5.10.2019

المثامنة في العقار للمصلحة العامة

المثامنة في العقار للمصلحة العامة







المثامنة في العقار للمصلحة العامة





العنوان : المثامنة في العقار للمصلحة العامة
المؤلف : الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد


المثامنة في العقار للمصلحة العامة

إعداد
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد . . .
فإن العقود الجبرية منتشرة في كتب المحدثين وتفريعات الفقهاء ؛ كبيع مال المحتكر ، والتسعير ، والشفعة ، وقسمة الإجبار ، وبيع مال المفلس ... ونحو ذلك ، ومنه المثامنة في العقار للمصلحة العامة ، المعروف بلسان العصر باسم (نزع ملكية العقار للمصلحة العامة) .
وقد تكلم الفقهاء عليه قديمًا وحديثًا ، وهذه أبحاث مختصرة تلم شتات ما تناثر في هذه المسألة لما لها من أهمية في العصر الراهن , بل صارت تمثل ظاهرة حضارية في المدن والقرى والأمصار ، كتوسعة المساجد وإنشائها ، والطرق ومدها ، ونحو ذلك في أعقاب تلبية متطلبات الحضارة ومعايشتها ، ولأهميتها ، أدخلت في مشروع (وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام) من أن الناس مسلطون على أملاكهم ، ويجوز لولي الأمر نزع الملك من مالكه لمصلحة عامَّة لقاء تعويض فوري عادل .
وقد أدرت البحث فيها على ما يلي :
أولا : التعريف بمفردات العنوان .
ثانيًا : تمهيد عن الملكية .
ثالثًا : القيود الواردة عليها .
رابعًا : المثامنة في العقار للمصلحة العامة .
____




______
وفيه ستة فروع :
ا - وقائعها على مدى العصور الإسلامية .
2- كلام الفقهاء فيها .
3 - أدلتها .
4 - شروطها .
5 - موقف المالك منها .
6 - حكم نزع العقار من مالكه ليتملكه آخرون .
فإلى بيانها :
أولًا : التعريف بمفردات العنوان .
هذا العنوان (نزع ملكية العقار للمصلحة العامة) اصطلاح حادث في العصر الحاضر ، وهو لدى الفقهاء ينطوي تحت ما يطلقون عليه (1) :
ا - العقود القهرية .
2 - الإكراه بحق .
3 - الإكراه الجائز .
4 - الجبر الحلال .
5 - الجبر الشرعي .
__________
(1) انظر : نزع ملكية العقار للمصلحة العامة للشيخ عبد العزيز بن عبد المنعم ص437 .
ومن مفرداته : الشفعة ، التسعير ، بيع مال المحتكر ، بيع مال المفلس ، جبر غير المسلم على بيع عبده المسلم ، قسمة الإجبار ، إجبار مالك رقيق أو حيوان ببيعه إذا لم ينفق عليه . . . وهكذا في عدة فروع منتشرة في عدد من أبواب الفقه .
فيتبقى التعريف بأمرين :
1- الملك
2- المصلحة العامة .
أما الملك فهو في اصطلاح الفقهاء :
اتصال شرعي بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقًا لتصرفه فيه ، وحاجزا عن تصرف غيره فيه (1) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (2) :
(الملك : هو القدرة الشرعية على التصرف في الرقبة) .
ومدار الملك في تعريفاتهم على الشرعية في أسبابه ، فحيث يكون ملكًا شرعيا تترتب عليه آثاره (حقوق التملك) الشرعية. والله أعلم .
المصلحة العامة :
أصبح نزع ملكية العقار لعموم المصلحة في أي بلد يشكل ظاهرة حضارية في العصر الراهن , وذلك لتحقيق مصالح الخلق الضرورية في أعقاب تغير وجوه التعايش ، وظهور المخترعات من السيارات والقطارات ونحوها ، لتسهيل سبل التعايش وتوفير الأمن ونحو ذلك من المصالح .
__________
(1) تهذيب الفروق ، 4/ 234 .
(2) الفتاوى الكبرى 3/ 114 ، 347

ومنه : بناء المساجد ، وتوسعتها ، وإيجاد الميادين ، ومد الطرقات . . .
والمصلحة على مراتب :
ا - المصلحة في الضروريات : بتوفير ما يحفظ للناس ضروريات حياتهم الخمس المشهورة : حفظ الدين ، والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال .
2 - المصلحة في الحاجيات : وهي ما يحتاجه الناس للتوسعة ، ورفع الضيق والحرج .
3 - المصلحة في التحسينات : وهي الأخذ بما يليق في محاسن العادات ، ومكارم الأخلاق .
المصلحة العامة :
تمتاز المصلحة العامة عن المصلحة الخاصة بالشمول وعموم النفع ، فلذا كانت أولى بالتقديم وعموم النفع ، سواء كان عمومها لأهل بلد أو حي , أو إقليم أو مملكة من الممالك ، وهكذا كلما كان اتساع نفعها كان تحقيقها ورعاية تحصيلها ألزم وأولى . والله أعلم .
ثانيًا : تمهيد عن الملكية :
بما أن الملكية الفردية للأشياء وحيازتها والاختصاص بها غريزة طبيعية لبني آدم ، فقد واكبته منذ عهد ابني آدم عليه السلام ، كما قال الله تعالى :
{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } [المائدة : 27] .
وقد ذكر المفسرون : ابن كثير ، والقرطبي ، وغيرهما أن : هابيل كان صاحب غنم ، وقابيل كان صاحب زرع ، والله أعلم .
_________




_

وقال تعالى ممتنا على خلقه : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ } [ يس :71]
وبتطور النوع الإنساني وتكاثره تولدت الملكية الجماعية ، لتشابك مصالحها وتبادلها , ونشأت أيضًا الملكية العامة التي يرتفق بها الجميع دون استثناء , مثل : الطرقات ، وما على الأرض من كلأ وما في البحار من صيد ، وهكذا .
وما زال بنو آدم على هذا المنوال تجري عليه حياتهم الفردية ، والجماعية والعامة .
وفي خصوص العرب كانت هذه جارية لديهم في جزيرتهم يتعاملون بها , ويأخذون بأسباب التملكات الفردية مثلًا من : البيع ، والشراء ، والحرث ، والتوارث ، وهكذا .
فلما جاء الله بالإسلام علم منه بالضرورة (التملك) في حدود : قواعد ، وضوابط ، ومعالم ، يتوارث العلم والعمل بها عامة المسلمين من ميدان التشريع والتطبيق في المباحثات كافة من منقول وغير منقول بأسباب نصبها الله تعالى ، موجبة للتملك : من الإحياء ، والتحويط ، والإرث ، والوصية ، والهبة ، والبيوعات ، ونحوها من (أسباب التملك) في إطار الشرع المطهر , فلا يجوز الأخذ بسبب التملك من المحرمات وشوائبها ؛ كالربا والغش ، والاغتصاب ، ونحو ذلك .
قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } [ البقرة : 278 ، 279 ] .
__________
وصانه عن اعتداء الغير عليه , فقال سبحانه : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } [ البقرة : 188] .
كما فصل سبحانه آثاره (حقوق التملك) من التوارث ، والزكوات ، والصدقات ، والحقوق ، والارتفاق ، والانتفاع . وهلم جرا ، مما يحتسب حماية وصيانة لهذا التشريع في التملك ، وتصرف مالكه به ، وإباحة استعماله بوجوه ( حقوق التملك ) من : الاستعمال ، والاستغلال ، والتصرف ، مشمولة بصفتي الإطلاق والدوام في إطار التشريع المطهر ، فلا يجوز استعمال (حق التملك) في محرم مثلًا .
وقد تواردت نصوص الشرع المطهر من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم ، وأقضيتهم على هذه الأصول العظيمة التي تجعل النوع الإنساني يعيش في ظل حياة رغيدة على صراط مستقيم مصونًا من المكاسب المحرمة التي فصلها الله سبحانه , فقال لعباده : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } [ الأنعام : 119 ] . وزجر عنها وعن كل إثم , فقال تعالى : { وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ } [ النساء : 111 ] . محفوفًا بوجوه البذل الإلزامية التي لا تجحف بالمالك وملكه والطوعية التي تنبئ عن شرف نفسه وتساعد على بقاء جنسه ، ولهذا كانت النفقات الشرعية زكاة وطهرة ونماء ، فسبحان من شرع فأحكم بما نهى عنه ، وأمر وألزم .





__________

ولهذا بسط العلماء أحكام التملك وآثاره في مؤلفاتهم الحديثية والفقهية وغيرها . فإلى بيان ما يتعلق منها بنزع الملكية للمصلحة العامة :
ثالثًا : القيود الواردة على الملك في (أسبابه وحقوقه) :
دل الاستقراء لنصوص الشرع على أن هذه الملكية بقدر ما فيها من إطلاق وثبات ودوام لأسباب تملكها وحيازتها والاختصاص بها في قالب الشرع ، فإن هذا المالك له حق الاستعمال والاستغلال والتصرف ببيع ونحوه في حدود الشرع ، برعاية حقوق الله وحقوق عباده على كلا الحالين .
والشرع قد دل في مصادره وموارده على صيانة المالك وحمايته في حقه وأسبابه , باعتباره مالكًا مسالمًا يعايش إخوانه المسلمين ، ويعيش لبنة بناء لرعاية مصالحهم وتوفيرها في محيط جواره وأقاربه وأهل حيه وأهل بلده وعامة المسلمين , وهذا ما يندرج تحت قاعدتي الشريعة من (تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) و(الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف) ونحوهما من قواعد دفع الضرر والترجيح بين المصالح .
ولهذا دل الاستقراء على ورود قيود على (أسباب التملك) و(حقوقه) من جهات ثلاث :
1- قيود لمصلحة المالك نفسه .
2- قيود لمصلحة فرد آخر أو أفراد.
3- قيود لمصلحة المسلمين عامة .
__________
وإيضاحها كما يلي على وجود تداخل وتلازم في بعضها :
الأولى : قيود لمصلحة المالك نفسه ، فلا يجوز كسبها من محرم كالخمر , ولا صرفها فيه.
الثانية : قيود لمصلحة الغير من الأفراد ، فلا يجوز كسبها باغتصاب مال الغير ، ولا استغلالها بما يضر الغير كالجوار .
الثالثة : قيود لمصلحة المسلمين عامة ، وهي التي لا تختص بواحد معين ، أو جماعة معينين , فلا يجوز أن يتملك مرافق المسلمين العامة ؛ كالطرق ، والرحاب ، والمعادن ، والمراعي ، وسوح الديار .
ولذا صار لثبوت التملك شرعًا بالإحياء شروطه المعتبرة شرعًا عند الفقهاء ، كالنهي عن تلقي الجلب ، وبيع حاضر لباد . وهكذا .
وعند التزاحم للمصالح العامة والخاصة يرجح بينها , فتغلب المصلحة الراجحة على المرجوحة , والعامة على الخاصة ، سواء كانت عن طريق التحقيق والإيجاب بإيجادها , مثل حاجة البلد إلى نزع عقار من ملك مالكه لبناء مسجد للكافة , أو قنطرة ونحو ذلك .
أو عن طريق الدفع للأذى والضرر عن المسلمين ؛ كمنع المالك من استعمال عقاره المملوك له في وسط بلدة أو حي بآلات ذات أصوات مزعجة ، أو فيها مخاطر ، أو مصنع للأسمنت أو لمواد ذات روائح كريهة ، وهكذا .
__________

رابعًا : المثامنة في العقار للمصلحة العامة :
وفيه الأبحاث الآتية :
ا - وقائعها على مدى العصور الإسلامية .
2 - كلام الفقهاء فيها .
3 - أدلتها .
4 - شروطها .
5 - موقف المالك منها .
6 - حكم نزع الملك ليتملكه آخرون . وهذا بيانها :
الفرع الأول : تاريخ نزع ملكية العقار وجملة من وقائعها على توالي العصور .
التاريخ التشريعي لنزع ملكية العقار لمصلحة المسلمين العامة هو من أول يوم هبطت فيه قدما النبي صلى الله عليه وسلم ؛ مهاجرة ( المدينة النبوية المنورة ) .
ا - ففي صحيح البخاري وغيره (1) ، : (قصة مهاجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الصديق أبو بكر رضي الله عنه إلى المدينة , وفيه بروك راحلة النبي صلى الله عليه وسلم في موضع المسجد اليوم




__________
(1) صحيح البخاري : 5/ 61 ، جامع الترمذي . 2/ 121 ، أسد الغابة : 1/ 86 ، الإصابة ، طبقات ابن سعد 2/ 4.

وهو مربد ممر : لسهل وسهيل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته : (( هذا إن شاء الله المنزل ، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين ، فساومهما بالمربد ، ليتخذه مسجدًا ، فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله ، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة , حتى ابتاعه منهما ، ثم بناه مسجدًا )) اهـ .
2 - مثامنة النبي صلى الله عليه وسلم لبني النجار في حائطهم لبناء مسجده صلى الله عليه وسلم .
(عن أنس رضي الله عنه قال : أمرني النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد , فقال : (( يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا قالوا : لا والله , لا نطلب ثمنه إلا إلى الله . )) .
رواه البخاري (1)
3 ، 4 - توسعته صلى الله عليه وسلم لمسجده الشريف . وشراء بئر رومة لسقيا المسلمين عامة .
__________
(1) فتح الباري : 1/ 525 ، باب 48 ، الصلاة ومواضع أخرى في البيوع وغيرها .
عن ثمامة بن حزن القشيري قال :
" شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان رضي الله عنه , فقال : ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي ، قال : فجيء بهما كأنهما جملان ، أو كأنها حماران ، قال : فأشرف عليهم عثمان , فقال : أنشدكم بالله والإسلام ، هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس ماء يستعذب غير بئر رومة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة ؟ فاشتريتها من صلب مالي ، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر ، قالوا : اللهم نعم .
فقال : أنشدكم بالله والإسلام , هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة , فاشتريتها من صلب مالي . )) رواه الترمذي (1) .
5 - مع بني ساعدة في مكان مقابرهم سوقًا للمسلمين (2) :
__________
(1) جامع الترمذي ، رقم 3787 . وقصة بئر رومة أصلها في صحيح البخاري ، وسنن النسائي وغيرهما . انظر فتح الباري 5 /406 - 409 .
(2) وفاء الوفاء 2/ 748.
فقد خرج السنهوري ، عن تاريخ ابن زبالة بسنده عن عباس بن سهل , عن أبيه : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بني ساعدة ، فقال : إني جئتكم في حاجة ، تعطوني مكان مقابركم ، فأجعلها سوقًا , وكانت مقابرهم ما حاذت دار ابن أبي ذئب إلى دار زيد بن ثابت ، فأعطاه بعض القوم ، ومنعه بعضهم ، وقالوا : مقابرنا ، ومخرج نسائنا . ثم تلاوموا ، فلحقوه وأعطوه إياه , فجعله سوقًا . )) اهـ .
في عصر الخلفاء الراشدين :
وقد حفظت كتب الحديث والسير ، وتاريخ الحرمين الشريفين ، وغيرهما من كتب التاريخ العامة وقائع متعددة في توسعة الحرمين لما ضاقا بالمصلين ونزع ملكيات الدور المحيطة لذلك في عصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم , فمن أصحاب الدور من تصدق بها ولم يقبل العوض ، ومنهم من ثامنوه فقبله ، ومنهم من بيعت عليه جبرًا لتوسعة المسجد .
الوقائع في هذا في عصر الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم يطول البحث بسياقها , لكني أذكر رؤوس المسائل لها مع الدلالة على مصادرها , ليقف الراغب عليها في مظانها , والله الموفق .

1- توسعة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمسجد النبوي الشريف , أخرجها ابن سعد في الطبقات : 4 /13 ، 14 ، السنن الكبرى للبيهقي : 6/ 168. وانظر وفاء الوفاء : 2 /482، 483 ، 488 .
2 - توسعته رضي الله عنه للمسجد الحرام :
انظر فيها : أخبار مكة للأزرقي : 2/ 54 - 55 , الذهب المسبوك للمقريزي 14 وفيه :
(وفي سنة سبع عشرة اعتمر عمر رضي الله عنه ، وبنى المسجد الحرام ، ووسع فيه ، وأقام بمكة عشرين ليلة ، وهدم على قوم أبوا أن يبيعوا دورهم ، وعوضهم أثمانها من بيت المال ) اهـ .
وفي مجموع هذه الوقائع عن عمر رضي الله عنه , أن نزع الدور إما بالبيع لقاء تعويض عادل , أو هبة المالك لداره , أو تصدقه بها لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم , أو البيع على صاحبها جبرًا وهدم الدار عند امتناعه . والله أعلم .
3 - سجن عارم في مكة . وشراء دار له في خلافة عمر رضي الله عنه , كما في : مصنف عبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، والبيهقي ، والبخاري معلقًا . انظر : فتح الباري : 5/ 75 .




__________

4 - توسعة الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه للمسجد النبوي الشريف . كما في فتح الباري :5 /408 ، وفاء الوفاء : 2 /502 .
5 - توسعة ابن الزبير رضي الله عنه للمسجد الحرام . كما في تاريخ مكة للأزرقي 2/ 55
6 - توسعة المسجد النبوي الشريف في عهد إمارة عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بأمر عبد الملك بن مروان . كما في الذهب المسبوك للمقريزي : ص 30.
وفي الخبر :
(فقوم عمر بن عبد العزيز الأملاك قيمة عدل ، وأعطى الناس أثمانها) اهـ .
والخبر بطوله مفصل في تاريخ ابن النجار ص 81 - 84 .
7 - توسعة الوليد بن عبد الملك للمسجد النبوي الشريف . كما في السير للذهبي 2 /218. وابن كثير : 5 /273، 9 /77 وفاء الوفاء : 2 /513.
8 - توسعة المسجد الحرام في عهد أبي جعفر المنصور م . سنة 158 هـ , كما في أخبار مكة للأزرقي :2 /57. وتاريخ ابن كثير : 10/ 74 ، 149 - 14 /42.
__________

9 - توسعة المسجد الحرام في زمن المهدي م , سنة 169 هـ . كما في السير للذهبي 7 /402 . تاريخ ابن كثير : 10 /132
10- توسعة جامع قرطبة في ولاية عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان م . سنة 172 هـ رحمه الله تعالى . كما في سير أعلام النبلاء :8/ 220 - 221.
11 - توسعة المسجد النبوي في عهد بيبرس عام 668 هـ . كما في : تاريخ ابن كثير 13 /256.
وهكذا في وقائع يطول ذكرها وسياقها ، ولينظر على سبيل المثال :
سير أعلام النبلاء : 2 /218 ، 3 / 379 ، 8/ 221 . المنتظم : 10 /212 . تاريخ ابن كثير. ذيل الروضتين : ص87 . الإصابة : 3 /204 . معالم الإيمان : 2/ 37 - 38 .
الفرع الثاني : كلام الفقهاء في هذه المسألة (1) :
__________
(1) انظر في نزع الملكية للمصلحة العامة عند العلماء . فتاوى قاضيخان: 4/ 293 ، شرح علي حيدر على المجلة :3 /245 ، وفاء الوفاء : 2/ 482 ، 500 ، 501.

لم يحصل الوقوف على خلاف يؤثر في جواز نزع ولي الأمر أو نائبه أي ملك فردي أو مشترك لتحقيق مصلحة عامة تعود على المسلمين بالنفع لتوسعة الطرق والمساجد ونحوها .
بل تكاد تتفق كلمتهم على ذلك ، وأن هذا من الإكراه بحق , وأكتفي بنص واحد من كل مذهب من المذاهب الأربعة (1) :
ا - في حاشية الشلبي على شرح الكنز للزيلعي :
(ولو ضاق المسجد على الناس وبجنبه أرض لرجل ، تؤخذ أرضه بالقيمة كرهًا، ولو كان بجنب المسجد أرض وقف على المسجد , فأراد أن يزيدوا شيئًا في المسجد من الأرض , جاز ذلك بأمر القاضي) اهـ .
2 - وقال الحطاب :
(من الجبر الشرعي : جبر من له ريع يلاصق المسجد ، وافتقر لتوسيع المسجد به على بيعه لتوسيع المسجد ... ) اهـ .
ويأتي كلام الشاطبي المالكي في : مبحث الشروط .
3- في الأحكام السلطانية للماوردي ذكر فعل عمر رضي الله عنه في توسعة الحرمين الشريفين .
__________
(1) انظرها مجموعة محررة في نزع ملكية العقار للمصلحة العامة : ص437 - 450 للشيخ ابن عبد المنعم .

4- وللحنابلة في منصوص الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، ويأتي كلام ابن القيم رحمه الله تعالى .
الفرع الثالث : في أدلتها :
والأدلة فيها :
ا - عمل النبي صلى الله عليه وسلم وعمل خليفتيه الراشدين ، عمر وعثمان رضي الله عنهما ، وعمل ابن الزبير رضي الله عنه .
وتوارث العمل بذلك إلى عصرنا من غير نكير , وعليه تواردت كلمة الفقهاء رحمهم الله تعالى .
2 - دخولها تحت قواعد الشريعة العامة في نفي الضرر :
أ- تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام .
ب - الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف .
ج - الشريعة جاءت بتحصيل المقاصد وتكميلها , وتعطيل المفاسد وتقليلها .
والله أعلم .
__________

الفرع الرابع : شروطها :
في ضوء ما تقدم يمكن تصنيف شروط نزع ملكية العقار للمصلحة العامة على ما يلي :
1- أن يكون نازع العقار ولي الأمر أو نائبه فيه .
2- أن يكون نزعه لمصلحة عامة .
وهي كما تقدم التي يستفيد منها عموم الخلق ؛ كالمساجد والطرقات ، والميادين ونحوها ، وكلما اتسعت دائرة الانتفاع , كانت الضرورة إليها أشد , فتوسعة المسجد الحرام ، أو المسجد النبوي الشريف ليست كتوسعة مسجد حي من أحياء المسلمين . وهكذا .
قال الشاطبي رحمه الله تعالى (1) :
( المصالح العامة مقدمة على المصلحة الخاصة ، وقد زادوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره مما رضي أهله ، وما لا . وذلك يقضي بتقديم مصلحة العموم على مصلحة الخصوص , ولكن بحيث لا يلحق الخصوص مضرة ) اهـ .
3 - أن يكون نزعه مقابل بذل عوض عادل .
__________
(1) الموافقات : 2/ 275 .
وبذله على مرتبتين :
الأولى : مساومة المالك ومثامنته كما تقدم في حديث أنس رضي الله عنه .
الثانية : التقويم العادل في حال امتناع المالك .
4 - أن يكون العوض فوريا . والله أعلم .
الفرع الخامس : موقف الملاك منها :
من المسلمات في الشرع المطهر أن الملاك مسلطون على أملاكهم , فلا ينتقل الملك من مالكه إلا عن رضا واختيار ، قال الله تعالى : { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [ النساء : 29 ]
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه )) .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (1) :
(الناس مسلطون على أموالهم ، ليس لأحد أن يأخذها أو شيئًا منها بغير طيب أنفسهم ، إلا في المواضع التي تلزمهم الأخذ فيها ) اهـ .
ومن المواضع اللازمة التي ترد على هذا التصرف المطلق : نزع الملك للمصلحة العامة من باب ترجيح المصالح العامة على الخاصة .
__________
(1) الطرق الحكمية : ص 256 .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
(يجوز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرًا بثمنه للمصلحة الراجحة ) اهـ .
والمصلحة الراجحة ما كانت للعامة كما يعلم مما تقدم من وقائع المثامنة على الملكية ، وكلام الفقهاء .
وعليه : فإن المالك الذي يقع ملكه في دائرة ما يراد نزعه لتحقيق مصلحة عامة , ينبغي أن يبيع ذلك الملك عن رضا واختيار ؛ تحقيقًا للمصلحة العامة ، كتوسعة مسجد أو سابلة ونحوها ، متى كان ذلك المبيع لقاء عوض عادل فوري لا وكس ولا شطط . وهذا ما قررته ( وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام ) .
وإنه إذا لم يرض وامتنع فيكون تمنعه غير مشروع , فيجبره ولي الأمر أو نائبه بذلك , وينزع منه ملكه (للمصلحة العامة) لقاء تعويض فوري عادل ، لتحقيق مصلحة عموم الخلق .
فهذا من الإكراه بحق ، وقد تقدم في وقائع نزع الملكية على مدى العصور أمثلة لهذا .
وله نظائر لدى الفقهاء في (العقود الجبرية) كما تقدم . والله أعلم .
الفرع السادس : في حكم نزع الملكية الفردية أو الموقوفة ليتملكها ويستثمرها آخرون .
__________

قد علم من الشرع بالضرورة حرمة مال المسلم , وأنه لا سلطان لغير مالكه عليه ، وأن نزع العقار جبرًا على مالكه مقيد بشروط وضوابط يلزم توفرها ليصح المشروط ، وإلا فيكون باطلًا وجبرًا بغير حق ، ومن هذه الشروط ، بل هو أساسها الأشد : أن يكون العقار ( للمصلحة العامة ) , والعقار الذي ينزع من يد مالكه أو واقفه ليتملكه آخرون يفتقد الشرط المذكور ( المصلحة العامة ) , فيكون هذا من باب الظلم لفرد له الصفة الكاملة المطلقة في ملكه استعمالا واستغلالا وتصرفًا , ثم تنزع ليد أجنبي عنها ليستغلها , مثلًا فهذا تصرف ينابذ مشروعية التملك وحقوقه ، وهو من التظالم والغصوب التي نهى الله عنها ورسوله ، ولا يقرها أهل العلم والإيمان و (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه )) . والحاصل أن هذا النوع من التصرف تنسحب عليه أحكام ( الغصب ) وأن إقراره بوابة الولوج في التيار المادي المعاصر من أن الملكية الفردية شر ، تشل فعاليته ويحصر في أضيق الحدود .
اللهم فاحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وآخرتنا التي إليها معادنا . وصلى الله وسلم على نبينا ورسولنا محمد وآله وصحبه .
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد
__________








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق