5.10.2019

الإلزام بالعمل التطوعي كعقوبة تعزيرية في النظام السعودي

الإلزام بالعمل التطوعي كعقوبة تعزيرية في النظام السعودي







الإلزام بالعمل التطوعي كعقوبة تعزيرية في النظام السعودي




الإلزام بالعمل التطوعي كعقوبة تعزيرية في النظام السعودي


فضيلة الشيخ أ.د/ عبدالله بن عبدالواحد الخميس حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فحيث كان من ضمن المتطلبات في هذه المرحلة البحث عن النصوص المفيدة بشأن إلزام القاضي الجاني عملا تطوعيا عقوبة تعزيرية عليه لأجل جنايته، فقد جرى البحث والتأمل بشكل طويل عن ما يفيد حول الموضوع، إلا أنه وبالنظر إلى كون المسألة من المسائل المعاصرة؛ فلم يتيسر الوقوف على نصوص صريحة في الموضوع، وهذا لا ينفي وجود نصوص محتملة في الموضوع، يمكن سردها وفق الآتي :
أ‌. النصوص المفيدة أحقية القاضي التعزير بما يراه مناسبا:
حيث إن تفويض القاضي الحكم بما يراه مناسبا يتيح له التوسع في الحكم – مع الضوابط الواردة في المؤلفات الفقهية- فيفرض على الجاني عقوبات تعزيرية تطوعية.
ومن جملة النصوص المفيدة تفويض القاضي الحكم بما يراه:
جاء في البحر الرائق:" ليس في التعزير شيء مقدر بل مفوض إلى رأي الإمام" .
وجاء في موطن آخر:" لم أر لأصحابنا مجموعا ما يستفيده القاضي بالتولية، وقد جمعته من مواضعه، فيملك الحكم الثابت ببينة أو إقرارا ونكول عن اليمين بعد استيفاء الشرائط الشرعية للحكم، ويملك حبس الممتنع عن أداء الحق ومن وجب عليه تعزير ورأى حبسه لقولهم إنه مفوض إلى رأيه، ويملك إقامة التعازير ما كان حقا لله تعالى بلا طلب أحد وما كان حق عبد بطلبه ، ويملك إقامة الحدود كما صرحوا به في بابها" .
وجاء في تبيين الحقائق أن التعزير:" ليس فيه شيء مقدر وإنما هو مفوض إلى رأي الإمام على ما تقتضي جنايتهم فإن العقوبة فيه تختلف باختلاف الجناية" .




وجاء في معين الحكام:" التعزير لا يختص بفعل معين ولا قول معين" .
وجاء في الدر المختار:" التعزير ليس فيه تقدير بل هو مفوض إلى رأي القاضي" .
جاء في رد المحتار:" والتعزير مفوض إلى رأي الإمام" .
وجاء أيضا:" التعزير ليس فيه تقدير ، بل هو مفوض إلى رأي القاضي" .
وجاء:" (ويكون ) أي التعزير به : أي بالضرب إلخ وليس مراده حصر أنواعه" ، فيفهم من عدم الحصر كثرة صوره، وقد يفهم منه أيضا عدم تقيدها بصور معينة؛ لأن في الإشارة لبعضها مع التنصيص على وجود غيرها دون تحديده إلماحة لسعتها وتنوعها، ولذا جاء في موطن آخر:" (والتعزير ليس فيه تقدير) أي ليس في أنواعه" .
وجاء:" ( و ) التعزير ( ليس فيه تقدير بل هو مفوض إلى رأي القاضي ) وعليه مشايخنا زيلعي لأن المقصود منه الزجر ، وأحوال الناس فيه مختلفة بحر ( ويكون ) التعزير ( بالقتل كمن ) وجد رجلا مع امرأة لا تحل له ، ولو أكرهها فلها قتله ودمه هدر ، وكذا الغلام وهبانية ( إن كان يعلم أنه لا ينزجر بصياح وضرب بما دون السلاح وإلا ) بأن علم أنه ينزجر بما ذكر ( لا ) يكون بالقتل ( وإن كانت المرأة مطاوعة قتلهما ) كذا عزاه الزيلعي للهندواني" .
وعند القول بترك تقدير التعزير للإمام بما يراه فإن بابه سيمتد ولا بد إلى القتل، وهو ما نص عليه في رد المحتار:" للإمام قتل السارق سياسة أي إن تكرر منه" . 
وجاء قبله:" يكون التعزير بالقتل ( قوله ويكون التعزير بالقتل ) رأيت في [ الصارم المسلول ] للحافظ ابن تيمية أن من أصول الحنفية أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل والجماع في غير القبل إذا تكرر فللإمام أن يقتل فاعله ، وكذلك له أن زيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك ، ويحملون ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك ويسمونه القتل سياسة" .
ولم أجد بعد في نصوص الفقه الحنفي أي شيء ينص على تعزير القاضي الجاني بعمل تطوعي، ولعله يحصل ذلك قريبا إن شاء الله.
ب‌. نصوص محتملة من غير الفقه الحنفي:
1. فداء أسارى بدر:
وهذه يمكن الإشارة فيها لحديث عبدالله بن عباس  قال: كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله  فداءهم أن يعلموا أولاد النصارى الكتابة، قال فجاء يوما غلام يبكي إلى أبيه فقال ما شأنك قال ضربني معلمي قال الخبيث يطلب بذحل بدر والله لا تأتيه أبدا .





وجه الشبه بين الحديث السابق والموضوع محل البحث الآتي:
1. وجود الإلزام.
2. كون الملزم فيه عمل تطوعي.
3. وجود القيد المعلق للحرية.
واختلفا في الآتي:
أن صورة الإلزام في الحديث ليست عقوبة مفروضة على جناية، وهذا أهم فرق في الموضوع.
2. جاء في غياث الأمم:" إن ارتفع إلى مجلس الإمام أن قوما في قطر من أقطار الإسلام يعطلون فرضا من فروض الكفايات زجرهم وحملهم على القيام به" .
وجه الشبه: وجود الإلزام من قبل صاحب سلطة.
وجه الاختلاف: أن فارض الإلزام هو الحاكم، وأن العمل المفروض وإن كان في تطوع إلا أنه في عمل قربة، والعمل التطوعي محل البحث هو في عمل تطوعي ليس على وجه القربة – من حيث الأصل-.
3. جاء في الفتاوى:" وكما للإمام أن يوجب الجهاد على طائفة ويأمرهم بالسفر إلى مكان لأجله، فله أن يأمر بما يعين على ذلك، ويأمر قوما بتعلم العلم ويأمر قوما بالولايات" .
وجه الشبه: إمكان إلزام صاحب سلطة قوما بأعمال تطوعية.
وجه الاختلاف: أن الإلزام ليس على سبيل العقوبة.
4. حوادث تاريخية:




- جاء في النجوم الزاهرة النص الآتي:" في يوم الإثنين سادس عشرين شهر  رمضان خلع السلطان على دولات خجا الظاهري باستقراره والي القاهرة عوضاً عن التاج الشوبكي وأخيه عمر، ودولات خجا هو أحد أصاغر المماليك الظاهرية برقوق ومن شرارهم، وكان وضيعاً تركي الجنس، كثير الشر، يمشي على قدميه بالأسواق في بعض الأحيان، وكان الملك الأشرف يعرفه أيام جنديته ويتوقى شره، فلما تسلطن ولاه الكشوفية ببعض النواحي، فأباد أهل تلك الناحية، ثم ولاه الكشف بالوجه القبلي فتنوع في عذاب أهل الفساد وقطاع الطريق أنواعاً كثيرة، منها: أنه كان إذا قبض على الحرامي أمسكه ونفخ بالكير في دبره حتى تندر عيناه وينفلق دماغه ومنها أنه كان يعلق الرجل منكساً، ولا يزال يرمي عليه بالنشاب إلى أن يموت، وأشياء كثيرة من ذلك، فلما ولي الولاية بالقاهرة كان أول ما بدأ به أنه أفرج عن جميع أهل الجرائم من الحبوس، وحلف لهم أنه متى ظفر بأحد منهم وقد سرق ليوسطنه، وأرهب إرهاباً عظيماً، وصار يركب في الليل ويطوف بحرمة زائدة عن الحد وصدق في يمينه في السراق، فما وقع له سارق ممن أطلقه، وقد كتب أسماءهم عنده، إلا وسطه، فذعر أهل الفساد منه، وانكفوا عن السرقة، ثم أخذ في التضييق على الناس وإلزامهم بإلزامات منها: أنه أمرهم بكنس الشوارع ثم رشها بالماء، وبتعليق كل سوقي قنديلاً على دكانه، وعاقب على ذلك خلائق" .
- جاء في كتاب الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار بشأن زياد بن أبي سفيان ما يأتي:" كان يهتم بنظافة المدينة ويعتبر الأفراد مسئولين على نظافة بيوتهم ويعاقب من يهمل ذلك، فقد كان يأخذ صاحب كل دار بعد المطر إذا أضحت برفع ما بين يدي فنائه من الطين، فمن لم يفعل أمر ذلك الطين فألقي في مجلسه، وكان يأخذ الناس بتنظيف طرقهم من القذر والكناسات، ثم أنه اشترى عبيداً ووكلهم فكانوا يلمونه" .
ففيما سبق تشابه مع المسألة محل البحث في وجود الإلزام من قبل صاحب السلطة على عمل تطوعي، وفيه افتراق عن المسألة محل البحث في كونها ليست عقوبة تعزيرية.

هذا ما تيسر جمعه حتى اللحظة بشأن الموضوع، ولعله في المستقبل القريب يهتدى إلى نصوص أوضح وأصرح بإذن الله، حيث إن المسألة مازالت محل بحث وتأمل ونظر.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق