5.01.2019

قضايا وأحكام القصاص من مصاب بمرض نفسي

قضايا وأحكام القصاص من مصاب بمرض نفسي







قضايا وأحكام
القصاص من مصاب بمرض نفسي
د. هاني بن عبد الله بن محمد الجبير*( )



قضايا وأحكام
القصاص من مصاب بمرض نفسي



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:  

   فالمريض النفسي وتحديد مدى أهليته ومسئوليته عن تصرفاته وأفعاله، ومدى تأثر وعلاقة مرضه بأهليته وكفاءته العقلية، ومن النقاط الهامة الحيوية المتصلة بالحياة المعاصرة والقضاء الحاضر بشكل واضح . 
   فلاشك أن التوسع في تشخيص وعلاج الأمراض النفسية هو من معالم هذا العصر، ولذا فلن نجد للمتقدمين من الفقهاء تفصيلاً لها، وإنما تستمد أحكامه من قواعد الشرع العامة تفريعاً، أو من الفروع الفقهية تخريجاً . 
   والمرض النفسي مرض يصيب أساساً الوظائف المعرفية، كالتركيز والقدرة على اتخاذ القرار، وهو يحدث بدرجات متفاوتة حسب المرض نفسه وحسب مستوى الإصابة به .
   وكان من ضمن ما عرض نتاج قضية تتضمن الدعوى فيها المطالبة بالقصاص من قاتل مصاب بمرض نفسي، استدعى النظر فيها، والبحث في هذه المسألة، وسأعرض فيما يلي إجمالي الدعوى والإجابة ومجريات القضية والحكم فيها مسبباً، وسألحق ذلك بوقفات حول أهلية المريض النفسي . 
الدعوى:
   تتضمن الدعوة من والدي القتيل أن المدعى عليه قام في يوم (.....) باالتعارك مع شخص آخر وبعدما سمعه يتلفظ عليه بلفظ جارح كان يوصم به المدعى عليه فقام المجني عليه ليفك تعاركهما فطعنه المدعى عليه بسكين كانت معه عدة طعنات أدت لموته ويطلبان القصاص منه لقاء قتله مورثهما عمداً وعدواناً .

الإجابة: 
   تضمن جواب المدعى عليه مصادقته لصفته الواقعة وتذكره لها ودفعه بأنه لما طعن المجني عليه كان يتخيله شخصاً آخر وهو الذي يتلفظ عليه، وإنه مصاب بمرض نفسي (الفصام) ولديه اضطراب في الحكم على الأشياء .




مجريات القضية:
   جرى الإطلاع على صك حصر الإرث المطابق لما ذكره المدعيان، وجرى الإطلاع على تقرير الطبيب الشرعي عن سبب الوفاة، وعلى مصادقة المدعى عليه على إقراره بالقتل عند وقوع الحادث، كما جرى الإطلاع على التقرير الطبي الأولي الصادر في حق المدعى عليه فور وقوع الحادث المتضمن أن حالته وقدراته العقلية مستقرة وكلامه مترابط ويتذكر الحادث بشكل واضح وجرت الكتابة لمستشفى الصحة النفسية بالطائف لتزويدنا بالتقرير الطبي عن حالته . فوردنا التقرير المتضمن أنه شخص حالته (الفصام) مع تاريخ سوء استعمال المواد المحظورة وأن حالته استقرت بالعلاج وخرج من المستشفى قبل الحادث بأكثر من سنة . ورأت اللجنة الطبية الشرعية بالمستشفى أنه نظراً لوجود المرض العقلي (الفصام) وما يصاحبه من أفكار ومعتقدات مرضية خاطئة وكذلك الاضطراب في الإدراك والبصيرة والحكم على الأمور بشكل سليم، فإن ذلك يخفف من مسئوليته الجنائية حيال ما أقوم عليه في القضية الحالية ويجعلها مسئولية جزئية، والمريض يستطيع التحكم في تصرفاته الإرادية والاختيارية سلباً وإيجاباً عندما تكون حالته مستقرة جيب . ولكن قدراته الفعلية تضطرب عند انتكاسة حالته العقلية نتيجة لوجود الأفكار والمعتقدات المرضي الخاطئة واضطراب الإدراك والبصيرة وكذلك الحكم على الأمور بشكل سليم فيصبح المريض سريع الاستشارة والغضب ويفقد السيطرة على نفسه ولا يستطيع التحكم بأفعاله وتصرفاته . انتهى .
   وبعد دراسة القضية جرى التحدث طويلاً مع المدعى عليه ومناقشته لتبين مدى إدراكه وتمييزه وحسن استدلاله وتعّرفه على الأمور وتذكره للحادث وطلب منه وصفه مراراً . ولما حضر شهود الحادث فشهدوا بالواقعة كما وصفت وأن المدعى عليه لا يعرف باختلال في عقله .




تسبب الحكم ونتيجته:
   بعد الدراسة والتأمل تضمن نص الحكم وتسببه ما يلي: (فبناء على ما تقدم ولما قرره أهل العلم من مناط الأهلية هو العقل الذي يكون به التكليف، لأن التكليف يقتضي استجابة المكلف لما كلف به، وهذا لا يمكن إلا مع إدراك الخطاب . فكل من فهم الخطاب فهو مكلف، والعقل عند العلماء معنى يمكن الاستدلال به بالإطلاع على عواقب الأمور والتمييز بين الخير والشر ولذا جعلوا فاقد العقل إما معتوهاً أو مجنوناً، والعته آفة توجب خللاً في العقل يصير صاحبه يخلط في الكلام ويشبه بعض كلامه كلام العقلاء، وبعضه كلام المجانين، والجنون اختلال القول العقلية لدى الإنسان فلا يميز بين الحسن والقبيح . 
   ولما جاء في التقارير الطبية أن المدعى عليه يستطيع التحكم في تصرفاته الإرادية والاختيارية سلباً وإيجاباً عند استقرار حالته، وقد تبين استقرارها بتقرير الأخصائي الذي تولى الكشف عليه فور وقوع الحادث، كما أفاد التقرير الطبي أن قدراته العقلية تضطرب عند انتكاسة حالته العقلية، ومعناه وجود عقل المجني عليه مع اضطراب حالته وهو معنى التكليف وإن وجد المرض كسائر الأمراض .
   وحيث إن المدعى عليه بمناقشته ومساءلته عدة جلسات لم نلحظ غياباً لعقله بل لاحظنا كما أهليته، فهمه للخطاب وإدراكه التام، كما قد أفاد الشهود أنه لم يعرف بإصابته بجنون أو باختلال عقل، كما أنه يتذكر صفة الواقعة وسائر أوصافها ودقتها وهذا لا يكون من مختل العقل . 
   وإذا أريد تخريج المرض العقلي النفسي على ما هو منصوص لدى الفقهاء، فإنه يمكننا تخريجه على الغضبان الذي هو غير تام الإرادة، ولذا اختلف الفقهاء في وقوع طلاقه، ومعلوم أن الغضب لا يمنع القصاص، ولعله أشبه بحالة المريض العقلي النفسي . 
   كما أن المكره على القتل غير تام الإرادة، لكن لما كان عاقلاً وله نوع إرادة اكتفي في ذلك إيجاب القصاص منه . 

   فبناء على ما تقدم ولقوله تعالى: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }[البقرة:179] . وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}[البقرة:178] . ولتوفر شروط القصاص وانتفاء موانعه وحيث تبين بإقرار المدعى عليه أنه كان يتعاطى المخدر، وأفادت التقارير الطبية أنها سبب من أسباب إصابته بمرضه، فالمرض أثر للسكر الذي لا يمنع القصاص، فالمسبب عنه كذلك، قال في الإقناع (والسكران وشبهه إذا قتل فعليه القصاص) (4/101) وأما ما دفع به المدعى عليه من عدم إرادته قتل المجني عليه مورث المدعيين، وإنما قصد معصوماً آخر فهذا لا يمنع القصاص، لأنه استعمل في القتل آلة تفضي للموت غالباً، والقصد ليس هو مناط العمدية، وإنما مناطها الآلة المستخدمة، قال الإمام مالك – رحمه الله -: ((والعمد في كل ما يعتمد به الرجل من ضربة أو لكزة أو لطمة أو رمية بندقية أو ضرب قضيب أو عصا ولو قال لم أرد الضرب لم يصدق)) انتهى .
   وقال الإمام أحمد في رجل أرسل سهماً على زيد فأصاب عمراً، قال هو عمد عليه القود وقال في الإنصاف (25/39) مفهوم قوله: أو يفعل ما له فعله أنه إن فعل ما ليس له فعله كأن يقصد رمي آدمي معصوم أو بهيمة محترمة فيصيب غيره أن ذلك لا يكون خطأً بل عمداً . وهو منصوص أحمد، وخرجه المصنف على قول أبي بكر فيمن رمى نصرانياً فلم يصبه حتى أسلم أنه عمد، وهذا هو قول أكثر الفقهاء والأصحاب وظاهر كلام الخرقي، وابن قدامة في المقنع وهو ما نختاره، فقد حكمنا على المدعى عليه (...) بالقتل قصاصاً لقتله مورث المدعيين أصالة . 




تدقيق الحكم:
   رفع الحكم مع صورة الضبط وسائر أوراق المعاملة لمحكمة التمييز وأصدرت قرارها بالموافقة على الحكم، كما عرض على مجلس القضاء الأعلى فقرر موافقته وصدر الأمر السامي بتأييده وتنفيذه . 

وقفات من الحكم:
   1- لا إشكال أن من لم يتصف بالإدراك والفهم لما يقوم به ولنتائجه الضارة فلا مسئولية عليه نحو ما يبدو منه أعمال ضارة، إلا في التعويض المالي .
   وأساس ذلك أن يتوافر لديه العقل والإرادة، فالإنسان متى كان بالغاً عاقلاً مريداً مختاراً فهو مكلف ومسئول تماماً عما يبدر منه . 
   والحد المعتبر من العقل هو التمييز بين الأمور الحسنة والقبيحة وإدراكه للأشياء العامة من حوله . 
   2- لا يوجد وصف في الشريعة الإسلامية يطلق عليه (مسئول جزئياً) بل إما أن يكون الإنسان مكلفاً أو غير مكلف . 
   وأما صاحب الضغوط التي قد تدفعه لعمل خارج إرادته فلا يمكن إنقاص أو تخفيف العقوبة الحدّية في حقه أما التعازير فيمكن إخضاعها للظروف المخففة والمشددة . 
   3- المرض العقلي والنفسي يمكن تقسيمه إلى درجات: 
   أ- المفقد للعقل والإدراك تماماً أو بشكل ظاهر فهذا في حكم المجنون .
   ب- المفقد للإرادة والاختيار مع سلامة العقل والإدراك وهذا يمكن إلحاقه بالمكره أو السكران . 
   ج- ما لا يؤثر على الإرادة ولا الإدراك لكنه يدفع صاحبه لممارسات قد لا يرغبهما، وهو مؤاخذ بكل تصرفاته، لأن متابعة الهوى والاستسلام لرغبات النفس ليس عذراً للإنسان في ارتكاب المعاصي . 
   4- مسائل أهلية المريض النفسي من النوازل التي لم تعطِ حقها بحثاً وكان من أوائل من أشار لها الأستاذ عبد القادر عودة في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي (1/590) وقد عقدت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ندوتها العاشرة حول حقوق المعاقين نفسياً وعقلياً عام 1997م . ( ) 
   وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين . 






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق