10.25.2019

التمويل بعقد المضاربة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة مسألة ضمان المضارب

التمويل بعقد المضاربة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة مسألة ضمان المضارب







التمويل بعقد المضاربة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة مسألة ضمان المضارب





التمويل بعقد المضاربة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة : مسألة ضمان المضارب
إعداد:
أ.د. أشرف بن محمد هاشم[1]ولقمان الحكيم بن حسين[2]
الأكاديمية العالمية للبحوث الشرعية (إسرا) ، ماليزيا
المقدمة
قد أفرطت الصيرفة اليوم في استخدام صيغ المداينة في تمويل عملائها ، وغالبا عن طريق بيع السلع ، وذلك مبنية على عقد التورق أو في بعض الأحيان على عقد العينة. ويرى الباحث بأن العقدين وإن كانا جائزين[3] فهما داخلان تحت الحيل المشروعة أو ما يسميه البعض بالمخارج الشرعية. وذلك لوجود علامات الحيل فيهما  كما وضَّحه ابن تيمية رحمه الله: "وجماع الحيل نوعان: إما أن يضموا إلى أحد العوضين ما ليس بمقصود أو يضموا إلى العقد عقدا ليس بمقصود."[4] ففي التورق، نتعامل في المبيع الذي لا يحتاج إليه البائع ولا المشتري، وأما في العينة قد تمت إضافة شرط ليس بمقصود ، وإن وجد ضمنيا ، وهو أن يبيع المشتري المبيع إلى البائع الأول.
فننظر إلى العقد الذي يدخل تحت الحيل المشروعة كمخرج مؤقت[5] يتم تطبيقه تحت ظروف معينة والتي قد تمنع من تطبيق العقود الخالية من عناصر الحيل. فعلى المؤسسات المالية الإسلامية والأطراف ذات الصلة أن يبادروا بأخذ الخطوات اللازمة لإزالة المعوقات الموجودة حتى نستطيع أن نقدم منتجات تمويلية على صيغ المشاركة كعقد المضاربة.
وسيأخذ هذا البحث دراسة –كنموذج- صنف واحد فقط من عملاء التمويل وهو الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم وسننظر إلى ما هي المعوقات من تقديم التمويل إليها من خلال عقد المضاربة وسوف نحلل الإشكالات ونقدم الاقتراحات في نهاية البحث.



تعريف وطبيعة المنشآت الصغيرة والمتوسطة
في ماليزيا ، قد أخذ المجلس الوطني للمنشآت الصغيرة والمتوسطة بماليزيا(NSDC) بعض العوامل ، من ضمنها عدد العمال ومبلغ رأس المال في تصنيف الشركات تحت صنف المنشآت الصغيرة والمتوسطة ، والخلاصة مبيَّنة في الجدول الآتي:
بالنظر إلى عدد العمال
حجم الشركة / القطاع
الزراعة
الصناعة
الخدمات
مصغّرة (Micro)
أقل من 5 عمال
أقل من 5 عمال
أقل من 5 عمال
صغيرة (Small)
بين 5 إلي 19 عامل
بين 5 إلى 50 عامل
بين 5 إلى 19 عامل
متوسطة (Medium)
بين 20 إلى 50 عامل
بين 51 إلى 150 عامل
بين 20 إلى 50 عامل
بالنظر إلى مبلغ رأس المال
مصغّرة (Micro)
أقل من RM200,000
أقل من RM250,000
أقل من RM200,000
صغيرة (Small)
بينRM200,000 إلى RM1 مليون
بين RM250,000 إلى RM10ملايين
بين RM200,000 إلى RM1 مليون
متوسطة (Medium)
بين RM1 مليون إلى RM5 ملايين
بين RM10 ملايين إلى RM25 مليون
بين RM1 مليون إلى RM5 ملايين

وأما بالنسبة لمراحل تطور الشركات فنستطيع أن نبيّنها في الجدول الآتي[6]:


بناءً على تصنيف المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومراحل تطورها، قد أجرى الباحث المقابلات الشخصية مع عدد من موظفي المؤسسات المالية الإسلامية لمعرفة درجة ثقتهم تجاه تلك الشركات لغرض التمويل، وخرجت بنتائج على النحو الآتي:
-       نظرا إلى القطاع ، فالثقة أكبر تجاه الشركات الزراعية ثم الشركات الصناعية ثم شركات الخدمات.
-       نظرا إلى مبلغ رأس المال ، فالثقة أكبر تجاه الشركات المتوسطة ثم الشركات الصغيرة ثم الشركات المصغّرة.
-       نظرا إلى مراحل تطور الشركات ، فالثقة أكبر تجاه الشركات الناضجة مقارنة بالشركات جديدة الإنشاء.
والملاحظ بأنه كلما كانت درجة الثقة أكبر فتكون إجراءات التمويل أكثر سهولةً وخصوصا من جانب الحاجة إلى الرهن. وكما أن الباحث قد استفسر باحث عن عقود تُبنى عليها تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة ، فكانت الإجابة هي أن التمويل يتم من خلال عقدي التورق أو العينة. ثم استفسر الباحث عن سبب عدم الرغبة في التمويل بالمضاربة فأجابوا أن المؤسسات المالية الإسلامية غير مستعدة للمضاربة لعدة أسباب من ضمنها عدم ثقتهم بالشركات - خصوصا - الصغيرة والجديدة من حيث إن عقد المضاربة خالي من الضمان، ففي حالة فشل المشروع ، المؤسسات المالية الإسلامية ستخسر رأس مالها والمضارب لا يخسر إلا جهده فقط ، وفضلا عن ذلك ، الكلام كلام المضارب. وهذه المخاطر لا توجد في التمويل المبني على عقد التورق مثلا لأن الدَّين قد ثبت على الشركات من خلال معاملة بيع السلع لها.
وبناءً على المعلومات أعلاه ، يتبين أن من عقبات التمويل بالمضاربة هو تخوف المؤسسات المالية الإسلامية من ضياع مالها في حالة فشل المشروع والتخوف هذا ذا علاقة قوية بموضوع هذه الورقة وهو مسألة ضمان المضارب.




والتخوف أيضا له أساس قوي وخصوصا بعد الأزمة الاقتصادية، وقد جاء في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية[7] أن العدد الإجمالي لحالات إعسار الشركات الصغيرة والمتوسطة في أوروبا قد ارتفع بنسبة 11 ٪ ، وفي بعض الدول مثل الدنمارك والنرويج وإيطاليا وأسبانيا العدد الإجمالي قد ارتفع إلى 25%  ، وقد أفادت إحدى المناقشات في السويد أن الإفلاس قد زاد أكثر من 50% في الشهرين اليناير والفبراير 2009 مقارنة بنفس المدة في السنة السابقة. وإذا كان الأمر هكذا في البلدان المتقدمة ، فنستطيع أن نقول بأن الوضع أسوأ في البلدان النامية والفقيرة.
وفي كتابه،[8] يعطي مايكل إيمسListen الأسباب التالية لفشل المشاريع الصغيرة: نقص الخبرة  وموقع التجارة غير مناسب وعدم كفاية رأس المال وسوء إدارة المخزون والإفراط في الاستثمار في الأصول الثابتة وسوء إدارة الدَّين واستخدام الأموال للأغراض الشخصية ونمو غير متوقع. فلاحظنا أن كثيرا من هذه الأسباب يرجع إلى التقصير في الإدارة وكذلك التعدي وهو في حالة استخدام الأموال (رأس المال) للأغراض الشخصية.
Read phonetically


حكم إلزام الضمان على المضارب عند الفقهاء
يتناول الباحث في هذا المقام حكم إلزام الضمان على العامل في عقد المضاربة ذاكرا أقوال الفقهاء في المسألة وعارضا أدلتهم.
وقبل البحث في صلب المسألة يجدر بالذكر أن الأصل في باب المضاربة أن يد المضارب يد الأمانة بمعنى أنه أمين وأن رأس المال أمانة في يده، فشأنه شأن الوكيل والوديع وسائر الأمناء.
قال ابن المنذر: " أجمع كل من نحفظ عنهم من أهل العلم أن القول قول العامل في قدر رأس المال"[9].

وقال الباجي: "أن العامل يأخذ المال القراض ويعمل فيه ولا يكون عليه الضمان وإنما هو من ضمان رب المال ولا خلاف في ذلك"[10].
ومعنى كون يد المضارب يد أمانة أنه أمين لا يتحمل ما يقع من خسارة أو تلف ما تحت يده من الأموال، إلا بالتعدي أو التقصير.
أما الكلام في مسألتنا وهي حكم إلزام الضمان على المضارب، فقد اختلف الفقهاء إلى قولين:






القول الأول: عدم جواز الضمان.
هذا القول ذهب إليه جماهير أهل العلم من الحنفية[11] والمالكية[12] والشافعية والحنابلة.[13]
واستدلوا على ما ذهبوا إليه بما يلي:
أولا: أن الأصل في طبيعة المضاربة كون المضارب أمينا لا يضمن. فإلزامه الضمان يفضي إلى تغيير صورة المضاربة وطبيعتها. يقول الباجي مبينا طبيعة هذا العقد: "إن من سنَّة القراض ما قدَّمناه من أن العامل يأخذ المال القراض ويعمل فيه ولا يكون عليه الضمان وإنما هو من ضمان رب المال ولا خلاف في ذلك".[14]
ثانيا: أن اشتراط الضمان على المضارب يخالف مقتضى العقد في المضاربة الذي هو الأمانة.[15]
وفصّل السرخسي المقصود بمقتضى العقد هنا بقوله: "المقصود بهذا العقد الشركة في الربح وكل شرط يؤدي إلى قطع الشركة في الربح بينهما مع حصوله فهو مُبطل للعقد لأنه مفوّت لموجَب العقد..."[16]
ويقول الباجي: "أن عقد القراض لا يقتضي ضمان العامل، وإنما يقتضي الأمانة ولا خلاف في ذلك. فلذلك إذا شرط نقل الضمان عن محله بإجماع اقتضى ذلك فساد العقد والشرط".[17]
ويقول ابن قدامة المقدسي: "أن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره الشرط كالمقبوض ببيع صحيح أو فاسد، وما اقتضى الأمانة فكذلك كالوديعة والشركة والمضاربة"[18].
فإذا تقرّر أن مقتضى العقد في المضاربة عدم ضمان المضارب، فاشتراط الضمان عليه فاسد إذ علم أن من مفسدات الشروط عند طائفة من أهل العلم  كونها مخالفة لمقتضى العقود. وقد أشار إليه ابن تيمية بقول: "ويقولون -يعني أصحاب الإمام أحمد- ما خالف مقتضى العقد فهو باطل".[19]
ثالثا: أن اشتراط ضمان رأس المال على المضارب يقلب العقد من كونه مضاربة إلى كونه قرضا، ويحوّل المضارب من كونه وكيلا أمينا إلى كونه مقترضا ضامنا فلا يجوز، لأن هذه المعاملة في حقيقتها قرض يجرُّ نفعا. وقد علم  بالضرورة أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
يقول ابن القيم: "وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعيَّ في العقود حقائقها ومعانيها لا صورها وألفاظها".[20]
رابعا: أن اشتراط الضمان على المضارب يوقعه في غرر زائد. يقول ابن رشد: "أن اشتراط الضمان زيادة غرر في القراض نفسه".[21]
ولعلّ وجه زيادة الغرر الذي علّل به ابن رشد أن المضارب في حالة طروء الخسارة يخسر مرتين، الأولى: يخسر بتفويت جهوده وعمله بلا عائد. والأخرى: يتحمل خسارة رأس المال.
خامسا: أن اشتراط الضمان على المضارب يتناقض مع أحد المبادئ الأساسية في أبواب المعاملات وهو قاعدة "الغرم بالغنم"، وهي قاعدة معروفة مستفادة من النص النبوي الشريف.
ذلك أن اشتراط الضمان على المضارب يعتبر إخلالا لمبدأ المخاطرة في الاستثمار الذي أساسه العدل بين الحقوق والالتزامات وبين المغانم والمغارم. ألا ترى أن المضارب في هذه الحالة يجتمع فيه مغرمان؛ الخسارة في الجهد، وجبران رأس المال. بينما رب المال يتمتع بالمغنمين؛ ضمان رأس ماله، وحصول العائد.
سادسا: أن في اشتراط الضمان على المضارب اشتراط ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه.
يقول ابن قدامة: "إذا شرط رب الوديعة على المستودع ضمان الوديعة لم يضمن، وكذلك كل ما أصله الأمانة كالمضاربة ومال الشركة والرهن، وذلك لأنه شرط ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه فلم يلزمه، كما لو شرط ضمان ما يتلف في يد مالكه".[22]



فرع المسألة: الاختلاف بين رب المال والمضارب في تلف المال أو الخسارة.
إذا ادّعى المضارب تلف المال أو طروء الخسارة في تجارته من غير تعد ولا تقصير منه، فهل يقبل قوله فيما ادعاه؟ وبناءً على هذا القول وبالنظر  إلى أصل هذا الباب من كون المضارب أمينا، فمقتضاه قبول قوله فيما يدعيه. يقول ابن رجب في قواعده  مبينا هذا الأصل، ما نصه: "فإن الأمانات القول قول من في يده".[23]
يقول الشيرازي: "وإن اختلف العامل ورب المال في تلف المال فادعاه العامل وأنكره رب المال،... فالقول قول العامل".[24] ويقول الغزالي: "إذا تنازعا في تلف المال فالقول قول العامل لأنه أمين".[25]
ومحل هذا الحكم فيما إذا حصل التنازع بينهما ولم يكن مع رب المال بينة. أما إذا أتى رب المال ببينة تشهد بخلاف ما ادعاه المضارب، يعمل ببينة على ما تقرر في فنِّ القضاء.[26]
وقد جاء في المنتقى شرح الموطاء شيء من التفصيل حيث يقول: "فإن ادعى (المضارب) خسارة وكان وجه ما ادعاه معروفا بأن يكون من سافر مثل سفره أو تجر مثل تجارته أصابه ذلك أو كان وجهه معروفا فهو مصدق، وإن ادعى من ذلك ما لا يعرف فروى ابن أيمن عن مالك أنه ضامن."[27]
ويقول صاحب كشاف القناع: "ومن ادّعى من وكيل ومرتهن ومضارب ومودع التلف بحادث ظاهر، كحريق ونهب جيش ونحوه لم يقبل قوله إلا ببينة وتشهد بوجود الحادث في تلك الناحية لأنه لا تتعذر إقامة البينة عليه غالبا ولأن الأصل عدمه، ثم يقبل قوله أي من ذكر من وكيل ومرتهن ومضارب ومُودَع في التلف بيمينه ، بخلاف ما لو ادعى أحدهم التلف وأطلق أو أسنده إلى أمر خفي ، كنحو سرقة ..."[28]
وصرّح أصحاب هذا القول بأن المضارب ضامن في حالة التقصير والتعدي. وأما بالنسبة للبينة في التقصير ، جاء في الأم النص الآتي: "وإذا دفع الرجل إلى الرجل مالا مضاربة ولم يأمره ولم ينهه عن الدين فأدان في بيع أو شراء أو سلف فسواء ذلك كله هو ضامن إلا أن يقر له رب المال، أو تقوم عليه بيّنة أنه أذن له في ذلك."[29] فلاحظنا من هذا النص أن البينة في إذن رب المال على المضارب لأنه يدعي بأمر يخالف الأصل وهو عدم المداينة.




القول الثاني: جواز اشتراط الضمان على المضارب.
وهو قول طائفة من أهل العلم، أن اشتراط الضمان على صاحب يد الأمانة يصح ويلزمه الضمان. وإليه ذهب الإمام أحمد في رواية مرجوحة، واختاره الشوكاني.
يقول ابن قدامة في باب الإجارة: "وإن شرطه لم يصح الشرط، لأن ما لا يجب ضمانه لا يصيره الشرط مضمونا، وما يجب ضمانه لا ينتفي ضمانه بشرط نفيه. وعن أحمد: أنه سئل عن ذلك فقال: المسلمون على شروطهم. وهذا يدل على نفي الضمان بشرطه ووجوبه بشرطه".[30]
ويقول الشوكاني  مشيرا إلى أصحاب الأيدي الأمينة كالمضارب والوديع والوصي والوكيل والملتقط: "ولا يضمنون إلا لجناية أو تفريط، وإذا ضُمِّنُوا ضمنوا".[31]
استدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها:
أولا: حديث: "المسلمون على شروطهم".[32] ووجه الدلالة: إذا شرط رب المال على المضارب الأمين الضمانَ ووافق عليه فإنه يجب الالتزام بمقتضى الشرط.
ثانيا: أن هذا الاشتراط مبناه التراضي بين الطرفين إذ إن هذا المضارب قد رضي لنفسه بقبول شرط الضمان عليه والتزام ما لم يكن يلزمه، فيجوز. يقول الشوكاني  معلِّلاً لهذا القول: "لأنهم قد اختاروا ذلك لأنفسهم والتراضي هو المناط في تحليل أموال العباد".[33]
ثالثا: تخريج القول بما جاء عند بعض الفقهاء من جواز تضمين الصناع، كما نقل ذلك عن الإمام مالك وأصحابه.[34] بل وقد نقل إجماع الصحابة والعلماء من بعدهم على جواز تضمين الصناع.[35]
جاء في شرح حدود ابن عرفة: "ضمان الصانع خارج عن أصل قياس الأجير، لكن أجمع عليه العلماء للمصلحة العامة فيه".[36]
ووجه الوفاق بين تضمين المضاربين وتضمين الصناع هو المصلحة ومسيس الحاجة إلى تضمينهم. فكما أنهم قضوا بجواز تضمين الصناع لمكان المصلحة،[37] فينبغي أن يجوز تضمين المضاربين لوجود المصلحة الراجحة في تضمينهم، وبخاصة في هذا العصر الذي لا يتورع كثير من المضاربين عن التعدِّي والتفريط في أموال المضاربة، اعتمادا على الأصل أن القول قولهم.
رابعا: تخريج القول بما جاء عن بعض الفقهاء من جواز تضمين الأجير المشترك.[38]
ووجه الوفاق هو انفراد الأجير المشترك بالعمل الذي استؤجر عليه، وترجيح جانب التفريط في حقه، فكذلك المضارب في وضعه بالنسبة للمستثمرين، حيث ينفرد بإدارة المال، فلو لم يكن ضامناً لأدى به الحال إلى إضاعة المال سعياً وراء الكسب السريع.[39]
الترجيح والاقتراح
وبعد التأمل إلى القولين وأدلتهم ، يرى الباحث أن رأي الجمهور متماشي مع الأصل في المسألة ، كما وضّحه صاحب درر الحكام بأن للمضاربة مراحل ، فالإيداع أولًا لأنه قبض المال بإذن مالكه لا على وجه المبادلة ، وتوكيل عند عمله لأنه يتصرف فيه له بأمر حتى يرجع بما لحقه من العهدة على رب المال، ثم الشركة إن ربح لأنه يحصل بالمال والعمل فيشتركان فيه ، وغصب إن خالف لتعديه على مال غيره فيكون ضامنا.[40] قد لاحظنا بأن المعاملة بين الطرفين منذ البداية مبنية على الثقة والأمانة. وهناك الأدلة القوية يقدمها الجمهور تدعم هذا المبدأ. فبناءً على هذه المبررات ، نستطيع أن نقول بأن رأي الجمهور أقوى وأرجح.
أما رأي بعض الفقهاء، من ضمنهم الشوكاني رحمه الله ، مبني على أمرين : أولاً ، الاشتراط في ضمان المضارب مبناه التراضي بين الطرفين. وثانيًا ، القياس على مسألة تضمين الصناع والأجير المشترك . فالتراضي في هذه المسألة ليست حجة قوية لمخالفة الأصل ومقتضى العقد ، وفضلا عن ذلك أنه قد يؤدي إلى الربا المحرم. وأما القياس على تضمين الصناع بسبب فساد الذمم ولحفظ المصلحة فالحجة معقولة ينبغي أن ننظر إليه ونأخذ في عين الاعتبار عندما نتكلم عن مسألة ضمان المضارب.
الحل المقترح
قد تكلمنا في بداية هذه الورقة أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة متغايرة في طبيعتها وقوتها ومن ثَمّ يؤدي إلى تباين درجة ثقة المؤسسات المالية الإسلامية تجاهها ، وكذلك تخوف المؤسسات من ضياع مالها له أساس قوي مدعّم بالإحصائية والتجربة الحقيقية سواء كانت في الماضي أو الحالي.
ولإدارة المخاطر المذكورة أعلاه ، يقترح الباحث الحل الآتي: أن يكون الأصل ضمان المضارب رأس مال المضاربة إلا عندما يستطيع أن يأتي المضارب ببينة تدل على عدم تقصيره وتعديته. وبعبارة أخري ، إذا ادّعى المضارب تلف المال أو طروء الخسارة في تجارته من غير تعد ولا تقصير منه فالبيّنة عليه. ويتم تطبيق هذا الحل لمن عليه تهمة التقصير والتعدي فقط. وبالنسبة لنماذج التي تكلمنا عنها في هذه الورقة وهي المنشآت الصغيرة والمتوسطة ، فيمكن أن نتطبق هذا الحل على الشركات المصغرة والصغيرة وجديدة الإنشاء في قطاعات معينة فقط التي تتهم بالتقصير والتعدي.
ومبررات هذا الحل المقترح كالآتية:
أولاً: هذا الحل المقترح لا يغير ما هو الأصل في المضاربة وهو أن المضارب أمين فلا يضمن إلا في حالة التقصير والتعدي فقط.
ثانيًا: الجزء الذي يختلف هذا الحل المقترح عن رأي جمهور الفقهاء هو في البينة فقط ، فعند الجمهور ، الكلام كلام المضارب ، ومن يدّعي خلاف ذلك فعليه أن يأتي بالبينة. ورأي الجمهور تمشيا مع الأصل وهو أن المضارب أمين فالكلام كلامه ومطبقا أيضا مع القاعدة المشهورة البينة على المدعي واليمين على من أنكر.[41]
يرى الباحث أن الخلاف هنا هو خلاف شكلي فحسب. لو تأملنا مبدأ "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" ، وجدنا أن البينة دائما على من يدعي بأمر يخالف الأصل ، فمن يدعي ، على سبيل المثال ، أن فلانا قد سرق ، فالبينة على المدعي لأن دعواه مخالف لأصل براءة الذمة أو البراءة الأصلية. وإذا لم يستطيع المدعي أن يأتي بالبينة ، فيكتفي بإنكار المدعى عليه مع يمينه. ولكن في حالة إتيان المدّعِي بالبينة فلا يكتفى بإنكار المدَّعَى عليه بيمينه بل لابد من دعم إنكاره ببينة أقوى من بينة المدّعِي، والبينة مطلوبة من المدّعَى عليه لأنه في محل التهمة الناشئة من بَيــّنة المدعي الذي في نفس الوقت قد أزالت الحكم الأصلي وهو البراءة الأصلية من نفس المدّعَى عليه. هذا ما حصل لمريم عليها السلام عندما اتهمت بالزنا لأنها قد أولدت عيسى عليه السلام بدون الأب ، فأصل براءة الذمة غير معمول هنا لأنها في محل التهمة ، فأشارت مريم إلى عيسى عليه السلام كبينة لها  : "ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين."[42]
فالخلاصة هنا ، إنه لا يلزم أن تكون البينة على المدعي وإن كان هذا هو الأصل ، بل الأدَقّ في الكلام أن نقول بأن البينة على من عليه التهمة. هذا ما صرّح به البهوتي حيث يقول: "ومحل هذا الحكم فيما إذا حصل التنازع بينهما ولم يكن مع رب المال بينة. أما إذا أتى رب المال ببينة تشهد بخلاف ما ادعاه المضارب، يعمل ببينة على ما تقرر في فنِّ القضاء."[43]
وهذا أيضا تعليل ما رُوي عن رأي الإمام مالك رحمه الله أن المضارب ضامن إذا ادعى خسارة وكان وجه ما ادعاه غير معروف،[44] فهو في هذه الحالة في محل التهمة ، فلو أراد أن ينكر فإنكاره لابد أن يكون مدعما بالبينة. ولوحظ أيضا هذا المعنى فيما روي عن الشافعي والبهوتي الذي سبق ذكره في هذه الورقة.[45]
وعودا إلى موضوعنا ، فتهمة التقصير والتعدي موجودة لدى بعض المنشآت الصغيرة والمتوسطة كما بينَّا، وعلى هذا الأساس قلنا بأن البينة عليها لإزالة هذه التهمة . أما الشركات الكبيرة المعروفة بحسن معاملتها وقوتها المالية ، فالحكم الأصلي وهو أن الكلام كلام المضارب مطبّق عليها.
وأما بالنسبة للعملاء الآخرين ، اقترح الباحث أن تتم دراسة أوضاعهم وتصنيفهم بما هو المناسب ، مثلا على حسب أعمارهم ووظائفهم لمعرفة طبيعتهم ، فالصنف الذي ثبتت عليهم تهمة التقصير والتعدي ، يطبق عليهم الحل المقترح وهو أن يكون المضارب ضامنا إلا إذا يستطيع أن يأتي ببينة تزيل تلك التهمة. وأما الآخرون الذين لم يتهموا بالتقصير والتعدي ، فلا يطبق عليهم هذا الحل بل تجري المضاربة على حكمها الأصلي كما يراه جمهور الفقهاء.
الخاتمة
الحل المقترح هو الحل المتوسط بين عدم ضمان المضارب وضمانه. لعله يعطي الثقة الأكبر للمؤسسات المالية الإسلامية في تمويل عملائها من خلال عقد المضاربة ، وفي نفس الوقت سيشعر العملاء بالمسؤولية فيأخذ الخطوات اللازمة لابتعاد عن التقصير والتعدي. ولدعم هذا الحل ، يقترح الباحث أن تكون هناك دراسة في مدى جواز أخذ الرهن من المضارب.
والله ولي التوفيق...
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



[1]الخبير في الأكاديمية العالمية للبحوث الشرعية(ISRA) ، ماليزيا والأستاذ في المركز (الجامعة) التعليمي العالمي في التمويل الإسلامي (INCEIF).
[2]الباحث في الأكاديمية العالمية للبحوث الشرعية (ISRA) ، ماليزيا.
[3]مع مراعاة الخلاف الفقهي في الموضوع.
[4]ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 29/27.
[5]من ضمن نتائج البحث للمؤلف وغيره تحت الموضوع ضوابط الحيل الشرعية في النظام المالي الإسلامي المقدم في مؤتمر العلماء الشرعية في جنوب شرق آسيا ، كوالا لمبور ، 11 نوفمبر 2011.
[6]أنظر: Ali Salman Saleh and Nelson OlyNdubisi, SME Development in Malaysia: Domestic and Global Challenges, University of Wollongong Economic Working Paper Series 2006.
[7]انظر: A report on The Impact of the Global Crisis on SME and Entrepreneurship Financing and Policy Responses by Centre for Entrepreneurship, SMEs and Local Development, Organisation for Economic Cooperation and Development, pg. 19.
[8] See: Michael Ames, Small Business Management.
[9] انظر: ابن قدامة، المغني 5/55.
[10] انظر: الباجي، المنتقى شرح الموطأ ، 5/153.
[11] انظر: ابن نجيم، البحر الرائق ، 7/274.
[12] انظر: ابن رشد الحفيد، بداية المجتهد ، 4/22، وابن جزي، القوانين الفقهية ، ص: 186.
[13] انظر: ابن قدامة، المغني ، 5/165، وابن مفلح، المبدع ، 5/10، والمرداوي، الإنصاف 6، /113.
[14] الباجي، المنتقى شرح الموطأ ، 5/153.
[15] انظر: الباجي، المنتقى شرح الموطأ ، 5/164، وابن قدامة، المغني ، 5/165، وابن مفلح، المبدع ، 5/10.
[16]  السرخسي ، المبسوط ، 22/19
[17] الباجي، المنتقى شرح الموطأ ، 5/164.
[18] ابن قدامة، المغني ، 5/165.
[19] ابن تيمية، القواعد النورانية ، ص: 256.
[20] ابن القيم، زاد المعاد ، 5/182.
[21] ابن رشد، بداية المجتهد ، 4/23.
[22] ابن قدامة، المغني ، 6/437.
[23] ابن رجب، القواعد ، ص 385.
[24] انظر: الشيرازي، المهذب ، 2/233، وأيضا: البهوتي، كشاف القناع ، 3/523.
[25] الغزالي، الوسيط ، 4/130.
[26] البهوتي، كشاف القناع ، 3/523.
[27] الباجي ، المنتقى شرح الموطأ ، 5/165.
[28] البهوتي ، كشاف القناع عن متن الإقناع ، 3/486.
[29] الشافعي ، الأم ، 7/114.
[30] انظر: ابن قدامة، المغني ، 5/397، وأيضا: ابن مفلح، المبدع في شرح المقنع ، 5/10.
[31] الشوكاني، السيل الجرار ، 587.
[32] الحديث أخرجه أبو داود  في السنن 3/304 برقم: 3594، وابن الجارود في المنتقى ص: 161 برقم: 637، والدارقطني في السنن 3/426 برقم: 2890، والبيهقي في السنن الكبرى 6/131 برقم: 11429.
[33] الشوكاني، السيل الجرار ، 587.
[34] انظر: ابن عبد البر، الكافي ، 2/757، وابن رشد، البيان والتحصيل ، 4/226، والمقدمات الممهدات ، 2/243.
[35] ابن رشد، المقدمات الممهدات ، 2/245.
[36] الرصاع، شرح حدود ابن عرفة ، 401.
[37]  قال علي رضي الله عنه: "لا يصلح الناس إلا ذلك". وقال الشاطبي: "وجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ". انظر: الشاطبي، الاعتصام ، 1/616.
[38] انظر: السرخسي،  المبسوط ، 15/81، والكاساني، بدائع الصنائع ، 4/205، والمرغيناني، الهداية ، 3/242.
[39] انظر: د. نزيه حماد، تطوير الأعمال المصرفية ص: 442.
[40] محمد بن فرامرو ، درر الحكام شرح غرر الأحكام ، 2/310.
[41] أصل القاعدة من الحديث النبوي الشريف. انظر الترمذي ، سنن الترمذي ، 3/618 برقم: 1341.
[42]سورة آل عمران : الآية 46.
[43] البهوتي، كشاف القناع ، 3/523.
[44] وقد جاء في المنتقى شرح الموطاء: "فإن ادعى (المضارب) خسارة وكان وجه ما ادعاه معروفا بأن يكون من سافر مثل سفره أو تجر مثل تجارته أصابه ذلك أو كان وجهه معروفا فهو مصدق، وإن ادعى من ذلك ما لا يعرف فروى ابن أيمن عن مالك أنه ضامن. الباجي ، المنتقى شرح الموطأ ، 5/165.
[45] انظر:  الشافعي ، الأم ، 7/114 والبهوتي ، كشاف القناع عن متن الإقناع ، 3/486.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق