محتويات المقال
الدفاع المشروع بين الشريعة والقانون الدولي العام
العنوان : الدفاع المشروع بين الشريعة والقانون الدولي العام
المؤلف : قاسم خضير عباس
مفهوم الدفاع المشروع
يطلق الدفاع المشروع على كل قوة لإزالة ضرر ودفع خطر عن النفس أو المال أو العرض، لهذا فهو سلطة وقائية يكون بموجبها للشخص (فعل ما يلزم شرعاً، لدفع خطر حقيقي غير مشروع، حال على حق معصوم)(1).
وقد أوضح عبد القادر عودة في كتابه (التشريع الجنائي الإسلامي) معنى الدفاع المشروع فقال: (الدفاع الشرعي: هو واجب الإنسان في حماية نفسه أو نفس غيره، وحقه في حماية ماله أو مال غيره، من كل اعتداء حال غير مشروع بالقوة اللازمة لدفع هذا الاعتداء)(2).
علماً أن علاء الدين المروادي ذكر في (الإنصاف) أن: (الحنابلة لا يرون الدفاع عن النفس واجباً إلا في حالة الفتنة، ومنهم من يوجب الدفاع عن المال إذا تعلق به حق الغير)(3).
والمعروف أن بعض الفقهاء قد توسعوا في موضوع الدفاع الشرعي، حيث جعلوه موضوعاً عاماً شاملاً يستوعب الدفاع عن دار الإسلام من خطر الأعداء، فيما رأى آخرون أن الدفاع الشرعي والعنف المشروع هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(5).
ومن المفيد ذكره في هذا الصدد
.. أن فقهاء القانون الوضعي أجازوا الدفاع الشرعي، ووضعوا التكييف القانوني له فقالوا بأن: (آثار الإباحة هو أن يخرج الفعل من نطاق نص التجريم فيصير مشروعاً وينتفي الركن الشرعي للجريمة)(18). وقد نص قانون العقوبات العراقي في المادة *2 على أنه: (لا جريمة إذا دفع الفعل استعمالاً لحق الدفاع الشرعي).
ونص القانون السوري سنة 19*9 على المعنى نفسه في المادة 183.
وهكذا نعرف أن الدفاع الشرعي له تكييفه القانوني في الشريعة الإسلامية قبل القوانين الوضعية بأكثر من 1*00 سنة، مما يدل على عظمة الإسلام وسمو قواعده القانونية. خصوصاً وأن بعض الفقهاء - كما قلنا سابقاً - يتوسعون فيه ليشمل الدفاع عن الإسلام والمسلمين ودفع الأخطار الخارجية وفق قواعد القانون الدولي الإسلامي الأخلاقية.
لهذا فإن الموضوعية تحتم علينا أن نتناول الدفاع الشرعي في القانون الدولي العام ، وفق منهجية علمية تستقرئ وتقارن بين القواعد القانونية الموجودة في القانون الدولي الإسلامي وغيره من القواعد الدولية.
تحديد القواعد القانونية الدولية الوضعية
تُعرف القوانين بأنها (القواعد المجردة التي تحكم سلوك الأمة أو داخل مجتمع ما وفقاً لضوابط معينة ارتضاها الناس، والتي تقترن بجزاء توقعه السلطة المختصة في حالة الخروج على هذه القواعد)(21).
ويطلق تسمية قانون - مفرد قوانين - لغة على (الشرائع والنظم التي تنظم علاقات المجتمع سواء كان من جهة الأشخاص أو من جهة الأموال. والقوانين كثيرة أهمها:
ومن المعروف أن تسمية (القانون الدولي العام) ترجع إلى الفيلسوف الإنجليزي (بنتام)، فقد أطلق على مجموعة القواعد التي تحكم علاقات الدول اسم (International law) . ولكن بعض الفقهاء يذهبون إلى وصف (القانون الدولي العام) بأنه (قانون الشعوب والأمم)، لأن تسمية (القانون الدولي) مشتقة من كلمة (nations) أي الأمم. وقد استعمل هذه التسمية كثير من الكتاب المتقدمين أمثال (دي ماتنز)، و(كلوبر)، و(فاتيل) وغيرهم، ويتجه الاتجاه نفسه (جورج سيل)(28). بلحاظ أن الألمان يأخذون بتسمية (قانون الشعوب) على اعتبار أنها الأصح. ويمكن الإطلاع على تسميات أخرى استعملها بعض الكتاب والفقهاء للدلالة على القانون الدولي، حيث سماه المحامي الهولندي (جروسيوس) (قانون الحرب والسلم)، وسماه (بسكال فيور) (قانون الجنس البشري)، وسماه (ميجل) (القانون السياسي الخارجي) إلى غيرها من الأسماء..
ويرى (روسو) أن أدق تسمية للقانون الدولي العام - باعتباره ينظم العلاقات بين الدول - هي (قانون الشعوب)، لكنه مع ذلك لا يجد حرجاً من استعمال تسمية (القانون الدولي)، لأنها استقرت فقهاً وعملاً وأصبحت لها صفة تقليدية(29).
ويعلق الدكتور أبو هيف على ذلك معتبراً التسمية العربية للقانون الدولي تتفق مع وجهة نظر (شارل روسو)، لأن القواعد القانونية الدولية (تنظم العلاقات بين الأمم والشعوب، التي لا يكون لها كيان قانوني إلا من خلال الدول التي تتبعها)(30).
ومن المعروف أن الشريعة الإسلامية قد اهتمت بشؤون الدول، وبينت حقوقها وواجباتها المختلفة، وكذلك أوجبت القواعد الإسلامية الدولية (على المسلمين الالتزام بها قي معاملة المسلمين وغير المسلمين، محاربين أو مسالمين، سواء أكانوا أشخاصاً أو دولاً، في دار الإسلام أو في خارجها)(31).
وقد احتوت رسائل الفقه الإسلامي أحكاماً وفتاوى عن المرتدين والبغاة وقطاع الطرق، كما أوضحت كتب السير بالتفصيل أيضاً معاملة المسلمين لغيرهم. لهذا يمكن القول أن فقهاء الإسلام قد وضعوا أسس القانون الدولي الإسلامي لتنظيم العلاقات بين الدول(32).
الطبيعة القانونية للقواعد الدولية
الجدير ذكره في هذا الصدد أن القواعد الدولية الإسلامية لا تثير أي تساؤلات حول طبيعتها القانونية، في حين أن قواعد ( القانون الدولي العام) يشوبها بعض الشكوك حول طبيعتها هل هي قواعد أخلاقية أو هي قواعد قانونية بالمعنى المتعارف عليه ؟! فقد ذهب البعض إلى الشك في صفتها القانونية، لعدم وجود مشرع وسلطة قضائية تنفيذية، وعدم وجود جزاء يترتب على مخالفتها(33).
وأتصور أن ذلك لا ينفي صفة القانون عن القواعد الدولية، خصوصاً وأن الرأي الفقهي القانوني السائد قد أقرّ دون تردد الصفة القانونية لها، بلحاظ أن بعض القوانين الداخلية استقرت وأصبحت ملزمة دون وجود مشرع لها كالقانون الإنجليزي. أما عدم وجود سلطة قضائية لتنفيذ القانون الدولي فهي مسألة مبالغ فيها كثيراً، وعلى فرض صحة ذلك فإنه لا ينفي عن القواعد الدولية صفة القانون، لأن القاعدة القانونية موجودة أصلاً قبل تدخل القضاء لتنفيذها، فالقاضي (لا يخلق القانون بل يطبق القانون الموجود)، والشيء نفسه يسري على الجزاء.. فعلى الرغم من أنه يحفظ القواعد القانونية إلا أنه لا ينفي صفة القانون عنها، فهي موجودة (وإن لم يصحبها جزاء)(3*).
وهكذا نعرف أن عدم وجود مشرع، وقضاء دولي، وجزاء لا ينفي الصفة القانونية عن القواعد الدولية، علماً أن (التشريع ليس هو المصدر الوحيد للقانون، فقد عرفت المجتمعات المختلفة قواعد القانون قبل التشريع وكانت ولا تزال تتلقى جانباً منها من العرف ومن القضاء. بل إن للعرف دوراً خطيراً في نطاق القانون الدستوري والقانون التجاري.. وعليه فما يصدق على القانون الداخلي يصدق على القانون الدولي)(35).
وللأمانة والموضوعية نقول: إن نظام الأمن الذي اقترحته عصبة الأمم، وكذلك هيئة الأمم المتحدة، لم يكن موفقاً لا نظرياً ولا عملياً في تحريم الالتجاء إلى القوة المسلحة غير المشروعة ، أو في وضع قواعد جديدة تلزم الدول بالتزاماتها وتعهداتها(39). ومن الملاحظ أن هيئة الأمم المتحدة قد وضعت مبدأ عدم تدخلها في الأعمال التي تكون في صميم السلطان الداخلي للدول، إلا في حالة تطبيق تدابير القمع إذا اقتضى الأمر تطبيقها(*0) وهذا المبدأ استغلته الولايات المتحدة الأميركية - بعد انحلال الاتحاد السوفيتي السابق- للتدخل في شؤون الدول المعارضة لها(*1).
وأرى من خلال ذلك أن الدول الكبرى قد استغلت عيوب القانون الدولي العام، واستعملت الدفاع الشرعي بصورة سيئة، لكي تتدخل في شؤون الدول الأخرى، وتتوسع في تفسير معنى العدوان، وتتذرع بأوهى الأسباب للتدخل في صميم السلطان الداخلي للدول من أجل حماية مصالحها الاقتصادية، وفتح الأسواق العالمية أمام تجاراتها(*2).
وعليه لابدّ أن تنصب الجهود الدولية للحد من سلطان الدول الكبرى، وتقييد لجوئها إلى القوة المسلحة قبال دول العالم الثالث، وتحديد مبدأ الدفاع الشرعي بصورة واضحة لردع الدول التي تتذرع به للعدوان على الدول الأخرى.
وفي هذا المجال يعتقد الدكتور أبو هيف أن الحرب والقوة في التعامل الدولي لا زالت (في نظر الكثيرين من رجال السياسة عملاً مشروعاً دائماً من حق الدولة أن تأتيه كلما كانت مصلحتها تقتضي ذلك، ويذهب البعض منهم إلى حد القول بأن الحرب هي أصلح أداة تتوسل بها الدولة لتنفيذ سياستها القومية وتحقيق أغراضها)(*3).
ويضيف أبو هيف بأنه: (لم يجرؤ واضعوا عهد عصبة الأمم على النص على تحريم الحرب إطلاقاً في عبارة صريحة قاطعة.. ويلاحظ أن ميثاق الأمم المتحدة لم يفرق في التحريم بين الحرب العدوانية وغيرها)(**).
والمعروف أن ميثاق الأمم المتحدة قد استثنى حالة واحدة تكون فيها الحرب مشروعة، وهي حالة الاضطرار دفعاً لاعتداء، أو كما يقول فقهاء الشريعة الإسلامية: الدفاع الشرعي(*5).
ولكن في هذا المجال نقول أن القانون الدولي العام فشل في الحد من الحروب بسبب مصالح الدول، (فالمعيار السياسي قد يتناقض مع المعيار القانوني في حكم استخدام القوة في العلاقات الدولية، فتارة يلتقيان وأخرى يفترقان، وهذا هو سبب التعامل الدولي بالكيل بمكيالين في العلاقات الدولية وازدواجية لغتها السياسية والقانونية)(*6).
وبصورة عامة يمكن القول أن عيوب القانون الدولي العام قد استغلّت من قبل بعض الدول للاعتداء على الغير، وزيادة مصالحها وإن كانت غير مشروعة، خصوصاً وأن تياراً كبيراً في الغرب يرى أن المصلحة هي الحق، الذي لابد للقانون أن يتكفل بحمايته(*7). ولذا ظهر مصطلح (المصالح الحيوية)، الذي استخدمته ألمانيا النازية لتبرير احتلالها لأراضي الدول المجاورة لها. وقد حاول الفقهاء الألمان (أن يجدوا مبرراً لاتساع دولتهم على حساب جيرانها من الدول الصغيرة، فابتدعوا نظرية المجال الحيوي)(*8).
والمعروف أن الفقه الألماني اخذ بنظرية أخرى تدعى (نظرية الضرورة) لتبرير احتلال الدول المجاورة ، وقد طبقها الألمان أثناء الحرب العالمية الأولى، (فاقتحمت جيوشهم دولتي بلجيكا ولكسمبورج المحايدتين على زعم أن سلامة ألمانيا كانت تقتضي احتلالهما عسكرياً، ونشر أحد فقهائهم المعروفين في نفس الوقت كتاباً بعنوان (حق الضرورة) برَّر فيه مسلك دولته ودافع عنه، كذلك شهدت الحرب العالمية الثانية مزيداً من الاعتداءات الألمانية أيضاً باسم الضرورة عندما اكتسحت القوات النازية سنة 19*0 الدانمارك والنرويج ثم هولندا وبلجيكا، ولم تكن أي من هذه الدول الأربعة طرفاً في الحرب.. إن القول بوجود حق كهذا معناه هدم قواعد القانون الدولي العام بإيجاد سبب ذي مظهر قانوني تستند إليه الدول لخرق هذه القواعد وتبرير كل ما يقع منها من اعتداءات)(*9).
في الاتجاه نفسه طرحت إسرائيل مصالحها - التي أسمتها حيوية واستراتيجية - وفقاً لشعار (حماية الأمن الإسرائيلي) من أجل التوسع واحتلال الأراضي العربية. وقد عارض الفقيه الأميركي (كونس رايت) هذا التوجه، لأنه يتناقض مع قواعد القانون الدولي العام. ولم تجد إسرائيل أمام الانتقادات الدولية الواسعة لإجراءاتها العدوانية غير التمسك بنظرية (التقادم المكتسب)، لتبرير احتلالها للأراضي العربية. ولكن هذه النظرية لايمكن تطبيقها والاحتجاج بها إلا في حالة التقادم لمدة طويلة مع عدم وجود منازع، بلحاظ أن الدول العربية لم تعترف بحدود إسرائيل، ولم تقبل الهدنة معها منذ احتلال عام 19*8م. لذا فإن الإجراءات العدوانية الإسرائيلية تعتبر باطلة قانونياً، مع (انتفاء الأساس القانوني للحجج التي استندت إليها الحكومة الإسرائيلية والمدافعون عن موقفها لضم أراض جديدة)(50).
والمعروف أن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة أجازت للدول حق الدفاع الشرعي واستعمال القوة لردّ العدوان، وذلك يتشابه مع الدفاع الشرعي الذي أقرّه القانون الدولي الإسلامي، والفرق بينهما هو استناد القواعد الإسلامية الدولية إلى أسس أخلاقية لا تجيز التعسف في استعمال الحق، وهذا غير متوفر في العلاقات الدولية، مما دعا الدول الغربية الكبرى إلى استعمال القوة المسلحة خارجياً لمعاقبة الدول المعارضة لها، وتثبيت وجودها غير المشروع في منطقة الخليج بحجة حماية مصالحها القومية، التي تسميها (مصالح استراتيجية). وقد توافق كل ذلك مع اتهام أي جهد معارض بأنه يندرج تحت قائمة الإرهاب!!. وأعتقد أن ذلك كان السبب في تشويه الحضارة الإسلامية في الغرب، حيث سعى (برنارد لويس) بخبث لتشويه التصورات الإسلامية حول (الثورة والنهوض) واتهام المسلمين بالإرهاب، وذلك في مقال كتبه للتهجم على الإسلام، واستخراج اشتقاقات مضحكة لكلمة ثورة من اللغة العربية، حيث ادّعى أن: لفظة ثورة (ترمز وتشير) عند العرب والمسلمين إلى (الثور والهيجان غير المنطقي والغير واقعي، والهمجي اللامنضبط)!!.
أما (النهوض الإسلامي) فعند (برنارد لويس) مشتق من (نهوض الجمل)!! وهو إيحاء مقصود ندركه نحن المقيمين في الغرب، وندرك أبعاده للنيل من العرب والمسلمين، ونعتهم بالجهل والتخلف.
ويذكر إدوارد سعيد في كتابه (الاستشراق) سبب عداء (برنارد لويس) للإسلام وللعرب، فهو في كل بحوثه يتعجب ويتساءل بقوله:
(لماذا ما يزال المسلمون يرفضون أن يهدأوا ويقبلوا ملك إسرائيل على الشرق الأدنى)(51).
فهذا هو السبب الحقيقي، إضافة إلى الأسباب الحضارية الأخرى، وراء اندفاع بعض المثقفين الغربيين للهجوم على المسلمين، واتهامهم بالإرهاب، من أجل توسيع حجم المصالح الغربية اللامشروعة في منطقة الشرق الأوسط، والدفاع عن العدو الصهيوني وتأييد توجهاته العنصرية واحتلاله لفلسطين.
لقد شنّ هؤلاء (المثقفون الغربيون) هجوماً عنيفاً على العرب، واللغة العربية، لاتهام المسلمين بأشنع الأوصاف، والتأكيد على أنهم لا يفهمون من معنى الثورة غير هيجان الثور لأنهم إرهابيون!!.
في حين أن هناك مصطلحات عربية وإسلامية، كالفتنة، والملحمة، والخروج، والنهضة، جاءت لتعطي نفس المعنى السياسي الحديث لمصطلح الثورة. ويعلّق الدكتور محمد عمارة في كتابه (مسلمون ثوار) على هذا الموضوع بقوله:
(إنّ كلمة الفتنة استخدمت قديماً بمعنى الاختلاف والصراع حول الآراء والأفكار، وقيام الأحزاب والتيارات الفكرية المتصارعة، واستخدمت بمعنى (الثورة)، أي الوثوب ووقوع الابتلاء والامتحان.. وكلمة الملحمة كانت تعني - ضمن ما تعني - التلاحم في الصراع والقتال في (الفتنة) (الثورة).. وكانت تعني أيضاً الإصلاح العميق الذي يشمل الأمة ويعمّها.. كما استخدمت - قديماً كذلك - لهذا المعنى كلمة (الخروج)، فقيل (خرج) على السلطان بمعنى (ثار)، ضده ووثب عليه... وإلى عصر قريب كانت كلمة (النهضة) تستخدم بمعنى (الثورة)، لأن (النهوض) يعني (الوثوب) و(الانقضاض)... ولقد استخدمها هذا الاستخدام جمال الدين الأفغاني، وكذلك سعد زغلول سنة 1919م)(52).
ضرورة وجود الفقه الدولي الإسلامي وإقرار مبدأ الدفاع الشرعي
إن تداخل العالم مع بعضه في علاقات متبادلة يقتضي وقفة جادة ومسؤولة من علماء المسلمين، لإيجاد فقه دولي يهتم بعلاقات الدول الإسلامية مع غيرها من الدول، وتقنين ذلك الفقه وفق المذاهب الإسلامية المتعددة، بحيث يفرز مساحة واسعة لحق الشعوب في تقرير مصيرها واستعمال القوة والعنف المشروع للدفاع عن المقدسات، وكذلك حق الإنسان للتحرر من العبودية والقهر والاستغلال، وإقرار السلم والأمن الدوليين بصورة واقعية حقيقية.. وهذه كلها غايات سعت إليها هيئة الأمم المتحدة ولم توفق في تحقيقها، بسبب مصالح الدول ونظرتها القومية الضيقة، التي حالت دون نشوء علاقات دولية أخلاقية متساوية ومتوازنة، مما أدى إلى التوسع في استعمال العنف غير الشرعي في العلاقات الدولية.
وأعتقد أن ظهور الفقه الدولي الإسلامي وتقنينه ليس عملاً مستحيلاً إذا سعت الدول الإسلامية إلى تنظيم علاقاتها، وعقد معاهداتها، وإرساء عرفها الدولي على أسس اجتهادية معاصرة، إضافة إلى إنشاء مجمعات تهتم بالقانون الدولي الإسلامي، وتقنين قواعده القانونية، التي من شأنها التأثير بالعلاقات الدولية، و بالقانون الدولي العام، وتطويره وتلافي عيوبه من خلال المشاركة الفاعلة في إصلاح النظام القانوني الدولي، على غرار إصلاح النظام القانوني الداخلي للدول، علماً أن القواعد الدولية لا تزال إلى اليوم في حالة عدم ثبات، وفي تطور دائم ومناقشة وشك(53).
مشروعية اللجوء إلى تحكيم غير المسلمين
يمكن أن يثار في هذا الموضوع تساؤل حول شرعية قبول المسلمين بأحكام القضاة الدوليين غير المسلمين، أو الالتجاء إلى القضاء الدولي في محكمة العدل الدولية لحل النزاعات بين دول إسلامية وغيرها من الدول، خصوصاً وأن الشريعة الإسلامية لا تجيز تحكيم غير المسلمين في فض النزاعات وفقاً للآية الكريمة (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) (5*).
وعليه لا ولاية للكافر على المسلم، وكل (ما يؤدي إلى مهانة المسلم، أو جماعة المسلمين، أو الأمة الإسلامية، أو يدخل وهناً على الإسلام، بأي وجه من الوجوه، فإن ارتكابه في حال الاختيار، من أعظم المحرمات الدينية، وأشد المنكرات الشرعية)(55).
وقد ذهب فقهاء المالكية إلى تحكيم غير المسلمين(58) لإنهاء الحرب، لكنهم قيدوا ذلك بقيد الخوف من الأعداء فقالوا: (يجوز عقد هدنة مع غير المسلمين على أن يحكموا بين مسلم وكافر إذا كان هناك خوف منهم).
بلحاظ أن إيران وافقت على تدخل الأمم المتحدة لحل نزاعها وحربها مع العراق ، وقبلت مصر اللجوء إلى لجنة التحكيم الدولية بخصوص طابا بينها وبين إسرائيل، وقبلت البحرين التحكيم الدولي بشأن نزاعها مع قطر حول بعض الجزر في الخليج.
ترابط أحكام الشريعة الإسلامية
الذي أريد قوله وباختصار شديد.. هو ترابط أحكام الشريعة وانسجامها وتداخلها وتنظيمها لكل أنشطة المجتمع المسلم، وعليه فإن من الضروري تصدي الفقهاء لتطبيق القواعد الإسلامية العامة الثابتة ، واستنباط الأحكام الشرعية لاستيعاب تطور العصر وتقدمه. ويدخل القانون الدولي الإسلامي ضمن ذلك لأنه (لا فرق في نظام الإسلام بين الأمور الدينية أو الأمور التشريعية، فكلها ذات صفة إلزامية لامناص منها، وكلها واجبة التنفيذ)(59).
وهكذا فإن الإسلام يعتبر ديناً له نظامه السياسي المحكم، ونظامه الاجتماعي الكامل، بحيث لا تنحصر تعاليمه بعلاقات الإنسان بربه فقط، بل يمتد ذلك إلى تكوين المجتمع المثالي، الذي يتوسل إلى تحقيق أهدافه بتوفير العنصر الأخلاقي في نفس الإنسان(60).
وقد امتدّ العنصر الأخلاقي إلى كل جوانب الحياة، فشمل علاقات المسلمين بغيرهم، فكان بدء تاريخ وجود المسلمين كأمة، وبدء وجودهم الدولي (مقرراً بالهجرة حيث انتقل المسلمون من الموقف السلبي إلى الموقف الإيجابي بمواجهة الأعداء)(61). علماً أن المسلمين عند استعمالهم للقوة المشروعة كانوا مرتبطين بمبادئ أخلاقية، بحيث لم يتعسفوا في استعمال حقوقهم.
ونلاحظ أن الإسلام يمتلك قوى تحريك هائلة، حيث استطاع بنجاح في زمن الرسول(ص) والخلافة الراشدة أن ينقل أحكامه وقواعده العامة خارج دار الإسلام، مما أدى إلى نشوء القانون الدولي الإسلامي وتطور قواعده بعد ذلك.
كما أن الرسول (ص) كان يؤكد دائماً على أخلاقية القواعد الإسلامية ويقول: (اغزوا باسم الله وفي سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً).
وثيقة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) إلى مالك الأشتر
تعتبر وثيقة الإمام علي بن أبي طالب (ع) إلى مالك الأشتر النخعي، عندما ولاه مصر، من الوثائق السياسية والإدارية المهمة، التي تدل على اهتمام المسلمين بالمبادئ الأخلاقية عند تعاملهم مع الناس، كل الناس، مسلمين وغير مسلمين(6*).
ويذهب الدكتور الزحيلي إلى أن جمهور الفقهاء قد تأثروا (بالحالة الواقعية التي سادت علاقات المسلمين بغيرهم في عصر الاجتهاد الفقهي في القرن الثاني الهجري.. فقرروا أن اصل العلاقات الخارجية مع غير المسلمين هي الحرب لا السلم، ما لم يطرأ ما يوجب السلم من إيمان أو أمان)(65).
ولكن التأثر بالحالة الواقعية للفقهاء لم يبعدهم عن مبادئهم الأخلاقية، فكانوا بحق مصداق الآية المباركة الكريمة: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) (66).
لهذا فإن الدولة الإسلامية زمن الرسول (ص) والخلافة الراشدة لم تشن حرباً هجومية على الدول المسيحية الغربية (على الصورة التي هاجمت بها الدول الأوروبية المسيحية الدولة الإسلامية في الحروب الصليبية، متذرعة حماية الأماكن المسيحية المقدسة، ثلاث قرون كاملة، ولم تدخل الدولة الإسلامية في حرب على أساس المبدأ المعروف بمبدأ توازن القوى ، وهو المبدأ الذي تأسست عليه علاقات الدول الأوروبية المسيحية ببعضها)(67).
الحاجة إلى مبادئ السماء
والجهاد يكون ضرورة إذا (ازدحم الكفار على المسلمين بحيث يخاف منه زوال الحق وإثبات الكفر والباطل، فيجب على جميع المسلمين حينئذ مدافعتهم)(7*).
وهكذا فإن العلاقات الدولية في الإسلام، المستندة إلى قيم روحية أخلاقية، هي ما تحتاجه الإنسانية في تطلعها للمساواة والحرية، وإقرار السلم والأمن في العالم. لأن (القانون الإلهي إذا نزل يقرر ويبطل، ويزيد وينقص، فيطرح القوانين الباطلة ويضع القوانين الصالحة)(75) من أجل الناس جميعاً.
الهوامش:
(*) كاتب وباحث إسلامي مقيم في الدنمارك.
1- د . داود العطار: الدفاع الشرعي في الشريعة الإسلامية ص18.
2- عبد القادر عودة: التشريع الجنائي الإسلامي ج10 /30*.
3- علاء الدين المروادي: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ج10/30*. انظر أيضاً ابن قدامة في: المغني ج9/ 16*.
5- عبد القادر عودة - ( التشريع الجنائي الإسلامي ) - ج1 ص *72 .
6- ابن حزم: معجم ابن حزم الظاهري ج2/819.
7-علاء الدين المروادي: مصدر سابق ج10/ 303، انظر أيضاً الفيض الكاشاني: كتاب الحسبة والحدود (مخطوط).
8- أحمد بن يحيى: البحر الزخار ج5 / 268.
9- محمد حسن النجفي: الجواهر : الحدود، وكذلك الفاضل الهندي: كشف اللثام: الحدود.
10- محمد بن أحمد السرخسي الحنفي: المتوفي سنة *82 المبسوط ج2* / 37.
11- الزيلعي: تبيين الحقائق ج6 /110.
12- الشويكي: التوضيح ج2/162.
13- سورة البقرة: الآية 195.
1*- الخطيب الشربيني: مغني المحتاج ج*/ 19*.
15- أحمد بن يحيى: البحر الزخار ج5/268.
16- الدردير: الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ج*/356 -357.
17- ابن حزم: المحلى ج11/99. وانظر في تفصيل كل ذلك د. داود العطار: مصدر سابق.
18- محمود نجيب حسني: شرح قانون العقوبات ص 168.
19- محمد كامل مرسي بك: شرح قانون العقوبات - القسم العام ص195.
20- د. داود العطار: المصدر السابق ص 26.
21- د. عبد الباقي نعمة عبد الله: القانون الدولي العام - دراسة مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي ص13.
22- المنجد الأبجدي: الطبعة الأولى، دار المشرق ص782.
23- د. عبد الباقي نعمة عبد الله : المصدر السابق ص 1*.
2*- المنجد الأبجدي: ص *52.
25- د. علي صادق أبو هيف: القانون الدولي العام ص 13.
26- شتروب: هو أحد الفقهاء الألمان، ويصنف مع (تريبيل) و(دي هولتزندروف) عند الحديث عن تطور القانون الدولي العام. ويعتبر أيضاً بمثابة الإنكليزي (بنتام) الذي له جهود كثيرة في مجال القانون الدولي.
27- د. علي صادق أبو هيف: مصدر سابق ص 13.
28- أنظر مؤلفات شارل روسو، وبول ريتر، وحامد سلطان، وعلي صادق أبو هيف، ومحمد حافظ غانم في (القانون الدولي العام).
29- د. علي صادق أبو هيف: مصدر سابق ص12.
30- المصدر نفسه: ص12.
31- د. سعيد محمد أحمد باناجة: المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية والدبلوماسية وقت السلم والحرب بين التشريع الإسلامي والقانون الوضعي ص11.
32- د. نجيب الأرمنازي: الشرع الدولي في الإسلام ص*5.
33- د. علي صادق أبو هيف: مصدر سابق ص70.وانظر د. عبد الباقي نعمة عبد الله: مصدر سابق ص31.
3* - د. علي صادق أبو هيف: مصدر سابق ص71-72.
35 - د. عبد الباقي نعمة عبد الله: مصدر سابق ص30.
36 - المصدر نفسه: ص30.
37- د. سعيد محمد أحمد باناجة: الوجيز في قانون المنظمات الدولية والإقليمية ص9.وأنظر د. عائشة راتب: المنظمات الدولية ص30.
38- المادة الثانية الفقرة الثالثة والرابعة من ميثاق الأمم المتحدة تضع قيوداً على الدول لكي تلجأ إلى الطرق السلمية لفض المنازعات بينها، كما أعطت المادة نفسها لمجلس الأمن حق التدخل في أي نزاع يخشى منه قيام حرب.
39- د. وهبة الزحيلي: العلاقات الدولية في الإسلام ص16 نقلاً عن د. عائشة راتب: النظرية المعاصرة للحياد ص257.
*0- د. محمد السعيد الدقاق: الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية ص**-*7.
*1- د. زهير الحسني: مصادر القانون الدولي العام ص10.
*2- د. وهبة الزحيلي: العلاقات الدولية في الإسلام مقارنة بالقانون الدولي الحديث ص 15.
*3- د. علي صادق أبو هيف: المصدر السابق ص 783.
**- المصدر نفسه: ص 783 - 787 .
*5- الدفاع الشرعي في الإسلام هو: (سلطة وقائية يكون بموجبها للشخص أو عليه، فعل ما يلزم شرعاً لدفع خطر حقيقي غير مشروع، حال على حق معصوم، من نفس أو عرض أو مال مسلم أو ذمي أو مستأمن) انظر داود العطار: الدفاع الشرعي في الشريعة الإسلامية ص17-18، ثم قارن مع نص المادة 51 من الميثاق التي أعطت للدول الحق في استخدام القوة في حالة الدفاع الشرعي.
*6- د. زهير الحسني: مصدر سابق ص 9.
*7 - محمد حسن كمال الدين: حلف الفضول وميثاق الأمم المتحدة ص62.
*8- د. علي صادق أبو هيف: مصدر سابق ص197.
*9- المصدر نفسه: ص201.
50- د. إبراهيم شحاتة: الحدود الآمنة والمعترف بها - دراسة قانونية للتوسع الإسرائيلي ص*8. انظر قرارات الأمم المتحدة: 2253 الصادر في */7/1967 و 225* الصادر في 1*/7/1967 ، وقرارات مجلس الأمن 252 / 68 الصادر في 21/5/1968 و 367 / 69 الصادر في 3/7/1969 و298 / 71 الصادر في 2/9/1971 ، وقرارات اليونيسكو رقم 83 الصادر سنة 1970 ورقم 88 الصادر سنة 1971 ، وقرارات المؤتمر العام رقم 17 سنة 1972 ورقم 18 سنة 197* وكلها تعتبر (الإجراءات الإسرائيلية) باطلة وغير مشروعة خصوصاً في مدينة القدس.
51- إدوارد سعيد: الاستشراق ص6*.
52- محمد عمارة: مسلمون ثوار ص10 - 11.
53- د. علي صادق أبو هيف: مصدر سابق ص 75 .
5*- سورة النساء: الآية1*1.
55- الشيخ محمد مهدي شمس الدين: نظام الحكم والإدارة في الإسلام ص*9*.
56- أنظر د. عبد الكريم زيدان: أحكام الذميين والمستأمنين ص 601.وانظر أيضاً د. وهبة الزحيلي: مصدر سابق ص1*3.
57 - لقد وصلتني رسالة من آية الله السيد كاظم الحائري رداً على استفساري عن هذا الموضوع فقال سماحته ما نصه بسم الله الرحمن الرحيم: إذا توقف إنفاذ الحق على التحاكم لدى الكافر وكان في تركه ضرر مهم فالفقهاء يفتون عادة بجوازه عملاً بقاعدة نفي الضرر).أنظر د. عبد الباقي نعمة عبد الله: مصدر سابق ص137.
58- د. وهبة الزحيلي: مصدر سابق ص77، نقلاً عن الخرشي: 3 / 17* طبعة أولى.
59- المصدر سابق: 9.
60- الشيخ محمد مهدي شمس الدين: مصدر سابق ص*3.
61- د. وهبة الزحيلي: مصدر سابق ص11.
62- د. عبد الباقي نعمة عبد الله : مصدر سابق ص52.
63- الماوردي: الأحكام السلطانية ص*1.
6*- انظر ابن أبي الحديد عند شرحه لنهج البلاغة (عهد الإمام علي إلى مالك الأشتر) المجلد الرابع ص119.
65 - د. وهبة الزحيلي: مصدر سابق ص93.
66- سورة الممتحنة: الآية 8-9.
67- د. وهبة الزحيلي: مصدر سابق ص126.
68- المصدر نفسه: ص7.
69- د. سعيد محمد احمد باناجة: المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية والدبلوماسية وقت السلم والحرب بين التشريع الإسلامي والقانون الدولي العام، مصدر سابق ص1* - 15.
70- د. نجيب الأرمنازي: الشرع الدولي في الإسلام ص*5.
71- الشيخ محمد أبو زهرة: العلاقات الدولية في الإسلام ص61 - 62.
72- علي علي منصور: مقارنات بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، ص59.
73- محمود شلتوت: الحرب والسلام في الإسلام ص20.
7*- السيد آية الله العظمى عبد الأعلى الموسوي السبزواري: جامع الأحكام الشرعية ص20*.
75- السيد آية الله العظمى محمد الحسيني الشيرازي: القانون ص138.
المصدر:
- قاسم خضير عباس
- التشريع الجنائي الإسلامي
- الإنصاف
- قانون العقوبات العراقي
- القانون الدولي العام
- ميثاق الأمم المتحدة
- الاستشراق
- مسلمون ثوار
شكرا جزيلا
للاستفادة من موقعنا ابحثوا على الموضوع الذين تريدون، بمربع البحث. نسعى دائما لتطوير موقعنا، شكرا لكم