا نعلم انك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : محمد بن عبدالله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب : محمد بن عبدالله ) فاعتذر علي بن أبي طالب عن مسح كلمة (رسول الله) فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الكتاب ، فمحاها بيده[66] .
 ثم اعترض سهيل على بند : (على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به) حيث قال : (والله لا تحدث العرب انا أخذنا ضغطة)[67] .
 ثم اشترط شرطاً تعسفياً غير عادل وهو : (أنه لا يأتيك منا رجل ـ وإن كان على دينك ـ إلاّ رددته إلينا) في حين أن من عاد من المسلمين إلى قريش فإنها لا ترده[68] .
 ومع ذلك قبل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الاتفاقية مع تذمر المسلمين منها حيث ضاقوا ذرعاً ببنودها ، وأسلوب الإملاء والصياغة ، حتى قال عمر له : (ألست نبي الله حقاً؟ قال : بلى ، قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، قلت فلِم نعطي الدنية في ديننا إذاً ؟ قال : ( إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري)[69] .
 ومما زاد الطين بلة أنه أثناء الاتفاقية جاء أبو جندل بن سهيل وهو مرسف في قيوده ، وقد خرج من اسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه ان ترده إليَّ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إنا لم نقض الكتاب بعد ، فقال : والله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً ، ففي صحيح البخاري : (وأبى سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ على ذلك ، فكره المؤمنون ذلك وامَّعضوا ، فتكلموا فيه ، فلما أبى سهيل ...كاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ...ورد أبا جندل إلى أبيه ...ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الرجال إلاّ رده في تلك المدة وإن كان مسلماً ....)[70].
 وقد غضب المسلمون نفسياً من رد المسلمين الفارين بدينهم حتى قالوا : يا رسول الله تكتب هذا؟ قال :(نعم ، إنه من ذهب إليهم فأبعده الله ، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً)[71] .
 هذا الصلح الذي أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم وبهذه الشروط وفي ظل حنق المسلمين وغضبهم إن دل على شيء فإنما يدل على مدى أهمية الصلح لدى الرسول صلى الله عليه وسلم بل لدى الإسلام حيث نزلت الآيات من فوق سبع سموات سمته بالفتح (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ) حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس ) ثم قرأ : (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً)[72] .
 وحقاً كان هذا الصلح فتحاً عظيماً للقلوب حيث دخل في الإسلام من بعد الصلح عام ست من الهجرة إلى عام فتح مكة في ثمان آلاف مؤلفة ، حيث جاء الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح حديبية ومعه حوالي 1500 ، في حين جاء في فتح مكة ومعه ثمانية آلاف .
 وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم من أشد المتمسكين بتنفيذ بنود العقود معه ـ كما سبق ـ والمحافظين عليه ، حتى إن بعض شباب قريش الطائشين أرادوا أخذ مسكر المسلمين غرة ، وكان عددهم ثمانين شاباً ، لكنهم أسروا ، فعفا عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأطلق سراحهم[73] مع أنه كان بالإمكان أن يجعل ذلك سبباً لنقض الاتفاقية ، كما عفا عن سبعين أسيراً أسرهم المسلمون بعد الصلح ، وعن أربعة حاولوا الإيقاع بالرسول فأخذهم سلمة بن الأكوع[74].
 وروى مسلم في صحيحه بسنده عن انس بن مالك : أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسللين يريدون غرّة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فأخذهم مسلماً فاستحياهم ، فانزل الله عز وجل : (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم)[75] .
 وفي هذه الآية دلالة أخرى على أهمية الصلح وعدم الوقوع في الحرب حيث إن الله تعالى امتن بذلك على المؤمنين ، مما يدل على انه من النعم الكبرى ، وان الحرب من حيث هي ليست محببة في الإسلام .
 يقول الشيخ محمد عبدالله دراز : (ومن هنا نرى ان الحرب في نظر الإسلام شرّ لا يلجأ إليه إلا المضطر ، فلأن ينتهي المسلمون بالمفاوضة إلى صلح مجحف بشيء من حقوقهم ، ولكنه في الوقت نفسه يحقن الدماء ، خير من انتصار باهر للحق تزهق فيه الأرواح)[76] .

خامساً : مبدأ العدل والقسط [77] :

 يعتبر هذا المبدأ في الإسلام من اعظم المبادئ التي تقوم عليها الشريعة ، بل تقوم عليه السموات والأرض ، ولذلك تكرر لفظ العدل ومشتقاته في القرآن الكريم ثمان وعشرون مرة ، كما ذكر رديفه (القسط) في القرآن الكريم ....... تناول القرآن الكريم خلالهما أهمية العدل والقسط ، حيث أمر بالعدل والإحسان ، فقال تعالى : (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر )[78] وقال تعالى : (اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله )[79] وقال تعالى : (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى )[80] وقال تعالى : (وأمرت لأعدل بينكم)[81] وشدد في حرمة عدم العدل مع قوم ولو كانوا أعداء فقال تعالى : (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ..)[82] وأمر المسلمين أن يكون حكمهم قائماً على العدل بين الناس جميعاً ،بل جعل العدل أساساً للحكم الإسلامي ، فقال تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)[83] وشدد الإسلام في اتباع الهواء والرغبات والمصالح الشخصية ليؤدي ذلك إلى ترك العدل فقال تعالى : (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا)[84] وأمر بالعدل حتى مع البغاة الخارجين على الدولة المقاتلين فقال تعالى :(فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين)[85] .
 بل إن الله تعالى نهى عن التعدد بين النساء إذا أدى إلى الجور وعدم العدل فقال تعالى : (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)[86] وجعل العدل شرطاً في قبول الشهادة والحكم ونحوهما ، فقال تعالى : (واشهدوا ذوي عدل منكم)[87] .
 وتكرر لفظ (القسط) ومشتقاته في القرآن الكريم سبعاً وعشرين مرة ، حيث أمر الله تعالى فيها بالقسط مطلقاً أي العدل فقال : (يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط )[88] وبالقسط في الحكم فقال تعالى : (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين)[89] ، وبالقسط في النزاعات حتى مع الخارجين عن القانون فقال تعالى : (فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين )[90] وجعل الله مصير هؤلاء الذين يقتلون العادلين إلى النار والعذاب الأليم فقال تعالى : (..ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم)[91] وامر ان يكون الوفاء في الكيل والوزن في الماديات والمعنويات بالقسط والعدل فقال تعالى : (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط)[92] وقال تعالى : (وزنوا بالقسطاس المستقيم)[93] .
 ومن الناحية العملية شهدت السيرة النبوية العطرة وتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس جميعاً أروع الأمثلة في العدل والقسط ، وكذلك سيرة خلفائه الراشدين .



سادساً : الاعتراف بالاختلاف والتنوع :
 من واقعية الإسلام اعترافة بالاختلاف في العقائد والأفكار والألوان والأطياف ، على الرغم من انه ينشد وحدة الأمة ويريد لهم الخير كله ، حيث يقول القرآن : (كان الناس أمة واحدة) أي بعد ذلك اختلفوا (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه...)[94] وبعد أن ذكر الله تعالى اليهود والنصارى واختلافهم قال : (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات....)[95] .
 وقد أكد القرآن الكريم أن الاختلاف أحد المقاصد المعتبرة للابتلاء ، فقال تعالى : (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم)[96] .
 وهذه الآيات الكثيرة ومثلها من الأحاديث النبوية تهيئ نفوس المسلمين لقبول الآخرين المختلفين معهم عقدياً وفكرياً وأصولياً وفرعياً ، والتعايش معهم بأمن وأمان ، وهذا ما حدث طوال التأريخ الإسلامي ، حيث عاش غير المسلمين في أكتاف الدولة الإسلامية القوية ، وهم يتمتعون بكامل حقوقهم بل تقلدوا مناصب رفيعة في ظلها ، ولم يحدث مثل ذلك في ظل الإمبراطوريات الدينية الأخرى مثل الدولة الرومانية التي كانت تضطهد اليهود ، وغير النصارى ، ثم لا ينسى التأريخ ما فعل الصليبيون بالمسلمين واليهود في الأندلس .

سابعاً : الحوار بدل الشجار وقوة المنطق بدل منطق القوة .
يركز القرآن الكريم على تعويد الأمة على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، وبالحوار ، والجدال بالتي هي احسن ، دون القهر والاستبداد والصراع ، حيث يقول القرآن الكريم : (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن)[97] .
 ويؤكد القرآن الكريم مرة أخرى بالنهي عن الجدال مع أهل الكتاب إلاّ بالتي هي احسن فيقول : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن)[98] .
 والقرآن الكريم بنفسه هو كتاب حوار ، حيث استعرض مجموعة رائعة من الحوارات منها حوار الملائكة مع الله تعالى في استخلاف الإنسان ، ومنها حوار الشيطان مع الله تعالى ، ومنها حوار الأنبياء مع الله مثل حوار موسى ، ومنها حوار الأنبياء مع أممهم وشعوبهم ، ومنها حوارات أخرى مثل حوار صاحبي الجنة في سورة الكهف .
ثامناً : الدفاع بدل الصراع هو الأصل في التعامل :
 ولم يستعمل القرآن الكريم لفظ الصراع ، وإنما استعمل لفظ الدفع والدفاع والمدافعة بدل الصراع[99] ، فقال تعالى : (إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور)[100] وقال تعالى : (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ..)[101] وقال تعالى : (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد)[102] حيث تدل هذه الآيات على سنة التدافع ، وانها من سنن الله تعالى حيث يدفع الظالمين ولكنها لا تدل على تأصيل فكرة الصراع في قلوب المسلمين بأن يتخذوا الصراع منهجاً في تعاملهم ، كما هو الحال بالنسبة لسنة الخلاف والاختلاف فهي سنة ، ومع ذلك لا ينبغي للمسلمين أن يتخذوه منهجاً لهم في التعامل .
 وإنما الذي اكد عليه القرآن في كيفية التعامل مع المخالفين هو منهج الدفع بالتي هي أحسن فقال تعالى في سورة المؤمنون : (ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون)[103] وفي سورة فصلت : (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقا الله إلاّ الذين صبروا وما يلقاها إلاّ ذو حظ عظيم)[104] .
 فقد دلت هذه الآيات أن الواجب على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن يقتدي به من الدعاة أن يقابل سيئة الكفرة والمنافقين والفسقة بالحسنة سواء كان في نطاق الأقوال حيث يقابل الأقوال حيث القول السيء بالقول الطيب ، او في مجال الأعمال والتصرفات حيث يقابل ذلك بالأعمال الصالحة والتصرفات النافعة الطيبة فقال تعالى في وصف عباد الرحمن (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) فالمسلم ينبغي أن يكون كالشجرة المثمرة التي يرميها الرامي بالحجر فتقابله برمي ثمرة ، وهذا هو الأسلوب الناجح في التعامل وهو الذي له ثمار طيبة حيث تتحول العداوة إلى المحبة ، والإساءة إلى الإحسان ، والقطيعة إلى التواصل والاخوة ، وإن كان هذا الأسلوب ليس سهلاً إلاّ على الصابرين الذين أعطاهم الله حظاً عظيماً من الصبر على الإيذاء ، فيجزيهم الله تعالى بالأجر العظيم والثواب الجزيل في الدنيا والآخرة .
تاسعاً :  التعامل عبر موازين الشرع :
 وأقصد بذلك أن الإسلام وضع موازين لكل الأمور ، وأن هذه  




التطبيقات العملية للعلاقات الدولية في حالة السلم والحرب :
أولاً : في حالة السلم :
 يحرص الإسلام كل الحرص على الحفاظ على الأمن والامان ، والسلام ، وعلى العهود والمواثيق التي تمت بين دولة الإسلام ، او المسلمين ، وبين غيرهم دولاً وأفراداً ، فجاءت مجموعة من النصوص الصريحة تأمر بالوفاء بالعهود والعقود والمواثيق ، فقال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود )[105] وقال تعالى : (وأوفوا بالعهد إن العهد كان عنه مسؤولاً )[106] وجعل الوفاء بالعهود والمواثيق من صفات المؤمنين ،  ونقضها من صفات الكفرة والمنافقين فقال تعالى في وصف المؤمنين المصلحين : (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون)[107] ، بل إن القرآن الكريم لا يجيز للدولة المسلمة نقض العهد مع دولة غير إسلامية بينها عهود ومواثيق ما دامت لم تنقض عهدها .
 وقد تضمنت الآيات العشرون (55 – 75) من سورة الأنفال التي هي من أواخر السور التي نزلت على الرسول الكريم صورة واضحة للعلاقات الخارجية بين الدولة المسلمة وما حولها من الدول والطوائف والمعسكرات ، حيث تقرر إمكان إقامة عهود تعايش بين المعسكرات المختلفة ما أمكن أن تصان هذه العهود من النكث بها مع إعطاء هذه العهود الاحترام الكامل والجدية الحقيقة[108] وذلك من خلال المفاهيم الآتية:
1 ـ وجوب صون العهود والمواثيق من النقض والنكوث حيث سمى الناكثين بشر الدواب ، فقال تعالى :، وان شرّ الدواب هم الذين نقضوا عهودهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2 ـ وأن الدولة المسلمة التي لها عهد مع أناس آخرين إذا خافت من خيانتهم فإنها تنبذ إليهم عهدهم ، وتخبرهم بذلك ، ولا تخونهم ، لأن الله تعالى لا يحب الخائنين ، فالإسلام يريد من العهد الصيانة ، ومن العقد الحفاظ عليه ، ومن المواثيق الالتزام بها ، فإذا وجد المقابل لا يحافظ على عهد ، ولا يفي بعقده بل من طبعه الخيانة والمكر ، فإن المسلمين لا يجوز لهم أن يقابلوا خيانتهم بخيانة ، ونقضهم بنقض ، بل يصارحونه ، ولذلك يرتفع الإسلام بالبشرية إلى آفاق من الشرف والاستقامة ، ويرتقي بهم إلى آفاق الأمن والطمأنينة والاستقرار ، وعدم الخوف من الإغارة والخيانة .
3 ـ ضرورة إعداد القوة حتى لا يطمع الأعداء في الدولة الإسلامية ، وهذه تسمى في الوقت الحاضر نظرية القوة الرادعة .
 4 ـ وأنهم إذا جنحوا للسلم فعلى الدولة الإسلامية أن تختار خيار السلام مع التوكل على الله : (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم )[109] .
 وقد شدد القرآن الكريم في ضرورة الأخذ بالسلام العادل والجنوح له حتى ولو مع الخوف من الخيانة قال تعالى : (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين)[110] .
5 ـ ضرورة توفير الهيبة لهذا الدين ، والإرادة القوية ، والاستعداد الدائم المستمر لحماية الأمة ، وليست للاعتداء لأن الله لا يحب المعتدين .
6 ـ ضرورة التأكيد على مبدأ الموالاة في مقابل موالاة الكافرين بعضهم لبعض ، فلا ينبغي للأمة المسلمة أن تبقى متفرقة ممزقة ، وعدوها متحد يرميها من قوس واحدة ، وأن الفتنة كل الفتنة هي أن لا يستوعب المسلمون قضية الولاء (إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)[111]
7 ـ هؤلاء الذين لا يستطيع أحد ان يطمئن إلى عهدهم وجوارهم وشرورهم ، جزاؤهم تخويفهم ، والضرب على أيديهم بشدة حتى يتركوا هذا الصنيع الفاحش .
8 ـ وجوب قيام العلاقات على الصراحة وحماية العهود والمواثيق ، ونبذ الخيانة ، والميكافيلية ، يقول سيد قطب : ( إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع ، ويريد للبشرية أن تعف ، فلا تبيح الغدر في سبيل الغلب ، وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف المقاصد ، ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة ، إن الإسلام يكره الخيانة ، ويحتقر الخائنين الذين ينقضون العهود ، ومن ثم لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة ، إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ ، ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة ، وليس مسلماً كاملاً من يبرر الوسيلة بالغاية ، فهذا المبدأ غريب على الحس الإسلامي والحساسية الإسلامية)[112]
9 ـ من دلائل حفاظ المسلمين على عهودهم مع غيرهم أن بعض المسلمين الذين لم ينضموا إلى الدولة الإسلامية لو استنصروا بها في الدين فعليها النصرة على شرط ألا يخل هذا بعهد من عهود المسلمين مع المعسكر الآخر حتى ولو كان هذا المعسكر معتدياً على أولئك الأفراد في دينهم وعقيدتهم فقال تعالى : (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلاّ على قوم بينكم وبينهم ميثاق)[113]
ثانياً : في حالة الحرب :
 من المعلوم أن الحرب المشروعة في الإسلام هو الجهاد في سبيل الله ، وهو لأجل إعلاء كلمة الله ، وليس لأجل أي غرض دنيوي ، ولذلك فهو ديني اخلاقي في نظر الإسلام ، وهو في حقيقته دفاع ـ بمعناه الواسع ـ عن الدين ، والوطن[114] ، وإذا حدث فقد وضع الإسلام قواعد عملية كثيرة تخفف من آثاره وتحدد بإنصاف ما يقتضيه الموقف الدفاعي البحت ، فنهى عن قتل المرأة ، والراهب في معبده ، والفلاح في مزرعته فقال تعالى : (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم)[115] ونهى عن الاعتداء حتى في حالة الحرب وأثناء الحرب فقال تعالى : (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)[116] وذلك من خلال الإجراءات الآتية :
1ـ تصديق من يعلن إسلامه ولو كان في ساحة القتال وهو منهزم وقد قتل من المسلمين ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أمرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإيمان ، وحسابهم على الله)[117] وقد قال تعالى : (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرضاً من الحياة الدنيا)[118] ، وبقبول المقاتل مسلماً يعصم دماء ذريته الصغار أيضاً [119].
2ـ عدم جواز قتل الرسل والرهائن مهما كانت طبيعة الدولة التي أرسلتهم ، فقد روى الحاكم وصححه ، وأبو داود بسندهما عن نعيم بن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرسوليْ مسيلمة حين قرأ كتاب مسيلمة : ما تقولان أنتما ، قالا نقول كما قال ، فقال صلى الله عليه وسلم : (لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما)[120]
3ـ عدم قتل النساء والأطفال وكبار السن والرهبان والفلاحين والعمال والحراثين ، ونحوهم ممن لم يشاركوا في القتال فقال تعالى : (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا)[121] .
 وقد ترجم الإمام مسلم في صحيحه : باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب ، ثم روى بسنده عن عن عبدالله أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولة فأنكر صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان [122].
 وروى أبو داود بسنده ان رسول الله قال : (لا تقتلوا فانياً ولا طفلاً صغيراً)[123] وروى أحمد بسنده عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال : (اخرجوا بسم الله ...ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع )[124] ، وجاء في وصية أبي بكر ليزيد بن آبي سفيان : (إنك ستجد قوماً حبسوا أنفسهم لله تعالى فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له)[125] . وروى ابن ماجه بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً)[126] أي أجيراً .
4 ـ كراهة قتل الوالدين وذوي الأرحام إلاّ في حالة الضرورة أو الحاجة وهذا رأي الحنفية والشافعية والزيدية[127] وذلك للأدلة المعتبرة ، اما الوالدان فلقوله تعالى : (وصاحبهما في الدنيا معروفا)[128] وذكر الإمام محمد بن حسن الشيباني في كتابه العظيم أن : (حنظلة بن أبي عامر وعبدالله بن عبدالله بن أبي سلول استأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبويهما فنهاهما) ثم ذكر بعض روايات قتل الابن أباه في الحرب وسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدل على أن الابن لا يقصد قتل أبيه ،ولكن إذا اقتضته الضرورة ، أو الحاجة فلا يأثم بقتله[129].
5 ـ عدم التحريق والاغراق وقطع الأشجار ونحوها إلاّ إذا اقتضتها ضرورة الحرب ، أو يترتب على ذلك الإقلال من إراقة الدماء .
6 ـ عدم استعمال أسلحة الدمار الشامل التي يترتب عليها أضرار بغير المقاتلين من النساء والأطفال والحيوانات والأجيال اللاحقة ، حيث الأدلة الشـرعية على عدم جواز ذلك متضافرة من الكتاب والسنة .
وقد نص بعض الفقهاء منهم المالكية على عدم جواز استعمال السمّ على الأعداء[130] .
7 ـ عدم قتل الحيوانات ، وقد كانت وصية أبي بكر لمن يرسلهم إلى القتال : (لا تعقرن شاةً ولا بعيراً إلاّ لمأكله)[131] .
8 ـ عدم الاضرار بالبيئة بقدر الإمكان من عدم قطع الشجر ونحوه إلاّ إذا اقتضته ظروف الحرب ، حيث جاء في وصية أبي بكر رضي الله عنه : (لا تحرقن شجراً ، ولا تقطعن شجراً مثمراً)[132] .
9 ـ الأمان والاستجارة ، حيث أعطى الإسلام الحق لكل مؤمن أن يعطي حق الأمان لأي كافر من حيث المبدأ ، حيث ذكرنا من الأحاديث والآثار الدالة على ذلك منها قوله صلى الله عليه وسلم : (ويسعى بذمتهم أدناهم)[133] وقد قال الله تعالى : (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره....)[134] . وقد أفاض الإمام محمد الشيباني في هذا الموضوع إفاضة رائعة[135] .
10 ـ الصلح والهدنة ـ حيث ذكرنا أهمية ذلك في نظر الإسلام،وتطبيقه في صلح الحديبية.


ثالثاً : في حالة انتهاء المعركة وانتصار المسلمين ، يتدخل الإسلام في كيفية التعامل مع المهزومين وبالأخص مع الأسرى :
 حيث يأمر بالإحسان إليهم ، وتوفير حاجياتهم الأساسية من المأكل والمشرب والمسكن ،حيث جعل الله تعالى إطعام الطعام للأسير من أفضل القربات إلى الله تعالى فقال تعالى : (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتمياً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً )[136] ، وكذلك يتدخل الإسلام بفرض إكرام جثث القتلى بدفنهم ،و عدم جواز أخذ المقابل للتسليم ، أو الدفن أو نحوهما .
 ومن أروع الأمثلة في هذا المجال موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل مكة الذين أذوه وعذبوا أصحابه ،وفعلوا ما فعلوا طوال أكثر من عشرين سنة ، ومع ذلك لم يلجأ إلى الشماتة والتشفي ، بل قال لهم قولته المعروفة :(اذهبوا فأنتم الطلقاء) .

        
المبادئ الإسلامية والقانون الدولي الإنساني :
 يقصد بالقانون الدولي الإنساني : مجموعة القواعد والمبادئ التي تضع قيوداً على استخدام القوة في وقف النزاع المسلح وذلك من اجل :
1 ـ الحد من  الآثار التي يحدثها العنف على المقاتلين بما يتجاوز القدر اللازم الذي تقتضيه الضروريات الحربية .
2 ـ تجنيب الأشخاص الذين لا يشتركون بشكل مباشر في الأعمال الحربية[137] .
 ومصطلح القانون الدولي الإنساني حديث النشوء حيث استخدم أول مرة من جانب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الوثائق التي قدمتها إلى مؤتمر الخبراء الحكوميين الذي عقد في دورته الأولى بجنيف عام 1971 والسبب في استخدام هذا المصطلح الجديد هو إبراز الطابع الإنساني الخالص للقواعد الحربية [138].
 ولم نجد في الفقه الإسلامي هذا المصطلح ، ولا مصطلح القانون الدولي ، ولكن كما رأينا أن ا لفقه الإسلامي قد سبق القوانين الوضعية بوضع الأسس والمبادئ للعلاقات الدولية والقانون الدول الإنساني ، ولكنه استعمل مصطلح الجهاد ، أو السير ، وكان للأئمة الكرام ، وبالأخص الإمام محمد بن حسن الشيباني المولود في 132هـ والمتوفى في 189هـ الذي ألف سفراً عظيماً في خمسة أجزاء في السير أو بعبارة دقيقة في القانون الدولي ،والقانون الدولي الإنساني ، حيث يعتبر أول رائد من رواد التأليف في القانون الدولي ، حيث سبق بكتابه هذا غروسيوس الهولندي 1583 – 1645م الذي سمي أبا القانون الدولي في عصره .
 ومن الإنصاف أن نقول : إن علماء القانون الدولي والمشتغلين به في مختلف بلاد العالم أسسوا جمعية في غوتنجن بألمانيا باسم : (جمعية الشيباني للحقوق الدولية) وانتخب لرئاستها في وقته الفقيه القانوني المصري الدكتور عبدالحميد بدوي ، كما انتخب الدكتور صلاح الدين منجد الذي حقق كتاب السير الكبير للشيباني[139] .
 فالقانون الدولي الإنساني هو مجموعة من المبادئ والأعراف والإجراءات التي توفر الحماية لفئات معينة في حالات الحرب والصراعات المسلحة ، وبالتالي فهو يشمل :
1 ـ قانون لاهاي الذي اقر عام 1899 ،1907م والذي ينظم حقوق وواجبات المقاتلين عند وقوع الحرب.
2 ـ قانون جنيف الذي يستهدف نحو توفير الحماية والمعاملة الإنسانية للمدنين الذين لا يشاركون في الحرب ، حيث يشمل على اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م الخاصة بضحايا الحرب والبروتوكلين المضافين إليها اللذين أقرا في جنيف عام 1977 [140].
 وهذه الاتفاقيات تستهدف حماية حقوق الإنسان في حالة الحرب ، وحماية المدنين ، وأن تكون الحرب نفسها مشروعة ، وهكذا ، وقد رأينا علاج الإسلام في هذه المجالات . والله الموفق 
   
         




[1])) سورة النحل / الآية (30)
[2])) سورة الأنبياء/ الآية (107)
[3])) سورة النحل/ الآية (89)
[4])) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (1/35) ط.الريان بالقاهرة .
[5])) إعلام الموقعين ،ط.الأزهرية (3/14)
[6])) القاموس المحيط ،ولسان العرب ، والمعجم الوسيط ، مادة : أسس
[7])) المصادر السابقة مادة : بدأ
[8])) أ.د. جعفر عبدالسلام : القانون الدولي الإنساني ، بحث منشور في مجلة كلية الشريعة والقانون بالقاهرة ، العدد الثاني 1406هـ ص 166 ، ود. عبدالغني محمود : القانون الدولي الإنساني  ص 5
[9])) سورة النساء / الآية (72)
[10])) يراجع : أ.د. أكرم ضياء العمري ، السيرة النبوية الصحيحة ط.قطر (1/240)
[11])) المرجع السابق (1/272 – 289)
[12])) سورة الممتحنة / الآية (9،8،7) ويراجع التفسير الكبير للرازي ط.إحياء التراث العربي (29/303)
([13]) سورة الممتحنة / الآية (1)
([14]) سورة الممتحنة / الآية (2)
[15])) سورة المائدة / الآية (2)
[16])) في ظلال القرآن / سيد قطب ،ط.دار الشروق بالقاهرة 1406هـ  ( 6/3544 – 3545)
[17])) سورة البقرة / الآية (256)
[18])) سورة  القصص/ الآية (83)
[19])) سورة الحج/ الآية (39)
[20])) سورة النساء / الآية (75)
[21])) يراجع نص الوثيقة في : الأستاذ محمد حميد الله في مجموعة الوثائق السياسية ،ط.دار الإرشاد ببيروت 1389هـ ، ص 41 – 47 ، وأستاذنا الدكتور أكرم العمري : السيرة النبوية الصحيحة ، ط.مركز بحوث السنة والسيرة بقطر 1411هـ ص 282 ـ 285 حيث خرج بنودها من المصادر المعتمدة
[22])) سورة البقرة / الآية (256)
[23])) المراجع السابقة
[24])) سورة الأنعام / الآية (164)
[25])) سورة الحج / الآية (39)
[26])) سورة الحج / الآية (40)
[27])) رواه البخاري مع فتح الباري (5/329)
[28])) سورة الأنفال / الآية (61)
[29])) يراجع : مجمع الأنهر (1/635) والشرح الكبير مع الدسوقي (2/176) وروضة الطالبين (10/239) والمغني لابن قدامة مع الشرح الكبير (10/379)
[30])) سورة الإسراء  / الآية (15) 
[31])) صحيح مسلم ، كتاب الجهاد (3/1357)
[32])) مسند أحمد (1/231) والسنن  الكبرى (9/107)
[33])) يراجع : صحيح مسلم ، كتاب الجهاد (3/1356 ) وسيرة ابن هشام (3/228)
[34])) سورة الإسراء / الآية (70)
[35])) سورة البقرة / الآية (30)
[36])) سورة البقرة / الآية (256)
[37])) سورة الأنعام / الآية (164)
[38])) سورة النجم / الآية (39)
[39])) سورة الأنعام / الآية (164)
[40])) سورة البقرة /  الآية 285)
[41])) سورة البقرة / الآية (136)
[42])) سورة الشورى / الآية (13)
[43])) سورة الأنعام / الآية (159)
[44])) سورة الأنعام/ الآية (90)
[45])) سورة البقرة / الآية (131)
[46])) سورة البقرة / الآية (133)
[47])) سورة آل عمران / الآية (19)
[48])) سورة البقرة / الآية (256)
[49])) سورة الغاشية / الآية (21)
[50])) سورة المائدة / الآية (99)
[51])) سورة الشورى / الآية (15)
[52])) سورة الكافرون/ الآية (6)
[53])) سورة آل عمران / الآية (20)
[54])) سورة البقرة / الآية (216)
[55])) سورة الممتحنة / الآية (7)
[56])) سورة النساء/ الآية (128)
[57])) سورة البقرة / الآية (224)
[58])) سورة البقرة/ الآية (220)
[59])) سورة البقرة/ الآية (205)
[60])) سورة الشعراء/ الآية (152)
[61])) سورة  هود  الآية (88)
[62])) سورة النساء / الآية  (35)
[63])) سورة هود (117)
[64])) رواه البخاري مع فتح الباري (5/329)
[65])) يراجع : فتح الباري شرح صحيح البخاري (7/439) وصحيح مسلم كتاب الإمارة (3/1409) ويراجع للمزيد : أ.د. أكرم ضياء العمري : السيرة النبوية الصحيحة ،ط.قطر (2/434 – 453)
[66])) صحيح مسلم ، كتاب الجهاد (3/1410 – 1411)
[67])) مصنف عبدالرزاق (5/343)
[68])) صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ المغازي (7/453)
[69])) صحيح مسلم (3/1412)
[70])) صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ كتاب المغازي (7/453)
[71])) صحيح مسلم (3/1412)
[72])) صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ كتاب المغازي (7/452)
[73])) صحيح مسلم ، الجهاد (3/1442)
[74])) انظر : تفصيل بنود الصلح في صحيح مسلم (3/1433 – 1441) الحديث 1807 ، والسيرة الصحيحة (2/000446)
[75])) صحيح مسلم (3/1442) الحديث 1808 ، والآية من سورة الفتح 24
[76])) دراسات إسلامية للدكتور محمد عبدالله دراز ، ط. دار القلم بالكويت عام 1979 ص 142
[77])) يقول أبو البقاء العكبري  في الكليات ، ط.مؤسسة الرسالة ص 150 : (الاعتدال هو توسط حال بين حالين في كم وكيف) ويقول في ص 639 : (العدل ضد الجور ..؛ والعدالة لغة الاستقامة ،وفي الشريعة عبارة عن الاستقامة على  الطريق الحق بالاختيار) وذلك بالاجتناب عن الهواء ،ويقول في ص 733 : القسط بالكسر العدل ، وبالضم الجور ) والقسطاس هو الميزان الدقيق للاحتراز عن الزيادة والنقصان ، وجاء في معجم الوسيط ،ط. قطر ص 588 : (العدل : الانصاف ، وهو إعطاء المرء ماله ، وأخذ ما عليه )وفي ص  734 : (القسط : العدل ،وهو من المصادر الموصوف بها ، يوصف به الواحد ، والجمع ، يقال : (ميزان قسط ، وميزانان قسط ، وموازين قسط ...والقسطاس : أضبط الموازين وأقومها)
[78])) سورة النحل/ الآية (90)
[79])) سورة المائدة/ الآية (8)
[80])) سورة الأنعام/ الآية (152)
[81])) سورة الشورى/ الآية (15)
[82])) سورة المائدة / الآية (8)
[83])) سورة النساء/ الآية (58)
[84])) سورة النساء/ الآية (135)
[85])) سورة الحجرات / الآية (9)
[86])) سورة النساء/ الآية (3)
[87])) سورة الطلاق / الآية (2)
[88])) سورة النساء/ الآية (135)
[89])) سورة المائدة/ الآية (42)
[90])) سورة الحجرات/ الآية (9)
[91])) سورة آل عمران/ الآية (21)
[92])) سورة الأنعام/ الآية (152)
[93])) سورة آل عمران/ الآية (35)
[94])) سورة البقرة / الآية (213)
[95])) سورة  المائدة/ الآية (48)
[96])) سورة هود / الآية (118 – 119 )
[97])) سورة النحل/ الآية (125)
[98])) سورة العنكبوت/ الآية (46)
[99])) لم يرد في القرآن الكريم لفظ : صرع ، ولا الصراع ، ولا مشتقاته إلاّ لفظ :صرعى في سورة الحاقة الآية 7 : (فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية)
[100])) سورة الحج/ الآية (38)
[101])) سورة البقرة/ الآية (251)
[102])) سورة الحج/ الآية (40)
[103])) سورة  المؤمنون / الآية (96)
[104])) سورة فصلت / الآية (34 – 35 )
[105])) سورة المائدة/ الآية (1)
[106])) سورة الإسراء/ الآية (34)
[107])) سورة المؤمنون/ الآية (8)
[108])) سيد قطب : في ظلال القرآن ،ط.دار الشروق (3/1539)
[109])) سورة الأنفال / الآية (61)
[110])) سورة الأنفال/ الآية (62)
[111])) سورة الأنفال/ الآية (73)
[112])) سيد قطب : في ظلال القرآن (3/1542)
[113])) سورة  الأنفال/ الآية (72)
[114])) يراجع : الإسلام والقوة  ، بحث لنا منشور في مجلة مركز بحوث السنة والسيرة
[115])) سورة البقرة/ الآية (190)
[116])) سورة  البقرة/ الآية (190)
[117])) صحيح البخاري ، كتاب الإيمان ، مع فتح الباري (1/)
[118])) سورة النساء/ الآية  (94)
[119])) المغني مع الشرح الكبير (10/413)
[120])) المستدرك (2/155) وسنن أبي داود (3/83)
[121])) سورة  البقرة / الآية (190)
[122])) صحيح مسلم ، كتاب الجهاد (3/1364)
[123])) سنن أبي داود ، كتاب الجهاد (3/371)
[124])) مسند احمد (1/300)
[125])) معرفة السنن  والآثار للبيهقي (13/249)
[126])) سنن ابن ماجه ، كتاب الجهاد (2/948)
[127])) يراجع : النتف للسغدي  (2/710) ونهاية المحتاج (8/64)
[128])) سورة  لقمان/ الآية  (15)
[129])) كتاب السير الكبير ،ط.مطبعة الاعلانات الشرقية (1/106)
[130])) مواهب الجليل (3/352)
[131])) معرفة السنن للبيهقي (13/249)
[132])) المرجع السابق
[133])) سبق تخريجه
[134])) سورة التوبة/ الآية (6)
[135])) السير الكبير (2/420)
[136])) سورة الإنسان/ الآية (9)
[137])) أ.د.جعفر عبدالسلام : القانون الدولي الإنساني ، بحث منشور في مجلة كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر ، العدد الثاني 1406هـ ص 166
[138])) المرجع السابق
[139])) مقدمة مدير معهد المخطوطات بالقاهرة لكتاب السير الكبير ، ط.شركة الاعلانات الشرقية 1971 (1/3)
[140])) د.عبدالغني محمود : القانون الدولي الإنساني ، ص 5

تعليقات