القائمة الرئيسية

الصفحات

حماية الملكية الفكرية

حماية الملكية الفكرية

حماية الملكية الفكرية 




جامعة الأزهر
مركز صالح عبد الله كامل
للاقتصاد الإسلامي

حماية الملكية الفكرية
– أ.د. محمد عبد الحليم عمر

القسم الأول: المفاهيم الأساسية لقضية حماية الملكية الفكرية:
تبدأ القضية من أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وميزه بالعقل والقدرة على التفكير والابتكار وسخر لـه الكون من أجل إعمار الأرض، ومنذ القدم يستخدم الإنسان جهده البدنى والعقلى فى ذلك، وإذا كان الجهد البدنى مازال ثابتاً عند حدود معينة فإن الجهد العقلى لا حدود لـه تمكَّن الإنسان بواسطته من مضاعفة القدرة الإنتاجية لـه أضعافاً كثيرة رغم ثبات جهده البدنى، بل إن الحضارات الإنسانية قديماً وحديثاً شاهده على أن العلم واستخدام نتائجه فى التطبيق كان الأساس لقيام هذه الحضارات، وإذا كان موضوعنا هو حماية الملكية الفكرية فإن لذلك صلة كبيرة بالعلم والتكنولوجيا ونوضح هذه المفاهيم والارتباط بينها فى الآتى:
-    العلم، وهو كل إدراك ومعرفة يفيد الإنسان توفيقاً فى القيام بمهته الكبرى الملقاه على عاتقه وهى عبادة الله وإعمار الأرض.
-    البحث العلمى: وهو الجهد الإنسانى المنظم للوصول إلى أفكار جديدة تساعد على فهم الكون وما فيه ويمكن استخدامها لنفع الناس.
-    أما التكنولوجيا: فهى المعرفة الجديدة الناتجة عن البحث العلمى التى أمكن استخدامها فى التطبيق العلمى لتطوير الإنتاج والخدمات، وفى تعريف آخر هى استخدام نتائج البحث العلمى ممثلة فى الابتكارات الجديدة لتطوير الإنتاج والعمل فى شتى المجالات.
-    والملكية الفكرية: تعنى الحقوق الأدبية والمالية للإنسان فى ما ينتجه من أفكار أو مبتكرات جديدة قابلة للتطبيق والانتفاع بها واستغلالها فى تطوير الحياة ورقيها.
-    والحماية المقررة لها: ضمان استفادة صاحبها بالعائد المادى منها ومنع الغير من استخدامها دون الترخيص أو شراء حق استخدامها من صاحبها، إلى جانب حماية الحق المدنى فى نسبتها إليه.
-    أما اتفاقية حماية حقوق الملكية الفكرية فهى إحدى اتفاقيات الجات وهى تمثل تدويلاً للحماية بعد أن كانت محلية ، أو فى صورة اتفاقيات دولية جزئية تقوم عليها منظمة خاصة تعرف (بالويبو) ولقد بنيت الاتفاقية مجالات وعناصر الملكية الفكرية فى الآتى:


أولاً: المجال الاقتصادى ويطلق عليه أيضاً «الملكية الصناعة» وعناصره تتنوع بين ما يتصل بالإنتاج سواء من حيث المنتجات أو طرق الإنتاج أو وما يتصل بالتسويق.

فالعناصر المتصلة بالإنتاج هى كل من:
         1 – التصميمات الصناعية: ويقصد بها النماذج المبتكرة لبعض المنتجات.
2 – براءات الاختراع: ويقصد بها المخترعات المتصلة بالمنتجات من السلع أو العمليات الصناعية أو طرق التصنيع فى كافة ميادين التكنولوجيا.
أما العناصر المتصلة بالتسويق فتتمثل فى كل من:
3 – العلامات التجارية: وهى العلامات التى تستخدم لتمييز السلع والخدمات ا لتى تنتجها منشأة ما عن غيرها سواء كانت فى صورة اسم تجارى أو رسم معين أو مجموعة ألوان.
4 – المؤشرات الجغرافية: وهى الأسماء التى تشير إلى موطن إنتاج سلعة ما فى بلد معين وتكون شهرة هذه السلعة سواء من حيث نوعيتها أو جودتها مرتبط بهذه البلاد مثـل «صنع فى اليابان» بخصوص الأجهزة الكهربائية أو السيارات.

ثانياً: المجال الثقافى والفنى والمعلومات: وتسمى حقوق الملكية الأدبية والفنية وتتمثل عناصرها فى كل من الآتى:
5 – حقوق المؤلف والحقوق المتعلقة بها: وتتمثل فى المصنفات التى تحمل الأفكار الإبداعية سواء كانت فى صورة كتب أو أفلام سينمائية أو مواد تلفزيونية وإذاعية أو تسجيلات صوتية ومرئية إلى جانب برامج الكمبيوتر.
         6 – الدوائر المتكاملة: ويقصد بها المنتجات التى تؤدى وظيفة إلكترونية.
7 – المعلومات غير المنشورة (السرية) سواء كانت تتعلق بأعمال تجارية أو سياسية.

هذه هى المفاهيم الأساسية المتصلة بالموضوع ومجالات الملكية الفكرية وعناصرها كما وردت بالاتفاقية الدولية.

القسم الثانى: الإسلام وحماية حقوق الملكية الفكرية: ونتعرف عليه إيجازاً فى الآتى:

أولاً: إذا كانت الملكية الفكرية هى نتاج العلم والبحث العلمى فإن موقف الإسلام من العلم واضح بما لا يدعو إلى تكرار، لكنى أود الإشارة إلى معنى جدير بالإشارة إليه وهو أنه إذا كان العلماء يرون أن مخزون العلم الذى أودعه الله الإنسان لا نهائى، فإن جميع التكليفات الإسلامية للإنسان لها حدود يجب أن لا يزيد الإنسان عنها حتى فى الطاعات مثـل الصلاة والصيام والصدقة ما عدا العلم وذكر الله، فليس لهما حد معين فيقول رب العزة ﴿وقل رب زدنى علما﴾ ويقول سبحانه ﴿واذكروا الله ذكراً كثيرا﴾.
ثانياً: إذا كانت التكنولوجيا التى هى نتاج البحث العلمى وأساس الملكية الفكرية مقيدة باستخدام نتاج البحث العلمى فى التطبيق لتطوير الإنتاج بمعنى أنها تمثل الانتفاع بنتائج البحث العلمى، فهذا ما يؤكد عليه الرسول r فى تقييد العلم بأن يكون نافعاً فى قولـه صلى الله عليه وسلم «اللهم أنى أسألك علماً نافعاً».
ثالثاً: إذا كانت الملكية الفكرية تحقق مصالح الناس بجلب المنافع لهم ودرء المفاسد لهم ممثلة فى استخدام المبتكرات السابق الإشارة إليها فى تطوير الإنتاج وترقيته وعلاج الأمراض، فإنها بذلك تسير فى مقصود الشريعة الإسلامية الأساسى وهو تحقيق مصالح الناس.
رابعاً: إن شريعة الإسلام فى مقراراتها جاءت لحفظ الحقوق وتحقيق العدل ومنع الاعتداء على حقوق الآخرين، وبالتالى فإن حماية حقوق الملكية الفكرية مطلب شرعى.
خامساً: لقد أقر الإسلام الحق الأدبى للملكية الفكرية أى ضرورة نسبة الأفكار والأعمال العلمية لأصحابها وأشهر مثال على ذلك موضوع الإسناد فى الحديث النبوى.
سادساً: نأتى إلى نقطة أساسية وهى هل للملكية الفكرية حق مالى يتطلب الحماية؟ ربما يقول البعض أن نشر العلم ونتائجه عمل من أعمال الطاعات التى لا يأخذ الإنسان أجراً عليها، ومنع هذا العلم كتمان لـه حذر الرسول r منه فى قولـه: «من كتم علماً جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار» وهذا التحذير لا يعنى عدم أخذ حق مالى عليه، فالاحتكار وإن كان محرماً إلا أن الإسلام لم يقرر أخذ مال المحتكر مجاناً وإنما إجباره على البيع بثمن المثل، والأدلة على أن الإسلام يقر الحق المالى للملكية الفكرية عديدة منها ما يلى:
1 – أن للملكية الفكرية منافع، والمنافع أموال وبالتالى فللملكية الفكرية حق مالى.
2 – الرسول r جعل مهر الزوجة تعليم الزوج لها بعض آيات القرآن الكريم، والمهر مال.
3 – يستحق الإنسان شرعاً أجراً على جهده البدنى إذا عمل لدى غيره، فأولى أن يكون لـه حق مالى على جهده العقلى.

القسم الثالث: الوضع التكنولوجى فى العالم وأثار إصدار اتفاقية ومشروع قانون حماية الملكية الفكرية عليه:

إن اتفاقية التربس ومشروع القانون المصرى صدرا لحماية الممتلكات الفكرية بعناصرها السابق الإشارة إليها، فهل توجد فى مصر ممتلكات فكرية تتطلب الحماية؟ وهل ستؤدى الاتفاقية ومشروع القانون إلى تزايد الممتلكات الفكرية فى مصر؟ هذا ما نتعرف عليه فى الفقرات التالية:
أولاً: أهداف اتفاقية حماية الملكية الفكرية: لقد حددت المادة (7) من اتفاقية التربس الهدف منها إجمالاً فى أنها تعمل على تشجيع روح الابتكار التكنولوجى، ثم نقل وتعميم التكنولوجيا بما يحقق المنفعة المشتركة لمنتجى المعرفة التكنولوجية ومستخدميها بالأسلوب الذى يحقق الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية والتوازن بين الحقوق والواجبات.
ومن الجدير بالذكر أن كل دولة من دول العالم يوجد لديها قانون محلى لحماية بعض جوانب الملكية الفكرية بالإضافة إلى وجود اتفاقيات دولية عديدة لحماية الملكية الفكرية أيضًا فى بعض المجالات وكانت تدار هذه الاتفاقات من خلال منظمة الملكية الفكرية (المعروفة بالويبو) التى كانت موجودة قبل منظمة التجارة العالمية والجديد هو تدويل عملية حماية الملكية الفكرية بعدما ظهر عدم كفاية الآليات لمنظمة الويبو لإحكام السيطرة على عمليات التقليد التى اتسعت عن طريق قيام بعض المنتجين فى الدول بإنتاج سلع مقلدة تحت اسم علامات تجارية معروفة ومشهورة أو تقليد إنتاج لبلد يتميز إنتاجه بالجودة العالية ويباع فى الأسواق المحلية والعالمية مما أدى إلى منافسة السلع الأصلية والتأثير على مبيعاتها.

ثانياً: الوضع التكنولوجى العالمي: إذا نظرنا إلى الوضع التكنولوجي والاقتصادي العالمي سنجد ما يلي:
أ ـ أن 90% من إمكانيات البحث العلمي والتطوير لإنتاج تكنولوجيات جديدة مركزة في الـ 35 دولة المتقدمة التي يمثل سكانها 25% من سكان العالم ، بينما الدول النامية التي يتمثل سكانها في 75% من سكان دول العالم لا يملكون سوي 10% من إمكانيات البحث العلمي.
ب ـ يقوم الإنتاج في الدول المتقدمة على التكنولوجيا بنسبة 80% ، والباقي 20% تمثل في عناصر رأس المال والعمالة والموارد الطبيعية، بينما يقوم الإنتاج في الدول النامية على 20% تكنولوجيا، 80% رأس مال وعمالة وموارد طبيعية.
جـ ـ الإنفاق على البحث والتطوير ( التكنولوجيا ) في الدول المتقدمة يمثل نسبة من 2% إلى 4% من الناتج القومي الإجمالي، بينما لا يتعدي الإنفاق على البحث العلمي والتطوير في الدول النامية 0.3% مع مراعاة أن الناتج القومي يزيد كثيراً في الدول المتقدمة عن الدول النامية.
د ـ نسبة العلماء العاملين في مجال التكنولوجيا إلى مجموع تعداد السكان في حدود 100 عالم لكل مليون من السكان في الدول النامية، بينما يبلغ 6250 عالم لكل مليون من السكان في الدول المتقدمة.
هـ-  75% من عدد الطلاب في الدول النامية يدرسون في كليات نظرية، 30% في كليات عملية، بينما الأمر في الدول المتقدمة 67% في الكليات العملية، 33% في الكليات النظرية.
وـ صادرات العالم العربي تتكون من 89% موارد أولية، 11% سلع صناعية بينما تستورد 74% سلع صناعية، 26% مواد أولية، ومن المعروف أن السلع الصناعية تحتاج إلى تكنولوجيا أكثر.
ز ـ متوسط عدد براءات الاختراع المسجلة في مصر على سبيل المثال في العام حوالي 437 براءة منها 25 براءة لمصريين والباقي 412 لأجانب، بينما عدد براءات الاختراع في إحدى الدول المتقدمة وهي اليابان تزيد على 147000 براءة في نفس العام
ح ـ تعمل الدول المتقدمة علي جذب الكفاءات العلمية من الدول النامية للهجرة إليها.

         ومن ذلك يظهر أن الدول المتقدمة هي التي تملك التكنولوجيا وبالتالي فإن الاتفاقية تعمل على حماية ممتلكاتها الفكرية على مستوي العالم.

ثالثاً: الأثر المتوقع للتشريعات الدولية والمحلية لحماية الملكية الفكرية: في ضوء ما سبق يمكن القول أن الآثار المتمثلة لهذه التشريعات تتلخص فيما يلي:
أ ـ حماية حقوق الملكية الفكرية للأجانب داخل الوطن لأنهم الأكثر امتلاكاً للمنتجات التكنولوجية.
ب ـ إذا قال البعض أنه إنه كانت مصر فقيرة في مجال الملكية الصناعية فإنها غنية في مجال الملكية الأدبية والفنية خاصة فيما يتصل بالكتب والأفلام السينمائية والتسجيلات الصوتية التى تنتج الكثير منها وتصدره للدول العربية، فإن سوق هذه المنتجات محدودة بالدول العربية، كما أنه أخيراً فى ظل الهجمة الثقافية الأجنبية التى صاحبت العولمة أصبحت مصر مستوردة للكثير من الكتب والأفلام والأغانى الأجنبية مما يجعل الميزان التجارى الفنى ليس لصالحها.
جـ - سوف تعمل الاتفاقية على تكريس الفجوة التكنولوجية بين الدول المتقدمة والدول النامية، لأنه إذا كانت هذه الفجوة متسعة فى ظل عدم الحماية للملكية الفكرية للأجانب، فإنها ستزيد اتساعاً فى ظل الحماية.
د – سوف تعمل الاتفاقية على وجود احتكار تكنولوجى من قبل الدول المتقدمة يعمل على ارتفاع تكلفة نقل التكنولوجيا للدول النامية وبالتالى تقليل فرص الحصول عليها، وإذا كانت الاتفاقية فى البند 2 من المادة 8 قد أجازت اتخاذ تدابير لمنع حائزى حقوق الملكية الفكرية من إساءة استخدامها، أو منع اللجوء إلى ممارسات تسفر عن تقييد غير معقول للتجارة، أو تؤثر سلباً على نقل التكنولوجيا بين الدول، فإن المادة (40) من الاتفاقية أشارت إلى بعض هذه التدابير بشكل يدخل الدول النامية فى مفاوضات شاقه لن تحصل منها على نتيجة كما أثبت الواقع فى قضايا الإغراق وغيرها.

 

الخلاصـــة

تبين من العرض السابق أن حماية الملكية الفكرية أمر واجب شرعاً وعقلاً، وإن أى تشريع لتنظيم ذلك مطلوب، لكن المشكلة أن التشريعات المعروضة تتعامل مع القضية من النهاية وتقترض وجود توجد ممتلكات فكرية فى الدول النامية تتطلب الحماية، والواقع يؤكد أن الدول المتقدمة هى التى لديها الممتلكات الفكرية، وبالتالى فهذه التشريعات لمصلحتها أولاً ضمن الأساليب التى تفرضها على العالم فى ظل العولمة، ولذا فإنه يجب أن نتعامل مع القضية من بدايتها بكسر حاجز التخلف التكنولوجى عن طريق تشجيع البحث العلمى، وتفعيل دور الجامعات ومراكز البحوث فى الوصول إلى بحوث تطبيقية والعمل على نشرها والاستفادة منها، والعمل على تشجيع الهجرة المعاكسة لعلمائنا فى الخارج، وكيفية مكافحة الاحتكار التكنولوجى الذى ستمارسه الدول المتقدمة علينا فى ظل الاتفاقية.

تعليقات