5.08.2019

نقل عبء الإثبات في جرائم غسل الأموال في الشريعة والقانون

نقل عبء الإثبات في جرائم غسل الأموال في الشريعة والقانون







نقل عبء الإثبات في جرائم غسل الأموال في الشريعة والقانون




نقل عبء الإثبات في جرائم غسل الأموال في الشريعة والقانون


الحمد لله القائل: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].



والصلاة والسلام على خير خلقه؛ ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾[الأحزاب: 40]، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [سبأ: 28].

جعل الشريعة خاتمة الشرائع فقال في محكم التنزيل: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85].

وضمَّنها من المبادئ والأحكام الصالحة لكلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ لتحقيق مصالح الناس بحِفظ الدِّين والنفس والعقل والنسل والمال وكل ما يتعلَّق بها، وسنَّ في سَبِيل حِمايتها من العُقوبات ما يردع حفظًا للأمن ورعاية للحقوق؛ "فالشريعة مَبناها وأساسُها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدْلٌ كلُّها، ورحمةٌ كلها، ومصالِحُ كلها؛ فكلُّ مسألةٍ خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدِّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث - فليست من الشريعة وإنْ أُدخِلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدلُ الله بين عِباده، ورحمتُه بين خلقِه، وظلُّه في أرضِه"[1].



أهميَّة الموضوع:

يُعَرَّف غسل الأموال في الشريعة الإسلاميَّة بأنه: "تنظيف المال المحرَّم بخلطه مع المباح، أو تحويل ثمنه إلى الأوجُه المباحة؛ ليصبح طاهرًا بعوضه"[2].

وفي القانون "أيُّ عمليَّة من شأنها إخفاء المصدر غير المشروع الذي اكتُسِبت منه الأموال"[3].

ويُمثِّل غسْل الأموال ظاهرة إجرامية مُستحدَثة، تُؤرِّق مختلف دول العالم، المتقدِّمة والنامية على السَّواء، بعدَ أنْ برَز دورُها في عَرقَلة إجراءات تَعقُّب وضبْط ومُصادَرة الأموال ذات المصدر الإجرامي، وفي إتاحة فُرَصٍ أوسع لإعادة استِخدام عائدات الجريمة، وفي تعزيز الأنشطة الإجراميَّة، والتسلُّل إلى الهياكل الاقتصاديَّة المشروعة، وإرباك الأسواق، والاستِخدام الإجرامي للنُّظم المصرفيَّة والماليَّة، فَضْلاً عن نشر الفساد، ومحاولات التأثير على أجهزة العدالة الجنائيَّة والمؤسَّسات السياسيَّة والإعلاميَّة، وغيرها من قِطاعات المجتمع[4].



خطة البحث:

نُقسِّم الموضوع إلى ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: الأصل براءة المتَّهَم في الشريعة والقانون.



المبحث الثاني: عبء إثبات جرائم غسل الأموال في الشريعة والقانون.



المبحث الثالث: القرائن ودورها في نقل عبء الإثبات في الشريعة والقانون.



الخاتمة: تتضمَّن أهم النتائج.



•   •   •   •
المبحث الأول
الأصل براءة المتَّهَم في الشريعة والقانون

أصل براءة المتَّهَم:

يُعبَّر في الشريعة الإسلامية عن ذلك ببراءة الذمَّة، فالأصل في الإنسان براءة ذمَّته من الحقوق، وبراءة جسده من الحدود والقصاص والتعزيرات[5].



والبراءة أصلٌ في الإنسان بناءً على استصحاب البراءة الأصليَّة، وهو استصحاب العدم الأصلي المعلوم؛ لأنَّ البراءة هي الأصل[6].



وبناءً على ذلك فتُبنَى إدانة المتَّهَم على دليلٍ جازم، يُثبِت التُّهمة، ويرفع ما ثبت له أصلاً من افتراض البراءة؛ وحيث تفتَقِر الدعوى الجنائيَّة إلى مثْل هذا الدليل، فإنَّه يتعيَّن الحُكم بتبرئة المتَّهَم[7].



- أصل بَراءة المتَّهَم هو مقصد من مقاصد التشريع الإسلامي، ومن المصالح الضرورية التي يجبُ الالتزام بها، والمحافظة عليها؛ لأنَّه يحمي الحقوق والحريَّات التي كفلت النصوص حمايتها؛ فقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فإنَّ دِماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم بينكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليُبلغ الشاهدُ الغائبَ، فإنَّ الشاهد عسى أنْ يُبلِّغ مَن هو أوعى له منه))[8].



إنَّ مقاصد الشريعة الإسلاميَّة من الأدلَّة القطعيَّة الثابتة بالاستِقراء الكلي لكلِّ مصادرها[9].



وليس أدل على أنَّ أصل البراءة من مقاصد التشريع الإسلامي من قوله - تعالى -: ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 112].



"فهذه الآية تدعو إلى ضرورة حماية البراءة في كلِّ إنسانٍ من أنْ يصيبها العدوان من قِبَلِ متعمِّدٍ أو مُخطِئ يريد أنْ يقذف شخصًا هو في الأصل بريء، ممَّا يوحي معها أنَّ البراءة أمرٌ هائل ثقيل الوزن في مِيزان الله"[10].



فتُعتَبر البراءة في الإنسان أساسًا في الشريعة الإسلاميَّة؛ وذلك اعتمادًا على الكرامة التي منَحَها الله له بقوله: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70].

"أي: جعلنا لهم شرفًا وفضلاً... وهذه الكرامة يَدخُل فيها خلقهم على هذه الهيئة"[11].



ومن القواعد الأصوليَّة في الإسلام أنَّ الإنسان يُولَد على الفطرة، فلا يرتكب الجريمة؛ لأنها أمر شاذ، ومن ثَمَّ فالأصل فيها العدم، والعدم يقين، واليقين لا يزولُ إلا بيقينٍ مثله، فلا يزولُ بالشك، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت عكسُه.



وكذلك تُعتَبر البراءة أصلاً في الإنسان بِناءً على الاستصحاب، ومن أنواع الاستصحاب استصحاب البراءة الأصليَّة، وهو: "استصحاب العدم الأصلي المعلوم؛ وذلك كبراءة الذمة من التكاليف حتى يقوم الدليل على التكليف بأمرٍ من الأمور، فإذا لم يَقُمْ دليلٌ، بقي ما كان على ما كان، وهو: أنَّ كلَّ شيء مُباح للإنسان؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الإباحة"[12].



"وعلى ذلك فمن حقِّ كلِّ مُتَّهم في الإسلام أنْ تُفتَرض براءته إلى أنْ يُقدَّم الدليل الذي يصل إلى حدِّ الجزم واليقين بدحْض هذه البراءة بناءً على حُكمٍ بذلك، ومن ثَمَّ فكلُّ شك يُفسَّر لصالحه؛ لأنه يقوي جانب أصل البراءة فيه، فالإدانة تقومُ على اليقين، أمَّا البراءة فيقضي بناءً على الشك والاحتمال"[13].



قاعدة اليقين لا يزول بالشك:

هذه القاعدة أصلٌ شرعيٌّ عظيمٌ، عليها مَدار كثيرٍ من الأحكام الفقهيَّة، يتمثَّل فيها مظهَرٌ من مظاهر اليُسر والرأفة في الشريعة الإسلاميَّة، وهي تهدف إلى رفْع الحرج حيث تقرير لليقين باعتباره أصلاً معتبرًا.



في المجال الجنائي:

1- الأخْذ بجرائم الحُدود وعُقوباتها بأقصى سنِّ التكليف؛ وذلك لأنَّ الأصل في صِغار السن أنهم غير مسؤولين جنائيًّا، فإذا ارتَكَب شخصٌ جريمةً لم يُؤاخَذ بها إلا إذا كان قد بلَغ أقصى سنِّ التكليف؛ لأنَّ ما ثبَت بيقينٍ لا يزولُ بالشك.



2- أنَّ الشك يُفسَّر لصالح المتَّهم.



3- افتراض بَراءة المتَّهم.



4- الأحكام الصادرة بالإدانة يجبُ ألاَّ تُبنَى إلاَّ على حجج قطعية الثُّبوت تُفِيد الجزم واليقين، ولا يصحُّ أن تُقام الإدانة على الشك والظن، بل يجبُ أنْ تُؤسَّس على الجزم[14].



علاقة القاعدة بأصل البراءة:

إنَّ الأمر المتيقَّن هو البراءة، وإنَّ الإدانة شكٌّ، فلا يزول الأمر المتيقَّن - وهو البراءة - بهذا الشك الطارئ حتى يَثبُت ذلك الشك باليقين، فالأصل أنَّ المتَّهم بريء ممَّا نُسِبَ إليه من الفعل أو الجريمة حتى يَثبُت ذلك باليقين، فتزولُ عنه صفة البراءة، وتثبُت بحقِّه الإدانة.



فلا يصحُّ الحكم بالعُقوبة إلا بعد التثبُّت من أنَّ الجاني ارتَكَب الجريمة، وأنَّ النصَّ المحرم منطبقٌ على الجريمة، فإنْ كان هناك شكٌّ في أنَّ الجاني ارتكَبَ الجريمة، أو في انطِباق النصِّ المحرم على الفعل المنسوب إلى الجاني، وجَب الحُكم ببَراءته؛ لأنَّ براءة المجرم في حال الشك خيرٌ للجماعة، وأَدْعَى إلى تحقيق العدالة من عِقاب البَرِيء مع الشك.



التطبيق في المملكة العربية السعودية:

نصَّ النظام الأساسي للحُكم في مادَّته السادسة والعشرين على أنَّه: "تَحمِي الدولة حُقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلاميَّة"، وحيث إنَّ المملكة تتَّخذ الشريعة الإسلاميَّة دستورًا ومِنهاجًا، وأنَّ قاعدة "الأصل في المتَّهَم البراءة" قاعدةٌ فقهية إسلامية تبنَّاها الفقه الإسلامي مستنبطها من مبادئ الشريعة الإسلاميَّة.



وقد وردَتْ نصوصٌ في نِظام الإجراءات الجزائيَّة السعودي تُوضِّح ذلك:

فنصَّت المادة الثانية على أنَّه: "لا يجوزُ القبض على أيِّ إنسان أو تفتيشه، أو توقيفه أو سجنه، إلا في الأحوال المنصوص عليها نِظامًا، ولا يكونُ التوقيف أو السجن إلا في الأماكن المخصَّصة لكلٍّ منهما، وللمدَّة المحدَّدة من السُّلطة المختصَّة.



ونصَّت المادة الثالثة على أنَّه: "لا يجوزُ توقيع عُقوبة جزائيَّة على أيِّ شخصٍ إلا على أمرٍ محظور، ومُعاقَب عليه شرعًا أو نظامًا، وبعد ثُبوت إدانته بناءً على حُكمٍ نهائي، بعد محاكمةٍ تجري وفقًا للوجه الشرعي".



وهكذا يتَّضِح لنا أنَّ المنظِّم السعودي قد نَصَّ صراحةً على أنَّ الأصل في المتَّهَم البراءة؛ وذلك تمشِّيًا مع الشريعة الإسلاميَّة التي تُعتَبر دستورَ ومنهاجَ المملكةِ.



أصل البراءة والشرعية الإجرائية في القانون:

تعدُّ الشريعة الإجرائية الجنائية أصلاً من الأصول الأساسيَّة في النُّظُم الإجرائية المعاصرة، وتُمثِّل حلقةً من حلقات مبدأ الشرعيَّة الجنائيَّة[15]، وتستهدف احترام وحماية الحرية الشخصية وحُقوق الإنسان المتعلِّقة بها في مواجهة السلطة من خِلال الأركان الثلاثة التي تقوم عليها، وأولها: مبدأ "الأصل في المتهم البراءة"، وهذا هو جوهر الشرعية الإجرائية ومَناطها الأساس، وثانيها: هو كون القانون مصدرَ الإجراءات الجنائية، وثالثها: الضمان القضائي في مباشرة الإجراءات الجنائية.



ومن جِماع هذه الأركان يُمكِن تعريف الشرعية الإجرائية بأنها هي: "الأصل في المتهم البراءة، ويُحدِّد القانون الإجراءات الجنائية، وتخضع مباشرتها لضمان القضاء"[16]، وأنَّ كلَّ شخص تُقام ضدَّه الدعوى الجنائيَّة بصفته مرتكبًا للجريمة أو شريكًا فيها، يعدُّ بريئًا حتى تثبُت إدانته بحكمٍ باتٍّ، يصدر وفقًا لمحاكمة قانونية ومُنصِفة، تتوافَر له فيها ضَمانات الدِّفاع عن نفسه، وأن تتمَّ معاملته على أساس أنَّه بريء أثناء الإجراءات الجنائية، ولا يتأثَّر هذا المبدأ بجسامة الجريمة، أو بحجم الأدلة المتوفرة ضدَّه، أو الاعتراف الصادر منه، أو حتى ضبطه متلبِّسًا بالجريمة، فكلُّ ذلك لا ينال من أصل البراءة، ولا ينقضه سوى الحكم الباتِّ الصادر بالإدانة[17].



فيعني أصل البراءة في المتَّهم براءته ممَّا أُسنِد إليه، ويَبقَى هذا الأصل حتى تثبت بصورة قاطعة وجازمة إدانته، ويقتضي ذلك ضرورة أنْ يُحدِّد وضع المتَّهَم القانون خِلال الفترة التي تسبق القضاء بإدانته على أنَّه شخص بريء.



ويُعَدُّ من أهمِّ ما يتضمَّنه هذا الأصل أنَّه إذا لم يُقدَّم للقاضي الدليل على إدانة المتهم تعيَّن على القاضي أنْ يقضي ببراءة المتهم ممَّا أسند إليه من اتِّهام[18].



طبيعة أصل البراءة:

تبايَنت الآراء في القانون حول ما إذا كان افتِراض البراءة قرينة قانونيَّة بسيطة قابلة لإثبات العكس، تستنتج من أصلٍ معلوم، وهو أنَّ الأصل في الأشياء الإباحة، أم أنَّ افتراض البَراءة في الإنسان ليس بقرينة؟



فذهب البعض إلى "أنَّه قرينة قانونيَّة بسيطة، والقرينة هي استنتاج مجهول من معلوم، والمعلوم هو أنَّ الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يتقرَّر بحكم قضائي وبناءً على نص قانوني وقوع الجريمة واستِحقاق العقاب، المجهول المستنتج من هذا الأصل هو بَراءة الإنسان حتى تثبُت إدانته بحكم قضائي، ومصدر هذه القرينة هو القانون نفسه الذي قرَّر وأكَّد مبدأ الشرعية الإجرائية[19].



ويرى هذا الجانب أنَّ قرينة البراءة وإنْ كانت من القرائن البسيطة، إلا أنَّه لا يمكن دَحْضُها إلا بحكمٍ نهائي باتٍّ يُفِيد إدانة المتهم[20].



وذهب البعض إلى أنَّ البراءة أصلٌ في الإنسان، وليست قرينة قانونية بسيطة، ولا هو من صورها.



فافتراضُ البراءة في الإنسان "يُعَدُّ مبدأ من المبادئ العامَّة في القانون الجنائي الذي يَفُوق نِطاقُه نِطاقَ القرينة... إضافة إلى أنَّ افتراض البراءة يُعَدُّ قاعدة قانونيَّة مُلزِمة للقاضي... ولا ينفي هذا إلاَّ بصُدور حكم قَضائي باتٍّ بالإدانة، ولا تعدُّ قرينة بسيطة التي هي مجرَّد استنتاج أمر مجهول من آخَر معلوم، فالبراءة أمرٌ معلوم ولا خِلاف بين قاعدة أنَّ "الأصل في الأفعال الإباحة"، و"الأصل في الإنسان البراءة"، فهما مُتلازِمتان ومتكاملتان، ولكلٍّ منهما مجالها القانوني؛ فقاعدة الأصل في الأفعال الإباحة قاعدةٌ موضوعيَّة تَحمِي الأفراد من خطَر التجريم والعِقاب بغير نصٍّ قانوني يُحدِّد ماهيَّة الأفعال المجرمة... أمَّا قاعدة الأصل في الإنسان البراءة، فهي قاعدة إجرائيَّة تحمي حريَّات الأفراد في مواجهة السُّلطة، كما أنها تُمثِّل ضمانةً لاحترام حُقوق الإنسان وحريَّته، ومعاملته على أنَّه إنسان بريء في جميع مراحل الدعوة، بدءًا من مرحلة الاستدلال حتى تَثبُت إدانتُه في صورةٍ قاطعة وجازمة بحكمٍ قضائي باتٍّ[21].



وممَّا يُبرِّر هذا الرأي "أنَّ الحكم الصادر بالبراءة لا يُنشِئ مركزًا جديدًا كان مجهولاً قبل الحُكم، بل على العكس، فإنَّ حُكم الإدانة هو الذي ينشئ مركزًا جديدًا للمتَّهَم، لأنَّه ينقله من دائرة الإباحة إلى دائرة التحريم"[22].



إنَّ افتراض البراءة أصلٌ؛ وذلك بناءً على أنَّ الإنسان يُعتَبر بريئًا منذ ولادته، فلا تزولُ عنه البراءة إلا بحكمٍ باتٍّ، ومن غير المقبول منطقيًّا القول بأنَّ البراءة أمرٌ مجهول استُنبِط من أمرٍ معلوم في حين هي الأمر المعلوم أصلاً.



وقد أبدت المحكمة الدستوريَّة العُليا في مصر أنَّ البراءة أصلٌ، فنصَّت على "أنَّ افتراض البراءة لا يتمخَّض عن قرينة قانونيَّة، ولا هو من صُوَرها، على أساس أنَّ القرينة القانونيَّة تقومُ على تحويلٍ للإثبات من محلِّه الأصلي - ممثَّلاً في الواقعة مصدر الحق المدَّعَى به - إلى واقعةٍ أخرى قريبةٍ منها متَّصلة بها، وهذه الواقعة البديلة هي التي يُعتَبر إثباتُها إثباتًا للواقعة الأولى بحكم القانون، وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى البراءة التي افترَضَها الدستور، فليس ثمَّة واقعة أحلَّها الدستور محلَّ واقعة أخرى وأقامَها بديلاً عنها، وإنما يُؤسس افتراض البراءة على الفطرة التي جُبِلَ الإنسان عليها، فقد وُلِد حرًّا مُبرَّأً من الخطيئة أو المعصية، ويفترض على امتداد مراحل حَياته أنَّ أصل البراءة ما زال كامِنًا فيه، مصاحبًا له فيما يأتيه من أفعال، إلى أنْ تنقض محكمة الموضوع بقضاءٍ جازمٍ هذا الافتراضَ"[23].



•  •  •  •
المبحث الثاني
عبء الإثبات الجنائي في الشريعة والقانون



الإثبات[24] الجنائي في الفقه الشرعي:

يقصد بالإثبات في الاصطلاح الفقهي: "إقامة الدليل أمامَ القضاء بالطُّرق التي حدَّدتها الشريعة على حق، أو على الواقعة التي تترتَّب عليها الآثار"[25].



وقد عرَّفَه البعض "بإقامة المدَّعِي الدليل على ثُبوت ما يدَّعيه قِبَلَ المدَّعَى عليه، وهو فعلٌ يَصدُر من المدَّعِي يبرهن بموجبه على صِدق دَعواه ضدَّ المدَّعى عليه"[26].



ولم يُفرِد الفُقَهاء المسلمون القُدامَى قواعد خاصَّة للإثبات في المواد الجنائيَّة، وكانت كِتاباتهم تضمُّ المواد الجنائيَّة والمدنيَّة معًا.



وقد عرَّف ابن قيم الجوزيَّة الإثبات بالبيِّنة، وأنها أيُّ حجَّة تُؤيِّد الدعوى، وقال: "البيِّنة: اسمٌ لكلِّ ما يُبيِّن الحق ويُظهِره، ومَن خصَّها بالشاهدين أو الأربعة أو الشاهد والمرأتين، لم يُوفِّ مسمَّاها حقَّه، ولم تأتِ البينة قطُّ في القرآن مُرادًا بها الشاهدان، وإنَّما أتت مرادًا بها الحجة والدليل والبرهان، مفردة ومجموعة، وكذلك قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((البيِّنة على المدِّعي))[27] المراد به: أنَّ عليه بَيان ما يُصحِّح دَعواه ليُحكَم له، والشاهدان من البيِّنة، ولا ريب أنَّ غيرها من أنواع البيِّنة والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والأمارة - متقابلة المعنى"[28].



الإثبات الجنائي في القانون الوضعي:

يُعرف الإثبات في الموادِّ الجنائية بأنَّه "كل ما يُؤدِّي إلى إظهار الحقيقة، ولأجل الحكم على المتَّهَم في المسائل الجنائية يجب ثُبوت وقوع الجريمة في ذاتها، وأنَّ المتَّهَم هو المرتكِب لها، وكلمة الإثبات تَعنِي الوسائل التي يتذرَّع بها أطراف الرابطة الإجرائيَّة؛ للوصول إلى الدليل بالمعاينة أو الخبرة أو الكتابة أو الشهادة أو القرائن وغيرها، فالإثبات بتعبيرٍ مختصر هو: مجموع الأسباب المنتِجة لليقين؛ أي: يعني النتيجة التي تحقَّقت باستعمال وسائل الإثبات المختلفة؛ أي: إنتاج الدليل"[29].



وحتى يَتحقَّق الدليل تمرُّ عمليَّة الإثبات بمراحل ثلاث: تبدأ الأولى بجمع عناصر التحقيق والدعوى، وتقدم هذه العناصر لسُلطة التحقيق الابتدائي، فإذا أسفَرَ هذا التحقيق عن دليلٍ وأدلَّة ترجَّحَ معها إدانة المتَّهَم، قدَّمَتْه للمحكمة.



ومرحلة المحاكمة هي أهمُّ المراحل؛ لأنها مرحلة الجزم بتوافر دليل أو أدلة يقتَنِع بها القاضي بإدانة المتَّهَم، وإلا قضى ببراءته[30].



ويرى البعض أنَّ الإثبات الجنائي هو الوصول بالدليل المقدَّم في الدعوى الجنائية في مراحلها المختلفة، سَواء بالنفي أو الإثبات، وبطريقة مشروعة - إلى مَبلَغ اليقين القضائي.



يتضمَّن هذا التعريف ما يلي:

1- تحديد الدليل الجنائي، وفحصه، ومشروعيَّته، وتقدير أثَره في مراحل الدعوى المختلفة (مرحلة التحرِّي - مرحلة التحقيق - مرحلة الحكم).



2- أنَّ الدليل في الإثبات الجنائي لا يهدف فقط إلى إثبات التُّهمة على الجاني، ولكن يظهَرُ أثره أيضًا في دفْع الاتِّهام عن المتهم؛ أي: إنَّه يَشمَل أدلَّة الدعوى سَواء في النفي أو الثُّبوت.



3- أنَّ الدليل في الدعوى الجنائيَّة يجبُ أنْ يكون مشروعًا؛ فلا يجوزُ الاستناد في إدانة المتَّهَم إلى دليلٍ غير مشروع تَمَّ التوصُّل إليه بالمخالفة لأحكام الدستور، أو قانون العقوبات، أو النصوص الأساسيَّة للإجراءات الجنائيَّة، أو بالمخالفة لقواعد الآداب أو السُّلوك.



4- أنَّ الدليل في الدعوى الجنائيَّة يجبُ أنْ يكون يقينيًّا؛ أي: يكون مُؤسَّسًا على أدلَّة صحيحة في القانون وطرحت للمناقشة في الجلسة (شفهية المرافعة)؛ ذلك لأنَّ الأصل في الإنسان البراءة، وإذا كانت الواقعة غير ثابتة، تَحكُم المحكمة ببراءة المتهم[31].



نُظُم أدلَّة الإثبات الجنائي:

تنقسم نظُم أدلَّة الإثبات الجنائي إلى النظُم الآتية:



1- نظام الأدلة القانونية:

يُقصَد بنظام الأدلة القانونية أنَّ المشرِّع هو الذي يقوم بتحديد الدليل مقدمًا، كما يُقدِّم قيمته في الإثبات، وعلى القاضي عند تكوين عقيدته أن يتقيَّد بالدليل نوعًا وقيمةً، ومن ثَمَّ فإنَّ القاضي ليس له أنْ يكوِّن اقتناعه بغير هذه الأدلة المحدَّدة قانونًا ولو كان اقتناعه يؤكد بالبراءة، وكذلك فهو مُلزَم بأنْ يحكُم بالبراءة عند عدم توافُر الأدلة ولو ثبَت لديه اقتناعٌ بالإدانة بأدلَّةٍ أخرى غير الأدلة المحددة التي لم ينصَّ عليها المشرِّع، فالقانون هو الذي يُنظِّم مسألة اليقين بقواعد قانونيَّة بحتة، وكذلك يكونُ قد استَأثَر بسُلطته في تحديد الأدلَّة وتقديرها، وحرَم القاضيَ من سُلطته في تكوين عقيدته في موضوع الدعوى[32].



2- نظام الأدلة الإقناعية (نظام الإثبات الحر):

وهو يُطلِق للقاضي سُبُلَ البحث عن الحقيقة من أيِّ دليلٍ شاء، فالقاضي لا يتقيَّد بأيِّ قيد أو شرط يُفرَض عليه من الخارج، وإنما هو مُقيد بضميره الذاتي البعيد عن الأهواء والأحاسيس الشخصيَّة، حرٌّ في تقدير قيمة الأدلة المقدَّمة له من قِبَلِ الخُصوم، ولا دخْل لإرادة المشرِّع في فرض دليل وتحديد قيمة الدليل، المهم أنْ يصل إلى الحقيقة بأيِّ وسيلةٍ مشروعة بيقينه هو لا بيقين المشرِّع[33].



3- نظام الإثبات المختلط:

هو محاولةٌ للتوفيق بين النظام المقيَّد والنظامِ الحرِّ في الإثبات؛ لتلافي ما وُجِّه إلى الإثبات الحر من خشية اعتساف القاضي وانحِرافه عن جادَّة الصواب؛ وذلك بأنْ يُحدِّد له القانون طرق الإثبات التي يَلجَأ إليها، وكذلك ما وُجِّه إلى الإثبات القانوني من أنَّه يجعل دورَ القاضي سلبيًّا في عمليَّة الإثبات.



ويكون التوفيق بين النظامين عندما يُحدِّد القانون أدلَّة مُعيَّنة لإثبات بعض الوقائع دُون البعض الآخَر، أو يشتَرِط في الدليل شُروطًا في بعض الأحوال، أو يعطي القاضي الحريَّة في تقدير الأدلة[34].



4- نظام الأدلَّة العلميَّة:

يقومُ هذا النظام على إسْناد الحكم إلى الخبرة العلميَّة كما يستخلصها المتخصِّصون، ويقومُ هذا النظام في صُورته المطلقة على تسليم القاضي برأي الخبير[35].



الذاتيَّة الخاصَّة للإثبات الجنائي:

الإثبات الجنائي له ذاتيَّته الخاصَّة؛ فالقاضي الجنائي عليه واجبُ الكشف عن الحقيقة المطابِقة للواقع؛ وله تكملة الأدلَّة غير الكافية أو تفنيدها بالفحص والتقدير، وله أنْ يَأمُر بإجراءات تحقيقات إضافيَّة أو اتِّخاذ أيِّ إجراء يَراه مناسبًا للكشف عن الحقيقة، فإنَّ هناك ضرورة حتميَّة إلى توفير حريَّة واسعة في مجال البحث والتفتيش عن الدليل، وتحرِّي صحَّته، ومشروعيَّته، ونزاهته، ودرجة يَقِينه. بالإضافة إلى تطوُّر الجريمة وتطوُّر المجرم في هذا العصر بتَسخِيره الالتجاء للعلم في ارتكاب الجريمة وطمس آثارها، وقد فرض ضرورة الالتجاء إلى الوسائل العلميَّة الحديثة لكشْفها وإقامة الدليل على مرتكِبيها، وهذا أمرٌ يقتضي بالضرورة تحقيقَ التوازن بين إطلاق حريَّة الإثبات، والاعتماد المتزايد على الوسائل الحديثة، وبين إيجاد وسائل مناسبة لرعاية هذا الدليل والتأكُّد من مشروعيَّته، وكلُّ هذه الأمور ذات الطبيعة الخاصة بالدليل الجنائي تفرضها طبيعة المتغيِّرات العصرية والتقدُّم العلمي على قواعد الإثبات الجنائي بصفة خاصَّة[36].



إنَّ القاضي يلعب دورًا إيجابيًّا في الإثبات الجنائي؛ فهو مُلزَمٌ بتحرِّي الحقيقة الفعلية أو المادية؛ ولهذا عليه أنْ يتقصى عن كل الوقائع اللازمة لتكوين عقيدته، ولو أدَّى به ذلك إلى البحث عن وسائل الإثبات خِلاف ما قدَّمَه الخصوم أمامه، وتنعكس أهميَّة ذلك الهدف على تنظيم الدعوى الجنائيَّة في كافَّة مراحلها، ومن ذلك ضرورةُ مُرور الإجراءات بمرحلةٍ يتمُّ فيها تجميع أدلة الإثبات، وهي مرحلة التحقيق الابتدائي (على الأقلِّ في مواجهة الجرائم الخطيرة، ومن ذلك أيضًا أنَّ اعتراف المتَّهم لا يلزم القاضي، ويستطيع أن يجزِّئ الاعترافَ فيأخُذ بجانب منه ويطرح الآخَر وهكذا).



فالقاعدة هي سِيادة مَبدأ حريَّة الإثبات الجنائي؛ أي: عدم التقيُّد بأدلَّة معيَّنة في الإثبات، وكذلك مبدأ الإثبات المباشر؛ أي: تقديم الأدلة إلى المحكمة بطريقة مباشرة، حيث تستطيع المحكمة الجنائية أن تكوِّن عقيدتها استنادًا إلى الأدلة التي تفحَصُها وتُقدِّر قوَّتها في الإثبات أثناء نظَر القضيَّة، فالشهود يسمعون مباشرةً أمام المحكمة، وكذلك الخبراء والمتَّهم[37].



موقف الفقه الإسلامي من تقييد وإطلاق الأدلة في الإثبات الجنائي:

يقومُ النظام العقابي في الإسلام على أساس التفرقة بين ثلاثة أنواع من الجرائم؛ هي: جرائم الحدود، وجرائم القصاص والدِّيات، وجرائم التعزير؛ حيث تتميَّز الأولى والثانية فيها بأنَّ عقوبتهما مقدَّرة من الشارع، ومخصصة لجرائم محددة بنص قرآني أو حديث نبوي، وليس لوليِّ الأمرِ الحقُّ في الزيادة عليها أو الإنقاص منها، بعكس جرائم التعزير التي لم يُحدِّد المشرِّع عقوبتها سلفًا، وترَك لولي أمر السلطة تقديرَها، وكان لهذا الاختلاف في تقدير العقوبة أثرُه في فقه الإثبات الإسلامي؛ لذلك فقد تشدَّد البعض بالنسبة لقواعد وطرق إثبات الحدود والقصاص، ورأوا تقيُّد طرق القضاء أو حصرها في طائفة من الحجج الشرعية التي دلَّت عليها مصادر الشريعة (الكتاب والسنة، ومصادر الاجتهاد الأخرى)، والتزامها دُون غيرها نوعًا ونصابًا، ورأى البعض ضرورة إطلاق طريق الإثبات إطلاقًا لا يَتناهَى عند حدٍّ، ولا يحجر عليه قيد أو نِصاب، ويَرفُضون حَصانة الدليل مهما دلَّت قوَّته إذا بانَتْ علَّته أو بانَ الحق على خِلافه، فالإقرار لعلَّة رد، والحكم بغير دلالة الإقرار متى بانَ الحقُّ واجب[38].



قال ابن قيم الجوزية: "إنَّ الشارع لم يَقِفِ الحُكم في حِفظ الحُقوق ألبتَّة على شهادة ذكرَيْن؛ لا في الدِّماء ولا في الأموال، ولا في الفروج ولا في الحدود، بل قد حَدَّ الخلفاء الراشدون والصحابة - رضي الله عنهم - في الزنا بالحَبَلِ، وفي الخمر بالرائحة والقيء.



وكذلك إذا وُجِدَ المسروق عند السارق، كان أولى بالحدِّ من ظُهور الحَبَلِ والرائحة في الخمر، وكل ما يمكن أنْ يُقال في ظُهور المسروق، أمكن أنْ يُقال في الحبل والرائحة؛ بل أولى.



فإنَّ الشُّبهة التي تعرض في الحَبَلِ من الإكراه ووطء الشُّبهة وفي الرائحة، لا يعرض مثلها في ظُهور العين المسروقة.



والخُلَفاء الراشدون والصحابة لم يلتفتُوا إلى هذه الشُّبهة، التي هي تجويز غلط الشاهد ووَهمه، وكذبه أظهر منها بكثيرٍ، فلو عُطِّل الحد بها لكان تعطيله بالشُّبهة التي تمكن في شهادة الشاهدين أولى.



فهذا محض الفقه واعتبار مصالح العباد، وهو من أعظم الأدلَّة على جَلالة فقه الصحابة وعظمته، ومطابقته لمصالح العباد وحكمة الرب وشرعه، وأنَّ التفاوُت الذي بين أقوالهم وأقوال مَن بعدَهم كالتفاوُت الذي بين القولين.



أمَّا السرُّ في الأمر بالتعدُّد، فإنَّه لا يلزم فيه في جانب التحمُّل وحِفظ الحقوق الأمرُ بالتعدُّد في جانب الحكم والثُّبوت، فالخبر الصادق لا تأتي الشريعة بردِّه أبدًا، وقد ذَمَّ الله في كتابه مَن كذَّب بالحق، وردُّ الخبر الصادق تكذيبٌ بالحق، وكذلك الدلالة الظاهرة لا تُرَدُّ إلا بما هو مثلها أو أقوى منها، والله لم يأمر بردِّ خبر الفاسق بل بالتثبُّت والتبيُّن، فإنْ ظهرت الأدلة على صِدقِه قُبِلَ خبرُه، وإنْ ظهرت الأدلة على كذبه رُدُّ خبره، وإنْ لم يتبيَّن واحد من الأمرين وُقف خبره.



والمقصود أنَّ الحاكم يحكُم بالحجَّة التي تُرجِّح الحقَّ إذا لم يُعارِضها مثلها، والمطلوب منه ومن كلِّ مَن يحكُم بين اثنين أنْ يعلم ما يقع ثم يحكُم فيه بما يجب، فالأول مداره على الصدق، والثاني مداره على العدل[39].



عبء الإثبات في الشريعة:

"البيِّنة على المدَّعي" القاعدة العامَّة في الإثبات في الشريعة، سواء كان في الفقه الجنائي أو الحقوق الخاصَّة: أنَّ البينة على المدعي، فيقَع عبء الإثبات الجنائي على الادِّعاء، وقد ثبَت عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لو يُعطَى الناس بدَعواهم، لادَّعى رجالٌ أموالَ قومٍ ودِماءَهم، لكنَّ البينة على المدِّعِي، واليمين على مَن أنكر))؛ حديث حسن رواه البيهقي، وبعضه في الصحيحين[40].



وأساس ذلك أنَّ الأصل في الإنسان البراءة، ولَمَّا كان المدَّعِي يقول بخلاف ذلك الأصل، فقد حَقَّ عليه أنْ يُثبِت ادِّعاءَه.



"قال العلماء: الحكمة في ذلك أنَّ جانب المدَّعِي ضعيف؛ لأنَّه خلاف الظاهر، فكُلِّف بالحجة القويَّة، وهي البيِّنة؛ لأنها لا تجلب لنفسها نفعًا ولا تدفع ضررًا، فيقوى بها ضعْف المدَّعِي، وجانب المدَّعَى عليه قويٌّ؛ لأنَّ الأصل فَراغُ ذمَّته، فاكتفي منه باليمين، وهي حجَّة ضعيفة؛ لأنَّ الحالف يجلب لنفسه النَّفع ويدفَع الضرر، فكان ذلك في غاية الحكمة"[41].



اعتماد قول المدَّعِي لرُجحانه بالعوائد وقرائن الأحوال:

الحكم في القضاء بقول المدَّعِي لرُجحانه بالعوائد، وقرائن الأحوال، واتِّصافه بالأمانة، أو غير ذلك من وُجوه الترجيح[42].



عبء الإثبات في القانون:

تَقضِي القاعدة العامَّة بأنْ تتحمَّل سُلطة الاتِّهام عبء الإثبات، وهو ما يَسرِي على كلِّ الجرائم، وبالنسبة لجميع المتهمين، ولَدَى كافَّة المحاكم، وهذه القاعدة تطبيقٌ لمبدأ "البيِّنة على مَن ادَّعى"، وهو مبدأ عام يسير على مختلف فُرُوع القانون، وأساسه وسنده هو المنطق السليم الذي يُقرِّر أنَّ "الأصل في كلِّ إنسان البراءة"، ولَمَّا كان المدَّعِي يقول بخلاف ذلك الأصل، فقد حَقَّ عليه أنْ يثبت ادِّعاءه[43].



ومن ثَمَّ كان إثبات التُّهمة هو دورًا إيجابيًّا، يقَع على عاتق النيابة العامَّة، بوصفها ممثلة الادِّعاء، الذي يتحمَّل وحدَه عبءَ تقديم الدليل، بعيدًا عن المتهم، الذي لا يلتزم - بداءة - بتقديم أدلَّة إيجابية تُفيد براءته، وكلُّ ما عليه هو أنْ يُناقِش أدلَّة الإثبات التي تتجمَّع حولَه؛ لكي يفندها، أو يضع فيها بُذُور الشك، بل إنَّ للمتَّهَم - في إطار ضَمانات الدِّفاع - الحقَّ في الصمت، ولا يجوزُ تأويل هذا الصمت ضدَّه.



على أن تحمل النيابة العامَّة عبء إثبات التهمة، لا يعني أنَّ مهمتها مقصورة على إثبات التهمة فقط؛ لأنَّ وظيفتها هي إثبات الحقيقة بجميع صُوَرها، وعلى المحكمة أيضًا أنْ تبحث بنفسها - من خِلال إجراءات المحاكمة - عن هذه الحقيقة، دون أنْ تُجشِّم المتَّهَم عبء إثبات البراءة، فهذه البراءة أمر مُفتَرض، ولا يحلُّ إثباتها بمعرفته أمام المحكمة، وكلُّ ما هو جديرٌ بالبحث هو التحقق ممَّا إذا كانت هناك أدلَّة كافية يمكنها أنْ تدحض هذه القرينة أم لا، فإذا توافرت أدلة تفيد صحَّة الاتهام، كان من حق المتهم تقديم ما لدَيْه من أدلة لدحض ما توافَر ضدَّه، أمَّا إذا خلت الدعوى من دليلٍ قاطع على صحَّة الاتهام، فلا يلزم المتَّهَم بتقديم أيِّ دليل على براءته؛ لأنَّ الأصل فيه هو البراءة.



ويُلاحَظ أنَّ عدم التزام المتَّهَم بإثبات براءته، لا يحولُ دون تقدُّمه طواعيةً واختيارًا بالاعتراف بالتهمة أمام المحكمة، فإذا أقدَمَ المتهم على ذلك بالفعل، جازَ للمحكمة، ولا يسقط اعتراف المتهم قرينة البراءة، فلا زالتْ أمام المتَّهَم فرصة العدول عن هذا الاعتراف، دون أنْ يلتزم بإثبات براءته بالدليل، وذلك كلُّه مع عدم الإخلال بحقِّ المحكمة في تقدير الاعتراف الذي تَمَّ العُدولُ عنه[44].



مضمون عبء الإثبات:

ينطَوِي تحمُّل الاتهام بعبء الإثبات على تكليف النيابة العامة - والمحكمة أيضًا سواء بسواء - بتقديم كلِّ ما يدحَضُ قرينة البراءة، وما يَعنِيه من "تفسير الشك لمصلحة المتهم"، وهو ما لا يكون إلاَّ بإثبات وُقوع الجريمة بكافَّة أركانها وعناصرها، ونسبتها إلى المتهم، ويمتدُّ ذلك الالتزام ليشمل أيضًا التقرير بانتفاء أيِّ سبب من أسباب الإباحة، أو مانع من موانع المسؤوليَّة، أو مانع من موانع العِقاب، أو سبب من أسباب انقضاء الدعوى الجنائية كالتقادُم[45].



نقل عبء الإثبات:

ثمَّة استثناءات محدودة تَرِدُ على القاعدة العامَّة في تحمُّل سُلطة الاتِّهام بعبء الإثبات، وبعض هذه الاستِثناءات مصدرُه نصوصٌ خاصَّة في القانون، تُنشِئ قرائن قانونيَّة بسيطة، يتمُّ بموجبها افتراض توافُر أحد أركان الجريمة، فتُعفى النيابة العامَّة من عبء إثباته، وتُحمل المتهم عبء إثبات هذا الرُّكن، سواء كان هو الرُّكن المادي أو الرُّكن المعنوي.



وقد يكونُ مصدر الاستثناءات المشار إليها هو القضاء المستقر، الذي ينشئ قرائن "قضائية" تُخوِّل القاضي افتراضَ القصد الجنائي لدى المتَّهم في بعض الأحوال، أو استنتاج واقعة مجهولة من واقعة معلومة؛ ممَّا يعني: إعفاء سلطة الاتِّهام من عبء إثباتها[46].





•   •   •   •
المبحث الثالث
دور القرائن في الإثبات الجنائي بين الشريعة والقانون



دور القرائن في الإثبات في الشريعة:

القرينة مأخوذةٌ من المقارنة وهي المصاحبة، يُقال: فلان قرين لفلان؛ أي: مصاحب له [47]، وسُمِّيت القرينة بهذا الاسم؛ لأنَّ لها اتِّصالاً بما يستدلُّ به عليه.



المقصود بالقرينة في الاصطلاح الفقهي: هي الأمارة والعلامة، وهي: ما يلزم من العلم بها الظنُّ بوجود المدلول، أو هي الأمارة الدالة على حُصول أمرٍ من الأمور أو على عدم حُصوله، وقد عرَّفَها الجرجاني بأنها: أمرٌ يُشِير إلى المطلوب[48].



وعرَّفَها بعض المعاصرين بأنها: الأمارة التي تدلُّ على أمرٍ خفي مُصاحِب لها بواسطة نصٍّ أو سنَّة أو غيرها، وعرَّفَها آخَرون بأنها الأمارة التي نَصَّ عليها الشارع، أو استنبَطَها أئمَّة الشريعة باجتهادهم، أو استَنتَجها القاضي من الحادثة وظُروفها وما يكتنفها من أحوال[49]، والتعريف الأخير جامعٌ لضروب القرائن الثلاث: النصيَّة، والفقهيَّة، والقضائيَّة.



شرعية العمل بالقرائن:

في القرآن الكريم:

قال - تعالى - في قصة يوسف - عليه السلام -: ﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: 25 - 29].



فاتِّهام يوسف واتِّهام امرأة العزيز بالمراودة، فصلت فيه القرائن والأمارات؛ حيث كان شَقُّ قميص يوسف من دبره قرينة على أنَّه كان هاربًا منها، وأنها وراءه متعلقة به، آخِذة بثوبه؛ حتى انشقَّ من الخلف، فكان هذا كافيًا للعزيز في تبرئة يوسف من الاتهام، والحُكم على امرأة العزيز بالمراودة، قال الشيخ محمد الشنقيطي - رحمه الله - في تفسيره "أضواء البيان" ما نصُّه: يُفهَم من هذه الآية لُزومُ الحكم بالقرينة الواضحة الدالَّة على صِدق أحد الخصمَيْن وكذب الآخر؛ لأنَّ ذِكرَ الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على بَراءة يوسف يدلُّ على أنَّ الحكم بمثْل ذلك حق وصواب؛ لأنَّ كون القميص مَشقُوقًا من جهة دُبُرِه دليلٌ واضح على أنَّه هارِبٌ عنها وهي تَنُوشُه من خلفه، ولكنَّه - تعالى - بيَّن في موضع آخر محلَّ العمل بالقرينة ما لم تُعارِضها قرينة أقوى منها، فإنْ عارضَتْها قرينة أقوى منها أبطلَتْها، وذلك في قوله - تعالى -: ﴿ وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [يوسف: 18].



لأنَّ أولاد يعقوب لَمَّا جعلوا يوسف في غَيابة الجبِّ، جعلوا على قميصه دم سخلة؛ ليكون وجود الدم على قميصه قرينةً على صدقهم في دَعواهم أنَّه أكله الذئب، ولا شكَّ في أنَّ الدم قرينة على افتراس الذئب له، ولكنَّ يعقوب أبطَلَ قرينتهم هذه بقرينةٍ أقوى منها، وهي عدم شقِّ القميص، فقال: سُبحان الله! متى كان الذئب حليمًا كيِّسًا يقتل يوسف ولا يشقُّ قميصه؟! ولذا صرَّح بتكذيبه لهم في قوله: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]، وهذه الآيات المذكورة أصلٌ في الحكم بالقرائن، ا.هـ[50].



في السنة النبوية:

حكم سليمان - عليه السلام - بالقرينة:

روى البخاري عن أبي هُرَيرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((بينما امرأتان معهما ابناهما، جاءَ الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهَب بابنك، فقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود - عليه السلام - فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقُّه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل - يرحمك الله - هو ابنها، فقضى به للصغرى))[51].



قال ابن القيِّم: "فأيُّ شيء أحسن من اعتبار هذه القرينة الظاهرة، فاستدلَّ برضا الكبرى بذلك، وأنها قصدت الاسترواح إلى التأسِّي بِمُساواة الصُّغرى في فقْد ولدها، وبشفقة الصغرى عليه، وامتناعها من الرضا بذلك: على أنها هي أمُّه، وأنَّ الحاملَ لها على الامتناع هو ما قام بقلبها من الرحمة والشفقة التي وضَعَها الله - تعالى - في قلب الأم، وقويت هذه القرينة عنده، حتى قدَّمَها على إقرارها، فإنَّه حكَم به لها مع قولها: "هو ابنها".



وهذا هو الحقُّ؛ فإنَّ الإقرار إذا كان لعلةٍ اطَّلع عليها الحاكم، لم يلتفتْ إليه أبدًا"[52].



الحكم بالقرائن وشواهد الحال:

"إنَّ الحاكم إذا لم يَكُنْ فقيهَ النَّفس في الأمارات، ودلائل الحال، ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في كليات الأحكام - أضاع حُقوقًا كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعلم الناس بُطلانَه ولا يشكُّون فيه، اعتمادًا منه على نوعٍ ظاهر لم يلتفتْ إلى باطنه وقرائن أحواله، فهاهنا نوعان من الفقه لا بُدَّ للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في النفس والواقع وأحوال الناس، يميِّز به بين الصادق والكاذب، والمحقِّ والمبطل، ثم يُطابِق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حُكمَه من الواجب، ولا يجعل الواجب مُخالِفًا للواقع.



ومَن له ذوق في الشريعة، واطِّلاع على كمالها وتضمُّنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يسَع الخلائق، وأنَّه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمَّنته من المصالح - تبيَّن له أنَّ السياسة العادلة جزءٌ من أجزائها، وفرعٌ من فروعها، وأنَّ مَن أحاطَ علمًا بمقاصدها، ووضَعَها مواضعها، وحسُن فهمه فيها - لم يحتجْ معها إلى سياسة غيرها ألبتَّة.



فإنَّ السياسة نوعان: سياسة ظالمة؛ فالشرعيَّة تحرمها، وسياسة عادلة تُخرِج الحقَّ من الظالم الفاجر؛ فهي من الشريعة، عَلِمَها مَن عَلِمَها، وجَهِلَها مَن جَهِلَها"[53].



فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأيِّ طريقٍ كان، فثَمَّ شرع الله ودِينه، والله - سبحانه - أعلم وأحكم وأعدل أنْ يخصَّ طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم يَنفِي ما هو أظهر منها، وأقوى دلالةً، وأبين أمارةً، فلا يجعله منها، ولا يحكُم عند وُجودها وقِيامها بموجبها، بل قد بيَّن - سبحانه - بما شرعه من الطرق أنَّ مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأيُّ طريق استُخرِج بها العدل والقسط، فهي من الدِّين وليست مخالفةً له[54].



فالشارع لم يَلغِ القرائن والأمارات ودَلالات الأحوال، بل مَن استَقرَأ الشرع في مصادره وموارده، وجَدَه شاهدًا لها بالاعتبار، مرتبًا عليها الأحكام[55].



السياسة الشرعية وطرق الإثبات:

قال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلاً يكون مع الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإنْ لم يضعه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا نزل به وحيٌ، فإنْ أردت بقولك: "إلا ما وافَق الشرع"؛ أي: لم يخالف ما نَطَقَ به الشرع، فصحيح. وإنْ أردت: لا سياسة إلا ما نطَق به الشرع، فغلطٌ وتغليطٌ للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحَدُه عالِمٌ بالسُّنَن، ولو لم يكن إلاَّ تحريق عثمان المصاحف، فإنَّه كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمَّة، وحريق عليٍّ - رضي الله عنه - الزنادقةَ في الأخاديد.



ويُعد من التفريط في الأخْذ بالسياسة الشرعية في طرق الإثبات أنْ يقصر القاضي نظرَه في إثبات الدعاوى والتهم على الشهادة والإقرار والنكول عن اليمين، ولا يأخذ بالقرائن ولا الأمارات ودلائل الأحوال، مع أنها قد تكونُ في الدلالة على الحق والعدل أقوى من أحد هذه الأدلة الثلاثة.



أنواع المتَّهَمين:

دَعاوَى التُّهَم: وهي دعوى الجناية والأفعال المحرمة؛ كدعوى القتل، وقطع الطريق، والسرقة، والقذف، والعدوان.



فهذا ينقَسِم المدَّعَى عليه فيه إلى ثلاثة أقسام؛ فإنَّ المتهم إمَّا أن يكون بريئًا ليس من أهل تلك التُّهمة، أو فاجرًا من أهلها، أو مجهول الحال لا يَعرِف الوالي والحاكم حالَه.



فإنْ كان بريئًا، لم تَجُزْ عقوبته اتفاقًا.



والقسم الثاني: أنْ يكون المتَّهَم مجهول الحال، لا يُعرَف ببرٍّ ولا فُجور، فهذا يُحبَس حتى ينكشف حاله عند عامَّة عُلَماء الإسلام، والمنصوص عند أكثر الأئمَّة: أنَّه يحبسه القاضي والوالي، هكذا نصَّ عليه مالك وأصحابه، وذكره أصحاب أبي حنيفة.



وقال الإمام أحمد: قد حبَس النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في تهمة، قال أحمد: وذلك حتى يتبيَّن للحاكم أمرُه.



وقد روى أبو داود في "سننه" وأحمد وغيرهما، من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده: "أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حبَس في تُهمة"[56].



وفي "جامع الخلال" عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: "أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حبَس في تُهمة يومًا وليلة".



والقسم الثالث: أن يكون المتهم معروفًا بالفُجور؛ كالسرقة، وقطع الطريق، والقتل، ونحو ذلك، فإذا جازَ حبس المجهول، فحبْس هذا أَوْلَى.



قال شيخنا ابن تيميَّة - رحمه الله -: وما علمت أحدًا من أئمَّة المسلمين يقول: إنَّ المدَّعَى عليه في جميع هذه الدعاوى يحلف، ويُرسَل بلا حبس ولا غيره، فليس هذا - على إطلاقه - مذهبًا لأحدٍ من الأئمَّة الأربعة ولا غيرهم من الأئمَّة، ومَن زعم أنَّ هذا - على إطلاق وعمومه - هو الشرع، فقد غلط غلطًا فاحشًا مُخالِفًا لنصوص رسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولإجماع الأمَّة.



عُموم الولاية وخُصوصها ليس له حدٌّ في الشرع:

إنَّ عُموم الولايات وخصوصها، وما يستفيد المتولي بالولاية - يتلقَّى من الألفاظ والأحوال والعُرف، وليس لذلك حدٌّ في الشرع.



فقد يدخُل في ولاية القضاء - في بعض الأزمنة والأمكنة - ما يدخُل في ولاية الحرب في زمان ومكان آخر، وبالعكس[57].



القرائن في القانون الجنائي:

تعريف القرينة:

عرَّفها البعض بأنها: استنتاج الواقعة المطلوب إثباتها من واقعةٍ أخرى قامَ عليها دليل إثبات[58].



وعرَّف البعض الآخَر الاستدلال بالقرائن والإثبات بها أنَّه: "استنباط أمر مجهول من آخَر معلوم"[59].



ويُفتَرض الإثبات بالقرائن تغيير محلِّ الإثبات، فبدلاً من أنْ يرد الإثبات على الواقعة محل الاتهام في الدعوى الجنائية (واقعة ارتكاب الجريمة ونسبتها إلى المتهم)، يرد على واقعة أخرى مختلفة، ولكن بين الواقعتين صلة سببية منطقية، بحيث يمكن - وفقًا لقواعد الاستنباط المنطقي - أنْ يستخلص من إثبات هذه الواقعة ثُبوت ارتكاب الجريمة ونسبتها إلى المتهم[60]، وهو ما أشارَتْ إليه المحكمة الدستوريَّة العُليَا بقولها بأنَّ "القرينة القانونية تقومُ على تحويل للإثبات من محله الأصلي، ممثَّلاً في الواقعة مصدر الحق المدَّعَى به، إلى واقعةٍ أخرى قريبة منها، متَّصلة بها، وهذه الواقعة البديلة هي التي يعتبر إثباتها إثباتًا للواقعة الأولى بحكم القانون"[61].



واشترطت المحكمة الدستورية العُليا في الواقعة البديلة التي تُستَفاد منها قرينة الإثبات التي ينصُّ عليها القانون - ارتكازَها على أسسٍ موضوعيَّة، تُقِيم بينها وبين القرينة علاقة منطقيَّة، تستند إلى ما يقع غالبًا في الحياة العملية، وتكون كافيةً لإهدار افتراض البَراءة، ومجاوزة من ثَمَّ لضوابط المحاكمة المنصِفة، التي كفلهاالدستور في أحكامه[62].



وفي ضوء ما تقدَّم تُعَدُّ القرائن من طرق الإثبات غير المباشرة، باعتبارها لا ترد على الوقائع المطلوب إثباتها، على عكس طرق الإثبات الأخرى كالشهادة أو الاعتراف، فهي أدلَّة مباشرة؛ لأنها ترد على هذه الوقائع.



ومن ناحيةٍ أخرى، فقد استقرَّ قضاء النقض على أنَّ "القرائن من طرق الإثبات الأصليَّة في المواد الجنائية، فللقاضي أنْ يعتمد عليها دُون غيرها، ولا يصحُّ الاعتراض على الرأي المستخلَص منها ما دام سائغًا مقبولاً.



وإلى جانب الدَّور الأصلي للقَرائن باعتبارها دليلَ إثباتٍ قائمًا بذاته، فإنَّ لها دورًا تكميليًّا مهمًّا؛ إذ تُعِين القاضي على رقابة الأدلة الأخرى (كالشهادة مثلاً) في الدعوى وتدعيم اقتناعه بها[63].



أنواع القرائن:

تنقسم إلى: قرينة قانونية وقرينة قضائية:

القرينة القانونية: هي المستمدَّة من نصوص القانون؛ مثل: قرينة انعدام التمييز في المجنون والصغير غير المميِّز، ومن ثَمَّ عدم مسؤوليتهما، وقرينة العلم بالقانون بعد نشره في الجريدة الرسميَّة، وهذه قرينة قاطعة في كلِّ ما تقدَّم؛ لأنها غير قابلة لإثبات العكس، وقد تكون القرينة غير قاطعة؛ مثل قرينة الإثبات المستمدَّة من وجود أجنبي في بيت مسلم في المحلِّ المخصص للحريم في جريمة الزِّنا (م276 عقوبات مصري)[64].



والقرينة القضائيَّة أو القرينة الفعليَّة: هي "استنباط القاضي لواقعةٍ مجهولة من وقائع معلومة، بحيث يكون الاستنباط بحكم اللزوم الفعلي والمنطقي"، وبعبارة أخرى فإنَّ القرينة القضائية هي: "النتيجة التي يتحتَّم على القاضي أنْ يستخلصها من واقعة معيَّنة"[65].



والقرينة القضائيَّة ليست إلا صورة من صور الإثبات غير المباشر، وغالبًا ما يكونُ الدليل المادي مصدرًا لها، فتصبح بذلك (قرينة مادية)، وهو نفس معنى الدليل المادي؛ حيث تستنبط القرائن القضائية من الأدلَّة الماديَّة[66].



مَدَى قوة القرينة القضائية في الإثبات الجنائي:

إنَّ مَدار الإثبات في الموادِّ الجنائيَّة هو اطمئنان المحكمة إلى ثُبوت الواقعة المطروحة عليها أو نفيها، وذلك سواء كان دليلها على الرأي الذي أخذتْ به دليلاً مباشرًا يُؤدِّي بذاته إلى النتيجة التي انتهت إليها، أم دليلاً غير مباشر لا يُؤدِّي إلى هذه النتيجة إلا بعمليَّة عقليَّة منطقيَّة[67].



وقد استقرَّ قَضاء محكمة النقض المصريَّة على أنَّ القرينة القضائيَّة تصلح دليلاً كاملاً، يجوز أنْ يستمدَّ فيها القاضي اقتناعَه الذي يعتمد عليه في حُكمه، ويعني ذلك أنَّ الإدانة يمكن أن تُبنَى على قرائن فحسب[68]؛ إذ قضَتْ بأنَّ القانون لا يشتَرِط في الأدلة التي تُقام عليها الأحكام أنْ تكون مباشرة؛ أي: شاهدة بذاتها ومن غير واسطة على الحقيقة المطلوب إثباتها، بل يكتفي بأنْ يكون من شأنها أنْ تؤدِّي إلى تلك الحقيقة بعملية منطقية تُجرِيها المحكمة[69].



والفرق بين القرائن والدلائل والأمارات أنَّ الاستنتاج في الأولى يكون من وقائع تؤدِّي بالضرورة إليها وبحكم اللزوم العقلي، فلا تقبل تأويلاً آخَر مقبولاً؛ ومن ثَمَّ يَصِحُّ أنْ تكون القرائن وحدَها دليلاً كافيًا للإدانة ما دام الرأي المستخلص منها مستساغًا[70]. 



في حين أنَّ الثانية لا يكون الاستنتاج فيها لازمًا، بل قد يُفسَّر على أكثر من وجه يقبَلُ أكثر من احتمال؛ ومن ثَمَّ لا تكفي وحدَها للإدانة، وإنْ كانت تكفي لاتِّخاذ إجراءات الاستدلال والتحقيق الابتدائي؛ كالقبض والتفتيش والحبس الاحتياطي[71].



دور القرائن القانونية في نقل عبء الإثبات إلى المتهم:

القرينة القانونيَّة هي في جوهرها إعفاء من عبء الإثبات، فالشارع يلاحظ أنَّ الوضع الغالب هو تحقُّق أمر معيَّن، فيفترض ذلك الأمر دون حاجةٍ إلى إثباته؛ اعتمادًا على فكرة "الاحتمال والرجحان"، أو ما يُقال له: "الراجح غالب الوقوع"، ويراعي الشارع في ذلك صعوبة إثبات هذا الأمر، وأنَّه إذا حمل أحد أطراف الدعوى عبء إثباته، فسيكون عِبؤُه ثقيلاً، يغلب ألاَّ يستطيع النهوض به.



والقرينة القانونيَّة - على ما أسلفنا - قد تكون قاطعة أو مطلقة؛ أي: لا تقبل إثبات العكس، وقد تكون بسيطة يمكن إثبات عكسها، ودور القرينة في صورتها الأخيرة هو نقل عبء الإثبات من أحد طرفي الدعوى إلى الطرف الآخَر، فإنْ هي إلا دليل يقوم على "الراجح غالب الوقوع"[72]، وليس على التأكيد المطلق، ومن ثَمَّ يعمد المشرع إلى إفساح المجال لِمَن قامت هذه القرينة ضدَّه؛ لأنْ يثبت أنَّ حالته ليست ضمن هذا الراجح الغالب وقوعُه.



والقرينة البسيطة قد تكون في صالح الدِّفاع عن المتَّهَم، وقد تكون على العكس من ذلك؛ في صالح الاتهام ضدَّ المتَّهَم[73].



وهنا يثور التساؤل عمَّا إذا كان ثمة تعارض بين مبدأ "أصل البراءة"، وبين النوع الأخير من القرائن القانونية؛ أي: تلك التي ينشئها المشروع لصالح الاتهام ضد المتهم؟



وفقًا للأصل العام فإنَّه لا يجوزُ إنشاء أو إعمال أيِّ قرائن قانونيَّة، يكون من شأنها إلقاء عِبء الإثبات على عاتق المتَّهَم؛ باعتبار أنَّ المبدأ "افتراض البراءة" - وهو أصل قانوني ثابت، ورُكن من أركان الشرعيَّة الإجرائيَّة - لا محلَّ لدحضه، أو افتراض عكسه، إلاَّ بحكمٍ قضائيٍّ باتٍّ بالإدانة، يسطر بصدوره عنوان حقيقة لا تقبل المجادَلة، ومن ثَمَّ فإنَّ كلَّ قرينة تنقل عِبء الإثبات إلى المتَّهَم، تُعَدُّ افتِئاتًا على الأصل العام في المتَّهَم، وهو البراءة، على أنَّه في بعض الأحوال التي يصعُب فيها إثبات الإدانة بالوسائل التقليديَّة، وحرصًا على عدم إفلات الجُناة من العقاب، فإنَّ المشرع قد يضطرُّ إلى إلغاء الميزة التي يُوفِّرها مبدأ "أصل البراءة" للمتَّهَم، فيعمد إلى التخفيف من عِبء الإثبات الواقع على عاتق سُلطة الاتِّهام، باللجوء إلى وسيلة "القرينة"، سواء عند إثبات الرُّكن المادي، أو عند إثبات الرُّكن المعنوي؛ حيث يسهل إثبات ما يَصعُب إثباته ويكتَفِي بالممكن، بدلاً من طلَب المستَحِيل، وفي كلِّ الأحوال تكون القرينة بسيطةً غير قاطعة، يمكن للمتَّهَم إثباتُ عكسها بكافَّة الطرق.



طبيعة جريمة غسل الأموال وافتراض أركانها:

الجريمة الأوليَّة:

جريمة غسل الأموال هي بطبيعتها جريمة تبعيَّة، تقتضي لاكتمال بُنيانها القانوني وقوع جريمة أخرى سابقة عليها، وهي الجريمة الأولية أو الجريمة التي تحصَّلت عنها أموال غير مشروعة، وقد حظَر نظام مكافحة غسيل الأموال عائدات الجرائم؛ أي: الأموال والمتحصلات المتأتِّية من نشاط إجرامي، سواء أكانت هذه الأموال مادية أو غير مادية، منقولة أو غير منقولة، باعتبار أنَّ جريمة غسل الأموال مرتبطة بالجريمة الأصلية وتدورُ في فلكها، وهي جريمة مستقلَّة تبعيَّة تقتضي وقوعَ جريمة أخرى لازمة لها وسابقة عليها، تعرف بالجريمة الأصلية أو الجريمة الأولية أو الجريمة المصدر، التي تحصل على الأموال نتيجة ارتكابها، والعبرة بقيام الجريمة الأصليَّة وقت ارتكاب عناصر رُكنها المادي، ولا يُشتَرط إثباتها أمامَ القضاء أو إدانة مُرتَكبها، ويلزم لقيام جريمة غسل الأموال وقوع جريمة تدرُّ إيرادات، يُعاقِب عليها الشرع أو النِّظام، بما في ذلك تمويل الإرهاب والأعمال الإرهابيَّة والمنظمات الإرهابيَّة، والمنظمُ السعودي لم يضعْ قائمة محدَّدة بالجرائم الأصليَّة التي تعدُّ الأموال والمتحصلات المكتسبة منها غسلاً؛ وإنما وضع قاعدة عامَّة؛ حيث يلزم أنْ تكون الجريمة الأصليَّة تدرُّ عائدات غير مشروعة[74].



فالمنظم السعودي نَصَّ على تجريم الأموال المكتسَبة خلافًا للشرع أو النِّظام، دون تقييد تلك الجرائم بأنواعٍ معيَّنة، أو حَصرها في جَرائِم المخدِّرات والمؤثِّرات العقليَّة.



افتراض الرُّكن المادي والمعنوي في جريمة غسل الأموال:

أ- في الشريعة:

إنَّ الله - سبحانه - أرسَلَ رسله، وأنزل كتبه؛ ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات، فإذا ظهرَتْ أمارات العدل، وأسفَرَ وجهه بأيِّ طريقٍ كان، فثَمَّ شرع الله ودينه، والله - سبحانه - أعلم وأحكم وأعدل أنْ يخصَّ طرق العدل وأمارته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها، وأقوى دلالةً، وأبين أمارةً، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بيَّن - سبحانه - بما شرعه من الطُّرُق أنَّ مقصوده إقامة العدل بين عِباده، وقيام الناس بالقسط، فأيُّ طريق استُخرِج بها العدل والقسط، فهي من الدِّين، وليست مخالفةً له.



فالشارع لم يُلْغِ القرائن والأمارات ودَلالات الأحوال، بل مَن استَقرَأ الشرع في مصادره وموارده، وجَدَه شاهدًا لها بالاعتبار، مُرتِّبًا عليها الأحكام[75].



لأنَّ البيِّنة اسمٌ لكلِّ ما يُبيِّن الحقَّ ويُظهِره، ومَن خصَّها بالشاهدين أو الأربعة أو الشاهد، لم يوفِّ مسمَّاها حقَّه، ولم تأتِ البينة قطُّ في القرآن مُرادًا بها الشاهدان، وإنما أتَتْ مُرادًا بها الحجة والدليل والبرهان، مفردة ومجموعة، وكذلك قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((البيِّنة على المدَّعي))[76] المراد به: أنَّ عليه بيانَ ما يُصحِّح دعواه ليحكم له، والشاهدان من البيِّنة، ولا ريب أنَّ غيرها من أنواع البيِّنة قد يكون أقوى منها؛ لدلالة الحال على صدق المدَّعِي، فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد، والبيِّنةُ والدلالة، والحجة والبرهان، والآية والتبصرة، والعلامة والأمارة - متقاربةٌ في المعنى[77].



ب- في القانون:

في بعض الأحوال التي يتعذَّر فيها إثبات ذات الواقعة المكوِّنة للرُّكن المادي بصفة فعلية ومباشرة، يكتفي المشرِّع بإثبات واقعة أخرى بديلة أيسر في الإثبات، يكفي إثباتها لثبوت الرُّكن المادي، وهو الأمر الذي اعتمَدَه المقنِّن المصري في قانون الكسب غير المشروع رقم 62 لسنة 1975م؛ حيث اعتبَرَ أنَّ الزيادة غير المُبرَّرة في الثروة قرينةٌ على الكسب غير المشروع، وذلك عندما نصَّت المادة 2/2 من هذا القانون على أنَّه: "وتعتبر ناتجةً بسبب استغلال الخدمة أو الصفة أو السلوك المخالف، كلُّ زيادة في الثروة تَطرَأ بعد تولِّي الخدمة أو قيام الصفة على الخاضع لهذا القانون أو على زوجه وأولاده القصر، متى كانت لا تتناسَب مع مَوارِدهم، وعجز عن إثبات مصدر مشروعٍ لها".



وقرينة الكسب غير المشروع هي قرينةٌ بسيطة، تقبَل إثبات العكس، فعلى سُلطة الادِّعاء أنْ تقدِّم الدليل على إثبات الزيادة الطارئة في الثروة، وعدم تناسب هذه الزيادة مع موارد المتَّهَم، وهي تستَعِين في ذلك بما تُباشِره من تحقيقات ومن تقارير الخُبَراء، فإنْ هي قعدَتْ عن تقديم الأدلَّة على توافُر هذين الأمرين فلا مجال للقول بعدم مشروعيَّة مصدر الزيادة وقيام الجريمة، ويقع على عاتق المتَّهَم عبء إثبات مشروعيَّة المصدر الذي نتجت عنه تلك الزيادة في الثروة[78].



والرُّكن المعنوي في القانون وَفْقًا للأصل العام، فإنَّه لا يجوزُ افتراض الرُّكن المعنوي في الجرائم العمديَّة (القصد الجنائي)، ويتعيَّن على جهة الادِّعاء (النيابة العامَّة) إثباتُ عنصر العلم في هذا الرُّكن بصورة واقعيَّة، تحت رقابة الموضوع، وعلى أنَّه تحقيقًا للمصلحة العامة في بعض الحالات المحدودة، التي يَصعُب فيها إثبات عنصر العلم بشكلٍ حاسم قِبَل بعض المتَّهَمين، بما يُهدِّد بإفلاتهم من المسؤوليَّة الجنائيَّة، يعمد المشرع إلى التدخُّل رافعًا عِبء الإثبات عن كاهل النيابة العامَّة، ومفترضًا العلم بقرينة قانونية بسيطة، قابلة لإثبات العكس من جانب المتَّهَم، وبكافَّة طرق الإثبات، وبما يعني أنَّ النيابة العامة قد أصبحت غير مكلَّفة بإقامة الدليل على هذا العلم، وأن نفيه قد غدَا التزامًا قانونيًّا، ألقاه المشرع على عاتق المتَّهَم.



ترجيح جديَّة الاتهام استنادًا إلى دلائل من التحقيق:

فضلاً عمَّا عرضنا له من القرائن القانونيَّة التي تفترض ثُبوت كلٍّ من الرُّكنين المادي والمعنوي في الجريمة المسنَدة إلى المتَّهَم، فإنَّ ثمَّة حالات أخرى خرَج فيها المشرِّع على الأصل العام في افتراض أصل البراءة في الإنسان، مُرجِّحًا جدِّية الاتهام؛ استنادًا إلى مجرَّد دلائل من التحقيق، بما يُتِيح التحفُّظ على أموال المتَّهَم، من خِلال تدابير وقتية، يكون من شأنها تحقيق أغراض محدَّدة، ومُراعاة مصالح مُعيَّنة، يرى المشرِّع أهميَّة الحِفاظ عليها[79].



•   •   •   •
الخاتمة



يتَّضِح من خلال البحث النتائج الآتية:

• يُعَدُّ أصل براءة المتَّهَم من مقاصد الشريعة، وهي من الأدلة القطعيَّة الثابتة بالاستقراء الكلي.



• ويقومُ على عدَّة قواعد هي: الأصل براءة الإنسان، واستصحاب العدم الأصلي، وقاعدة اليقين لا يزول بالشك.



• يقوم أصل براءة المتَّهَم في القانون على أساس أنَّه جوهر الشرعيَّة الإجرائيَّة، وأنَّ كلَّ شخص تُقام ضدَّه الدعوى الجنائيَّة بصفته مرتكبًا للجريمة أو شريكًا فيها، يُعدُّ بريئًا حتى تَثبُت إدانته بِحُكم باتٍّ.


• تبايَنت الآراء حول طبيعة أصل البراءة في القانون بين تحذف هل هي قرينة قانونية بسيطة قابلة لإثبات العكس أم لا؟


• يقومُ الإثبات في الشريعة على أنَّ البيِّنة على المدَّعِي، والبيِّنة اسمٌ لكلِّ ما يُبيِّن الحقَّ ويُظهِره.


• الإثبات في القانون الجنائي هو الوصول في الدليل المقدَّم في الدعوى الجنائيَّة في مراحلها المختلفة، سواء بالنفي أو بالإثبات، وبطريقة مشروعة - إلى مَبلَغ اليقين القضائي.



• المقصود بالقرينة في الاصطلاح الفقهي أنها الأمارة التي نصَّ عليها الشارع، أو استنبَطَها أئمَّة الشريعة باجتهادهم، أو استنتَجَها القاضي من الحادثة وظُروفها وما يكتَنِفها من أحوال.



• القرائن في الإثبات الجنائي في الشريعة أساسها القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة.



• الشارع لم يلغِ القرائن والأمارات ودلالات الأحوال، وهي حجَّة بذاتها يترتَّب عليها الأحكام.



• وللسياسة الشرعية دورٌ كبيرٌ في دور الاتِّهام والإثبات، وبَيان أنواع المتَّهَمين.



• أنَّ عُموم الولاية القضائية وخُصوصها ليس لها حَدٌّ في الشرع؛ وإنما يُستَفاد من ألفاظ التولية وبما يجري عليه العُرف والأحوال.



• القرائن في القانون هي استنباط أمر مجهول من آخَر معلوم، وتنقسم إلى قرائن قانونية وقرائن قضائية.



• القرينة القانونية تغير محل إثبات الواقعة محل الاتهام إلى واقعة أخرى، وبين الواقعتين صلة سببية منطقية.



• للقرائن القانونية دورٌ في نقل عبء الإثبات إلى المتَّهَم في جرائم غسل الأموال بافتراض الرُّكن المادي والمعنوي، والاعتماد على جديَّة الاتِّهام من دلائل التحقيق.



• القرينة في الشريعة حجَّة في ذاتها يترتَّب عليها الأحكام، بينما القرينة القانونيَّة تنقل عبء الإثبات إلى المتَّهَم.



وآخِر دَعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين

• • • • 
المحتويات

المقدمة

أهمية الموضوع وصعوبة الإثبات في جرائم غسيل الأموال

خطة البحث



المبحث الأول: أصل براءة المتَّهَم في الشريعة والقانون:

• أصل براءة المتهم في الشريعة

• قاعدة براءة الذمة

• قاعدة اليقين لا يزول بالشك

• التطبيق في المملكة العربية السعودية



أصل البراءة في القانون:

الشرعية الإجرائية

طبيعة أصل البراءة



المبحث الثاني: عبء الإثبات الجنائي في الشريعة والقانون:

• الإثبات الجنائي في الاصطلاح الفقهي

• الإثبات الجنائي في القانون الوضعي

• نظم أدلة الإثبات الجنائي

• الذاتية الخاصة للإثبات الجنائي

• موقف الفقه الإسلامي من تقييد وإطلاق الأدلة في الإثبات الجنائي

• عبء الإثبات الجنائي في الشريعة الإسلامية البيِّنة على المدَّعِي

• اعتماد قول المدعي لرجحانه بالعوائد وقرائن الأحوال

• عبء الإثبات في القانون

• مضمون عبء الإثبات

• نقل عبء الإثبات



المبحث الثالث: دور القرائن في الإثبات الجنائي بين الشريعة والقانون

• المقصود بالقرينة في الاصطلاح الفقهي

• شرعية العمل بالقرائن

• في القرآن الكريم قصة يوسف - عليه السلام -

• في السنة النبوية حكم سليمان - عليه السلام - بالقرينة

• الحكم بالقرائن وشواهد الحال

• السياسة الشرعية وطرق الإثبات

• أنواع المتَّهَمين

• عموم الولاية وخُصوصها ليس له حدٌّ في الشرع

• القرائن في القانون الجنائي

• تعريف القرينة

• أنواع القرائن

• مدى قوة القرينة القضائية في الإثبات الجنائي

• دور القرائن القانونية في نقل عبء الإثبات إلى المتهم

• طبيعة جريمة غسل الأموال وافتراض أركانها

• افتراض الركن المادي والمعنوي في جريمة غسل الأموال

• ترجيح جدية الاتهام، استنادًا إلى دلائل من التحقيق.

الخاتمة وأهم النتائج

[1] ابن قيم الجوزية "إعلام الموقعين عن رب العالمين"؛ تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان (السعودية، الرياض، دار ابن الجوزي، ط1، رجب 1423هـ) ج4، ص337.

[2] الربيش، أحمد بن سليمان، "جرائم غسيل الأموال في ضوء الشريعة والقانون" (الرياض، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، ط1، 1425هـ- 2004م) ص20.

[3] عيد، محمد فتحي، "الإجرام المعاصر" (الرياض، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، ط1، 1419هـ- 1999م) ص280، وقد عرفت المادة الأولى من نظام مكافحة غسل الأموال السعودي غسلَ الأموال بأنه: "ارتكاب أيِّ فعل أو الشُّروع فيه يقصد من ورائه إخفاء أو تمويه أصل حقيقةٍ لأموالٍ مكتسبة خلافًا للشرع أو النظام، وجعلها تبدو كأنها مشروعةَ المصدر".

[4] طاهر، مصطفى، "المواجهة التشريعية لظاهرة غسل الأموال المتحصلة من جرائم المخدرات"، (القاهرة، مطابع الشرطة، 2002م)، ص(ب). ولمزيدٍ من التفصيل يراجع، كبيش، محمود، "السياسة الجنائية في مواجهة غسل الأموال" (القاهرة، دار النهضة العربية، ط2، 2001م) من ص22 إلى ص28.

[5] ابن عبدالسلام، العز بن عبدالسلام، "قواعد الأحكام في مصالح الأنام"؛ تحقيق: نزيه كمال حماد، وعثمان جمعة ضميرية، ط1 (دمشق، دار القلم، 1421هـ - 2000م) 2/65.

[6] ابن العربي، أبو بكر، "المحصول في أصل الفقه"؛ تحقيق: حسين بن علي البدري، سعيد فودة، ط1، (عمان، دار البيارق، 1420هـ، 1999م) ص130.

[7] العوا، محمد سليم، "في أصول النظام الجنائي الإسلامي - دارسة مقارنة"، ط3 (القاهرة، نهضة مصر) ص124.

[8] البخاري، محمد بن إسماعيل، "الجامع الصحيح"؛ تحقيق: مصطفى ديب البغا، ط3 (بيروت، دار ابن كثير، 1407هـ) كتاب العلم، باب: قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - رب مبلَّغ أوعى من سامع، رقم الحديث: 67، 1/37.

[9] الشاطبي، إبراهيم بن موسى، "الموافقات"؛ تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، ط1 (مصر، دار ابن عفان، 1421هـ) 1/18 - 20.

[10] الشيباني، عبدالمنعم سالم، "الحماية الجنائية للحق في أصل البراءة، دراسة مقارنة"، ط1 (القاهرة، دار النهضة العربية، 1427هـ)، ص61.

[11] القرطبي، محمد بن أحمد، "الجامع لأحكام القرآن"؛ اعتنى به: هشام البخاري (بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1416هـ 1995م) ط1، 10/293.

[12] النملة، عبدالكريم بن علي، "الجامع لمسائل أصول الفقه"، ط4 (الرياض، مكتبة الرشد، 1423هـ) ص375.

[13] عوض، محمد محيي الدين، "بحث الحق في العدالة الجنائية"، من مجموعة بحوث أعمال الندوة العلمية، حقوق الإنسان بين الشريعة والقانون الوضعي، ط1 (الرياض، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 1422هـ - 2001م) 2/494.

[14] العوا، "في أصول النظام الجنائي الإسلامي"، ص126.

[15] يخضع القانون الجنائي بمختلف فُروعه لمبدأ الشرعيَّة الجنائيَّة، خلال تصدِّيه للواقعة الإجراميَّة في كافَّة مراحلها منذ تجريمها والمعاقبة على ارتكابها، إلى مُلاحَقة المتَّهَم بالإجراءات اللازمة لتقرير مَدَى سُلطة الدولة في معاقبته، حتى تنفيذ العُقوبة المحكوم بها عليه؛ ومن ثَمَّ فإن الشرعية الجنائية تتكوَّن من حلقات ثلاث: أوَّلها: هي قاعدة شرعية الجرائم والعُقوبات، والتي تُوجِب أنَّه "لا جريمة ولا عُقوبة إلا بناءً على قانون"، وثانيها: هي قاعدة الشرعية الإجرائية الجنائية، وثالثها: هي قاعدة شرعية التنفيذ العقابي، والتي تستلزم أنْ يكون تنفيذ العقوبة في إطار المبادئ الكفيلة باحترام الحد الأدنى من حرية المحكوم عليه داخل السجن، وأنْ تُدرَج هذه المبادئ في القانون باعتباره - وحدَه - الأداة الصالحة لتنظيم الحريات.

[16] سرور، أحمد فتحي، "الشرعية والإجراءات الجنائية وحقوق الإنسان" (القاهرة، دار النهضة العربية 1993م)، ص157.

[17] مصطفى، محمود محمود، "الإثبات في المواد الجنائية في القانون المقارن"، ط1 (القاهرة، مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، 1977م) 1/55، وسرور، أحمد فتحي، "الحماية الدستورية للحقوق والحريات"، ط2 (القاهرة، دار الشروق، 2000م) ص533، وأبو عامر، محمد زكي، "الإثبات في المواد الجنائية"، د. ط (الإسكندرية، الفنية للطباعة والنشر، د. ت) ص39، وبكار، حاتم، "حماية حق المتهم في محاكمة عادلة"، د. ط، الإسكندرية، منشأة المعارف 1997م، ص58، الشيباني، عبدالمنعم سالم، "الحماية الجنائية للحق في أصل البراءة، دراسة مقارنة"، ط1 (القاهرة، دار النهضة العربية، 1427هـ) ص26.

[18] البدري، أحمد حامد، "الضمانات الدستورية للمتهم في مرحلة المحاكمة الجنائية، دراسة مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية"، (القاهرة، دار النهضة العربية، 2002م)، ص157- 158.

[19] سرور، أحمد فتحي، "الشرعية والإجراءات الجنائية"، (القاهرة، دار النهضة العربية 1977)، ص124.

[20] سرور، "الشرعية والإجراءات الجنائية"، ص124.

[21] قايد، أسامة عبدالله، "حقوق وضمانات المشتبه فيه في مرحلة الاستدلال، دراسة مقارنة"، ط3 (القاهرة، دار النهضة العربية، 1994م)، ص140.

[22] الشيباني، عبدالمنعم سالم، "الحماية للحق في أصل البراءة، دراسة مقارنة"، ط1 (القاهرة، دار النهضة العربية، 1427هـ) ص42.

[23] سرور، أحمد فتحي، "الحماية الدستورية للحقوق والحريات"، ط2، (القاهرة، دار الشروق، 2000م) ص599.

[24] الإثبات في اللغة: ثبَت الشيء (يثبُت ثبوتًا) دام واستقرَّ، فهو (ثابت)، والاسم (ثَبَت) بفتحتين، ومنه قيل للحجة: (ثبت)، ورجل (ثَبَت) بفتحتين أيضًا: إذا كان عدلاً ضابطًا، والجمع (أثبات)، وأثبت الأمر: حقَّقه وصحَّحه، وأثبت الحق: أقام حجَّته، الفيومي: "المصباح المنير"، (بيروت: المكتبة العصرية، الطبعة الثالثة، 1420هـ - 1999م) مادة (ثبت) ص46، وأبو عبدالله محمد الرازي: "تفسير غريب القرآن"؛ تحقيق حسن ألمالي (أنقرة: مديرية النشر والطباعة، ط1، 1997م) ص124، 125، ومجمع اللغة العربية: "المعجم الوسيط"، (إستانبول، تركيا، المكتبة الإسلامية، مصورة عن الطبعة الثانية المصرية، 1972م) مادة (ثبت)، ص93.

[25] محمد أبو زهرة: "موسوعة الفقه الإسلامي"، جمعية الدراسات الإسلامية، مطبعة مخيمر، ج2، ص136.

[26] صلاح الدين الناهي: "فذلكة في الإثبات القضائي في الشرع الإسلامي"، مجلة القانون المقارن، العددان الرابع والخامس، دار الطبع والنشر الأهلية، بغداد، 1972م، ص15.

[27] الترمذي، محمد بن عيسى، "الجامع الصحيح" وهو "سنن الترمذي"، حديث رقم 1341 في باب الأحكام: باب ما جاء في إقامة البينة على المدعي واليمين على المدَّعَى عليه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - ج3، ص626؛ تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي (بيروت، دار الكتب العلمية 1408هـ - 1987م).

[28] "الطرق الحكمية في السياسية الشرعية"؛ تحقيق: بشير محمد عيون، (بيروت والطائف: دار البيان، مكتبة المؤيد، 1410هـ - 1989م)، ص11.

[29] مصطفى، محمود محمود، "الإثبات في المواد الجنائية في القانون المقارن"، (القاهرة، مطبعة جامعة القاهرة، ط1، 1977م، ج2، ص3، أبو عامر، محمد زكي، "الإثبات في المواد الجنائية (محاولة فقهية وعملية لإرساء نظرية عامة)"، (الإسكندرية، الفنية للطباعة والنشر، ط1، 1985م) ص17، 18، 24.

[30] أبو القاسم، أحمد، "الدليل الجنائي المادي ودوره في إثبات جرائم الحدود والقصاص"، (الرياض، المركز العربي للدراسات الأمنية، أكاديمية نايف ط1، 1414هـ) ج1، ص38.

[31] عابد، عبدالحافظ عبدالهادي، "الإثبات الجنائي بالقرائن"، رسالة دكتوراه في الحقوق من أكاديمية الشرطة بمصر، (القاهرة، مطابع الطوخي التجارية، 1989م) ص65.

[32] عبيد، رؤوف، "المشكلات العلمية المهمة في الإجراءات الجنائية، (القاهرة، دار الفكر العربي، الطبعة الثالثة، 1980م)، ج1، ص519، ومجمع اللغة العربية بمصر، معجم القانون، (القاهرة، المطابع الأميرية، 1420هـ- 1999م)، ص193.

[33] مصطفى، محمود محمود، الإثبات في المواد الجنائية في القانون المقارن، (القاهرة، مطبعة الجامعة، ط1، 1977م)، ج1، ص10، ومعجم القانون، مرجع سابق، ص297.

[34] أحمد، هلالي عبدالله، "النظرية العامة للإثبات في المواد الجنائية (دراسة مقارنة بالشريعة الإسلامية)" رسالة دكتوراه، كلية الحقوق بجامعة القاهرة، 1984م، وقد نُشِرت (القاهرة، دار النهضة العربية، ط1، 1987م) ص91.

انظر: دراسة تفصيلية للنظم الثلاثة، عابد، عبدالحافظ عبدالهادي، "الإثبات الجنائي بالقرائن"، مرجع سابق، ص43 إلى 60.

[35] راجع في الموضوع: إبراهيم، حسين محمود، "النظرية العامة للإثبات العلمي في قانون الإجراءات الجنائية"، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 1981م، ص57.

[36] أبو القاسم، أحمد، "الدليل الجنائي المادي"، مرجع سابق، ج1، ص44، 47، إبراهيم، حسين محمود، "الوسائل العلمية الحديثة في الإثبات الجنائي"، مرجع سابق، ص97.

[37] بلال، أحمد عوض، "الإجراءات الجنائية المقارنة والنظام الجزائي في المملكة العربية السعودية"، (القاهرة، دار النهضة، ط1، 1411هـ - 1990م) ص51.

[38] أبو زهرة، محمد، "الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي (العقوبة)"، (القاهرة، دار الفكر العربي، دون تاريخ) ص119، حسن المسني، "مشروعية الدليل المستمد من الوسائل العلمية"، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 1983م، ص612.

[39] الجوزية، ابن قيم، "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، مرجع سابق، ج2، ص190 إلى 195.

[40] أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"، ج10/ص252، (20990)، وفي البخاري بمعناه، كتاب التفسير، باب: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [آل عمران: 77]، (4552)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب اليمين على المدَّعَى عليه، (1711)، (1).

[41] ابن حجر، أحمد بن علي، "فتح الباري شرح صحيح البخاري"؛ تحقيق، محب الدين الخطيب، (بيروت، دار المعرفة) 5/283.

[42] ابن فرحون، إبراهيم بن محمد، "تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام"؛ تحقيق: جمال مرعشلي (بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1416هـ - 1995م)، ج1، ص265، 266.

[43] حسني، محمود نجيب، مرجع سابق رقم 66، ص66، عبدالستار، فوزية، "شرح قانون الإجراءات الجنائية" (القاهرة، دار النهضة العربية، ط1، 1986م) ص508.

[44] سرور، أحمد فتحي، مرجع سابق، ص193 وما بعدها.

[45] انظر تفصيل ذلك: حسني، محمود نجيب، مرجع سابق، ص193 وما بعدها.

[46] انظر تفصيل ذلك: حسني، محمود نجيب، مرجع سابق، رقم 68، ص68- 70.

[47] الفيومي، "المصباح المنير"، مرجع سابق، ص258، و"المعجم الوسيط"، مرجع سابق، ص731 مادة القرين، أبو عبدالله محمد الرازي، "تفسير غريب القرآن"؛ تحقيق: حسين المالي، مرجع سابق، ص59.

[48] "التعريفات"، مرجع سابق، ص223.

[49] الفائز، إبراهيم محمد، "الإثبات بالقرائن في الفقه الإسلامي" (بيروت ودمشق، المكتب الإسلامي، ط2، 1403هـ - 1983م) ص63، وقد ورد في "مجلة الأحكام العدلية" في المادة 1741 أنَّ القرينة: هي الأمارة البالغة حدَّ اليقين، دبور، أنور محمد، "الشبهات وأثرها في إسقاط الحدود" (القاهرة، مكتبة التوفيقية، 1978م) ص8، صالح غانم السدلان، "القرائن ودورها في الإثبات في الشريعة الإسلامية"، بحث بمجلة الأمن (وزارة الداخلية السعودية، العدد الثالث، جمادى الآخر 1411هـ) ص15.

[50] "أضواء البيان"، ج3، ص61، 62.

[51] البخاري رقم (6769) في الفرائض: باب إذا ادَّعت المرأة ابنًا، ومسلم رقم (1720) في الأقضية: باب بيان اختلاف المجتهدين.

[52] "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية"؛ تحقيق: بشير محمد عيون، ص5.

[53] ابن القيم، المرجع السابق، ص4.

[54] ابن القيم، "الطرق الحكمية"، ص13.

[55] نفس المرجع، ص12.

[56] رواه أبو داود رقم (3630) في الأقضية، باب في الحبس في الدين وغيره، والترمذي رقم (1417) في الديات، باب ما جاء في الحبس في التهمة، والنسائي 8/67، في السارق، باب امتحان السارق بالضرب والحبس، وأحمد 5/2، والحاكم 4/102، والبيهقي 6/53، وإسناده حسن كما قال الألباني في "الإرواء" رقم (2397).

[57] ابن تيمية، "الحسبة في الإسلام"، ص7، 8، ابن قيم الجوزية، "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية"، مرجع سابق، ص88 - 91.

[58] محمود نجيب حسني: "شروح قانون الإجراءات الجنائية"، (القاهرة: دار النهضة العربية، ط3، 1995م)، ص487.

[59] محمد محيي الدين عوض: "القانون الجنائي (إجراءاته)"، ص429.

[60] د. محمود نجيب حسني، مرجع سابق، رقم 127- 131، ص135 وما بعدها، وانظر في ذات الموضوع: د. فوزية عبدالستار، مرجع سابق، ص582 وما بعدها.

[61] الدعوى رقم 13 لسنة 12 قضائية دستورية، جلسة 2 فبراير 1992م، مجموعة أحكام المحكمة الدستورية العليا، الجزء الخامس المجلد الأول (الأحكام التي أصدرتها المحكمة من أول يوليه 1996م حتى آخِر يونيه 1992م)، ص173.

[62] أحكام المحكمة الدستورية العليا، الدعوى رقم 13 لسنة 12 قضائية دستورية، جلسة 2 فبراير 1992م، الدعوى رقم 10 لسنة 10 قضائية دستورية جلسة 7 مارس 1992م.

[63] د. محمود نجيب حسني، مرجع سابق، رقم 130، ص139.

[64] رؤوف عبيد: "مبادئ الإجراءات الجنائية"، مرجع سابق، ص727.

[65] رؤوف عبيد: "مبادئ الإجراءات الجنائية"، مرجع سابق، ص727.

[66] أحمد أبو القاسم، "الدليل الجنائي المادي"، مرجع سابق، ج1، ص226.

[67] نقض 26/11/1951، مجموعة الأحكام، س3 رقم77 ص206.

[68] حسني، محمود نجيب، المرجع السابق، ص490.

[69] نقض 16/3/1970، مجموعة الأحكام س21 رقم95 ص382، ونقض 25/11/1973، مجموعة الأحكام س24 رقم219 ص1053.

[70] نقض 23/6/1953، مجموعة الأحكام س23 رقم836.

[71] هلالي عبدالله: "النظرية العامة للإثبات في المواد الجنائية"، مرجع سابق، ص948، عبدالحافظ عبدالهادي عابد: "الإثبات الجنائي بالقرائن"، مرجع سابق، ص246، 247.

[72] د. محمود عبدالعزيز خليفة: مرجع سابق، ص336، 337.

[73] ومن أمثلة القرائن المقررة لصالح الدِّفاع عن المتَّهَم: قرينة التناسُب عند قتل المعتدي في الدفاع الشرعي (م249 عقوبات)، وقرينة المبرِّر الشرعي لأعمال التجاوز من جانب مأمور الضبط حسن النية (م248 عقوبات)، انظر أكثر تفصيلاً: د. محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص68 - 70، 135- 138، د. محمود عبدالعزيز خليفة، مرجع سابق، ص602 وما بعدها.

[74] عوض، محمد محيي الدين، "جرائم غسل الأموال"، (الرياض، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، ط1، 1425هـ) ص59.

[75] ابن القيم، "الطرق الحكمية"، ص12- 13.

[76] سبق تخريجه.

[77]ابن قيم، "الطرق الحكمية"، ص11.

[78] طاهر مصطفى، "المواجهة التشريعية لظاهرة غسل الأموال المتحصلة من جرائم المخدرات"، مرجع سابق، ص301، 302.

[79] طاهر مصطفى، "المواجهة التشريعية لظاهرة غسل الأموال المتحصلة من جرائم المخدرات"، مرجع سابق، ص303، 304.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق