8.06.2019

دور الفاعلين في منظومة العدالة في تحقيق الحكامة القضائية.

دور الفاعلين في منظومة العدالة في تحقيق الحكامة القضائية.







دور الفاعلين في منظومة العدالة في تحقيق الحكامة القضائية.





دور الفاعلين في منظومة العدالة في تحقيق الحكامة القضائية.

منذ كان الإنسان وحتى یكون كان العدل وسیبقى حلم حیاتھ، وأمل مفكریھ، وجوھر
شرائعھ وسیاج أمنھ، وكذلك كان وسیبقى رائدا لركبھ على طریق الرجاء والتقدم والسلام،
صانع الحضارات وحارسھا، وغایة الغایات لنضال صفوف لا تنتھي من الشھداء
والشرفاء، نضالا ً باسلا ً شجاعا ً لم تخمد لھ جذور عبر أجیال غیر ذات عدد، من أجل تجمع
1 الأنفع والأكرم والأسمى
.

والعدل
2
ھو الإنصاف، وإعطاء المرء ما لھ، وأخذ ما علیھ، وقد جاءت آیات كثیرة
في القرآن الكریم تأمر بالعدل، وتحث علیھ وتدعو إلى التمسك بھ، من ذلك قولھ عز وجل:
"إن االله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى"
3
، وفي آیة أخرى: "وإذا

4 حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"

، والعدل اسم من أسماء الله الحسنى وصفة من

صفاتھ تعالى.
وإذا كانت مختلف النظریات الفلسفیة نادت بالعدل كسبیل لبلوغ الأمن بمختلف
تجلیاتھ، عبر تقدیم أفكار ورؤى للارتقاء بالإنسانیة ولتجسید علاقات عادلة بین الناس، فإن
ذلك لن یتأت في الوقت الحاضر، إلا بوجود قضاء نزیھ ومحاید، لأن الأمة التي لا قضاء
فیھا، لا حق فیھا ولا عدل.
1
- المذكرة الإیضاحیة لقانون المرافعات المدنیة والتجاریة 18 لسنة 1999 والمعدل بالقانون رقم 76 لسنة 2007 .أورده محمد حلمي
أبو العلى، البطء في التقاضي، الأسباب والحلول، دار الجامعة الجدیدة، الاسكندریة، 2015 ،ص8.




- للعدل أنواع كثیرة منھا:
- العدل بین المتخاصمین: كان الرسول (صلى الله علیھ وسلم) مثالا في تطبیق العدل، وقد جاء إلیھ رجلان من الأنصار یختصمان،
ویطلبان منھ أن یحكم بینھما، فأخبرھما (صلى الله علیھ وسلم) بأن من یأخذ حق أخیھ، فإنما یأخذ قطعة من النار، فبكي الرجلان
وتنازل كل واحد منھما عن حقھ لأخیھ.
- العدل في المیزان والمكیال: المسلم یوفي المیزان والكیل، ویزن بالعدل، ولا ینقص الناس حقوقھم، ولا یكون من اللذین یأخذون
أكثر من حقھم إذا اشتروا، وینقصون المیزان والمكیال إذا باعوا،وقد نوعد الله من یفعل ذلك، فقال الله تعالى "ویل للمطففین اللذین إذا
اكتالوا على الناس یستوفون وإذا كالوھم أو وزنوھم یخسرون ألا یظن أولئك أنھم مبعوثون لوم عظیم" ( سورة المطففین، الآیة 1 -
5 ،(وقال تعالى: "وأقیموا الوزن بالقسط ولا تخسروا المیزان" (سورة الرحمن، الآیة 9 .(لذلك فإن المیزان اتخذ شعارا للعدل
(میزان العدالة).


ولما كان القضاء في جل الدول، رمزا ً لسیادتھا واستقلالھا، باعتباره من أبرز
مظاھر السلطة، ونظرا لما لھ من وظیفة أساسیة في المجتمع؛ إذ یسھر على تكریس السلم
والأمن الاجتماعیین من خلال المحافظة على الاستقرار والتوازن بین كافة مكونات
المجتمع؛ وذلك بتطبیق القانون المنبثق عن الإرادة الجماعیة، فقد تعالت الأصوات منادیة
5 بجعل القضاء سلطة مستقلة إلى جانب السلطتین التنفیذیة والتشریعیة
.

باعتباره الحارس الطبیعي لحقوق الأفراد وحریاتھم، حاملا بذلك لواء الحق والعدل
وحامیا للدیمقراطیة وسیادة القانون، ولكونھ إحدى الركائز الأساسیة التي تقوم علیھا دولة
6 الحق والقانون

. وھذا ما أكد علیھ الملك محمد السادس في إحدى خطبھ
7
:" ...وإننا نعتبر
القضاء عمادا لما نحرص علیھ من مساواة المواطنین أمام القانون، وملاذا للإنصاف،
الموطد للاستقرار الاجتماعي. بل إن قوة شرعیة الدولة نفسھا، وحرمة مؤسساتھا من
قوة العدل، الذي ھو أساس الملك".
ولئن كان الأساس الذي یجعل القضاء مستقلا من عدمھ، سلطة أم مجرد جھاز، ھو
التشریع الأساسي في كل دولة، كان لزاما ً على جل دول العالم، منھا المغرب، التنصیص
على ذلك في دساتیرھا؛ إلا أن القضاء في المغرب لم یكن عبارةً عن سلطة منذ أول دستور
8 للمملكة سنة 1962 ،وكان تنظیمھ قصرا ً على فصولٍ قلیلة

، وفیھ نص الفصل 82 من ذات
الدستور أن: " القضاء مستقل عن السلطة التشریعیة وعن السلطة التنفیذیة". فكان بعد

5
- یعتبر مبدأ الفصل بین السلطات أحد المبادئ الأساسیة التي ترتكز علیھا النظم الدیمقراطیة الغربیة، وھو مبدأ رئیسي للدیمقراطیة في
جوھرھا ، تماما على نحو یماثل في ذات الأھمیة مبدأ سیادة الأمة و الشعب. و یرجع إلى المفكر الفرنسي الشھیر ”مونتیسكیو”، حیث
فضل حسن صیاغة مبدأ الفصل بین السلطات الثلاث: التشریعیة، التنفیذیة، والقضائیة، في كتابھ ”روح القوانین”، الذي ألفھ عام
1748 ،و الذي كان تأثیره على النظام الدیمقراطي في فرنسا كبیرا جدا مثلما تأثرت أیضا بالمفكر ”جون جاك روسو” في كتابھ العقد
الاجتماعي.
- للمزید من التوسع بخصوص مبدأ فصل السلط، راجع: حسن شحاتة سعفان، روح القوانین لمونتیسكیو، الھیئة المصریة العامة
للكتابة، سلسلة تراث الانسانیة، 1995 .






- محمد النجاري، القضاء المستقل القوي قاطرة للتنمیة، مال منشور بجریدة الملحق القضائي، العدد 44 سنة 2011 ،ص3.


، ومعھ دساتیر 10 ، إذ تضمن نفس الحكم فیما یخص القضاء
؛ فظل حینھا القضاء، مجرد جھاز لم یرق لدرجة سلطة 11 سنوات 1972 و1992 و1996
مستقلة عن السلطتین التشریعیة والتنفیذیة.
وفي ظل سعي المغرب إلى جعل قضائھ مستقلا ً، عبر مجموعة من الإصلاحات،
اھتدى في نھایة المطاف إلى إصدار دستور جدید سنة 2011 ،كان ولا یزال دستورا ً متقدما ً
وتخویلھا من 12 من حیث المستجدات التي أتى بھا، أولھا جعل القضاء سلطةً مستقلةً
ما یجعلھا تحظى بھذا الاستقلال فعلیا ً، علاوة على استحداث بابٍ فرعي كرس 13 الضمانات
14 لحقوق المتقاضین وقواعد سیر العدالة

، لیكون ھذا الدستور خیر تجلٍ للحكامة القضائیة.
ومن المتفق علیھ بین الباحثین والفقھاء أنھ لا یكفي لإشباع غریزة العدالة والمساواة
لدى الإنسان أن تكفل أنظمة الدولة حق المواطن في الالتجاء إلى القضاء، وأن یكون ھذا
الأخیر سلطة مستقلة، فزبون العدالة یرید أن یحصل على حقوقھ داخل أجل معقول،
ولتحقیق ذلك لابد من تضافر جھود مختلف الفاعلین في منظومة العدالة، لأن المنظور
التقلیدي، المبني على فكرة مفادھا أن تحقیق العدل یقع على عاتق القضاء وحده، وأن أي
غیاب لفعالیة ونجاعة العدالة یتحملھ ھذا الأخیر، أصبح متجاوزا وغیر ذي موضوعیة.


- دستور المملكة المغربیة لسنة 1970 ،ظھیر شریف رقم 177.70.1 ،بتاریخ 27 جمادى الأولى 1390) 31 یولیوز 1970 (
بإصدار الأمر بتنفیذ الدستور.
- نص الفصل 75 من دستور 1970 أن: "القضاء مستقل عن السلطة التشریعیة وعن السلطة التنفیذیة". وفي ظل ھذا الفصل، لا 10
جدید یذكر بخصوص استقلال القضاء كسلطة، بل حتى عدد الفصول المنظمة للقضاء ضل ھزیلاً .
- كلھا نصت، على التوالي، في الفصول 76 و80 و82 من كل دستور على أن: "القضاء مستقل عن السلطة التشریعیة وعن 11
السلطة التنفیذیة".
- إذ تم تضمین ذلك في الباب السابح من دستور 2011 المعنون بالسلطة القضائیة، ونُص في الفصل 107 منھ أنھ: " السلطة 12
القضائیة مستقلة عن السلطة التشریعیة وعن السلطة التنفیذیة.
الملك ھو الضامن لاستقلال السلطة القضائیة".
- زمن بین ھذه الضمانات ما نص علیھ الفصلان 107 و108 من دستور 2011 ،إذ تضمن الأول أن: " لا یعزل قضاة الأحكام ولا 13
ینقلون إلا بمقتضى القانون"، كما تضمن الفصل 108 أن: " یمنع كل تدخل في القضایا المعروضة على القضاء؛ ولا یتلقى القاضي
بشأن مھمتھ القضائیة أي أوامر أو تعلیمات، ولا یخضع لأي ضغط.
یجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلالھ مھدد، أن یحیل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائیة.
یعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مھنیا جسیما، بصرف النظر عن المتابعات القضائیة المحتملة.
یعاقب القانون كل من حاول التأثیر على القاضي بكیفیة غیر مشروعة".


فالمنظور الحدیث للعدالة، القائم على مفھوم الحكامة القضائیة، باعتبارھا ضرورة
ملحة من أجل الرفع من جودة الخدمة المقدمة لزبون العدالة، أضحى یشرك مجموعة من
المتدخلین في منظومة العدالة لتحقیقھا – أي الحكامة القضائیة–؛ والتي تقوم على مبادئ
، والكل من 15 أساسیة منھا الاستقلالیة والمسؤولیة والشفافیة والفعالیة والنزاھة والنجاعة والتخلیق
أجل تكریس لحقوق المتقاضین وضمان حسن سیر وتصریف العدالة.
فالحمل الملقى على عاتق القضاء، المتمثل في تحقیق الحكامة القضائیة، یعد رسالة
یصعب تبلیغھا في غیبة مھنیي منظومة العدالة، بل إن تحقیق ھذه الحكامة رھین بدور
المتقاضي في ھذه المنظومة.
فبالإضافة إلى القضاء كفاعل رئیس في منظومة العدالة، ھناك فاعلون آخرون، من
، التي تعتبر محور مؤسسة القضاء، وتتوزع أعمالھا بین ما ھو 16 بینھم كتابة الضبط
قضائي وإداري، كما أن أھمیتھا تبرز من خلال اعتبارھا أول من یستقبل المتقاضي وھو
یلج ردھات المحاكم، والوقوف على جمیع أطوار الدعوى إلى غایة تنفیذ الحكم الصادر
الملك الراحل الحسن الثاني الذي أكد 17 فیھا؛ ولعل خیر دلیل على ذلك ما ورد في خطاب
أن: "... مسؤولیة القاضي لیست أجسم من مسؤولیة كاتب الضبط..."؛ ومن جھة أخرى،
فإن مكانتھا ھذه تفرض علیھا التحلي بالمسؤولیة وحضور البعد الأخلاقي، وھو ما تم
: " ...فإننا نھیب بحكومتنا أن تنظر في 18 التأكید علیھ في خطابٍ للملك محمد السادس








- سعید جفري: ما الحكامة؟؛ طبعة 2014؛ مطبعة الأمنیة – الرباط؛ ص 149 وما بعدھا.
- یعتبر قانون المسطرة المدنیة لسنة 1913 ،أول قانون أحدث مؤسسة كتابة الضبط، حیث تضمن ثمانیة فصول للتعریف بھذه 16
المؤسسة. وفي سنة 1946 نظم المشرع المغربي سلك موظفي كتابة الضبط ووضع نظامھم الأساسي بمقتضى ظھیر 1947 ،وبعد
حصول المغرب على استقلالھ، صدر مرسوم بتاریخ 07 دجنبر 1959 ،توحدت بموجبھ النظم الأساسیة لموظفي كتابة الضبط بمحاكم
المملكة، وفي 26 ینایر 1965 ،صدر الأمر الملكي الذي تم بموجبھ توحید كتابات الضبط وكتابات النیابة العامة بمقتضى المنشورین
الوزیرین 222 و223 .ثم صدر بعد ذلك المرسوم الملكي بتاریخ 02 فبرایر 1967 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي
المحاكم.وفي 13 یولیو 1974 صدر الظھیر الشریف بمثابة قانون المتعلق بالتنظیم القضائي للمملكة، ونص في الفصول 2 و6 و10
منھ على أن المحاكم الابتدائیة ومحاكم الاستئناف والمجلس الأعلى (محكمة النقض حالیا)، تتألف بالإضافة إلى القضاة والنواب من
كتابة الضبط وكتابة النیابة العامة.وخلال سنة 1979 وبعدھا، صدرت مجموعة من المناشیر تھم التنظیم الھیكلي لكتابة الضبط
.وبتاریخ 14 سبتمبر 2011 ،خرج المشرع بمرسوم رقم 473.11.2 بشأن النظام الأساسي الخاص بھیئة كتابة الضبط .


مراجعة وضعیتھم المادیة ووضع نظام أساسي محفز لكتاب الضبط، تحصینا لھم من كل
الإغراءات والانحرافات المخلة بشرف القضاء ونزاھة رسالتھ...".
وفي نفس السیاق، یعد المحامي، كذلك،فاعلا ً في منظومة العدالة، ولھ دور مھم في
تحقیق الحكامة القضائیة، وببساطة، لأنھ الشخص الذي یكرس الحق في الدفاع، الذي یعتبر
، فذلك ما جعلھا 19 مبدأ كونیا، وباعتبار أن الدفاع عن الحقوق ھو أساس وجود المحاماة
الذي یتضمن، في القسم 20 تحظى بمكانة في بعض الدساتیر، من بینھا الدستور البرازیلي
الثالث منھ تحت عنوان ممارسة المحاماة في المادة 133 ،أنھ: " لا غنى عن المحامین
لتوفیر العدالة، ویتمتع ھؤلاء بالحصانة عن أفعالھم ودفوعھم في ممارسة مھنتھم، ضمن
في مادتھ 208 تحت عنوان التمثیل القانوني التي 21 حدود القانون"؛ والدستور البرتغالي
یتضمن أنھ: "یضمن القانون تمتع المحامین بالحصانات اللازمة لممارسة واجباتھم،
في 22 وینظم التمثیل القانوني كعنصر ضروري في إقامة العدل"؛ وأیضا الدستور المصري
- لا یوجد تاریخ محدد لمھنة المحاماة فھي قدیمة ومترامیة القدم ,قدم حضارة ما وعراقتھا، فمنذ أن وجدت المدنیة والقوانین 19
والمحاكم والمجتمعات المنظمة، وجدت ھذه المھنة.وتوجد وثائق تشیر إلى ھذه المھنة وممارستھا في مدینة دمشق تحدیدا ً منذ عصور
ما قبل المیلاد، مرورا ً بالعھد الروماني فالإسلامي وحتى تاریخنا ھذا. وفي العھد العثماني كان المتقاضون یوكلون أیا شاؤوا من
الأشخاص لیرافعوا عنھم ویدافعوا عن حقوقھم أمام المحاكم. ورغم أن باب الوكالة كان مفتوحا ً لكل من أراده، ورغم أن الانتساب لھذه
المھنة ظل حیزا ً من الزمن حرا ً لمن شاء، إلا أن المتقاضون لم یكونوا لیوكلوا في دعاواھم إلا الذین یضعون فیھم ثقتھم ممن یتصفون
بالعلم والفقھ والبلاغة والذكاء. وكانوا یسمون في ذلك العصر (وكیل دعوى) أو (وكیل عالم) أو أفو كاتو (أصلھا إیطالي).
أما في المغرب، فلم یعرف ھذا الأخیر المحاماة على شكلھا العصري إلا سنة 1913 مع قانون المسطرة المدنیة الصادر یوم 12 غشت
من نفس السنة، والذي كان یسمح بممارستھا للفرنسیین والأجانب الذین مارسوا المحاماة لمدة لا تقل على ثلاث سنوات. إلا أن محكمة
الاستئناف ھي التي كانت تبت في التقیید في الجدول وفي القبول في التمرین كما كانت ھي من تعین النقیب من بین المحامین ذوي
الجنسیة الفرنسیة. لیحل بعد ذلك ظھیر 10 ینایر 1924 المتعلق بتنظیم ھیئة المحامین ومزاولة مھنة المحاماة، أعطى للمھنیین نفسا
جدیدا وسمح لھم بتدبیر أمورھم بأنفسھم. إلا أنھ لم ینص على استقلال المحاماة بصفة صریحة. فإن التنصیص صراحة على استقلال
مھنة المحاماة من قبل المشرع المغربي لم یبدأ إلا مع ظھیر 8 نونبر 1979 بتنفیذ القانون رقم 79.19 الذي نظمت بموجبھ نقابات
المحامین ومزاولة مھنة المحاماة، حیث نص في الفصل الأول أن "المحامون جزء من أسرة القضاء، مھنتھم حرة ومستقلة". كما
نص في الفصل الثاني أن الھیئة تتمتع بالشخصیة المدنیة. ولم یلبث ھذا القانون إلى أن صدر ظھیر 10 شتنبر 1993 بمثابة قانون
یتعلق بتنظیم مھنة المحاماة نص في الفصل الأول أن "المحاماة مھنة حرة مستقلة تساعد القضاء في تحقیق العدالة والمحامون بھذا
الاعتبار جزء من أسرة القضاء"، وتضمن الظھیر بالفصل الرابع أیضا على أن كل ھیئة تتمتع بالشخصیة المدنیة. أما الیوم، فتنظیم
مھنة المحاماة یتم بموجب الظھیر الشریف رقم 101.08.1 صادر في 20 من شوال 1429) 20 أكتوبر 2008 (بتنفیذ القانون رقم
08.28 المتعلق بتعدیل القانون المنظم لمھنة المحاماة، الجریدة الرسمیة عدد 5680 بتاریخ 7 ذو القعدة 1429) 6 نوفمبر 2008،


مادتھ 98 إذ تنص أنھ: "حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول، واستقلال المحاماة وحمایة
حقوقھا ضمان لكفالة حق الدفاع". وما فتئ جلالة الملك محمد السادس یؤكد على مكانة
أنھ: " فالمملكة المغربیة حریصة على أن 24 ، إذ جاء في إحدى رسالاتھ 23 المحاماة ھذه
تظل رسالة الدفاع حاضرة بمصداقیتھا في قلب الممارسة المؤسسیة...".
ونظرا لما یتطلبھ البت في النزاع من إجراءات التبلیغ لتمكین الطرف من معرفة ما رفع
علیھ من دعاوى وتمكینھ أیضا من الدفاع عن نفسھ، ونظرا لكون الحكم یظل في حالة سكون إلى
أن یتم تحریكھ بتنفیذه، كان لابد من وجود فاعلین آخرین في منظومة العدالة؛ فظھر المفوض
، الذي لھ دور فعال في تحقیق الحكامة القضائیة من خلال المھام المنوطة بھ، التي لا 25 القضائي
مناص منھا في أي عمل قضائي.

- الرسالة السامیة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس الموجھة إلى المشاركین في أشغال الدورة الثانیة للمكتب الدائم لاتحاد 23
المحامین العرب- الدار البیضاء 20 نونبر 2000 .
ومن بین ما تضمنتھ: :"واعتبارا لھذه المبادئ السامیة للمحاماة كرست القوانین الداخلیة والمواثیق الدولیة مبدأ الحق في الدفاع
والمحاكمة العادلة تأكیدا للرسالة الكونیة للمحاماة.
كما ارتبطت قیم ھذه المھنة الشریفة بالمصلحة العامة نظرا لمساھمتھا الفعالة في تحقیق العدالة عن طریق تسھیل ممارسة الجمیع
لحق الولوج إلى میدان القانون والقضاء ھذا فضلا عن حمولتھا السیاسیة القویة المتمثلة في سعي المحامین الدائم لإقرار أسس
عدالة نزیھة ومستقلة بالنظر لما للعدالة بھذا المفھوم من ارتباط جوھري بدولة الحق والقانون ولما لھا أیضا من تأثیر حاسم في
ترسیخ دعائم المجتمع الدیمقراطي وحمایة حقوق الإنسان بما یحملھ ذلك من انعكاس إیجابي على الاستقرار السیاسي وتوفیر
المناخ السلیم المحفز للتنمیة الاقتصادیة والاجتماعیة.
لقد أصبحت مھنة المحاماة في المجتمع الدیمقراطي الحدیث تحتل مكانة متمیزة بالنظر للدور المحوري للمحامي في تحقیق العدل
والدفاع عن دولة الحق والقانون. لكن بقدر تعاظم ھذه المكانة المحوریة للمحاماة بقدر ما تتنامى تحدیات مھنیة داخلیة وخارجیة
من شأنھا أن تخل بنھوض المحامي بدوره الأساسي في إنارة الطریق أمام القضاء لتحقیق العدالة المنشودة".
24
- المملكة المغربیة، وزارة العدل، العدل في خطب ورسائل صاحب الجلالة الملك محمد السادس من سنة 1999 إلى سنة 2011 ،
رسالتھ السامیة الموجھة إلى المؤتمر 49 للاتحاد الدولي للمحامین – فاس 31 غشت 2005 ،ص 321.
- لقد عرفت مؤسسة المفوض القضائي تطور تشریعیا بحیث تم تنظیمھا لأول مرة بالمغرب تحت اسم "ھیئة الأعوان القضائیون" 25
بموجب ظھیر شریف الصادر بتاریخ 25 دجنبر 1980 بتنفیذ القانون رقم 41.80 .إلا انھ رغم صدور ھذا القانون لم یتم تفعیلھ نظرا
لغیاب القوانین و المراسیم التنظیمیة لھ، و انتظر المشرع ست سنوات لیصدر مرسوم بتطبیق أحكام القانون المتعلق بإحداث ھیئة
للأعوان القضائیون.
و نظرا لكون المھنة حرة، و أن المفوض القضائي یتقاضى أتعابھ مباشرة من المستفیدین من خدماتھ، استمر تجمید قانون 41.80 حتى
سنة 1988 حیث تم إصدار قرار تحدید أسعار الأجور المستحقة على الإجراءات التي یقوم بھا الأعوان القضائیون في المیادین المدنیة
و التجاریة و الإداریة. و نظرا لضآلة الأجور تم إلغاء ھذا القرار بإصدار قرار جدید سنة 1989 رفع بموجبھ ھذه الأسعار إلى حد
معقول. كما تم إصدار قرار بتحدید التعویض السنوي الإجمالي المستحق عن الإجراءات في المیدان الجنائي.
و تجدر الإشارة إلى انھ بدأ تفعیل ھذا النظام كتجربة أولیة نموذجیة بالمحكمة الابتدائیة بالرباط سنة 1990 ،ثم تم تعمیمھ على مختلف
محاكم المملكة تدریجیا، إذ ھم في البدایة التبلیغ لیشمل بعد ذلك مھمة التنفیذ. و تداركا للھفوات و ملء النواقص و الثغرات سن المشرع
ظھیر شریف بمثابة قانون یغیر و یتمم بموجبھ القانون رقم 41.80 المتعلق بإحداث ھیئة للأعوان القضائیون و تنظیمھا.و رغبة من
المشرع في تطویر ھذه المھنة والارتقاء بھذه المؤسسة و احتواء إشكالاتھا التي أفرزھا التطبیق العملي للمھنة عمل المشرع سنة
2006 على إصدار ظھیر شریف رقم 23.06.1 بتنفیذ القانون رقم 81.03 بتنظیم مھنة المفوضون القضائیون (الجریدة الرسمیة عدد







ومن جھة أخرى، ولما كان الحاجة تفرض توثیق المعاملات بین الأفراد من أجل حمایة
حقوقھم، باتت الضرورة ملحة لخلق مؤسسة تشرف على ذلك، فظھر العدل و معھ الموثق؛ نظرا
للدور الھام المنوط بھما، سواء فیما یتعلق بإثبات الحقوق وضبط المعاملات المتعلقة بھا
درءا لكل نزاع، ولا شك أن ھذین الفاعلین في منظومة العدالة لھم دور في تحقیق الحكامة
القضائیة.
ولأن الضرورة قد تدفع بالمحكمة لسلوك بعض إجراءات التحقیق، لا سیما إذا كان النزاع
المعروض أمامھا یتطلب بحث مسائل فنیة أو تقنیة، أو یحتاج تدلیل صعوبات لغویة، فإنھ مجال
27 والترجمان المحلف 26 العدالة یتدخل فاعلان آخران، ھما الخبیر القضائي
.

وإذا كان القضاء في إطار نظره في القضایا الزجریة، وحتى یتسنى لھ الفصل فیھا
الذي یعتبر دوره 28 بقناعة، فإنھ قد یحتاج إلى مساعدة فاعلین آخرین، من ضمنھم الطب الشرعي
مھما في تحقیق العدالة الجنائیة من خلال المساعدة على الإدارة الفعالة لسیر القضایا
الزجریة،وكونھ أحد الطرق العلمیة التي تساعد على كشف عوالم الجریمة والتعرف على
الحقائق وجمع الأدلة والقرائن والكشف على مرتكبي الجرائم وتقدیمھم للمحاكمة، والذي
یقوم على توظیف المعارف العلمیة والفنیة في المجال الطبي من أجل تحدید ھویة المجرمین
والضحایا أو لتحدید أسباب الجریمة وتاریخ وقوعھا أو الوسائل التي استعملت في ارتكابھا.
وھو ما یؤكد الأھمیة القصوى التي یؤدیھا الطب الشرعي داخل نظام العدالة الجنائیة،
وإسھامھ في تحقیق الحكامة القضائیة في ھذا المجال؛ وھو ما أخذت بھ بعض التشریعات المقارنة
من قبیل التشریع التركي الذي نظم مھنة الطب الجنائي.
ولا یقف التدخل في ھذا المجال فقط على الطب الشرعي وإنما تتدخل أیضا الشرطة
القضائیة، إذ یعتبر ھذا الجھاز بدوره فاعلا في منظومة العدالة، ولھ مكانة مھمة في تحقیق
5400 بتاریخ فاتح صفر 1427 ) 2 مارس 2006 ،(ص 559 ،(و الذي نسخ القانون القدیم و غیر بموجبھ تسمیة الأعوان القضائیون
بالمفوضین القضائیین.
- للمزید بخصوص مھنة المفوض القضائي، راجع: أبو بكر بھلول وباني محمد ولد تركة، المفوض القضائي، مطبعة دار العلم للطباعة
والنشر، الطبعة الأولى، 2008.
26
- القانون 00.45 المنظم لمھنة الخبراء، الجریدة الرسمیة عدد 4918 بتاریخ 27 ربیع الآخر 1422) 19 یولیو 2001 ،(ص
.1868
- القانون رقم 00.50 المتعلق بالتراجمة المقبولین لدى المحاكم 27

الجریدة الرسمیة عدد4918 بتاریخ 27 ربیع الآخر 1422) 19 ،

یولیو 2001 ،(ص1873.
28
- وتجدر الإشارة إلى وجود مشرع قانون رقم 14.06 یتعلق بتنظیم ممارسة الطب الشرعي.


الحكامة القضائیةفكل فاعل في منظومة العدالة یساھم من موقعھ بقسط في تحقیق الحكامة
القضائیة، الشيء الذي یجعل أي إصلاح قضائي تقبل علیھ الدولة، یجب أن یُتخذ بمنظور شمولي
یأخذ بعین الاعتبار كل الفاعلین في منظومة العدالة، ولعل أبرز ما یؤكد ھذا التصور، ما تضمنتھ
بعض الخطب والرسائل الملكیة من أھمھا: الكلمة السامیة للملك محمد السادس بمناسبة ترؤسھ
افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء – الرباط فاتح مارس 2002" .وبالرغم مما قطعناه من
خطوات، فإن إصلاح القضاء لا یزال بعیدا عن الھدف الذي نتوخاه لھ ودون الطموحات
المشروعة للمتقاضین وللمجتمع. ولذا فإننا مصممون على أن یأخذ تسریع النھج الإصلاحي
وتیرتھ القصوى. فقد دقت ساعة الحقیقة معلنة حلول وقت التعبئة الكاملة والقویة للقضاة،
ولكل الفاعلین في مجال العدالة للمضي قدما بإصلاح القضاء نحو وجھتھ الصحیحة وانتھاء
. ورسالتھ السامیة الموجھة إلى المؤتمر 49 29 زمن العرقلة والتخاذل والتردد والانتظاریة"
للاتحاد الدولي للمحامین – فاس 31 غشت 2005" ومن ثم جعلنا في مقدمة ركائز مشروعنا
الدیمقراطي الارتقاء بالعمل القضائي وتأھیلھ باستمرار، مھیبین بوزارة العدل وجمعیة ھیئات
المحامین بالمغرب، أن تنسج فیما بینھا علاقات شراكة وتعاون ثابتة في إطار المسؤولیة
والتعبئة من أجل تحدیث المنظومة القانونیة وتأھیل كل الفاعلین في الحقل القضائي مع الانفتاح
على التجارب المثمرة والاستشراف للغد الأفضل".
وقد تبلورت المجھودات المبذولة لإصلاح منظومة العدالة من خلال میثاق إصلاح
منظومة العدالة، الذي یعتبر تكریسا حقیقیا لكل التوجھات الملكیة، لا سیما خطاب الملك
محمد السادس بتاریخ 20 غشت 2009 ،ومن ثم یعتبر ھذا المیثاق من خلال كافة
التوصیات التي تضمنھا، خریطة طریق نحو إصلاح منظومة العدالة الإصلاح الشامل
والعمیق، وكان من البدیھي أن تنصب مختلف التوصیات، بشكل مباشر أو غیر مباشر،
على مختلف الفاعلین في منظومة العدالة، بدءا من القضاء مرورا بالمتقاضي وباقي
مساعدي القضاء.

- وتضمنت نفس الكلمة وبنفس المناسبة ما یلي: "... فقد تحققت على المستوى التشریعي إصلاحات ھامة في انتظار أخرى ھي في 29
طریق الإنجاز، من شأنھا استكمال بناء صرح العدالة وتعزیز قدرات المحاكم للتغلب على البطء باعتماد القضاء الفردي فضلا عن
إضفاء البعد الإنساني على قانون السجون وعصرنة القضاء الجنائي وإعادة تأھیل المھن القضائیة وتحسین تكوین القضاة، وكافة
الأعوان القضائیین وكذا ظروف عملھم في العدید من المحاكم".



وتبرز أھمیة الموضوع في تسلیط الضوء على دور كل المتدخلین في صناعة مقرر
قضائي؛ والذي یبدأ منذ تحویل واقعة معینة إلى دعوى مرورا بما یستتبع ذلك من إجراءات
وصولا إلى تنفیذ ما قد یقضي بھ القضاء، والوقوف على حجم مساھمتھم في تكریس
المبادئ الدستوریة المتعلقة بحقوق المتقاضین وقواعد سیر العدالة، وعقلنة الزمن القضائي
والرفع من جودة الخدمة المقدمة لزبون العدالة، إلى أي حد تمكن الفاعلون في
منظومة العدالة، في ضوء الإصلاحات التي شھدتھا بلادنا، من تحقیق الحكامة
القضائیة؟

یمكن القول إن كل فاعل في منظومة العدالة یعتبر عنصراً ضروریا في تحقیق
الحكامة القضائیة، إلا أن بعض الفاعلین لازال دورھم قاصراً في تحقیقھا، مما ینبغ العمل
على الارتقاء بھذا الدور.
وستتم دراسة ھذا الموضوع من خلال تشخیص واقع دور الفاعلین في منظومة
العدالة في تحقیق الحكامة القضائیة (المبحث الأول)، ثم محاولة بحث المداخل الجوھریة
الكفیلة برفع ھذا الدور تكریسا للحكامة القضائیة (المبحث الثاني)؛ 








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق