4.10.2019

تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب بواسطة المحكمة الجنائية الدولية

تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب بواسطة المحكمة الجنائية الدولية







تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب بواسطة المحكمة الجنائية الدولية






تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب بواسطة المحكمة الجنائية الدولية



هشام الشرقاوي




على الرغم من إنشاء المجتمع الدولي أنظمة دولية وإقليمية لحماية حقوق الإنسان على امتداد نصف القرن الماضي، إلا أن ملايين البشر ظلوا يقعون ضحايا للإبادة الجماعية ولجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب• وما يبعث على الخجل، أنه لم يقدم للعدالة إلى المحاكم الوطنية سوى حفنة من المسؤولين عن هذه الجرائم، ودأبت الحكومات في معظم الأحوال على التراجع لتطبيق سياسة واقعية ملائمة يتم من خلالها التفاوض بالمسؤولية الجنائية والعدالة في مقابل الوصول إلى حل سياسي• ونتاجا لهذه السيـاسة فإن الجرائم المنصوص عليها في قوانين الشعوب قد انتشرت في جميع أرجاء المعمور، وبدل من أن تقوم الحكومات بمنعها أو الحد منها، فإنها وللأسف استمرت سلبية وبلا تغيير في معظم الأحوال، بل وفي أحوال أخرى مساندة لتلك الانتهاكات، ورغم ذلك فقد أبدى المجتمع المدني الدولي معارضة متصاعدة إزاء منح منع العقاب خاصة للقادة الذين أصدروا الأوامر بارتكاب تلك الفظائع وكذلك الضباط المسؤولين عن تنفيذ هذه الأوامر غير المشروعة، ومن هنا بدأ الرأي العام العالمي ينادي بضرورة إنشاء نظام عدالة جنائية دولية، إذ أنه لم يعد من المقبول بعد ذلك أن تكون الحصانة هي المكافأة التي ينالها أولئك الذين يرتكبون أفظع الجرائم الدولية وانتهاكات حقوق الإنسان، فبالإضافة إلى العديد من أولئك الذين أفلتوا من المحاكم الخاصة والتي أنشأت عقب بعض النزاعات الدولية، فإن هناك مجرمين آخرين لم يمثلوا أمام العدالة لما ارتكبوه من جرائم في منازعات داخلية عديدة•







ونظرا لتكرار هذه الجرائم و بخاصة خلال الحروب أو خلال الأنظمة الاستبدادية، فقد تمكن المجتمع الدولي من إنشاء محكمة جنائية دولية تختص بالمحاكمات الجزائية ضد مرتكبي الجرائم الدولية• وباتخاذ هذا القرار التاريخي في روما 1998، يتحقق إنجاز إنساني ضخم من شأنه أن يفتح الطريق أمام تحقيق حلم الشعوب المقهورة والدول المغلوب على أمرها، فقد أنعش هذا الحدث التاريخي آمال الذين ظلوا لعقود طويلة عرضة لجرائم الدول الاستعمارية والعنصرية والأنظمة الديكتاتورية• إن إنشاء المحكمة يمثل بحق خطوة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني من شأنها خلق سلطة قضائية دولية تختص بتأمين سيادة القانون الدولي وتطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني• فما هي الأسس التي تقوم عليها المحكمة ؟ وما هي صلاحياتها ؟ وما هي المعوقات التي تحول دول نفاذ قوانينها من خلال مواقف الأطراف الدولية والإقليمية منها؟ وما هي آفاقها لتطبيق مبدأ عدم الإفلات من العقاب؟ المطلب الأول تأسيس المحكمة الجنائية الدولية و اختصاصاتها إن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية يعتبر أحد أهم المطالب لتوفير الآليات والضمانات الكفيلة بالوقاية من الإنتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان ومحاسبة مرتكبيها والمسؤولين عنها ومعاقبتهم وذلك من أجل حفظ حقوق البشرية في الأمن والسلام، ولذلك فإن التأسيس لم يأت وليد الصدفة، بل جاء نتيجة لمجهودات فقهاء القانون الدولي واللجان الخاصة بالأمم المتحدة الذين حددوا صلاحيات واختصاصات المحكمة• أولأ: إنشاء المحكمة الجنائية الدولية المحكمة الجنائية الدولية هي هيئة قضائية دائمة مستقلة أوجدها المجتمع الدولي لمقاضاة مرتكبي أشد الجرائم المحتملة جسامة بمقتضى القانون الدولي، أي جريمة الإبادة الجماعية والجرائم الأخرى ضد الإنسانية وجرائم الحرب• أ• مسار النشأة: إن المحكمة الجنائية الدولية لم تكن وليدة لحظة معينة، بل هي عصارة لعمل وجهد طويلين وممتدين كما سبقت الإشارة إلى ذلك منذ محاكمات نورمبرغ إلى حدود إنشاء المحكمتين الجنائيتين ليوغسلافيا ورواندا، إذ أنه بعد ذلك في سنة 1994 قامت لجنة القانون الدولي بإعداد مشروع إنشاء محكمة جنائية دولية، ثم شكلت الجمعية العامة سنة 1995 لجنة بمتابعة هذا المشروع، إلى أن تم إصدار القرار 51/207 لعام 1996 والذي بموجبه انكبت اللجنة على التحضير لمؤتمر دبلوماسي لهذا الغرض• وهذا ما تم بالفعل، إذ عقد المؤتمر من أجل تشكيل محكمة جنائية بين 15 يونيو و17 يوليوز 1998 في مقر FAO منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة في العاصمة الإيطالية روما، شاركت في أعمال المؤتمر وفود تمثل 190 دولة و31 منظمة دولية و132 منظمة غير حكومية بصفة أعضاء مراقبين• 








يتكون النظام الداخلي المحكمة الجنائية من 13 فصلا و128 مادة، وصوتت لصالح إنشاء المحكمة 120 دولة وامتنعت 21 دولة عن التصويت، في حين عارضته سبع دول وهي الولايات المتحدة الأمريكية، إسرائيل، الهند، الصين، ليبيا وقطر• وقد دخلت المحكمة حيز التنفيذ منذ 1 يوليوز 2002 بعد اكتمال عدد التصديقات وهو 60 تصديقا، وإلى يومنا هذا صادقت على الإتفاقية 97 دولة• ب• أجهزة المحكمة: تتكون أجهزة المحكمة من: -رئاسة المحكمة التي تتكون من الرئيس والنائب الأول والنائب الثاني للرئيس• -دائرة الاستئناف، ودائرة المحاكمة، ودائرة المحاكمة المسبقة• -مكتب المدعي العام، ويختص بتلقي البلاغات والمعلومات الخاصة بالجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة وفحصها وإجراء التحقيق بشأنها، وتأييد الاتهام أمام المحكمة• وتجدر الإشارة إلى أن عدد قضاة المحكمة هو ثمانية عشر قاضيا، يتم اختيارهم من أفضل العناصر التي تتوافر فيهم المؤهلات المطلوبة لشغل هذه الوظيفة الهامة، وبشرط ألا تضم المحكمة أكثر من قاض ينتمون إلى نفس الدولة، ويمارس قضاة المحكمة وظائفهم باستقلال تام، ويتمتع قضاة المحكمة والمدعي العام والمدعون المساعدون ومسجل المحكمة في ممارساتهم لوظائفهم، بالمزايا والحصانات الممنوحة لرؤساء البعثات الدبلوماسية• ثانيا: اختصاص المحكمة الجنائية الدولية المحكمة الجنائية الدولية هي مؤسسة قائمة على معاهدة ملزمة فقط للدول الأعضاء فيها، فهي ليست كيانا فوق الدول، وليست بديلا عن القضاء الجنائي الوطني وإنما هي مكمل له، غرضها هو التحقيق ومحاكمة الأشخاص الذين يرتكبون أشد الجرائم خطورة بحيث تكون موضع الاهتمام الدولي• أ• الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية يشمل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في الوقت الراهن من حيث الموضوع وفقا لنص المادة الخامسة ثلاث جرائم دولية محددة بشكل دقيق، وهي جريمة الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وهذه الجرائم معرفة في المواد 6 - 7 و8 وهي متوافقة مع القانون الجنائي الدولي القائم وكذا مع مفهوم قانون الشعوب الملزم لجميع الدول• ويدرج النظام الأساسي جريمة العدوان والتي أجل النظر في إدماجها إلى حين صياغة تعريفها• ومن ثم فهي تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وعلاوة عل ذلك فإن للمحكمة أيضا اختصاصا بالجرائم التي ترتكب ضد إقامة العدالة، ولها أن تقضي بعقوبات في هذا الخصوص كما في المادتين 70 و71 أما فيما يخص مبدأ التكامل بين المحكمة الجنائية الدولية والنظم القانونية الوطنية، فإن اختصاص المحكمة يمتد ليشمل الدول الأعضـاء ويتم ممارسة اختصاص المحكمة بالتكامل، مع اختصاص نظم القضاء الوطني للدول الأعضاء (المادتين 1 و17) • فالاختصاص الجنائي الوطني دائما يكون له الأولوية على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ولكن المحكمة تستطيع ممارسة اختصاصها في حالتين فقط (المادة 17)، وهما الأولى: عند انهيار النظام القضائي الوطني، والثانية عند رفض أو فشل النظام الوطني القيام بالتزاماته القانونية بالتحقيق ومحاكمة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم الجرائم الثلاث الموجودة حاليا في اختصاص المحكمة أو بمعاقبة أولئك الذين أدينوا•







 وفي حالة انحسار اختصاص القضاء الوطني وفقا للمادة 17 أو المادة 20 ف 3، وانعقاد الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية، صار اختصاصها التكميلي إلزاميا، وأصبحت الدولة التي انحسر اختصاصها القضائي على الدعوى ملزمة بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وفقا لما جاء بأحكام الباب التاسع من النظام الأساسي، لا سيما وأن الدول الأعضاء ملزمة بالتعاون تعاونا تاما مع المحكمة فيما تجريه في إطار اختصاص المحكمة من تحقيقات في الجرائم والمقاضاة عليها (المادة 86 من النظام الأساسي) ، وهو ذلك الإلتزام الذي تتعهد فـيه كافة الدول الأطراف حتى إن لم تكن قد انحسر اختصاصها الأولى على الدعوى •

 ب• قواعد الاختصاص الزماني والمكاني للمحكمة الجنائية الدولية: -1 من حيث الزمان: إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية مستقبلي فقط (المادتان 11 و24)، ولذلك لا يسري اختصاصها على الجرائم التي ارتكبت قبل سريان المعاهدة، وفيما يتعلق بالدول التي تنضم إلى المعاهدة، فإن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ينطبق فقط على الجرائم التي ترتكب بعد انضمام الدولة، وهذا ما يعرف بمبدأ شرعية الجريمة والعقوبة في القانون الجنائي الدولي، وقد نصت المادة 24 ف 1 من نظام المحكمة الأساسية على أنه لا يسأل الشخص جنائيا بموجب هذا النظام الأساسي عن سلوك سابق لبدء نفاذ النظام• ومؤدى هذا النص، أنه لا يسأل أي شخص جنائيا عن أي سلوك اقترف قبل بدء العمل بنظام المحكمة المذكورة، حتى في حالة ما إذا كان هذا السلوك يشكل جريمة حسب النظام الأساسي المحكمة الجنائية• وهذا ما سيؤدي إلى إفلات العديد من مرتكبي الانتهاكات من العقاب على الجرائم التي ارتكبت قبل دخول قانون للمحكـمة حيز التنفيذ• كما ينص النظام الأساسي على أنه يجوز للدولة عندما تصبح طرفا، أن تختار تأجيل تطبيق اختصاص للمحكـمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بجرائم الحرب (المادة 8) لمدة 7 سنوات (المادة 124)• 2 من حيث الأشخاص: يطبق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية فقط على الأفراد (المادتان 1 و25) والذين يرتكبون جريمة بعد بلوغ سن 18 سنة (المادة 26)، وليس للمحكمة اختصاص على الدول أو الهيئات الاعتبارية، وعلاوة على ذلك لا يستثنى شخص من المسؤولية الجنائية بسبب صفته الرسمية مثلما قد يكون واردا في القانون الداخلي (المادة 27)• ونخلص إلى أن المحكمة الجنائية الدولية لا تهدف إلى الحلول محل المحاكم الوطنية ولكن يتم اللجوء إلى اختصاصها فقط عندما قد يؤدي عدم القيام بذلك إلى الإفلات من العقاب، ويعتبر اختصاص المحكمة الجنائية الدولية مكملا لعمل المحاكم الوطنية ويعني ذلك أنها لا تتصرف إلا عندما تكون البلدان غير قادرة أو لا ترغب في التحقيق أو متابعة بعض الحالات على المستوى الوطني وبالتالي يتم ذلك داخل الدول التي لا تتوفر على نظام قانوني فعال، أو قد لا تكون راغبة في المتابعة عندما يتضح أن المساطر تشكل غطاء لحماية شخص ما، وهذا المعيار عالي المستوى إذ يعكس تصور المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها محكمة درجة أخيرة تستهدف فقط استخدام اختصاصها لمنع الإفلات من العقاب•







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق