القائمة الرئيسية

الصفحات

المؤسسة القضائية في الإسلام

المؤسسة القضائية في الإسلام

المؤسسة القضائية في الإسلام



بسم الله الرحمن الرحيم


بحث بعنوان:
المؤسسة القضائية في الإسلام

إعــداد
القاضي/ سعيد عبد المالك أبو الجبين
رئيس مجلس التفتيش القضائي
عضو المجلس الأعلى للقضاء الشرعي
عضو المحكمة العليا الشرعية

ورقـــــة عمــــــــل مقدمة في يوم دراسي إلى الجامعة الإسلامية

2009
        


مقــــــدمة:ـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد عليه الصلاة وأتم التسليم:ـ
الحمد لله الحكم العدل الذي لها معقب لحكمة ولا راد لقضائه وأشهد أن لا أله إلا الله وحده لا شريك له له الفضل والمنة وهو على كل شيء قدير منصف المظلومين وقاهر الظالمين, أمر بالعدل والقسط والله يحب المقسطين وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله رحمة للعالمين ونصرة للمظلومين أرسي نظام العدالة والقسط بين المتخاصمين فصلي الله عليه وعلى آله وصحبة أجمعين من أهتدي يهديه واتبع سنته إلي يوم الدين أما بعد:ـ
فإن فقه القضاء من أهم مجالات الفقه وأجلها قدراً وأكثرها مكاناً وأشرفها ذكراً ذلك أن القضاء يمس حياة الناس ويؤثر فيها, حيث تعرض على القضاة مشكلاتهم وقضاياهم فيقوم بالنظر فيها وإصدار الأحكام بشأنها, فإذا كان القاضي عدلاً مقسطاً متبعاً شريعة الله سبحانه وتعالي صلح أمر المجتمع وساد الأمن والاطمئنان في المجتمع و إن كان القاضي ظالما قاسطا فسدت حياة المجتمع وعمت الفوضى والاضطراب فيه.
وقد ظل القضاء الإسلامي مزدهراً في جميع عصور التاريخ والإسلامي تقريباً فكان المثال العادل للقضاء الذي وصل إلي مستوي من التقدم وتطبيق العدالة بين الناس لم تصل إليه أكثر النظم تقدما في عصرنا الحاضر, لأن هذا النظام رباني يستمد نظامه وقوانينه من التشريع الذي شرعة الله لهذه الأمة والتي لا تستطيع أي أمة أن تصل إلي الريادة والأمن والاطمئنان والعدل كما وصلت إليه أمتنا.
أما الأمم التي تطبق القوانين والنظم البشرية الوضعية فلن تصل إلي ما وصلنا إليه من الرقي والاطمئنان.
أما في العصر الحديث فقد طبقت في بلادنا قوانين وضعية لا تحتكم لشرع الله في هذه المحاكم وأصبحت المحاكم التي تطبق فيها الشرع الإسلامي تسمي محاكم شرعية والأخرى تسمي محاكم نظامية وسأتحدث في موضوع المؤسسة القضائية متناولاً الحديث عن تعريف القضاء ومشروعيته ومكانته وآدابه ثم أبين القضاء في الإسلام وتقسيماته وخصائصه ثم أوضح ما أصبح عليه القضاء في العصر الحديث وخاصة في فلسطين.


المبحث الأولالقضاء تعريفه ومشروعيته وحكمه ومكانته وشروطه وآدابه

المطلب الأول:تعريف القضاء
أولا: القضاء في اللغة:
انك لو عدت إلي معاجم اللغة لوجدت أن كلمة القضاء مصدر وفعله قضي, ولو تتبعت كلمة قضي ومشتقاتها لوجدتها كثيرة, فمن هذه المعاني:
فضي بين الخصمين وعليهما أي حكم بينهما وعليهما وقضي حاجته ونالها, ومنه
 قوله تعالي: (فلما قضي زيد منها وطراً زوجناكها) سورة الأحزاب 37
وقضي دينه أداه, ومناسكه أداها, قال تعالي: (فإذا قضيتم مناسككم) سورة البقرة 200 أي أديتموها فالقضاء ها هنا بمعني الأداء كما في قوله تعالي: (فإذا قضيت الصلاة) سورة الجمعة 10 أي أديت وقضي الله: أمر وأوجب, قال تعالي: (وقضي ربك ألا تعبد إلا إياه وبالوالدين إحساناً) سورة الإسراء 23 وقضي إليه: أنهي إليه أمره وأمضاه.
قال تعالي: (وقضينا إلي بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين) سورة الإسراء 4
وتأتي كلمة القضاء بمعني إحكام الشيء والفراغ منه, ومنه
قاله تعالي: (فقضاهن سبع سماوات في يومين) سورة فصلت 12
وسمي الحاكم قاضياً لأنه يمضي الإحكام ويحكمها, أو لإيجاب الحكم على من يجب عليه, فالقاضي القاطع للأمور المحكم لها, ومن يحكم بين الناس يحكم الشرع, ومن تعينه الدولة للنظر في الخصومات والدعاوي وإصدار الأحكام التي يراها للقانون.
ثانيا: القضاء في اصطلاح الفقهاء:
أما في الاصطلاح الفقهي فقد وردت تعاريف كثيرة عند فقهاء المذاهب الأربعة كلها متقاربة.
1-عند الحنفية/ عرفة الكاساني الحنفي في كتابه بدائع الصنائع بقوله: (الحكم بين الناس بالحق).
2-عند المالكية/قال ابن رشد المالكي حقيقة القضاء الأخبار عن حكم شرعي على سبيل الالتزام.
3-عند الشافعية/ جاء في حاشيتي قليوبي وعميرة في الفقه الشافعي قول قليوبي: القضاء, الحكم بين الناس أو الالتزام بحكم الشرع, وعند عميرة إظهار حكم الشرع في الواقعة من مطاع.
4-عند الحنابلة/ فقد عرفه فقهاء الحنابلة بأنه (تبيين الحكم الشرعي والالتزام به. وفصل الحكومات.
 وهكذا فالتعريف كلها تجتمع في أن القضاء هو إلزام المتخاصمين والناس جميعاً بالحكم الشرعي وتنفيذه عليهم.


المطلب الثاني
مشروعية القضاء
القضاء مشروع في الكتاب والسنة والإجماع
أولاً: مشروعيته في الكتاب:
فقد وردت آيات على مشروعيه القضاء منها:
قال تعالي: (أنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) سورة النساء 105
وقال تعالي: (وأن أحكم بينهم يما أنزل الله) سورة المائدة 49
وقال تعالي:(فلا وربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) سورة النساء 65
وقال تعالي:(يا داوود أنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى  فيضلك عن سبيل الله) سورة ص 26
وقال تعالي (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) سورة النساء 58
ثانياً/ مشروعيته في السنة:
أما مشروعيته في السنة فقد ثبتت بقول النبي صلي الله عليه وسلم وفعله, وأما قوله فما رواه الأمام مسلم في صحيحة بإسناده عن عمر بن العاص بأنه سمع النبي صلي الله عليه وسلم قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجره(رواه البخاري ومسلم)
أما في السنة الفعلية فقد تولي النبي صلي الله عليه وسلم القضاء وفضي بين الناس فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قضي باليمين على المدعي عليه (رواه مسلم) وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قضي بيمين وشاهد وقد قضي رسول الله صلي الله عليه وسلم على رجل يهودي رض رأس امرأة بقتله بنفس الطريقة التي قتل بها المرأة.
هذا وقد ولي النبي صلي الله عليه وسلم رجالا من الصحابة على القضاء في حياته كعمر ابن الخطاب وعلى بن أبي طالب, ومعاذ بن جبل وعتاب بن أسيد.
ثالثاً/ مشروعيته بالإجماع:
فقد نقل غير واحد الإجماع على مشروعية القضاء قال ابن قدامه: (واجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس)
  

المطلب الثالثحكم القضاء

اتفق الفقهاء على أن القضاء فرض كفاية, وفرض الكفاية يعني أنه إذا قام به بعض الأمة سقط عن بعضها الأخر وأن لم يقم به أحد منها أمت الأمة جميعاً.
وأما كونه فرضاً فلقوله تعالي: (كونوا قوامين بالقسط) سورة النساء 135
وأما كونه على الكفاية فلأنه أمر بمعروف أو نهي عن المنكر وهما على الكفاية.
ولأن أمر الناس لا يستقيم بدون القضاء فكان واجباً عليهم كالجهاد والإمامة, قال الأمام أحمد: لا بد للناس من حاكم, أتذهب حقوق الناس.
ولأن فيه أمراً بالمعروف ونصرة المظلوم وأداء الحق إلي مستحقه وردعاً للظالم عن ظلمه وهذه كلها واجبات لا تتم إلا بتولي القضاء, لذا كان تولي القضاء واجباً والقاعدة الفقهية تقول أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
قال في بدائع الصنائع: (فنصب القاضي فرض لأنه ينصب لإقامة أمر مفروض وهو القضاء.
قال الله سبحانه وتعالي: (يا داوود أنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق) سورة ص 26
وقال تبارك وتعالي لنبينا المكرم عليه أفضل الصلاة والسلام: (فأحكم بينهم بما أنزل الله) سورة المائدة 48
وقال الغزالي: أنه أفضل من الجهاد, وذلك للإجماع مع الاضطرار إليه, لأن طباع البشر مجبولة على التظالم, وقال من ينصف من نفسه, والأمام مشغول بما هو أهم منه, فوجب من يقوم به, فإن امتنع الصالحون له منه أتموا, وأجير الأمام أحدهم.

المطلب الرابع
مكانة القضاء
مكانة القضاء عظيمة وهو من ضروريات الحكم وأمور الدين. ومصلحة الأمة تقضي بوجوده العناية به لأن بالناس إليه حاجة عظيمة ولو لم يعدل القضاء لاختلت الأمور, وأكلت الحقوق وعمت الفوضى, وقد أجمع الصحابة على إقامة القضاء بين الناس, وباشروه في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم ومن بعده, لأن الناس تحتاج إليه لبيان وجه الحق وإلزام الخصوم به, ولذلك كانت السلطة القضائية في يد رئيس الدولة في صدر الإسلام لما لها من شأن وخطر ولحاجتها إلي السلطة للتنفيذ.
ولما للقضاء من شأن خطير, وردت الأحاديث فيه ترغيباً وترهيباً, فقد رغب الرسول فيه لما فيه من مصلحة الناس وتحقيق العدل, وزهد فيه لمن لا يستطيع تحمل مسؤوليته لما فيه من التحكم في رقاب الناس وابضاعهم وأموالهم, ولتهافت الناس على تولي هذه الوظيفة دون تقديم لعواقب مسؤوليتها وجليل شأنها, فمن ذلك ما ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم قوله "القضاء ثلاثة, قاضيان في النار, وقاضي في الحنة, رجل قضي بغير حق وهو يعلم بذلك فذلك في النار, وقاضي لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار, وقاضي قضي بالحق فذلك في الجنة" وقوله "أن الله مع القاضي ما لم يجر, فإذا جار تخلي عنه ولزمه الشيطان" وقوله عليه السلام " من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة" وإن غلب جوره عدله فله النار" وقوله " من ولي القضاء, أو جعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين" وقد ورد عن عبد الله بن موهب أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال لابن عمر " اذهب فكن قاضيا, قال أو تعفيني يا أمير المؤمنين, قال اذهب فاقض بين الناس, قال أو تعفيني يا أمير المؤمنين, قال: عزمت عليك ألا ذهبت فقضيت, قال لا تعجل, سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول "من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ ", قال "نعيم" قال" فإني أعوذ بالله أن أكون قاضياً", قال" وما يمنعك وقد كان أبوك (يعني عمر بن الخطاب) يقضي "قال" لأني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول "من كان قاضياً فقضي بالجهل كان من أهل النار, ومن كان قاضياً فقضي بحق أو بعدل سأل التفلت كفافاً" فما أرجو منه بعد ذلك, وقد نوه العلماء بمكانة القضاء وجلال شأنه, قال السرخسي في المبسوط "في القضاء بالحق إظهار العدل, وبالعدل قامت السموات والأرض, ورفع الظلم وهو ما يدعو إليه عقل كل عاقل وإنصاف المظلوم من الظالم, وإيصال الحق إلي المستحق, وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر, ولأجله بعث الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وبه اشتغل الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم".
وقد أحجم كثير من العلماء عن تولي القضاء إكباراً لشأنه وقدره, وخوفاً من الجور في الحكم, فقد فعل ذلك أبو حنيفة مرات وزفر صاحب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل, وعبد الله بن عياش البيساني وغيرهم كثير.

ولمكانة القضاء بحث العلماء في توليه, هل هو أفضل أم تركه أفضل؟ فقال العلماء الحنفية على أن تركه عزيمة والدخول فيه رخصة, وقال قوم بالترك واحتجوا بأن من جعل على القضاء فقد ذبح بغير سكين, وأحتج من قال بتوليه بأنه عمل الأنبياء والمرسلين والخلفاء الراشدين, ولأن القضاء بالحق إذا أريد به وجه الله يكون عبادة خالصة, بل هو من أفضل العبادات, ولا يجوز إذا تهرب الأكفياء جميعاً ترك القضاء.

المطلب الخامسالقضاء شروطه وآدابه

أولا:  شروط القضاء
نص الفقهاء على أنه لا تصح ولاية القاضي إلا إذا اجتمعت فيه شروط معينة اختلف في عددها, فمنهم من جعلها خمسة عشر شرطاً, والماوردي جعلها سبعة شروط, وغيره حصرها في ثلاثة, إلا أنها جميعاً تدور حول محور وأحد يفصل فيه بعضهم ويجمل البعض الآخر, وهذه الشروط تشير أن يكون ذكراً حراً بالغاً, عاقلاً مسلماً عدلاً, متكلماً سميعاً بصيراً عالماً مجتهداً, فلا يصح تعيين الصبي قاضياً ولا العبد ولا فاقد العقل ولا غير المسلم, لأن القاضي المسلم إنما يحكم بشريعة الله, ولا يصدر ذلك إلا عمن يؤمن بها, ولقوله تعالي: {ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلاً}.
ومذهب الحنفية أنه يجوز تقليد غير المسلم القضاء على غير المسلمين لأن أهلية القضاء بأهلية الشهادة, وغير المسلم أهل للشهادة على مثله وقد أجاز الحنابلة وكثير من فقهاء المسلمين شهادة غير المسلم على المسلم للضرورة, كشهادته عليه في السفر والتبايع والطب, فيجوز أن يكون قاضياً على المسلم في غير أحكام الأسرة والأمور المتعلقة بالعبادات, وقد أغفلت مجلة الأحكام الشرعية ذكر الإسلام في الشروط في تولي القاضي أحكام المعاملات في المادة ( 1794 ) من مجلة الأحكام العدلية.
وأما قضاء المرأة فقد أجازة الأحناف فيما عدا الحدود والقصاص اعتباراً بشهادتها فيهما, فإنها لا تجوز في الحدود والقصاص, ولأن حكم القضاء يستقي من حكم الشهادة وأجاز أين جرير الطبري قضاء المرأة في كل شئ قياساً على جواز إفتائها, وهو الأصوب.
والعدالة ليست شرطاً عند الحنفية, فالفاسق عندهم من أهل القضاء حتى لو قلد القضاء يصح, وإن كان ينبغي أن لا يقلد, وشرط نفاذ قضاء الفاسق أن يكون موافقاً لأحكام الشرع, وعند الجمهور أنه لا يقبل قضاء الفاسق قياساً على عدم قبول شهادته.
وقد اشترطوا أن يكون خاليا من العي والعمى والصمم لأنه يحتاج إلي التميز بين الخصوم فيعرف المدعي من المدعي عليه, والمقر من المقر له, والشاهد من المشهود عليه, ولينطق بالفصل بين الخصوم, وليتمكن من سماع الدعوي والإنكار والبيئة والإقرار.
وقد اشترطوا العلم بأحكام الشريعة حتى يجد طريقاُ إلي العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق عن الباطل, ومعني ذلك أن يكون مجتهداُ, وقد رجح الأحناف توليه المقلد لأحد المذاهب وهي رواية عن مالك, خلافاً للشافعي الذي يري ضرورة القدرة على القضاء, ولا قدرة إلا بالعلم, ولكن مخالفيه يقولون بإمكان القاضي أن يقضي بفتوى غيره ومقصود القضاء يحصل بذلك, وهو إيصال الحق إلي مستحقيه.
وقد ذكر الفقهاء غير ذلك شروطاُ هي تفصيل لمعني العدالة والشروط التي وردت كالرفق والورع والقوة في غير عنف والمروءة والسكينة والتثبت والصبر والحلم والتيقظ والتخوف من سخط الله وأن لا يكون نكساً خواراً ولا مستعظماً جباراً, ولكن وسطاً خياراً.
ثانيا: آداب القضاء
ذكر الفقهاء آداباً للقضاء يجب أن يتحلوا بها:
1-      فمنها صفات في نفس القاضي لخصها القاضي شهاب الدين أبو إسحاق بن أبي السلام فيما يلي:
أن يكون مستقر النفس, مطمئن البال, فلا يقضي وهو غضبان أو جوعان أو ضجر أو قلق أو حانق, وعليه أن يكون عفيفاً أميناً, يصون نفسه عن كل ما يريب, كالهدايا والضيافة, وممارسة البيع والشراء بنفسه, وغير ذلك مما يكون مظنة للشبهة, وطريقاً للرشوة والممايلة إلي أحد الخصين, إلي جانب الهيئة التي يكون فيها القاضي من ملبس ومجلس ووقار وخشوع وابتعاد عن كل ما يقلل الهيبة ويحرم المروءة.
2-   ومنها آداب تخص النواحي الشكلية, كإعلام أهل البلد بقدومه, وقراءة كتاب التعيين عليهم, واتخاذ المكان المناسب للقضاء, بحيث يكون وسط البلد فسيحاً يقي المراجعين من تقلبات الأحوال الجوية شتاءً وصيفاُ.
3-   ومنها: أن يتخذ له بواباً وحاجياً, قياساً, وكاتباً, ومترجماً, ومسمعاً, وأمناء وأعواناً أصحاب مسائل, ومزكين ومشاورين.
4-   ومنه: اتخاذ الديوان, واتخاذ المحاضر والسجلات, والتدقيق في المدونات, وعدم الاعتماد على الخط بل لا بد من تذكرها.


المبحث الثاني القضاء في الإسلام

تمهيد:
لقد كان رسول الله (ص) أول من تولى القضاء في بعض الخصومات بنفسه عملا بقوله تعالى (وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم) كما أسنده في حالات كثيرة إلى بعض صحابته منهم حذيفة بن اليمان وسعد بن عبادة وعلى بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وغيرهم كما هو معروف في كتب السيرة , وبعد وفاة الرسول (ص) اتسعت رقعة الوطن الإسلامي فامتدت من بلاد فارس شرقا إلى شمال أفريقيا غربا حتى وصلت إلى حدود الصين والأندلس وبذلك زادت المسائل والمشاكل التي يجب عرضها على القضاء ليقول كلمة الفصل فيها وأصبح من المتعذر قيام الخليفة أو رئيس الدولة بمباشرة القضاء بنفسه وان كان ذلك من حقوقه الدستورية فكان لا بد من تعيين قضاة مؤهلين يقومون بهذا الواجب في جميع الأقطار الإسلامية نيابة عن رئيس الدولة أو ما عرف بالسلطة القضائية المستقلة وخصص لهؤلاء القضاة دور ومكاتب وأعوان من الكتاب والمحاسبين ليساعدوهم في أداء إعمالهم وبقى لهذا القضاء وهؤلاء القضاة الحرية والاستقلال عبر أنظمة الحكم المتعاقبة من خلفاء راشدين وأمويين وعباسيين حتى نهاية ألخلافه العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى سنة1918 وقد توخي القضاء في هذه الحقبة التاريخية الطويلة تحقيق الأمن على المال والنفس والعرض واستتاب السكينة والشعور بالراحة النفسية والكرامة الفردية وما يحمى كل الناس من كل عدوان على اختلاف ألوانهم وعقائدهم وأوطانهم في ضل الحكم الإسلامي وفى بداية الحكم الاستعماري للوطن الإسلامي عامة وفلسطين خاصة بعد تلك الحرب وانتزع الحكام الأجانب من القضاء الإسلامي الكثير من اختصاصاته ووظائفه بحجة عدم صلاحيته لكل زمان ومكان افتراء وزورا وبهتانا وابقوا على جزء منه وسمو هذا الجزء القضاء الشرعي تمييزا له عن القضاء النظامي الذي يستمد إحكامه من القوانين الفرنسية والانجليزية وغيرهما وأطلقوا عليه دوره المحاكم الشرعية تمييزا لها عن المحاكم النظامية التي تحكم بتلك القوانين الوضعية المذكورة وحصروا وظيفة المحاكم الشرعية في قانون الأسرة أو ما سموه بقانون الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والإرث وغير ذلك مما ورد في هذا القانون.

القضاء في الإسلام وأنواعه واختصاصاته

أنواع القضاء:
القضاء أنواع:
قضاء عادي هو النظر في الخصومات العادية وقطع التشاجر فيها واستيفاء الحقوق ممن مطلها وإيصالها إلى مستحقيها بعد ثبوت استحقاقها من احد وجهين: إقرار أو بينة والنظر في الأوقاف والولاية على من كان ممنوع التصرف بجنون أو صغر أو حجر والوصايا وتنفيذها والزواج والطلاق وإقامة الحدود والنظر في الكف عن التعدي في الطرقات والساحات والشرفات الخارجية والأبنية وغيرها وهذا القضاء عام يتولى جميع الخصومات والقضايا وهو القضاء العادي.
قضاء عام من جهة القضايا خاص من حيث الجهة والعمل , أي يكون في بلد معين.
قضاء خاص للفصل  في خصومات معينة أو خصمين معينين.

وقسمه بعضهم إلي ثلاثة أقسام:
قضاء عادي.
قضاء مستعجل (الحسبة).
قضاء المظالم.
ويري آخرون أن القضاء ينقسم إلي ما هو قضاء, وهو القضاء الذي يفصل في الخصومات والأمور العامة التي ذكرناها سابقاً. وشبه قضاء وهو يتناول التحكيم والإفتاء وقضاء المظالم وقضاء الحسبة, وسنتناول الحديث بالتفصيل عن أنواع القضاء التالي.

المطلب الأول: القضاء العادي.
ذكرنا أن القضاء ولاية عامة يستمد سلطته من الخليفة, وأنه يعين وفقاً لصفات معينة تجعله أهلاً للقضاء, وبينا أنواع القضاء بحسب الاختصاصات.
والقضاء العادي في الإسلام هو القاضي ذو الولاية العامة, وهو القاضي الذي ينظر في الخصومات العادية, فلا تتحدد ولايته بزمان ومكان معين, ولا بأشخاص معينين, ولكن له السلطة المطلقة في فض الخصومات, وفق أحكام الشرع فيما يختص بولايته.
أولا: اختصاصاته ­
تتحدد اختصاصاته وأعماله فيما يلي:ـ
1.     فض الخصومات والمنازعات, إما صلحاً أو بحكم ملزم.
2.     استيفاء الحقوق ممن مطل بها وإيصالها إلي مستحقيها.
3.  الحجر على عديم الأهلية من مجنون أو صغير, والحجر على ناقص الأهلية كالسفيه والمغفل والمعتوه, حفظاً للأموال وتصحيحاً للعقود.
4.     النظر في الأوقاف وتنميتها وصرف ريعها للمستحقين.
5.     تنفيذ الوصايا على شرط الموصي, حسب أحكام الشريعة.
6.     تطبيق أحكام الشريعة فيما يتعلق بالزواج والطلاق وما يستتبعهما مما يسمي اليوم بالأحوال الشخصية.
7.     النظر في دعاوي الخصوم حول التعديات في الطرقات والأبنية.
8.     التأكد من أهلية الشهود, واختيار النائبين عنه الذين يعول عليهم.
والقاضي العادي يجب عليه أن يسوّي بين الخصوم قويهم بضعفيهم, وأن يعدل بين الشريف والمشروف, وأن لا يتبع الهوى فيميل إلي ذوي الجاه والسلطان والمبطلين.


ثانيا:  شروطه
يشترط فيه ما اشترطنا في القاضي بعامة من أهلية البلوغ والعقل, والحرية والإسلام, وسلامة الحواس, والعلم بالأحكام الشرعية.
وقد اشترط بعض الفقهاء أن يكون عدلاً, وهم المالكية والشافعية والحنابلة, فقالوا: لا يجوز توليه الفاسق ولا مرفوض الشهادة, بسبب إقامة حد القذف عليه وقال الحنفية يجوز أن يكون فاسقاً, فإذا عين صح قضاؤه للحاجة إلا أن الحنفية يرون أن العدل إذا قلد القضاء ينعزل بالفسق.
واشترط المالكية والشافعية والحنابلة الذكورة في القاضي فلا تولى المرأة القضاء لان القضاء ولاية والله تعالى يقول" الرجال قوامون على النساء" وقال الحنيفة يجوز قضاء المرأة في كل شي إلا في الحدود والقصاص أي فيما تصح شهاداتها فيه , وهو في الأموال والمنازعات المدنية وقال الطبري "يصح إن تكون قاضية في كل ما يصح أن يكون الرجل قاضيا فيه"
         واشترط المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنيفة كالقدوري الاجتهاد فلا يولي المقلد كما لا يولى الجاهل, وقال الحنيفة وبعض المالكية لا يشترط فيه الاجتهاد وان كان يندب له ويستحب . وواقع حياتنا اليوم يستدعي الأخذ برأي الأحناف لعدم توفر المجتهدين شريطة أن يستفتي الفقهاء أو يعرف ما يقضي به.

↚ 

المطلب الثانيالحسبة ومفهومها وشروط المحتسب ومهماته

أولا: مفهوم الحسبة
تعد الحسبة وظيفة دينية قضائية, ينظر قاضيها في فض المنازعات المتعلقة بالنظام العام والجنايات أحياناً مما يستدعي الفصل فيها بسرعة وتدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولكن المحتسب يقوم بوظيفته بحكم الوظيفة والتفرغ لها بخلاف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو حق واجب على المسلم, كل بحسب استطاعته.
وقد جعلت وظيفة لما للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهمية في قوله تعالي: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} (آل عمران 11)
والتي أمر الله بها المسلمين صيانة للمجتمع من الفساد, والدين من الضياع, قال تعالي: {ولتكم منكم أمة يدعون إلي الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} (آل عمران 104)
والحسبة عبارة شاملة شمول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, إلا أن الفقهاء حصروها فيما يتعلق بالنظام العام كمنع المنكرات في الطرقات والمساجد والأسواق والحمامات والمدارس والجامعات والمقاهي والمطاعم وغيرها, فمن ذلك منع التجمعات الضارة المؤذية, ومنع شجار الناس, وغش السلع, وإلقاء القاذورات, وتطفيف الموازين, وتهريب الممنوعات, ومنه التسكع والاعتداء على الناس وملاحقة الفاسدين والعابثين بالنظام العام, وغير ذلك.
ودليل هذه الوظيفة ما روي عن النبي صلي الله عله وسلم أنه مر برجل يبيع طعاماً فأدخل يده فيه فإذا هو ميلول, فقال "من غش فليس منا" (رواه الجماعة), وقد ولي من يتفقده مثل سعيد بن العاص الذي ولاه سوق مكة بعد الفتح, وولي الرسول صلي الله عليه وسلم سمراء بنت نهيك الأسدية الحسبة في المدينة المنورة, وولي عمر الشفاء بنت عمرو قضاء الحسبة في سوق المدينة وتوالي تعيين المحتسبين لهذه الوظيفة في جميع العصور الإسلامية, وكان يباشرها الخلفاء بأنفسهم لعموم ثوابها, ثم ولوا بعد ذلك الناس عليها.
ثانيا:  شروط المحتسب
اشترط العلماء في المحتسب صفات لا بد أن يتحلي بها, فمنها  يراه الإمام  الغزالي في ضرورة أن يتصف:
1-    بالإيمان.
2-    بالعدالة.
3-    بالتكليف.
4-    بالعلم بأحكام الشرع ليستطيع معرفة حدود الحسبة ومواقعها ومجاريها.
5-    بالورع: ليردعه عن فعل ما ينكره الناس.
6-    بحسن الخلق: وذلك ليتمكن به من معاملة الناس بالحسنى والرفق واللطف.
بالمنكرات الظاهرة, فهو يشترط فيه الخشونة حتى يهابه الناس.
والمفروض في المحتسب أن يكون عدلاً مأموناً في خلقه آمناً على نفسه من الأذى بحماية الدولة له حتى يكون احتسابه مثمراً, ولا يشترط فيه أن يكون كاملاً من كل وجه فذال ما لا يتحقق في أحد, ويعطل احتساب كما قال سعيد بن جبير "إن لم يأمر بالمعروف من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء, وقد ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال " مروا بالمعروف وأن لم تعملوا به كله, وأنهي عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله" وذلك جواباً على سؤال الصحابة "ألا تأمر بالمعروف حتى نعمل به كله, ولا تنهي عن المنكر حتى نجتنيه كله"
ثالثا:  مهمات المحتسب
كانت صلاحيات المحتسب في صدر الإسلام قليله لقلة المشكلات التي كان يعانيها الناس, وكانت تنحصر صلاحياته في مراقبة السوق وما يحدث فيه, فمثلاً كان عمر يذهب إلي السوق ويراقب المكاييل والموازين, ويرشد الناس إلي السلوك الحسن, وله مع الناس في هذا حوادث جمة, ثم اتسعت صلاحياته فيما بعد, فأصبحت تشمل مشارفة الأسواق ومراقبة المكاييل والأوزان, ومتابعة المنكرات الكثيرة في كل شأن من شؤون الناس وفي أمكنة كثيرة من الأسواق والحمامات, والطرقات المتنزهات والمدارس والمستشفيات وغيرها, ومن هذه المنكرات, وعلى سبيل المثال: منع الازدحام في الطرقات, منع العش والغبن والتدليس, منع الاحتكار, مراقبة الخبازين والجزارين, مراقبة المعلمين حتى لا يضربوا التلاميذ ضرباً قاسياً, مراقبة الأطباء لأن التقصير منهم يفضي إلي تلف أو سقم, ومراقبة الأئمة والوعاظ والمؤذنين, وعمله اليوم لو طبقته أحكام الإسلام أعم وأشمل فهي تتناول أموراً كثيرة تتعلق بالصحة والنظافة والموازين ومراقبة الأسعار ومنع العبث في الشوارع ومراقبة الأسواق مما تقوم به دوائر كثيرة كدوائر الشرطة والصحة ومراقبة الأسعار والتموين وغيرها.
وعلى هذا فاختصاص متولي الحسبة ينحصر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الأخلاق المنكرة, والبدع المنتشرة, وإلزام الناس بإتباع النظام العام وآدابه العامة, والأمر بالمعروف يشمل ما يتعلق بحقوق الله تعالي كترك الجمعة في وطن مسكون, وما يتعلق بحقوق الآدميين سواء ما كان عاماً كالمصالح العامة كمنع تعطل الكهرباء أو السبل أو المياه أو الهواتف أو غير ذلك, أو ما تعلق بالمصالح الخاصة كمطل الدين وشتم الناس وتعرض الشباب للبنات, والوقوف المريب وغيرها.
والنهي عن المنكر, يشمل حقوق الله وحقوق الآدميين, فما يتعلق بحقوق الله: العبادات, والعبث في الصلوات, والإفطار في رمضان، والامتناع عن أداء الزكاة, وما يتعلق بحقوق الآدميين المعاملات مثل البيوع الفاسدة, والغش وغيرها, وكل هذه من وظائف المحتسب ومهماته, وصلاحيات المدعي العام اليوم تشبه في كثير من الأمور عمل المحتسب, غير أن عمل المحتسب في الإسلام أوسع وصلاحياته أشمل.
المطلب الثالث
محاكم المظالم ومفهومها وشروطها ومهماته وتعيين قضاء المظالم وعزلهم.
النظر في المظالم
أولا: مفهومها وشروطها
النظر في المظالم يحتاج إلي ولاية من السلطان, وهي السلطة القضائية العليا التي تنظر في المظالم الواقعة على الأفراد من ذوي النفوذ, والسلطان في الدولة, لكن يصح أن يفوض إليها النظر في الشكاوي التي ترفع من أفراد الأمة على الولاة والحكام, وفي شؤون العمال ومتطلبات الجند وتصرفات القضاء في الأوقاف وأموال اليتامى, وأن يكون لها الحق في الحكم على الإمام بعدم أهليته وعزله إذا بدر منه ما يخالف دستور الأمة الإسلامية, أو صدر منه ما أورد الأمة موارد الهلاك, أو خيف عليها ذلك, أو ظلم وجار واستباح الأموال, أو أصابه عجز أو نقص يمنع استمراره في رئاسة الدولة, ولها حق مراقبة الأمة في إقامة الشعائر الدينية والإمام في تطبيق أحكام الإسلام.
وتتألف من كبار العلماء أو الوزراء أو القضاء ممن يتصف بجلالة القدر, ونفوذ الأمر, وهيبة الشأن, وتقوي الله, ويجمع ذلك ظهور العفة, وقلة الطمع, وكثرة الورع, لأنه كما يقوم الماوردي "يحتاج نظره إلي سطوة الحماة, وثبت القضاء"
وهي تشبه المحاكم العليا, أو المجلس العالي في دساتير الحكومات الحديثة اليوم, ولذلك يصح أن نطلق عليها (محكمة المظالم, ويشترط لها حينئذٍ أن تستكمل خمسة شروط:ـ
1.     الحماة والأعوان لجذب القوي وتقويم الجريء.
2.     القضاء والحكام لاستلام ما يثبت عندهم من الحقوق, ومعرفة ما يجري في مجالسهم بين الخصوم.
3.     الفقهاء ليرجع إليهم فيما أشكل واشتبه من الأمور.
4.     الكتاب ليثبتوا ما يجري بين الخصوم وما توجه لهم أو عليهم من الحقوق.
5.     الشهود ليشهدوا على ما يجب من حق, ويمضي من حكم.
ومن الضروري أن يكون لها نظام يحكم قضاءها ويحدد اختصاصاتها التي ذكرناها, وأول من تولاها رسول الله صلي الله عليه وسلم, وقد انفرد بهذه الولاية, وصدرت له عدة قضايا فيها وكذلك الخلفاء الراشدين وتولاها على بن أبي طالب, فقد جلس للمظالم فكان يستمع للشكاوي المعروضة عله ويفصل بينها. ومعروفة قصته مع اليهودي في عهد عمر.
وتبعهم عبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز الذي رد مظالم بني أمية على أهلها مما أثار عليه حقدهم حتى قبل له إنا نخاف عليك من رد العواقب, فقال "كل يوم أتقيه وأخافه دون يوم القيامة لا وقيته" وجلس للمظالم المهدي والهادي والرشيد والمأمون من خلفاء العباسيين. ثم صارت تره بعد ذلك إلي قضاء من أهل الكفاءة, فقد ذكر أن الملك الصالح أيوب رتب عنه نواباً بدار العدل يجلسون لإزالة المظالم ومعهم الشهود والقضاء والفقهاء فيهرع إليهم الناس لرفع الظلم عنهم, وقد سبقه إلي ذلك المعز لدين الله الفاطمي, سنة 362هـ, حين أسند إلي سعيد بن أبي ثوبان المغربي النظر في المظالم الخاصة بالمغاربة, وما لبثت سلطته أن قويت حتى أصبح ينظر في القضايا المشتركة بينهم وبين المصريين, ثم بين المصريين عامة, كما تولي الظاهر بيبرس النظر في المظالم وكان يحيط به في مجلس القضاء, قضاته الأربعة الذين كانوا يمثلون الأئمة وكبار موظفيه الماليين والإداريين وصاحب ديوان الإنشاء.


ثانيا:  مهمة ولاية المظالم (محكمة المظالم) ­
نص الفقهاء  على مهمة محكمة المظالم أو ولاية المظالم, وحصروها في النظر فيما يلي, سواء يطلب من أربابها أو بغير طلب منهم لإعادة الحق إلي نصابه:
1.     تعدي الولاة على الرعية وأخذهم بالعسف بالسيرة.
2.  جور العمال في ما يجبونه من الأموال فيرجع إلي القوانين العادلة التي تضعها الدولة فتحمل الناس عليهما ويلتزم العمال بها.
3.     أعمال كتاب الدولة وموظفيها لأنهم الأمناء على أسرار الدولة وأموالها.
4.  نظلم العاملين في الدولة من الموظفين والجند والقضاء والمعلمين والأساتذة وغيرهم فيما ما لهم من حقوق الترقية والتعيين والأرزاق والأخذ والعطاء وغير ذلك.
5.  إساءة رئيس الدولة والوزراء وأصحاب المراكز العالية وغيرهم في تطبيق أحكام الإسلام, واتخاذ القرارات المناسبة بالعزل والتعيين وغيرها وأي مخالفة لدستور الأمة المستمد من القرآن وقوانينها الإسلامية.
6.     رد الغصوبات: وهي على نوعين:
(أ‌)       غصوب أموال الدولة التي تغلب عليه حكام الجور.
   (ب) غصوب أخذها ذوو الزعامة والأيدي القوية من أموال الدولة أو الناس.
7.     تنفيذ أحكام القضاء الذين تعذر عليهم تنفيذها لعلو قدر المحكوم عليه.
8.     النظر في الأوقاف العامة والخاصة إذا تظلم أهلها.
9.     النظر فيما يعجز عن النظر فيه قضاة الحسبة في المصالح العامة.
10.   مراعاة استيفاء حقوق الله تعالي في العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج والجهاد, فإن حقوق الله أولي أن تستوفي.
11.   النظر بين المتشاجرين والمتنازعين فيما لا يحكم فيه القضاء العاديون والحكام الإداريون ويحسن بهذه المناسبة الإشارة إلي أن القضاء المدني وزع هذه الاختصاصات في محاكم متعددة كمحكمة التمييز والهيئة الإدارية العليا, ومحكمة القضاء الإداري.
ثالثا:  تعيين قضاء المظالم وعزلهم.
كان القاضي يولي من قبل رئيس الدولة سواء أكانت محكمة المظالم برئاسته أو برئاسة أحد القضاء, ويقرأ مرسوم التعيين في المسجد الجامع, وكان إنشاء محكمة المظالم لرفع الظلامات عن الناس ووقف تعدي ذوي الجاه والحسب, ومنع مخالفة الإسلام في التطبيق سواء صدرت من رئيس الدولة أو من أفراد الرعية.
وإذا عين رئيس الدولة أعضاء محكمة المظالم زاولوا أعمالهم القضائية بحسب أنظمة الإسلام وقوانينه, ولا يعزلون إلا إذا ثبت عدم صلاحية أحدهم لكبر في السن أو مرض أو خرف في العقل, ويكون العزل بحكم يصدر من محكمة المظالم نفسها التي تنعقد بدون حضور العضو المنظور في أمره, وينفذ رئيس الدولة حكم المحكمة.
وإذا علمنا أن محكمة المظالم لها أن تستعين بعدد من أصحاب الاختصاص والعلاقة (فيما يشبه المحلفين اليوم) من الحماة والأعوان والقضاء والحكام والكتاب والشهود والعدول المزكين للشهود, عرفنا مدي قوة هذه المحكمة وسيطرتها, ومدي توصلها إلي الحق ونزاهة القرارات التي تصدرها.
وقد ذكر العلماء كالماوردي والنويري وابن خلدون وغيرهم ما لمحكمة المظالم من الهيبة والقوة والاستقلال, وأنه قد يقع لها من الوقائع والخصومات والقرائن ما لم يذكر, وأنه يصح أن يتولاها الخليفة والوزراء والأمراء أو ولي العهد.




















المبحث الثالث
القضاء في فلسطين
القضاء قبل عهد السلطة الفلسطينية
تمهيد:
النظام القضائي في فلسطين:
من المعلوم أن فلسطين كانت تحت الدولة العثمانية وكانت المحاكم الشرعية والنظامية تخضع للقوانين المطبقة في الدولة العثمانية وبعد أن دخل جيش اللنبي فلسطين سنة 1918 وإعلان الانتداب سنة 1922 فقد ضلت فلسطين تحت أدارة بريطانيا لغاية سنة 1948 وقد عملت بريطانيا في تلك الفترة على تهويد فلسطين وتسهيل هجرة اليهود إليها وفي 15 أيار سنة 1948 أعلنت بريطانيا انتهاء الانتداب عن فلسطين وانسحابها عنها وانسحبت بريطانيا بالفعل ولكن بعد أن مكنت اليهود من فلسطين وحدثت الحرب في تلك السنة بين الجيوش العربية وجيش العدو الإسرائيلي والتي انتهت بخسارة العرب في هذه الحرب واستيلاء اليهود على فلسطين عدا منطقة الضفة الغربية وقطاع غزة والتي لحقت بفلسطين عام 1967 وبذلك تمت السيطرة على الأراضي الفلسطينية كاملة والتي خضعت إلى الأحكام التي كانت مطبقة تحت ظل الانتداب البريطاني إلى أن جاءت السلطة الوطنية الفلسطينية وبدأت العمل على استقلال السلطة القضائية سنة 1994 وقد نص القانون الأساس على ذلك أما في الفترة السابقة فقد كان المجلس الأعلى في فلسطين الموكل إليه أمر تنظيم القضاء الشرعي وغيره وسأبين المهام التي كان يتولاها هذا المجلس.

المطلب الأول:المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين:
جزأت اتفاقية سايكس بيكو سنة 1916 بلاد الشام إلى أربعة أجزاء سياسية لبنان وسوريا في الشمال وأقيمت فيهما إدارتان عربيتان بانتداب فرنسي عليهما, والأردن وفلسطين في الجنوب أقيم في شرق الأردن إدارة عربية تحت انتداب بريطاني عليه وعلى فلسطين وقد استقلت الأردن وسوريا ولبنان فيما بعد وضلت فلسطين خاضعة للانتداب البريطاني المباشر تنفيذا لوعد بلفور سنة 1917 وفي مؤتمر إسلامي بالقدس الشريف ضم نخبة من علماء فلسطين ووجهائها بحث في موضوع الإشراف على المحاكم الشرعية والأوقاف الإسلامية وجميع الشئون الدينية للمسلمين في فلسطين وكان ذلك بتاريخ:
09/11/1920 شكل المؤتمرون لجنة لوضع نظام لمجلس أسلامي أعلى لهذا الغرض وقد وضع نظام لذلك وأجريت عليه تعديلات ووافق عليه المندوب السامي البريطاني هيربرت صموئيل ونفذ ابتداء من :20/12/1921 ويتكون من المواد الآتية:
المادة1- قد تأسس مرجع إسلامي للنظر في أمور الأوقاف وسائر الشئون الشرعية الإسلامية في فلسطين يسمى (المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى) ومركزه القدس.
المادة2 – يتألف هذا المجلس من رئيس العلماء ومن أربعة أعضاء اثنان عن لواء القدس وواحد عن كل لوائي نابلس وعكا وان الرئيس الدائم لهذا المجلس هو رئيس العلماء والأعضاء ينتخبون لأربع سنوات.
المادة3- لا تجتمع عضوية هذا المجلس مع وظيفة ذات معاش ما عدا التدريس ومعلميه في مدرسة عالية.
المادة4- ينتخب رئيس العلماء بانتخاب عام يعين بقانون خاص من قبل المجلس الشرعي الإسلامي ويبين فيه وظائفه وشرائطه وموقعه.
المادة5- ينتخب كل لواء مندوبه أو مندوبيه بواسطة المنتخبين الثانويين الذين ينتخبون من قبل الأهالي وفقا بقانون النواب العثماني على أن يستعاض بكلمة (المجلس البلدي) عن (مجلس الإدارة).
المادة6- ينتخب رئيس العلماء في الحالة الحاضرة من قبل الهيئة العمومية المنتخبة من قبل المنتخبين الثانويين والتي دعت للاجتماع في دار الحكومة بدعوة المندوب السامي في 24 أغسطس 1921 كما انه ينتخب كل من الأعضاء الأربعة في هذه المرة من قبل منتخبي ذلك اللواء الداخلي في الهيئة المذكورة في مركز اللواء ويقدمون مضابطهم الانتخابية لرئاسة المجلس ...
المادة7- لرئيس العلماء ولأعضاء هذا المجلس رواتب من الحكومة لقاء إعمالهم في سائر الشئون الإسلامية ....
المادة8- أولا: وظائف المجلس هي:-
أ‌-       أدارة ومراقبة الأوقاف الإسلامية وتدقيق الميزانية والتصديق عليها وتقديمها بعد التصديق للحكومة للاطلاع عليها ...
ب‌- أن يرشح لتصادق الحكومة تعيين القضاة ورئيس وأعضاء محكمة الاستئناف الشرعيين ومفتش المحاكم الشرعية وإذا لم تصادق الحكومة على الترشيح فعليها أن تبين الأسباب الموجبة بمدة خمسة عشر يوما.
ج- تعيين المفتين من المرشحين الثلاثة الذين تنتخبهم الهيئة الانتخابية الخاصة وفقا للقانون الخاص الذي يضعه المجلس الشرعي الإسلامي ويجري انتخاب المفتى في بئر السبع بمعرفه مشايخ العشائر .
د- تعين مدير ومأموري الأوقاف وسائر موظفي الشرع.
ه- مراقبة لجنة الأوقاف العمومية وسائر اللجان وإدارة الأوقاف.
و- عزل جميع موظفي الشرع وموظفي المعاهد الإسلامية التي ينفق عليها من مال الوقف وعند عزل احد الموظفين على الإطلاق تعطى المعلومات للحكومة بذلك وعلى المجلس أن يبين الأسباب .
ز- البحث في جميع الأوقاف الإسلامية وإقامة الأدلة والبراهين لإثباتها لأجل أعادتها واستلامها عائد للمجلس الشرعي الإسلامي والمجلس يطبق شروط الواقف في صرف واردات الأوقاف المذكورة ,,,
ثانيا- ليس للمحاكم الشرعية أحداث عمل في الأوقاف كالحكر والاجارتين والاستبدال ألا باتفاق آراء المجلس الشرعي الإسلامي.
ثالثا- على المجلس أن ينشر خلاصة أعماله وحساباته كل سنة مره في نشرة خاصة.
رابعا- أذا رأى المجلس تحوير أو إضافة بعض المواد المتعلقة بتعليمات إدارات الأوقاف أو نشر تعليمات جديدة, فله أن يفعل ذلك ويقدم المواد للحكومة للاطلاع عليها , أما أذا رأى تعديل بعض القوانين والأنظمة وإضافة بعض المواد فعليه أن يدعو الهيئة الانتخابية فإذا وافقت على ذلك بأكثريتها المطلقة فيعمل بالمواد المعدلة أو الجديدة, وأما أذا كان التعديل أو الإضافة بهذا القانون اى قانون المجلس الشرعي الإسلامي فيشترط في ذلك أكثرية ثلثي الهيئة المنتخبة ويعرض ذلك التعديل على الحكومة للمصادقة عليها.
 المادة9- للطائفه الإسلامية حق مراقبة هذا المجلس بواسطة الهيئة المنتخبة فإذا رأى الثلث عملا يستدعي السؤال مباشرة أو بناء على شكوى فللهيئة أن تدعو بقية المنتخبين بواسطة الرئيس وإذا رأى ثلثا الأعضاء الحاضرين إقالة عضو من المجلس فينتخب له خلف على الأصول ويعرض اسمه على المجلس لاستلام وظيفته وهذا العضو يكمل مده سلفه.
المادة10- تتألف لجنة الأوقاف العمومية من مفتى القدس رئيسا لها ومدير الأوقاف ومأموري الأوقاف وعضو من كل لجنة محلية.
المادة11- تشتغل هذه اللجنة بتنظيم الميزانية السنوية لعرضها على المجلس الشرعي الإسلامي.
المادة12- تجتمع لجنة الأوقاف العمومية حين تنظيم الميزانية السنوية وعند دعوتها من المجلس الشرعي الإسلامي.
المادة13- تشكل لجان الأوقاف المحلية في مراكز الاقضية والنواحي التي فيها أوقاف ويرى المجلس تشكيل ذلك فيها من المفتى ومأمور الأوقاف واثنين من أعيان المسلمين , وإذا لم يكن في المركز مفت يقوم مقامه اكبر العلماء سنا ويجري انتخاب العضوين من الأعيان الذين لا يتقاضون معاشا من الأوقاف بمعرفة المفتى والملمين من هيئات البلدية فيها وفي النواحي التابعة للمركز التي فيها حاكم – والمنتخبين الثانويين المسلمين, ويجدد هذا الانتخاب كل سنتين مره ويجري انتخاب العضوين ببئر السبع بمعرفة مشايخ العشائر.
المادة14- تشتغل اللجان المحلية بالوظائف المعينة بالقانون المخصوص العثماني سنة 1329ه نمره 53973 عمومي ونمره32 خصوصي خلا أن هذه اللجان تقوم مقام مجلس الإدارة الوارد ذكره في ذلك القانون , وان تعيين وعزل كتبة الأوقاف ومأموري التحصيل والمحاسبين وعقابهم عائد للجان الأوقاف المحلية على أن يصادق على ذلك المجلس الإسلامي الأعلى.
المادة15- المتولون يديرون شئون الأوقاف الملحقة طبقا للإحكام الحالية ويجب على المتولين أطاعة أوامر أدارة الأوقاف وتقديم حساباتهم سنويا للجان الأوقاف المحلية لتدقيقها.
المادة16- أولا: بما أن الحكومة تعهدت بالمعاونة للطائفة الإسلامية في الأمور المالية ترك لها تحصيل الإعشار مقابل رسم التحصيل السابق.
ثانيا: مدرسو الدين الإسلامي قسمان:
1-    المعنيون بمعرفة أدارة الأوقاف يتقاضون مرتباتهم من أموال الوقف.
2-   المدرسون الذين يتقاضونها من الحكومة وان حكومة فلسطين تباعا لما جرت عليه الحكومة العثمانية تستمر في دفع المرتبات التي كان المدرسون من القسم الثاني يتقاضونها قبل الاحتلال البريطاني وعند تقاعد احد المدرسين الحاليين لا تقوم الحكومة بتعين خلف له وكل مدرس جديد يعين بمعرفة أدارة الأوقاف يعد من موظفيها مرتبه من مالها.
وفي فترة الانتداب البريطاني على فلسطين التي انتهت في 15/05/1948 قام المجلس الإسلامي الأعلى بموجب صلاحياته المشار إليها أعلاه بوضع بعض القوانين المتعلقة بالمحاكم الشرعية والأوقاف الإسلامية منها قانون حقوق العائلة ومنها قانون أصول المحاكمات  ومنها نظام الأوقاف الخيرية وقانون العدل والإنصاف للمرحوم على قدري باشا وكتاب الفريد في حساب الفريضة في المواريث ترتيب القاضي المرحوم الشيخ محمد نسيب البيطار, وعندما أعلنت بريطانيا انسحابها من فلسطين ابتداء من 15/05/1948 وبعد صدور قرار التقسيم بتاريخ 29/11/1947 بدأت الحرب العالمية اليهودية الأولى وانتهت باحتلال اليهود الى80% من مساحة ارض فلسطين بسبب المؤامرات الاستعمارية التي لا تخفى على باحث وبقى من ارض فلسطين20% ضمن منطقتين,المنطقة الأولى سميت الضفة الغربية رسمت حدودها مفاوضات واتفاقية الهدنة بين المملكة الأردنية الهاشمية وإسرائيل والتي جرت في جزيرة رودس سنة 1949 ثم ضمت الضفة الغربية للمملكة الأردنية الهاشمية بعد عقد مؤتمرين عقدا في عمان وأريحا حضرهما  عدد من وجهاء فلسطين وطالبوا بالوحدة بين الضفتين وقد ووفق عليها وأقرت بتاريخ 24/04/1950 وانتخب برلمان يضم أعضاء متساويين عددا من الضفتين واستمرت هذه الوحدة من الناحية القانونية النظرية بعد احتلال الضفة في 05/06/1967 إلى أن صدر عن المملكة الأردنية الهاشمية قرار فك الارتباط الأول بين الضفتين بتاريخ 31/07/1988 واستثنيت المحاكم الشرعية ودوائر الأوقاف الإسلامية من ذلك القرار حيث بقي الإشراف عليهما للمملكة الأردنية الهاشمية من خلال ديوان قاضي القضاة ووزارة الأوقاف والشئون والمقدسات الإسلامية وكان هذا الاستثناء حكيما حتى لا يحصل فراغ في أدارة هذين الجهازين تستغله وزارة الأديان الإسرائيلية وتشرف عليهما بنفسها وتديرهما كبقية الدوائر الحكومية الأخرى في الضفة . وفي 27/09/1994 صدر عن حكومة المملكة الأردنية الهاشمية قرار فك الارتباط الثاني ابتداء من 01/10/1994 وتضمن رفع يد الأردن عن أدارة المحاكم الشرعية ودوائر الأوقاف الإسلامية في الضفة الغربية واستثنى القرار محكمة الاستئناف الشرعية والمحكمة الشرعية الابتدائية ودائرة الأوقاف في القدس الشريف وظهرت الحكمة مره ثانية في هذا الاستثناء حتى لا يحصل الفراغ المشار إليه لان الوضع السياسي للقدس الشرقية سيبت فيه المرحلة الأخيرة من المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وكانت السلطة الفلسطينية قد أصدرت قرارا بتاريخ 17/09/1994 يتضمن الإشراف على المحاكم الشرعية ودوائر الأوقاف في الضفة الغربية. وبالنسبة للإشراف على المحاكم الشرعية في الضفة الغربية فقد قام بد ديوان قاضى القضاة بالسلطة الفلسطينية كما سياتى تفصيله.
المنطقة الثانية: وهي ما عرف بقطاع غزة فبعد نكبة 1948 رسمت حدود هذا القطاع مفاوضات واتفاقية الهدنة في رودس أيضا بين مصر وإسرائيل في شهر شباط سنة 1949 وبذلك أصبح القطاع منفصلا عن الضفة الغربية وعن سائر أجزاء فلسطين فقررت الجامعة العربية أن تقوم مصر بإدارته حتى يحصل حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية فاستجابت مصر لهذا القرار وحتى يبقى طابع القطاع جغرافيا وبشريا وفلسطينيا محضا انتخب سكانه مجلسا وطنيا برئاسة الحاج أمين الحسيني وشكل هذا المجلس حكومة فلسطينية برئاسة احمد حلمي باشا ولم يصمد المجلس ولا الحكومة أمام المؤامرات الدولية فانهار بعد شهور فقررت مصر بتكليف الجامعة العربية أيضا أدارة القطاع عن طريق حاكم إداري عام بوزارة الحربية ونائب له يقيم بالقطاع ,وفي سنة 1955 أصدرت رئاسة الجهورية  القانون رقم 255 بوضع نظام أساسي لإدارة قطاع غزة مبينا الاحتفاظ بطابعه الفلسطيني وينص هذا النظام على السلطات الثلاث التي يدار بها القطاع وقد اقتضت المصلحة العامة وتطور الإحداث الدولية إلى استبدال ذلك النظام بالنظام الدستوري لقطاع غزة الصادر عن رئاسة الجمهورية العربية المتحدة بتاريخ 28/رمضان/1381ه الموافق 05/03/1962م وهو مكون من أربع وسبعين مادة وينص أيضا على السلطات الثلاث المذكورة . وقد جاء في مقدمته ما يلي:
أن فلسطين جزء عزيز لا يمكن أن يتجزأ من الوطن العربي الكبير , وأهلها عرب أحرار من صميم الأمة العربية الحرة المجيدة.
وإذا كانت بريطانيا الدولة التي احتلت فلسطين ثم انتدبت لإدارتها قد نسفت خططها الاستعمارية على أساس أقامة كيان عدواني غريب وسط الوطن العربي تمزيقا لوحدته, فوعدت اليهود أن توليهم وطنا فيها على أنقاض فلسطين العربية وأدمجت وعدها في صك انتدابها وحرمت أهلها العرب من حكومة وطنية تمثلهم وتستمد سلطتها من أدارتهم ولما أصدرت في شهر أب من سنة 1922 دستورا يخدم تلك الإغراض رفضه العرب وثاروا ثورات دامية متصلة إلى أن مكنت بريطانيا للعصابات الصهيونية من ارض فلسطين ثم لابس ذلك من الإحداث ما صار معه وضع فلسطين جرحا داميا في الوجود العربي يحز في نفوس العرب وينفعلون له بكل قواهم يشاركهم في ذلك الأحرار في كل مكان وإذا كانت من الأهداف الأساسية للأمة العربية تحريرا ارض فلسطين من الاستعمار الأجنبي ليعود إليها أهلها الشرعيون بعد أن اخرجوا منها غصبا بلا سند من القانون أو الأخلاق.
ولما كانت الجمهورية العربية المتحدة تقوم في قطاع غزة بمساندة أهلها ومؤازرتهم إلى أن يتحقق نصرهم وهو قريب وفي سبيل ذلك أصدرت القانون رقم 255 لسنة 1955 بالنظام الأساسي لقطاع غزة وقد نصت المادة الأولى من النظام الدستوري المذكور على ما يلي :
قطاع غزة جزء لا يتجزءا من ارض فلسطين وشعبها جزء من الأمة العربية.
كما نصت المادة الثانية على ما يلي :
يشكل الفلسطينيون في قطاع غزة اتحادا قوميا يضم الفلسطينيين أينما كانوا, هدفه الأساسي العمل على استرداد الأرض المغتصبة من فلسطين والمساهمة في تحقيق رسالة القومية العربية وينظم الاتحاد القومي بقرار من الحاكم العام.
أما في القانون النظامي فان مصادر القوانين الفلسطينية فقد تغيرت بحسب الإدارات المتتالية على فلسطين وقد كان مصدر القوانين للدولة العثمانية مأخوذ عن مجلة الإحكام العدلية أما مصدر القوانين في ضل الانتداب البريطاني كان يصدر بقرارات صادرة من المندوب السامي منها قانون تقييد الاجارات ومن تم توالت الإدارة المصرية وقد تم تطبيق قانون العقوبات المصرية على فلسطين وتوالت الإدارة الاسرائيلة وأبقت على القوانين المجلة العدلية وقوانين العقوبات المصري وأضافت عدد من القوانين صدر على صيغة قرارات تتنسب مع سياستها في فلسطين منها قانون التأمينات دون التخلي عن المجلة العدلية كمصدر أساسي للقوانين الفلسطينية وحيث أن جميع الإدارات المتخلفة المذكورة أعلاه بمصادرها لم تلغى المجلة العدلية كمصدر رئيسي للقوانين الفلسطينية.


المطلب الثاني
القضاء في عهد السلطة الفلسطينية
تمهيد:
بعد مجيء السلطة الفلسطينية عام 1994 وبعد انتخاب المجلس التشريعي بدا العمل على وضع قوانين جديدة قضائية تتناسب مع الحياة الفلسطينية الجديدة حيث نص القانون الأساس للمادة 97 على أن السلطة القضائية مستقلة وتتولاه المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وحدد القانون طريقة تشكيلها واختصاصاتها وتصدر أحكامها وفقا للقانون وتعلن الأحكام وتنفذ باسم الشعب العربي الفلسطيني ثم في سنة 2002 تم أقرار قانون السلطة القضائية حيث نصت المادة السادسة منه على بيان أنواع المحاكم ودرجاتها في فلسطين وفي سنة 2001 تم تطبيق قانون تشكيل المحاكم في فلسطين.
أولا: المحاكم الشرعية والدينية وينضمها القانون
ثانيا: المحكمة الدستورية العليا وينضمها القانون.
ثالثا: المحاكم النظامية وتتكون من :-
أ‌-       محكمة النقض.
ب‌-  محكمة العدل العليا
2-    محاكم الاستئناف
3-    محاكم البداية
4-    محاكم الصلح
وتنظر كل منها في المسائل التي ترفع إليها طبقا للقانون.
المطلب الثالث للمحاكم الشرعية والمحاكم الدينية:
الفرع الأول: المحاكم الشرعية:
تنقسم المحاكم الشرعية في فلسطين بحسب درجات التقاضي إلى قسمين:
أ‌-       المحاكم الابتدائية: وهذه المحاكم قديمة موجودة منذ العهد العثماني ولم يتغير عليها شي سوى تقليص اختصاصاتها إذ أن المحاكم الشرعية في العهد العثماني وحتى أواخره كانت صاحبة الاختصاص العام بل والوحيدة في جميع المنازعات إن لم يكن ثمة محاكم أخرى . وبالنظر عن اختصاصاتها وقد نصت المادة الخامسة من قانون أصول المحاكمات الشرعية رقم 12/1965 والمطبق إلى الان في المحكم الشرعية الابتدائية وتفصل في المسائل المتعلقة :
1-    تحويل المسقفات والمستغلات الوقفية إلى أجارتين وربطها بالمقاطعة والتولية والحقوق التي أسست بعرف خاص في الأوقاف الصحيحة كالرقبة وشروط الوقف ومشد المسكة والقيمة والفلاحة ويستثنى من ذلك دعاوى التصرف بالاجارتين والمقاطعة.
2-    مداينة أموال الأوقاف والأيتام التي جرت بحجة شرعية .
3-    الولاية والوصاية والإرث.
4-    الحجر وفكه واثبات الرشد.
5-    نصب وصي القاضي ومتولي لوقف والقيم على الغائب وعزلهم.
6-    المفقود .
7-    الدعاوى المتعلقة بالنكاح والافتراق والمهر والنفقة والنسب والحضانة وتحرير التركات الموجبة للتحرير وتقسيمها بين الورثة وتعين حصص الورثة الشرعية والدعاوى المتعلقة بالتركة المنقولة والدية والارش وإنشاء الوقف والدعاوى المتعلقة بالصحة الوقفية.
ونصت المادة السادسة من نفس القانون على أن المحاكم الشرعية تأذن للولي والوصي والقيم والمتولي ومدير الأوقاف ومن في حكمهم في الخصومات المبينة في هذا القانون وتسجيل الوصية والوقفية على أصولها وتسجيل الوكالة بالإجراءات والدعاوى التي تقام فيها خاصة.
وهذه المحاكم ينظر فيها قاضى منفرد وقد يتعدد القضاة في نفس المحكمة بحسب حاجة المحكمة ولأكن كل قاضي ينظر قضاياه استقلالا وعدد هذه المحاكم عشر محاكم.
ب‌-  محكمة الاستئناف:
وهي محكمة أعلى بدرجة من المحكمة الابتدائية وتنظر في القضايا التي ترفع إليها من المحاكم الابتدائية الشرعية وقد نص قانون أصول المحاكمات الشرعية في لمادة 12 يجوز استئناف الأحكام والقرارات الصادرة من المحاكم الشرعية الفاصلة في موضوع الدعوى والقرارات الفاصلة في موضوع صلاحية المحكمة وكذلك نصت المادة 13 الأحكام الصادرة على القصر وفاقدي الأهلية وعلى الوقف ترسلها المحكمة الابتدائية بعد فوات ميعاد الاستئناف إلى محكمة الاستئناف الشرعية لتدقيقها ولو لم يستأنف الخصم ويوقف تنفيذ هذه الإحكام حتى تحكم فيها محكمة الاستئناف وكذلك ترفع قضايا الافتراق بين الزوجين والنسب إلى محكمة الاستئناف وتتكون هذه المحكمة من الرئيس وعضوين وعدد هذه المحاكم في غزة اثنتين محكمة الاستئناف الشرعية بغزة والهيئة الثانية في مدينة خانيونس.
ج- المحكمة العليا الشرعية:
وهذه المحكمة تعمل منذ سنة 2003 بموجب قرار رئيس السلطة الفلسطينية بإنشاء المجلس الأعلى للقضاء الشرعي والمحكمة العليا بتاريخ 25/06/2003م والمرسوم الرئاسي رقم 16/2003 المؤرخ في 19/09/2003م والمنشور في الوقائع الفلسطينية العدد 47 وتتشكل هذه المحكمة من هيئتين برئاسة قاضي القضاة على أن يكون مقر انعقدا الهيئة الأولى القدس والثانية مدينة غزة ولكل هيئة نائب للرئيس يتولى رئاسة المحكمة حال غياب رئيس المحكمة وتؤخذ قرارات المحكمة بالأغلبية وفي حال التساوي يرجح الجانب الذي فيه الرئيس وتتكون في الغالب من رئيس وأربعة أعضاء ولا يجوز بأقل من أربعة وتختص هذه المحكمة بحسب ما نصت عليه المادة التاسعة من نظام المحكمة العليا على التالي:
ترفع محاكم الاستئناف الشرعية إلي المحكمة وجوباً الأحكام القطعية الصادرة عنها لتدقيقها قانوناً على:ـ
بيت المال والأحكام التي تمس بيت المال كالحكم بالوصية أو الميراث وما يتفرع عنها والوقف بجميع أنواعه الخيري والذري سواء أكانت مرتبطة بدوائر الأوقاف أم يديرها متول بصور مستقلة, والأحكام الصادرة على الصغار وفاقدي الأهلية والأحكام الصادرة بفسخ عقد الزواج لفساده أو بطلانه ودعاوي النسب والحجز وفي المال الذي يرد وزارة الأوقاف إذا لم يوجد وارث للميت وعلى أموال الصغار وفاقدي الأهلية وثبوت الزوجية بين الحي والميت والحكم بالردة وبالدية.
1.  ولا يجوز تنفيذ هذه الأحكام قبل تأييدها من قبل المحكمة ويشترط في ذلك أن لا يكون الخصوم قد رفعوا هذه الأحكام إلي المحكمة خلال المدة المعينة لذلك وفصلت المحكمة فيها
2.     ترفع طلبات الحجج التالية إلي المحكمة لتدقيقها حتى تصبح قابلة للتنفيذ:ـ
·        الطلبات المتعلقة باستبدال الوقف.
·        الطلبات المتعلقة بالوصية المحبوسة للخيرات.
·   الطلبات بإعطاء الإذن بالقسمة الرضائية, إذا كانت القسمة متعلقة بمال يعود لوقف أو لصغير أو غائب أو فاقد الأهلية.
وتشمل طلبات الإذن بالقسمة والتخارج بين الورثة على تركة متوفى إذا كان بين المتخارجين شخص قاصر أو فاقد الأهلية.
3 . المعاملات التي على القاصرين وفي أموالهم والغائبين وفاقدي الأهلية.
4. الإبراء من نفقة القاصر أو التعهد بحضانته إذا كانت الحاضنة متبرعة بذلك.
5. إقرار الولي والوصي بالغلط في عقد إبرامه بولايته أو بوصايته على القاصر سري إقراره على ذلك القاصر.
6. الإذن للأولياء والأوصياء وللمتولين على الوقف.
7. محاسبة الأولياء والأوصياء والقوام.
8. التصادق على الزواج إذا كان أحد طرفيه أجنبياً.
9. الموافقة على القرارات الصادرة عن مؤسسة تنمية وإدارة أموال الأيتام (مجلس الأيتام) بخصوص تنمية أموال الأيتام.
الفرع الثاني: المحاكم الدينية:
وهذه المحاكم تنظم العمل والاختصاصات والطوائف المسيحية وتختص بجميع مسائل الأحوال الشخصية الخاصة بالمسيحيين الارثدوكسية وقد عمل بهذا القانون في أول كانون الثاني 1955.


المطلب الرابع :المحكمة الدستورية:-
أنشئت هذه المحكمة في سنة 2006 قانون رقم (3) بعد أقراره بالمجلس التشريعي في جلسة 27/12/2005م حيث تشكل هذه المحكمة ونصت المادة (4,3,2,1) على ما يلي:-
1- تنشأ بمقتضى أحكام هذا القانون محكمة دستورية عليا، وهي هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها في فلسطين، ويشار إلها فيما بعد بالمحكمة.
2- يكون مقر المحكمة في مدينة القدس، وللمحكمة أن تتخذ لها مقراً مؤقتاً في مدينة رام الله وفي مدينة غزة حسب مقتضى الحال.
تؤلف المحكمة من رئيس ونائب له وسبعة قضاة، وتنعقد هيئة المحكمة من رئيس وستة قضاة على الأقل، وتصدر قراراتها بالأغلبية.
يرأس جلسات المحكمة رئيسها أو نائبه في حال خلو منصبه أو غيابه أو وجود مانع لديه في جميع اختصاصاته ثم الأقدم من الأعضاء.
يشترط فيمن يعين عضواً بالمحكمة أن تتوافر فيه الشروط العامة اللازمة لتولي القضاء طبقاً لأحكام قانون السلطة القضائية، على ألا يقل عمره عن 40 عاماً ويكون من بين الفئات الآتية:
1- أعضاء المحكمة العليا الحاليون والسابقون ممن أمضوا في وظائفهم خمس سنوات متصلة على الأقل.
2- رؤساء محاكم الاستئناف الحاليون ممن أمضوا في وظائفهم سبع سنوات متصلة.
3- أساتذة القانون الحاليون أو السابقون بالجامعات الفلسطينية أو الجامعات المعترف بها في فلسطين ممن أمضوا في وظيفة أستاذ خمس سنوات متصلة على الأقل، أو أستاذ أمضى عشر سنوات متصلة على الأقل.
4- المحامون الذين مارسوا مهنة المحاماة خمس عشرة سنة متصلة على الأقل.
تختص المحكمة دون غيرها بما يلي كما نصت عليه المادة (24):-
1- الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة.
2- تفسير نصوص القانون الأساسي والقوانين في حال التنازع حول حقوق السلطات الثلاث وواجباتها واختصاصاتها.
3- الفصل في تنازع الاختصاص بين الجهات القضائية وبين الجهات الإدارية ذات الاختصاص القضائي.
4- الفصل في النزاع الذي يقوم بشأن تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين صادر احدهما من جهة قضائية أو جهة ذات اختصاص قضائي والآخر من جهة أخرى منها.
5- البت في الطعن بفقدان رئيس السلطة الوطنية الأهلية القانونية وفقاً لأحكام البند (1/ج) من المادة (37) من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003م، ويعتبر قرارها نافذاً من تاريخ مصادقة المجلس التشريعي عليه بأغلبية ثلثي عدد أعضائه.

المطلب الخامس: أ- محكمة النقض:
لم تعرف القوانين السابقة في فلسطين هذا الطريق غير العادي من طرق الطعن في الأحكام النهائية تحت هذا المسمى (النقض) رغم أنها كانت تعطي الحق للمحكوم عليه في الحكم الصادر من محاكم الصلح في دعاوى الحقوق في رفع استئناف أمام المحكمة العليا لاستئناف الحكم الصادر من المحكمة المركزية (البداية) بصفتها الاستئنافية شريطة الحصول على إذن بالاستئناف من المحكمة المستأنف إليها ، فيكون التقاضي في هذه الدعاوى قد جرى على ثلاثة مراحل ، أما في الدعاوى الأخرى كالأحكام الصادرة من محاكم الصلح في دعاوى الأراضي وكذلك الأحكام الصادرة من المحاكم المركزية سواء كانت في دعاوى حقوقية أم أراضي أم غيره فإنها لم تكن تخضع لأي طريق من طرق الطعن بعد أن ألغي نظام مجلس الملك (البريطاني) الخاص الذي كان يجيز سماع هذا الاستئناف استثناءً وضمن قيود وأحكام خاصة .
أن توجه المشرع الفلسطيني إلى تشريع هذا الفصل في القانون الجديد جاء تلبية للحاجة والتطور اللذان واكبا ميلاد هذا القانون خاصة وأن هذا القانون قد نحا منحى القانون المصري في معظم مواده وفلسفته مع إجراء بعض التعديلات التي تلاءم النظام القضائي السائد في فلسطين وكذلك العرف القضائي وما استقر عليه العمل في المحاكم النظامية في فلسطين.
ليس الهدف من وجود محكمة النقض جعل التقاضي على ثلاث درجات ، لأن التقاضي أصلا على درجتين فقط ، فمحكمة النقض لا تبحث ذات النزاع وإنما هي تراقب صحة تطبيق القانون الموضوعي أو الإجرائي على النزاع وبالتالي فان الهدف منها هو تقرير وتطبيق المبادئ القانونية السليمة على النزاع المعروض أمامها دون أن تنظر موضوع النزاع .
محكمة النقض هي محكمة واحدة فقط تنعقد برئاسة رئيس المحكمة العليا وأربعة قضاة وهذا ما يجعلها أن تكون الأداة الوحيدة لتوحيد تفسير القانون وتطبيقه ، وبهذا يتوحد القانون المطبق في المحاكم النظامية.
اختصاصات محكمة النقض : عينت المادة (30) من قانون تشكيل المحاكم هذه الاختصاصات على النحو التالي :
1) الطعون المرفوعة إليها من محاكم الاستئناف في القضايا الجزائية والمدنية ومسائل الأحوال الشخصية لغير المسلمين.
2) الطعون المرفوعة إليها من محاكم البداية بصفتها الاستئنافية.
3) المسائل المتعلقة بتغيير مرجع الدعوى تعادل المادة (51) من القانون موضوع هذه الدراسة .
4)أية طلبات ترفع إليها بموجب أي قانون أخر ، مثال ذلك طلب الرد إذا كان المطلوب رده رئيس محكمة الاستئناف أو قاضيا في محكمة النقض.
بالرجوع إلى المادة (226) من هذه الأصول نجد أنها جعلت الاختصاص منعقداً لمحكمة النقض في أي حكم نهائي دون اشتراط أن يكون هذا الحكم صادراً عن محكمة الاستئناف أو البداية ، وذلك علاجاً للطعن بالنقض في الحكم النهائي الصادر عن محكمة الصلح في دعوى لا تزيد قيمتها على ألف دينار أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً (فقرة 1/39) إذا توفر احد سببين:-
1-إذا وقع بطلان في الإجراءات أثر في الحكم .
2- إذا تناقض الحكم المطعون فيه مع حكم سابق حاز قوة الأمر المقضي فيه وصدر بين الخصوم أنفسهم وبذات النزاع.
أسباب الطعن بالنقض : الطعن بالنقض طريق غير عادي يوجب توفر احد العيوب التي نص عليها القانون حصراً وتحديد هذه العيوب التي أصابت الحكم المطعون فيه ، فلا يكفي ذكر هذه العيوب بصيغة عامة بل يجب تحديدها وقد ميز المشرع في بيان هذه الأسباب بين نوعين من الأحكام طبقا لمدلول نص المادتين (225 و 226) ، فالمادة خلصت إذا تعارضت مع قوانين أعلى منها مرتبة أو إذا تعددت التشريعات أو تناقضت وذلك لتتمكن من أداء واجبها.
ب- محكمة العدل العليا:
اختصاص محكمة العدل العليا في ظل القانون الجديد والقوانين المكلمة له:
حددت المادة (284) من هذا القانون نوعية الطلبات التي تدخل في اختصاص هذه المحكمة بالطلبات الآتية :-
1-     الطعن في القرار الإداري الصادر من أحدى المرافق العامة .
2-     الطعن في رفض الإدارة أو امتناعها عن إصدار القرار لصالح المستدعي (المدعي).
3-     الطلبات المتعلقة بأوامر الإفراج عن الأشخاص الموقوفين بوجه غير مشروع وهذه الطلبات تقدم بغض النظر عن الميعاد إذ المهم أن يقدم الطلب خلال مدة التوقيف ( الحبس غير المشروع).
يضاف إلى ذلك الطلبات التي تقدم للاعتراض على قرارات قاضي التنفيذ ( الإجراء) باعتبارها قرارات إدارية أما المادة (33) من قانون تشكيل المحاكم رقم 5 لسنة 2001 فقد حددت اختصاصات هذه المحكمة بما يأتي :-
1-     الطعون الخاصة بالانتخابات وهذه الطلبات لم تذكر في القانون محل الدراسة .
2-     الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بإلغاء اللوائح أو الأنظمة أو القرارات الإدارية النهائية الماسة بالأشخاص أو الأموال الصادر عن أشخاص القانون العام بما في ذلك النقابات المهنية .
3-  الطلبات التي هي من نوع المعارضة في الحبس التي يطلب فيها إصدار أوامر الإفراج عن الأشخاص الموقوفين بوجه غير مشروع.
4) المنازعات المتعلقة بالوظائف العمومية من حيث التعيين أو الترقية أو العلاوات أو المرتبات أو النقل أو الإحالة أو التأديب أو الاستيداع أو الفصل، وسائر ما يتعلق بالأعمال الوظيفية.
5) رفض الجهات الإدارية أو امتناعها عن اتخاذ أي قرار كان يجب اتخاذه وفقاً لأحكام القوانين أو الأنظمة المعمول بها.
6) سائر المنازعات الإدارية.
7) المسائل التي ليست قضايا أو محكمات بدل مجرد عرائض أو استدعاءات خارجة عن صلاحية أي محكمة تستوجب الضرورة الفصل فيها تحقيقاً للعدالة.
8) أية أمور ترفع إليها بموجب أحكام القانون.
وقد أناطت المادة (38) من قانون تشكيل المحاكم بهذه المحكمة صلاحية الفصل مؤقتاً في المنازعات الإدارية والدستورية العليا لحين تشكيلها بقانون، كما تجسد هذا النص في المادة (83) من قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002م وحيث نصت هذه المادة على "تتولى المحكمة العليا مؤقتاً كل المهام المسندة للمحاكم الإدارية والمحكمة الدستورية العليا لحين تشكيلها ما لم تكن داخلة في اختصاص جهة قضائية أخرى وفقاً للقوانين النافذة"، كما نصت على ذلك المادة (95) من القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية.
24- الشروط اللازم توفرها لقبول الطلب:
1) الميعاد القانوني: نصت الفقرة (1) من المادة (284) على أن الميعاد القانوني لتقديم الطلب هو ستون يوماً من تاريخ نشر القرار الإداري المطعون فيه أو تبليغه إلى صاحب الشأن وفي حالة رفض الإدارة أو امتناعها عن اتخاذ أي قرار يبدأ الميعاد من تاريخ انقضاء ثلاثين يوماً على تقديم الطلب إليها.
2) توكيل محامي مزاول: اشترطت الفقرة (1) من المادة (285) لسماع الطلب أن يكون مقدماً من محام مزاول، ويكون التوكيل موقعاً من المستدعي أو أحد أقاربه حتى الدرجة الرابعة من الطلبات المعلقة بالحقوق والحريات الأساسية (فقرة 2) يذكر أن هذا الشرط لم يكن مطلوباً في ظل القانون السابق كذلك الحال بالنسبة لميعاد القانوني لم يكن يشترط مدة معينة، ولكن القضاء استقر على مدة ستة أشهر من تاريخ القرار حتى يستقر العمل بالقرارات الإدارية.
3) أن يكون سبب الطعن متعلقاً بواحد أو أكثر مما يلي:
أ. الاختصاص.
ب. ودود عيب في الشكل.
ت. مخالفة القوانين أو اللوائح أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها.
ث. التعسف أو الانحراف في استعمال السلطة على الوجه المبين في القانون 84.
هذا ويترتب على عدم مراعاة هذه الشروط القضاء برفض الطلب لأنها شروط متعلقة بالنظام العام الذي يجيز للخصم طلب رد الطلب كما تملك القضاء به من تلقاء نفسها.

المطلب السادس: محكمة الاستئناف:-
توجد في محافظة غزة محكمة استئناف فقط وتتشكل هيئة المحكمة من ثلاثة قضاة برئاسة أقدمهم وتنعقد بصفتين بصفة محكمة استئناف في القضايا  الجزائية ومحكمة استئناف في القضايا المدنية وتنظر في الاستئنافات المرفوعة إليها بشأن الإحكام والقرارات الصادرة عن محاكم البداية بصفتها محكمة أول درجة أو اى استئناف يرفع إليها بموجب اى قانون أخر.
المطلب السابع: محكمة البداية:-
وهي محكمة تنظر في القضايا التي لا تختص فيها محكمة الصلح وتكون أعلى اختصاصا منها وتتكون من رئيس وعدد من القضاة وتنشا هذه المحاكم في مراكز المحافظات ويجوز أن ينظر فيها قاضي منفرد بما لا يزيد عن مائة ألف دينار أردني فان زاد عن هذا القدر فينظرها ثلاثة قضاة ويكون أقدم قاضي في المحكمة هو رئيس الجلسة ويوجد في غزة هيئتين وهيئه في دير البلح وأخرى في خانيونس.
المطلب الثامن: محكمة الصلح :-
وهي محكمة تختص بقضايا بسيطة مدنية وجزائية وتتكون من قاضي منفرد وتوجد في دائرة كل محكمة بداية محكمة صلح أو أكثر حسب الحاجة ويصدر بتحديد مقرها دوائر اختصاصها بقرار من وزير العدل وما يخرج من اختصاصاتها يدخل في اختصاص محكمة البداية ويجوز أن تعقد محاكم الصلح جلساتها في أي مكان يدخل في دائرة اختصاصها للضرورة بقرار يصدر عن رئيس محكمة البداية وقد تتكون المحكمة من قاضي أو عدى قضاة ينظر كل واحد منهم في قضاياه والمقدار القيمي لهذه المحكمة لا يتجاوز عشرة الإلف دينار أردني وعدد هذه المحاكم في غزة ست محاكم.


الخلاصة والتوصيات:
أولا:الخلاصة:-
القضاء هو التزام المتخاصمين والناس جميعا بالحكم الشرعي وتنفيذه عليهم .
القضاء مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
تولي القضاء فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن بعضهم الأخر.
نصب القاضي فرضا لأنه ينتصب لإقامة أمر مفروض وهو القضاء.
للقضاء مكانة عظيمة وهو من ضروريات الحكم بأمور الدين ومصلحة الأمة تقتضي وجوده.
شروط القاضي: أن يكون ذكرا حرا بالغا عاقلا مسلما عدلا متكلما سميعا بصيرا عالما مجتهدا.
آداب القضاء: أن يقضي وهو مستقر النفس مطمئن البال ولا يقضي وهو غضبان أو جوعان أو ضجر أو قلق أو حانق وان يكون عفيفا أمينا.
أول قاضي بالإسلام هو الرسول صلى الله عليه وسلم فقد تولى القضاء بنفسه وكذلك الصحابة رضي الله عنهم من بعده والتابعين وغيرهم.
القضاء ثلاثة أنواع وهو القضاء العادي والقضاء المستعجل (قضاء الحسبة) وقضاء المظالم.
القضاء العادي ينظر في الخصومات العادية وله السلطة المطلقة في ض الخصومات وفق أحكام الشرع فيما يختص بولايته والحسبة (القضاء المستعجل) ينظر في فض المنازعات المتعلقة بالنظام العام والجنايات أحيانا مما يستدعي الفصل فيها بسرعة.
شروط المحتسب: أن يتصف بالإيمان والعدالة والتكليف والعلم بإحكام الشريعة والورع وحسن الخلق.
مهمات المحتسب: كانت في صدر الإسلام قليله ثم توسعت لتشمل الإشراف على الأسواق ومراقبة المكاييل والأوزان ومنع الغش والتدليس والاحتكار ومراقبة الخبازين والجزارين والمعلمين والأطباء والأئمة والوعاظ والمأذيين وإلزام الناس بالآداب العامة وغيرها.
قضاء المظالم:هي السلطة القضائية العليا التي تنظر في المظالم الواقعة على الإفراد من ذوي النفوذ والسلطان في الدولة.
أول من تولى قضاء المظالم الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك الخلفاء الراشدين وتولاها على بن اى طالب رضي الله عنه ثم في العهد الأموي الملك عبدالملك بن مروان وغيرهم.
مهمة ولاية المظالم: كثيرة منها تعدي الولاة على الرعية وجور العمال في ما يجنونه من أموال وأعمال كتاب الدولة وتضلم العاملين في الدولة على الموظفين وغير ذلك.





ثانيا:التوصيات:-
1-العمل على التوعية القضائية في المجتمع
2-الاهتمام بالقضاء لأهميته ومكانته في المجتمع والعمل على استقلال
3-العمل على إيجاد منظومة قضائية تنظم عمل المحاكم بجميع أنواعها وعمل الهيكلية التنظيمية.
4-دراسة قوانين الدول الإسلامية التي تطبق الشريعة الإسلامية في أي جانب من جوانبها.
5-عمل القوانين اللازمة والمستمدة من الفقه الإسلامي في جميع مناحي الحياة والتي تتناسب مع المجتمع الفلسطيني.
6-الاهتمام بالدراسات القانونية لكل جوانب الحياة كدراسة القانون التجاري والبحري وغيره وإضفاء الدراسة الشرعية عليه.
7-الاهتمام بالدارسين في جميع مجالات القانون.
8-جمع أهل الاختصاص من الشرعيين والقانونيين وغيرهم وإشراكهم في الدراسات التي يحتاج إليها المجتمع.
9-تفعيل دور محاكم المظالم كالتي كانت عليه في العصر الإسلامي وبما يتلاءم مع عصرنا الحالي. 10-الاهتمام بالقضاء المستعجل (الحسبة) بحيث يشمل جميع مناحي الحياة كالصحة والتعليم والأوقاف والأسواق وغير ذلك.
11- الاهتمام بالقاضي المتخصص حيث التوجه السائد لهذا عالميا لسرعة الفصل في القضايا.
12- عقد الندوات والدورات التدريبية لسقل قدرات ومهارات القضاة.
13- اخذ الخبرات من المجتمعات المجاورة في مجال القضاء وتبادل الأفكار.
14- توظيف عدد كافي من القضاة يتناسب مع حجم القضايا المرفوعة أمام المحاكم لتحقيق العدالة.
15- إنشاء نادي القضاة ليجمع جميع القضاة والنيابة.    

تعليقات