8.11.2019

المسئولیة الجنائیة للأفراد عن الجرائم الدولیة ( مع الترکیز على تفعیل جریمة العدوان )

المسئولیة الجنائیة للأفراد عن الجرائم الدولیة ( مع الترکیز على تفعیل جریمة العدوان )







المسئولیة الجنائیة للأفراد عن الجرائم الدولیة ( مع الترکیز على تفعیل جریمة العدوان )

المؤلف
حمدی محمد محمود حسین
المعهد العالی للقضاء بسلطنة عمان


مجلة كلية الشريعة والقانون جامعة الازهر  المجلد 20، العدد 5، 2018، الصفحة 3371-3438




ملخص البحث
  یمکن القول أن الحرب العالمیة الأولى ، کانت النواة الأولى و السبب الرئیس فی بلورة فکرة القضاء الجنائی الدولی لمحاکمة مرتکبی الجرائم الدولیة التی تعتبر انتهاکاً جسیماً لمبادئ العدالة و القانون الدولی الإنسانی . و أن الحرب العالمیة الثانیة تعد نقطة البدایة الحقیقیة لترسیخ فکرة المسئولیة الجنائیة الدولیة للأشخاص الطبیعیین ، و إنشاء قضاء جنائی دولی ، و إن کان مؤقتاً ، لتحدید هذه المسئولیة . 
و تأتی أهمیة هذه الدراسة للتأکید ، من خلال منهج تحلیلی ، على تطور المسئولیة الجنائیة الدولیة للأفراد على المستوى الدولی وفقاً للاتجاهات الحدیثة و التی لم تعد تقصر ذلک على الدول ، مما أدى بالمجتمع الدولی إلى المناداة بإقامة قضاء جنائی دولی دائم لإدانة الجریمة الدولیة بکافة أشکالها و صورها و معاقبة مرتکبیها مهما کانت صفاتهم الرسمیة . و قد تبلور ذلک من خلال مؤتمر روما للمفوضین عام 1998 و الذی تم من خلاله إنشاء المحکمة الجنائیة الدولیة الدائمة . و قد تم تأکید المسئولیة الجنائیة الدولیة للأفراد بشکل کبیر من خلال المادة 25 من نظام روما الأساسی ، حیث أقر النظام بمسئولیة الأشخاص الطبیعیین الذین یرتکبون جریمة من الجرائم التی تدخل فی اختصاص المحکمة الجنائیة الدولیة ، و محاسبتهم أمام هذه المحکمة ، سواء أکانوا فاعلیین أصلیین أم معاونین و مساعدین أو محرضین على ارتکاب تلک الجرائم .  کما أقر النظام من خلال المادة 31 منه ، على مبادیء القانون الجنائی ، ومن أبرزها مبدأ الشرعیة الجنائیة ، وعدم رجعیة القانون إلا إذا کان أصلح للمتهم ،  وعدم خضوع الشخص الذی تقل عمره عن ثمانیة عشر عاماً لولایة المحکمة ، وأسباب امتناع المسئولیة الجنائیة ، وغیر ذلک من القواعد. 
وتتناول الدراسة تفعیل جریمة العدوان ضمن اختصاص المحکمة الجنائیة الدولیة بعد أن کان معطلاً منذ إنشائها ،مما یعد تطوراً کبیراً ومهماً فی نطاق المسئولیة الفردیة عن الجرائم الدولیة ، وقد تم ذلک من خلال مؤتمر کمبالا الاستعراضی بأوغندا عام 2010 ، ثم موافقة الدول الأطراف فی المحکمة الجنائیة الدولیة بالإجماع خلال اجتماع نیویورک المنعقد فی الفترة من 4 – 14 دیسمبر 2017 .
 کما تتعرض الدراسة لأبرز الإشکالیات التی تعترض قیام المسئولیة الجنائیة الدولیة للأفراد ، والإجابة على العدید من التساؤلات المثارة ، والخلوص إلى أهم النتائج والتوصیات فی هذا المجال . 




الکلمات المفتاحیة : المسئولیة الجنائیة – الجرائم الدولیة – المحکمة الجنائیة الدولیة – الأشخاص الطبیعیین – جریمة العدوان 
أھمیة الموضوع : المسئولیة الجنائیة للأفراد على المستوى الدولي آخذة في التطور
منذ بدایة القرن العشرین ، وحتى یومنا ھذا ، وقد تخطت في كثیر من جوانبھا
السلطان السیادي للدول التي تحاول بین الحین والآخر عرقلة ھذا المسار بما یتفق
ومصالحھا السیاسیة أو الاقتصادیة .
ویمكن القول أن الحربین العالمیتین، الأولى والثانیة ، بما خلفاه من مآس وویلات
على شعوب العالم ، من قتل وتخریب وتدمیر وإبادة ، كان لھما الدور الأكبر في حث
المسئولین الدولیین على وضع نظام فعال لحمایة الحقوق والحریات والمبادئ
والمصالح العامة في العالم ، الأمر الذي انعكس بدوره على نظام مساءلة الأفراد
جنائیاً أمام المحاكم الجنائیة الدولیة بغیة تطبیق العدالة الدولیة كي لا یبقى أي
مرتكب للجرائم الدولیة الخطرة دون ملاحقة أو عقاب .
وھذا التطور ساھم بشكل كبیر في اعتبار الفرد من أشخاص القانون الدولي العام،
ولم یعد الأمر قاصراً على الدولة أو الھیئات والمنظمات الدولیة .
ومن ھذا المنطلق تأتي أھمیة إقرار نظام المسئولیة الجنائیة للأفراد عن الجرائم
الدولیة ومحاسبتھم أمام الجھات القضائیة الدولیة ، والذي مر بفترات ومراحل مھمة
حتى وصل إلى إقرار تلك المسئولیة والمحاسبة علیھا أمام محكمة دائمة ، ھي
المحكمة الجنائیة الدولیة .
وتأتي أھمیة دراسة ھذا الموضوع ، في ضوء ما نشاھده ونعایشھ الیوم من أحداث
جسام ، سواء على مستوى المنطقة العربیة أو خارجھا ، ولعل ما یحدث في العراق
وسوریا والیمن وغیرھا من الدول خیر شاھد على صدق ما نقول ، وعلى ضرورة
إبراز دور المسئولیة الفردیة عن ھذه الجرائم الخطیرة التي أكلت الأخضر والیابس ،
وتحتاج إلى محاسبة وملاحقة من تسبب في ذلك.
إشكالیة الموضوع : لعل الإشكالیة الرئیس في ھذا الجانب تتمثل في تعارض
المصالح الدولیة ، سواء على المستوى السیاسي أو الاقتصادي أو العسكري لبعض
الدول في العالم ، ونظام المسئولیة الجنائیة الفردیة عن الجرائم الدولیة ، فتسعى
دول عدة لعرقلة ھذا التطور الحاصل ، والعمل على تقییده من خلال الوسائل
القانونیة التي تتاح لھا خوفاً من مساءلة كبار القادة والأشخاص الذین ینتمون إلیھا
١ عن أفعال خطیرة تشكل جرائم دولیة تم ارتكابھا في العدید من الدول .
ویتضح ذلك من خلال بحثنا ، بإلقاء الضوء على موقف بعض الدول الكبرى ، وفي
مقدمتھا الولایات المتحدة الأمریكیة ، التي حاولت وما زالت للتقلیل والتضییق من




- نذكر على سبیل المثال لا الحصر ، جریمة الإبادة الجماعیة التي ارتكبھا سلاح الجو الأمریكي
بالقنابل الذریة عام ١٩٤٥ ضد مدینة ھیروشیما وناكازاكي في الیابان مما أدى لقتل مئات الآلاف
من السكان المدنیین أو تشویھھم ، وما فعلتھ إیطالیا في لیبیا وأثیوبیا من قتل وتدمیر .
- ٣٣٧٧ -
دور المحكمة الجنائیة الدولیة ، ولعل عدم تصدیقھا – حتى الآن – على النظام
١ الأساسي للمحكمة خیر دلیل على ذلك ، وھو ما سنتناولھ من خلال ھذا البحث .
ومما یزید الإشكالیة صعوبة أن تدخل المحكمة الجنائیة الدولیة لملاحقة الأشخاص
المسئولین عن الجرائم الدولیة ، حسب نظامھا الأساسي ، یتأتى أغلبھ عن طریق
الإحالة من قبل مجلس الأمن الدولي ، وھو ما یجعل لبعض الدول الكبرى – دائمة
العضویة – سلطة في عرقلة إتمام ھذا الدور
وبالإضافة إلى ما سبق ، تأتى الإشكالیة الأخرى وھي اعتبار القضاء الجنائي الدولي
قضاءً احتیاطیاً للقضاء الوطني ، وھذا یعني أنھ لا یجوز للمحكمة الجنائیة الدولیة
أن تنظر في مسألة مثارة أمام القضاء الوطني ، وھو باب لتفویت الملاحقة
والمحاسبة الدولیة للأشخاص الذین ینتمون إلى الدولة إذا كانت لا ترغب في
ملاحقتھم بأن تقوم بمساءلتھم أمام القضاء الوطني لھا وتبرئتھم أو إدانتھم
ومعاقبتھم بعقوبات بسیطة أو صوریة لتفویت الفرصة لملاحقتھم دولیاً .
٢
تساؤلات الدراسة : وتثیر ھذه الدراسة عدة تساؤلات ، سوف نقوم بالإجابة علیھا
من خلال البحث ، ونجملھا فیما یلي :
١ – ما موقع الشخص الطبیعي في نطاق المسئولیة الجنائیة الدولیة .
٢ – ما أثر المحاكمات الجنائیة المؤقتة ، والتي قامت إبان الحرب العالمیة الأولى
والثانیة في تقریر المسئولیة الجنائیة للفرد عن الجرائم الدولیة .
٣ – ھل أثرت المعوقات الدولیة التي وضعت أمام المحكمة الجنائیة الدولیة على
تمام المسئولیة الفردیة عن الجرائم الدولیة .
٤ – ھل یسھم تفعیل وإدراج جریمة العدوان ، ضمن الاختصاص الموضوعي
للمحكمة الجنائیة الدولیة ، في نطاق المسئولیة الفردیة عن الجرائم الدولیة ؟ وكیف
یتم ذلك ؟
منھج البحث : لقد قمت بالإجابة على التساؤلات المطروحة من خلال البحث ، وتقدیم
رؤیة لمفھوم المسئولیة الجنائیة للأشخاص الطبیعیین عن الجرائم الدولیة ، من
- تثور في ھذه الآونة ، سبتمبر ٢٠١٨ ، مشكلة بین الولایات المتحدة الأمریكیة والمحكمة ١
الجنائیة الدولیة ، حیث تحاول عرقلة عمل المحكمة وإبعادھا عن التحقیق في جرائم تم ارتكابھا في
أفغانستان من قبل أشخاص وقادة عسكریین أمریكیین ، مما دعا بعض المسئولین الأمریكان
للتصریح بمنع قضاة المحكمة من دخول الولایات المتحدة الأمریكیة ، والرد علیھم من قبل
المحكمة بأنھا لن تتردد في القیام بدورھا المنوط بالرغم من التھدیدات المشار إلیھا . للمزید
راجع التصریحات الصادرة في ھذا الشأن بتاریخ ٩/٢٠١٨ م .
- یشار في ھذا الصدد إلى أن الدول المنتصرة في الحرب العالمیة الأولى قدمت لائحة إلى ألمانیا ٢
بتسلیمھا كبار مجرمي الحرب لمحاكمتھم ( بلغ عددھم ٩٠٠ شخص ) ولكن السلطات الألمانیة لم
تستجب لذلك ، وقدمت بدیلاً عنھ محاكمتھم أمام القضاء الألماني وأحالتھم إلى ( محكمة الرایخ
العلیا و محكمة لیزج العلیا ) عدد قلیل من الأشخاص المتھمین الذین وردت أسماؤھم في القائمة
الأصلیة التي أعدتھا لجنة المسئولیات عام ١٩١٩ ، وقد تمت محاكمتھم صوریاً ، حیث صدرت
أحكام بحق ستة منھم وتبرئة الباقین .
- ٣٣٧٨ -
خلال منھج تحلیلي یعتمد على قراءة النصوص وتحلیلھا ، وخاصة المتعلقة
بالمحاكمات الجنائیة الدولیة التي تمت على المستوى الدولي وكذلك المتعلقة بالنظام
الأساسي للمحكمة الجنائیة الدولیة ، والتأكید على أھمیة القواعد الأساسیة التي
تحكم موضوع الدراسة ، وذلك لبیان مدى التطور الحاصل في ھذا المجال وإمكانیة
محاسبة ھؤلاء الأشخاص عن الجرائم الدولیة التي یرتكبونھا بجانب مسئولیة الدولة
التي ینتمون إلیھا .
خطة البحث : تعتمد دراسة الموضوع ، تقسیمھ إلى ثلاثة مباحث ، على النحو التالي
:
المبحث الأول : تطور المسئولیة الجنائیة الدولیة للأفراد .
المبحث الثاني : المسئولیة الجنائیة للأفراد في النظام الأساسي للمحكمة الجنائیة
الدولیة .
المبحث الثالث : تفعیل المسئولیة الشخصیة عن جرائم العدوان 
المصدر: https://jfslt.journals.ekb.eg








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق