القائمة الرئيسية

الصفحات

التجديد في العقوبة

التجديد في العقوبة

التجديد في العقوبة 





التجديد في العقوبة

د. عَليْ بنْ راشدْ الدبيَّانْ
القاضِي بَوَزارَة العَدلْ

   الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
   فإن الأحكام الشرعية بالاستقراء جاءت على قسمين:
   - قسم ثابت مستقر لا يطرأ عليه تغيير ولا تبديل، وهي الأحكام المنصوصة القطعية، وقواعد الشريعة وأصولها، فهذه أحكام ثابتة لا تقبل التغيير، مثل الأوامر والنواهي القواطع، كالأمر بالصلاة، والنهي عن السرقة، وكأحكام عقوبات الحدود، وقواعد الشريعة الكلية من العدل، ورفع الحرج، وحفظ الكليات، ونحو ذلك.
   - وقسم قابل للتغيير والتبديل والتجديد تبعاً لاختلاف المصالح والظروف والأوضاع الزمانية والمكانية والعرفية، وهي الأحكام الظنية التي لم يرد فيها نص قطعي أو تحديد شرعي أو إجماع، مثل ما يتعلق بالأمور الدنيوية – قضائية، أو سياسية، أو مالية – وهو ما يعبّر عنه بعضهم بالسياسة الشرعية، قال ابن عاشور – رحمه الله -: «أما المعاملات فبحاجة إلى اختلاف تفاريعها باختلاف الأحوال والعصور، فالحمل فيها على حكم لا يتغيّر حرج عظيم على كثير من طبقات الأمة»([1]).
- والشريعة الإسلامية جاءت ملاحظة لأحوال الأمم والمجتمعات، وعوائدهم ليست جارية على سنن واحد، ومنهاج مستقر، بل تتغير وتتبدل وتنتقل من حال لأخرى بحسب اختلاف الظروف والأوضاع وعناصر الحياة، وهذا التغيّر راعته الشريعة في أحكامها. قال ابن عاشور – رحمه الله -:« التغيّر سنّة إلهية في الخلق لا تتخلف، فبقاء الأحكام مع تغيّر موجبها لا يخلو من أن يكون إقراراً لنقيض مقصود الشارع من تعليق ذلك الحكم بذلك الموجب، فيصير أحد العملين عبثاً، أو أن يكون مكابرة في تغيّر الموجب، وذلك ينافي المشاهدة القطعية أو الظنية في أحوال كثيرة، ويؤول ذلك على التقديرين إلى أن تكون الأحكام مقصودة لذاتها، لا تابعة لموجباتها» ([2]).
   - وبُعدُّ تغير الأحكام بحسب تغيّر الأحوال والأمكنة والأزمنة والعوائد والظروف معنى عظيم النفع، ومظهراً من مظاهر التخفيف ورفع الحرج على الناس في الشريعة المطهرة، وبسبب الجهل به يقع غلط عظيم في أحكام الشريعة يوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليهما يعلم أن الشريعة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به ([3]).
   - قال ابن برهان – رحمه الله -: «وليس كل ما كان مصلحة في زمان يكون مصلحة في زمان آخر، ويجوز أن يكون الفعل مصلحة في زمان، ومفسدة في غيره، وليست الأزمنة متساوية»([4])، وتبعاً لذلك فإن الأحكام تتغيّر تحصيلاً لمصالح الناس، ودفعاً للحرج عنهم، قال الآمدي – رحمه الله -: «تغيّر المصالح واختلافها يقتضي تغيّر الأحكام واختلافها»([5]).
   - ومن الأحكام الشرعية التي تتغيّر بتغيّر المصالح والظروف والأحوال: العقوبات غير المنصوصة شرعاً، ذلك لأن مفهوم العقوبة في الشريعة الإسلامية يعتبر من المعقول معنى، والمدرك علة، حيث إن الأحكام المشروعة في الشرع قسمان:
   - أحدهما: ما يظهر لنا أنه جالب لمصلحة أو دارئ لمفسدة، أو جالب دارئ لمفسدة، أو جالب دارئ لمصلحة، فهذا الحكم معقول المعنى.
   - والثاني: ما لم يظهر لنا جلبة لمصلحة أو درؤه لمفسدة، وهو الحكم التعبدي ([6]).
   - والعقوبة معقولة المعنى في الشريعة الإسلامية كونها تستهدف تحقيق مقصدين:
   - الأول: الاستصلاح والتقويم للجاني والمجتمع.
   - الثاني: الزجر والردع للفاعل والعموم([7]).

مقاصد العقوبات في الشريعة الإسلامية:

   والعقوبات الشرعية يقصد منها على سبيل العموم المحافظة على الكليات الضرورية الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، وقد جاء الشرع المطهر في كل واحدة منها بعقوبة تُعدُّ أصلاً في بابها:
   - فشرع لصيانة الدين حد الردة (من بدّل دينه فاقتلوه) الحديث.
   - وشرع لصيانة النفس القصاص (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ))[البقرة:179]، (( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ))[المائدة:45].
   - وشرع لصيانة العقل حد الخمر (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ))[المائدة:90]، وجلد النبي – صلى الله عليه وسلم – في الخمر أربعين جلدة، وكذا أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما -، ثم زاد عمر – رضي الله عنه – حد الخمر ليبلغ ثمانين بعد استشارة الصحابة رضوان الله عليهم.
   - وشرع لصيانة العرض حدا الزنا والقذف، كما هو مبيّن في مطلع سورة النور وغيرها، فحد زنا البكر الجلد مائة وتغريب عام، وحد زنا المحصن الرجم، وحد القذف الجلد ثمانين مع التفسيق ورد الشهادة.
   - وشرع لحفظ المال وصيانته حد السرقة (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ))[المائدة:38].
   - كما شرع لحفظ النظام العام وإقامة الأمن حد الحرابة (( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ))[المائدة:33] (( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ))[المائدة:34].
   - وهذه العقوبات هي العقوبات المقدرة والمحددة في الشريعة الإسلامية.
   - وهناك عقوبات لم تقدر ولم تحدد، وإنما جعلت خاضعة لنظر الحكام والقضاة والولاة يحكمون فيها بما يحقق هدف العقوبة الشرعية، وفق النظر للمصالح والمفاسد والآثار والمآلات، وحسب حال الجناة وظروفهم وأوضاعهم ([8]).
   - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- : «وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة ... إلى قوله ... فهؤلاء يعاقبون تعزيراً وتنكيلاً وتأديباً بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته، فإذا كان كثيراً زاد في العقوبة بخلاف ما إذا كان قليلاً، وعلى حسب حال المذنب، فإذا كان من المدمنين على الفجور، زيد في عقوبته، بخلاف المقل من ذلك، وعلى حسب كبر الذنب وصغره، فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم، ما لا يعاقبه من لم يتعرض إلا لمرأة واحدة أو صبي واحد، وليس لأقل التعزير حد، بل هو بكل ما فيه إيلام الإنسان من قول وفعل، وترك قول، وترك فعل، فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه والإغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه ختى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة، كما هجر النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه «الثلاثة الذين خلفوا»، وقد يعزر بعزله عن ولايته، كما كان النبي – صبى الله عليه وسلم – وأصحابه يعزرون بذلك، وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين، كالجندي المقاتل إذا فرّ من الزحف، فإن الفرار من الزحف من الكبائر، وقطع خبزه نوع تعزير له، وكذلك الأمير إذا فعل ما يستعظم فعزله من الإمارة تعزيراً له، وكذلك قد يعزر بالحبس، وقد يعزر بالضرب، وقد يعزر بتسويد وجهه وإركابه على دابة مقلوباً، كما روي عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه أمر بذلك في شاهد الزور .. ا. هـ ([9]).
   - ويقول الإمام ابن القيم – رحمه الله -: «ولما كانت مفاسد الجرائم متفاوتة غير منضبطة في الشدة والضعف والقلة والكثرة، جعلت عقوباتها راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور، بحسب المصلحة في كل زمان ومكان» ا . هـ ([10]).
   - وقال الإمام عز الدين بن عبد السلام – رحمه الله -: «التعزيرات المفوضات إلى الأئمة والحكام، فإن كانت للجنايات على حقوق الناس لم يجز للأئمة والحكام إسقاطها إذا طلبها مستحفها، وإن كانت لله فاستيفاؤها مبني على الأصلح، فإن كان الأصلح استيفاؤها وجب استيفاؤها، وإن مكان الأصلح درؤها وجب درؤها» ا . هـ ([11]).

العقوبات مرتبطة بالمصالح وتتغير بتغيرها:

   - وبما ذكر يتضح أن العقوبة في الشريعة الإسلامية تستهدف تحقيق المصالح ودرء المفاسد، واستصلاح الجناة وتقويمهم، وزجرهم ردعهم عن المقارفة والمعاودة، وفي ذلك تزكية لعموم المجتمع، وتقويم له، وكف وصيانة لأفراده عن التهارج والتظالم، والولوغ في حمأة الرذائل والمعاصي والمخالفات بأنواعها، وإقامة العقوبة بتحقيق هذه المقاصد الجليلة إيقاعًا أو درءاً، وفيما لم يحدد ويقدر من العقوبات كماً ونوعاً، فالحكم فيها يدور مع المصلحة وجوداً وعدماً، وإذا كانت تلك هي القاعدة العامة في العقوبات غير المقدرة في الشريعة الإسلامية، وإليها القصد والهدف فإن من المتفق عليه بين فقهاء الشريعة أن الأحكام تدور مع عللها وجوداً وعدماً، وترتبط بتحقيق أهدافها ومقاصدها إقامة ودفعاً، والأحكام المنوطة بمثل ذلك تختلف وتتغير وتتبدل بالنظر إلى اختلاف المقاصد والأحوال والأوضاع والظروف والأزمنة والأمكنة والعوائد والاعتبارات ([12])، وذلك أن الشارع قصد إلى إقامة مصالح العباد في الدارين، ونبّه إلى المعاني والعلل، وربط الأحكام بالمناسب منها، ومن المدرك واقعاً وعقلاً أن المصالح المرتبطة بالعقوبات على الجنايات والمخالفات تتغير حسب الأحوال والظروف والعلل فوجب أن تدور أحكامها وأوصافها كيفاً ونوعاً مع عللها ومصالحها ومقاصدها حسب المناسب المحقق للمقصود، وقد يصح في أحوال وأزمنة وأمكنة وأوضاع ما لا يصح في أخرى مغايرة، كما قد يناسب لآخرين، قال الآمدي – رحمه الله -: «تغير المصالح واختلافها يقتضي تغير الأحكام واختلافها»([13])، وقال القرافي – رحمه الله -: «كل سبب شرعه الله لحكمة، لا يشرعه عند عدم الحكمة، كما شرع التعزيرات والحدود للزجر، ولم يشرعها في حق المجانين، وإن تقدمت الجناية منهم في حال التكليف لعدم شعورهم بمقادير انخراق الحرمة والذمة والمهانة في حالة الغفلة فلا يحصل الزجر ... وكل سبب لا يحصل مقصوده لا يشرع» ا .هـ ([14]).
   ومادام أن العقوبة غير المقدرة شرعاً خاضعة لنظر الولاة والقضاة والحكام فهم المعنيون بملاحظة المناسب وتقديره واعتماده، وإليهم يرجع وضع العقوبة الملائمة للظروف، والمحققة للمقاصد حسب الأحوال المختلفة، وهم بحكم اختصاصهم لابد وأن يعتنوا بالنظر في تجديد أوصاف العقوبات التي يحكمون بها عقاباً واستصلاحاً للجناة، ومادام أن المقصود من العقوبة معقول المعنى فيجب أن تتجدد أعيان العقوبات بما يحقق معانيها تقديراً للمقاصد، وملاحظة للظروف والأوضاع والأحوال في كل زمن ومجتمع بحسبه.
العقوبة أصالة ومعاصرة:        
   وبالنظر لمفهوم العقوبة في زمننا الحاضر وما استجد فيه توجّب أن نواكب بين الأخذ بأصالة المقاصد والمعاني الشرعية التي جاءت الشريعة الإسلامية باعتمادها ومراعاتها في هذا الباب، وأن نعمل وفق القواعد والأحكام المقررة لدى الفقهاء – رحمهم الله – أخذاً من معاني النصوص والقواعد والأحكام الواردة في العقوبة على الجنايات بأنواعها، وأن نوائم بينها وبين المفاهيم الحديثة للعقوبات، والتي جنحت إلى اعتبار مصالح، وملاحظة معانٍ مقدرة تهمّ المكلفين، وتعني الممارسين لهذا العمل من ولاة وحكام، وهي ذات تأثير مباشر على الحياة العامة ونظامها المدني المعاصر، وفيها مساس حقيقي بالأشخاص والعوائل والمجتمعات، ولها ارتباط بمخرجات العصر ومنتجاته المدنية والتقنية الحديثة، بحيث لا يمكن تجاهل تلك المصالح أو إلغاؤها أو عدم اعتبارها، ومن هنا خرج علينا في المفهوم المعاصر للعقوبة ما يسمى «العقوبات البديلة» وهو مصطلح حديث جديد لم يتفق النظار والباحثون على تعريف ومفهوم محدد ومؤطر له إلا أن المقصود لديهم به في الجملة أن تستبدل العقوبات المعتادة والمعمول بها في مختلف النظم والأحكام من حبس وجلد وغرامة بتكاليف جديدة تختلف نوعاً وكيفاً وكماً عن تلك، فهي تفرض على الجاني أداء برامج معينة والقيام بأعمال وأعباء تحقق مفهوم العقاب، وتؤدي إلى الزجر والردع، وتعود بالجاني إلى الاستصلاح والتقويم بأسلوب مغاير يتضمن تقييد الحريات وإضافة الأعباء، واستباحة حالة المعاقب بما يتوافق وروح العصر، ويحافظ على الكيان الشخصي والمدني للمعاقب، ويخفف عنه حدة التوابع والآثار للعقوبة، بما يدفعه بشكل إيجابي إلى الاستقامة والصلاح، ويتيح له فرصة للعودة الإيجابية إلى الحياة الطبيعية لأمثاله من أفراد المجتمع، وهو ما نعنيه بدراستنا هذه من مفهوم التجديد في العقوبة، وتختلف العقوبات في أوصافها وأنواعها وحجمها وظروفها باختلاف أنظار الحكام والولاة والقضاة الممارسين لها في الواقع، ولكون هذا الطرح في موضوع العقوبات جديداً بمفهومه وصفاته وأنواعه وجب أن نعود إلى أصولنا الشرعية الإسلامية، وأن نضع لها وفق أحكام العقوبة في الشرع ما أمكن من الشروط الضابطة لموضوعاتها بما يؤطر ويقعّد لها ويحقق المقصود الشرعي منها، ويحميها من أن تتقاطع مع شيء من أحكام الشريعة المطهرة، أو أن تتعارض مع شيء من معانيها ومقاصدها الجليلة المعتبرة، ولعلنا فيما يلي نحاول أن نترسم وضع أهم الشروط الضابطة للتجديد في العقوبات الجزائية في محاولة لضبط حدود وجوانب هذا الموضوع المهم.

أهم شروط التجديد في العقوبات:
   إننا حين نستنبط أهم الشروط التي تراعى في تجديد العقوبات يجب أن نؤكد على ضرورة فهم الواقعة المعروضة باعتبارها تأخذ معنى الجناية لكي يصح إيقاع العقوبة فيها، وكما يقرر الإمام ابن القيم – رحمه الله – في كتابه النفيس إعلام الموقعين عن رب العالمين بأن الحاكم لابد لكي يصل إلى الحكم الشرعي أن يدرك الواقع والواجب فيه شرعاً، وبغير إدراك الواقع على وجهه الصحيح لا يمكن أن يتم إيقاع الواجب فيه شرعاً بطريقة سليمة تحقق المعنى الشرعي المقصود.
   - قال – رحمه الله -: «ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم إلا بالحق إلا بنوعين من الفهم، أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجراً، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله» ا.هـ ([15]).
   - وبعد أن يتحقق للحاكم والقاضي في الواقعة المعروضة عليه معنى الجناية، ويقوم الإثبات بموافقة الجاني لها، واستحقاقه للمعاقبة عليها بتركيز إدانته بها، ويتجه بتقديره للمصالح إلى إيقاع عقوبة جديدة فيها فير العقوبات الدارجة والمعتادة من جبس وجلد وغرامة ونجوها، فإن عليه ملاحظة توفر الشروط الآتية:
- أولاً: الجواز الشرعي:
   فالعقوبة الشرعية يتحتم كونها مجازة شرعاً، فلا يصح المعاقبة بما هو محرّم ممنوع كسقاية الخمر أو استباحة العرض مثلاً، فإن جميع المحظورات الشرعية لا يصح إيقاعها كعقوبة على الجاني باعتبارها ممنوعة محظورة، فلا يمكن أن يصح المعاقبة بالإلزام بأكل الميتة أو لحم الخنزير أو ابتلاع السم والضار من المطعومات أو المشروبات، كذا لا يصح شرعاً إقامة عقوبة بالمنع من الواجبات الشرعية كبرّ الوالدين أو زيارتهما أو فعل ما فيه أذيتهما ونحو ذلك، لأن المحظور شرعاً لا يمكن أن يجاز عقوبة، كما لا يصح أيضاً إيقاع عقوبة بما هو ممنوع نظاماً، باعتبار أن النظام حجة بأمر ولي الأمر به، وأمره مطاع بدليل الشرع المقطوع به، وكذا باعتبار أن النظام يكفل مصالح عموم الأمة، ويضبط حقوق المكلفين، ويحدد السائغ لهم من الممنوع، فما كان ممنوعاً نظاماً لا يصح المعاقبة به، وإيقاعه على الجناة عقاباً على جناية ما، فلابد لصحة العقوبة أن تكون داخلة ضمن دائرة الجواز الشرعي بعيدة عن المحظورات والممنوعات شرعاً ونظاماً، وقد نص الفقهاء – رحمهم الله – على أنه لا يعزر بممنوع أو محظور أو ما لم يرد به الشرع من العقوبات التي فيها استباحة لمثل ذلك ([16]).

- ثانياً: تحقيق مقصد العقوبة:

   فمن المتفق عليه لدى فقهاء الشرعية أن العقوبة مقصدها الردع والزجر مع الاستصلاح والتقويم ([17])، وهذا المقصد يجب أن يتحقق من العقوبة المبتكرة المراد الحكم بها في موضوع الجناية، وإلا لم تكون عقوبة، لخلوها عن تحقيق مقصدها وهدفها الذي شرعت من أجله، وكل حكم مما عقل معناه لا يحقق مقصوده فليس بمشروع، لأن الأحكام تدور مع عللها ومقاصدها وجوداً وعدماً، والعقوبات لم تشرع عبثاً، وليس القصد فيها زياجة الأعباء والتكاليف على العباد، وإنما شرعت لكف الظلمة والفجار ومن يعاقرون العصيان عن أفعالهم، والمتجاوزون الجناة لا يرعوون عن تجنيهم، ولا يتركون آثامهم إلا برادع وزاجر، يخشون سطوته، ويخافون شدته وشرته، قال الإمام العز بن عبد السلام الشافعي – رحمه الله -: «والزواجر مشروعة لدرء المفاسد... إلى قوله ... بخلاف الزواجر فإن معظمها لا يجب إلا على عاصٍ زجراً له عن المعصية، وقد تجب الزواجر دفعاً للمفاسد من غير إثم ولا عدوان، كما في حد الحنفي إذا شرب النبيذ، ورياضة البهائم، وتأديب الصبيان استصلاحاً لهم»([18])..
   - والتجديد في العقوبة يجب أن يتحقق فيه هذا المعنى – الزجر والردع -، ويلاحظ فيه جانب فيه جانب الاستصلاح والتقويم للمحكوم عليه، فإن توفر ذلك في العقوبة الجديدة صحت وأمكن المصير إليها عدولاً عن نسق العقوبات المتبعة عادة في الأحكام.
- ثالثاً: عدم المخالفة لنص شرعي أو حكم قطعي:
   فإن الأصل في الأحكام لتكون مشروعة موافقتها للشرع الشريف، واتساقها مع نصوصه وأحكامه، ولكي تستجاز العقوبات المبتكرة فإنه لابد أن تتفق مع نصوص الكتاب والسنّة وأحكامهما، أما إن خالفت شيئاً من ذلك فهي مردودة باطلة كونها تعارض الشرع وتخالفه، قال الله تعالى: (( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ )) المائدة:49، وفي حديث عائشة – رضي الله عنها مرفوعاً: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه مسلم، وقد اتفق علماء الشرع المطهر على بطلان كل حكم يخالف نصوص الكتاب والسنّة وأحكامهما القطعية، وفي النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية في المادة الأولى أن دستور البلاد كتاب الله وسنّة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وفي المادة السابعة يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى، وسنّة رسوله – صلى الله عليه وسلم -، وفي المادة الثامنة والأربعين: تطبق المحاكم على القضايا المعروضة أمامها أحكام الشريعة الإسلامية، وفقاً لما دلَّ عليه الكتاب والسنّة، وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض مع الكتاب والسنّة، فتقرر من ذلك أن التجديد في العقوبة يجب أن لا يخالف نصوص الكتاب والسنّة، ولا تتعارض مع أحكامها الشريفة، لتكون العقوبات الجديدة حجة مشروعة صحيحة، أما إذا تعارضت معها وخالفتها فهي باطلة، لا يجوز الحكم بها، ولا يصح تنفيذها، باعتبارها تعارض التشريع، وتخالف أحكامه، وبطلانها والحالة هذه من وجهين: أولهما: مخالفتها لأحكام الشرع المطهر، وثانيهما: مخالفتها لنظام الحكم القائم في البلاد المتأسس على أحكام الشريعة الغراء، ويتعين على القضاة والحكام ملاحظة هذا الجانب في العقوبة الجديدة التي يريدون الحكم بها وإصدارها بحق المتهمين في الجنايات التي يكون تقدير عقوبتها إليهم ومن صلاحياتهم.
- رابعاً: ألا تتعارض العقوبة المبتكرة مع عقوبة منصوصة شرعاً أو نظاماً:
   لأن موضوع الجناية إذا شغل بعقوبة منصوصة مقررة في الشرع أو النظام فلا يصح إشغاله بعقوبة أخرى، لأن الحجة للعقوبة المنصوصة ولا يجوز تجاوزها إلى غيرها، فلا اجتهاد مع النص، كما هي قاعدة الفقهاء – رحمهم الله – المنصوص شرعاً في نوعه وتقديره وهو الحجة، والعمل به واجب بالأمر الشرعي (( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ))[المائدة:49]،  (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ))[الأحزاب:36]. فالمقرر شرعاً لا يجوز العدول عنه إلى غيره، وليس هو موضع اجتهاد، ونظيره ما تقرر نظاماً وأمر به إمام المسلمين، لا يجوز تجاوزه وتعديه إلى غيره باعتباره اكتسب الحجة بأمر الإمام الواجب طاعته، والعقوبة المبتكرة هي اجتهاد من القضاة في أعيان الجنايات والجناة، تسوغ في موضع الفراغ، لأن ذلك مورد سلطتهم وصلاحيتهم، أما المشغول بحكم وعقوبة محددة فلا يصح تجازوها إلى عقوبة أخرى، ومن قواعد الفقهاء – رحمهم الله – المشغول لا يشغل، وبذا يتعين أن تكون العقوبة الجديدة واردة على موضع لم يشغل بعقوبة منصوصة محددة معينة ليصح اعتبارها وإجازتها وإقرارها.
- خامساً: لا تصح العقوبة بما هو عبادة محضة:
   لأن العبادات المحضة مبناها على الحظر والمع، فلا يحث شيء منها في موضع إلا بدليل شرعي، والعقوبات ليست قربات وتعبدات من جهة المكلف، لأنه لم يفعلها بنية القربة، قال الإمام العز بن عبد السلام الشافعي – رحمه الله -: «القربات لا تصح إلا بالنيات، وليس التقرب إلى الله زاجراً، بخلاف الحدود والتعزيرات فإنها ليست بقربات، إذ ليست فعلاً للمزجور، وإنما يفعلها الأئمة ونوابهم» ا . هـ ([19])، وإذا كانت العقوبات لا تقع بنية التعبد من المكلف فلا تصح منه إذن عبادة، ولا يصح أيضاً تنزيل العبادة منزلتها، ولا التكليف بها لمن تصح نيته بها، ومادام أن الأصل في العبادة العمل بالدليل، وعدم تجاوزه لما لم يأت دليل به، وقاعدته الحظر والمنع، فلا يصح جعل العقوبة الجديدة فعلاً تعبدياً محضاً، كما أن في الإلزام بالعبادة على وجه العقوبة استهانة بالعبادة واستخفافاً بها، وهو ممنوع شرعاً، فيشترط في العقوبة المبتكرة أن لا تكون عبادة محضة لتلك الاعتبارات بمجموعها.
- سادساً: أن تكون العقوبة الجديدة عدلاً:
    لأن العدل هو مقصود الحكم القضائي الكلي، يقول الله تعالى: (( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ))[النساء:58]، ويقول سبحانه: (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ))[النحل:90]، ويقول جلَّ شأنه: (( وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ))[المائدة:42].   
   والعدل وضع الشيء في موضعه بلا وكس ولا شطط، والعقوبة لتكون عدلاً لابد أن يلاحظ فيها نوع الجناية وحجمها، وحال الجاني وظروفه، وأثر الجناية في الناس، وظهورها وتأثيرها في المجتمع، ولكل اعتبار من هذه الجوانب تأثير في تقدير العقوبة ونوعها وحجمها، كما أن العقوبة الجديدة لابد أن تكون مناسبة لحال الجاني، ويراعى فيها وضعه، والباعث له على ارتكاب الجناية تشديداً وتخفيفاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: «فهؤلاء – أي العصاة – يعاقبون تعزيراً وتنكيلاً وتأديباً، بقدر ما يراه الوالي، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلّته، فإذا كان كثيراً في العقوبة، بخلاف ما إذا كان قليلاً، وعلى حسب حال المذنب، فإذا كان من المدمنين على الفجور، زيد في عقوبته، بخلاف المقل من ذلك، وعلى حسب كبر الذنب وصغره، فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم، ما لا يعاقبه من لم يتعرض إلا لمرأة واحدة، أو صبي واحدة »([20]).
   - ومن العدل في العقوبة المبتكرة التوازن بين حجم العقوبة وطبيعة الذنب والجناية، فلا يبالغ في العقوبة مبالغة شديدة بحيث تكون جوراً وظلماً، ولا يخفف فيها بحيث لا توازي حجم الجريمة ومقدار آثارها، وقد ضبط بعض الفقهاء ذلك بأن تكون العقوبة الصادرة في الجناية قريبة من جنس ما يقاربها من الحدود، فمثلاً في جرائم الألفاظ والملاسنة والفحش في القول يجنح إلى التعزير البدني باستباحة الأبشار، لأن نظير ذلك عقوبة القذف التي شرع فيها الجلد، وكذا لا يزاد في العقوبة على جنس ما تقرر في الحد المقارب، ففي مثل تلك الجنايات اللفظية وفحشاء القول لا يزاد على ما ورد في حد القذف ثمانين جلدة، وإن جنحت العقوبة المبتكرة إلى غير هذا اللون من العقاب كونه أمثر استصلاحاً، وأعظم زجراً ودرعاً، فلا مانع منه شريطة التوازن والتعادل بين الجناية وعقوبتها لتكون عدلاً وقسطا ([21])، ومن العدالة في العقوبة مراعاة الباعث على الجناية في تشديد العقوبة وتخفيفها، وبذا يعلم أن الجنايات لو اتحدت في الصورة، فإنها قد تختلف في العقوبة بالنظر إلى الباعث على فعل الجناية، ودليل ذلك ما رواه سلمان – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: أشيمط زانٍ، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه» رواه الطبراني في الكبير بسند صحيح، ورواه البيهقي في شعب الإيمان (مجمع الزوائد 4/78). قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – رحمه الله -: «قوله: (( وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))[البقرة:174] لما عظم ذنبهم عظمت عقوبتهم، فعوقبوا بهذه الثلاثة التي هي أعظم العقوبات، قوله (أشيمط زانٍ) صغّره تحقيراً له، وذلك لأن داعي المعصية ضعف في حقه، فدل على أن الحامل له على الزنا: محبة المعصية والفجور، وعدم خوفه من الله، وضعف الداعي إلى المعصية مع فعلها يوجب تغليظ العقوبة عليه، بخلاف الشاب: فإن قوة داعي الشهوة منه قد تغلبه مع خوفه من الله، وقد يرجع على نفسه بالندم، ولومها على المعصية فينتهي ويراجع، وكذا العائل المستكبر ليس له ما يدعوه إلى الكبر، لأن الداعي إلى الكبر في الغالب كثرة المال والنعم والرياسة، والعائل الفقير لا داعي له إلى أن يستكبر، فاستكباره مع عدم الداعي إليه يدل على أن الكبر طبيعة له، كامن في قلبه، فعظمت عقوبته لعدم الداعي إلى هذا الخلق الذميم الذي هو من أكبر المعاصي» ا .هـ ([22])، فدل ذلك على أن للباعث على الجناية أثراً في حجم العقوبة المقررة بحق الجاني في منظور الشرع المطهر.
   - ومن العدل في العقوبة الجديدة أن تراعي جلب المصالح العامة، وتلاحظ درء المفاسد، لأن هذا القصد مراعى في العقوبات في الشريعة كمقصد أصلي.
   - كما تلاحظ المآلات والآثار للعقوبة في خصوص حال الجاني، وعموم نظر الأمة والمجتمع، وإمكان إيقاع العقوبة وتنفيذها من عدمه، وتقدير أثر ذلك على الرأي العام، لأن ذلك من العدل والقسط في العقوبات بشكل عام باعتبارها إحدى الوسائل التي تكفل الحقوق العامة، وتصون الأمن للمجتمع، وبملاحظة كل ما أشير إليه من اعتبارات يتحقق في العقوبة الجديدة مفهوم العدل المطلوب شرعاً، كما ينبغي أن لا يغيب عن الناظر أن من العدالة في العقوبة التوازن والاعتدال عند تنفيذها في الكيف والآلة والصفة والظروف بحيث يجرى التنفيذ دون إفراط أو تفريط، فكما لوحظ التوازن والاعتدال في إصدار العقوبة يلاحظ عند تنفيذها وإقامتها بحق الجاني ([23]).

- سابعاً: أن تقع العقوبة المبتكرة على فعل محظور مجرّم شرعاً أو نظاماً:

   لأن التجريم للفعل والحكم عليه بأنه مخالف لموجب الشرع الشريف، وفيه اختراق للنظام المأمور بطاعته شرعاً، وهو مرتكز العقوبة، ولذا جاء النظام الأساسي للحكم في بلادنا المملكة العربية السعودية في المادة الثامنة والثلاثين: بأن العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي، أو نص نظامي، ولا عقاب إلا على الأعمال اللاحقة للعمل بالنص النظامي، واعتبار العقوبة فرعاً يتأسس على التجريم بفعل المحظور شرعاً أو نظاماً هو قاعدة القضاء الجزائي كله، لأن التجريم للفعل باعتباره محظوراً هو المسوغ لانتهاك حرمة الجاني بإيقاع العقاب عليه، والعقوبة المبتكرة يجب أن تلاحظ ذلك، فلا تقرر بحق جانٍ إلا بعد تجريمه وتركيز الإدانة عليه بمخالفته وارتكابه لمحظور ممنوع شرعاً أو نظاماً، وقد تقرر في نظام الإجراءات الجزائية في بلادنا ضرورة أن تصدر المحكمة حكماً بإدانة المتهم أولاً ثم توقع عليه العقوبة كما في المادة (174) وهو معنى التجريم المستوجب للعقاب، فلابد عند الحكم بالعقوبة المبتكرة أن يتحقق في الفعل المحكوم بصدده وصف التجريم أولاً به للجاني ثم يتم إصدار العقوبة تأسيساً عليه.
- ثامناً: يجب أن لا يلتحق بالعقوبة الجديدة ضرر أو آثار سلبية على الشخص الجاني أو الغير بما لا يتفق وطبيعة العقوبة:
   لأن العقوبة شرعاً يقصد منها الردع والزجر، والتقويم والاستصلاح، وإذا التحق بها ضرر أكبر، وسلبيات أعظم على المحكوم عيه الجاني، أو من يرتبط به، أو يكون من حوله، فإن هذا الأثر السلبي مردود، ولو برد الأصل، ومن القواعد المقررة شرعاً أن «الضرر مدفوع شرعاً» وفي الحديث المرفوع «لا ضرر ولا ضرار» وفي رواية «ولا إضرار»، وحصول الضرر الذي يفقد العقوبة الجديدة معناها، ويخرجها عن مقصودها، موجب للتوقف عنها وتركها، ولذا جاء في المادة 38 من النظام الأساسي للحكم أن العقوبة شخصية، بمعنى أنه لا تتعدي لغير الجاني من أسرته وذويه ومن له به صلة، وهو أصل شرعي معتبر، لقوله: (( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ))[الأنعام:164]، ولقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «لا يجني جانٍ على نفسه»، والعقاب حين يتجاوز مقاصده إلى الإضرار بالجاني بغير وجه حق يُعدُّ ظلماً وبغياً عليه، كما يجب أن يلاحظ أن من دفع الضرر في العقوبة الجديدة اتساقها مع الأعراف والعوائد المعتبرة في المجتمع بما لا يناقض الشرع، لأن العرف معتبر شرعاً بشروطه، والعادة محكمة، فلا تصح العقوبة الجديدة المخالفة لهذا الأصل، والتي قد تعود على الجاني بالضرر والتشهير والآثار السلبية فيما هو أبعد.
- تاسعاً: كون المحكوم عليه مكلفاً ذا أهلية تامة:
   واعتبار الأهلية في المحكوم عليه بالعقوبة الجديدة أصلاً قضائياً وشرعياً، لأن التكليف والأهلية هما مناط صحة العقوبة، وعليهما مدارها، وقد تتابع الفقهاء – رحمهم الله – على منع العقوبة بحق المجانين والصبيان، ومن لا تتوفر فيه الأهلية، لعموم قوله – صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يكبر» وفي رواية «وعن المعتوه حتى يعقل»، والعقوبة الجديدة كغيرها من العقوبات يجب أن تقع على مورد صحيح مؤهل شرعاً، فالجناة الذين يفقدون الأهلية الشرعية لا يدركون معنى العقاب، والشرع الشريف جاء بمراعاة حقوقهم واعتبار إنسانيتهم، والتكليف بالعقاب لفاقد الأهلية هو تكليف بما لا يطاق، وهو ممنوع شرعاً، كما أن النظام الأساسي للحكم في المملكة جعل من مهام الدولة حماية حقوق الإنسان، ومن أهمها مراعاة أهليته الشرعية، وكونه مكلفاً ملتزماً يدرك الأوامر، ويعي التكاليف، ويعرف ما له وما عليه، فلا يصح إيقاع العقوبة إلا على ذي أهلية كاملة تامة لا يخالجها شك أو احتمال، والقضاء معني بالتوثيق من ذلك، والتأكد منه. 
- عاشراً: أن يصدر بالعقوبة الجديدة المبتكرة حكم قضائي نهائي:
   لأن العقوبة هي تكليف وإلزام، وفيها احترام لحال الجاني، فلا تصح إلا بأن تحمل وصف الحجية من السلطة المختصة وهي القضاء، فلابد إذن أن يصدر بالعقوبة حكم قضائي مستكمل لموجباته الشرعية ولوازمه النظامية، وأن يكون صادراً من محكمة مختصة، وفق الإجراءات الطبيعية، وبعد كفالة الضمانات القضائية المقررة للمتهم، ولذا جاء في المادة (215) من نظام الإجراءات الجزائية في بلادنا: الأحكام الجزائية لا يجوز تنفيذها إلا إذا أصبحت نهائية، فالعقوبة المبتكرة لابد ليصح تنفيذها أن يصدر بها حكم قضائي نهائي، يراعى فيه كافة الشروط من الاختصاص الولائي نوعاً ومكاناً وتشكيلاً، وسبق الدعوى للحكم والجواب عليها، وسماع الأدلة والبيّنات، وإيراد الأسباب والمستندات، ثم الحكم المحمول على أسبابه ومستنداته، وبغير هذا الحكم النهائي لا تكون العقوبة المبتكرة حجة واجبة النفاذ بحق المحكوم عليه.
- حادي عشر: وضوح الحكم بالعقوبة الجديدة المبتكرة وإمكانية تنفيذها:
   لأن الحكم القضائي الصادر بالعقوبة ما لم يكن واضحاً جلياً محدداً قابلاً للتنفيذ فإنه يحمل معه وصف الرد قضاء، قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في كتابه لأبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – في القضاء: «فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له»، والعقوبة المبتكرة التي يشوبها الإيهام، وعدم الوضوح، لا تكون قابلة للتنفيذ، ولا يمكن إيقاعها بحق الجاني، قال الإمام العز بن عبد السلام الشافعي – رحمه الله -: «فإن الإبهام في المحكوم به والمحكوم عليه مبطل للدعاوى والشهادات والأحكام» ا.هـ ([24])، ويُعدُّ الفقهاء عدم إمكانية التنفيذ عيباً مبطلاً للحكم بالعقوبة موجباً لردها فلابد من ملاحظة ذلك في إصدار العقوبة المبتكرة ليصح إقامتها والعمل بها وإيقاعها بحق الجاني.
- ثاني عشر: تنفيذ العقوبة الجديدة برعاية جهة الاختصاص:
   لأن التنفيذ جزءٌ لا يتجزأ من منظومة إصدار العقوبات وإقامتها في الواقع بحق الجناة، ولكيلا يحصل تجاوز للحكم الصادر، وليكتسب الحجية في التنفيذ فلابد أن يتم التنفيذ من جهة الاختصاص المعنية، وقد أوضح النظام الأساسي للحكم في مادته الخمسين: أن الملك أو من ينيبه معنيون بتنفيذ الأحكام القضائية، بينما خصصت المادة 219 من نظام الإجراءات الجزائية الجهة المعنية بتنفيذ العقوبة الصادر بها الحكم الجزائي، فقضت بأن يرسل رئيس المحكمة الحكم الجزائي الواجب التنفيذ الصادر من المحكمة إلى الحاكم الإداري لاتخاذ إجراءات تنفيذه، وعلى الحاكم الإداري اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ الحكم فوراً، فإذا صدر حكم قضائي نهائي واجب النفاذ بعقوبة جديدة مبتكرة، فإن التنفيذ يجب أن يتم وفق الآلية المقررة نظاماً له، وبرعاية جهة الاختصاص، بموجب ما أشير إليه.
وختاماً:
   فإن التجديد في العقوبات هو مفهوم جديد، واتجاه حديث في ميدان العقوبات على الجنايات وأحوال الجناة، وفي تفعيل العقوبات وفق هذا المفهوم بعد تأطيرها والتقعيد لها أثر إيجابي على المجتمع آحاداً وزُرافات، يلاحظ المصالح والاعتبارات والظروف التي جاءت الشريعة باعتبارها وتقديرها، وفي نظرنا أن هذا الموضوع يحتاج إلى المزيد من البحث والنظر، وإجراء دراسات وبحوث أكثر عمقاً، وأبعد نظراً، لتضع هذا المفهوم الجديد للعقوبة في موقعه الصحيح اللائق به، وهو باب مفتوح يحتاج إلى وضع أحكام وضوابط تحدد مساره، وتضبط أحواله، وتقعد لموضوعه، وتحدد الصلاحيات المتاحة في مجاله، ونحن بقدر ما نحيي جهد القضاة الذين فتحوا هذا المجال، وبادروا لرسم أوليات مفاهيمه، نثمن باقتدار  كل جهد من الباحثين والدارسين يخدم هذا الطرح البناء، ويتجه لرسم خريطة موضوع قضائي مهم بحجم هذا الموضوع المؤثر والفاعل في حياة الناس، ونتطلع بحق إلى مزيد من التأصيل لهذا الموضوع، ومواصلة تحرير جوانبه، وندعو الجهة القضائية ممثلة في وزارة العدل إلى وضع برنامج تدريب مؤصل لموضوع العقوبات البديلة الحديثة، وقراءة الرؤى والتجارب المطروحة فيه، وصولاً لبلوغ الغاية في ضوابطه وأحكامه والتقعيد لموضوعه، بارك الله في الجهود وسدد الخطى، وكتب الأجر للجميع، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.
المصادر:
-         الأحكام في أصول الأحكام للآمدي
-         الوصل إلى الأصول لابن برهان.
-         الفروق للإمام القرافي المالكي.
-         الموافقات للإمام الشاطبي.
-         قواعد الأحكام في مصالح الأنام – للإمام العز بن عبد السلام الشافعي.
-         السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية – لشيخ الإسلام ابن تيمية.
-         أعلام الموقعين عن رب العالمين – للإمام أبي بكر بن قيم الجوزية.
-         معونة أولي النهى شرح المنتهى – لابن النجار الحنبلي.
-         الروض المربع بحاشية ابن قاسم – للبهوتي.
-         فتح المجيد شرح كتاب التوحيد – للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ.
-         المبادئ الشرعية في أحكام العقوبات في الفقه الإسلامي – عبد السلام الشريف.
-         الظروف المشددة المخففة في عقوبة التعزير في الفقه الإسلامي – ناصر الخليفي.
-         نظرية موجبات الأحكام – لإسماعيل البريشي.
-         أصول المحاكمات الشرعية الجزائية – لأسامة الربابعة.
-         أثر الشبهات في درء الحدود – لسعيد الوادعي.
-         المقاصد العامة للشريعة الإسلامية – يوسف العالم.
-         مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور.
-         مجموعة الأنظمة السعودية – إصدار هيئة الخبراء بالمملكة العربية السعودية.
-         بحث التعزير بالإلزام بالأعمال التطوعية والإجمالية – منشور في مجلة العدل – للشيخ ناصر المحيميد.
                                                        




([1]) مقاصد الشريعة الإسلامية ص137.
([2]) المرجع السابق ص136.
([3]) إعلام الموقعين لابن القيم 3/14.
([4]) الوصول إلى الأصول 1/175.
([5]) الأحكام في أصول الأحكام 2/380.
([6]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام – العزّ بن عبد السلام الشافعي 1/22.
([7]) المرجع السابق 1/178 وما بعدها.
([8]) المرجع السابق 1/187 وما بعدها. المقاصد العامة للشريعة الإسلامية – يوسف العالم 203 وما بعدها.
المبادئ الشرعية في أحكام العقوبات في الفقه الإسلامي – عبد السلام الشريف 67 وما بعدها.
([9]) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية 151/152.
([10]) إعلام الموقعين عن رب العالمين 2/108.
([11]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/187.
([12]) الموافقات للشاطبي 2/283، الفروق للقرافي 1/43، المقاصد العامة للشريعة الإسلامية – يوسف العالم 176 وما بعدها.
([13]) الإحكام في أصول الأحكام 2/380.
([14]) الفروق 3/181.
([15]) إعلام الموقعين عن رب العالمين 1/87-88.
([16]) ينظر: معونة أولي النهى شرح المنتهى لابن النجار 8/452. الروض المربع بحاشية ابن قاسم 7/350.
([17]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/178 وما بعدها.
([18]) المرجع السابق 1/178.
([19]) المرجع السابق 1/178-179.
([20]) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية 151.
([21]) المرجع السابق 152.
([22]) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد 595-596.
([23]) أصول المحاكمات الشرعية الجزائية – الربابعة 572.
([24]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/153. وانظر: أصول المحاكمات الشرعية الجزائية – الربابعة 498.

تعليقات