4.07.2019

القانون الواجب التطبيق علي منازعات الملكية الفكرية في ظل التطور التقني

القانون الواجب التطبيق علي منازعات الملكية الفكرية في ظل  التطور التقني







القانون الواجب التطبيق علي منازعات الملكية الفكرية في ظل  التطور التقني




القانون الواجب التطبيق علي منازعات الملكية الفكرية في ظل  التطور التقني
الدكتور/ إبراهيم قسم السيد محمد طه / المستشار القانوني بوزارة العدل

   تتعدد صور الإعتداء على حقوق الملكية الفكرية ، إذ أبرز التطور التقني وسائل جديدة لإستغلال المصنفات الفكرية ، فظهرت أنواع جديدة من المصنفات هي المصنفات الرقمية، بحيث يكون المصنف الموجود على شبكة الإنترنت مطابق تماماً للأصل ومع إستخدام الأقمار الصناعية أصبح بالإمكان نشر العديد من المصنفات في حين أنها مشمولة بحقوق الملكية الفكرية دون إذن المؤلف أو إعطاءه المقابل المادي لذلك .
          هذا بالإضافة إلى نشر المصنفات بطريقة تقليدية عبر شبكة الإنترنت ،حيث أصبح بالإمكان تحميل الملفات الموسيقية المحملة على الحاسبات الشخصية عن طريق برنامج معين وقد أدى هذا البرنامج إلى تبادل الآلاف من القطع الموسيقية مجاناً عبر العالم ، هذا فضلاً عن التعدي على برامج الحاسب الآلي ، وذلك بنسخها أو إستخدامها أو الإستيلاء عليها، أو إكتشاف أسرارها أو تدميرها. (1)
          ما تمت الإشارة إليه من أفعال يمكن أن يسبب أضراراً معنوية أو مادية ، كما نرى أن إمكانية إرتكابها يمكن أن تتم عبر وسائل أخرى بخلاف الإنترنت مثل الهاتف الجوال لإشتماله على خاصية إرسال وإستقبال الرسائل والأفلام والصور ، كما يمكن إرتكابها عبر أجهزة التلكس والفاكس .
          إن الذي يجمع بين هذه الأفعال غير المشروعة جميعها هو أن الضرر الناتج عنها يمكن أن ينتشر في أجزاء عديدة من العالم في وقت واحد ، فضلاً عن أن إرتكابها يتم في دولة أو دول مختلفة . وبالتالي فإن الذي ينطبق عليها هو قانون العلاقات الخاصة الدولية علما بأن القانون المتفق علي تطبيقه علي هذه الأفعال فقهاً وقضاء هو قانون محل الفعل المنشئ للإلتزام ، باعتبار أنها من الأفعال المشكلة للإلتزامات غير التعاقدية . وهذا القول يجعل من الصعوبة الإعتماد على هذا المبدأ لعدم سهولة تحديد المحل الذي وقع به الفعل المنشئ للإلتزام في ظل التطور التقني الحادث في عالم اليوم
          فمن ناحية أولى : يصعب تحديد محل وقوع الفعل الضار لإعتماد تقنيات الإتصال الحديثة على تقنية الأقمار الصناعية الموجودة بالفضاء الخارجي غير الخاضع لقانون دولة بعينها فضلاً عن إسهام جهات عديدة في توصيل الخدمة وتفرقها بين عدة دول.




          ومن ناحية ثانية : يصعب كذلك تحديد مكان وقوع الضرر لإعتماده كضابط إسناد لتحديد القانون الواجب التطبيق نسبة لإمكانية تحقق وقوع الضرر  في دول عديدة. فعند التعدي علي ملكية فكريه ونشرها عبر وسائط التقانه الحديثة مثل الانترنت  فيصعب في هذه الحالة تحديد مكان وقوع الفعل الضار لاتتشاره عبر رقعة واسعة قد تشمل الكرة الارضية باسرها , علما بانه في الوقت الراهن ظهرت الهواتف الذكية التي تمكن من الدخول لشبكة الانترنت . فعلي سبيل المثال اطلقت شركة ( سامسونج) جيلا من الهواتف الذكية لا يوجد فرق بينه وبين اجهزة الجاسوب المحمول ، فضلا عن ان بعض الجهات  اطلقت برامج مثل الرنامج المعروف  ب watsaap واخر ب 1 mobilmarket وهذا الاخير يمكن من انزال العديد من الكتب علي اجهزة الهاتف دون التحقق مما إذا كان ذلك مسموحا به من قبل المؤلف او لا . وهذا يجعل من المسالة اكثر تعقيدا لانتشار هذه الاجهزة وهذه البرامج يوما بعد يوم .
          ومن ناحية ثالثة : فالفعل الضار يمكن أن يتسم بخاصية يمكننا تسميتها بخاصية التجدد أو الإستمرار خاصة في حالة إرتكابه عبر الإنترنت والهاتف الجوال لإمكانية هذه الأجهزة بالإحتفاظ بما هو منشور عبرها ، فضلاً عن إمكانية إعادة إرساله، مما يسهل من عملية انتشار المصنف او المادة المتعدي عليها .
          ومن ناحية رابعة : فمكان تحقق الضرر يصعب تحديده في حالة إستقبال الرسالة المسببة للفعل الضار مثلاً في مكان لا تختص دولة ما ببسط سلطانها عليه، وذلك مثل الفضاء الخارجي او اعالي البحار والتي من المعلوم انها لا تخضع لسيادة دولة بعينها .
          ومن ناحية خامسة : القول بأن بعض تقنيات الإتصال الحديثة يمكن أن يتم الفعل الضار عبرها لجهة محددة دون إنتشارها عبر بقية دول العالم ، مثل إرسال رسالة مسيئة لشخص عبر بريده الإلكتروني ، أو هاتفه الجوال ، أو التلكس أو الفاكس ، أو حتى إختراق بريده الإلكتروني أو موقعه ، فيمكن الرد عليه بأن هنالك إمكانية للقول بإمكان إرسال الرسالة أو الإختراق من مكان لا يخضع لقانون دولة معينة مما يصعّب كذلك من إمكانية تحديد محل الفعل المنشئ للإلتزام.
          فضلا عما سبق ففي مجال الملكية الفكرية يوجد إختلاف لدى الفقه حول تكييف الملكية الفكـرية نفسها ، ففي حين يرى البعض أنها ملكية حقيقية مثل الملكية التي يكون محلها مادياً، باعتبار أنها تحمل معنى ذكاء الشخص وبالتالي فهو يملك إنتاجه ملكية تامة ، يرى البعض الآخر أنها تختلف عن الملكية العينية والملكية المنقولة باعتبارها صناعة فكرية إبداعية والفكر مسألة معنوية ، ويرى جانب ثالث أنها صورة خاصة للملكية تخضع لقواعد تشريعية خاصة.(2         
          هذا وقد إختلفت آراء الفقه في تحديد القانون الواجب التطبيق على منازعات الملكية الفكرية فقد ذهب جانب إلى تطبيق قانون بلد الأصل باعتبارها تقع في نطاق الأموال وذلك باللجوء لقانون يتفق وهذه الطبيعة.(3)
          ويرى إتجاه آخر تطبيق قانون دولة الإرسال ، إستناداً إلى أن العمل غير المشروع يكتمل بمجرد صدور الإرسال ، دون النظر إلى إستقباله ، كما أن هذا المعيار يسهل من عملية الإثبات ، وذلك بمساءلة المحطة أو الجهة القائمة بالإرسال ، بينما ذهب إتجاه ثالث إلى تطبيق قانون دولة الإستقبال إستناداً إلى أن الفعل لا تكتمل به أركان المسئولية إلا باستقبال الموجات لتتحقق النتيجة الضارة. (4)
          يرى الباحث أن الإعتداء على حقوق الملكية الفكرية فيما يتعلق بتحديد القانون الواجب التطبيق عليها في حالة تعلقها بقانون العلاقات الخاصة الدولية يتعلق بحسب النظر إليها من قبل القانون المعين وفقاً لتكييفه لها وفقاً لما إذا كانت أموالاً مادية أو معنوية. فإذا كانت تعد أموالاً مادية منقولة فإن القانون الواجب التطبيق عليها هو قانون الجهة التي يوجد فيها هذا المنقول وقت تحقق السبب الذي ترتب عليه كسب الحيازة أو الملكية أو الحقوق العينية الأخرى أو فقدها ، وهذا الإتجاه هو ما أخذ به قانون المعاملات المدنية السوداني لسنة 1984م في المادة (12) منه.
          أما إذا كانت تعد من قبيل الحق الأدبي ، فقد إختلفت آراء الفقه حول ذلك التحديد فبينما إتجه رأي إلى تطبيق القانون المحلي إستناداً إلى مبدأ الإسناد الإجمالي بتطبيق قانون مركز المال دون تفرقة بين جانب مادي وآخر معنوي ، يرى إتجاه آخر تطبيق قانون القاضي  إستنادا علي انه في هذه الحالة  يمكن تطبيق قواعد موحدة متناسقة على كل الحقوق الشخصية . وينصب رأي ثالث إلى تطبيق قاعدة التنازع الخاصة بالحالة المدنية للأشخاص أو تلك المتعلقة بالمسئولية المدنية.(5)
          يتضح مما سبق أن وسائل التقانة الحديثة أحدثت مفهوماً جديداً للضرر يمكن تسميته بالضرر الإلكتروني فيما يتعلق بالأضرار المادية والمعنوية . فضلاً عن تأثيرها على مسألة تحديد القانون الواجب التطبيق . خاصة المبدأ المأخوذ به في معظم القوانين وهو القانون المحلي.
          وفقاً لذلك يرى الباحث أن الأنسب فيما يتعلق بالأفعال الضارة أن يطبق عليها قانون محل الإقامة الفعلى للمدعي وذلك لإرتباط مصالحه المادية والمعنوية بهذا المكان . أو قانون جنسيته إذا رأى ذلك هو الأنسب له لإعتبارات إجتماعية أو إقتصادية أو غيره ، والأخذ بهذين الضابطين – فيما نعتقد – يحققان مرونة أكثر إذا كان أحد القانونين لا يحقق مبتغى المدعي كأن يكون غير معترف بالضرر الأدبي على سبيل المثال.
          أما في مجال الملكية الفكرية فيرى الباحث أن النظريات المأخوذ بها لا تؤدي لحلول متكاملة في حالة الإعتداء عليها بواسطة الأجهزة التقنية الحديثة . فنظرية بلد المنشأ أو الأصل للعمل الفكري سندها أن هذه الحقوق تقع في نطاق الأموال غير أنه من المتوقع ألا تعتبرها بعض الدول كذلك.
          في هذا الجانب نشير إلى أن بعض الإتفاقيات الخاصة بحماية حقوق الملكية الفكرية مثل إتفاقية جنيف وبيرن لم تمنحا الحماية للحقوق المعنوية للمؤلف(6 .
          أما نظرية قانون الدولة مصدر الإرسال فتصطدم بإمكانية إرسال المصنف موضوع الإعتداء من مكان غير تابع لدولة معينة ، او عدم امكانية تحديد مكان الارسال علي وجه التحديد كما أن هذه النظرية تتجاهل تداخل جهات عديدة في مسألة الإرسال هذه ، فقد سبق ان ذكرنا ان تقنيات الاتصال الحديثة تعتمد علي الاقمار الصناعية , كما ن مواقع الانترنت تتعدد  جهات مختلفة في تقديم اتلخدمة الخاصى بها كما انها قد وتوجد في دول مختلفة.
          كذلك فإن نظرية دولة الإستقبال لا تقدم الحل الوافي ، لان الاستقبال فص ظل التطور التقني الحالي خاصة وأن الإستقبال يتم في دول عدة  ــ ان لم يكن في كل انحاء المعمورة ــ في وقت واحد في حالة نشر المصنف عبر الإنترنت .
          في هذا الجانب يرى الباحث كذلك تطبيق قانون مكان التواجد الفعلي للشخص المعتدي على حقه في الملكية الفكرية ، أما في حالة أن يكون هذا المكان لا يعطيه الحماية الكافية كأن يكون لا يغطي حماية الحقوق المعنوية نرى أن يتم تطبيق ضابط إسناد مرن بتطبيق قانون الدولة التي يرى أنها الأنسب لحماية حقوقه ، شريطة أن تكو ن ذات علاقة فعلية بموضوع الإعتداء.



(1) سيمافيد هاناثان ، ترجمة حازم حسن صبحي ، حق الملكية الفكرية الإنجازات والتجاوزات ، منشورات المكتبة الأكاديمية ، 2001 ، ص 43
(2) أنظر بروفيسور حاج آدم حسن الطاهر ، أحكام الملكية الفكرية ، بدون ناشر ، الطبعة الثانية ، 2008م  ، ص 4 ، وأيضاً حسام أحمد حسين، الملكية الفكرية وفقاً لما عليه العمل في القانون السوداني ، مطبعة النيلين ، 2003م ، ص 12 و عبد الكريم محسن أبو دلو  وتنازع القوانين في الملكية الفكرية ، دار وائل للطباعة والنشر ، بدون سنة طبع ، ص 23
(3) د. أشرف وفا محمد ، تنازع القوانين في مجال الحقوق الذهنية للمؤاف ، دار النهضة العربية ، الطبعة الأولى ، ص 67
(4)  د. صلاح الدين جمال الدين، حماية حق المؤلف ، المرجع السابق ، ص 36
(5)  د. جمال محمود الكردي ، حق المؤلف في العلاقات الخاصة الدولية والنظرة العربية والإسلامية للحقوق الذهنية في منظومة الإقتصاد العالمي الجديد، دار النهضة العربية ، الطبعة الأولى 2002م ، ص 129 وما بعدها.
(6  المرجع السابق ، ص 109






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق