القائمة الرئيسية

الصفحات

الإقــــــــــرار

الإقــــــــــرار

الإقــــــــــرار



المطلب الأول
الإقــــــــــرار


تعريف الإقرار في اللغة :
الإقرار لغة : من أقرّ بالحق إذا اعترف به ، وأذعن له ، وهو إثبات الشيء ، والاعتراف به ضد الجحود والنكران([1]) .

تعريف الإقرار في الاصطلاح :
للفقهاء في تعريف الإقرار اصطلاحاً عبارات متعددة نختار منها ما ذكره صاحب الإقناع لو جازته وشموله ؛ حيث قال :  (( هو إظهار مكلف مختار ما عليه لفظاً ، أو كتابة ، أو إشارة )) ([2]) .


* * *


المطلب الثاني :مشروعية الإقرار


الإقرار هو سيد الأدلة ، حيث لا عذر لمن أقر ، وقد جاءت نصوص التشريع من الكتاب والسنة والإجماع بإيضاح ذلك كما يلي :

فمن الكتاب :
1-                قوله تعالى : (( وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً ))([3]).
2-       وقوله تعالى : (( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين )) ([4]) .
3-       وقوله تعالى : (( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون )) ([5]) .
4-                وقوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم )) ([6]).
ومن السنة :
1-        ما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – قال : (( أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في المسجد ، فناداه فقال : يا رسول الله إني زنيت ، فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات ، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه صلى الله عليه وسلم فقال : أبك جنون ؟ قال : لا ، قال : فهل أحصنت ؟ قال : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اذهبوا به فارجموه )) متفق عليه([7]).
2-       وما رواه أيضاً أبو هريرة – رضي الله عنه – أن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله ، فقال الآخر ، وهو أفقه منه : فاقض بيننا بكتاب الله ، وائذن لي ، فقال : قل ، قال : إن ابني كان عسيفاً على هذا ، فزنى بامرأته ، فأخبروني أن على ابني الرجم ، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة ، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وأن على امرأة هذا الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، الوليدة والغنم رد عليك ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها )) ([8]) متفق عليه .
3-                وعن عمران بن حصين([9]) – رضي الله عنه – أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا ، فقالت : يا رسول الله أصبت حداً فأقمه عليّ ، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال : أحسن إليها ، فإذا وضعت فأتني بها ، ففعل ، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشدت عليها ثيابها ، ثم أمر بها فرجمت ، ثم صلى عليها )) رواه مسلم([10]) .

وأما الإجماع :
فقد حصل الاتفاق على قبول الإقرار ، وأنه حجة على المقر حيث عمل به الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا ، ولم ينكر ذلك أحد ، فكان إجماعاً([11]).

* * *


المطلب الثالث :
أركان الإقرار وأهم شروطه
 

أركان الإقرار أربعة هي :
1-       الصيغة : وهي لفظ ، أو ما يقوم مقامه ، يدل على توجه الحق قبل المقر ، ولا خفاء بصرائح ألفاظه مثل أقر وأعترف ، ويقوم مقام اللفظ الإشارة والكتابة والتصديق([12]) .
2-       المُقِرُ : وهو من صدر منه الإقرار على نفسه ، ويشترط فيه أن يكون بالغاً([13])، عاقلاً ، مختاراً ، غير متهم ، فإن أقرَّ على نفسه وهو على هذه الحال لزمه ما أقرَّ به([14]).
3-       المقر له : وهو من أقر له بالحق ، ويشترط فيه أن يكون ممن يثبت له الحق فيكون أهلاً للاستحقاق حالاً أو مآلاً ، وأن لا يكذب المقر في إقراره([15]).
4-       المقر به : وهو الحق الذي يذكره المقرّ ، ويشترط أن لا يكون محالاً عقلاً أو شرعاً ، وأن يصح أن يقضى به([16]).
* * *

المطلب الرابع
الأحكام المترتبة على الإقرار إجمالاً

1-       الإقرار إذا صدر عن المقر مكتمل الشرائط ، فإنه يكون لازماً ، وهو أبلغ من الشهادة ، لأنه قول للمرء على نفسه ، فيكون أوجب من دعواه على غيره([17]) .
2-       إذا وجد الإقرار منتفياً عن الشبهة ، فإنه لا يقبل رجوع المقر عن إقراره الذي صدر منه إلا فيما كان حداً لله تعالى يدرأ بالشبهة، ويحتاط لإسقاطه ، فإنه يقبل فيه الرجوع ، وأما سائر الحقوق التي لله أو لعباده ، فإنه لا يقبل فيها الرجوع عن الإقرار([18]) .
3-       الإقرار حجة مقصورة على المقر ، لا يتعداه إلى غيره ، فإن أقر عن غيره لم يقبل إقراره منه ولا يكون لازماً كإقراره في عبد زيد أنه لعمرو ، فلا يقبل إقراره ، ويكون شاهداً لغيره([19]).
4-       إذا وجد الإقرار من المقر ، فإنه يؤخذ كاملاً بجميع جزئياته ، ولا يترك بعضه ، وذلك لأن الإقرار لا يقبل التبعيض([20])، كما لو أقر بأن في يده دابة ، ولكنها آيلة له بالشراء ، وليست مستولدة في ملكه ونحو ذلك .



المبحث الثاني

الكـــــــــــــــــــــــــتابة

وتحته مطلبان :

المطلب الأول :

تعريف الكتابة .
المطلب الثاني :

مشروعية الكتابة .

المطلب الأول
تعريف الكتابة


الكتابة في اللغة :
هي الخط ، يقال خط بالقلم أي كتب ، واستكتب الشيء : سأله أن يكتبه له ، وهي تصوير اللفظ بحروف هجائه([21]).

والكتابة في الاصطلاح :
(( هي الخط الذي يعتمد عليه في توثيق الحقوق ، وما يتعلق بها ، مرجع إليه عند الإثبات )) ([22]).

* * *


المطلب الثاني
مشروعية الكتابة


لقد اختلف الفقهاء في حكم الاعتماد على الكتابة ، وهل نعتبر طريقاً من طرق الإثبات التي يتوصل بها القاضي إلى الحق ؟ على قولين([23])، هما :
القول الأول : إن الكتابة يعتمد عليها في توثيق الحقوق والقضاء ، ويعمل بها ، وتعتبر طريقاً من طرق الإثبات ، وبه قالت المالكية – رحمهم الله – ،
وهو رواية عند الإمام أحمد([24]) – رحمه الله – ، واستدلوا :
  بقوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ...الآية )) ([25]) .
فهذه الآية جاءت بالأمر بالكتابة وهذا دليل على اعتبارها دليلاً لما تضمنته .
وبما رواه ابن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين ، وله شيء يريد أن يوصي فيه ، إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه )) متفق عليه([26]) .
وهذا حث على كتابة الوصية ، وأن المكتوب كافٍ لإثباتها ، والاعتماد على ما تضمنته .
القول الثاني : إن الكتابة لا يعتمد عليها في توثيق الحقوق والقضاء ، ولا يعمل بها ، ولا يعتبر طريقاً من طرق الإثبات ، وهو لجمهور الفقهاء([27]).
واستدلوا بما يلي :
1-       أن الخطوط يشبه بعضها بعضاً ، ويصعب التفريق بينها ، حتى إن الناظر إليها يظن أنها خط شخص واحد والواقع غير ذلك ، وهل كانت فتنة عثمان([28]) – رضي الله عنه – في قتله ، وانقسام المسلمين بعده إلا بسبب الخط عندما صنعوا مثل خاتمه ، وكتبوا مثل كتابته([29]).
2-                أن الإنسان قد يكتب للتسلية ، ولتحسين الخط ، فلا يمكن الاعتماد عليها والحال كذلك .
3-       أنه لم يرد نص في الكتاب والسنة يدل على اعتبار الكتابة طريقاً من الطرق المثبتة للحق ، واعتبارها هو اعتبار بما لم يرد الشر عبه ، وهذا باطل([30]).

الترجيح :
الراجح من القولين هو القول الأول ، وذلك لتواتر الأدلة المثبتة لمشروعية العمل بالكتابة ولإمكانية مناقشة ما أورده أصحاب القول الثاني بما يلي:
أولاً : أن التشابه ليس حجة لمنع العمل بالخط ، لأن التشابه يحصل في الخط وفي غيره كالأقوال والصور ونحو ذلك ، فلا يكون التشابه سبباً لإسقاط العمل بالكتابة .
ثانياً : أن الأجهزة الكاشفة للتزوير والتقليد التي ظهرت في وقتنا الحاضر أظهرت قدرة كبيرة على إظهار المحاكاة للخطوط ، وتأريخ تحريرها في أدق صورة ، مما يعجز الوصف عن ذكره([31]).
ثالثاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عمل بالكتابة ، وجعلها طريقاً للتخاطب مع الملوك في الدعوة ، والصلح والمعاهدات ، والإقطاع ، وقد تواترت الأدلة على إثبات العمل بالكتابة ، ومن ذلك ما تم إيراده من دليل لأصحاب القول الأول([32]).
رابعاً : أن ما يصدر عن المرء يؤخذ عنه ، ويؤخذ به ، ولا أهمية للتعلل ، وإلا لما استقام أمر .



المبحث الثالث
الشـــــــــــــــــــــــــهادة




وتحته أربعة مطالب هي :

المطلب الأول :

تعريف الشهادة .
المطلب الثاني :

مشروعية الشهادة .
المطلب الثالث :

شروط الشهادة .
المطلب الرابع :

مراتب الشهود .


المطلب الأول
تعريف الشهادة

الشهادة لغة :
هي الحضور ، ومنه قوله تعالى : (( فمن شهد منكم الشهر فليصمه )) ([33])، فشهد بمعنى حضر ، والشاهد يحضر مجلس القضاء لأداء الشهادة .
والشهادة خبر : ومنه الشاهد عند الحاكم : أي بيّن ما يعلمه وأظهره ، والشاهد العالم الذي يبين ما علمه([34]).

واصطلاحاً :
قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه الحكم بمقتضاه إن عدل قائله مع تعدده ، أو حلف طالبه([35]).
وبعبارة أخرى الشهادة هي : إخبار صدق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القاضي([36]).

* * *


المطلب الثاني
مشروعية الشهادة

الشهادة هي من أقوى البيانات ، فلقد اتفق العلماء على العمل بها ، والاعتماد عليها في التقاضي ، وقد جاءت نصوص التشريع من الكتاب والسنة موضحة أهمية الشهادة آمرة بها في كثير من الأحوال ، ومن ذلك
ما يلي :
فمن الكتاب :
قوله تعالى : (( واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا .... وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد ... الآية )) ([37]) .
وقوله تعالى : (( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه )) ([38]).
وقوله تعالى : (( وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله )) ([39]).
فهذه الآيات تدل على الأمر بالإشهاد على البيع ، والمداينة ، والرجعة في العدة ، أو على استمرار الطلاق ، وتنهى عن كتمان الشهادة ، ولولم تكن الشهادة مشروعة لإثبات الحق أمام القضاء لما أمر الله بها([40]).
ومن السنة :
ما رواه الأشعث بن قيس([41]) – رضي الله عنه – قال : كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شاهداك أو يمينه )) قلت : إنه إذاً يحلف ، ولا يبالي ..... الحديث )) متفق عليه([42]).
وما رواه وائل بن حجر([43]) – رضي الله عنه – قال : جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي : يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي كانت لأبي ، فقال الكندي : هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحضرمي : ألك بينة ؟ قال : لا قال فلك يمينه ... الحديث )) رواه مسلم([44]).
فهذا طلب من النبي صلى الله عليه وسلم للمتخاصمين بأن يحضر المدعي الشهود على ما يدعي به ، وأن حضورهم قاطع للنزاع ، فاصل للخصومة ، فدل على اعتبارها.

الإجماع :
وقد حصل الإجماع من الأمة على مشروعية الشهادة ، وأنها حجة شرعية يعتمد عليها في القضاء ، وهي طريق من طرق الحكم ، ولم يخالف في ذلك أحد([45]). فكانت الشهادة مشروعة بمقتضى نصوص التشريع الظاهرة الدالة على العمل بالشهادة ، واتخاذها طريقاً لحفظ الحقوق ، ودفع التظالم، وإظهار الحق ، وسهولة الوصول إليه، فإذا وجدت الشهادة المظهرة للحق المستوفية للشروط ، فإنه يجب العمل بها .

* * *



المطلب الثالث
شروط الشهادة


لقد ذكر أهل العلم للشهادة شروطاً متعلقة بالشاهد ، وبما يشهد به ، ويشهد عليه وله ، ...... الشهادة ، وأجمل ذكر هذه الشروط فيما يلي :
1-                أن يكون الشاهد عاقلاً ، فلا تقبل شهادة من ليس بعاقل إجماعاً([46]) .
2-       أن يكون مسلماً ، فلا تقبل شهادة الكافر، واستثنى بعض أهل العلم شهادة الكافر في الوصية في السفر إذا لم يكن غيره([47]).
3-       أن يكون الشاهد بالغاً ، فلا تقبل شهادة صبي لم يبلغ عند الجمهور، وفي رواية عند الحنابلة أن شهادتهم تقبل في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحالة التي تجارحوا عليها([48]).
4-       أن يكون الشاهد عدلاً ، فلا تقبل شهادة الفاسق ([49])، والعدالة تكون ظاهراً وباطناً ، وهي استواء أحواله في دينه ، واعتدال أقواله وأفعاله ، ويعتبر لها شيئان : الصلاح في الدين ، واستعمال المروءة([50]).
5-                أن يكون الشاهد متيقظاً ، حافظاً لما يشهد به ، فإن كان مغفلاً أو معروفاً بكثرة الغلط لم تقبل شهادته([51]).
6-       انتفاء الموانع من الشهادة التي تمنع تحققها أو قبولها([52])، والموانع مثل : قرابة الزوج والزوجية ، ومن يجر إلى نفسه نفعاً ، أو يدفع عن نفسه ضرراً ، أو العداوة([53]).
7-       أن تكون الشهادة بلفظها عند أداء الشهادة ، فيقول : أشهد أنه أقر بكذا ، ونحوه([54]) . وقيل : إن الشهادة تصح بأي لفظ يدل عليها ، ولا يشترط لها لفظ معين بذاته([55]).

* * *


المطلب الرابع
مراتب الشهود

مراتب الشهود في الشهادة إحدى عشرة مرتبة ، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام هي كما يلي([56]):
أولاً : من تقبل شهادتهم بدون تزكية ، وهم :
1-                الشاهد المبرز في العدالة ، العالم بما تصح به الشهادة .
2-                الشاهد المبرز في العدالة ، غير العالم بما تصح به الشهادة .
3-                الشاهد المعروف بالعدالة ، وبما تصح به الشهادة .
4-                الشاهد المعروف بالعدالة ، غير العالم بما تصح به الشهادة .
5-                الشاهد المعروف بالعدالة .
ثانياً : من تقبل شهادتهم بعد تزكيتهم ، وهم :
1-                الشاهد الذي يتوسم فيه العدالة .
2-                الشاهد الذي لا يتوسم فيه العدالة ، ولا الجرح .
3-                الشاهد الذي يتوسم فيه الجرح .
4-                الشاهد الذي ثبت عليه جرحة قديمة .
ثالثاً : من لا تقبل شهادتهم ، ولا يزكون ، وهم :
1-                الشاهد المقيم على الجرحة المشهود بها .
2-                شاهد الزور .





المبحث الرابع

اليمــــــــــــــــــين



وتحته أربعة مطالب :


المطلب الأول :

تعريف اليمين .
المطلب الثاني :

أدلة مشروعية اليمين .
المطلب الثالث :

الشروط المعتبرة في اليمين .
المطلب الرابع :

الأحكام المتعلقة باليمين .




المطلب الأول
تعريف اليمين

تعريفها لغة :
اليمين في لغة العرب تطلق على عدة معانٍ ، فيقال لليد اليمنى : اليمين، ويقال للقوة : اليمين ، ويقال للحلف والقسم : اليمين ، وهذا المعنى الأخير هو المراد عند الفقهاء مع إضافة بعض القيود ، وسمي الحلف يميناً لأنهم كانوا يبسطون أيمانهم إذا تحالفوا ، وتعاقدوا ، وتبايعوا([57]).

تعريفها اصطلاحاً :
اليمين هي توكيد الحكم بذكر معظم على وجه مخصوص([58]).

* * *


المطلب الثاني
أدلة مشروعية اليمين

اليمين طريق من طرق الإثبات المهمة التي يلجأ إليها عند العجز عن إقامة الأدلة ، أو إتمامها ، وهي من الطرق المتفق على العمل بها ، والاعتماد عليها في التقاضي ، وحال التخاصم ، وقد جاءت نصوص التشريع من الكتاب والسنة موضحة ذلك كما يلي :
فمن الكتاب :
قوله تعالى : (( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر غليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم )) ([59]).
وقوله تعالى : (( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ))([60]).
وقوله تعالى : (( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ))([61]).
فهذه الآيات دلالتها واضحة في إثبات مشروعية اليمين والعمل بها .
ومن السنة :
ما رواه ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ، ولكن اليمين على المدعى عليه )) رواه مسلم([62]).
وعنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : (( قضى باليمين على المدعى عليه )) رواه مسلم([63]).
فهذه الأحاديث تدل على توجه اليمين على المدعى عليه في التقاضي عند انتفاء البينة وعدم قيامها .
والإجماع :
فقد أجمعت الأمة على التحليف في الدعاوى من لدن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا الحاضر مما يدل على مشروعيتها وثبوت أحكامها([64]).

* * *


المطلب الثالث
الشروط المعتبرة في اليمين

يشترط لصحة اليمين شروطاً تتعلق بذات اليمين ، وبمن طلبها ، وبالحالف ، وبالمحلوف عليه ، ويمكن إجمال هذه الشروط كما يلي :
1-       أن تصدر هذه اليمين من بالغ عاقل مختار ، فلا تصح اليمين من الصبي أو المجنون أو المكره لفقدهم أهلية الحلف([65]).
2-       أن تكون اليمين باسم من أسماء الله تعالى ، أو بصفة من صفاته ، فلا تقبل اليمين بغير ذلك كالحلف بمخلوقات الله ونحوه ، ولا تنعقد اليمين بذلك([66]).
3-       أن يطلب الخصم يمين خصمه ، ويأذن القاضي بذلك ، ويوجه الحالف بالحلف وفق ما هو مراد منه الحلف عليه([67]).
4-                أن يؤدي اليمين من توجهت عليه اليمين ، ولا يحلف أحد عن غيره ، ولا تدخل اليمين النيابة([68]).
5-       أن تؤدي اليمين في مجلس القضاء أمام القاضي ، فإذا حلف خارج مجلس القضاء ، فإنه لا يرتب عليه حكم ما لم يكن الحالف عاجزاً عن الحضور، فإن للحاكم أن يستخلف من يسمع يمين الحالف منه([69]).
6-                ألا يكون المحلوف عليه حقاً لله تعالى محضاً كالحدود ، فإن الحدود لا تتوجه فيها اليمين([70]).
7-       أن تكون اليمين على حسب جواب الحالف ، ودعوى المدعي طالب اليمين ، فإن لم تكن كذلك ، فإنها لا تقبل ، لأنها غير مطابقة لما طلب منه الحلف عليه([71]).

* * *


المطلب الرابع
الأحكام المتعلقة باليمين إجمالاً

1) تغليط اليمين : إن اليمين تأتي على صيغة مجردة ، وهي الحلف بالله وتأتي مقترنة بأمر خارج عنها ، متصل بها ، من أجل تحقيق تمام الزجر عن التعدي ، والتمادي في الباطل ، والسعي لإظهار الحق، وبيانه ، وتغليظ اليمين يأتي على أوجه أظهرها ما يلي([72]):
         ‌أ-     التغليظ باللفظ : كالتغليظ بالحلف بالله وأسمائه وصفاته ، كأن يقول : والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، وكتكرار اليمين ، ونحو ذلك .
                   ‌ب-          التغليظ بالزمان : كالتغليظ بالحلف بعد صلاة العصر ، وبين الأذان والإقامة ، ونحو ذلك .
                   ‌ج-          التغليظ بالمكان : كالتغليظ بالحلف في المسجد ، أو بين الركن والمقام ، ونحو ذلك .
        ‌د-     التغليظ بالصفة : كالتغليظ بالحلف قائماً مستقبل القبلة ، ونحو ذلك ، وتغليظ اليمين جائز غير واجب من غير خلاف بين أهل العلم ، سواء كان التغليظ بالزمان ، أو المكان أو الألفاظ([73]).
2) الأصل في اليمين أنها مشروعة في جانب المدعى عليه ؛ إلا أنها تشرع في جانب المدعي في حالات معينة عند بعض الفقهاء ، كما في القسامة ، وكما إذا أحضر المدعي شاهداً ، واليمين التي يحلفها المدعي تعتبر طريقاً من الطرق التي تثبت بها الحقوق أمام القضاء، شأنها في ذلك شأن الشهادة ، والإقرار ونحو ذلك ، فاليمين المتممة للبينة ، ويمين الاستظهار ، ونحوها من الأيمان تكون للإثبات ، وتطلب من صاحب الحق لإقامة الحجة على إثبات استحقاقه لما يدعيه ويطالب به([74]).
3)  أن اليمين لا تدخلها النيابة ، فلا يحلف أحد عن غيره حتى لو كان هذا الغير فاقد الأهلية ، فلا يحلف عنه وليه([75]).
4)  إذا ردت اليمين على المدعي بعد نكول المدعى عليه ، فحلف اليمين المطلوبة ، وحكم القاضي بها ، فإنه لا يقبل من المدعى عليه أن يحلف مجدداً إذا رغب في ذلك؛ لأن الحكم قد تم فلا ينقض([76]).
5)  أن من حلف بالله ، وهو صادق وبار في يمينه فإنه لا إثم عليه في هذا الحلف ، وفعله هذا فعل مباح ، لأن الله تعالى شرع الحلف ، وهو سبحانه لا يشرع محرماً([77]).
6)  أن من توجهت عليه اليمين دون صاحبه، فنكل عنها وأبى الحلف ، فإنه يقضى عليه بنكوله عن اليمين المطلوبة منه([78]).
7)  لليمين فوائد ، منها :
1-                تخويف المدعى عليه سوء عاقبة الحلف الكاذب ، فيحمله ذلك على الإقرار بالحق .
2-       انقطاع الخصومة ، والمطالبة في الحال ، وتخليص كل من الخصمين من ملازمة الآخر ، ولكنها لا تسقط الحق ، ولا تبرئ الذمة ، باطناً ولا ظاهراً ، فلو أقام المدعي بينة بعد حلف المدعى عليه ، سمعت وقضي بها . كذا لو رُدت اليمين على المدعي، فنكل ، ثم أقام المدعي بينة ، سمعت وحكم بها.
3-                تعجيل عقوبة الكاذب المنكر لما عليه من الحق([79]).
8)  أن اليمين تكون على وفق نية المستحلف ، فإذا ادعى رجل على رجل حقاً ، فحلّفه القاضي ، فحلف وورى ، فنوى غير ما نوى القاضي ، انعقدت يمينه على ما نواه القاضي ، ولا تنفعه التورية ، وهذا مجمع عليه لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك )) رواه مسلم([80]).

* * *




المبحث الخامس

القــــــــــــــــــــــرائن



وتحته خمسة مطالب هي :


المطلب الأول :

تعريف القرائن .
المطلب الثاني :

مشروعية القرائن .
المطلب الثالث :

شروط القرائن .
المطلب الرابع :

أنواع القرائن وأقسامها.
المطلب الخامس :

الأحوال التي يقضى فيها بالقرائن.



المطلب الأول
تعريف القرائن

القرائن لغة :
القرائنُ جمعٌ مفرده : قرينة ، على وزن فعيلة بمعنى المفاعلة مأخوذة من المقارنة ، يقال: قرنتُ الشيء بالشيء : وصلته به ، والقرينُ الصاحبُ ، وقارنته قِراناً صاحبته([81]).

والقرينة اصطلاحاً :
(( هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً ، فتدل عليه ))([82]).

* * *



([1])    الصحاح 2/790 ، لسان العرب 5/84-88 ، مادة قرَّ .
([2])    الإقناع 4/456 ، وانظر شرح منتهى الإرادات 3/569 ، وحاشية ابن عابدين 8/350.
([3])    سورة البقرة ، الآية : 282 .
([4])    سورة آل عمران ، الآية : 81 .
([5])    سورة البقرة ، الآية : 84 .
([6])    سورة النساء ، الآية : 135 .
([7])    صحيح البخاري مع شرحه الفتح ، كتاب الحدود ، باب رجم المحصن 12/120 ، وصحيح مسلم بشرح النووي ، كتاب الحدود ، باب من اعترف على نفسه بالزنا 11/192 .
([8])    صحيح البخاري مع شرحه الفتح ، كتاب الحدود ، باب الاعتراف بالزنا 12/136 ، وصحيح مسلم بشرح النووي ، كتاب الحدود ، باب من اعترف على نفسه بالزنا 11/205.
([9])    هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي ، أبو نجيد ، أسلم عام خيبر ، وكان فاضلاً ، وقضى بالكوفة ، مات سنة 52 هجرية بالبصرة ، تقريب التهذيب 429 .
([10])    صحيح مسلم بشرح النووي ، كتاب الحدود ، باب من اعترف على نفسه بالزنا 11/204.
([11])    المغني 7/262 ، وكشاف القناع 4/291.
([12])    انظر : تبصرة الحكام 2/51 ، والمغني 7/336 .
([13])    ويستثنى من ذلك الصبي المأذون له ، فإنه يصح إقراره في قدر ما أذن له فيه ، انظر المغني 7/263.
([14])    انظر : المغني 7/262، 263 ، وتبصرة الحكام 2/53 .
([15])    انظر : المغني 7/266، وتبصرة الحكام 2/53 .
([16])    انظر: تبصرة الحكام 2/54-55 .
([17])    تبصرة الحكام 2/51 .
([18])    المغني 7/278 .
([19])    تبصرة الحكام 2/53 .
([20])    المغني 7/282 .
([21])    الصحاح 1/208 ، 3/1123 ، ولسان العرب 1/698 ، وتاج العروس 1/444 ، مادة : كتب .
([22])    وسائل الإثبات 417 .
([23])    تبصرة الحكام 1/356 ، والطرق الحكمية ص 207 .
([24])    هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ، يرجع نسبه إلى قبيلة بكر بن وائل ، كنيته أبو عبدالله ، من أئمة السلف المشهورين ، تفقه على جملة من العلماء ، منهم الإمام الشافعي، وابن عيينة ، وغيرهما ، وروى عن خلق كثير منهم الإمام البخاري والإمام مسلم والإمام أبو داود وغيرهم ، ابتلي في فتنة القول بخلق القرآن ، فصبر ، وأظهر الله به السنة ، ومن تصانيفه : المسند ، توفي سنة 241 هـ ، النعت الأكمل لأصحاب أحمد بن حنبل ص 31 ، وتذكرة الحفاظ للذهبي 2/431 .
([25])    سورة البقرة ، الآية : 282 .
([26])    صحيح البخاري مع شرحه الفتح ، كتاب الوصايا ، باب الوصايا ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ، وصية الرجل مكتوبة عنده 5/355 ، وصحيح مسلم بشرح النووي ، كتاب الوصية 11/74 .
([27])    فتح الباري 13/144 ، والمهذب 2/389 ، وتبصرة الحكام 1/440 ، وتكملة رد المحتار 11/114 ، والمغني 14/140-141 .
([28])    هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي ، أمير المؤمنين ، ذو النورين ، من السابقين الأولين ، والخلفاء الأربعة ، والعشرة المبشرين بالجنة ، استشهد سنة 35هـ ، وعمره ثمانون سنة ، تقريب التهذيب ص 385 .
([29])    فتح الباري 13/144 ، والمهذب 2/389 .
([30])    وسائل الإثبات ص 423-425 .
([31])    تعتبر الكتابة في وقتنا الحاضر من أبرز طرق الإثبات المنتشرة بين الأفراد والجماعات في تأصيل الحقوق وحفظها وذلك لتوسع شئون الحياة وتعامل الناس بما لا ينضبط الأمر معه إلا بالكتابة والتحرير .
([32])    انظر : زاد المعاد 3/688 وما بعدها في ذكر هديه صلى الله عليه وسلم في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 229 .
([33])    سورة البقرة ، الآية : 185 .
([34])    الصحاح 1/491 ، لسان العرب 3/239 ، القاموس المحيط 1/305 – 306 ، مادة : شهد.
([35])    شرح حدود ابن عرفه 2/582 .
([36])    تكملة حاشية ابن عابدين 11/77-78 .
([37])    سورة البقرة ، الآية : 282 .
([38])    سورة البقرة ، الآية : 283 .
([39])    سورة الطلاق ، الآية : 2 .
([40])    تفسير الطبري 3/123- 4/261، وتفسير ابن كثير 1/335-454 ، 4/379.
([41])    هو الأشعث بن قيس بن معدي كَرِب الكِندي ، أبو محمد ، الصحابي ، نزل الكوفة ، مات سنة 40 هجرية وعمره 63 سنة ، تقريب التهذيب ص 113.
([42])    صحيح البخاري مع شرحه الفتح ، كتاب الرهن ، باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه فالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه 5/145 ، صحيح مسلم بشرح النووي ، كتاب الأيمان ، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار 2/158 .
([43])    هو وائل بن حجر بن سعد بن مسروق الحضرمي ، صحابي جليل ، كان من ملوك اليمن، سكن الكوفة ، ومات في ولاية معاوية ، تقريب التهذيب ص 580.
([44])    صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الأيمان ، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار 2/159 .
([45])    المغني 14/123 ، 124 ، كشاف القناع 6/404 ، وشرح منتهى الإرادات 3/534.
([46])    المغني 14/145 – 146 ، والإقناع 4/436 ، وانظر بدائع الصنائع 6/164 ، والشرح الكبير للدردير 4/165 ، ومغني المحتاج 6/340 ، وروضة الطالبين 11/222.
([47])    انظر : المصادر السابقة .
([48])    المغني 14/146 .
([49])    المغني 14/147 .
([50])    الإقناع 4/437-438 .
([51])    المغني 14/149.
([52])    المغني 14/149 .
([53])    الإقناع 4/441 .
([54])    المغني 14/211 .
([55])    تبصرة الحكام 1/316- 317- 318 .
([56])    تبصرة الحكام 1/251-252 .
([57])    لسان العرب 13/461-462 ، القاموس المحيط 4/279 ، مادة : يمين .
([58])    كشاف القناع 4/135 ، منتهى الإرادات 4/207 ، وانظر شرح حدود ابن عرفة 1/206، فقد قال : (( إن اليمين قسم ، أو التزام مندوب غير مقصود به القربة )) .
([59])    سورة آل عمران ، الآية : 77 .
([60])    سورة المائدة ، الآية : 89 .
([61])    سورة النحل ، الآية : 91 .
([62])   صحيح مسلم بشرح النووي ، كتاب الأقضية ، باب اليمين على المدعى عليه 12/2 .
([63])    صحيح مسلم بشرح النووي ، كتاب الأقضية ، باب اليمين على المدعى عليه 12/3.
([64])    المغني 13/435.
([65])    الشرح الكبير 6/67 .
([66])    الشرح الكبير 6/69-311، والمغني 14/222.
([67])    تبصرة الحكام 1/223، وكشاف القناع 14/222.
([68])    الشرح الكبير 6/315، والمغني 14/233.
([69])    المهذب 2/141.
([70])    كشاف القناع 4/285 .
([71])    المغني 14/233 .
([72])    تبصرة الحكام 1/217-221، والمغني 14/224-228 .
([73])    المغني 14/227.
([74])    النظرية العامة لإثبات موجبات الحدود 1/137- 139 ، وأدب القضاء لابن أبي الدم 230-239-264.
([75])    المغني 14/233 .
([76])    المغني 14/235 .
([77])    المغني 14/230 .
([78])    الطرق الحكمية ص 112 .
([79])    الطرق الحكمية ص 112 – 133 .
([80])    انظر : صحيح مسلم بشرح النووي ، كتاب الأيمان ، باب اليمين على نية المستحلف 11/117-118.
([81])    الصحاح 6/2181-2182، ولسان العرب 3/336 ، والتعريفات ص 152.
([82])    المدخل الفقهي العام 2/914.

تعليقات