8.11.2019

الطلاق الثـلاث بلفظ واحد فـی میــزان الفقه الإســــلامی

الطلاق الثـلاث بلفظ واحد فـی میــزان الفقه الإســــلامی







الطلاق الثـلاث بلفظ واحد فـی میــزان الفقه الإســــلامی



المؤلف
جهاد محمود عیسى الأشقــر
کلیة الشریعة والقانون جامعة جازان


مجلة كلية الشريعة والقانون جامعة الازهر  المجلد 20، العدد 5، 2018، الصفحة 3733-3774





المستخلص
ملخص البحث
لقد شرع الشرع طرقًا ودیة لحل ما ینشأ من نزاع بین الزوجین، من وعظ وإرشاد، وهجر فی المضجع، وإعراض، وضرب، وإرسال حکمین من قبل القاضی إذا عجز الزوجان عن الإصلاح، وإزالة الشقاق الذی بینها، فإذا ما استحالت العشرة بین الزوجین فیشرع الطلاق. 
فهو ضرورة لحل مشکلات الأسرة، ومشروع للحاجة، ویکره عند عدم الحاجة، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَy قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: (أَبْغَضُالْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ)، وهو رَفْعُ الْقَیْدِ الثَّابِتِ بِالنِّکَاحِ.
ولکن قد یحدث أن الزوج یوقع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، فهل یقع ثلاثًا، ویکون الطلاق بائنًا بینونة کبرى، أم یقع طلقة واحدة رجعیة إذا کان غیر مکمل للثلاث؟
وجمع الرجل الطلقات الثلاث بکلمة واحدة لا یحرم، ولا یکره، وإنما یکون تارکًا للاختیار، والفضیلة؛ لقوة أدلته، وتنوعها، ولأن الزوج استخدم حقه الممنوح له شرعًا دفعة واحدة، ولکنه یکون قد ترک الأفضلیة.
ذهب ابن تیمیة، وابن القیم ومن وافقهم إلى القول: بأن الطـلاق المجموع فی لفظ واحد یقع به واحدة، ولا تأثیر للفظ فیه، وذهبت معظم القوانین العربیة إلى أن طلاق الثلاث بلفظ واحد أو بألفاظ ثلاثة فی مجلس واحد، لا یقع إلا طلقة واحدة.
المقدمــة
الحمد الله رب العالمین؛ الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور،
تستفتح باسمھ مغالیق الأمور، والصلاة والسلام على سیدنا محمد  ،الذي بعثھ
االله  رحمة للعالمین.




وبعـد
فإن نظام الطلاق في الشریعة الإسلامیة یعتبر من محاسنھا، ومن دلائل
واقعیتھا، وعدم إغفالھا مصالح الناس، فإذا ما حلَّ الخلاف والنفرة بین الزوجین
محل المودة والمحبة انھارت أركان الزوجیة، ولم یبق سوى اللجوء إلى الطلاق،
فقال  :وَإِنْ یَتَفَرَّقَا یُغْنِ اللَّھُ كُلا مِنْ سَعَتِھِ وَكَانَ اللَّھُ وَاسِعًا حَكِیمًا
[النساء:١٣٠.[
أي: أن الطلاق علاج حاسم، وحل نھائي أخیرًا لما استعصى حلھ على الزوجین،
والحكمین، بسبب تباین الأخلاق، وتنافر الطباع، وتعقد مسیرة الحیاة المشتركة بین
الزوجین، أو بسبب الإصابة بمرض لا یحتمل، أو عُقْم لا علاج لھ، مما یؤدي إلى
ذھاب المحبة والمودة، وتولید الكراھیة والبغضاء، فیكون الطلاق منفذاً متعیناً
للخلاص من المفاسد والشرور الحادثة.
فالطلاق إذن ضرورة لحل مشكلات الأسرة، ومشروع للحاجة، ویكره عند عدم
الْحَلَالِ إِلَى اللَّھِ (١ (الحاجة، فعَنْ عَبْدِ اللَّھِ بْنِ عُمَرَ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّھِ ) :أَبْغَضُ
(٢ (الطَّلَاقُ).
وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّھِ) :أَیُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَھَا الطَّلَاقَ فِي
(٣ (غَیْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَیْھَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ).
(١ (أبغض الحلال إلى االله :البغض خلاف المحبة، وھو كراھة القول، والفعل، أو الشخص، وھو ھنا
للطلاق.
، السنن الكبرى: لأحمد ابن الحسین بن علي بن بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاھِیَةِ الطَّلَاقِ خرجھ البیھقي: كتاب الطلاق، (٢ (أ
موسى الخُسْرَوْ جِردي الخراساني أبو بكر البیھقي: ٧/٥٢٧ ،ط: دار الكتب العلمیة، بیروت، الطبعة
الثالثة:١٤٢٤ھـــــ/٢٠٠٣م، وأخرجھ ابن ماجھ: كتاب الطلاق، بَابُ حَدَّثَنَا سُوَیْدُ بْنُ سَعِیدٍ، سنن ابن
ماجھ: لأبي عبد االله محمد ابن یزید القزویني ابن ماجھ: ١/٦٥٠ ،ط: دار الرسالة العالمیة، الطبعة
الأولى:١٤٣٠ھـ/٢٠٠٩م.
وقد أعلَّ ھذا الحدیث بالإرسال. فتح الباري شرح صحیح البخاري: لأحمد بن علي بن حجر أبو الفضل
العسقلاني الشافعي: ٩/٣٥٦ ،ط: دار المعرفة، بیروت: ١٣٧٩ھـــ.
وقد رجح أبو حاتم إرسالھ، وَكَذَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَیْھَقِيُّ رَجَّحَا الْإِرْسَالَ. سبل السلام بلوغ المرام: لمحمد
بن إسماعیل بن صلاح بن محمد الحسني الكحلاني الصنعاني:٢/٢٤٧ ،ط: دار الحدیث، بدون تاریخ
طبع.
أخرجھ أبو داود: كتاب الطلاق، بَابٌ فِي الْخُلْعِ، سنن أبي داود: لسلیمان بن الأشعث ابن إسحاق بن بشیر (٣(
بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني: ٢/٢٦٨ ،ط: المكتبة العصریة، بیروت، بدون تاریخ طبع،
أخرجھ ابن ماجھ: و
كتاب الطلاق، بَابُ كَرَاھِیَةِ الْخُلْعِ لِلْمَرْأَةِ، سنن ابن ماجھ: ١/٦٦٢ ،وأخرجھ البیھقي: كتاب
الطلاق، بَابُ مَا یُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ مِنْ مَسْأَلَتِھَا طَ
- ٣٧٣٨ -
وقد رغَّب الشرع الأزواج في الصبر، وتحمل خلق الزوجة، فقال :
وَعَاشِرُوھُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِھْتُمُوھُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَھُوا شَیْئاً وَیَجْعَلَ اللَّھُ فِیھِ خَیْراً
كَثِیراً] النساء:١٩.[
مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ (١ (وعَنْ أَبِي ھُرَیْرَةَ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ االلهِ ) :لَا یَفْرَكْ
(٢ (مِنْھَا خُلُقًا، رَضِيَ مِنْھَا آخَرَ).
وشرع الشرع طرقًا ودیة لحل ما ینشأ من نزاع بین الزوجین، من وعظ
وإرشاد، وھجر في المضجع، وإعراض، وضرب، وإرسال حكمین من قبل القاضي
إذا عجز الزوجان عن الإصلاح، وإزالة الشقاق الذي بینھا، وھي كلھا مأخوذة من
آیات ثلاث ھي:
الآیة الأولى: قول االله  :وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَھُنَّ فَعِظُوھُنَّ وَاھْجُرُوھُنَّ فِي
المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوھُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَیْھِنَّ سَبِیلاً إِنَّ اللَّھَ كَانَ عَلِیا
كَبِیراً] النساء:٣٤.[





الآیة الثانیة: قول االله  :وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَیْنِھِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَھْلِھِ وَحَكَماً مِّنْ
أَھْلِھَا إِن یُرِیدَا إِصْلاحاً یُوَفِّقِ اللَّھُ بَیْنَھُمَا إِنَّ اللَّھَ كَانَ عَلِیماً خَبِیراً] النساء:
.[٣٥
الآیة الثانیة: قول االله  :وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِھَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاحَ
عَلَیْھِمَا أَن یُصْلِحَا بَیْنَھُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَیْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن
تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّھَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِیراً] النساء:١٢٨.[
فلا یُلجأ إلى الطـلاق لأول وھلة، ولأھون الأسباب، كما یفعل بعض الجھلة الذین
یقدمون علیھ لطیش بیِّن، أو حماقة، أو غضب موقوت، أو شھوة جارفة، أو ھوى
مستبد، فھو كلھ خروج عن تعالیم الإسلام وآدابھ، وموجب للإثم، والمعصیة،
والتأدیب، والتعزیر، وإنما الطـلاق تشریع استثنائي للضرورة، بعد أن یسلك الزوج
المراحل الآتیة:
وھي المعاشرة بالمعروف، والصبر، وتحمل الأذى، ثم الوعظ، والھجر،
والضرب الیسیر، ثم إرسال الحكمین.
فإن وقع الطـلاق فیمكن العودة إلى الزواج بالرجعة بغیر شھود، ما دامت المرأة
في العدة، أو بعقد جدید بعد انتھاء العدة، وذلك لمرتین بعد الطلقة الأولى، وبعد
الطلقة الثانیة، فتلك فترتان متكررتان لمراجعة الحساب، وتقدیر الظروف، ومحاكمة
الأمور، وتعقل النتائج والآثار، وھذا یحدث غالبًا.
(١ (قال أھل اللغة: فركھ یفركھ، إذا أبغضھ، والفرك: البغض. لسان العرب: لمحمد بن مكرم بن
على أبو الفضل جمال الدین بن منظور الأنصاري، مادة: فرك، ط: دار صادر، بیروت، الطبعة
الثالثة: ١٤١٤ھــ.
(٢ (أخر
- ٣٧٣٩ -
فكل من الزوجین یندم، ویتنازل عن أمور، ویقلع عن أخلاق، ویرضى بالعیش
في ظل حیاة زوجیة لا توفر لھ كل ما یرغب، بالمقارنة مع حیاة العزلة، والانفراد،
والاتكال على الأھل الذین یضایقھم عادة تحمل أعباء جدیدة من النفقة، والخدمة،
وغیرھا.
ھذا فضلًا عما في الفراق من تعریض سمعة المرأة للطعن، والنقد، إذ لو كانت
حسنة الأخلاق لما طلقت، وبھ یكون إحصاء عدد الرجعات بعد الطـلاق مما ینقص
(١ (كثیراً من إحصائیات الطـلاق.
ولكن قد یحدث أن الزوج یوقع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، فھل یقع ثلاثًا، ویكون
الطلاق بائنًا بینونة كبرى، أم یقع طلقة واحدة رجعیة إذا كان غیر مكمل للثلاث؟
ھذا ما سنحاول أن نعالجھ في ھذا البحث، ونسلط الضوء على موقف الفقھ
الإسلامي منھ.
ویتكون ھذا البحث من مقدمة، وثلاثة مباحث، وخاتمة.
المبحث الأول: حقیقة الطـلاق.
وفیھ مطالب
المطلب الأول: تعریف الطلاق.
المطلب الثاني: مشروعیة الطلاق.
المطلب الثالث: لماذا كان الطلاق بید الرجل؟
المطلب الرابع: الوصف الشرعي للطلاق.
المبحث الثاني: الإقدام على جمع الثلاث بكلمة واحدة.
المبحث الثالث: ما یترتب على إیقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد.
المصدر: https://jfslt.journals.ekb.eg









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق