11.12.2019

التزوير بين السرقة وخدمة الثقافة أحمد راتب عرموش

التزوير بين السرقة وخدمة الثقافة أحمد راتب عرموش







التزوير بين السرقة وخدمة الثقافة

أحمد راتب عرموش
مدير دار النفائس – لبنان
عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين



يعاني قطاع النشر في الوقت الحاضر معوقات كثيرة تكاد تقضي على الكتاب الورقي، منها على سبيل المثال لا الحصر: الوضع الاقتصادي المتردي في البلاد العربية، والرقابات التي تعيق انتشار الكتاب، وانشغال وقت القارىء، وارتفاع كلفة انتاج الكتاب ونقله ومطل بعض المستوردين بتسديد ما عليهم، والتزوير والقرصنة اللذان سنحاول الاقتصار عليهما في هذا المقال.

التزوير:

التزوير هو تقليد الأصل من دون إذن صاحبه. وقد يكون عملة، أو صورة فنية مشهورة، أو سعلة، أو كتاباً، وهو المقصود في هذا المقام. فقد شاع تزوير الكتب بعد ظهور طابعة "الأوفست" التي كانت نعمة في البلاد الراقية، ونقمة في بلادنا، كي لا أقول نعمة على (الكفار!) ونقمة على المسلمين.

فأخذ المزورون يتصيدون الكتاب الناجح، ويطبعونه تصويراً مقلدين الأصل. ومستغلين اسم الناشر صاحب الحق، وموفرين حقوق التأليف والتنضيد والإخراج،.. أي يحصلون على الكتاب بنصف كلفة الناشر الأصلي، وبذلك يستطيعون تسويقه بأسعار أقل، وبربح أكثر.

وقد راجت عمليات التزوير في السبعينيات من القرن الماضي، وبدأت بالتراجع مؤخراً بعد ضعف سوق الكتاب الورقي وارتفاع التكاليف، ولكنها لم تتوقف وبخاصة في البلاد البعيدة عن موقع الناشر صاحب الحق، فهذه طبيعة السارق الذي يعمل في الظلام، والتخفي بالنسبة للمزور كاللص تماماً.




التزوير والسرقة:

وعمليات التزوير تطرح سؤالاً مهماً هو هل يعدُّ التزوير كما وصفناه سرقة؟ فإذا رجعنا إلى المعاجم وكتب الفقه نجد تعريف السرقة: أخذ الشيء من الغير خفية. أو: أخذ مال معين المقدار غير مملوك للآخر ولا حق له فيه من غير إذن صاحبه.

أما المال لغة: فهو ما ملكته من جميع الأشياء.

ولئن كان عند أهل البادية الأنعام من أغنام وإبل وبقر...، فهو عند أهل الحضر مصانع وعقارات وسيارات وكل ما تعارف الناس على أنه له قيمة ويباع ويشترى. ومن ذلك حقوق الابداع والاختراع والتأليف. ومن الملاحظ أن أسعار حقوق الاختراع أصبحت لا تقدر بثمن أحياناً، وتصرف الدول أموالاً طائلة لسرقتها، وبخاصة إن كانت تتعلق بمنتج عسكري سري، لهذا نستطيع تصنيف التزوير ضمن أنواع السرقة، وقد اعتمدت مختلف القوانين عقوبات رادعة للتزوير تفوق عقوبات السرقة أحياناً.

أما في الشريعة فلا ريب أن التزوير محرَّم، لأنه أخذ ما تعارف الناس على أنه مال، -كما ذكرناه- من دون وجه حق. ولأنه إضرار بالناس، والله عز وجل لا يغفر الاشراك به والاضرار بالناس. ولكنه لا يوجب من وجهة نظرنا قطع يد المزور بل يوجب التعزير الشديد.

وتبقى المشكلة الرئيسة عند الذين يبيحون التزوير شرعاً، وسنتطرق إلى تهافت آرائهم عند الحديث عن القرصنة فالذين يبيحون التزوير يبيحون القرصنة وهما متشابهان .

التزوير الذكي:

غالباً ما تنكشف عمليات التزوير، وبخاصة إن تضمَّن الأصل بعض اللمسات الفنية التي يعرفها أهل الصنعة. وبما أن القوانين تجرِّم التزوير، وعقوبته رادعة في بعض البلدان. لذلك يتذاكى بعض المزورين، فيلجؤون إلى طرق أكثر كلفة من التزوير الكامل، ولكنها لا تصل إلى كلفة الناشر الأصلي ويكون هذا النوع من (التزوير الذكي) في الكتب المحققة أو المترجمة من التي لا حقوق لها، كأن يأخذ المزور كتاباً مترجماً فيغيِّر في أسلوب الترجمة بتقديم أو تأخير بعض الألفاظ واستبدال بعض حروف الجر، أو تغيير كلمات بأخرى مرادفة، ومن دون اطلاع على الأصل أحياناً أو دفع تكاليف ترجمة.

ومن طرائق هؤلاء أن أحدهم عمد إلى التلاعب المذكور بكتاب مترجم نشرته وكتبت له خاتمة مطولة. فلم ينتبه إلى أن الخاتمة من تأليفي، فنشرها على أنها جزء من الكتاب. ولما نبهته إلى فعلته اعتذر وقال: إنه سيتلف الطبعة..، ولحسن اعتذاره وتهذيبه سمحت له ببيعها على أن لا يعيدها، ولكن الطبعة لم تنفد، لكثرة ما أعادها على ما أظن.

القرصنة:

للقرصنة تعاريف كثيرة، والمقصود هنا: عمد بعض الناس إلى انتقاء ثمرات دور النشر من الكتب ورفعه على مواقعهم من دون إذن أصحاب الحق. ومن الملاحظ أنهم يعطون هذه المواقع أسماء براقة، وقد تحمل طابعاً إسلامياً أو اجتماعياً مثل: المكتبة الوقفية – مقهى الكتاب – سوق عطاظ – نور... ويتيحون لكل القراء قراءة ما يرفعونه من كتب وطبعها والتصرف بها... وبعض هذه المواقع معروفة المكان والإدارة، وبعضها مجهول مكان التسجيل والإدارة عن عمد.




آثار قرصنة الكتب:

يرى بعض المقرصنين أن إتاحة الحصول على الكتاب وقراءته مجاناً لجميع القراء يساعد في نشر الثقافة ويخدم العلم والعلماء. ويقصد بعضهم أيضاً العمل لوجه الله تعالى وتحصيل الثواب! في حين لو أعمل هؤلاء عقولهم لتوصلوا إلى نتيجة معاكسة تماماً فهم يدمِّرون الثقافة ويقضون على الابداع. ولا يختلفون بعملهم هذا عن الارهابيين الذين يحلمون بالحور العين بينما هم في الواقع أدوات بأيدي مخابرات الأعداء...، وهم يسيؤون إلى أنفسهم وإلى الاسلام.

والوصف الحقيقي لهؤلاء المقرصنين أنهم معتدون على حقوق الآخرين. ولذلك تجرمهم القوانين. وتبقى الصعوبة في كشفهم وفي ملاحقة الذين يأخذون عنهم. فالشبكة عنكبوتية، وبمجرد وضع كتاب على أحد المواقع يسهل على جميع المواقع النسخ عنه، وهكذا ينتقل الكتاب من موقع إلى آخر. وهذا بالإضافة إلى وجودهم في دول غير دول المعتدى على حقوقه، وكلفة ملاحقتهم لا يستطيع تحملها المعتدى عليه ما يوجب على الدول والنقابات والاتحادات تولي هذه الملاحقة.

وبالإضافة إلى ضرورة الملاحقة القانونية يجب اقناع المقرصنين المتطوعين الذين يرجون الثواب ويظنون أنهم يخدمون الأمة أنهم في واقع الأمر يفسدون علومها ويسيؤون لمسيرة ثقافتها، وينطبق عليهم قول الشاعر في الفاسقة المتصدقة على الأيتام.

أمطعمة الأيتام من كدِّ فرجها                      الويل لك لا تزني ولا تتصدقي

وقد يقول قائل: إنكم تقسون على هؤلاء المقرصنين وهم حسنوا النية. والجواب إن حسن النية بعد التوضيح، وعدم الارتداع بعد التنبيه، يعني سوء النية لا حسنها، ويضاعف الجريمة. ولتوضيح أضرار قرصنة الكتب على صاحب الحق وعلى الثقافة نضرب مثلاً مؤلفاً جهد سنوات ليبدع كتاباً يتضمن موضوعاً مفيداً، ونشره ناشر مقابل مبلغ من المال دفعه للمؤلف، أو نسبة من أثمان المبيعات. وبعد صدور الكتاب قرصنه وأوقفه من لا يملكه، وأتاحه لجمهور القراء؛ فعندما يجده القراء متاحاً لهم مجاناً فلا ريب لن يشتروه من ناشره. ونتيجة لهذا لن يحقق الناشر ربحاً يمكنه من الاستمرار، وسيحجم عن المخاطرة بوجود حرامية الكتب الذين يتربصون به، وسيمتنع المؤلف والباحث عن الكد والعمل لانتاج بحث جديد. وهكذا يقضي على النشر بالتدريج، ويفتش المؤلفون عن مجال عمل جديد. فهل هكذا تتقدم الأمم والمجتمعات؟ وهل في السطو على حقوق الآخرين ثواب يرتجى؟ والغريب في الأمر أن الناس في الغرب أقل اعتداء على حقوق الآخرين من الناس في البلاد العربية وبخاصة في صفوف من يدعون التدين.

ومن الطريف أن هؤلاء يعتمدون على أحاديث شريفة بحسب ادعائهم، وعلى فتاوى مشايخهم. وقد راجعت ما استطعت ما ورد من أحاديث في هذا الموضوع فوجدت أحاديث كثيرة تحث على العلم والتعلم. ولكنني لم أجد حديثاً واحداً يؤيد وجهة نظر المزورين والمقرصنين.

وأما الحديث الوحيد الذي يعتمده بعضهم وهم مخطئون، والذي أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد فيقول: عن ابن عباس: "من كتم علماً يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار" قال: هي الشهادة تكون عند الرجل يدعى إليها أو لا يدعى، وهو يعلمها، ولا يرشد صاحبها إليها فهو هذا العلم. وهذا تفسير صحيح ومعقول وعلى افتراض عموم الحديث فهل الناشرون يكتمون العلم أم ينشرونه؟ إنهم يحاولون نشر العلم بكل ما أوتوا من إمكانات. وهم يدركون الحديث الشريف عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): "علم لا يقال به ككنز لا ينفق منه". أما المشايخ الذين قال لي أسماءهم أحد المقرصنين في جدال معه، فقد وجدتهم من الذين يكفرون من يقول بكروية الأرض، ويكذِّبون من يقول بنزول الإنسان على القمر(!) وأحدهم دخل في صراع مع ناشر حول حقوق تأليف كتبه. ولما لفت المقرصن إلى هذه المعلومات اقتنع بما قلته. فعسى أن يقتنع الآخرون.

إذاً الإسلام يحث على طلب العلم، ويحرم سرقة حقوق الآخرين. والناشرون يقومون بدور مهم في نشر العلم، والمقرصنون سارقون. وإن كانوا يريدون خدمة الثقافة فعلاً فالمجالات أمامهم كثيرة، والأبواب مشرعة، فبإمكانهم على سبيل المثال لا الحصر تصوير آلاف المخطوطات حبيسة المكتبات في مختلف أنحاء العالم، وإتاحتها للمحققين، وهذا يفعله بعضهم. وبإمكانهم أيضاً شراء حقوق نشر بعض الكتب المهمة من المؤلفين أو الناشرين، وعرضها للقراء مجاناً فتصل إلى الذين لا تصلهم الكتب... إلى غير ذلك من الوسائل التي يتيحها العلم الحديث. فينتقلون بذلك من خدمة أعداء الأمة وتنفيذ مخططاتها بغير علم إلى خدمتها والمساهمة في تقدمها.

وأختم برسالة توصية من عبد الحميد الكاتب إلى الكتاب اقتبستها من صبح الأعشى للقلقشندي عسى أن يستفيد منها الناشرون والمؤلفون، ويدركون أهمية دورهم في حياة الأمم. يقول: "أما بعد، حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفقكم وأرشدكم، فإن الله عز وجل جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين. ومن بعد الملوك المكرمين أصنافاً، وإن كانوا في الحقيقة سواءً، وصرَّفهم في صنوف الصناعات، وضروب المحاولات إلى أسباب معايشهم، وأبواب أرزاقهم، فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات أهل الأدب، والمروءة، والعلم، والرواية، بكم تنتظم للخلافة محاسنها، وتستقيم أمورها، وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم، وتعمر بلادهم. لا يستغني الملك عنكم، ولا يوجد كافٍ إلا منكم".






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق