5.01.2019

مسؤولية المحامي بين بذل العناية وتحقيق النتيجة

مسؤولية المحامي بين بذل العناية وتحقيق النتيجة







مسؤولية المحامي بين بذل العناية وتحقيق النتيجة




مسؤولية المحامي بين بذل العناية وتحقيق النتيجة



مسؤولية المحامي بين بذل العناية وتحقيق النتيجة
"أقسم بالله العظيم أن أقوم بأعمالي في مهنة المحـامـاة بأمــانة و شرف و أحافظ على سر المهنة و أن أحترم القوانين و أن لا أتحدى الاحترام الواجب للمحاكم و للسلط العمومية"
عرف المشرع التونسي المحامي في الفصل الأول من قانون المحاماة المؤرخ في 15/03/1958 بأنه "مساعد للقضاء يمثل الأشخاص و الذوات المعنوية لدى مختلف المحاكم للدفاع عنهم و تأييدهم و الإشارة عليهم" غير أنه عدل عن تعريفه في القانون الحالي المنظم لمهنة المحاماة المؤرخ في 07/09/1989 حيث اكتفى بتعريف مهنة المحاماة في الفصل الأول على أنها "مهنة حرة و مستقلة و غايتها المساعدة على إقامة العدل" على غرار أغلب التشاريع العربية من ذلك القانون المصري الذي اكتفى بتعداد مختلف الشروط الواجب توفرها في المحامي و أمام غياب تعريف تشريعي للمحامي تولى الفقهاء هذه المهمة فعرفه مثلا الفقيه احمد أبو الوفاء بأنهم "طائفة من رجال القانون غير الموظفين يقومون بمساعدة المتقاضين بإبداء النصح إليهم و مباشرة إجراءات الخصومة عنهم أمام المحاكم بطريقة الوكالة" كما وصفها فولتير "بأنها أسمى مهنة في الوجود". مثل هذه التعريفات تبرز أولا و بالذات عراقة مهنة المحاماة التي امتدت منذ العصور القديمة لتصل جذورها إلى حد الحياة القضائية المعاصرة فصارت مهنة المحاماة منظمة و مقننة على غرار قانون 1989 المنظم لمهنة المحاماة بالبلاد التونسية و الذي و لئن عنى بتنظيم المهنة إلا أنه أهمل في المقابل جانبا مهما منها و هو جانب المسؤولية المدنية و الجزائية التي يرجع تنظيمها إلى القواعد العامة للمسؤولية.
و بالتـالي فإن أهمية دراسة مسؤولية المحـامي الجزائية و التـأديبية و المدنية تتأتى أولا و بالذات من عدم وجود نص خاص ينظمها و ذلك بالنظر إلى طبيعة الأعمال التي يقوم بها المحامي و هي أعمال أدبية و فكرية بالأساس وهو ما دفعنا للتساؤل عن مسؤولية المحامي و عن طبيعة الإلتزام المحمول عليه هل أنه التزام ببذل عناية أم التزام بتحقيق نتيجة ؟ إن كيفية طرح الموضوع تفرض وجود مراوحة بين التزام المحامي بتحقيق نتيجة و التزامه ببذل عناية و تلك المراوحة مأتاها الأساسي عدم إمكانية الجزم بطبيعة مسؤولية المحامي هل أنها عقدية أم تقصيرية ؟ للإجابة على هذا التساؤل لابد من التعرض إلى حجج أنصار المسؤولية العقدية للمحامي و مقارنتها بتلك التي يتمسك بها القائلون بأن مسؤولية المحامي هي مسؤولية تقصيرية. أما عن أنصار المسؤولية العقدية للمحامي فيعتقدون أن مسؤولية المحامي عن أخطائه المهنية أساسها الإخلال بالتزام عقدي وهو الإتجاه السـائد فــي فرنسا و مصر و كذلك القانون الإنقليزي و الأمريكي الذين يعتقدون أن علاقة المحامي بمنوبه إنما هي علاقة الموكل بوكيله، غير أن عبارات القانون التونسي من خلال الفصل 35 من قانون 1989 جاءت مطلقة و مثيرة للجدل. و لكن حري بنا الإشارة إلى أنه و لئن اتفق أنصار المسؤولية العقدية للمحامي على أن العقد هو أساس تلك المسؤولية فإنهم اختلفوا حول طبيعة ذلك العقد فمنهم من يعتقد أن العقد أساس قيام المسؤولية هو من العقود المسماة فاعتبره البعض من العقود المجانية بالنظر إلى رقي مهنة المحاماة و ترفعها ثم سرعان ما وقع التخلي عن مثل هذا الرأي للأخذ بنظرية الوكالة على الخصام التي تعتبر وكـالة خاصة على معنى أحكام الفصل 1181 من م إ ع و هو الرأي الغالب و لئن لم يسلم من الإنتقاد بالنظر إلى عدم انطباق عقد الوكالة على جميع الأعمال التي يقوم بها المحامي مما حدى بالبعض إلى اعتبار العقد الرابط بين المحامي و منوبه عقد مقاولة و الذي يقصد به قيام شخص بعمل معين لفائدة شخص آخر مقابل أجر دون أن يخضع لإشرافه أو إرادته غير أن هذا القول يجعل مهنة المحاماة مقتصرة على الأعمال المـادية في حين إن أعمـال المحـامي هي خليط من الأعمال القانونية و المادية المتداخلة و التي لا يمكن فصلها.




كما يرى البعض أن عقد المحاماة هو عقد من عقود القانون العام الذي يخضع لقواعد خاصة بالنظر إلى كونه "القاضي الأول لحسم النزاع الذي يعقبه دور القاضي للفصل فيه" و ذلك من خلال التسخير عن القضايا الجنائية و الإعانات العدلية و لكن هذا الموقف لا يتماشى كذلك مع طبيعة مهنة المحامي ذلك أن المحامي و لئن كان مساعدا على حسن سير مرفق عام وهو مرفق العدالة فإنه ليس موظفا و هو يمارس مهنته بكامل الإستقلالية و الحرية التي تخوله رفض التسخير المقدم له من طرف العدالة إن كانت الطريقة التي قدم بها لا تتماشى مع أخلاقيات المهنة و منقصة لهيبة المحامي كالتسخير الحيني في قاعات الجلسات الجنائية في حين إن الموظف المرتبط بعقد من عقود القانون العام يفتقد لتلك الحرية وتراه مجبرا على أداء وظيفته سواء كان مقتنعا أم لا.
كل تلك الإنتقادات التي واجهتها نظريات العقد المسمى جعلت البعض أمثال الفقيه الفرنسي قـارسونييه (Garçonnier) يعتبرون أن العقد الذي يربط بين المحامي و منوبه هو من قبيل العقود غير المسماة المعترف بصحتها قانونا و المنشأة لالتزامات تنشئ آثارا متعارف عليها فقها و قضاء و عرفا فلا يمكن مساءلة المحامي بوصفه وكيلا بالمعنى الضيق للكلمة بالنظر إلى أن العلاقة التي تجمع المحامي بحريفه هي علاقة خاصة تتجاوز حدود الوكالة الضيقة. و لكن جميع النظريات القائلة بالعلاقة التعاقدية بين المحامي و منوبه على اختلاف تصنيفها للعقد أساس الإلتزام فإنها تجتمع على مبدأين أساسيين هما:
وجود علاقة قانونية بين المحامي و حريفه تنبني عليها مسؤولية الأول عن الضرر الناتج لحريفه و تتميز هذه النظرية أولا و بالذات بالتركيز على استقلالية المحامي على الصعيدين الأدبي القانوني أو المادي.
و هذه الإنتقادات التي واجهها أنصار المسؤولية التعاقدية للمحامي جعلت البعض يذهبون إلى القول بأن مسؤولية المحامي هي في الواقع مسؤولية مزدوجة تكون تارة عقدية و أخرى تقصيرية.
فالمسؤولية التقصيرية للمحامي تقوم على أساس عدم احترام المحامي لواجب قانوني يتمثل في بذل العناية الكافية و المتماشية مع قـانون و أخلاقيـات المهنة و ذلك بالنظر إلى أن الأعمال التي يقوم بها المحامي تكتسي صبغة خصوصية لطابعها الأدبي العلمي الذي لا يمكن أن يكون محل تعاقد فيكون بالتالي التزام المحامي التزاما ببذل عناية و ليس التزاما بتحقيق نتيجة و لكن هذا الرأي يحمل في طياته أسباب فشله بالنظر إلى أن كل التشاريع المنظمة لمهنة المحاماة قد أقرت حق المحامي في استخلاص كلفة دفاعه من ذلك الفصل 40 من قانون 1989 التونسي المنظم لمهنة المحاماة.
و بالتالي فإن ما يمكن أن نخلص إليه من خلال دراسة مؤيدات أنصار المسؤولية العقدية من جهة و التقصيرية من جهة أخرى أن مسؤولية المحامي بالنظر إلى خصوصية الأعمال التي يقوم بها لا يمكن إلا أن تكون مسؤولية مهنية بالدرجة الأولى تتأرجح حينا نحو التقصير عن إتمام واجب قانوني و حينا آخر نحو مخالفة العقد الرابط بين المحامي و حريفه فيكون التزام المحامي في الصورة الأولى التزاما ببذل عناية و في الصورة الثانية التزاما بتحقيق نتيجة.
فما هي أوجه مراوحة المحامي بين الإلتزام ببذل عناية و الإلتزام بتحقيق نتيجة ؟
إن شمولية مهنة المحامي و اتساع مجال تدخله و إن لم يصل إلى الحد المرغوب يفرض على المحامي أن يكون في علاقة مباشرة مع الحريف أولا و مع هيأة المحكمة ثانيا لذا فإنه من الضروري للبحث عن أوجه المراوحة بين مسؤولية المحامي في نطاق التزامه ببذل عناية و تحقيق نتيجة أن نتولى في فصل أول بيان طبيعة مسؤولية المحامي في صلب عمله القضائي داخل المحكمة (الفصل الأول) لنتبين فيما بعد أوجه تلك المراوحة في قيامه بمهامه خارج الحرم القضائي (الفصل الثاني).




الفصل الأول: مسؤولية المحامي أمام هيأة المحكمة.
ترتبط مهنة المحاماة مما لا شك فيه ارتباطا كليا بالمحكمة باعتبارها المكان الطبيعي و الأساسي الذي يمارس فيه المحامي مهامه فيكون أولا في علاقة مباشرة بالمحكمة كهيكل قضائي فيكون مضطرا بذلك لاحترامه حتى لا يثير مسؤوليته الجزائية (المبحث الثاني) و لكن دون أن ينتقص ذلك الإحترام من حرية المحامي و استقلاليته في ممارسته لمهنته فتكون بذلك المحاماة أحسن دليل للجمع بين متناقضين الإستقلالية و الوجوبية (المبحث الأول). المبحث الأول: مهنة المحاماة بين الإستقلالية و الوجوبية: من الواجبات الأساسية المفروضة على المحامي أثناء ممارسته لوظيفه واجب الحضور بالجلسات و الدفاع عن منوبه و عدم الإضرار به وهو ما يقتضيه الفصل 44 من قانون المحاماة المؤرخ في 1989 الذي ينص أنه "على المحامي أن يحضر بنفسه أمام القضاء" مما يضفي على حضور المحامي للدفاع عن منوبه صيغة الإلزامية و هو في الواقع أمر لا يتناقض مع كنه مهمة المحـامي المنوطة بعهدته و المتمثلة في الدفاع عن مصالح منوبيه، غير أن صبغة الوجوبية تلك تختلف بحسب اختلاف نوع القضية فيكون المحامي تـارة ملزما بتحقيق نتيجة و طورا ببذل العناية الكافية. غير أن المحامي و إن كان ملزما بالحضور أمام هيأة المحكمة (الفقرة الأولى) فإنه في مقابل ذلك يتمتع بحرية مطلقة في اختيار أسانيد دفاعه و سبل طرحهــا و ذلك تكريسا لمبدإ استقلالية المحامـي و لذلك كان لابد من تمكين المحامي من الوسائل القانونية التي تضمن له ذلك و المتمثلة اساسا في الحصانة الممنوحة له بموجب الفصل 46 من قانون المهنة علـى المرافعات الشفاهية و على أعماله الكتابية (الفقرة الثانية)،
الفقرة الأولى: واجب حضور المحامي أمام هيأة المحكمة.
نص الفصل 44 من قانون 1989 المنظم لمهنة المحاماة أن "على المحامي أن يحضر بنفسه أمام القضاء و له أن ينيب عنه من يراه من زملائه تحت مسؤوليته الشخصية" و بالتالي فإن المحامي صار مسؤولا أولا عن أخطائه المهنية التي يرتكبها شخصيا و كذلك عن أخطاء غيره ممن يستعين بهم في تنفيذ التزامه كليا أو في البعض وهو ما يدفعنا أولا للتعرض إلى طبيعة تلك المسؤولية (1) و ثانيا الوقوف على شروطها (2).



- 1 طبيعة مسؤولية المحامي عند الإخلال بواجب الحضور أمام المحكمة:
أقر الفصل 245 من م إ ع أن "المدين مسؤول بما يصدر من نائبه و غيره ممن استعان بهم على إجراء الإلتزام كما لو صدر ذلك منه و له الرجوع عليهم حيث يجب قانونا" فهناك من ناحية اتحاد بين شخص المدين و الغير الذي يكون التنفيذ لفائدته، فإذا لم ينفذ النائب الإلتزام اعتبر ذلك خطأ عقديا كما يقتضيه الفصل 24 من قانون الشركات المهنية أن "الشركة المهنية التي يباشر فيها المعني بالتعويض عمله ضامنة و ملزمة بأداء المبالغ المستحقة إذا أثبت عدم قدرة المدين على الوفاء جزئيا أو كليا و لها حق الرجوع عليه بالدرك"
و بالتالي فإن مسؤولية المحامي عن عدم الحضور بنفسه أو عن عدم حضور من أنابه هي مسؤولية عقدية تنضوي تحت طـائلة نظرية الالتـزام بتحقيق نتيجـة و تحمٌل تبعة الأفعال الضارة الناجمة عن النشاط المشترك عملا بقاعدة الغنم بالغرم، غير أن هذه النظرية قد واجهت العديد من الانتقادات من طرف مناصري نظرية المسؤولية التقصيرية الذين يعتبرون أن الأعمال الأدبية و العلمية لا يمكن أن تكون محل تعاقد معتبرين أن واجب المحامي له طبيعة خاصة تتمثل في تكريس خدمته و معارفه المهنية لصالح قضية ما و أن مساعدته لن تؤدي ضرورة إلى كسب القضية و بالتالي فإن التزامه التزام ببذل عناية و ليس بتحقيق نتيجة خاصة و أن الحريف في الغالب ما يشتكي من التنفيذ المعيب للالتزام و ليس من عدم التنفيذ،
غير أنه لا يمكن الجزم باعتبار مسؤولية المحامي عقدية أو تقصيرية و ذلك بالنظر إلى خصوصية الأعمال المنجزة من طرفه و هو ما يدفعنا إلى التفرقة بين الخطإ العقدي للمحامي و الخطإ التقصيري فالأول يقوم في حال عدم قيام المحامي بالتزاماته المتولدة عن العقد الذي يربطه بحريفه و الثاني يقوم في صورة اقتراف المحامي لخطإ و لم يكن مرتبطا بعقد تجاه الحريف، ففي صورة تسخير محام من طرف المحكمة للدفاع عن متهم في جناية أو في صورة انتدابه بموجب إعانة عدلية لا يكون المحامي مرتبطا بعقد و يكون عدم حضوره للدفاع عن منوبه خطأ تقصيريا أما في صورة ارتباط المحامي بعقد تجـاه حريفه الذي اتصل به مباشرة و وكله للدفاع عن مصالحه فإن عدم حضوره يشكل في جانبه خطأ تعاقديا،
غير أن هذه المراوحة بين الخطإ العقدي و الخطإ التقصيري للمحامي تدفعنا ضرورة نحو التفكير في أن الخطأ الناشئ عن الإخلال بالتزام المحامي ببذل العناية أو بتحقيق النتيجة إنما هو خطأ مهني يقاس بمعيار المحامي العادي وهو الرجل المهني الصالح Le bon professionnel و بالتالي فإنه لابد من توفر شروط معينة لقيام تلك المسؤولية المهنية بالنظر إلى خصوصيتها،
- 2. شروط قيام مسؤولية المحامي عند عدم الحضور أمام هيأة المحكمة :
إن مسؤولية المحامي عن عدم حضوره أمام هيأة المحكمة تكون قائمة كذلك في صورة عدم حضور وكيله المحامي أو أحد أعوانه من غير المحامين.
إن شرط قيام مسؤولية المحامي هو الإخلال بواجب قانوني سواء كان التزاما بمعناه الدقيق أو كان واجبا قانونيا تترتب عنه المسؤولية التقصيرية و حضور المحامي لا ينحصر في حضوره للمرافعة فحس و إنما يشمل حضوره بالمحكمة لتقديم طعونه و مستندات استئنافه أو التعقيب و يتوفر بالتالي في جانبه الخطأ كلما فوت على منوبه فرصة تقديم طعونه و ذلك بعدم حضوره في الأجل المحدد و قد نظرت محكمة المنستير الإبتدائية في قضية تعلقت مادياتها بخطإ جسيم متمثل في عدم تبليغ مستندات التعقيب في آجالها المحددة قانونا و جاء في إحدى حيثياتها ما يلي:" حيث أن التزام المحامي تجاه منوبه ينقسم إلى نوعين: التزام أول بتحقيق نتيجة فيما يتعلق باحترام شكليات و إجراءات و آجـال رفـع الدعوى و سيرهـا و التزام ثان ببذل عناية يتمثل في سعيه و حرصه لبذل كل ما في وسعه للمناضلة عن حقوق منوبه طيلة سير الدعوى"،




غير أن طبيعة مهنة المحاماة وكثرة تنقلات المحامي و مشاغله تجعله يستعين بزميل له أو بالمحامين المتمرنين الذين هم تحت إشرافه كما يلجأ أيضا إلى غير المحامين من كتبة وهو ما خوله له الفصل 27 من قانون مهنة المحاماة الذي يقتضي بأن تمارس مهنة المحاماة بصفة منفردة أو بالإشتراك مع غيره من المحامين و لكن تحت مسؤوليته الشخصية،
و بالتمعن جيدا في أحكام الفصل 44 فقرة أولى من قانون المحاماة نلاحظ أن المشرع لم يشترط حصول إذن من الموكل في إنابة غيره من المحامين في حين يظل دوما مسؤولا عن خطإ ذلك الغير وهو ما يختلف عن عقد الوكالة على معنى أحكام الفصل 1127 من م إ ع الذي ينص على أن الأصل عدم جواز توكيل الوكيل لغيره للقيام بمهامه الموكل عليها و الإستثناء هو الجواز بشرط الإذن الموكل وهو ما يعزز مقولة أن عقد المحاماة هو عقد من نوع خاص تظل بموجبه مسؤولية المحامي عن فعل الغير قائمة سواء كان مأذونا أو غير مأذون في توكيله.
غير أن المتمعن في الفصل 44 من قانون المحاماة يلاحظ أن المشرع اكتفى بعبارة تحت مسؤوليته الشخصية أي أن المحامي يظل مسؤولا عمن وكله بإذن أو بغير إذن فهو يكون مسؤولا إذا عن خطئه في اختيار نائبه أو فيما اصدره من تعليمات و هو نفس الإتجاه الذي توخاه المشرع المصري و كرسه فقه القضاء .
كما تقوم مسؤولية المحامي أيضا في صورة استعانته بغير المحامين من الكتبة الذين هم تحت إشرافه و في هذا الإطار نلاحظ وجود خلط بين المسؤوليتين العقدية و التقصيرية يفرض علينا التمييز بينها لما في ذلك من أهمية: فالمسؤولية العقدية تتطلب أولا وجود عقد يولد التزاما في ذمة مدين لم ينفذ بسبب فعل شخص آخر أما المسؤولية التقصيرية فلا تتطلب وجود عقد بين المحــامي و منوبه،
و من ناحية ثانية يجب أن تكون هناك علاقة تبعية بين المدين و الغير في المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير في حين لا تشترط تلك العلاقة لقيام المسؤولية العقدية مما يجعل نطاق انطباق هذه الأخيرة أشمل من المسؤولية التقصيرية على معنى أحكام الفصل 245 من م إ ع.
و لكن و لئن كان المحامي مسؤولا عن أخطائه المهنية و عن أخطاء غيره من المحامين أو من الكتبة الذين هم تحت إشرافه فإنه في المقابل يتمتع بحصانة على مرافعاته الشفاهية و على التقارير المكتوبة التي يدلي بها للمحكمة.
الفقرة الثانية: حصانة المحامي:
و لئن كان المحامي يتمتع بحصانة على أعماله الكتابية و الشفاهية (1) تكريسا لمبدإ إستقلالية المحاماة فإن تلك الحصانة تشهد استثناءات عديدة (2).
1. حصانة المحامي على المرافعات الشفاهية و على أعماله الكتابية:
لقد اطلق المشرع العنان للمحامي لممارسة وظيفه بكامل الحرية ذلك أن المحاماة بدون حرية كالجسد بدون روح و ذلك من خلال الفصل 46 من القانون المنظم
لمهنة المحاماة الذي يقتضي أنه لا تترتب عن المرافعات الواقعة أمام المحاكم أي دعوى من أجل الثلب أو الشتم أو القذف أو النميمة إلا إذا ثبت سوء النية،
غير أن هذه الحصانة التي يتمتع بها المحامي خلال إلقائه لمرافعته الشفاهية لا تنحصر في القانون الخاص المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة و إنما تتجاوزه لتشمل مجلة الصحافة و المجلة الجنائية.
أما عن مجلة الصحافة فقد اقتضى الفصل 41 منها أنه يمنع تتبع المحامي لأجل ما يصدر عنه من أقوال أثناء المرافعة و ذلك تكريسا لمبدإ إستقلالية المحامي و حتى يتمكن من إيصال لسان الدفاع بالطلاقة اللازمة لتحقيق الهدف المنشود غير أن هذه الحصانة إنما تنحصر في إطار قاعة الجلسة و فيما ينطق به المحامي أمام القضاء عن حسن نية،
كما ينطبق الفصل 66 من مجلة الصحافة في فقرته الثانية في عموميته على وضعية المحامي عندما ينص على أنه "لا تترتب أية دعوى من أجل الثلب أو الشتم أو هضم الجانب عن الوصف المطابق الصادر عن حسن نية للمرافعات العدلية أو الخطب الواقع إلقاؤها لدى المحاكم أو الكتابات المقدمة إليها"
غير أن السؤال المطروح في هذا الصدد هو هل أن المحامي يتمتع بنفس تلك الحصانة أمام السلط الإدارية و العدلية الأخرى؟ بالرجوع إلى الميثاق العالمي لحقوق الدفاع و بالتحديد إلى الفصل 13 منه فإن المحامي يتمتع بحصانة مدنية و جزائية في خصوص مرافعاته الشفاهية و الكتابية التي يلقيها عن حسن نية أثناء مباشرته لعمله أمام هيأة المحكمة و أمام السلط العدلية و الإدارية، وهو ما يتلاءم مع طبيعة عمل المحامي الذي لا يقتصر على تمثيل منوبيه أمام السلط القضائية بل يتجاوزها إلى السلط العدلية و الإدارية مثل مراكز الأمن و الإدارات العمومية.
أما عن القانون التونسي فإن حصانة المحامي تقتصر على ما ينطق به في مرافعاته الشفاهية و ما يقدمه من تقارير أمام المحاكم مما يعني بأنه يتمتع بحصانة قضائية فقط،




و في هذا الإطار لسائل أن يتساءل عن مآل الأقوال و الأفعال الصادرة عن المحامي بعد الجلسة و التي تتعلق بنفس القضية التي كان بصدد الترافع فيها؟
إن حصانة المحامي تشمل المرافعات الواقع إلقاؤها لدى المحاكم و التي تقع بين افتتاح الجلسة و اختتامها و المرتبطة بالقضية أما الأقوال الصادرة عن المحامي بعد الجلسة و إن تعلقت بنفس القضية التي كان المحامي بصدد الترافع فيها فإنها تخرج عن نطاق الحصانة الممنوحة للمحامي و يكون بالتالي المحامي معرضا للمساءلة الجزائية و المدنية و التأديبية على معنى أحكام الفصل 64 من القانون المنظم لمهنة المحاماة الذي ينص على أنه "يؤاخذ تأديبيا المحامي الذي يخل بواجباته أو يرتكب ما ينال من شرف المهنة أو يحط منها بسبب سلوكه فيها أو سيرته خارجها"،
وهو نفس المسار الذي سلكه المشرع المصري من خلال المادة 47 من القانون عـ17ـدد لسنة 1983 الذي اعتبر أن ذلك يدخل في إطار ممارسة حق الدفاع، كذلك الشأن بالنسبة للمشرع الجزائري من خلال القانون عـ91-04ـدد المؤرخ في 06/01/1998 مبررين ذلك بوجوب احترام أصول مهنة المحاماة التي تتمثل في مؤسسة الدفاع المرتكزة على قاعدة تقنية هامة و هي الحصانة المهنية.
كما أقر القانون الفرنسي مبدأ حرية المحامي و حصـانته على مرافعاته الشفاهية و على كتاباته المقدمة للمحكمة من خلال الفصل 41 من قانون 19/07/1881 المتعلق بحرية الصحافة الذي عرف تنقيحا بمقتضى الفصل 21 من قانون 06/01/1950 المنظم لحرية تعبير المحامي و قد جاء في قرار لمجلس نقابة محامي باريس المؤرخ في 20/03/1844 أن "الإعتدال في اللهجة هو إحدى موجبات المحامي المترافع الذي عليه التزام الهدوء و العقلانية و التسلح بالحقيقة، و لكن هذا الإعتدال يجب أن لا يؤدي إلى إهدار حقوق الدفاع المقدس فثمة قضايا
تتطلب بل تفترض زخما معينا في الكلام و قساوة في اللهجة قد ينشأ عنها مسا بكرامة الغير خاصة في القضايا التي تتناول الخداع أو الغش يجب نفي مسؤولية المحامي في هذه الحالات، لأنه إذا كان لا يستطيع أن يقول كل ما يريد لإنجاح القضايا المعهودة إليه فسيؤدي هذا الأمر حقا إلى إفشال مهمته بسبب منع حرية كشف الحقائق تحت ستار تحقير الغير او الخصم في المحاكمة".
غير أن حصانة المحامي لا تقتصر على المرافعات الشفاهية التي يلقيها أمام هيأة المحكمة و إنما تتجاوزها لتشمل الأعمال الكتابية الصادرة عن المحامي، و إن ورود عبارة الكتابات بالفصل 46 من قانون مهنة المحـامـاة علـى إطلاقهــا و عموميتها إنما توسع من مجال انطباق حصانة المحامي على الكتابات لتشمل كل الملاحظات و المذكرات و الاستنتاجات و التقارير التي يقدمها المحامي في إطار القضية.
نفس تلك الحصانة التي يمنحها القانون التونسي كرستها أيضا التشاريع المقـارنة و الدولية التي منحت المحامي من خلال الميثاق العالمي لحقوق الدفاع الحرية في كتابة ما يبدو له صالحا لإيصال لسان الدفاع لهيأة المحكمة طالما كان عن حسن نية كذلك الشأن بالنسبة للتشريع اللبناني من خلال الفصل 74 من قانون تنظيم مهنة المحاماة و الذي أقره الفقه اللبناني معتبرا أن هدف البحث عن الحقيقة هو أساس قيام مبدإ حصانة المحامي حسن النية مما يحيلنا ضرورة على التساؤل مدى تمتع المحامي بنفس تلك الحصانة على أقواله و كتاباته إذا ثبت انه كان سيئ النية؟
2.حدود مبدإ حصانة المحامي:
و لئن نص الفصل 46 من قانون المحاماة على تمتع المحامي بحصانة على مرافعاته الشفاهية و على الكتابات التي يقدمها للمحكمة في إطار القضية المنشورة لديها فإن هذه الحصانة ضلت مشروطة بتوفر شرط حسن النية و بالتالي فإنه كلما كان المحامي أثناء قيامه بالدفاع عن منوبه سيئ النية فإنه يكون عرضة للعقاب الجزائي و المدني و كذلك التأديبي و هي العقوبات المنصوص عليها بمجلة الصحافة و بالمجلة الجنائية و كذلك بقانون المهنة التي تعكس تراجعا واضحا لمبدإ إستقلالية المحاماة، و بالتالي فإن تعسف المحامي في ممارسته لمهنته من شأنه أن يعرضه للعقوبات المنصوص عليها أولا بمجلة الصحافة حيث عرف الفصل 53 السب بأنه "كل ادعاء أو نسبة شيء بصورة علنية من شأنه أن ينال من شرف أو اعتبار شخص أو هيأة رسمية" و بالتالي فإنه لتوفر الخطإ أو الجريمة في جانب المحامي فإنه من الضروري توفر ركن العلانية و في هذا الإطار يمكن أن نطرح تساؤلين اثنين:
هل يقتصر الإشهار على المنطوق اللفظي أم يتجاوزه إلى الكتابات الصادرة عن المحامي؟ و هل يمكن اعتبار المحكمة مكانا عموميا؟




عن السؤال الأول أجابت الفقرة الثانية من الفصل 54 من مجلة الصحافة التي اعتبرت أن الشتم يحصل باللفظ و الكتابة و ذلك من خلال إحالته على الفصل 42 من نفس المجلة الذي يتحدث عن الصحافة و وسائل الترويج الأخرى فالعلانية تحصل إما بالألفاظ التي ينطق بها المحامي في مرافعاته الشفاهية أو من خلال تقاريره التي يدلي بها للمحكمة مما يحيلنا إلى السؤال الثاني حول مدى اعتبار مقر المحكمة مكانا عموميا.
حدد الفصل 46 من قانون مهنة المحاماة المحاكم باعتبارها المكان الطبيعي الذي يمارس فيه المحامي مهمته و بالتالي فإنه يمكن اعتبار المحاكم مكانا عموميا ذو صبغة خاصة يجتمع فيه فئة معينة من الناس و لسبب معين فلا يوجدون هناك بطريق الصدفة مثل الحفلات أو الشوارع وهو الموقف الذي دأبت عليه محكمة النقض المصرية لما اعتبرت في قرارها الصادر بتاريخ 15/02/1931 أن "قاعة الجلسة في الوقت المحدد لانعقاد الجلسات تعتبر من المحلات العمومية بالتخصيص، و الجهر بالقول أو الصياح في ذلك الوقت يوفر ركن العلانية"(1)
كما جرمت كذلك المجلة الجزائية القذف العلني و النميمة من خلال الفصل 247 من المجلة الجزائية و الفصل 246 من نفس المجلة الذين يشترطان لتوفرهما توفر ركنين أساسيين هما ركن العلنية و سوء النية و المتمثل في قصد القاذف إيذاء الغير(1). غير أن ارتباط رفع الحصانة على المحامي في مرافعاته الشفاهية و في كتاباته بتوفر ركن سوء النية من شأنه أن يقلص من إستثناءات مبدإ إستقلالية المحامي ضرورة أن ركن سوء النية هو ركن قصدي من الصعب إثباته و هو يعود بالدرجة الأولى إلى اجتهاد القاضي.
وقد انتهج المشرع الفرنسي نفس هذا المنحى لما نص في إطار الفصل 41 من قانون 29/07/1881 المتعلق بحرية الصحافة و المنقح بمقتضى قانون15/06/1982 الذي أجاز من خلاله لهيأة المحكمة الحكم بإيقاف مرافعة المحامي التي تعتبر كافية لردعه لما في ذلك من تأثير علـى معنويات المحـامي و دفعه لتدارك ما صدر عنه تجاه الغير، غير أنه في الكثير من الأحيان فإن طلاقة لسان المحامي تتجاوز حدود الغير لتشمل هيأة المحكمة.
المبحث الثاني: استهداف الجريمة لهيأة المحكمة.
إن طبيعة مهام المحامي و العلاقة التكاملية و الترابطية التي تجمع بينه و بين القضاء الذي هو في اتصال دائم به تفرض عليه احترام هيأة المحكمة التي يمارس مهامه أمامها (فقرة أولى) حتى لا يكون عرضة للمساءلة الجزائية (فقرة ثانية).
الفقرة الأولى: واجب احترام هيئة المحكمة.
يقتضي الفصل 5 من قانون المهنة أنه "يجب على المحامي الذي رسم اسمه بالجدول لأول مرة أن يؤدي أمام محكمة الاستئناف التي سينتصب بدائرتها و قبل مباشرته العمل اليمين الآتية: أقسم بالله العظيم أن أقوم بأعمالي في مهنة المحاماة بأمانة و شرف و أن أحافظ على سر المهنة و أن أحترم القوانين و أن لا أتحدى الإحترام الواجب للمحاكم و للسلط العمومية" و بالتالي فإن احترام هيأة المحكمة
هو واجب على كل محام تم إلحاقه بجدول المحامين (1) و لا يمكنه الإخــلال به (2).





- 111. واجب الإحترام تجاه هيأة المحكمة:
إن واجب احترام هيأة المحكمة يجد سنده في القسم الذي يؤديه المحامي حال التحاقه بالمهنة و هو يعكس ضرورة التشبث بأخلاقيات المهنة التي تفرض الإحترام المتبادل بين المحامي و المحيط الخارجي و بالأخص المحكمة التي لها النصيب الأوفر من الإحترام بالنظر إلى الترابط بينها و بين مهنة المحاماة و لما في احترامها من تسهيل لآلية العدالة و دعم لسير مرفق العدالة على الوجه الأفضل.
و يظهر واجب احترام هيأة المحكمة من خلال عدم تصريح المحامي في الجلسة بما ينافي الحياء و لو كان ذلك مما تحويه الأوراق المظروفة بالملف فيكتفي بإظافة تلك الملاحظات كتابيا كما يتجنب كثرة طلب تأخير القضية بدون موجب لما في ذلك من تعطيل لسير القضاء.
و قد دأب فقه القضاء الفرنسي على اعتبار أن المحامي الذي يصرح في قضية جزائية بأن التتبعات المتخذة ضد منوبه ظالمة و استبدادية يعتبر قد أخل بواجب احترام المحكمة و أصبح بذلك عرضة للعقوبات التأديبية .
كما أن الإحترام الواجب تجاه المحاكم يتجاوز شخص القاضي ليشمل مؤسسة القضاء ككل واحترام القضاة ضمان لسيادتها . و لكن من الضروري التأكيد في هذا الإطار على أن احترام المحامي للقضاء لا يعني امتناعه عن توجيه النقد إليه طالما كانت طريقة عرض ذلك النقد لائقة و لا تمس من هيبة القضاء و لا تنقص من استقلاليته و سيادته وهو ما كرسته معظم التشاريع العربية من ذلك المادة 62 من قانون المحاماة الجزائري التي تنص على أن احترام استقلالية الجهات القضاء و الدفاع إزاء القضاة يعد واجبا بالنسبة للمحامي و كذلك من خلال قانون المحاماة اللبناني الذي ينص من خلال القسم على ما يلي:" أقسم أن لا أقول أو أنشر مترافعا كنت أو مستشارا مـا يخالف الأخلاق و الآداب أو ما يخل بأمن الدولة و السلام العام و أن أحفظ دائما الإحترام الواجب للمحاكم و كل و للسلط العامة و أن أمارس مهنة المحاماة بأمانة و شرف"
غير أن بعض التشاريع المقارنة كالمشرع الفرنسي مثلا لم تكرس مبدأ احترام السلطة القضائية من خلال قسم المحاماة و ذلك بعد أن تم إلغاؤه بمقتضى القانون عـ506-82ـدد المؤرخ في 15/06/1982 و لكن دون أن يمس ذلك من مبدإ احترام القضاء الذي ظل مكرسا من خلال فقه القضاء الفرنسي و في كل الحالات فإن الإحترام الواجب للمحاكم يشمل القول و الفعل و يعرض بالتالي مرتكبه إلى التتبع الجزائي الذي تم ضبط إجراءاته من خلال الفصل 46 من قانون المحاماة.
2. إجراءات التتبع:
ينص الفصل 46 من قانون المحاماة على أنه " إذا كانت الجريمة المقترفة من المحامي تستهدف هيأة المحكمة فيمكن مقاضاته حينا من طرف هيأة أخرى بعد استدعاء ممثل الفرع الجهوي المختص للحضور مع مراعاة مرجع النظر الحكمي." و لئن نص المشرع من خلال الفصل المشار إليه أعلاه على إجراءات تتبع المحامي الذي يخل بمبدإ احترام القضاء فإنه أغفل عن بيان طبيعة الجريمة المستهدفة بمثل هذا التتبع صراحة و هي جريمة هضم الجانب التي تستوجب
لقيامها توفر شرطين اثنين يخص الأول شخص المستهدف و الثاني يتعلق بالإطار الذي ترتكب فيه مثل تلك الجريمة. أما عن الشرط الأول و المتمثل في شخص المستهدف فقد نص المشرع صراحة على أنه يجب أن يكون من هيأة المحكمة المشتملة للرئيس و الأعضاء و النيابة العمومية و هو ما يدفعنا إلى التساؤل عن وضعية القاضي المنفرد و قاضي التحقيق الذي يمارس مهامه داخل مكتبه و كذلك من المشروع التساؤل حول وضعية الحاجب الذي يكون همزة الوصل بين المحامي و هيأة المحكمة ؟
للجواب عن هذه التساؤلات فإن المنطق القانوني يفترض سحب الضمانات الممنوحة بالفصل 46 على الهيأة الحكمية إجمالا سواء كان القاضي منفردا أو كان الهيأة جالسة بتركيبة ثلاثية أو خماسية.
غير أن الضمانات الممنوحة للمحامي من خلال الفصل 46 تظل خصوصية خاصة و أنها لا تعصمه من المحاكمة و لا تتطلب لرفعها إجراءات خاصة كالحصانة البرلمانية أو القضائية و لكن غاية ما في الأمر أنها تجنبه مقاضاته حينيا ضرورة أنه لا يسوغ للهيأة التي تم ارتكاب الجريمة أمامها أن تحاكم المحامي في الحال بل يجب أن يتم ذلك بواسطة هيأة أخرى بعد استدعاء ممثل الفرع الجهوي المختص للحضور بجلسة المحاكمة مع مراعاة مرجع النظر الحكمي و ذلك تجنبا لحالة التشنج التي تتولد عن الجريمة و حتى لا تكون المحكمة حكما و خصما في نفس الوقت، دون أن يمنع ذلك في كل الحالات المحكمة من اتخاذ الإجراءات الوقائية التي تراها صالحة كالإذن بإيقاف المتهم .
أما عن الشرط الثاني و المتعلق بالإطار الزماني و المكاني الذي ترتكب فيه الجريمة فإن الفصل 46 من قانون المحاماة لم ينص صراحة عليه و إنما اكتفى بعبارة "حينا" التي يمكن أن نستخلص منها الإطار المكاني و الزماني للجريمة. فعبارة حينا تحيلنا ضرورة إلى اعتبار أن الجريمة يجب أن تستهدف هيأة المحكمة أثناء مباشرتها لوظيفتها أي أثناء انعقاد الجلسة و بقاعة الجلسة.
غير أنه للوقوف على شروط قيام جريمة هضم الجانب و العقاب المستوجب لابد من الرجوع إلى أحكام المجلة الجنائية. الفقرة الثانية: تجريم الإخلال بواجب احترام المحكمة من خلال المجلة الجنائية.
لقد نص الفصل 126 من المجلة الجنائية على جريمة هضم الجانب التي تتعلق بتجريم كل انتهاك لحرمة موظف من النظام العدلي و التــي نظم شروطها (1) و زجرها (2) الفصل 125 من نفس المجلة.
- 1. شروط قيام جريمة هضم الجانب.
نص الفصل 126 من المجلة الجنائية على أنه "إذا كان انتهاك الحرمة واقعا بالجلسة لموظف من النظام العدلي فالعقاب يكون بالسجن مدة عامين و يكون العقاب بالإعدام إذا وقع الإعتداء بالعنف باستعمال السلاح أو التهديد ضد قاض بالجلسة" و بالتالي فغن انتهاك حرمة موظف عدلي يمكن أن يصدر عن أي شخص محام كان أو لم يكن طالما كانت عبارات النص عامة و مطلقة و لكن شروطها واردة بالفصل 125 من المجلة الجنائية الذي ينص على أن "انتهاك حرمة الموظف العمومي أو شبهه بالقول أو بالإشارة أو بالتهديد في حالة مباشرته لخدمته أو بمناسبة مباشرتها بالسجن مدة عام و بخطية قدرها خمسمائة فرنك".
و بالتالي فإن جريمة هضم الجانب تقوم إما بالإشارة أو بالقول أو التهديد و التي يجب أن تكون كلها موجهة نحو هيأة المحكمة لتمس من هيبتها و تهتك حرمتهـا و لكن دون أن يكون ذلك مقترنا باعتداء مادي فيكون الركن المادي لجريمة هضم الجانب متوفرا كلما توجه المحامي إلى المحكمة بعبارات منافية للأخلاق أو أشار إليها بإشارة تمس من هيبتها أو قام بتهديدها، أما عن الركن المعنوي لجريمة هضم الجانب فيتمثل في سوء النية الذي يرجع تقديره على المحكمة، فالمحامي الذي يتحمس أثناء مرافعته فيقوم بالتلفظ بعبارات يمكن أن تكيف بالثلب أو بالشتم يمكن أن يظل متمتعا بقرينة حسن النية طالما تبين للمحكمة أن ارتكابها لم يكن فيه قصد إهانة المحكمة.




غير أن عبارات الفصل 126 من المجلة الجنائية وردت مطلقة "موظف من النظام العدلي" مما يدفعنا إلى التساؤل هل أن هذه العبارة تشمل الحاجب المكلف بمساعدة المحكمة و عون الأمن المكلف بالحراسة و توفير النظام داخل قاعة الجلسة ؟ إن أعضاء الهيأة الحكمية من قضاة و نيابة عمومية و كذلك كاتب الجلسة باعتباره مساعدا لهيأة المحكمة يدخلون تحت طائلة الفصل 126 من المجلة الجنائية أما حاجب المحكمة فإنه و لئن كان موظفا بوزارة العدل و حقوق الإنسان فإنه لا يعتبر عنصر أساسيا لقيام هيأة المحكمة و لذلك فإنه لا يمكن أن تشمله عبارة الفصل 126 عملا بقاعدة التضييق في تأويل النصوص الجزائية و إنما تشمله عبارات الفصل 125 من المجلة الجنائية.
و قد أكدت محكمة التعقيب التونسية على وجوب توفر أركان جريمة هضم الجانب الثلاثة و التي من ضمنها أن يكون هضم الجانب بالقول أو بالإشارة أو بالتهديد مقصودا من الجاني و موجها ضد الموظف بنية الإساءة مما يؤدي إلى إثارة مسؤوليته الجزائية التي تستوجب مؤاخذته.
- 2. المؤاخذة الجزائية.
من أهم آثار قيام المسؤولية الجزائية للمحامي المنتهك لحرمة هيأة المحكمة إيقاع العقاب الجزائي المنصوص عليه بالفصل 126 من المجلة الجنائية و المتمثل في السجن مدة عامين مما يعني أن الجريمة المنصوص عليها بالفصل المشار إليه أعلاه هي جنحة باعتبار أن العقاب لا يتجاوز الخمس سنوات و قد اكتفى المشرع بالسجن دون الخطية المالية و هو ما يعكس نية الردع حماية لهيبة المحكمة.
كما تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن المشرع التونسي لم يفرق بين وقوع الجريمة أمام محكمة مدنية أو جزائية في خصوص العقاب المستوجب غير أن العقاب و إن كان واحدا فإنه يمكن أن يسلط حينا على مرتكب الجريمة إذا كانت حصلت أمام محكمة جزائية أما في صورة حصولها أمام محكمة مدنية فإن رئيس
الجلسة يحرر تقريرا في ذلك يحيله على النيابة العمومية التي تثير التتبع الجزائي و تحيله على هيأة حكمية جزائية فلا تكون المحاكمة حينئذ حينية.
بالنسبة لوضع حاجب الجلسة أو عون الأمن المكلف بحفظ النظام داخل الجلسة فإن الإعتداء عليه بالقول أو الفعل أو التهديد يعرض مرتكبه إلى العقوبات المنصوص عليها بالفصل 125 من المجلة الجنائية.
و بالتالي فإن المحامي عند ممارسته لمهنته داخل حرم المحكمة و إن كان يتمتع باستقلالية و حرية في ما يصدر عنه خلال مرافعاته الشفاهية و تقاريره الكتابية فإن هذه الحصانة تشهد العديد من الإستثناءات ضمانا لحسن سير مرفق القضاء غير أن المحامي يظل مسؤولا عما يصدر عنه خارج هيأة المحكمة.




الفصل الثاني: مسؤولية المحامي خارج هيأة المحكمة.
تفترض مهنة المحاماة بالإضافة إلى متابعة سير القضية قيام المحامي ببعض الأعمال السابقة للنزاع أو بعيدة عنه كل البعد كتحرير العقود و في كل الحالات فإن مسؤوليته تظل قائمة كلما أخل بواجب الشرف و المحافظة على سر المهنة (المبحث الأول) و كلما خالف واجب الأمانة (المبحث الثاني).
المبحث الأول: مسؤوليـة المحامــي عـن إخلالـه بواجب الشرف و المحافظة على سر المهنة.
إن تكفل المحامي بقضية ما لا يقتصر على حضوره بالمحكمة و إنما يشمـل أولا و بالذات إعطاء النصح للموكل من خلال الاستشارات القانونية التي يدلي بها (فقرة أولى) و ثانيا تعهده بملف القضية و الأوراق المظروفة به فيكون بذلك مسؤولا عن إخفائها أو اختفائها (فقرة ثانية) لما في ذلك من حفاظ على الأسرار المضمنة بتلك الأوراق و التي تعهد المحامي من خلال آدائه للقسم بالمحافظة عليها (فقرة ثالثة).
الفقرة الأولى: مسؤولية المحامي عن الاستشارات القانونية السابقة للدعوى.
إن لجوء المتقاضين للمحامي يكون بدرجة أولى قصد الإستشارة و الحصول على النصح باعتباره ذو دراية و معرفة بالقوانين و تكون مهمة المحامي بذلك دراسة الملف من مختلف جوانبه المادية و القانونية ليتمكن من تحديد النتائج المتوقعة لتلك المسألة فتكون بذلك الاستشارة بمثابة الإجراء الوقائي بحيث يتجنب بموجبه المتقاضي ضياع حقوقه أو الخوض في نزاع مفصول مسبقا ضده و بالتالي فإن المحامي يضطلع من هذه الناحية بمهمة حمائية .
وقد اعتبر الفقهاء أن الاستشارة القانونية هي حق و واجب في الآن نفسه ، حق مكرس من خلال الفصل 2 من قانون 1989 المنظم لمهنة المحاماة الذي ينص على أن "المحامي ينوب الأشخاص و الذوات المعنوية و يساعدهم و يدافع عنهم لدى جميع الهيئات القضائية و الإدارية و التـأديبية و يقدم الاستشارات القانونية" و الإستشارة كذلك واجب على المحامي كلما طلب منه حريفه النصح في خصوص مسألة قانونية عالقة.
و بالنظر إلى العلاقة التي تربط المحامي المستشار بحريفه المستشير فإن خطإ الأول في إسداء النصح أو الإستشارة يكون منطلقا لإثارة المسؤولية المدنية التعاقدية التي تقوم أولا و بالذات على توفر عنصر الخطإ الفادح الذي يتطلب لتبيانه مراقبة حضوض النجاح الفعلية للقضية و قد اعتمد المشرع التونسي على النظرية العامة للمسؤولية المدنية لتحديد الخطإ تاركا المجال واسعا لفقه القضاء لتكييفه.
و لكن طالما تعلق الأمر بإبداء رأي حول إشكال قانوني لتقديم النصح و التوجيه فإن واجب المحامي ينحصر في بذل العناية الكافية و ليس في تحقيق نتيجة معينة و بالتالي فإنه عندما يخطئ في تحديد الحل القانوني المناسب فإنه يعد مجرد رأي أبداه عن حسن نية.
و لنا أن نتساءل في هذا الإطار هل أن تصرف المحامي المستشار في إشكال ما من تلقاء نفسه و أخذه الأسبقية من شأنه أن يثير المسؤولية المدنية في جانبه ؟
عن هذا التساؤل أجاب فقه القضاء الفرنسي بالإيجاب لما قضى بالتعويض لفائدة الحريف بناء على وجود تهاون من المحامي أدى إلـى خرق العقد المبرم بينهما و تفيد وقائع القضية وجود مشاورات بين محامي الحريف و بلدية المكان للقيام بتبادل مساحتي أرض بينهما غير أن ذلك الإتفاق تعطل و ظل الموضوع على حالته من سنة 1958 إلى سنة 1974 متى اعتبر معاقد البلدية أن الإتفاق قد حصل و تولى القيام على هذه الأخيرة لإلزامها بإتمام الإتفاق و بالجلسة أجاب محامي المدعي بأن حريفه يصادق على موقف البلدية المتمثل في إنشاء سياج وقتي للعقار و طالبها بإتمام الإتفاق وهو ما وقع به الحكم غير أن الحريف قام على محاميه معتبرا أنه تجاوز حدود وكالته لما اتخذ القرار عوضا عنه و قضت المحكمة لصالح دعواه .
فالمحكمة بإصدارها مثل ذلك القرار قد نفت عن المحامي دوره كمرشد و مستشار له الحق بحكم درايته و حنكته القانونية في اتخاذ ما يراه صالحا قانونا لموكله وهو موقف معيب لما في ذلك من تقليص لدور المحامي و لحريته بالخصوص خاصة و أنه طالما تعهد بملف ما فإنه يكون مسؤولا عن اتخاذ كل القرارات القانونية التي يراه مجدية و يكون كذلك مسؤولا عما يتضمنه ذلك الملف من أوراق مكونة له.
الفقرة الثانية: مسؤولية المحامي عن إخفاء أو اختفاء ملف الدعوى.
يتسلم المحامي الأوراق و المؤيدات المتعلقة بنزاع ما أو باستشارة قانونية على وجه الوديعة و بالتالي فإن عليه المحافظة عليها و في صورة انتهاء النزاع إعادتها إلى موكله و الوديعة عرفها المشرع التونسي صلب الفصل 995 من م إ ع بأنه "شيء منقول يتسلمه شخص من آخـر بمقتضـى عقد ليحفظه و يــرده بعينه" و يضيف الفصل 1005 من نفس المجلة أن "على المستودع أن يعتني بحفظ الوديعة اعتناؤه بحفظ ملكه" وهي النصوص المنطبقة على وضعية المحامي و قد أكد الفصل 43 من القانون المنظم لمهنة المحاماة أنه على المحامي "أن يرجع له الرسوم و الوثائق التي سلمها له كلما طلب منه ذلك و لا حق له في حبسها إلا بإذن على عريضة من رئيس المحكمة الإبتدائية المختصة إذا رأى في ذلك ضمانا لحقوقه" و بالتالي فإن المحامي يكون مسؤولا عن ضياع الأوراق التي كانت في حوزته سواء كان ذلك نتيجة لإهمال منه أو لمن هم تحت إشرافه من محامين أو كتبة.





غير أن الإشكال المطروح في هذا السياق هو عبء الإثبات المحمول على الموكل خاصة و أن المحامي لا يسلم حرفائه وصلا في تسلم ملف الدعوى و في مقابل ذلك فإنه كلما أرجع أوراقا فإنه يتلقى إثباتا خطيا منه على تسلمها فيكون بالتالي مجرد إعلانه أنه لم يتسلم أي مؤيد كاف لدرء المسؤولية عنه.
إلا أن المشرع التونسي سلك منحى آخر من خلال الفصل 1027 م إ ع لما أقر بأن "القول قول المستودع بيمينه في نفس الإيداع و في عين الوديعة و في ردها لمالكها أو لمن له الحق في تسلمها ما لم يقبضها بإشهاد أو بكتب بخط اليد، و لا عمل على اشتراط عدم التحليف في جميع الصور السابقة"
و لكن تساؤلا آخر يطرح من خلال تعهد المحامي بملف حريفه و هو هل أن له الحق في حبسها لديه و الإمتناع عن تسليمها ؟ أجاب الفصل 43 من قانون المحاماة عن هذا التساؤل من خلال الفقرة الأولــى و الثانية لما أعطى الحق أولا للمحامي في حبس التقارير و الوثائق التي حررها أو أعدها في إطار القضية ثم أضاف في الفقرة الثانية أن للمحامي الحق في حبس أوراق الملف بعد التحصيل على إذن على عريضة في ذلك إذا رأى في ذلك ضمانا لحقوقه و لكنه يظل في مقابل ذلك مسؤولا عما حبسه على معنى أحكام الفصل 320 من م إ ع.
و من الضروري في هذا الإطار التفرقة بين مقتضيات الفقرتين الأولى و الثانية من الفصل 43 المومإ إليه ذلك أن حق الحبس المنصوص عليه بالفقرة الأولى يهم الأوراق و التقارير التي أعدها المحامي بنفسه للدفاع عن مصالح منوبه و التي يمكنه احتباسها دون اللجوء إلى إذن قضائي أمــا الفقرة الثانيـة فتهم الرسـوم و الوثائق التي يسلمها الحريف لمحاميه الذي لا يمكنه احتباسها إلا بإذن قضـائي و في كلتا الحالتين فإن حق الحبس يشكل وسيلة مشروعة بين يدي المحامي لضمان حقوقه المادية المتمثلة في أجرته و أتعابه.
فواجب الحفاظ على مؤيدات الدعوى يمكن أن يكون سلاحا ذو حدين فهو وسيلة مثلى في يد المحامي لضمان حقه المادي في استخلاص أتعابه و هو كذلك الوسيلة الفضلى للمحافظة على أسرار الحريف بعم إهمال أوراقه.
الفقرة الثالثة: واجب الحفاظ على سرٌ المهنة.
يلتزم المحامي بعدم إفشاء السر المهني عند أدائه للقسم قبل مباشرة مهنة المحاماة و هو ما يعكس القيمة الأخلاقية الكبرى لهذا الواجب و الذي يعد ركيزة أساسية من ركائز مهنة المحاماة و لذلك فإن الفصل 39 من قانون المهنة "يحجر على المحامي إفشاء أي سرٌ من أسرار منوبه التي أفضى له بها أو التي اطلع عليها بمناسبة مباشرته لمهنته" و قد عرف الفقه الفرنسي السر المهني بأنه كل ما يضر إفشاؤه بالسمعة و الكرامة عموما كما عرفه الفقهاء العرب بأنه صفة تلحق بكل ما يتصل بعلم الإنسان بحكم مهنته أو فنه و يقع عليه الإلتزام بعدم إفشائه .
و يتبين من خلال الفصل 39 من قانون المهنة أن واجب الحفاظ على سر المهنة يكتسي صبغة مطلقة و يهم النظام العام و بالتالي فإن واجب الحفاظ على سر المهنة لا يندرج فحسب ضمن واجب الحفاظ على أخلاقيات المهنة و إنما يهم أولا و بالذات احترام الحياة الخاصة للمتقاضين و بصفة أشمل المجتمع ككل.
و قد اعتبر المشرع التونسي واجب الحفاظ على سر المهنة واجبا شاملا لما منع على المحامي أداء الشهادة في نزاع أنيب أو استشير فيه و أداء أي مساعدة و لو من قبيل الإستشارة لخصم موكله في نفس النزاع أو في نزاع مرتبط به إذا كان قد أبدى فيه رأيا لخصمه أو سبقت نيابته عنه فيه ثم تخلى عنها كما لا يجوز للمحامي النيابة عن من تتعارض مصالحهم في قضية واحدة. و بالتالي فإن المحامي ليس له أن يترافع ضد موكله السابق إذا كانت القضية التي وكل فيها ذات علاقة بقضية سابقة أو بإشكال قانوني استشير فيه و ذلك حتى لا يستعين بالوقائع و الحقائق التي عرفها أثناء دراسته للملف السابق و على القاضي
في كل الحالات ألا يأخذ بما يدلي به المحامي في هذا الشأن و يكون في كل الحالات المحامي عرضة للعقوبات التأديبية إظافة إلى إمكانية التتبع الجزائي.
كما أن واجب الحفاظ على السر المهني يستمر حتى بعد انتهاء القضية و زوال صفة المحامي كمـا جاء ذلك بالفصـل 100 من م م م ت الذي ينص علـى أن " المحامين و الأطباء و غيرهم ممن تقتضي حالتهم اعتبارهم بصفة مؤتمنين على أسرار الغير لا يجوز لهم إذا علموا بموجب هذه الصفة بواقعة أو معلومات أن يشهدوا بها و لو بعد زوال صفتهم ما لم يطلب منهم ذلك من أسرها لهم و يشترط ألا يكون محجرا عليهم بأحكام القوانين الخاصة بهم".
و بالتالي فإن واجب الكتمان هو من الواجبـات الأكثر صرامة في مهنة المحاماة و مخالفته تعرض صاحبها إلى المساءلة المدنية و التأديبية و كذلك الجزائية من خلال الفصل 254 من المجلة الجزائية و الذي يشترط لقيام جريمة إفشاء السر المهني أربعة شروط تتعلق بصفة من أؤتمن على السر و وجود السر و فعل الإفشاء و القصد الجنائي.
أما بالنسبة للشرط الأول فلا يؤاخذ المحامي عن إفشاء السر المهني إلا إذا كان مرسما بجدول المحامين و ذلك بعد أداءه لليمين القانونية و قد أشار غليه الفصل 254 من المجلة الجنائية ضمنيا من خلال الإشارة إلى الأشخاص المؤتمنين على الأسرار و الذين تودع لديهم وثائق و ملفات،
أما عن الشرط الثاني فيتعلق بوجود السر و هو كل أمر واجب الكتمان و لو لم يشترط ذلك صراحة فالمحامي مثلا الذي يقتنع بعد دراسة الملف بإدانة منوبه بالرغم عن عدم اعتراف هذا الأخير، مطالب بالكتمان. و يتمثل الشرط الثالث في الإفشاء و هو إطلاع الغير على السرٌ و الغير هنا هو الشخص الذي لا ينتمي إلى فئة الذين ينحصر فيهم نطاق العلم بالواقعة و لا يشترط في الإفشاء أن يكون لمجموعة من الأشخاص أو في خصوص كامل الأشياء التي أسر عليها المحامي بل يكفي أن يذاع السر لشخص واحد و في خصوص جزء يسير منه لتقوم جريمة إفشاء السر المهني، أما الركن الرابع فإنه يتمثل في قصد الإفشاء الذي يفترض توفر عنـصر الإرادة و عنصر العلم بأن ما وقع الإفشاء به يعتبر سرا.
و بالتالي فإن واجب الكتمان هو من الواجبـات الأكثر صرامة في مهنة المحاماة و مخالفته تعرض صاحبها إلى المساءلة المدنية و التأديبية و كذلك الجزائية من خلال الفصل 254 من المجلة الجزائية و الذي يشترط لقيام جريمة إفشاء السر المهني أربعة شروط تتعلق بصفة من أؤتمن على السر و وجود السر و فعل الإفشاء و القصد الجنائي. و لكن و لئن كان السر المهني مطلقا في مبدئه فإنه يشهد العديد من الاستثناءات بالإضافة إلى صورة الدفاع عن النفس أو عن مصالح الموكل فإن القانون خول المحامي الحق في الإفشاء عن سر المهنة الذي يكون جائزا كذلك في صورة الإذن من صاحب السر.
لقد جاء الفصل 31 من قانون المهنة مطلقا و بالتالي فإن وفاة الموكل لا ينقضي معها واجب الحفاظ على سر المهنة إذ لا يجوز للوارث أن يحل المحامي من التمسك بالسر لأنه حق غير قابل للانتقال.
أما عن صورة إفشاء السر المهني في نطاق ممارسة المحامي لحق الدفاع خصوصا إذا كانت من الأشياء التي يجوز البوح بها فإن المحامي لا يعد خارقا لواجب الحفاظ على سر المهنة كذلك الشأن بالنسبة للصورة التي يكون فيها نزاع بين المحامي و حريفه ففي هذه الحالة يحق للمحامي الإفشاء بالمعلومات التي أسرٌ بها موكله إليه إذا كان ذلك من ضرورات الدفاع عن النفس ففي هذه الحالة فإن حق الدفاع يعلو على واجب الكتمان.
أما الصورة الثانية التي يجوز فيها للمحامي إفشاء سرٌ المهنة فيكون ذلك بطلب من الحريف نفسه الذي باح له بذلك السرٌ و المنصوص عليـه بالفصل 100 من م م م ت.
و أخيرا فإن من واجب المحامي في بعض الحالات تجاوز سر المهنة و ذلك بترخيص من القانون كصورة الفصل 31 من مجلة حماية الطفل الذي ينص على أنه " على كل شخص بمن في ذلك الخاضع للسر المهني واجب إشعار مندوب حماية الطفولة كلما تبين له أن هناك ما يهدد صحة الطفل و سلامته البدنية أو المعنوية على معنى الفقرتين د و هـ من الفصل 20 من هذه المجلة".
و بالتالي فإن الاستثناءات الواردة على مبدإ الحفاظ على سر المهنة إنما تعكس في الحقيقة طبيعة مهنة المحاماة و الرسالة التي تضطلع بها من مساعدة على إقامة العدل و رعاية حقوق المتهمين دون تجن على حقوق المجتمع الذي يفترض في المحامي الأمانة.




المبحث الثاني: مسؤولية المحامي عند الإخلال بواجب الأمانة.
الرجل الأمين هو الرجل الثقة الذي لا يخون وصفة الأمانة من أبرز الصفات التي يجب أن يتحلى بها المحامي و التي يقسم على انتهاجها في سلوكه و في مهامه المنوطة بعهدته و في مخالفة المحامي لهذا المبدإ خرق كبير لأخلاقيات المهنة من شأنه أن يعرضه إلى المساءلة الجزائية و ذلك خاصة في صورة اعتدائه على أموال حريفه (الفقرة الأولى) أو على محرراته (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: اعتداء المحامي على أموال حريفه.
إن المحامي يكون مستأمنا في الكثير من الأحيان على أموال حريفه التي يستخلصها من الأحكام الصادرة لصالحه و عليه في هذا الخصوص المحافظة عليها باعتبارها أمانة على عاتقه لا يجب خيانتها (1) أو التحيل على منوبه قصد الإستيلاء على أمواله (2).
- 1. جريمة خيانة المؤتمن.
ينص الفصل 43 من قانون المحكمة في فقرته الأخيرة أنه يجب على المحامي "...عند قبض أموال راجعة لمنوبه أن يسلمها له في ظرف شهر على أقصى تقدير و عند التعذر يودعها بأسمائهم في صندوق الودائع و الأمائن بالخزينة العامة في أجل لا يتجاوز عشرة أيام من انقضاء ذلك الشهر،
وله أن يخصم قبل الإيداع أجرته إذا كانت محل اتفاق كتابي أو مسعرة بصفة قانونية من قبل".
فالمشرع إذا بالنظر إلى أهمية مسألة ائتمان المحامي على أموال حريفه نظم هذه المسألة و وضع لها آجالا معينة تجعلنا نتساءل عن الصورة التي يتجاوز فيها المحامي أجل الشهر المشار إليه أعلاه فهل يعد في هذه الحالة مخالفا بواجب الإئتمان على أموال حريفه و هل يترتب عن ذلك قيام جريمة خيانة المؤتمن في جانبه ؟
لم يرتب المشرع التونسي أي جزاء على عدم احترام أجل الشهر في التسليم أو في الإيداع على عكس المشرع الفرنسي الذي اشترط من خلال الأمر عـ1197-91ـدد المؤرخ في 27/11/1991 و المنظم لمهنة المحاماة أن تتم عملية دفع أموال الحرفاء باستعمال الصك أو بواسطة تحويل بنكي كلما تجاوز المبلغ 1000 فرنك و على المحامي مسك دفتر حسابات يثبت كيفية الدفع و يقدم للعميد كلما طلب منه ذلك خاصة في صورة الخلاف مع الحريف في خصوص الأجرة فالمحامي يكون مضطرا حينها إلى تقديم دفتر حساباته إلى رئيس المحكمة المختصة قصد الإطلاع عليها، كما أوجب الفصل 53 في فقرته التاسعة من القانون المتعلق بتنظيم المهن القانونية و القضائية الصادر في 31/12/1971 على المحامي أن يضع الأموال الراجعة لحريفه بصندوق الدفع المالي للمحامينو إذا تعولى المحامي دفع الأموال الراجعة لحريفه فعليه مده بكشف يتضمن المصاريف و أجور المحاماة فيكون حجة في يد المحامي على الدفع.
مثل هذه الضمانات تنقص القانون التونسي و هي ضمانات و إن بدت في ظاهرها تخدم مصلحة الحريف فإنها تنطوي كذلك على حماية كبيرة للمحامي من بعض الحرفاء سيئي النية الذين لا يتوارون عن التشكي بالمحامي من أجل خيانة الأمانة. غير أنه لا يوجد تعريف تشريعي لجريمة خيانة الأمانة التي دأب الفقه على اعتبارها استيلاء شخص على منقول يحوزه بناء على عقد ما حدده القانون عن طريق خيانة الثقة التي أودعت فيه بمقتضى هذا العقد و ذلك بادعاء ملكية ذلك المنقول و بالتالي فإنه من الضروري لتوفر جريمة خيانة الأمانة توفر ثلاثة شروط أولها وجود عقد الأمانة و ثانيها وجود محل الجريمة و أخيرا لزوم تسليم الشيء محل الجريمة للجاني.
أما عن الشرط الأول فقد نص الفصل 297 من م ج على عقد الوكالة من بين العقود الخاضعة لأحكام هذا الفصل و المحامي يعد وكيلا على الخصام و بالتالي تنطبق عليه أحكامه من هذه الناحية بالذات، كما يجب أن يكون تسليم الأموال أو الوثائق محل الجريمة تسليما إراديا و على أساس أن يقوم المحامي بتسليمها لحريفه كالصورة التي يسلم فيها عدل التنفيذ أموال التنفيذ إلى المحامي.
و لا تقوم جريمة خيانة المؤتمن إلا بتوفر ركنيها المادي و المعنوي.
بالنسبة للركن المادي فيتمثل في الاختلاس أو الإتلاف و يتمثل الأول في تحويل وجهة الأموال المؤتمن عليها و ذلك باستعمال الشيء المؤمن عليه في غير الأمر المتفق عليه أو إساءة استعماله غير أن مجرد التأخير في الإرجاع لا يشكل الركن المادي للجريمة، أما الإتلاف فهو تبديد أو إهلاك الشيء المستأمن عليه. أما بالنسبة للركن المعنوي فيتمثل في القصد الجنائي المتمثل في علم الجاني بأنه بصدد ارتكاب فعل محظور و أن يكون قاصدا الإضرار بأرباب تلك الأشياء.
و قد اتجه فقه القضاء إلى إدانة المحامي الذي أخل عن سوء نية بواجب حماية أموال حريفه و مقاضاته من أجل خيانة المؤتمن طبقا لمقتضيات الفصل 297 من المجلة الجنائية و قد اعتبرت دائرة الإتهام لدى محكمة الإستئناف بتونس في
القضية عـ58001ـدد المؤرخة في 12/07/2000 أنه "طالما ثبت تردد المستحقين عليه لمطالبته بأموالهم الراجعة لهم قانونا فإن بقاء المال لديه و بحسابه الخاص ينم عن سوء نية منصرفة نحو الإستيلاء علـى المبـالغ و الإستئثار بها. و حيث أن المظنون فيه بوصفه وكيلا ينطبق عليه و الحال ما ذكر ظرف التشديد المنصوص عليه بالفصل 297 من م ج و تعتبر أفعاله تلك من قبيل الخيانة الموصوفة" و هو قرار ايدته محكمة التعقيب في قرارها المؤرخ في 13/09/2000 تحت عـ7255ـدد.
كما يمكن للمحامي أن أن يتحيل على منوبه قصد الإستيلاء على أمواله و أملاكه باستعمال الحيل و الخزعبلات على معنى الفصل 291 من المجلة الجنائية.
- 2. جريمة التحيل:
جاء بالفصل 291 من م ج أنه "يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام و بخطية قدرها 10.000 فرنك كل من استعمل إسما مدلسا أو صفات غير صحيحة أو التجأ للتحيل و الخزعبلات التي من شأنها إقناع الغير بوجود مشاريع لا أصل لها في الحقيقة أو نفوذ أو اعتماد وهمي أو التي من شأنها بعث الأمل في نجاح غرض من الأغراض او الخوف من إخفائه أو وقوع إصابة او غيرها من الحوادث الخيالية و يكون قد تسلم أو حاول أن يتسلم أموالا أو منقولات أو رقاعا أو ممتلكات أو أوراق مالية أو وعودا أو تواصيل أو إبراءات أو اختلس بإحدى هذه الوسائل أو حاول أن يختلس الكل او البعض من ثروة الغير." و بالتالي فإن جريمة التحيل تتكون من ركنين مادي و معنوي.
أما عن الركن المعنوي فيتمثل في القصد الجنائي و المتمثل في سوء نية المحامي المرتكب للتحيل و قصده الإضرار بمنوبه و الإستيلاء على أمواله و يتمثل الركن المادي في استعمال وسيلة من وسائل الخداع و المتمثلة أساسا في صورة المحامي المتحيل في الخداع باستعمال الحيل و الخزعبلات ذلك أن صفته صحيحة كما أنها تساعده على زرع الطمأنينة في نفس منوبه و قد قضت محكمة الإستئناف بتونس في حكمها الصادر في القضية عـ16894ـدد المؤرخ في 22/04/1982 بإدانة المحامي من أجل التحيل الذي أوهم حريفته بأن القاضي الإستئنافي الذي سينظر في قضيتها يقبل الرشاوي و عليها بالتالي أن تدفع له مبلغ ألفي دينار ثم تراجع ليطلب مبلغ ألف و مائتي دينار مما أثار شكوك منوبته خاصة و أنه لم يتم فصل القضية في الموعد المحدد.
كما لابد لتوفر الركن المادي لجريمة التحيل من إقناع المتضرر بوجود مشروع كاذب و بعث الأمل فيه في تحقيق النجاح في موضوع عالق حتى يتمكن الجاني من الإستيلاء على مكاسبه المنقولة فحسب مثلما ذهب إليه جل الفقهاء الذين يعتقدون بأن ركن الإستيلاء لا يشمل سوى المنقولات من أموال و مستندات دون العقارات و إن ذهب البعض إلى اعتبار ركن الإستيلاء متوفرا عندما يقع التحيل على العقد المتعلق بالعقار.




الفقرة الثانية: اعتداء المحامي على محررات حريفه.
و لئن كانت مهنة المحاماة ترتكز أساسا على مبدإ المواجهة و المرافعة فإن هذا لا ينفي اضطلاع المحامي بمهمة إضافية و هي مهمة التوثيق و ذلك من خلال تحرير العقود المتعلقة بالعقارات المسجلة و غير المسجلة و التي و لئن اختلفت في طرق تحريرها و تنصيصاتها الوجوبية فإنها تلتقي على مبدإ واحد يفرض على المحامي احترام مبدإ الأمانة في التحرير (1) حتى لا يكون عرضة للمساءلة الجزائية (2).
- 1. وجوب احترام مبدإ الأمانة في تحرير العقود.
إن احترام مبدإ الأمانة في تحرير العقود بصفة عامة و العقود الخاضعة للتسجيل العقاري بصفة خاصة بفرض على المحامي أن يكون محايدا و ذلك قصد تحقيق التوازن التعاقدي و حتى يتحقق ذلك لابدٌ من توخي الوضوح في تحرير العقود تفاديا لإمكانية نشوب نزاع حول تأويل و فهم مقتضيات العقد الغامضة و هو مبدأ أكد عليه الفصل التاسع من القانون الداخلي لهيأة المحامين الصادر في 29/07/1960 الذي ينص على أنه "يجدر بالمحامين أن يتجنبوا في تحرير الكتائب و العقود استعمال عبارات أو صيغ أو شروط من شأنها إن كانت ملتوية أن تثير نزاعا ينبغي عليهم فيه الإحجام عن تمثيل أحد الطرفين المتعاقدين".
و بالإضافة إلى واجب توخي الوضوح و الدقة فلابد من احترام المقتضيات الشكلية الواجب توفرها في العقود عموما من ذلك مثلا اعتبار المحامي مسؤولا مدنيا تجاه حريفه عند تحريره لعقد بيع أصل تجــاري دون ذكر رقم المعاملات و المرابيح و تضمين أرقام خاطئة حول وضعية الأصل التجاري التي من المفترض أن يكون قد سلط عليها رقابته قبل تحرير العقد . و تكون مسؤولية المحامي أشد كلما تعلق الأمر بعقار مسجل إذ خوله المشرع صلب الفصل 377 مكرر من مجلة الحقوق العينية تحرير الصكوك و الإتفاقات الخاضعة للتسجيل العقاري بالإضافة إلـى عدول الإشهاد و حافظ الملكية العقارية و المديرين الجهويين و أعوان إدارة الملكية العقارية المكلفين بمهمة التحرير و رتب جزاء البطلان على العقود المحررة من غير الأطراف المذكورين و لمزيد التأكيد على الطابع الحمائي للمعاملات الواقعة على العقارات المسجلة فقد فرض المشرع تنصيصات وجوبية و إلا اعتبر العقد باطلا و المتمثلة في أسماء و ألقاب و حرف و مقرات و جنسيات طالبي الترسيم و تواريخ و أماكن ولادتهم بكامل الوضوح و الدقة مع إبراز إسم العقار و عدده الرتبي بالسجل العقاري و إذا كان أحد الأطراف شخصا اعتباريا فإنه يتعين بيان شكله القانوني و إسمه و مقره الإجتماعي و ممثله القانوني مع عدد ترسيمه بالسجل التجاري، كما لابد من احتواء العقد على تجزئة العقار و اصطحابه بمثال هندسي قصد إدراجه بالسجل العقاري.
غير كل هذه المعطيات لا يمكن توفرها في أي عقد خاضع للتسجيل العقاري إلا إذا تولى المحامي محرر العقد الإطلاع على الرسم العقاري و إعلام الأطراف المتعاقدة بالحالة القانونية التي هو عليها حتى يتمكن من ترسيمه.
فالإطلاع على الرسم العقاري هو واجب على المحامي محرر العقد يفترض تنقله نحو الإدارة المختصة لمعفة وضعية العقار الراهنة و العمليات الجارية التي لم يقع ترسيمها بعد حتى يتنبه إلى مختلف الإحتمالات الواردة و التي من شأنها الإضرار بالمتعاقدين و لذلك فقد اعتبر الفصل 377 ثالثا من م ح ع أنه "يجب على محرر الصكوك أن يمضي في العقد و أن يعتمد في التحرير على ما يثبته رسم الملكية بالسجل المذكور و أن ينص بها على ... ثانيا: أنه اطلع على رسم الملكية و يكون مسؤولا إزاء الأطراف عن مخالفته لأحكــام هذا الفصـل و الأحكام التشريعية و الترتيبية المتعلقة بالترسيم."
و بالتالي فقد رتب المشرع عن عدم اطلاع المحامي محرر العقد على الرسم العقاري اعتباره مسؤولا مدنيا إزاء المتعاقدين. كما نص الفصل 377 ثالثا من م ح ع على واجب إعلام محرر العقد الطرفين المتعاقدين بوضعية العقار و لا يقتصر واجب الإعلام على مجرد نقل الوضعية القانونية و الإستحقاقية للعقار و إنما تفترض إبداء الرأي القانوني للمحامي محرر العقد في خصوص ما اكتشفه و مدى تأثير ذلك على حرية التعاقد و على إمكانية إدراج العقد بالرسم العقاري.
و لكن يكفي للمحامي أن يذكر بالعقد أنه قد أعلم الطرفين المتعاقدين بالوضعية القانونية و أنهما قد رضيا به على الحالة التي هو عليها حتى تنتفي مسؤوليته و ما على المتضرر في هاذه الحالة سوى إثبات عكس ذلك.
غير أن واجب المحامي في خصوص العقود المتعلقة بالعقارات الخاضعة للتسجيل العقاري لا يقتصر على مجرد التحرير و إنما يتجاوز ليشمل ضرورة الإدراج بالرسم العقاري و الذي يعتبر تجديدا في القانون التونسي خاصة و قد أصبح محمولا على المحامي التسجيل بالقباضة المالية على معنى الفقرة الخامسة من الفصل 377 ثالثا،
و لكن الإشكال المطروح في هذا الصدد هو الصورة التي يسلم فيها المحامي العقد للطرفين و يتقاعس أحدهم أو كلاهما عن إمضائه فهل يمكن مساءلة المحامي مدنيا عن عدم إتمام إجراءات التسجيل و الإدراج ؟ طالما لم يقع التعريف بإمضاء الطرفين على العقد فإنه يظل كتبا غير ثابت التاريخ و غير صحيح قانونا و بالتالي فإنه لا يمكن مساءلة المحامي عن عدم تسجيله أو إدراجه بالرسم العقاري طالما لم يتكون العقد صحيحا بعد، فماذا عن الصورة التي يتولى فيها الطرفان الإمضـاء على العقد بصـورة متأخرة عـن عملية الإطلاع و تغيرت في الأثناء الوضعية القانونية للعقار.
فهل يكون المحامي مسؤولا من هذه الناحية ؟
طالما كان العقد الذي يحرره المحامي كتبا غير رسمي فهو يخضع لإجراءات متشعبة للتسجيل و الترسيم تنفي مسؤولية المحامي خاصة و أن التنصيص الوارد بالشرط الرابع من الفصل 377 ثالثا من م ح ع لا يخص سوى العقود التي يحررها عدول الإشهاد بالنظر لكونهم يمسكون دفاتر تضمٌن بها جميع الكتائب التي يحرٌرونها.
و بالتالي فإنه بالنظر إلى الحماية الكبيرة التي يحيطها المشرع بالكتائب المحررة من طرف المحامين سواء تعلقت بعقارات مسجلة أو غيرها من العقود الأخرى فإننا نتبين أن التزام المحامي في هذا الصدد يكون التزاما بتحقيق نتيجة و ليس التزاما ببذل عناية يعرضه حتما إلى المساءلة الجزائية كلما تبين توفر في جانبه الأركان القانونية لجريمتي ارتكاب و استعمال الزور.
- 2.المسؤولية الجزائية للمحامي عند إخلاله بواجب الأمانة في تحرير العقود.
نص الفصل 405 من م ح ع على أن "أحكام الفصلين 175 و 177 من المجلة الجنائية تنطبق أولا على كل من يدلس أو يقلد أو يغير رسوم الملكية أو الكشوف أو الشهادات المسلمة من طرف مدير الملكية العقارية أو يستعمل وثائق مدلسة أو مقلدة أو مغيرة كيف ذكر،
ثانيا على من يتولى تزوير الكتائب المقدمة للترسيم سواء أكان ذلك بتقليد أو بتغيير كتابة أو إمضاء أو بإبدال شخص بآخر أو بتقليد اتفاقات أو أحكام أو إبراءات أو بإدراج اتفاقات أو أحكام أو إجراءات بتلك الكتائب بعد تحريرها أو بإضافة أو بتغيير شروط أو تصريحات أو وقائع من شأن الكتائب المذكورة أن تتضمنها أو تثبتها" فقد حصر المشرع إذا جريمتي الزور و استعمال الزور في الكتابات الخاضعة للترسيم العقاري و المنصوص عليها بالفصلين 175 و 177 من المجلة الجنائية. أما عن جريمة الفصل 175 من م ج فيعاقب مرتكبها بالسجن مدة خمسة عشر عاما و بخطية قدرها ثلاث مائة دينار و ذلك كلما ارتكب الزور بصنع الكل أو البعض من عقد مكذوب أو تغييره أو تبديله بأي وسيلة كانت أو بصنع وثيقة مكذوبة أو تغيير متعمد للحقيقة بأي وسيلة كانت، فتكون مسؤولية المحامي الجزائية قائمة كلما ثبت ارتكابه لإحدى الأفعال المنصوص عليها آنفا مع علمه بأنه بصدد إحداث ضرر بالغير.
كما يكون المحامي عرضة للمؤاخذة الجزائية طبقـا لمقتضيـات الفصليـن 177 و 176 من م ج كلما تولى استعمال مدلس سواء كان هو من قام بالتزويـر أم لا و كلما ثبت علم المحامي بذلك و إصراره على استعماله وهو ما يتماشى مع أخلاقيات مهنة المحاماة التي تفترض الأمانة و النزاهة و الشرف.


الخــــاتمة
إن طبيعة مهنة المحاماة تفرض على المحامي البحث الدائم و محاولة مسايرة كل التطورات و التنقيحات القانونية التي يمكن أن تحدث و بالتالي فهي تتطلب من المحامي أن يكون سهل التأقلم و شديد الإنفتاح على الرأي الآخر فيتبنى تارة في قضية رأي ما ليجد نفسه في قضية مشابهة تماما عندما ينوب الطرف المقابل مضطرا إلى التخلي عن موقف سابق له و يبحث له عن طرق دحضه و بالتالي فإن طبيعة عمل المحامي ذاته تقتضي المراوحة الدائمة التي تكشف عن فكر متطور، مراوحة ظلت تأخذنا من فكر إلى آخر و تخرجنا من تساؤل لتدفع بنا إلى إشكال آخر حتى وجدنا أنفسنا في معظم الأحيان عاجزين عن إيجاد الجواب الفاصل.
ألم يقل الفلاسفة أن الأسئلة في معظم الأحيان أهم من الأجوبة ؟
و كيف لا نهلك أنفسنا فكرا في أنبل مهنة في الوجود.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق