4.13.2019

محاضرات في مادة وسائل الأداء والإئتمان

محاضرات في مادة وسائل الأداء والإئتمان







ملخص مادة وسائل الأداء والإئتمان السداسي الرابع 




محاضرات مادة وسائل الأداء والإئتمان السداسي الرابع 


تلخيص مادة وسائل الأداء والائتمان
وسائل الأداء والائتمان
دة. حنان البكوري



مقدمة عامة:
في العصور القديمة كان الإنسان يقوم بالتجارة عن طريق التبادل أو المقايضة، كما أن الوفاء كان يتم بأوزان معينة من المعادن، قبل أن يتم ابتكار النقود المعدنية والورقية كوسيلة للوفاء وكوسيط في التعامل بين الناس، ولكن نظرا للمخاطر التي تعترض نقل النقود من سرقة وضياع، فقد قام التجار بابتكار وسائل قانونية يتفادون بها هذه المخاطر، فظهرت الأوراق التجارية كوسائل بديلة للوفاء اتخذت شكل محررات أو صكوك من كمبيالة وشيك وسند إذني والتي انتشرت وعرفت ازدهارا في التعاملات التجارية خاصة.
إلا أن ما يميز العصر الحديث هو ظهور وسائل للوفاء أكثر تقدما وهي ما اصطلح عليها بالنقود القيدية، التي أصبحت فيها البنوك تقوم بدور الوسيط في الوفاء عن طريق التحويل من بنك إلى آخر (Le Virement)، أو عن طريق الإعلام بالاقتطاع من الحساب (L'Avis de Prélèvement): أي أن تسوية الديون أصبحت تتم بواسطة القيد في الحسابات البنكية.
كما كان من مستجدات الثورة الالكترونية أن ظهرت البطائق البنكية (بطاقات السحب، الأداء والائتمان) بعد التقدم الهائل في الميدان الالكتروني والمعلوماتي فأصبحت وسائل الأداء هاته تحل محل النقود في الوفاء بالرغم من احتلال هذه الأخيرة مركز الصدارة في الوفاء نظرا للقوة الإبرائية المطلقة التي تتميز بها.
وبالرغم من المكانة التي أصبحت تحتلها هذه الوسائل الجديدة، فإن الوسائل التقليدية أو ما يطلق عليها بالأوراق التجارية لا زالت تحتل مكانة هامة بين الناس سواء كانوا تجارا أو غير تجار، لذلك سنخصص دراستنا للحديث عن الأوراق التجارية أولا ثم الوسائل الأخرى للأداء والائتمان.



أولا: تعريف الأوراق التجارية وخصائصها
لم تتطرق أغلب التشريعات إلى تعريف الأوراق التجارية إلا فيما جاء في القانون التجاري العراقي لسنة 1984 في المادة 39 التي جاء فيها: "الورقة التجارية محرر شكلي بصيغة معينة يتعهد بمقتضاه شخص أو يأمر شخص آخر فيه بأداء مبلغ محدد من النقود في زمان ومكان معينين، ويكون قابلا للتداول بالتظهير أو المناولة" انطلاقا من هذا التعريف يمكن استنتاج أهم خصائص الأوراق التجارية في:
1- أوراق قابلة للتداول: (Titres Négociables)
إن الأوراق التجارية هي وسائل للوفاء بالديون، فهي تقوم في هذا المجال مقام النقود في الإبراء من العديد من الديون، ذلك أن صدور الورقة التجارية للأمر معناه قابليتها للانتقال من شخص لآخر عن طريق التظهير، فهي وسيلة أسهل وأسرع من حوالة الحق المعروفة في الحياة المدنية.
2- تتضمن قيمتها نقدا: (Créance d'Argent)
لتسهيل تداول هذه الأوراق وحتى تلعب دورها كأداة وفاء فإنه لا بد أن تتضمن قيمتها أي قيمة الدين الذي تمثله نقدا، فبمجرد إلقاء نظرة عليها نعرف قيمة الدين الذي تمثله.
3- تمثل ديونا قصيرة الأجل (Payables à Court Terme)
إن الأوراق التجارية تمثل ديونا قصيرة الأجل، أي تتحقق بمجرد الإطلاع، وإذا كانت تشكل وسائل ائتمان فإنها تصدر لمدة قصيرة، وهذا ما يشجع الأشخاص على قبول التعامل بها، ما دام أنهم يستطيعون في أي وقت استبدالها نقدا، وذلك عن طريق خصمها لدى أحد البنوك، كما أنه باعتبارها تمثل ديونا قصيرة الأجل فإن الأبناك يقدمون على خصمها.
4- أنها سندات شكلية:
ذلك أنها لا تنشأ صحيحة إلا إذا توافرت فيها مجموعة من الشروط والبيانات التي حددها المشرع تحت طائلة فقدان هذه الورقة صفتها كورقة تجارية. كما أن هذه الشكلية متطلبة ليس فقط لنشوء الورقة التجارية بل تسري على كل التصرفات والعمليات التي ترد على هذه الورقة كالتظهير والضمان الاحتياطي والقبول...
ثانيا: توحيد قواعد الأوراق التجارية على الصعيد الدولي
لقد كان من الضروري البحث عن الوسائل العملية الكفيلة بتوحيد قواعد الأوراق التجارية بعد أن شعرت الدول الأوربية بالضرورة القصوى لسن قواعد موحدة نظرا لكثرة تداول هذه الأوراق وغزوها لمختلف المجالات الاقتصادية والتجارية مما خلف مشاكل قانونية لا حصر لها نظرا لاختلاف القواعد المطبقة في هذه الدول، لذلك فكر المجتمع الدولي في وضع قانون موحد ينظم الأوراق التجارية، أي وضع قانون الصرف (Droit Combine international) وقد تحقق ذلك في مؤتمر جنيف في 13 ماي1930 حيث تم المصادقة على 3 اتفاقات بتاريخ 7 يونيو1930 تتعلق بالكمبيالة والسند لأمر، وفي شهر فبراير سنة 1931 تم عقد مؤتمر جنيف أيضا حيث تم التوقيع على قانون موحد خاص بالشيك في 19 مارس1931
وهكذا سارعت العديد من الدول فيما بعد إلى الأخذ بقانون جنيف الموحد وإدخاله في تشريعاتها الوطنية.
رابعا: القانون المغربي في مجال الأوراق التجارية
* في عهد الحماية: لقد قسم المغرب في هذه الفترة إلى ثلاث مناطق نفوذ، حيث عرفت كل منطقة في هذه المناطق قانونا خاصا بها، حيث نجد:
1- ظهير 12 غشت 1913 الذي كان يطبق بمنطقة الحماية الفرنسية ألغي بمقتضى ظهير 19 يناير1939 الذي أدخل قواعد قانون جنيف الموحد على النصوص المتعلقة بالكمبيالة والسند لأمر، ثم صدر ظهير ثاني في نفس التاريخ يتعلق بالشيك الذي أخذ هو الآخر بقانون جنيف الموحد الخاص بالشيك.
2- ظهير 1914 المطبق بمنطقة الحماية الاسبانية
3- ظهير 1925 المطبق بمنطقة طنجة الدولية
* بعد الاستقلال: صدور قانون التوحيد والمغربة سنة 1965 الذي عمل على توحيد القوانين التي أصبحت سارية المفعول بمختلف مناطق المملكة، حيث تم تطبيق القوانين التي كانت مطبقة بمنطقة الحماية الفرنسية وتمديدها على جميع التراب الوطني. حيث أصبحت الأوراق التجارية منظمة بموجب ظهير 19 يناير1939 الذي أخذ بقانون جنيف الموحد.
وفي سنة 1996 صدرت مدونة التجارة بمقتضى قانون رقم 15.95 القاضي بتنفيذه الظهير الصادر في فاتح غشت 1996 حيث قام بإعادة تنظيم الأوراق التجارية ضمن المواد من 159 إلى 334 والتي لم تدخل حيز التنفيذ إلا بعد مرور سنة من تاريخ نشر المدونة، وهكذا بدأ العمل بنصوص المواد المنظمة للأوراق التجارية في 3 أكتوبر1997.
خامسا: وسائل الأداء الأخرى
كما خصص المشرع في مدونة التجارة من 329 إلى 333 للحديث عن وسائل الأداء الأخرى، دون بيان هذه الوسائل، وعلى كل هذه العبارة تبقى عامة صالحة للحاضر والمستقبل، تشمل وسائل الأداء المتعارف عليها اليوم، وتلك التي ستظهر غدا نتيجة استخدام العلم والتكنولوجيا، وتعتبر المادة 329 من مدونة التجارة وسيلة أداء كل "وسيلة تمكن كل شخص من تحويل أموال كيفما كانت الطريقة أو الخطة التقنية المستعملة لذلك". هذا التعريف المأخوذ من م 4 من ظ 1993 المعتبر بمثابة قانون يتعلق بنشاط مؤسسات الائتمان ومراقبتها والتي لم يعطينا تنظيم محدد لهذه الوسائل الرائجة حاليا إذا ما استثنيا التحويل الذي نظمه المشرع بمقتضى المواد من 519 إلى 523 م ت على الرغم من قدم بعضها وحداثة البعض الآخر، هذه الحداثة التي تحول دون وضع نظام متكامل لمؤسسة قانونية لم تتأكد بعد معالمها ومظاهرها وطبيعتها لذلك يترك تنظيمها ونموها إلى الممارسة البنكية.
وعليه سنقوم بدراسة وسائل الأداء والائتمان التالية:
الكمبيالة، الشيك، السند الإذني، التحويل، البطائق البنكية.




الباب الأول: الكمبيالة
 Lettre de Change
تمهيد:
تعتبر الكمبيالة أو السفتجة من الأعمال التجارية الأصلية الشكلية، المنفردة والمطلقة بصرف النظر عن الغرض الذي تكونت أو سحبت من أجله، سواء كان غرضا تجاريا أو مدنيا، وبصرف النظر عن الشخص الذي سحبها أكان تاجرا أم غير تاجر، طبقا للمادة 9 من م ت: "يعد عملا تجاريا بصرف النظر عن المادتين 6 و7: الكمبيالة......"
وتعتبر الكمبيالة أداة وفاء وائتمان وصرف ونقل للنقود، وجميع ما يقع عليها من أعمال يعد أعمالا تجارية أيا كان المتعاملون بها، كالسحب والتظهير والقبول والضمان والخصم وغيرها من الأعمال.
ولقد اختلف الفقهاء حول تاريخ ظهور هذه الورقة التجارية، وذلك راجع إلى قدمها، فلقد عرفها العرب، والفرس والرومان والبابليون والصينيون وغيرهم من الأمم والشعوب، لكن ما هو متفق عليه الآن هو أن تسميتها كمبيالة، بهذا الشكل مأخوذة من الإيطالية (Cambaile) أي وسيلة لصرف النقود (Cambio) باعتبارها كانت تشكل أداة وفاء فقد كانت تقوم مقام النقود قبل أن تتحول للائتمان.
أولا: تعريف الكمبيالة
لم يضع المشرع المغربي تعريفا للكمبيالة، إلا أنه استنادا إلى خصائصها يمكن تعريفها بأنها : "ورقة تجارية محررة وفق شكلية حددها القانون تتضمن أمرا من شخص يسمى الساحب (Tireur) إلى شخص آخر يسمى المسحوب عليه (Tiré) بأن يدفع مبلغا معينا من النقود بمجرد الإطلاع، أو في تاريخ معين أو قابل للتعيين إلى شخص ثالث يدعى المستفيد (Bénéficiaire)"
ويتضح من هذا التعريف أن الأطراف الرئيسية في الكمبيالة هم: الساحب والمسحوب عليه ثم المستفيد.
إلا أنه قد يتدخل أشخاص آخرون إما كمظهرين أو كضامنين احتياطيين أو قابلين بالتدخل وكل شخص وقع على الكمبيالة يلتزم مع كافة الموقعين الآخرين بضمان أداء مبلغها وبصفة تضامنية لآخر حامل لها. فالالتزام الصرفي أي الالتزام بالكمبيالة ينشأ بمجرد التوقيع عليها، والمسؤولية هي مسؤولية تضامنية في أداء مبلغها.
وهكذا فإن الغرض من وراء سحب الكمبيالة هو تسوية حسابين:
الأول: افتراض كون الساحب مدين للمستفيد
الثاني: افتراض كون الساحب دائن للمسحوب عليه
وبالتالي وباعتبار أن الساحب دائن للمسحوب عليه ومدين في نفس الوقت للمستفيد فإنه يقوم بعملية حوالة، وهكذا فإنه يصدر أمره إلى المسحوب عليه (باعتباره مدين) بأداء المبلغ إلى المستفيد (باعتبار أن المستفيد هو دائن لهذا الساحب).
وانطلاقا من كل هذا فإن الكمبيالة بهذه الصورة تنشأ عنها ثلاث علاقات رئيسية:
- العلاقة بين الساحب والمسحوب عليه (أساسها مقابل الوفاء)
- العلاقة بين الساحب والمستفيد (أساسها القيمة وصلت)
- العلاقة بين المستفيد والمسحوب عليه
ثانيا: وظائف الكمبيالة
تدرجت وظيفة الكمبيالة بتدرج مراحل تاريخ الاقتصاد السياسي، والحركة التجارية، وعملية رجال الأعمال، فكانت في أول أمرها أداة للصرف، أي أداة لنقل النقود وتحويلها، ثم أصبحت في مرحلة ثانية أداة للوفاء بالديون، وفي مرحلة ثالثة أداة للائتمان، وهي الوظيفة الرئيسية ودعامة عالم الأعمال، وهكذا كانت الكمبيالة ولا زالت أداة للصرف ونقل النقود والوفاء والائتمان.
1- الكمبيالة أداة للصرف أو تحويل النقود ونقلها:
إن الدور التقليدي للكمبيالة يتمثل في كونها وسيلة لتفادي خطر نقل النقود، فقد كانت التجارة محفوفة بالمخاطر بحيث كان التجار تعترضهم مخاطر كثيرة أثناء رحلاتهم، وذلك لما قد يتعرضون له من سرقة أو ضياع، فكان التاجر يفضل كمبيالة بيده على حمل المبالغ الكبيرة من النقود، فكان التاجر يتقدم إلى أحد البنوك الذي يتعامل معها في بلده، ويودع لديه الثمن بالنقود المحلية على أن يقوم هذا البنك الأخير بإعطائه كمبيالة مسحوبة على بنك مراسل له في المدينة أو البلد الذي توجد به البضاعة مقابل عمولة وفوائد خاصة، وعندما يصل التاجر إلى البلد المقصود يتوجه إلى البنك المسحوب عليه ويسحب المبلغ مقابل تقديمه لهذه الكمبيالة.
ولا زالت الكمبيالة تؤدي هذه الوظيفة الحيوية في الوقت الحاضر، وإن كان بشكل أقل وذلك بعد انتشار التعامل بالشيكات والحوالات البريدية التي أصبحت هي الأخرى تقوم بهذا الدور أي كأداة لنقل النقود وتلافي خطر الطريق.
2- الكمبيالة أداة وفاء:
أي أنها تحل محل النقود كوسيط في المعاملات، ولكن ليست نقودا أو أوراقا بنكية، فسداد الديون يتم بحسب الطريقة البدائية التي لا زال العمل جاريا بها عن طريق أداء المبلغ من المدين إلى الدائن، فمثلا إذا باع صاحب المصنع مجموعة من البضائع لتاجر الجملة، ثم اشترى صاحب المصنع بدوره من مورد ما كمية من المواد الأولية بنفس المبلغ، فإن الدفع في هذه الحالة يتم بعمليتين متميزتين: حيث أن تاجر الجملة يدفع مبلغ البضاعة  المدين به إلى صاحب المصنع وإن هذا الأخير بدوره يدفع المبلغ المدين به إلى المورد، لكن مع إمكانية انتقال الكمبيالة من يد المستفيد إلى يد أشخاص آخرين عن طريق التظهير أصبحت طريقة الأداء تتم بطرق حديثة، حيث مثلا كما رأينا في المثال السابق فعوض أن تتم عملية الأداء بعمليتين فإن الدفع يتم بعملية واحدة وهي أن يسحب صاحب المصنع (الساحب) كمبيالة على مدينه تاجر الجملة (المسحوب عليه) لفائدة دائنه هو أي المورد (المستفيد) هذا الأخير الذي يمكن أن يكون أيضا مدينا لشخص آخر فيسدد له عن طريق تظهير الكمبيالة لفائدته وهذا المظهر إليه أي الحامل الجديد للكمبيالة قد يكون كذلك مدين لشخص آخر فيقوم بتظهير هذه الكمبيالة لفائدة دائنه وهكذا إلى أن يحين موعد استحقاق الكمبيالة أي موعد الأداء فيتقدم آخر حامل لها إلى المسحوب عليه مطالبا إياه بوفاء مبلغها.
وهكذا نلاحظ من خلال هذا المثال أن عدة وفاءات قد تمت وأن عدة ديون قد سددت بموجب هذه الكمبيالة.
3- الكمبيالة أداة ائتمان:
الائتمان هو التنازل الحاضر من أجل مال المستقبل، فالائتمان هو منح الثقة.
ويقصد بالكمبيالة أداة للائتمان استعمالها كوسيلة لتأخير الوفاء إلى حين أو أجل، يكون عادة في التجارة أجلا قصيرا يسهل تداولها وخصمها، أي أن العملية تشكل نوعا من القروض القصيرة الأجل يحل الأفراد فيها محل البنوك في كثير من الأحيان خلال أجل يتراوح ما بين شهر وثلاثة أشهر، ولا يوجد ما يمنع إطالة أو تقصير هذا الأجل.
فمثلا، قد يبيع تاجر الجملة سلعا لتاجر التقسيط بمبلغ معين، ويشترط عليه هذا الأخير أن لا يكون الوفاء حالا، أي يطلب منه أجلا معينا للوفاء مثلا 3 أشهر، فإن قبل تاجر الجملة يكون قد وافق على منح تاجر التقسيط ائتمانا، وقد يكون تاجر الجملة في حاجة ماسة بدوره إلى النقود فيطلب من المورد منحه أجلا للوفاء يساوي الأجل الذي منحه لتاجر التقسيط أي 3 أشهر، وهكذا يقوم تاجر الجملة بسحب كمبيالة على مدينه تاجر التقسيط (المسحوب عليه) بنفس المبلغ لفائدة المورد (المستفيد) واجبة الاستحقاق بعد 3 أشهر من تاريخ التحرير.




كما يمكن للمورد بدوره أن يقوم بنقل الحق الثابت في الكمبيالة عن طريق التظهير إلى شخص آخر المظهر إليه، وهكذا تنتقل الكمبيالة من يد إلى آخر إلى ينتهي أجل الائتمان أي 3 أشهر، أي حلول تاريخ الاستحقاق، حيث يتقدم الحامل للأخير للكمبيالة إلى تاجر التقسيط باعتباره المسحوب عليه لطلب المبلغ المستحق في الكمبيالة.
وقد يلجأ المورد (المستفيد) إلى طريق الخصم، أي أن يقوم بتظهير الكمبيالة إلى بنك يتعامل معه مقابل الحصول على المبلغ النقدي الثابت في الكمبيالة حالا مع خصم النسبة المئوية من هذا المبلغ التي تمثل عمولة الخصم المستحقة عن دفع هذا المبلغ قبل تاريخ الاستحقاق، ويمكن لهذا البنك أيضا أن يخصمها لدى بنك آخر إن كان في حاجة إلى النقود خاصة لدى بنك المغرب، وهو ما يعرف بإعادة الخصم، وتعد عمليات الخصم من أهم العمليات المساعدة على نمو التجارة في العصر الحاضر (م 526 من مدونة التجارة)
4- تعبئة الاعتمادات المصرفية:
لم تعد الكمبيالة في الوقت الراهن أداة للائتمان التجاري فحسب، بل أصبحت كذلك أداة للائتمان المالي، أي أداة تعبئة الاعتمادات المصرفية، ومضمون هذه العملية هو أن البنوك تقوم بتقديم قروض لأجل إلى الأشخاص وتسحب على هؤلاء في المقابل كمبيالات بمبلغ القرض إلى أجل قابلة للخصم وإعادة الخصم، وبذلك يحصل البنك المقرض على المبالغ المالية التي أقرضها قبل موعد الاستحقاق وعند حلول موعد رد القرض يقوم الزبون المقترض بسداد هذه القروض إلى البنك الذي قام بعملية الخصم وإعادة الخصم.
الفصل الأول: إنشاء الكمبيالة
إن إنشاء الكمبيالة هو تصرف قانوني وتصرف صرفي، وباعتباره تصرفا قانونيا فلا بد من أن يتوفر على جميع الشروط الموضوعية الواجبة توفرها في مختلف التصرفات القانونية، وباعتباره تصرف صرفي فلا بد من أن يتوفر أيضا على مجموعة من الشروط الشكلية التي يحددها قانون الصرف.
المبحث الأول: الشروط الموضوعية
المطلب الأول: الرضا
يعتبر الساحب أول موقع على الكمبيالة فهو منشؤها، لذلك لا بد أن يعبر هذا الساحب عن إرادته في إنشاء الكمبيالة وذلك بالتوقيع عليها (التوقيع بيان إلزامي)، كما أن رضا الساحب يجب أن يكون حرا لم يشبه عيب من عيوب الإرادة كالغلط أو التدليس أو الإكراه أو الغبن وذلك حتى يعتد بهذه الإرادة وبالتالي ليعتد بهذا التصرف القانوني.
المطلب الثاني: الأهلية
يشترط للتوقيع على الكمبيالة أو التحمل بالالتزام الصرفي أن يكون الموقع ساحبا كان أو مسحوبا عليه أو مظهرا أو ضامنا احتياطيا أو قابلا بالتدخل متمتعا بالأهلية التجارية لأن الكمبيالة عملا تجاريا شكليا أيا كان المتعاملون بها، وكيفما كانت طبيعة الدين الذي حررت من أجله (م 9 من مدونة التجارة)، وتبعا لذلك فإن المحكوم عليه بسقوط الأهلية التجارية لا يمكنه أن يوقع على الكمبيالة لأن هذه الورقة تجارية بصرف النظر عن المتعاملين بها.
ويعتبر الشخص متمتعا بالأهلية المدنية والتجارية الكاملة رجلا كان أو امرأة متزوجة أو غير متزوجة إذا بلغ سن الرشد القانوني وكان متمتعا بقواه العقلية ولم يثبت في حقه عارض من عوارض الأهلية كالسفه والجنون... وغيره. وسن الرشد القانوني حسب المادة 209 من مدونة الأسرة هو بلوغ سن 18 سنة شمسية كاملة.
ويمكن تبعا لذلك للراشد أن يوقع على الكمبيالة توقيعا صحيحا، ويعد التزامه التزاما صحيحا، ولكن ما هو الحال بالنسبة لتوقيع القاصر على الكمبيالة؟




هنا نميز بين حالتين: القاصر غير التاجر والقاصر التاجر.
1- القاصر غير التاجر: إذا وقعت الكمبيالة من قاصر غير تاجر كانت باطلة تجاهه، ويحتفظ الأطراف بحقوقهم وفقا للقانون العادي (م 164 م ت)
2- القاصر التاجر: أي القاصر الذي يؤذن له بممارسة التجارة ويحصل ذلك في حالتين:
* القاصر المرشد: ولا يتأتى له بذلك إلا إذا بلغ 16 سنة من عمره وبعد تقديمه لطلب إلى المحكمة من أجل ترشيده، كما أن للنائب الشرعي الحق في أن يطلب من المحكمة ترشيد القاصر الذي أتم السن المذكورة إذا أنست منه الرشد (م218 م الأسرة)، ويترتب عن الترشيد تسلم القاصر المرشد لكامل أمواله واكتسابه الأهلية الكاملة في إدارتها والتصرف فيها.
* القاصر المأذون له: يمكن للصغير المميز أن يتسلم جزءا من أمواله لإدارتها بقصد الاختبار وذلك بعد حصوله على إذن من الولي أو بقرار من القاضي المكلف بشؤون القاصرين بناء على طلب من الوصي أو المقدم أو الصغير المعني بالأمر (م 226 م الأسرة) ويعتبر المأذون في حالة الاختبار كامل الأهلية فيما أذن له به وفي التقاضي فيه.
فإذا توافرت هذه الشروط كان القاصر تاجرا قادرا على توقيع الكمبيالة أما إذا اختل واحد منهما كان القاصر غير قابل للتوقيع على الكمبيالة الموقعة من طرفه باطلة تجاهه.
المطلب الثالث: المحل
يقضي الفصل 57 من ق.ل.ع بأن محل الأشياء يكون إما أشياء أو أفعال أو حقوقا معنوية، شريطة أن تكون داخلة في دائرة التعامل، فطبقا لهذا الفصل يكون محل الشيء متنوعا، وهنا يختلف الأمر بالنسبة للكمبيالة حيث يكون محل هذه الورقة واحدا لا يتغير، ويتمثل هذا المحل في مبلغ من النقود الذي يجب ذكره باعتباره من البيانات الإلزامية. هذا المبلغ من النقود هو ما يشكل مقابل الوفاء في الكمبيالة. أي ذلك الدين الموجود في ذمة المسحوب عليه لفائدة الساحب والذي من أجله سحبت الكمبيالة.
المطلب الرابع: السبب
السبب في الكمبيالة هو الدافع إلى سحب هذه الورقة التجارية، والذي يرجع إلى تلك العلاقة التي تربط الساحب بالمستفيد، والتي تولد عنها سحب هذه الكمبيالة، وهي افتراض أن الساحب مدين للمستفيد لسبب ما، إما مقابل بضاعة  استلمها الساحب أو من أجل سداد قرض ما. وقديما كان على الساحب أن يوضح سبب سحب الكمبيالة، لكن بعد الأخذ بقانون جنيف الموحد لم يعد ذلك إلزاميا، بل أصبح ذكر سبب الكمبيالة بيانا اختياريا لأن التوقيع على الكمبيالة هو التزام صرفي، وأن الالتزام الصرفي هو التزام مجرد أي خالي من ذكر سببه، إلا أنه متى ذكر هذا السبب في الكمبيالة وجب أن يكون صحيحا وغير مخالفا للنظام العام أو الأخلاق الحميدة وتقوم قرينة بسيطة على صحة هذا السبب وعلى من يدعي العكس حسب الإثبات.
المبحث الثاني: الشروط الشكلية
تعرف الكمبيالة بأنها ورقة تجارية محررة وفق شكل محدد قانونا، لذا فلا بد من توافر الشكل لكي تعتبر صحيحة، وشروط هذه الشكلية تتمثل في الكتابة والبيانات الإلزامية التي نص عليها القانون ورتب على تخلفها – ما عدا في حالات استثنائية – أو تخلف بعضها أو إحداها بطلان الكمبيالة، حيث تفقد الكمبيالة في هذه الحالة صفتها كورقة تجارية خاضعة لقانون الصرف.
وإلى جانب البيانات الإلزامية هناك بيانات اختيارية تتصل هي الأخرى بشكل الكمبيالة رغم أنه غير ضرورية وغير إلزامية لنشوء الكمبيالة، لكنها إذا تم النص عليها في الكمبيالة فيجب العمل على احترامها وتطبيقها.
المطلب الأول: الكتابة
الكمبيالة سند يحرر كتابة، أي يجب أن تحرر الكمبيالة على صك أطلق عليه المشرع كلمة السند (م 159 م ت) إذ تعتبر الكتابة أداة وجود وانعقاد وإثبات يترتب على تخلفها بطلان السند ذاته كمحرر والتزام صرفي.
ولقد كانت الكمبيالة غالبا ما تحرر عرفيا أي في شكل سند عادي، يباع في الأسواق لكن بعد صدور قرار بنك المغرب الصادر في 27 فبراير2007 أصبحت الكمبيالة تصدرها المؤسسات البنكية في شكل دفاتر مطبوعة بنماذج موحدة.
المطلب الثاني: البيانات الإلزامية
نصت عليها المادة 159 م ت وهي كالتالي:
أولا: تسمية كمبيالة مدرجة في نص السند ذاته
لقد نص على ذلك المشرع في م 159 م ت حيث قال: "تسمية كمبيالة مدرجة في نص السند ذاته وباللغة المستعملة للتحرير......"
وهكذا لكي يكون هذا البيان صحيحا يجب أن يتوفر على تسمية كمبيالة في نص هذه الورقة التجارية (مثلا: عبارة ادفعوا مقابل هذه الكمبيالة)، وإن تحرر بنفس اللغة المستعملة لتحرير هذا السند تحت طائلة البطلان من أجل تمييزها على باقي السندات الأخرى كالحوالات البنكية والشيكات وغيرها.
ثانيا: الأمر الناجز بأداء مبلغ من النقود (الفقرة الثانية من م 159 م ت)
لكي تقوم الكمبيالة بوظيفتها كأداة وفاء وائتمان يجب أن تتضمن أمرا ناجزا من الساحب إلى المسحوب عليه أي أن هذا الأمر يجب أن لا يعلق على أي شرط حتى لا يعيق تداولها، كما أن الأداء عبارة عن مبلغ من النقود محدد بدقة إما بالأرقام فحسب أو بالحروف فحسب أو بهما معا في آن واحد، وفي حالة الاختلاف بين المبلغين، فإنه يعتد بالمبلغ المحرر بالأحرف، كما يعتبر أقل مبلغ هو الصحيح والمعتمد إن حرر هذه الأخيرة عدة مرات كلها بالأحرف أو كلها بالأرقام (م163 م ت).
ويجب أن يكون مبلغ الكمبيالة معينا، أي يجب تحديد العملة مثلا: الدرهم، الأورو، الدولار... ويجوز للساحب اشتراط الفائدة على هذا المبلغ، إذا كانت الكمبيالة مستحقة الأداء عند الاطلاع أو بعد مدة معينة عن الاطلاع، ويجب أن يعين سعر الفائدة على ذات الكمبيالة كأن يقال مثلا: ادفع مبلغ ألف درهم وفائدة 10% وإلا اعتبر غير موجود.
ولقد أجاز المشرع اشتراط الفائدة في هاتين الحالتين فقط وذلك لعدم معرفة حتى سيتم تقديم الحاملة هذه الكمبيالة للوفاء، أي موعد الاستحقاق الذي سينتهي سريان الفائدة، أما إذا كانت الكمبيالة مستحقة الأداء في تاريخ معين أو بعد مدة من تحريرها، فهذه المدد تكون معروفة ويمكن حساب فوائدها بداية عند التحرير، وإضافتها إلى مبلغ الكمبيالة، لذا منع المشرع اشتراط الفائدة في هاتين الحالتين.
ثالثا: اسم المسحوب عليه
المسحوب عليه هو الشخص الذي يصدر إليه الساحب أمرا بأداء مبلغ من النقود إلى المستفيد، أي الشخص الذي يلزمه الوفاء بالرغم من أن الالتزام الصرفي لا ينشأ في ذمة المسحوب عليه إلا من توقعيه على الكمبيالة بالقبول.
ويجوز أن تسحب الكمبيالة على الساحب نفسه أي تجتمع فيه صفة الساحب والمسحوب عليه، أي أنه ينشئ سند الكمبيالة ويلتزم في نفس الوقت بدفع المبلغ الثابت فيها، كما يمكن أن يكون المسحوب عليه عدة أشخاص، وفي هذه الحالة يشترط أن يوجه الأمر إليهم بصيغة الجمع، أي استعمال واو العطف وليست صيغة أو التخييرية والأداء الذي يتم من طرف واحد منهم يبرئ ذمة بقية المسحوب عليهم الآخرين، كما يشترط في المسحوب عليه أن يكون شخصا حقيقيا لا وهميا، وإلا اعتبر سحب الكمبيالة من قبل عمليات النصب والاحتيال التي يعاقب عليها القانون (م 54 ق الجنائي)، حيث يعتبر الساحب مرتكبا لجريمة النصب.
رابعا: تعيين ميعاد الاستحقاق
يقصد بميعاد الاستحقاق يوم حلول أجل أداء المبلغ الثابت في الكمبيالة. وقد حددت المادة 181 م ت آجال أو مواعيد الاستحقاق في أربع حالات:
1- بمجرد الإطلاع: وهنا يكون لحاملها تقديمها للأداء في أي وقت شاء، ولكن داخل أجل سنة من إنشائها.
2- بعد مدة من الإطلاع: (مثلا بعد شهر من الإطلاع أو من تقديم ادفعوا مقابل هذه الكمبيالة) أي يكون هناك عدة أيام أو أسابيع أو أشهر من تاريخ التقديم فالأداء يكون بعد انصرام الأجل المشترط الذي يسري غداة تقديم الكمبيالة للقبول.
3- بعد مدة من تاريخ التحرير: أي بعد إضافة مدة معينة إلى تاريخ الإنشاء (مثلا تستحق بعد 3 أشهر من تاريخ التحرير)
4- في تاريخ معين: أي يحدد بدقة هذا التاريخ، فالكمبيالة في هذه الحالة تكون مستحقة في اليوم المحدد بالضبط (مثلا 10/10/07)
ويترتب عن مخالفة الكمبيالة لهذه المواعيد أو الطرق الحصرية أو إدراج مواعيد متعاقبة بطلان الكمبيالة، إلا أن الكمبيالة التي لم يعين فيها نهائيا ميعاد أو تاريخ الاستحقاق تعتبر مستحقة بمجرد الإطلاع (الفقرة 2  من م 160 م ت)
خامسا: تعيين مكان الوفاء
ويجب أن تتضمن الكمبيالة مكان الوفاء، وأن يكون هذا المكان معروفا وحقيقيا، ويمكن الوصول والاهتداء إليه بسهولة وفق ما نصت عليه الفقرة 5 من م 159 أي يجب أن يكون عبارة عن عنوان يسهل الرجوع إليه للمطالبة بالوفاء، إلا أن هذا البيان الإلزامي في الكمبيالة يمكن مخالفته في حالة الكمبيالة التي تحمل موطن المسحوب عليه أي أن موطن المسحوب عليه يغني عن تحديد مكان الوفاء، (فق 3 م 160)
كذلك الكمبيالة التي لا تتضمن مكانا يجانب اسم المسحوب عليه تعتبر صحيحة ويكون مكان الوفاء في هذه الحالة هو المكان الذي يزاول فيه المسحوب عليه نشاطه أو موطنه (فق 4 م 160)
سادسا: اسم المستفيد
يجب أن تتضمن الكمبيالة تعيين الشخص المستفيد، وذلك بذكر اسمه ما دام أن الكمبيالة تتضمن أمرا بالأداء، فيجب معرفة لفائدة من سيتم هذا الأداء. فالكمبيالة يجب أن تصدر دائما وأبدا لأمر، فإن كانت للحامل فهي باطلة، غير أن الساحب يمكن أن يسحب الكمبيالة لفائدته ثم يظهرها على بياض وبذلك تنتقل إلى الحامل (م161، 167، و168 م ت)، ما دام أنه ليس هناك ما يمنع من أن يكون الساحب هو المستفيد أيضا، وذلك عندما لا يجد مستفيدا تسحب الكمبيالة لأمره، ويمكن أن يكون المستفيد واحدا أو أكثر شخصا طبيعيا أو معنويا.
سابعا: تعيين تاريخ ومكان إنشاء الكمبيالة
يجب أن يعين في الكمبيالة تاريخ إنشائها باليوم والشهر والسنة، وكذلك مكان الإنشاء طبقا لما نصت عليه فق 7 من م 159 م ت
ويمكن معرفة تاريخ الإنشاء في احتساب تاريخ الإنشاء إذا كانت الكمبيالة مستحقة الوفاء بعد مدة من إنشائها، وفي حل مشاكل تنازع عدد من الكمبيالات على مقابل وفاء واحد، حيث تكون الأولوية في الأداء للكمبيالة التي تحمل أسبق تاريخ.
أما فيما يتعلق بمكان الإنشاء، فيفيد في تحديد القانون الواجب التطبيق في حالة تنازع القوانين، وكذلك في معرفة مكان وجود الساحب للرجوع عليه عند عدم قبولها أو وفائها.
ثامنا: اسم وتوقيع الساحب
يعتبر الساحب هو الطرف الرئيسي في الكمبيالة فهو منشؤها، لذا فلا بد أن يعبر عن إرادته في الدخول في حلقة الالتزام الصرفي، وهذه الإرادة تترجم بتوقيعه على هذه الورقة التجارية (م 159 م ت)، هذا التوقيع الذي لا بد أن يتم بخط يد الساحب، ويشترط فيه أن يكون واضحا وحقيقيا، كما يجب على الساحب أن يضع اسمه الكامل رفعا لكل سبب أو غموض.
إذن لصحة الكمبيالة يجب أن تتضمن في وقت واحد اسم وتوقيع الساحب  تحت طائلة البطلان، ويمكن أن تسحب الكمبيالة بواسطة وكيل، كسحب كمبيالة من طرف المدراء والمتصرفين نيابة عن الشركة، وتخضع هذه العلاقة أي الوكالة لأحكام الوكالة.
المبحث الثالث: الآثار المترتبة على تخلف البيانات الإلزامية
يترتب على تخلف واحد أو أكثر من البيانات الإلزامية بطلان الالتزام الصرفي، أي بطلان الكمبيالة باعتبارها ورقة تجارية خاضعة لقانون الصرف، ويعد هذا البطلان من النظام العام يمكن لكل ذي مصلحة أن يتمسك به، ويحتج به تجاه الحامل أو المستفيد بصرف النظر عما إذا كان حسن النية أو سيئها، ويفقد الحامل حق الرجوع بالدعوى الصرفية حيث لا يبقى أمامه إلا القانون العادي أو الدعوى العادية، كما يمكن للقاضي أن يثيره من تلقاء نفسه.




إلا أن هذا المبدأ ترد عليه استثناءات هامة تهدف إلى الحفاظ على صحة الكمبيالة وبقاء الالتزام الصرفي قائما حماية للائتمان التجاري، قد نص عليها المشرع في م 160 م ت، وهي كالتالي:
1- إذا لم يعين في الكمبيالة تاريخ الاستحقاق، اعتبرت مستحقة الوفاء عند الإطلاع عليها،
2- إذا لم يعين في الكمبيالة مكان الوفاء "فإن المكان المذكور جانب اسم المسحوب عليه يعد مكان الوفاء وفي الوقت نفسه موطنا له، ما لم يرد في السند خلاف ذلك. وإذا لم يعين مكان بجانب المسحوب عليه يعتبر مكان الوفاء هو المكان الذي يزاول فيه المسحوب عليه نشاطه أو موطنه.
3- إذا لم يعين في الكمبيالة مكان الإنشاء، فإن المكان المذكور بجانب اسم الساحب يعتبر هو مكان الإنشاء، وإذا لم يعين مكان بجانب اسم الساحب فإن الكمبيالة تعتبر منشأة بموطنه.
4- إذا لم يعين في الكمبيالة تاريخ إنشائها، فإن تاريخ إنشاء الكمبيالة يعتبر هو تاريخ تسليم السند للمستفيد ما لم يرد خلاف ذلك.
المبحث الرابع: البيانات الاختيارية في الكمبيالة
إضافة إلى البيانات الإلزامية، فقد حول القانون الحق للأطراف لإضافة بيانات أخرى شريطة ألا تخالف قواعد قانون الصرف أو النظام العام والأخلاق الحميدة.
وتؤدي بعض هذه البيانات دورا حيويا في حياة الكمبيالة وهي بيانات لا حصر لها، يمكن ذكر على سبيل المثال:
* شرط ليست لأمر: إن عبارة لأمر التي تتضمنها الكمبيالة تجعلها قابلة للتداول بطريق التظهير إلا أنه حتى ولم تتضمن الكمبيالة صراحة عبارة لأمر هذه فتبقى مع ذلك قابلة للتداول عن طريق التظهير، أم إذا أراد الساحب منع هذه الورقة من التداول فعليه إيراد شرط "ليست لأمر"، وهذا يمنع انتقالها إلى شخص آخر غير المستفيد عن طريق التظهير، ومع ذلك تبقى قابلة للانتقال بطرق أخرى كالحوالة البريدية (م 167 م ت).
* شرط عدم الضمان: إن كل الموقعين على الكمبيالة يضمنون أداء مبلغها إلى آخر حامل شرعي لها وبشكل تضامني، فهم يسألون على وجه التضامن نحو الحامل الذي يحق له أن يوجه دعوى الرجوع الصرفي ضد جميع هؤلاء الأشخاص فرادى أو جماعة دون أن يكون ملزما باتباع ترتيب معين (م 201 م ت)، لكن إذا ما تم "إيراد شرط عدم الضمان" فإنه يجعل واضع هذا الشرط يتحلل من ضمان القبول فقط، إما ضمان الوفاء فمن النظام العام بالنسبة له (م 165 م ت)، ويسوغ للمظهر أن يتحلل من ضمان القبول ومن ضمان الوفاء أيضا (م 169)، أما ضمان المسحوب عليه القابل للكمبيالة فمن النظام العام باعتباره المدين الرئيسي في الكمبيالة، ولا يستطيع تحت أي ظرف التحلل من هذا الضمان بمجرد توقيعه على الكمبيالة، (م 178 م ت).
وهناك العديد من البيانات الاختيارية التي يمكن أن نجدها في الكمبيالة، مثلا: شرط الفائدة، شرط مقابل الوفاء، شرط المكان المختار، شرط الرجوع بدون مصاريف... وغيرها من البيانات.
الفصل الثاني: تداول الكمبيالة (التظهير)
إذا ما نشأت الكمبيالة صحيحة مستوفية لشروط صحتها وفقا للتفصيل السابق إيضاحه وتسلمها المستفيد فإنها تصبح قابلة للتداول لأداء وظيفتها الاقتصادية كأداة وفاء وائتمان، فقد يحتفظ المستفيد بالكمبيالة ويقدمها عند حلول أجل استحقاق إلى المسحوب عليه للوفاء بها، وبذلك تنتهي كل العلاقات القائمة وقد لا يحتفظ بها فيطلقها للتداول بأن يتناول عن الحق الثابت بها للغير أي لشخص آخر وهذا الأخير يتنازل عنها لفائدة شخص ثالث وهكذا...
فهذا يتنازل يتم عادة عن طريق ما يسمى بالتظهير (Endossement)، وهو الوسيلة الاعتيادية لتداول الأوراق التجارية بصفة عامة والكمبيالة بصفة خاصة.
المبحث الأول: تعريف التظهير وشكله وشروطه
المطلب الأول: تعريف التظهير
التظهير هو ذلك الإجراء القانوني الذي بمقتضاه يتنازل أو ينقل شخص يسمى المظهر (Endosseur) الحق المتضمن في الكمبيالة لفائدة شخص آخر يسمى المظهر إليه (Endossataire) وقد عرف بهذا الاسم لأنه لم يكن يقع صحيحا عند ابتكاره إلا إذا وقع على ظهر الكمبيالة، ولا زالت هذه التسمية حية في اللغة العربية خاصة، ولو أن التظهير بالصيغة يمكن أن يقع على وجه الكمبيالة أو ظهرها.
ويجب أن يقع التظهير ذاتها أو على ورقة متصلة بها تسمى (وصلة)، وأن يوقعه المظهر (م 167)، (الوصلة ورقة تضاف إلى الكمبيالة في حالة تزاحم وتكاثر التظهيرات عليها). ولا يؤثر بطلان التظهير على صحة الكمبيالة، لأن التظهير يعتبر طريقة من طرق تداول الكمبيالة، وليس بيانا إلزاميا لإنشائها صحيحة.
كما يمكن أن يقع التظهير حتى لفائدة المسحوب عليه، سواء كان قابلا للكمبيالة أو غير قابل لها، أو لفائدة الساحب، أو لأي ملتزم آخر أيضا. ويمكن لهؤلاء الأشخاص جميعا أن يظهروا بدورهم الكمبيالة من جديد. (م 167 فق 3)
المطلب الثاني: شروط التظهير
يشترط في التظهير:
1- أن يكون تاما أي شاملا لكل مبلغ الكمبيالة، أما التظهير الجزئي فيعد باطلا وكأن لم يكن (م 167 فق 5).
2- أن يكون ناجزا، ويقع باطلا وكأن لم يكن كل اشتراط من شأنه أن يجعل التظهير مقيدا أو معلقا على شرط (م 167 فق 4)، فكل شرط مقيد للتظهير يعتبر كأن لم يكن، أي يؤدي إلا بطلان التظهير لا إلى بطلان الكمبيالة.
3- أن يحمل توقيع المظهر وأن يكون هذا التظهير خطيا، فلا يمكننا إثبات التظهير بطرق أخرى غير الكتابة كيفما كان الشكل الذي يتخذه، سواء كان تظهيرا اسميا أو للحامل أو على بياض، وأيا كان الشخص الذي ظهرت الكمبيالة لمصلحته.
4- أن يحرر التظهير على ظهر الكمبيالة نفسها أو على ورقة متصلة بها (الوصلة) إذا لم يبق هناك مكان كاف للتوقيعات على الكمبيالة، ويجوز كذلك التوقيع على وجه الكمبيالة، ولكن بشرط أن لا يكون على بياض تفاديا للخلط بينه وبين توقيع الضامن الاحتياطي عندما يتم بدوره على بياض.
5- أن يتم التظهير على سبب مشروع وأن يكون محله هو موضوع أو محل الكمبيالة أي تظهير المبلغ الثابت فيها، وأن يكون هذا المحل مشروعا.
6- يشترط في المظهر أن يكون متمتعا بأهلية التصرف عامة، وبأهلية الالتزام بالكمبيالة خاصة، أي الأهلية التجارية، لأن الكمبيالة تعد عملا تجاريا أصليا، كما يجب أن يكون المظهر مالكا للكمبيالة.
المطلب الثالث: شكل التظهير
الفقرة الأولى: التظهير الاسمي (Endossement Nominatif)
يكون التظهير اسميا عندما يكتب المظهر اسم المظهر إليه على ظهر الكمبيالة أو وجهها أو على ورقة متصلة بها، وقد يصدر هذا التظهير باسم شخص طبيعي أو اعتباري، كما يمكن أن يصدر التظهير باسم شخص موقع على الكمبيالة سواء كان ساحبا أو مسحوبا عليه.
الفقرة الثانية: التظهير على بياض (Endossement En Blanc)
التظهير على بياض هو عندما يكتب المظهر صيغة التظهير ويوقع دون أن يذكر اسم المظهر إليه، وفي هذه الحالة ينبغي أن يرد التظهير على ظهر الكمبيالة وليست على وجهها تفاديا للخلط بين توقيع المظهر وتوقيع الضامن الاحتياطي.
وحسب المادة 168 م ت أن يجوز للحامل في حالة التظهير على بياض:
1- أن يملأ البياض باسمه أو باسم شخص آخر، هذا الأخير يعامل كما لو كان مظهرا إليه عين ابتداء بمعرفة المظهر على بياض، أما الحامل الذي ملأ البياض فلا يتحمل أية مسؤولية لأنه لم يوقع على الكمبيالة.
2- أن يظهر الكمبيالة من جديد على بياض أو لشخص آخر، وفي هذه الحالة يدخل دائرة الالتزام الصرفي فيصبح ملتزما بوصفه موقعا على الكمبيالة تجاه المظهر إليه وغيره من الحملة اللاحقين
3- أن يسلم الكمبيالة للغير دون ملء البياض دون تظهير أي عن طريق المناولة أو التسليم اليدوي، وما دام أنه نقلها بهذه الطريقة دون أن يوقع عليها فإنه لا يدخل حلبة الالتزام الصرفي.
الفقرة الثالثة: التظهير للحامل
أجاز القانون أن يكون تظهير الكمبيالة للحامل، ويعتبر هذا التظهير بمثابة تظهير على بياض، حيث نصت المادة 167 م ت على ذلك بقولها: "يعد التظهير للحامل بمثابة تظهير على بياض".
ويتم التظهير للحامل بتوقيع المظهر على الكمبيالة بعد كتابة لفظة للحامل "ادفعوا لحاملها" أو أي عبارة تفيد نفس المعنى.
ويمكن لحامل الكمبيالة أي المظهر إليه أن يظهر هو كذلك هذه الورقة لشخص معين باسمه أو للحامل أو على بياض.




المبحث الثاني: أنواع التظهير
يعد التظهير الوسيلة الاعتيادية لانتقال الكمبيالة من المظهر إلى المظهر إليه إلا أن هذا التظهير يختلف باختلاف الغرض المقصود منه.
وهكذا يكون التظهير على ثلاثة أنواع: التظهير التام أو الناقل للملكية، التظهير التوكيلي والتظهير التأميني.
المطلب الأول: التظهير التام أو الناقل للملكية
يقصد بالتظهير الناقل للملكية ذلك التصرف القانوني الذي يهدف إلى نقل الحق الثابت في الكمبيالة من المظهر إلى المظهر إليه، ويعتبر كل تظهير للكمبيالة سواء كان للحامل أو على بياض أو اسمي، على وجه الكمبيالة أو على ظهرها تظهيرا ناقلا للملكية ما لم يتضمن عبارة تفيد التوكيل أو التأمين.
وباعتبار التظهير تصرف قانوني فلا بد من توافر الشروط الواجب توافرها في أي تصرف قانوني آخر، وهذه هي الشروط الموضوعية، إضافة إلى شروط شكلية أخرى باعتبار التظهير تصرف قانوني صرفي.
الفقرة الأولى: شروط التظهير
البند الأول: الشروط الموضوعية
أولا: الأهلية: يجب أن يتوفر المظهر على الأهلية اللازمة لتعاطي العمل التجاري حتى يعتد بتظهيره، وهي نفس الأهلية الواجب توافرها في الساحب عند إنشائه الكمبيالة.
أما بالنسبة للمظهر إليه فيشترط فيه الأهلية اللازمة لتلقي الحقوق، وهي أهلية الوجوب، فهذه الأهلية تكفي في المظهر إليه، لأنه يتلقى الكمبيالة أي يصبح حاملا لها فهو لا يوقع عليها فلا يقع عليه أي التزام صرفي، أما إذا أراد هو الآخر تظهيرها، فهنا سيصبح مظهرا ولا بد عندئذ من توافر الأهلية المشترطة في المظهر ما دام أنه سيوقع على الكمبيالة.
ثانيا: الرضا: لكي ينشأ التظهير لا بد أن يعبر المظهر عن إرادته بصراحة وذلك بتوقيعه على الكمبيالة، فهذا التوقيع هو المعبر الوحيد عن إرادة المظهر في نقله ملكية الكمبيالة إلى المظهر إليه، كما يجب أن يكون هذا التعبير خاليا من الشوائب أي سليما من عيوب الرضا كالغلط والتدليس والإكراه والغبن.
أما بالنسبة لرضا المظهر إليه فلا بد من قبوله لهذا التظهير، فلا يمكن تصور تظهير كمبيالة لفائدة شخص يرفض نقل الكمبيالة إليه. ورضا المظهر إليه قد يكون صريحا، بتعبيره بأية وسيلة عن هذا الرضا، أو ضمنيا كأن يتسلم الكمبيالة المظهرة إليه.
ثالثا: الصفة: يشترط أن يصدر التظهير عن ذي صفة أي من الحامل الشرعي للسند سواء كان مالكا لها أو نائبا عن مالكها (كما هو الشأن بالنسبة للأشخاص الاعتبارية حيث يقوم مدير الشركة بتظهير الكمبيالات التي تعود للشركة، أو التظهير الذي يقوم به السنديك للكمبيالات التي تعود لكثلة الدائنين)، ويقصد بشرعية الحامل أي المستفيد الأصلي أو من آلت إليه الكمبيالة بمقتضى سلسلة غير منقطعة من التظهيرات (م 170 م ت)
وعليه فالشخص الذي تؤول إليه الكمبيالة بطريقة غير شرعية كأن تكون مظهرة للحامل أو على بياض فيسرقها هذا الشخص أو يعثر عليها، فلا يعتبر حاملا شرعيا لها وبالتالي لا يمكنه نقل ملكيتها أي تظهيرها، لأنه ليست له الصفة لذلك
رابعا: المحل: يقصد بالتظهير تنازل أو نقل الحق الثابت في الكمبيالة من المظهر إلى المظهر إليه، فهذا الحق الثابت هو الذي يشكل محل الكمبيالة، وهو عبارة عن مبلغ من النقود المتضمن في الكمبيالة، ويشترط القانون أن يرد التظهير على هذا المبلغ كاملا، ومن ثم فإن التظهير الجزئي يقع باطلا. (م 167 فق 5)
خامسا: السبب: هو عبارة عن علاقة ناشئة بين المظهر والمظهر إليه، والتي جعلت الأول ينقل ملكية الكمبيالة إلى الثاني، فهي نفس العلاقة التي يمكن أن تجمع الساحب بالمستفيد والتي أدت إلى سحب الكمبيالة، لذا فهنا أيضا بالنسبة لسبب التظهير يجب أن يكون مشروعا وغير مخالف للنظام العام وحسن الآداب تحت طائلة بطلان هذا التظهير (تظهير كمبيالة لتسوية دين قمار أو لأجل استمرار علاقة غير مشروعة).
البند الثاني: الشروط الشكلية
أولا: الكتابة
ما دام أن الكمبيالة لم ترد فيها شرط "ليست لأمر" فإنها تكون قابلة للانتقال عن طريق التظهير، وهكذا يمكن للمستفيد أن ينقل ملكيتها إلى شخص آخر، ويتم هذا التظهير كتابة (م 167 ) على الكمبيالة نفسها أو على الوصلة وذلك عن طريق توقيع المظهر الذي لا بد أن يرد كتابة بخط اليد.
وتعتبر الكتابة شرط ضروري لنشوء التظهير وكذا لإثباته.
وتختلف الكتابة هنا بحسب ما إذا ورد هذا التظهير من على ظهر الكمبيالة أو على وجهها أو على الوصلة:
- إذا حصل التظهير على ظهر الكمبيالة أو ظهر الوصلة فيكفي أن يضع المظهر توقيعه المجرد أي غير مقرون بأي صيغة تفيد معنى التظهير وهذا ما يسمى بالتظهير على بياض.
- أما إذا وقع التظهير على وجه الكمبيالة فإن توقيع المظهر وحده لا يكفي بل لا بد من أن يضع صيغة تفيد معنى التظهير كأن يقول مثلا: "انقلوا مبلغ الكمبيالة إلى فلان..." أو "ادفعوا مبلغ الكمبيالة ..." وإلا اعتبر ضمانا احتياطيا.
ثانيا: تأريخ التظهير
تنص المادة 173 م ت على أنه: "يعتبر التظهير بلا تأريخ محررا قبل انصراف الأجل المعني لإجراء الاحتجاج ما لم يثبت خلاف ذلك".
يستفاد من ذلك أن التظهير قد يكون مؤرخا وغير مؤرخ، فهو جائز في كلتا الحالتين حيث لا يعتبر بيانا إلزاميا بيد أنه لا يخلو من أهمية.
والتظهير المؤرخ يأتي حسب الحالات التالية:
1- قد يحصل التظهير قبل ميعاد استحقاق الكمبيالة، أو هذا هو الأصل، حيث يكون صحيحا وينتج كافة آثاره القانونية.
2- قد يحصل بعد ميعاد استحقاق الكمبيالة، وهنا نميز بين حالتين:
+ قد يأتي التظهير بعد ميعاد الاستحقاق ولكن قبل تقديم احتجاج عدم الوفاء للكمبيالة، أو قبل انصراف الأجل المحدد لتقديم هذا الاحتجاج، فهنا يعتبر التظهير صحيحا كالتظهير المحرر قبل ميعاد الاستحقاق لأن حلول أجل الاستحقاق لا يجعل حياة الكمبيالة تنتهي، بل فقط يجعلها مستحقة الأداء ( م 173 م ت)
+ وقد يأتي هذا التظهير بعد ميعاد الاستحقاق ولكن بعد تقديم الاحتجاج أو بعد انصرام الأجل المحدد لذلك، ففي هذه الحالة لا يعتبر التظهير صحيحا، بل فقط حوالة عادية (م 173) ذلك أن تقديم الاحتجاج أو انصرام أجل تقديمه يوقف حياة الكمبيالة فلا يمكن تداولها بعد ذلك عن طريق التظهير.
وعموما يمكن القول بأن وضع تاريخ التظهير مسألة ليست إلزامية لكن ما تم وضع هذا التاريخ يجب أن يكون حقيقيا لا مزورا وإلا عرض صاحبه للجزاء الجنائي (الفصلين 354 و357 من القانون الجنائي)
أما بالنسبة للتظهير غير المؤرخ فيعتبر حاصلا قبل انصرام أجل الاحتجاج وبالتالي فهو تظهير صحيح، إلا أن هذه القرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس.
الفقرة الثانية: آثار التظهير الناقل للملكية
يترتب عن التظهير التام أو الناقل للملكية الآثار التالية:
أولا: انتقال الحق الثابت في الكمبيالة من المظهر إلى المظهر إليه.
لقد نصت المادة 168 م ت أن: "التظهير ينقل جميع الحقوق الناشئة عن الكمبيالة"، بعبارة أخرى انتقال الكمبيالة ومقابل الوفاء من المظهر إلى المظهر إليه حيث تنتقل الكمبيالة بشروطها الإلزامية والاختيارية وجميع حقوق الناشئة عنه من رهون وضمانات وغيرها من حقوق فرعية متصلة بهذه الكمبيالة.
وتنشأ عن هذا التظهير علاقة جديدة مستقلة عن سابقتها، ويعتبر المظهر ساحبا جديدا متضامنا مع الساحب الأول على أداء ووفاء الكمبيالة، أمام المظهر إليه فيعتبر مستفيدا جديدا في حين يبقى المسحوب عليه دائما هو نفس المسحوب عليه
ثانيا: التزام المظهر بضمان الوفاء والقبول
يضمن المظهر الوفاء والقبول ما لم يرد شرط في الكمبيالة بخلاف ذلك (م 169 فق 1)، أي أن القانون أجاز استبعاد هذا الضمان بتضمين الكمبيالة شرطا يقضي بخلاف ذلك. كما أجاز المشرع للمظهر أن يمنح تظهيرا جديدا فإن خالف المظهر إليه هذا الشرط فإن المظهر المشترط لا يلزم بالضمان تجاه الأشخاص الذين ظهرت إليهم الكمبيالة لاحقا (م 169 فق 2). ويقع التحلل في حالة اشتراط "عدم التظهير من جديد" من ضمان الوفاء والقبول معا. وكذلك الشأن في حالة إدراج المظهر شرطا عاما بتحلل من الضمان دون بيان ما إذا كان الأمر يتعلق بالقبول والوفاء، فإن هذا الشرط يؤول على أنه إعفاء من ضمان الوفاء والقبول معا.




ثالثا: حق الرجوع المظهر إليه على كل الملتزمين بالكمبيالة
لقد نصت المادة 201 على فكرة الالتزام الصرفي أو التضامن الصرفي وحددت نطاقها وقواعد المتابعة بشأنها، حيث أن جميع الساحبين للكمبيالة أو القابلين لها والمظهرين والضامنين الاحتياطيين، ملزمون بالتضامن نحو الحامل ومن حق الحامل أن يوجه دعوى ضد جميع هؤلاء الأشخاص فرادى أو جماعات ودون أن يكون ملزما بإتباع الترتيب الذي صدر به التزامه، ويتمتع بالحق نفسه كل موقع على الكمبيالة أوفى بمبلغها ولا تمنع الدعوى المقامة على أحد الملتزمين من إقامة الدعوى ضد الآخرين، ولو كانوا لا حقين لمن قيست عليهم الدعوة أولا.
وهكذا إذا جوبه الحامل أي المظهر إليه بالرفض بالوفاء من طرف المسحوب عليه، فإن له الحق بالرجوع على المظهر وبقية الملتزمين بالكمبيالة اللهم إذا أعفى أحدهم نفسه من ضمان الوفاء – باستثناء الساحب الذي لا يمكنه أن يعفي نفسه من ضمان الوفاء – وذلك دون أن يلتزم بترتيب معين في هذا الرجوع.
إلا أنه قد يكون المظهر إليه هو الساحب أي أنه سحب كمبيالة فتم تداولها ثم آلت إليه عن طريق التظهير، فهنا لا يمكن لهذا المظهر إليه الرجوع لا على مظهره ولا على مظهرين السابقين له لأنهم يضمنهم جميعا بصفته ساحبا، ويكون له الحق في الرجوع على المسحوب عليه القابل الذي يعتبر هو المدين الرئيسي في الكمبيالة.
رابعا: انتقال الحقوق مظهرة من الدفوع (قاعدة عدم سريان الدفوع)
إن الحقوق التي تنتقل إلى المظهر إليه بعد التظهير يجب أن تنتقل إليه مظهرة وخالية من كل الدفوع وهذا ما يعرف بقاعدة "عدم التمسك بالدفوع".
1- معنى قاعدة عدم التمسك بالدفوع:
يقصد بهذا المبدأ حرمان المدين في الكمبيالة من التمسك ضد الحامل حسن النية بالدفوع المستمدة من علاقاته الشخصية بالساحب أو الحملة السابقين، فمثلا لا يجوز للمسحوب عليه القابل للكمبيالة أن يدفع ضد الحامل حسن النية بعدم وجود مقابل الوفاء الذي يمكن أن يدفع به ضد الساحب كما لا يمكن أن يدفع ضد الحامل حسن النية بانقضاء الالتزام بالإبراء أو اتحاد الذمة أو المقاصة التي يمكن أن تثبت له إزاء حامل سابق أو إزاء الساحب، فلنفرض مثلا إن المستفيد أي الحامل الأول للكمبيالة كان مدينا للمسحوب عليه القابل بمبلغ يساوي مبلغ الكمبيالة، إذن فلو عاد المستفيد على هذا المسحوب عليه فإن من حق المسحوب عليه أن يتمسك إزاء هذا الحامل أي المستفيد بالمقاصة بين الدينين، ويقوم بعد ذلك هذا المستفيد بتظهير الكمبيالة إلى شخص آخر، فهذا المظهر إليه أي الحامل الجديد يستطيع الرجوع على المسحوب عليه الذي يجب عليه أن يوفي بمبلغ الكمبيالة ولا يستطيع أن يواجهه بالمقاصة التي كان يمكن أن يواجه بها المستفيد الأول أي المظهر.
وعليه فإن تلك العلاقات السابقة لا تؤثر على حق الحامل ما دام أنه حسن النية (م 171 م ت)، ويؤدي تطبيق هذا المبدأ إلى ازدياد الثقة بالكمبيالة والإقبال على التعامل بها، ما دام أن الأشخاص يعلمون مسبقا بأنهم أن يفاجئوا بأي دفع يقضي على حقهم.
وتطبق هذه القاعدة على جميع الأشخاص الذين يتحملون بالالتزام الصرفي، ولا يستثنى من أثرها سوى المسحوب عليه الذي لم يقبل ولم يوقع على الكمبيالة بالقبول، إذ يكون من حقه أن يتمسك بالدفوع الشخصية إزاء الحامل.
2- نطاق قاعدة عدم التمسك بالدفوع:
لا يجوز التمسك بقاعدة سريان الدفوع إلا إذا انتقلت الكمبيالة عن طريق التظهير، بحيث تتعطل هذه القاعدة إذا ما انتقلت الكمبيالة عن طريق الحوالة العادي، كما أن تطبيق هذه القاعدة ليست مطلقة فهناك دفوع لا يظهرها التظهير في مواجهة الحامل حتى ولو كان حسن النية بحيث يمكن التمسك بها في مواجهته، وتتمثل هذه الدفوع في:
* الدفع ببطلان الكمبيالة: بحيث يجوز التمسك بهذا الدفع في مواجهة الكافة، وضمنهم الحامل سواء كان حسن أو سيء النية، وذلك لخلو الكمبيالة من بيان أو أكثر من البيانات الإلزامية المنصوص عليها في م 159 م ت، لأن الحامل هنا لا يحتاج إلى حماية ما دام لم يحمي نفسه لأنه بإمكانه التعرف على هذه العيوب الشكلية بمجرد إطلاعه على الكمبيالة.
* الدفع بنقصان الأهلية أو انعدامها: يجوز للقاصر غير التاجر ولعديم الأهلية أن يتمسكا بالدفع بنقصان الأهلية أو انعدامها تجاه سائر الموقعين على الكمبيالة، وضد الحامل ولو كان حسن النية، وذلك حماية للقصر من تعسف واستغلال الراشدين (م164 م ت)
* الدفوع الشخصية المستمدة من العلاقة بين المدين المدعي عليه والحامل المدعي: إذا كان لا يجوز للأشخاص المدعى عليهم بسبب الكمبيالة أن يتمسكوا تجاه الحامل الحسن النية بالدفوع المستمدة من علاقاتهم الشخصية بالساحب أو بحاميلها السابقين (م171 م ت)، فإنهم يملكون حق استعمال سائر الدفوع تجاه الحامل إذا كانت مستمدة في العلاقات الشخصية الرابطة بينهم وبين الحامل، فمثلا يكون المظهر قد وقع في عيب من عيوب الرضا أوقعه فيه المظهر إليه، كعملية تدليس أو إكراه، فإذا ما أراد المظهر إليه الحامل الرجوع على هذا المظهر فإن من حق هذا الأخير أن يتمسك ضده بالدفع بعيوب الرضا، ما دام أن هذا الدفع متصل بعلاقة الحامل المدعي أي المظهر إليه والمدعى عليه أي المظهر في هذا المثال.
المطلب الثاني: التظهير التوكيلي (Endossement de Procuration)
الفقرة الأولى: مفهوم التظهير التوكيلي
يقصد بالتظهير التوكيلي توكيل المظهر المظهر إليه من أجل قبض واستيفاء مبلغ الكمبيالة، واتباع الإجراءات القانونية للوصول إلى هذه الغاية كالتقديم والاحتجاج وغيرهما.
وكل حامل للكمبيالة يستطيع أن يظهرها تظهيرا توكيليا إلى شخص آخر (طبيعي أو معنوي) لاستيفاء مبلغها بالنيابة عنه، وغالبا ما يتم ذلك مع الأبناك حيث ينيبها زبناؤها في تحصيل الكمبيالات المستحقة لفائدتهم.
أما من حيث شكل هذا التظهير التوكيلي فيجب أن تتوفر فيه تلك الشروط التي رأيناها في التظهير التام، إضافة إلى وضع عبارة أو ألفاظ تفيد معنى التظهير التوكيلي كوضع عبارة "لاستخلاص" أو "من أجل استيفاء" أو "للتوكيل"، أو أية عبارة أخرى تفيد مجرد التوكيل (م172)
هذا ولا يترتب عن إغفال مثل هذه العبارات بطلان هذا التظهير ولكن يعتبر عندئذ تظهيرا ناقلا للملكية وليس تظهيرا توكيليا، لأن الأصل في التظهير أنه ناقل للملكية ما لم ينص على خلاف ذلك طرف
الفقرة الثانية: آثار التظهير التوكيلي
تختلف هذه الآثار بالنسبة لعلاقة المظهر بالمظهر إليه وبالنسبة للغير.
أولا: آثار التظهير التوكيلي في علاقة المظهر بالمظهر إليه
+ باعتبار أن المظهر إليه هو وكيل فيجب عليه أن ينفذ كل التعليمات الصادرة إليه من موكله المظهر طبقا للقواعد العامة المنصوص عليها في ق.ل.ع (المواد من 879 إلى 943) مع مراعاة بعض الاستثناءات التي تقتضيها طبيعة الكمبيالة.
+ أن يمارس المظهر إليه الوكيل جميع الحقوق الناجمة عن الكمبيالة كالقبول والوفاء وتقديم الاحتجاج، و        ذلك تحت طائلة المسؤولية التي يمكن أن تقع عليه إذا قصر في اتخاذ مثل هذه الإجراءات وإلحاق أضرارا بالمظهر الموكل.
+ لا يجوز للمظهر أي الوكيل أن يظهر الكمبيالة تظهيرا تاما، لأن الحق لا زال لصاحبه المظهر، ولأن الحامل مجرد وكيل، إلا أنه يسوغ له أن يظهر الكمبيالة بدوره تظهيرا توكيليا فقط (م172) ما لم يشترط المظهر عدم التظهير الكمبيالة من جديد ولو تظهيرا توكيليا.
+ لا تنتهي وكالة المظهر إليه الوكيل بوفاة الموكل المظهر أو بفقدانه لأهليته (م 172 فق 3) خلافا للقواعد العامة لعقد الوكالة (ف 929 ق.ل.ع)، إلا أنهل تنتهي بموت الوكيل المظهر إليه، أو تنازله عن الوكالة أو العزل أو إلغاء التظهير التوكيلي أو انتهاء الأجل التي منحت لغايته..
ثانيا: آثار التظهير التوكيلي بالنسبة للغير.
المقصود بالغير هنا هم الأشخاص الموقعين على الكمبيالة من غير المظهر،
+ يمكن للمسحوب عليه ولباقي الملتزمين في التظهير التوكيلي ولكل مدين بصفة عامة أن يتمسك ضد الحامل الوكيل المظهر إليه بجميع الدفوع التي يسوغ لهم التمسك ضد المظهر الموكل لأن التظهير هنا توكيلي وليس ناقلا للملكية، ولا الحق حق للمظهر الموكل ولم ينتقل إلى المظهر إليه الوكيل (م172 فق2).
+ لا يسوغ للمسحوب عليه ولباقى الملتزمين وللحامل المظهر إليه (الوكيل) التمسك بالدفوع الشخصية المستمدة من العلاقات الخاصة التي تربط بينهم، لأن المظهر إليه هنا يطالب بالوفاء بدين المظهر لا بدينه الشخصي أي أنه مجرد وكيل.
المطلب الثالث: التظهير التأميني (Endossement Pignoratif)
الفقرة الأولى: مفهوم التظهير التأميني:
يقصد بالتظهير التأميني تظهير الكمبيالة على وجه الرهن لضمان قرض أو دين سواء كان مدنيا أو تجاريا، وقد نظمت هذا النوع من التظهير الذي لا يقع إلى نادرا وفي إطار العمليات المصرفية أو البنكية الفقرة الرابعة من المادة 172 م ت التي جاء فيها: "يجوز للحامل متى تضمن التظهير عبارة (مبلغ على وجه الضمان) أو (مبلغ على وجه الرهن) أو أية عبارة أخرى تفيد الرهن أن يمارس جميع الحقوق المتفرعة عن الكمبيالة..."
ولنشوء هذا التظهير يجب أن تتوافر فيه تلك الشروط المتطلبة في التظهير الناقل للملكية إضافة إلى استعمال الألفاظ التي تفيد معنى التظهير التأميني وإلا اعتبر تظهيرا ناقلا للملكية.
الفقرة الثانية: آثار التظهير التأميني
1- للمظهر إليه المرتهن أن يمارس كل الحقوق المتفرعة عن الكمبيالة، وهكذا يمكنه الرجوع في ميعاد الاستحقاق وتقديم الاحتجاج، وهو حين يطالب بالوفاء فإنه يطالب بذلك باسمه الخاص ولحسابه لأنه ليس وكيلا للمظهر، لهذا فإنه يمكن تطبيق قاعدة عدم التمسك بالدفوع هنا، وتطبق حسب القواعد التي سبقت دراستها في إطار التظهير الناقل للملكية (م 172 فق 5)
2- بالنسبة لحلول ميعاد استحقاق الكمبيالة وحلول أجل الدين الذي تضمنه هذه الكمبيالة فإن الأمر لا يخلو من ثلاث فرضيات:
+ قد يحل ميعاد استحقاق الكمبيالة وأجل الدين في وقت واحد، هنا إما أن يتقدم المظهر الراهن ويفي بدينه للمظهر إليه المرتهن ويتسلم الكمبيالة، أو لا يتقدم للوفاء بدينه، وهنا يستطيع المظهر إليه المرتهن الرجوع على الملتزمين بالكمبيالة واستيفاء مبلغها وفق القواعد العامة للكمبيالة.
+ قد يحل ميعاد استحقاق الكمبيالة قبل حلول أجل الدين، فهنا يكون من حق المظهر إليه المرتهن استيفاء مبلغ الكمبيالة، ويتحول الضمان أو الرهن تلقائيا من الكمبيالة إلى النقود، أي يصبح الرهن أو الضمان ورادا على النقود بدلا من الكمبيالة.
+ وقد يحل ميعاد الدين قبل ميعاد استحقاق الكمبيالة، فمن حق المظهر إليه المرتهن أما الرجوع على مدينه فورا ومطالبته بدينه، أو انتظار ميعاد استحقاق الكمبيالة واستيفاء مبلغها. أما إذا كان المدين عاجزا عن الوفاء، حق للمظهر إليه المرتهن استعمال حق الحبس أي الإبقاء على الكمبيالة بين يديه إلى أن يقع الوفاء من طرف المظهر الراهن أو حلول تاريخ استحقاقها لاستيفاء مبلغها طبقا للمادة 1184 ق.ل.ع. والمادة 337 م ت.
3- لا يسوغ للمظهر إليه المرتهن أن يظهر كمبيالة الضمان مرة ثانية سوى تظهيرا توكيليا (م172 فق4)
الفصل الثالث: ضمانات الوفاء في الكمبيالة:
يتضمن قانون الصرف الذي يحكم الأوراق التجارية عدة ضمانات للوفاء بقيمة الكمبيالة لكي يطمئن الحامل للحصول على حقه، وحتى تؤدي هذه الورقة التجارية وظائفها الاقتصادية كأداة وفاء وائتمان.
ومن هذه الضمانات نجد: مقابل الوفاء ووصول القيمة، القبول والضمان الاحتياطي




المبحث الأول: مقابل الوفاء ووصول القيمة
المطلب الأول: مقابل الوفاء
مقابل الوفاء هو دين الساحب على المسحوب عليه أو هو سبب العلاقة التي على أساسها أصدر الساحب أمره للمسحوب عليه عند تحرير الكمبيالة فهو المؤونة أو الرصيد.
ويشترط في مقابل الوفاء عدة شروط:
1- أن يرتكز على سبب وأن يكون السبب مشروعا، إلا أن بطلان مقابل الوفاء لسبب غير مشروع لا يؤدي إلى بطلان الكمبيالة، لأن مقابل الوفاء ليس من البيانات الإلزامية، ما لم يكن الحامل قد تعمد باكتسابه الكمبيالة الإضرار بالمدين.
2- أن يكون محل مقابل الوفاء مبلغا من النقود.
3- أن يكون دين الساحب على المسحوب عليه مساويا على الأقل لمبلغ الكمبيالة (م 166 م ت)
4- أن يكون مقابل الوفاء موجودا وقابلا للتصرف فيه أو جاهزا وناجزا ومعينا أو مقدرا ومستحقا في تاريخ الاستحقاق (م 166 م ت)، ووجود مقابل الوفاء هنا لا يشترط عند إنشاء الكمبيالة أو إصدارها وإنما يشترط أن يتوفر في تاريخ استحقاقها، وهذا ما تنفرد به الكمبيالة عن الشيك الذي يشترط فيه عنده إصداره أو إعطائه قيام ووجود مقابل الوفاء (المؤونة أو الرصيد) تحت طائلة جريمة إصدار شيك بدون رصيد أو بدون مؤونة. ويقدم مقابل الوفاء الساحب أو الشخص الذي تسحب الكمبيالة لحسابه، ويقع عبء الإثبات على عاتقهما.
المطلب الثاني: وصول القيمة
وصول القيمة هو دين المستفيد أو الحامل على الساحب أو المظهر إليه على المظهر، أو هو سبب العلاقة التي تربط المستفيد أو الحامل بالساحب أو المظهر بالمظهر إليه. ويعتبر بيان وصول القيمة بيانا اختياريا، حيث لا يترتب على تخلفه بطلان الكمبيالة، لكن متى ذكر هذا السبب في الكمبيالة يجب أن يكون مشروعا غير مخالف للنظام العام والأخلاق والآداب تحت طائلة بطلان الكمبيالة.
ويستطيع الساحب في علاقة وصول القيمة أن يتمسك هذا المستفيد الأول، والمظهر ضد المظهر إليه بالدفوع الشخصية الأصلية، كدفع بعدم مشروعية السبب أو الفسخ مثلا، إلا أن تظهير الكمبيالة يطهرها من الدفوع (م 171 م ت).
المبحث الثاني: القبول (L'Acceptation)
المطلب الأول: مفهوم القبول وطبيعته وخصائصه
الفقرة الأولى: مفهوم القبول
لكي يصبح المسحوب عليه ملتزما بالكمبيالة فلا بد من ورود توقيعه عليها، فتوقيع المسحوب عليه هذا هو ما يسمى بالقبول، فمناط الالتزام الصرفي للمسحوب عليه هو التوقيع على الكمبيالة، أما ذكر اسمه فلا يكفي لإلزامه بهذه الورقة التجارية.
وهكذا يمكن تعريف القبول بأنه: "ذلك التعهد الحاصل على الكمبيالة والذي يلتزم بمقتضاه المسحوب عليه بأداء مبلغ الكمبيالة إلى المستفيد عند تقديمها له في ميعاد الاستحقاق."
وليس هناك ما يلزم المسحوب عليه على قبول الكمبيالة حتى وإن كان مدينا فعلا للساحب، لأنه يمكن للمسحوب عليه أن يفضل تسوية دينه بطريقة عادية ولا يريد الدخول في نطاق الالتزامات الصرفية.
لكن متى قبل هذا المسحوب عليه الكمبيالة بالتوقيع عليها يلتزم بأداء مبلغها لحاملها، حيث يصبح المسحوب عليه القابل المدين الأصلي تجاه الحامل ويحل محل الساحب الذي كان المدين الرئيسي بمبلغ الكمبيالة (م 178).
الفقرة الثانية: طبيعة وخصائص التقديم للقبول
أولا: وجوب تقديم الكمبيالة للقبول
يمكن لأي شخص يحوز الكمبيالة أن يقدمها للمسحوب عليه قصد التوقيع عليها بالقبول، ولا يهم فيما إذا كان هذا الشخص حاملا شرعيا أو غير شرعي، كما أن تقديم الكمبيالة للمسحوب عليه للقبول مسألة اختيارية، بحيث من حق الحامل أن يقدمها للقبول أو ينتظر حلول ميعاد الاستحقاق للمطالبة بالوفاء.
إلا أن تقديم الكمبيالة للقبول يصبح أمرا إلزاميا في حالتين: الحالة الأولى قانونية والثانية اتفاقية.
1- إذا نص القانون على ذلك: وذلك في حالة الكمبيالة المستحقة بعد مدة من الإطلاع، بحيث يكون واجبا على الحامل أن يقدمها للقبول داخل سنة ابتداء من تاريخ تحريرها (م 174 فق 6). ذلك أن تقديم الكمبيالة للقبول في هذه الحالة أمر ضروري لأن من تاريخ تقديمها للقبول يبدأ احتساب المدة لمعرفة ميعاد الاستحقاق.
كما يوجد نص قانوني خاص كذلك يلزم المسحوب عليه بقبول الكمبيالات التي أنشئت لتنفيذ اتفاق وقع بين تاجرين أو أكثر بقصد التزود بالبضائع (م 174 فق 7)
2- إذا اشترط الساحب ذلك: يلتزم الحامل إذا اشترط الساحب تقديم الكمبيالة للقبول مع تعيين أجل ذلك أو بدونه بأن يقدم هذه الكمبيالة للمسحوب عليه من أجل القبول كأن يقدمها مثلا خلال 10 أيام من تحريرها إذا عين له الساحب هذا الأجل أو غيره، أما إذا لم يحدد أي مدة فإن الكمبيالة يمكن تقديمها للقبول في المدة التي تمتد من تاريخ إنشائها إلى حين حلول ميعاد استحقاقها إذا كانت الكمبيالة مستحقة الوفاء في تاريخ معين أو بعد مدة من إنشائها.
كما أن شرط التقديم للقبول يمكن أن يوضع من طرف أحد المظهرين مع تعيين أجل لذلك أو بدونه ما لم يكن الساحب قد منع تقديمها للقبول.
أما إذا لم يقم الحامل بتقديم الكمبيالة للقبول وأهمل "شر التقديم للقبول" وتقاعس عن تقديمها إلى المسحوب عليه في الأجل المحدد لذلك فإنه يفقد حقه في الرجوع على باقي الملتزمين بضمان الوفاء وضمان القبول.
وإذا كان لا يمكن للحامل في هذه الحالة أن يلاحق الساحب كذلك بضمان القبول، فإنه يحافظ على حقه إزاءه بضمان الوفاء ما لم يثبت الساحب وجود مقابل الوفاء في تاريخ الاستحقاق، حيث لا يبقى للحامل المهمل الحق بالمطالبة بالوفاء اتجاه المسحوب عليه (م 206 م ت).
ثانيا: شرط عدم القبول
رأينا أنه يحق للساحب وكذا المظهر أن يضع شرط التقديم الإلزامي للقبول، إلا أن شرط عدم القبول هو من حق الساحب وحده.
وهكذا يمكن للساحب أن يمنع تقديم الكمبيالة للقبول وذلك بإدراجه لشرط "عدم القبول" أو شرط "عدم التقديم للقبول"، وبالتالي لا يمكن للحامل أن يقدمها للمسحوب عليه من أجل قبولها بل عليه أن ينتظر حلول ميعاد الاستحقاق ومطالبته بالوفاء.
إلا أن المشرع منع على الساحب إيراد هذا الشرط في ثلاث حالات نصت عليها م 174 فق 3:
1- عندما تكون الكمبيالة مستحقة الوفاء بعد مدة من الإطلاع
2- عندما تكون مستحقة عند شخص ثالث غير المسحوب عليه
3- عندما تكون مستحقة في بلدة غير موطن المسحوب عليه
المطلب الثاني: شروط القبول
الفقرة الأولى: الشروط الموضوعية
باعتبار أن القبول هو تصرف قانوني كبقية التصرفات القانونية الأخرى وخاصة منها تلك التصرفات التي رأيناها (كالتظهير مثلا)، لذا فإن الشروط الموضوعية المتطلبة في القبول هي نفسها التي رأيناها في التظهير من رضا وأهلية ومحل وسبب.
الفقرة الثانية: الشروط الشكلية:
يخضع القبول إلى مجموعة من الشروط الشكلية نجملها في ما يلي:
أولا: الكتابة
لكي ينشأ القبول صحيحا وينتج كافة آثاره يجب أن يحصل كتابة، وتعد الكتابة شكلية وجود وانعقاد وإثبات، ويعبر عن القبول بلفظة "قبل" أو أية لفظة أو عبارة تفيد نفس المعنى مع توقيع المسحوب عليه، ولا تغني الصيغة عن التوقيع، في حين يغني التوقيع عن الصيغة إذا تم على وجه الكمبيالة (م176)، أما إذا تم القبول أي التوقيع على ظهر الكمبيالة فلا بد من ذكر صيغة تفيد القبول حتى لا يختلط الأمر بالتظهير.
والقبول يجب أن يتم على الكمبيالة ذاتها، إذ لا يقبل القبول المسجل على ورقة مستقلة أو وصلة وإنما يعد التزاما عاديا خاضع لـق.ل.ع.
ثانيا: تأريخ القبول
لا يشترط مبدئيا في القبول أن يكون مؤرخا إلا في حالتين وهما:
1- في الكمبيالة المستحقة الأداء بعد مدة من الإطلاع، لأن حساب هذه المدة لا يتأتى إلا إذا قدمت الكمبيالة إلى المسحوب عليه وقبلها وأرخ هذا القبول.
2- عقد اشترط تقديم الكمبيالة للقبول في أجل معين، وذلك للتعرف على ما إذا كان الحامل قد احترم الأجل المعين أو أخل بالاتفاق فيعد حينذاك حاملا مهملا.
المطلب الثالث: آثار القبول
تترتب على توقيع المسحوب عليه بالقبول آثار هامة، لكن المسحوب عليه ليس ملزما بقبول الكمبيالة وبالتالي يمكنه رفض قبولها الذي يترتب عليه أيضا عدة نتائج.
الفقرة الأولى: الآثار المترتبة عن قبول المسحوب عليه للكمبيالة
أولا: علاقة المسحوب عليه القابل بالحامل
- يترتب على القبول نشأة التزام صرفي في ذمة المسحوب عليه يلزمه بأداء مبلغ الكمبيالة في تاريخ الاستحقاق للحامل ولو كان هو الساحب، إذ بقبوله يصبح المسحوب عليه هو المدين الرئيسي بدلا من الساحب قبل القبول.
- يفترض القبول وجود مقابل الوفاء لدى المسحوب عليه قرينة قطعية لا تقبل إثبات العكس في علاقة المسحوب عليه بالحامل الحسن النية وباقي المظهرين الحاملين، وقرينة بسيطة تعاقدية في علاقة المسحوب عليه بالساحب (م 166).
- إذا كان المسحوب عليه لا يستطيع أن يتمسك ضد الحامل بالدفوع الشخصية التي تكون له على الساحب أو الحملة السابقين، فإنه على عكس ذلك يستطيع أن يتمسك ضده الدفوع الخاصة أو الشخصية المستمدة من العلاقات التي ترتبط بينهما، أو المستمدة من الكمبيالة ذاتها كتخلف بيان من البيانات الشكلية أو المتعلقة بنقص أهليته إذا كان قاصرا غير تاجر (المادتين 160 و164)
ثانيا: علاقة المسحوب عليه القابل بالساحب
إن القبول يفترض وجود مقابل الوفاء أي أن المسحوب عليه قبل الكمبيالة لكونه مدينا للساحب إلا أن هذه القرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس، فإن ثبت أن الساحب لم يقدم مقابل الوفاء للمسحوب عليه ولم يكن هذا الأخير مدينا له، بل قبل الكمبيالة مجاملة فقط فإن المسحوب عليه يمكنه الرجوع على الساحب بما دفع للحامل.
ثالثا: علاقة المسحوب عليه القابل بالساحب الحامل
في هذه الحالة يكون الساحب هو الحامل في نفس الوقت، وباعتبار هذا الساحب حاملا للكمبيالة فإنه يخوله له حق الرجوع على المسحوب عليه القابل في ميعاد الاستحقاق مطالبا إياه بالوفاء، لكن بالرغم من قبول المسحوب عليه فإنه يبقى له الحق في التمسك ضد الساحب الحامل بأنه قد قبل الكمبيالة دون أن يتلقى مقابل الوفاء، ويقع عبء إثبات وجود مقابل الوفاء أو عدم وجوده إما على الساحب أو على المسحوب عليه وفق الحالتين التاليتين:
- قبل الأداء: أي إذا امتنع المسحوب عليه من الوفاء للساحب الحامل فإن عبء الإثبات يكون على هذا الأخير.
- بعد الأداء: أي إذا أوفى المسحوب عليه بمبلغ الكمبيالة إلى الحامل الساحب فإن عبء الإثبات يقع على المسحوب عليه إذا ما أراد استرداد ما دفع.
رابعا: علاقة الحامل بالساحب والمظهرين
إن الساحب والمظهرين ضامنين للقبول أي يضمنون للحامل قبول الكمبيالة من قبل المسحوب عليه ما لم يكونوا قد اشترطوا شرط عدم ضمان القبول.
وبقبول الكمبيالة من طرف المسحوب عليه فإن كافة الموقعين عليها يتحللون من ضمان القبول، حيث يصبح القابل هو المدين الرئيسي فيها، وبهذا القبول يفقد الحامل حقه في الرجوع على الموقعين قبل تاريخ الاستحقاق ما عدا في الحالات الثلاث المنصوص عليها في المادة 196 م ت
1- في حالة توقف المسحوب عليه عن أداء ديونه
2- في حالة التسوية والتصفية القضائية للمسحوب عليه سواء كان قابل للكمبيالة أو غير قابل لها.
3- في حالة حجز بدون جدوى على أمواله
الفقرة الثانية: آثار رفض القبول
أولا: بالنسبة للمسحوب عليه
يجوز مبدئيا للمسحوب عليه أن يقبل الكمبيالة أو يرفضها، وذلك استنادا إلى مبدأ عام مفاده أن القانون لا يلزم أحدا بالتعامل بالكمبيالة، باستثناء ما نصت عليه المادة 174 م ت.
وهكذا إذا رفض المسحوب عليه قبول الكمبيالة رغم استلامه لمقابل الوفاء فهنا يكون من حق الساحب أن يثبت أنه قدم مقابل الوفاء له ويعود عليه بمقتضى القانون العادي لا بموجب قانون الصرف، لأن هذا المسحوب عليه لم يوقع على الكمبيالة وبالتالي لم يدخل في دائرة الالتزام الصرفي، فلا يمكن الرجوع عليه وفق قواعد قانون الصرف.
ثانيا: بالنسبة للموقعين
إذا رفض المسحوب عليه القبول، فإن الحامل يحق له الرجوع فورا على كافة الموقعين دون انتظار حلول ميعاد الاستحقاق (م 196)، ويتم الرجوع على الملتزمين إما فرادى أو جماعة ودون أن يكون الحامل ملزما باتباع ترتيب معين ما لم يكن أحد الموقعين قد أعفى نفسه من ضمان القبول أو الوفاء أو هما معا.
أما في حالة قبول المسحوب عليه لجزء من الكمبيالة ورفض الجزء الآخر (القبول الجزئي للكمبيالة جائز قانونا) فهنا يكون من حق الحامل الرجوع فورا على كافة الموقعين، ولكن للمطالبة فقط بذلك الجزء المرفوض قبوله، أما بالنسبة للجزء المقبول فما على الحامل إلا انتظار حلول ميعاد الاستحقاق والرجوع على المسحوب عليه القابل لهذا الجزء من أجل الوفاء.
ولا تعتبر دعوى الرجوع الصرفي التي تقع قبل الأوان بسبب رفض القبول واجبة والتزاما يقع على عاتق الحامل، وإنما هي حق خالص له يمكنه أن يستعمله أو لا يستعمله، ولا يعد الحامل مهملا إن تنازل عن استعمال هذا الحق في حالة واحدة وهي حالة الكمبيالة الواجبة التقديم للقبول في أجل معين، فإن تقاعست عن التقديم في هذه الحالة الأخيرة اعتبر الحامل مهملا، وسقط حقه في الرجوع على بقية الموقعين السابقين له، ولا يبقى أمامه سوى الرجوع على الساحب في تاريخ الاستحقاق (م 206)
المطلب الرابع: القبول بالتدخل أو الواسطة
يقصد بالقبول بالتدخل أو الواسطة تدخل أو توسط شخص قد يكون من الغير أو من الموقعين على الكمبيالة لقبول هذه الأخيرة في حالة رفض المسحوب عليه قبولها، وذلك إنقاذا منه لواحد أو أكثر من الموقعين. ويسمى الشخص المتدخل "قابلا بالتدخل" أو "قابلا بالواسطة"، ويسوغ للساحب أو المظهر أو الضامن الاحتياطي أن يعين شخصا في الكمبيالة ليقبلها عند الاقتضاء – غالبا ما يكون بنكا – بالتدخل عندما يمتنع المسحوب عليه عن قبولها (م 215).
ويجب على القابل بالتدخل أن يعين في قبوله الشخص المتدخل لمصلحته، ويجب أن يتم ذلك على الكمبيالة ذاتها، فإن أغفل ذلك اعتبر التدخل صادرا لفائدة الساحب.
ويجب أن يتم القبول بالتدخل على الكمبيالة ذاتها فلا يجوز أن يحصل على الوصلة أو ورقة مستقلة، وذلك بتوقيع القابل بالتدخل مع ذكر الصيغة سواء تم ذلك على وجه الكمبيالة أو على ظهرها. كما يمكن أن يكون القبول بالتدخل جزئيا حيث يحق للحامل في هذه الحالة القيام بدعوى الرجوع الصرفي بالنسبة للجزء الذي لم يتم قبوله بالتدخل، أما الجزء المقبول فعليه انتظار حلول ميعاد الاستحقاق.
المبحث الثالث: الضمان الاحتياطي (L'Aval)
قد يشك أحد الأشخاص في القدرة المالية لأحد الموقعين أو في قدرة كل الموقعين على الوفاء أو الأداء في تاريخ الاستحقاق، فيشترط على الساحب أو المظهر أن يمنحه زيادة في الضمان كفالة شخصية يطلق عليها في قانون الصرف اصطلاح: الضمان الاحتياطي، وهكذا فالشخص الذي يقدم هذا الضمان يسمى الضامن الاحتياطي، أما الذي يقدم لفائدته الضمان الاحتياطي فيسمى المضمون.
المطلب الأول: مفهوم الضمان الاحتياطي وخصائصه
الفقرة الأولى: تعريف الضمان الاحتياطي
الضمان الاحتياطي هو تعهد أحد الموقعين على الكمبيالة أو أحد من الغير الأجنبي عن هذه الورقة تعهدا شخصيا وصرفيا بأداء مبلغ الكمبيالة كاملا، أو في جزء منه، إذا لم يوف به المدين الأصلي المكفول في تاريخ الاستحقاق.
وهكذا يعتبر الضمان الاحتياطي كفالة شخصية لأن الضامن الاحتياطي يتعهد شخصيا بدفع مبلغ الكمبيالة للحامل في تاريخ الاستحقاق، إذا لم يقم الشخص المضمون بالأداء، وكفالة تجارية وصرفية لأن توقيع الضامن الاحتياطي كتوقيع الساحب والمسحوب عليه وغيرهم على الكمبيالة ينهض عملا تجاريا بصرف النظر عما إذا كان الضامن تاجرا أم غير تاجر.
الفقرة الثانية: خصائص الضمان الاحتياطي
أولا: الضامن الاحتياطي: استنادا إلى المادة 180 م ت فإن الضمان الاحتياطي يقدم إما من طرف شخص موقع على الكمبيالة سواء كان الساحب أو المسحوب عليه أو المظهر، وإما من شخص من الغير أجنبي عن الكمبيالة يطمئن إليه الحامل.
وما دام أن الهدف من الضمان هو الزيادة في ضمانات الكمبيالة، فإن الضامن الاحتياطي يمكن أن يكون واحد أو مجموعة من الأشخاص يتدخلون لضمان توقيع أحد الملتزمين بهذه الكمبيالة.
ثانيا: المضمون: رأينا أن الضامن يتدخل لضمان وفاء الكمبيالة، وهكذا فلا بد أن يكون الشخص المقدم لفائدته الضمان أي المضمون هو الآخر ملتزما بوفاء مبلغ الكمبيالة، أي يكون موقعا عليها، وبالتالي فالضمان الاحتياطي لا يقدم إلا لفائدة شخص موقع على الكمبيالة.
ويجب على الضامن الاحتياطي عند تقديمه للضمان أن يعين الشخص الذي يقدم لفائدته هذا الضمان مثلا يعين الساحب أو أحد المظهرين أو المسحوب عليه، وإذا أهمل ذلك فإن ضمانه يعتبر مقدما لفائدة الساحب (م 180) وهذه القرينة قاطعة غير قابلة لإثبات العكس.
ثالثا: الضمان الكلي أو الجزئي: يسوغ للضامن الاحتياطي أن يضمن الوفاء الكلي أو الجزئي لمبلغ الكمبيالة في تاريخ الاستحقاق (م 180)، أي أن الضامن الاحتياطي غير ملزم بضمان مبلغ الكمبيالة بكامله، بل يمكن أن يقصر ضمانه على جزء فقط من مبلغها أي يكون ضمانه جزئيا بشرط أن يبني ويحدد ذلك صراحة وإلا اعتبر ضامنا لكل مبلغ الكمبيالة.
المطلب الثاني: شروط الضمان الاحتياطي
باعتبار توقيع الضامن الاحتياطي هو توقيع على الكمبيالة أي تصرف قانوني صرفي، فلا بد لقيامه من توافر الشروط الموضوعية للتصرفات القانونية من رضا وأهلية ومحل وسبب، والتي رأيناها سابقا، لذلك سنكتفي بالإشارة إلى الشروط الشكلية للضمان الاحتياطي أي شكل الضمان.
الفقرة الأولى: الكتابة
تعتبر الكتابة شكلية نشوء الضمان الاحتياطي إضافة إلى كونها شكلية إثبات، فالضامن الاحتياطي لا بد أن يعبر عن إرادته في الالتزام بالكمبيالة، وهذا التعبير لا بد أن يحصل كتابة.
والكتابة في الضمان الاحتياطي تختلف حسب ما إذا ورد الضمان الاحتياطي على وجه الكمبيالة أو ظهرها:
1- إذا حصل الضمان الاحتياطي على وجه الكمبيالة فإنه يكفي توقيع الضامن الاحتياطي حتى يعتبر توقيعه ضامنا احتياطيا، فالتوقيع المجرد على وجه الكمبيالة يعتبر ضمانا احتياطيا ما لم يكن طبعا توقيع الساحب أو المسحوب عليه (م180).
2- إذا حصل الضمان الاحتياطي على ظهر الكمبيالة فإن الكتابة هنا تعني التوقيع ثم الصيغة، أي عبارة تفيد معنى الضمان الاحتياطي، فهنا لا يكفي التوقيع المجرد وإلا اعتبر تظهيرا (م 180)
3- إذا حصل الضمان الاحتياطي على الوصلة أي ورقة متصلة بالكمبيالة، فيعتبر صحيحا ومنتجا لكافة آثاره القانونية وكأنه حصل على الكمبيالة ذاتها، إلا أنه لا بد أن يشتمل على التوقيع والصيغة.
4- إذا حصل الضمان الاحتياطي على ورقة مستقلة، فإن هذا الضمان يعتبر كذلك صحيحا مستندا إلى م 180 م ت على شرط أن يحدد في هذه الورقة الكمبيالة الملحقة بها أي ذكر مجموعة من البيانات التي تتضمنها كاسم الساحب والمسحوب عليه ومبلغ الكمبيالة وغيرها حتى يتم الإعلام بأن هذه الورقة المستقلة تتعلق بالكمبيالة المعنية، وأن الضمان الاحتياطي الحاصل على هذه الورقة يضمن وفاء مبلغ هذه الكمبيالة التي حددت بياناتها على هاته الورقة.
كما يجب ذكر مكان صدور الضمان الاحتياطي على هذه الورقة المستقلة.
الفقرة الثانية: تأريخ الضمان الاحتياطي
الأصل في الضمان الاحتياطي أن يقدم بين تاريخ إنشاء الكمبيالة وتاريخ استحقاقها، لكن ماذا لو قدم هذا الضمان بعد هذا التاريخ، أي بعد تاريخ استحقاق الكمبيالة؟
هنا يجب التمييز ما بين إذا قدم هذا الضمان بعد ميعاد الاستحقاق ولكن قبل تحرير الاحتجاج أو قبل انصرام الأجل المحدد لتحرير هذا الاحتجاج، أو قدم بعد هذا التاريخ.
+ فلو قدم الضمان الاحتياطي بعد ميعاد الاستحقاق  وقبل تحرير الاحتجاج أو قبل انصرام أجل الاحتجاج فإن هذا الضمان يعتبر صحيحا، ذلك أن حلول ميعاد الاستحقاق لا يجعل الكمبيالة تنتهي.
+ أما إذا قدم الضمان الاحتياطي بعد تحرير الاحتجاج أو بعد انصرام أجل الاحتجاج فإن هذا الضمان لا يعتبر التزاما صرفيا بل يمكن اعتباره مجرد كفالة عادية.
المطلب الثالث: آثار الضمان الاحتياطي
تعتبر العلاقات المتفرعة عن الضمان الاحتياطي من أخطر العلاقات وأكثرها تعقيدا في نظر الفقه الحديث والقديم، فهي تخضع لنوعين من القواعد، قواعد قانون الصرف من جهة باعتباره التزاما أصليا، وقواعد الكفالة التضامنية من جهة أخرى باعتباره التزاما تبعيا.
وتختلف آثار الضمان الاحتياطي باختلاف العلاقات التي تربط مختلف أطراف الكمبيالة.
الفقرة الأولى: علاقة الضامن الاحتياطي بالحامل
يلتزم الضامن الاحتياطي على وجه التضامن مع بقية الموقعين على الكمبيالة (م 201 م ت) بأداء مبلغها في تاريخ الاستحقاق إلى الحامل، وبالتالي فإنه من حق الحامل الرجوع على الضامن الاحتياطي مطالبا إياه بالوفاء وذلك إذا ما رفض المسحوب عليه الوفاء له.
والحامل غير ملزم بالرجوع على الشخص المضمون أولا قبل الرجوع على الضامن الاحتياطي، كما أنه إذا تعدد هؤلاء الضامنون فإن من حق الحامل مطالبة أحدهم بكامل المبلغ، وهذا ما يعرف بحق التقسيم وحق التجريد.
وعلى اعتبار التزام الضامن الاحتياطي التزاما أصليا فإنه يخضع لقاعدة عدم التمسك بالدفوع ومن تم فإنه لا يحق للضامن الاحتياطي أن يتمسك هذا الحامل بالدفوع التي تربطه بالساحب أو الحملة السابقين متى كان هذا الحامل حسن النية، ويسوغ للضامن الاحتياطي على عكس ذلك أن يدفع ضد الحامل ولو كان حسن النية بالدفوع الشكلية (الإخلال بالبيانات الشكلية الخاصة بالضمان الاحتياطي أو البيانات الإلزامية للكمبيالة)، كما أن التزام الضامن الاحتياطي هو أيضا التزام قابع لالتزام الشخص المضمون على اعتبار أن التزامه يعتبر كفالة من نوع خاص، فإن الحامل لا يمكنه الرجوع على الضامن إلا بما يمكن الرجوع به على المضمون، أي أن الضامن الاحتياطي يلتزم بنفس الكيفية التي يلتزم بها الشخص المضمون (م 180 م ت)، كما تظهر هذه التبعية في حالة بطلان التزام المضمون لعيب في الشكل فإن التزام الضامن الاحتياطي يبطل تبعا لذلك.
الفقرة الثانية: علاقة الضامن الاحتياطي بالمضمون
إن علاقة الضامن الاحتياطي بالمضمون هي علاقة الكفيل بالمكفول، وعليه فإن أدى الضامن مبلغ الكمبيالة للحامل يكون قد أوفى أو أدى دين غيره الذي هو المضمون، وبالتالي فإن هذا الضامن يكتسب الكمبيالة ويحق له تبعا لذلك الرجوع بما دفعه على هذا المضمون وعلى الأشخاص الملزمين نحو هذا الأخير (الفقرة الأخيرة من م 180 م ت)
الفقرة الثالثة: علاقة الضامن الاحتياطي بباقي الموقعين
إن كل موقع على الكمبيالة والذي يحق للمضمون الرجوع عليه يمكن للضامن الاحتياطي الرجوع عليه بما أدى للحامل، وكل موقع لا يمكن للمضمون الرجوع عليه لا يكون لضامنه الاحتياطي الرجوع عليه.
الفقرة الرابعة: علاقة الضامن الاحتياطي ببقية الموقعين من نفس الدرجة
المقصود بباقي الموقعين من نفس الدرجة الضامنين الاحتياطيين الذي ضمنوا مع الضامن نفس الالتزام، وفي هذه الحالة يحق للحامل الرجوع على أحد هؤلاء الضامنين الاحتياطيين الذي ضمنوا معه المضمون، إلا أن رجوع الضامن هنا على بقية الموقعين من نفس الدرجة لا يكون رجوعا صرفيا بل رجوعا عاديا طبقا لما جاءت به قواعد الكفالة في الفصل 145 ق.ل.ع
الفصل الرابع: أداء الكمبيالة
عند حلول ميعاد استحقاق الكمبيالة سواء كانت قد قبلت من طرف المسحوب عليه أم لم تقبل، وسواء ظهرت وأمكن تداولها عن طريق التظهير أم لم تظهر، وسواء كانت مصحوبة بضمانات إضافية أو لم تكن، فإن حاملها سواء كان المستفيد إذ لم تتداول أو المظهر إليه إذا أمكن تداولها يقصد المسحوب عليه لمطالبته بأداء مبلغ النقود الذي تتضمنه هذه الكمبيالة.
فإذا قدمت الكمبيالة للمسحوب عليه للحصول على الأداء فإما أن يؤدي مبلغها وإما أن يرفض الأداء، مما يفتح الحامل باب الرجوع على الموقعين وهو ما يعرف بالرجوع الصرفي.
المبحث الأول: المطالبة بالوفاء
إن المطالبة بالوفاء هي حق للحامل الشرعي للكمبيالة، فهو يستطيع مطالبة المسحوب عليه بالأداء، كما أنه ملزم بالرجوع على المسحوب عليه للمطالبة بالوفاء قبل الرجوع صرفيا على بقية الموقعين، وقد حدد المشرع عدة أحكام يجب التقيد بها من أجل المطالبة بوفاء مبلغ الكمبيالة.
المطلب الأول: الاستحقاق
يقصد بالاستحقاق ميعاد أو تاريخ أو يوم حلول أجل أداء المبلغ الثابت في الكمبيالة، وقد بين المشرع كيفية تحديد ميعاد وتاريخ الاستحقاق بشكل حصري في المادة 181 م ت، ويترتب على مخالفتها بطلان الكمبيالة وهذه الحالات أربعة وهي:
1- الكمبيالة المستحقة الوفاء بمجرد الإطلاع:
تستحق هذه الكمبيالة بمجرد الإطلاع أو التقديم، أي تاريخ الوفاء يتحدد باليوم الذي يقوم فيه الحامل بتقديمها إلى المسحوب عليه من أجل الإطلاع والوفاء.
ويكون للحامل في هذه الحالة حق تقديم الكمبيالة للوفاء بدءا من تاريخ إنشائها، ولكن على أساس أن يتم تقديمها داخل أجل سنة على أبعد تقدير، إلا أن هذه المدة يمكن إطالتها أو تقصيرها من طرف الساحب، كما خول المشرع للمظهرين حق تقصير هذه المدة دون إطالتها.
2- الكمبيالة الواجبة الاستحقاق بعد مدة من الإطلاع
بالنسبة لهذه الحالة يجب أن تقدم الكمبيالة للإطلاع أي القبول، حتى يمكن البدء في احتساب  مدة الاستحقاق، وهذا التقديم للإطلاع يجب أن يتم داخل أجل سنة من إنشائها، حيث يبدأ في حساب تاريخ الاستحقاق بيوم قبول المسحوب عليه، فإن رفض قبول الكمبيالة، بدأ الحساب من يوم الاحتجاج أي تحرير احتجاج عدم القبول (م 182).
3- الكمبيالة المستحقة بعد مدة من تاريخ التحرير:
لمعرفة يوم الاستحقاق في هذه الحالة يجب الرجوع إلى تاريخ إنشاء الكمبيالة، والذي يجب أن يكون محددا باعتباره بيانا إلزاميا (مثلا بعد شهر من إنشائها).
4- الكمبيالة المستحقة الوفاء في تاريخ معين:
في هذه الحالة وما دام تاريخ الاستحقاق محدد في يوم معين، فإن الحامل يكون عليه أن يقدم الكمبيالة للمسحوب عليه من أجل الوفاء في هذا اليوم المحدد التاريخ.
وفي حالة عدم ذكر أي ميعاد للاستحقاق على الكمبيالة، فإن المشرع لم يعتبر الكمبيالة باطلة لتخلف هذا البيان الإلزامي، بل اعتبرها صحيحة ومستحقة الأداء عند الاطلاع.
المطلب الثاني: التقديم والوفاء
الفقرة الأولى: التقديم
يلتزم الحامل بأن يقدم الكمبيالة إلى المسحوب عليه للوفاء في يوم الاستحقاق بالذات، وإما في أحد الأيام العمل الخمسة الموالية له.
ويقع على الحامل هذا الالتزام سواء كانت الكمبيالة مستحقة الوفاء في يوم معين أو بعد مدة من إنشائها، أو من تاريخ الإطلاع.
ويرجع هذا الالتزام أولا إلى القاعدة السائدة القائلة بأن دين الكمبيالة يطلب ولا يحمل، وثانيا إلى كون المسحوب عليه لا يعرف الشخص الذي ستنتهي إليه الكمبيالة في تاريخ الاستحقاق، أي الحامل الأخير للكمبيالة، فإن لم يقم الحامل بهذا الإجراء في الأصل القانوني كان مهملا.
الفقرة الثانية: الوفاء
أولا: من يقع عليه الوفاء
عند حلول ميعاد الاستحقاق، على الحامل أن يتقدم إلى المسحوب عليه الذي صدر إليه الأمر بأداء مبلغ الكمبيالة للمطالبة بالوفاء سواء كان هذا الأخير قد قبل الكمبيالة أم لا.
وإذا تعدد المسحوب عليهم في الكمبيالة فعلى الحامل أن يعود على أي واحد منهم للمطالبة بأداء مبلغ الكمبيالة.
أما إذا رفض المسحوب عليه قبول الكمبيالة أو وفائها، وكان قد عين بها قابلا للتدخل أو موفي احتياطي فإن الحامل يكون عليه أن يتقدم بها إلى هؤلاء قصد مطالبتهم بالوفاء، كذلك الشأن إذا عين شخص مختار، فإن الحامل عليه أن يتقدم إلى هذا الشخص للمطالبة بالوفاء، أما في حالة رفض الوفاء للحامل من طرف الأشخاص المذكورين أعلاه، فإن المشرع خول للحامل حق متابعة كل الموقعين على الكمبيالة (ساحب، مظهر، ضامن احتياطي...) لمطالبتهم بأداء مبلغ الكمبيالة بعد القيام بالإجراءات الشكلية لممارسة الرجوع الصرفي.
ثانيا: لمن يقع الوفاء
- لا يسوغ المطالبة بالوفاء إلا من قبل الحامل الشرعي للكمبيالة، ولا يجوز الوفاء كذلك إلا للحامل الشرعي (م 170)، ويكون المسحوب عليه ملزما بالتحري عن صفة هذا الحامل.
- كما يمكن أن يتم الوفاء بمبلغ الكمبيالة لوكيل أو نائب الحامل للشرعي كما في حالة التظهير التوكيلي، أو لدائن مرتهن كما في حالة التظهير التأميني.
- كما يمكن أن يتم الوفاء أيضا عن طريق إيداع مبلغ الكمبيالة بكتابة ضبط المحكمة الابتدائية لمكان الوفاء من طرف الشخص الملزم بأدائها عند ميعاد الاستحقاق أو في الخمسة أيام الموالية لتبرئة ذمته من هذه الكمبيالة إذا لم يتم مطالبة بالوفاء.
ثالثا: الوفاء الجزئي والوفاء الكلي
- في حالة الوفاء الكلي بمبلغ الكمبيالة، فالوسيلة الوحيدة المقبولة في قانون الصرف لإثبات الوفاء بالكمبيالة هو حيازة الموفي لها موقعة بالمخالصة من طرف الحامل أو من ينوب عنه كدليل على حصول الوفاء.
أما إذا أوفى المسحوب عليه بمبلغ الكمبيالة ولم يستردها ولم يوقع عليها بالمخالصة، فإن ذمته لا تبرأ، فلو ظهر الحامل هذه الكمبيالة وعاد المظهر إليه حسن النية على هذا المسحوب عليه فإنه يكون ملزما بالوفاء مرة ثانية، لأن أداءه الأول غير ثابت على الكمبيالة.
- في حالة الوفاء الجزئي فإن الحامل الذي تلقى جزءا فقط من مبلغ الكمبيالة يبقى محتفظا بها حتى يستطيع ممارسته الرجوع الصرفي على بقية الموقعين بالجزء الباقي، المسحوب عليه إيصالا يثبت هذا الوفاء الجزئي.
المطلب الثالث: التعرض على الوفاء
باعتبار الكمبيالة أداة وفاء وأداة ائتمان بصفة أساسية فقد عمل المشرع على خطر ومنع التعرض على وفائها حماية للثقة في نفوس المتعاملين بها، خاصة وأن تأخير أو منع الوفاء يمكن أن ينشأ عن حجز أو تعرض صوري نتيجة تواطؤ وغش بين المسحوب عليه واحد الأشخاص إضرارا بحقوق ومصالح الحامل:
أولا: حالة ضياع أو سرقة الكمبيالة
- يسوغ لمالك الكمبيالة الشرعي في حالتي الضياع أو السرقة أن يصدر أمرا إلى المسحوب عليه بعدم الوفاء، وأن يخبره بالحادث، ويقع التعرض بجميع الوسائل الممكنة (عن طريق كتابة الضبط، برسالة مضمونة، برقية، هاتف، شفويا...)، وإذا وفى المسحوب عليه رغم هذه المعارضة فإن أداءه لا يكون مبرئا للذمة في مواجهة الحامل الشرعي ويكون وفاءه غير صحيح.
- ويجوز للحامل الشرعي إن كانت الكمبيالة الضائعة أو المسروقة لا تحمل التوقيع بالقبول المطالبة بالوفاء بناء على نظير ثان أو ثالث أو رابع... شريطة تقديم كفالة تحمي حقوق الحامل الشرعي المحتمل إن ظهر لاحقا طبقا لما جاءت به المادة 190 م ت. وعلى عكس ذلك لا يسوغ للحامل الشرعي إن كانت الكمبيالة الضائعة أو المسروقة لا تحمل التوقيع بالقبول أن يطالب بالوفاء بناء على نظائر إلا بعد استصداره لأمر قضائي من رئيس المحكمة التجارية مع تقديم كفالة أو كفيل (م 191)
- كما يسوغ لمن عجز عن تقديم النظائر في حالة ضياع أو سرقة أن يطالب بالوفاء سواء كانت مقبولة أم لا شريطة استصدار أمر قضائي من رئيس المحكمة التجارية بالوفاء بعد أن يثبت ملكيته للكمبيالة بدفاتره مع تقديم كفيل أو كفالة (م 192). وتقديم الكفالة أو الكفيل هنا ضمانة لكي لا يضطر المسحوب عليه إلى الوفاء مرتين، المرة الأولى لمدعي الضياع أو السرقة، والمرة الثانية لحامل الكمبيالة المقبولة أو غير المقبولة.
- ويحتفظ المالك الشرعي بجميع حقوقه أن رفض المسحوب عليه الوفاء بمبلغ الكمبيالة الضائعة أو المسروقة المقبولة من طرفه شرط أن يقيم محرر احتجاج غداة يوم الاستحقاق، وإن يوجه الاعلامات طبقا للمادة 199 إلى كل من الساحب والمظهرين داخل الآجال المحددة لذلك.
- قد يحدث أن يظهر الحامل حسن النية بعد أن يكون المسحوب عليه قد وفى مبلغ الكمبيالة الضائعة أو المسروقة وفاء موافقا للمقتضيات القانونية إلى من ادعى أنه حاملها الشرعي الذي سرقت منه، في هذه الحالة وأمام سكوت المشرع عن هذه المسألة استقر القضاء على أن حكم المحكمة بالوفاء يبرئ ذمة المسحوب عليه، ويبقى من حق الحامل حسن النية هنا أن يرجع على الشخص الذي قبض المبلغ ويلزمه برده إليه، فإن رفض عاد على الكفيل، وكل ذلك حماية لتداول الكمبيالة وتطبيقا لحكم القضاء الآمر.
- ويسقط التزام الكفيل أو الكفالة المقدمة بمضي 3 سنوات إذا لم تقع خلال هذه المدة أية مطالبة أو متابعة قضائية (م 195)
ثانيا: حالة الحكم على الحامل بفتح مسطرة المعالجة
متى حكم على حامل الكمبيالة بفتح مسطرة المعالجة (التسوية أو التصفية القضائية) فإنه يسوغ للسنديك أن يتعرض على الوفاء للحامل وأن يطالب بالوفاء بدلا منه حماية لأصول المقاولة، إلا أن مباشرة السنديك لهذا الحق يختلف حسب ما إذا كانت المسطرة تتعلق بالتسوية القضائية أو التصفية القضائية، ففي حالة التسوية القضائية لا يسوغ للسنديك التعرض على الوفاء إلا إذا رخصت له المحكمة بأن يقوم وحده بالتسيير الكلي أو الجزئي للمقاولة (م 576)، أما إذا استمر في تسيير مقاولته فإنه لا يجوز للسنديك التعرض على الوفاء.
أما في حالة التصفية القضائية فإن الحكم بفتح هذه المسطرة يؤدي إلى غل يد المدين عن تسيير مقاولته أو أمواله والتصرف فيها، وبالتالي يحل السنديك محل المقاول بصورة مطلقة تخول له التعرض على الوفاء لهذا الحامل المحكوم عليه بالتصفية القضائية (م 619)
المبحث الثاني: المقاضاة أو دعوى الرجوع الصرفي
في حالة رفض الوفاء للحامل من قبل المسحوب عليه، أو أن يتم الوفاء لكن جزئيا  فإن المشرع قد خول حق متابعة كل الموقعين على الكمبيالة (من ساحب، مظهر، ضامن احتياطي...) لمطالبتهم بأداء مبلغ الكمبيالة أو الجزء الباقي عند حصول الوفاء الجزئي.
إن متابعة الحامل لهؤلاء الموقعين هو ما اصطلح على تسمية بالرجوع الصرفي وقد ألزم المشرع حامل الكمبيالة بالقيام بمجموعة من الإجراءات الشكلية قبل ممارسة الرجوع الصرفي.
المطلب الأول: حالات الرجوع الصرفي
حسب المادة 196 م ت، فإن حالات الرجوع الصرفي على بقية الموقعين في الكمبيالة قد يتم إما عند حلول ميعاد الاستحقاق أو حتى قبل حلول هذا الميعاد.
الفقرة الأولى: الرجوع الصرفي عند حلول ميعاد الاستحقاق
يعتبر هذا الرجوع الصرفي هو الحالة العادية لمتابعة الحامل لبقية الموقعين على الكمبيالة، فعند حلول ميعاد الاستحقاق يجب على الحامل أن يتقدم إلى المسحوب عليه لمطالبته بوفاء مبلغ الكمبيالة، وفي هذه الحالة تقوم فرضيتان:
1- وفاء المسحوب عليه بمبلغ الكمبيالة كاملا، وهنا يكون الحامل قد استوفى دينه وبذلك تبرأ ذمته المسحوب عليه الوفاء للحامل، وقد يقوم بوفاء جزئي، وفي هذه الحالة يفتح المجال أمام الحامل لممارسة دعوى الرجوع الصرفي على بقية الموقعين على الكمبيالة لمطالبتهم بأداء مبلغها كاملا أو الجزء المتبقي.
ويحق للحامل ممارسة دعوى الرجوع الصرفي بعد رفض الوفاء له في أي وقت شاء ما دام أن مدة التقادم لم تنته بعد، شرط أن يكون قد قام بتنظيم الاحتجاج في ميعاده القانوني.
الفقرة الثانية: الرجوع الصرفي قبل ميعاد الاستحقاق
استثناءا من المبدأ العام فقد خول المشرع في حالات معينة للحامل الرجوع الصرفي ولو قبل حلول ميعاد الاستحقاق وهذا الرجوع هو ما يسمى بالرجوع المبتسر (Le Recours anticipé) ومن خلال نص المادة 196 يتبين أن حالات الرجوع الصرفي قبل ميعاد الاستحقاق هي:
1- امتناع المسحوب عليه عن قبول الكمبيالة كليا أو جزئيا:
عندما يمتنع المسحوب عليه عن قبول الكمبيالة عند تقديمها إليه من طرف الحامل، فهنا فسح المشرع أمام الحامل المجال لأن يحرر احتجاجا بعدم القبول ويعود فورا ودون انتظار حلول ميعاد الاستحقاق على كافة الموقعين مطالب إياهم بالوفاء، ما دام المسحوب عليه بامتناعه عن القبول يكون قد عبر عن إرادته صراحة في عدم الالتزام بهذه الكمبيالة وبرفضه لها، فلا فائدة من انتظار ميعاد الاستحقاق.
ونفس الشيء يطبق في حالة القبول الجزئي، فإن الجزء المقبول يكون على الحامل انتظار حلول ميعاد الاستحقاق للرجوع على المسحوب عليه القابل من أجل الوفاء، أما الجزء غير المقبول فيحرر بشأنه احتجاجا ويتم الرجوع به فورتا ودون انتظار ميعاد الاستحقاق على كافة الموقعين، ما لم يكن أحدهم قد تحلل من ضمان القبول فعندئذ لا يمكن الرجوع عليه إلا في ميعاد الاستحقاق.
2- الحكم بالتسوية أو التصفية القضائية للمسحوب عليه:
يحق للحامل في هذه الحالة الرجوع على الموقعين على الكمبيالة سواء كان المسحوب عليه قابلا أو غير قابل للكمبيالة، ويكفي في هذه الحالة تقديم الحامل لحكم التسوية أو التصفية القضائية لممارسة حق الرجوع لأنه يغني عن تحرير الاحتجاج.
3- توقف المسحوب عليه عن دفع ديونه عند الحلول
أي أن المسحوب عليه أصبح عاجزا عن دفع ديونه عند حلول ميعاد استحقاقها، أي أنه يوجه في حالة إعسار، وبالتالي يمكن للحامل الرجوع المبتسر لأنه لا فائدة في انتظار حلول ميعاد الاستحقاق ما دام المسحوب عليه قد ثبت عجزه وعدم قدرته على الوفاء شرط تحرير الحامل لاحتجاج عدم الوفاء.
4- الحجز على أموال المسحوب عليه دون جدوى
إذا تم الحجز على أموال المسحوب عليه لتنفيذ الديون المترتبة عليه، وثبت أن هذه الأموال غير كافية لسداد كل هذه الديون، فإن ذلك يعطي الحق للحامل في الرجوع المبستر على بقية الموقعين على الكمبيالة شرط تحرير احتجاج عدم الوفاء
5- الحكم على الساحب كمبيالة مشروط عدم تقديمها للقبول بالتسوية أو التصفية القضائية
في هذه الحالة ليتمكن الحامل من ممارسته الرجوع المبستر يجب توفر شرطان:
- الحكم بالتسوية أو التصفية القضائية على الساحب
- أن تكون الكمبيالة متضمنة لشرط "عدم التقديم للقبول"، وأما أن تكون مستحقة الوفاء بمجرد الإطلاع.
في هذه الحالة يكون الساحب محكوم عليه بالتسوية أو التصفية القضائية، والمسحوب عليه غير قابل للكمبيالة، لذلك فالحامل يكون في وضعية تجعله غير متأكد من الحصول على الوفاء في تاريخ الاستحقاق، وبالتالي لا فائدة من انتظار ميعاد الاستحقاق، ويكفي الحامل هنا تقديم الحكم بالتسوية أو التصفية دون إقامة الاحتجاج (م 197).
المطلب الثاني: إجراء الرجوع الصرفي
على الحامل قبل ممارسة دعوى الرجوع الصرفي القيام بإجرائين اثنين ليتمكن من ممارسة حقه في الرجوع على بقية الموقعين على الكمبيالة، سواء تم ذلك الرجوع عند حلول ميعاد الاستحقاق لا قبله، ويتمثلان في: الاحتجاج والإعلام
الفقرة الأولى: الاحتجاج
إن تقديم الاحتجاج هو إجراء ضروري لا بد أن يقوم به الحامل حتى يتسنى له الرجوع الصرفي على الموقعين على الكمبيالة لمطالبتهم بالوفاء باستثناء بعض الحالات التي أعفى فيها المشرع الحامل من القيام بهذا الإجراء
أولا: حالات تقديم الاحتجاج
الاحتجاج هو وثيقة رسمية تثبت رفض المسحوب عليه القبول أو الوفاء، لذلك فإنه إجراء ضروري بحيث لا يحق للحامل ممارسة حقه في الرجوع على بقية الموقعين إلا إذا قدم هذا الاحتجاج، وذلك في الحالات التالية:
1- عند رفض المسحوب عليه قبول الكمبيالة (كليا أو جزئيا)
2- عند رفض المسحوب عليه وفاء الكمبيالة (كليا أو جزئيا)
3- عند توقف المسحوب عليه من الدفع
4- عند الحجز على أموال المسحوب عليه دون جدوى
ثانيا: حالات الإعفاء من تقديم الاحتجاج
لقد خول المشرع للحامل في حالات استثنائية ممارسة دعوى الرجوع الصرفي دون تقديم الاحتجاج، وتتمثل في:
1- احتجاج عدم القبول يغني عن احتجاج عدم الوفاء (فق 4 م 197 م ت)
2- الحكم بالتسوية أو التصفية القضائية على المسحوب عليه: لأن تقديم هذا الحكم يغني عن إقامة الاحتجاج (م 196)
3- الحكم بالتسوية أو التصفية القضائية على ساحب كمبيالة ورد فيها عدم تقديمها للقبول: تقديم الحكم يغني عن إقامة الاحتجاج.
4- حالة القوة القاهرة: أي حصول ظروف تجعل تقديم الاحتجاج أمرا مستحيلا، شرط أن تزيد مدتها عن ثلاثين يوما بعد تاريخ الاستحقاق (فق 4 م 207)
5- حالة شرط الرجوع بدون مصاريف: لا يحتاج الحامل إلى إقامة الاحتجاج إذا ما تضمنت الكمبيالة شرط "الرجوع بدون مصاريف" أو بلا احتجاج أو غيرها من العبارات المماثلة، (م200)، ويسري هذا الشرط على جميع الموقعين إذا كان صادرا من الساحب وموقعا من طرفه، أما إذا صدر من أحد المظهرين أو الضامنين الاحتياطيين فلا ينفذ هذا الشرط إلا تجاه واضعه فقط.
رابعا: تاريخ تقديم الاحتجاج
1- احتجاج عدم القبول: القاعدة أن هذا الاحتجاج يمكن أن يقدم من رفض القبول إلى تاريخ الاستحقاق ما لم تكن الكمبيالة تتضمن أجلا قانونيا أو اتفاقيا يحدد تاريخ تقديمها للقبول.
2- احتجاج عدم الوفاء: هنا نميز بين نوعين من الكمبيالات حسب تاريخ الاستحقاق:
+ بالنسبة للكمبيالة المستحقة الوفاء في تاريخ معين أو بعد مدة من إنشائها، أو بعد مدة من الإطلاع، يجب أن يقام الاحتجاج داخل أحد أيام العمل الخمسة الموالية ليوم الاستحقاق (م 231 م ت)
+ إذا كانت الكمبيالة مستحقة الوفاء عند الاطلاع، فإن الاحتجاج يقام يوم التقديم مع مراعاة أجل سنة تحسب من تاريخ تحرير الكمبيالة، فإن قدمت للوفاء في آخر يوم من السنة أقيم محضر الاحتجاج في هذا اليوم (م 197 م ت)
خامسا: شكل الاحتجاج
1- تحرير الاحتجاج ومكان تقديمه: يجب أن يثبت الحامل للكمبيالة رفض أو امتناع المسحوب عليه عن القبول أو الوفاء (م 177 م ت) وذلك في محرر رسمي يعده مأمور أو عون كتابة ضبط المحكمة التجارية (م 2 من قانون المحاكم التجارية)، ويقام هذا المحضر في موطن الشخص الملزم بالوفاء، أو في آخر موطن معروف له، وفي موطن الشخص الذي قبل الكمبيالة على وجه التدخل، على أن يجمع الكل في محضر أو محرر واحد (م 209 م ت)، يطلق عليه محضر احتجاج "عدم القبول" أو "عدم الوفاء" بحسب الحالات
2- مضمون الاحتجاج: يجب أن يتضمن محرر الاحتجاج  البيانات المنصوص عليها في م 210 م ت التي توجب النسخ الحر في الكمبيالة من تظهيرات وقبول والإخطار أو الإنذار بوفاء قيمة الكمبيالة، وأسباب رفض القبول أو الوفاء، مع الإشارة إلى الشخص الملزم بالوفاء تحت طائلة بطلان هذا الاحتجاج
الفقرة الثانية: الإعلام
1- شكل الإعلام: أوجب القانون على الحامل أن يوجه إعلاما بعدم الوفاء أو عدم القبول إلى كل من الساحب والمظهرين حماية لحقوقهم ومصالحهم، خاصة أنهم مهددون بأخطار المقاضاة والرجوع والفوائد والمصاريف، إذ الإعلام يتيح الفرصة لمن يريد أن يبادر بالوفاء درءا للأخطار السابقة أو خطر المساس بسمعتهم أو مركزهم.
ويقوم بالإعلام أساسا الحامل (م 199 م ت) حيث يتعين عليه أن يوجه إعلاما بعدم الوفاء أو القبول إلى من ظهر له الكمبيالة داخل ستة أيام العمل التي تلي يوم إقامة الاحتجاج، أو يوم تقديم الكمبيالة للوفاء أو القبول إذا كانت الكمبيالة تتضمن شرط "الرجوع بلا مصاريف"، ويجب على كل مظهر تلقى الإعلام أن يعلم بدوره داخل أجل 3 أيام العمل الموالية ليوم تلقيه الإعلام من ظهر له الكمبيالة، وهكذا تتابع عمليات الإعلام هاته حتى تصل إلى الساحب، ويوجه الإعلام ذاته إلى الضامنين الاحتياطيين والقابلين بالتدخل ضمن الأجل نفسه أي 3 أيام
ولم يضع المشرع شكلا محددا أو طريقة خاصة لتوجيه الإعلام، بل ترك أمره حرا، يمكن أن يكون برسالة مضمونة، أو عادية أو شفويا أو غيره.
2- جزاء الإخلال بتوجيه الإعلام:
لا يترتب على من لم يوجه الإعلام داخل الأجل القانوني سقوط حق الرجوع الصرفي على خلاف عدم تقديم الكمبيالة للوفاء أو للقبول في الأجل القانوني، أو عدم إقامة الاحتجاج في أجله، وكل ما في الأمر يتحمل المخل بإصلاح الأضرار التي تسبب فيها نتيجة إهماله وتقاعسه عن القيام بالإعلام في الأجل القانوني، ويتمثل في تعويض على ألا يتجاوز قيمته في كل الأحوال مبلغ الكمبيالة (فق الأخيرة م 199)
المطلب الثالث: مضمون الدعوى الصرفية
بعد استيفاء الحامل للإجراءات السابقة، يحق له أن يستعمل حقه في الرجوع على كافة الملتزمين تتخذ شكلا وديا حيث يبادر على إثرها أحد الضامنين للوفاء تلقائيا وطواعية بعد توصله بالإعلام، أما إذا لم يتمكن الحامل من الحصول على الوفاء الودي، كان له أن يرفع دعوى إلى المحكمة التجارية الكائن في دائرة اختصاصها الموطن الحقيقي أو المختار للمدعي عليه، فإن لم يكن له موطن في المغرب كان الاختصاص لمحكمة محل الإقامة، فإن لم يكن للمدعي عليه لا موطن ولا محل إقامة في المغرب أمكن مقاضاته أمام محكمة موطن أو محل إقامة المدعي أو واحد منهم في حالة تعددهم (م 10 من ق. المحاكم التجارية)، وإذا تعدد المدعى عليهم أمكن للمدعي أن يختار محكمة موطن أو محل إقامة أي واحد منهم، مع مراعاة م 12 من ق. المحاكم التجارية التي تجيز الاتفاق الكتابي على اختيار المحكمة التجارية.
ويمكن للحامل أن يوجه الدعوى ضد جميع الضامنين على وجه التضامن فرادى أو جماعة دون أن يكون ملزما بإتباع ترتيب معين، ولا تمنع الدعوى المقامة على أحدهم من إقامتها تجاه الآخرين ولو كانوا لاحقين لمن أقيمت عليه الدعوى (م201).
المطلب الرابع: سقوط الدعوى الصرفية
إذا كان المشرع قد أعطى الحق لحامل الكمبيالة في الرجوع على المسحوب عليه لاستيفاء مبلغ الكمبيالة أو متابعة كافة الموقعين، فإن حق الحامل في الرجوع على هؤلاء يمكن أن يسقط أي أن الحامل قد يفقد حقه في الرجوع على كل هؤلاء الموقعين أو بعضهم إذا توفرت أسباب هذا السقوط والتي تتمثل في حالة الإهمال أو مرور مدة التقادم
الفقرة الأولى: السقوط بسبب الإهمال
لقد تولى المشرع تحديد الحالات التي يعتبر فيها الحامل مهملا، كما حدد الآثار المترتبة عن هذا الإهمال.
أولا: حالات الإهمال
1- انصرام أو فوات الأجل القانوني لتقديم الكمبيالة المستحقة عند الإطلاع أو بعد مدة من الإطلاع
2- انصرام الأجل القانوني لإقامة احتجاج عدم القبول أو عدم الوفاء
3- انصرام الأجل القانوني لتقديم الكمبيالة المتضمنة شرط الرجوع بلا مصاريف.
4- عدم تقديم الكمبيالة للقبول خلال المدة التي حددها للساحب.
ثانيا: آثار الإهمال
يسقط الإهمال حق رجوع الحامل تجاه المظهرين والساحب الذي قدم مقابل الوفاء والضامنين الاحتياطيين والقابلين بالتدخل (م 180 فق 7)، ويبقى للحامل المهمل الحق في الرجوع الصرفي مع ذلك على:
1- المسحوب عليه القابل، سواء تلقى أو لم يتلق مقابل الوفاء، وسواء كان الحامل مهمل أو غير مهمل لأن المسحوب عليه بقبوله يتحمل بالالتزام بصفته المدين الأصلي للكمبيالة ولا تبرأ ذمته تجاه الحامل إلا بالوفاء في تاريخ الاستحقاق أو بالتقادم. (م 206) ولا يملك الحامل أن يرجع على خلاف ذلك على المسحوب عليه غير القابل إن كان لم يتلق مقابل الوفاء لأنه لم يلتزم نحوه بشيء وغير مدين له بشيء.
2- الساحب الذي لم يقم بتقديم مقابل الوفاء، لأنه في مرتبة المدين الأصلي، فهو يبقى متحملا بالالتزام الصرفي أي بالوفاء، لأنه لم يقدم شيئا يمكن أن يعادل خطأ  أو إهمال الحامل (م 206).
ويبرر رجوع الحامل المهمل على الساحب الذي لم يقدم مقابل الوفاء، بأن إهمال هذا الأخير أفظع وأخطر من إهمال الحامل، وذلك لتقاعسه عن تقديم مقابل الوفاء الذي يكون سبب رفض المسحوب عليه للأداء، زيادة على ذلك فإنه أدخل الكمبيالة للتداول دون قيمة حقيقية لانعدام مقابل الوفاء ويقع عبء إثبات وجود مقابل الوفاء على الساحب (م 206)
وبمقابل ذلك لا يستطيع الحامل المهمل أن يرجع على الساحب الذي قدم مقابل الوفاء لأنه يكون هنا في مركز الضامن الذي قدم مقابل ما أخذ، ومن حقه التمسك بالسقوط لإهمال الحامل، ولا يعتبر نظام سقوط حق الرجوع بسبب الإهمال من النظام العام، فهو حق للملتزم بالكمبيالة يمكنه أن يثيره في مواجهة الحامل، ولا يمكن للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها.
الفقرة الثانية: السقوط نتيجة التقادم
أولا: مدة التقادم
يختلف تقادم الدعوى عن السقوط بسبب الإهمال، فإذا كان السقوط في هذه الحالة نظاما أو جزء يسلط على الحامل المهمل نتيجة تقاعسه عن اتخاذ الإجراءات القانونية المتعلقة بالتقديم والاحتجاج فإن التقادم نظام لانقضاء الالتزامات بمضي مدة زمنية يحددها القانون (م 371 ق.ل.ع)
ولم يخضع المشرع المغربي تقادم الالتزام الصرفي للتقادم العادي الطويل وإنما جعل له تقادما قصيرا يتلاءم وطبيعة الكمبيالة وأجل الائتمان الذي غالبا ما يكون قصيرا.
وقد وضع المشرع ثلاثة أنواع من التقادم تختلف مدتها باختلاف نوع الدعوى أي ممن توجه وضد من توجه على الشكل التالي:
1- تقادم الدعوى الصرفية ضد المسحوب عليه القابل:
تتقادم دعوى الحامل والساحب والمظهر والضامن الاحتياطي ضد المسحوب عليه القابل بمضي 3 سنوات وتعتبر هذه المدة أطول مدة نظرا لكون المسحوب عليه القابل هو المدين الأصلي والرئيسي، ولأن الملتزمين الآخرين ما هم إلا مجرد ضامنين (م 228 م ت)، ويشمل هذا التقادم المسحوب عليه وضامنه الاحتياطي لأنه يلتزم بالكيفية التي يلتزم بها الشخص المضمون (م 180) ويبدأ حساب المدة من تاريخ الاستحقاق
2- تقادم دعوى الحامل ضد الساحب والمظهرين
تتقادم الدعوى بمرور سنة يبدأ حسابها من تاريخ الاحتجاج المحرر ضمن الأجل أو المهلة القانونية، أو من تاريخ الاستحقاق في حالة اشتراط الرجوع بلا مصاريف وتشمل أيضا ضامنيهم الاحتياطيين
3- تقادم دعوى المظهرين ضد بعضهم البعض وضد الساحب
وهذه هي أقصر مدة وتتمثل في 6 أشهر، يبدأ حسابها من تاريخ أداء المظهر لمبلغ الكمبيالة، أو من يوم توجيه الدعوى الصرفية ضده (م 228)، ويشمل هذا التقادم الضامن الاحتياطي للمظهر أو للساحب لأنه يلتزم بالكيفية التي يلتزم بها هؤلاء.
ثانيا: آثار التقادم
قد أسس المشرع هذا التقادم على قرينة الوفاء، بمعنى أن السكوت عن المطالبة بأداء مبلغ الكمبيالة مدة 3 سنوات أو 6 أشهر أو سنة حسب مركز المدين يفترض حصول الوفاء، إلا أن هذه القرينة على خلاف التقادم العادي ليست قاطعة، ويمكن إثبات عكسها وذلك بتوجيه اليمين، كما يلتزم ورثته وذوو حقوقه أيضا بأداء اليمين على أنهم يعتقدون عن حسن نية براءة ذمة مورثهم من الدين، وفي حالة أداء اليمين تبرأ ذمة كل من المسحوب عليه والضامنين لأن هذه اليمين تعتبر حاسمة حتى ولو لم يكن الوفاء قد حصل فعلا (م 228). أما إذا نكل عن أداء اليمين (أي رفض أداء اليمين) فإن التزامه يظل قائما أي أن هذا التقادم لا ينتج عنه أي أثر.
وتجدر الإشارة إلى أن حق الحامل قد يتقادم صرفيا لكنه يستمر كسند عادي يظل قائما طيلة مدة التقادم العادي (15 سنة) أي أن الالتزام الصرفي يتحول إلى التزام عادي خاضع لمدة التقادم العادي.
الباب الثاني: السند لأمر (السند الإذني)
(Le Billet à Ordre)
تمهيد:
بالرغم من أن المعاملة بالسند لأمر في المغرب لا تبلغ أهمية الكمبيالة أو الشيك، إلا أن أهميته تبقى بارزة وواضحة والعناية به ضرورية، فالسند لأمر كباقي الأوراق التجارية يقوم بخدمات اقتصادية كبرى لأنه أصبح وسيلة للصرف دون حاجة إلى نقل النقود أو التعامل بها من مكان إلى آخر، وأصبح أداة للوفاء بدين المستفيد عند المتعهد، وبدين المظهر إليه الأول، كما يعتبر أيضا أداة للائتمان القصير الأجل، إذ يمنح الدائن ائتمانه للمدين بقبوله الوفاء بطريق السند لأمر والانتظار إلى حين حلول ميعاد الاستحقاق من أجل الحصول على المبلغ المتضمن فيه.
وهكذا فالسند لأمر يقوم بجميع الوظائف التي تؤديها الكمبيالة في الحياة التجارية وعالم الأعمال، كما أن جل قواعد قانون الصرف المنظمة للكمبيالة تهيمن تقريبا على السند لأمر، ما عدا ما تفرضه الفروق الناتجة عن اختلاف طبيعة وأشخاص كل من السندين، وتفاديا للتكرار فلن نعالج السند لأمر معالجة مستفيضة بل نكتفي بإبراز بعض قواعده الخاصة مقارنة له من الكمبيالة
الفصل الأول: تعريف السند لأمر وتحديد طبيعته
المبحث الأول: تعريف السند لأمر وتحديد بياناته الإلزامية
المطلب الأول: التعريف
المشرع المغربي شأنه شأن سائر التشريعات فهو لم يهتم بوضع تعريف السند لأمر، وإنما ترك ذلك للفقه، وهكذا يمكن تعريف السند لأمر بأنه: "محرر أو صك يخضع لأوضاع شكلية محددة قانونا، يتعهد فيه محرره بأن يدفع لأمر شخص آخر يسمى المستفيد مبلغا من النقود بمجرد الإطلاع أو في ميعاد أو قابل للتعيين".
المطلب الثاني: البيانات الإلزامية
فمن هذا التعريف يتضح أن السند لأمر يتضمن شخصين فقط هما المتعهد والمستفيد، وحتى ينشأ السند لأمر صحيحا ويتداول بطريقة التظهير لا بد أن تتوفر فيه الشروط القانونية التي استلزمها المشرع في السندات التجارية، بمعنى أن هذه الشروط لازمة لصحة الالتزام الصرفي سواء كان متعلقا بالدين الأصلي في السند أم بأحد الضامنين فيه وبكل الموقعين على السند لأمر.
وتبقى هذه الشروط هي نفس الشروط المتطلبة لإنشاء الكمبيالة والتي رأيناها سابقا من شروط موضوعية (أهلية، رضا، محل، سبب) وشروط شكلية تتعلق بضرورة تحرير السند لأمر كتابة وتضمنيه مجموعة من البيانات الإلزامية التي نص عليها المشرع في م 232 م ت، وهي على الشكل التالي:
1- اشتراط الوفاء لأمر أو تسمية السند بأنه لأمر مدرجا في السند ذاته ومعبرا عنه باللغة المستعملة لتحريره
2- الوعد الناجز بأداء مبلغ معين
3- تاريخ الاستحقاق
4- مكان الوفاء
5- اسم من يجب الوفاء له أو لأمره
6- تاريخ ومكان توقيع السند
7- اسم وتوقيع من صدر عنه السند (المتعهد).
المطلب الثالث: الآثار المترتبة عن تخلف البيانات الإلزامية
ويجب أن يتضمن السند هذه البيانات المشار إليها وإلا اعتبر غير صحيح وباطل، إلا أنه مع ذلك فقد أجاز استثناءا المشرع التخلي عن بعضها وهي التي نص عليها في م 233 وتشمل:
1- السند لأمر الخالي من تعيين تاريخ الاستحقاق يعتبر عند الإطلاع
2- يعتبر مكان إنشاء السند مكان للوفاء وفي الوقت ذاته مكانا لموطن المتعهد ما لم يرد بيان خاص بخلاف ذلك.
3- إذا لم يعين مكان بجانب اسم المتعهد يعتبر مكان عمل المتعهد أو مكان إقامته مكانا للوفاء
4- إذا لم يعين في السند مكان إنشائه اعتبر منشأ في المكان المعين بجانب اسم المتعهد
5- إذا لم يعين في السند مكان إنشاء السند بجانب اسم المتعهد، اعتبر منشأ في موطن المتعهد.
6- إذا لم يعين في السند لأمر تاريخ إنشائه اعتبر منشأ في اليوم الذي سلم فيه للمستفيد.
المبحث الثاني: تحديد طبيعة السند لأمر
إن المشرع المغربي لم يجعل من السند لأمر على خلاف الكمبيالة عملا تجاريا شكليا، أي عملا تجاريا مطلقا ومنفردا، بصرف النظر عن طبيعة الدين أو العمل الذي أنشئ من أجله وعن موقعه، وإنما حباه بطبيعة مزدوجة تجعل منه تارة عملا تجاريا وتارة أخرى عملا مدنيا، حسب ما إذا كان الموقع تاجرا أم غير تاجر، وحسب طبيعة الدين أو المعاملة أهي معاملة مدنية أم تجارية، وهكذا يكون السند لأمر تارة عملا تجاريا وتارة عملا مدنيا تطبيقا للفقرة 3 من المادة 9 من م ت التي تعتبر عملا تجاريا: "السند لأمر الموقع ولو من غير تاجر إذا ترتب في هذه الحالة عن معاملة تجارية" وهكذا يكون السند لأمر عملا تجاريا إذا وقعه تاجر، وبصرف النظر عن طبيعة الدين أكان دينا تجاريا أو مدنيا، أو بصرف النظر عن طبيعة المعاملة أكانت معاملة تجارية أم معاملة مدنية، أو إذا ترتب عن معاملة تجارية أو دين تجاري ولو كان موقعا من غير تاجر.
ويكون السند لأمر عملا مدنيا إذا وقعه غير تاجر وتعلق بمعاملة مدنية أو دين مدني
الفصل الثاني: أوجه التشابه والخلاف بين السند لأمر والكمبيالة
المبحث الأول: أوجه التشابه
يقوم بين السند لأمر والكمبيالة أوجه تشابه عديدة نجملها فيما يلي:
1- لتحرير وإنشاء السند لأمر لا بد من توافر شروط موضوعية وشكلية معينة استوجبها المشرع هي نفس شروط الكمبيالة
2- يتضمن كل من السند لأمر والكمبيالة اعترافا بدين
3- تنتقل ملكية السند لأمر بطريق التظهير كما هو الأمر في الكمبيالة وتنطبق جميع خصائص وشروط التظهير الناقل للملكية في الكمبيالة على التظهير الناقل للملكية في السند لأمر
4- الملتزمون بالسند لأمر والمظهرون كالملتزمون والمظهرون في الكمبيالة يضمنوا وفاء الدين بالتضامن تجاه حامل هذه الأوراق.
5- تنطبق قاعدة عدم التمسك بالدفوع بالنسبة لسند الأمر كما هو الأمر في الكمبيالة
6- قواعد الضمان الاحتياطي في الكمبيالة هي نفسها تسري على السند لأمر.
7- نفس الشروط الواجب توافرها لرجوع حامل السند لأمر تسري على المظهر له أو على المظهرين السابقين والمستفيد الأصلي كما في الكمبيالة.
8- حق المطالبة بالسند لأمر يسقط بنفس المدة المقررة لسقوط الحق في المطالبة بالكمبيالة.
9- تسري على السند لأمر نفس قواعد الفوائد والمصاريف المنصوص عليها في الكمبيالة.
ومجملا يمكن القول أن الكمبيالة والسند لأمر يخضعان لنفس القواعد الصرفية باستثناء ما يتعلق بالقبول ومقابل الوفاء، وعموما جميع المقتضيات التي أحال عليها المشرع في المواد من 234 إلى 238
المبحث الثاني: أوجه الاختلاف
إذا كان السند لأمر يتشابه مع الكمبيالة في العديد من الحالات فإنه مع ذلك يختلف معها في حالات أخرى نلخصها فيما يلي:
1- إن السند لأمر يتضمن شخصين فقط هما المتعهد والمستفيد، بينما الكمبيالة تتضمن ثلاثة أشخاص، الساحب والمسحوب عليه والمستفيد
2- لا يعتبر السند لأمر عملا تجاريا شكليا على خلاف الكمبيالة التي عملا تجاريا شكليا أيا كان المتعاملون بها.
3- لا وجود لمؤسستي مقابل الوفاء والقبول في السند لأمر خلاف ما هو عليه الحال في الكمبيالة لأن المتعهد الساحب هو في ذات الوقت المسحوب عليه، كذلك الشأن بالنسبة للقبول ما دام أنه السند لأمر لا يكون صحيحا إلا إذا وقعه المتعهد أي قبله على خلاف الكمبيالة التي لم يشترط فيها المشرع توقيع المسحوب عليه كبيان إلزامي مكتفيا بتوقيع الساحب.
4- يغني شرط الإذن والأمر عن تسمية الصك بالسند الإذني أو لأمر (م 232)، في حين أن تخلف تسمية كمبيالة أو عدم ذكرها على السند ذاته يجعلها باطلة ولو كانت تحمل شرط الإذن أو الأمر (م 159).


نموذج للسند لأمر (1)
6000.000 درهم                                          الرباط في: 14 نونبر 2006
السند لأمر
أتعهد أن أدفع إلى السيد أحمد مبلغ ستمائة آلاف درهم في 10 يناير 2007
                                               محل الوفاء:
         توقيع المتعهد:                       البنك:.....................
            توفيق                             رقم الحساب:..............

   




الطابع





نموذج للسند لأمر (2)
الطابع


         10.000 درهم                                               تطوان في: 5 أكتوبر 2007

أتعهد أن أدفع مبلغ عشرة آلاف درهم لأمر المستفيد عمرو
                                                                           تاريخ الاستحقاق في:
         توقيع المتعهد:                                                    22 دجنبر 2007
            خالد                            





الباب الثاني: الشيك (Le Chèque)
تمهيد:
أولا: أهمية الشيك
يعتبر الشيك أحدث نشأة من الكمبيالة، فإذا كانت الكمبيالة قديمة قدم الحضارة الإنسانية، فإن الشيك هو وليد العصور الحديثة، هذا ويرجع المؤرخون ظهور الشيك إلى القرن 18 وذلك مع انتشار ظاهرة البنوك خاصة في أوروبا.
وترتبط فكرة الشيكات نشأة وأهمية بفكرة البنوك من خلال أن المسحوب عليه في الشيك يكون دائما وأبدا بنكا أو مؤسسة مالية، على خلاف ما هو عليه الأمر في الكمبيالة أو السند لأمر، إذ قد يكون المسحوب عليه في الورقة الأولى، أو المتعهد في الورقة الثانية بنكا أو شخصا معنويا من غير البنوك أو شخصا ذاتيا طبيعيا (الإنسان)
وقد ازدهر التعامل بالشيك بحيث أصبح أداة وفاء مهمة للديون إضافة إلى كونه أداة لنقل النقود، ومما زاد من أهمية الشيك هو أن العديد من التشريعات تلزم بعض الأشخاص بالتعامل بالشيك بالنسبة لبعض معاملاتهم. وهو النضج الذي سار فيه المشرع المغربي في مدونة التجارة حيث جاء في المادة 18: "يتعين على كل تاجر، لأغراضه التجارية، أن يفتح حسابا في مؤسسة بنكية أو في مركز للشيكات البريدية".
وفي المادة 306: "يجب أن يقع كل وفاء بين التجار في المعاملات التجارية بشيك مسطر أو بتحويل إذا زاد المبلغ على عشرة آلاف درهم".
يعاقب على عدم مراعاة مقتضيات الفقرة السابقة بغرامة لا تقل مبلغها عن ستة في المائة من المبلغ الموفى.
يسأل كل من الدائن والمدين عن هذه الغرامة على وجه التضامن".
ومما زاد في تشجيع الأشخاص على التعامل بالشيك الحماية القانونية التي يحظى بها والتي تستهدف الحفاظ على الثقة العامة وتدعيم مصداقيته كوسيلة وفاء فورية في التعامل عن طريق سن المشرع لمجموعة من الآليات يغلب عليها طابع الوقائي والردعي خاصة فيما يخص إصدار شيكات بدون مؤونة.
ثانيا: تعريف الشيك
لم يعرف المشرع الشيك ولم يحدد طبيعته أو ماهيته، إلا أن الفقه والقضاء استقرا على وضع تعاريف كلها تركز على أهم خصائص الشيك.
وهكذا يمكن تعريف الشيك بأنه: "ورقة أو صك محرر وفق شكلية حددها القانون يتضمن أمرا صادرا من شخص يسمى الساحب موجه إلى المسحوب عليه (بنك أو مؤسسة مالية) وبذلك بدفع مبلغ من النقود عند الإطلاع لفائدة شخص ثالث هو المستفيد أو الحامل"
ثالثا: الإطار القانوني للشيك
على غرار توحيد قواعد الكمبيالة والسند لأمر على الصعيد الدولي سنة 1930، صدرت في 19 مارس1931 اتفاقية جنيف المنظمة للقواعد المطبقة في مجال الشيك.
أما بالنسبة للمغرب فإن أول عمل تشريعي نظم التعامل بالشيك هو ظهير الالتزامات والعقود الصادر في 12 غشت1913 في الفصول من 325 إلى 334 التي تم إلغاؤها بصدور ظهير 19 يناير1939، والذي تبنى فيه المشرع المغربي مقتضيات اتفاقية جنيف لسنة 1931.
وقد بقيت الأمور جامدة لسنوات طويلة، إلى أن تحركت الآلة التشريعية سنة 1996 بصدور مدونة التجارة التي تضمنت النصوص المنظمة للشيك في المواد من 239 إلى 328 إلى جانب نصوص الكمبيالة والسند لأمر.
وللإحاطة بهذا الموضوع سنتعرض لإنشاء الشيك، ولأنواع الشيكات، ثم سنعالج الوفاء بالشيك وعوارضه، والجرائم المتعلقة بالشيك.
الفصل الأول: إنشاء الشيك
باعتبار الشيك تصرفا قانونيا صرفيا، فلا بد من توفره على الشروط الموضوعية والشكلية التي حددها القانون.
المبحث الأول: الشروط الموضوعية والشكلية للشيك
المطلب الأول: الشروط الموضوعية
يجب لكي ينشأ الشيك صحيحا شأنه شأن الكمبيالة والسند لأمر أن تتوفر في أشخاصه أو أطرافه الشروط الموضوعية اللازمة لقيام وصحة التصرفات عامة.
وما دام التعامل بالشيك يعتبر أصلا من الأعمال المدنية فإنه يجب على منشئ الشيك أن يكون متوفرا على الأهلية اللازمة لممارسة الأنشطة المدنية أي بلوغه 18 سنة شمسية كاملة، دون أن يصاب بعارض من عوارض الأهلية كالجنون والسفه والعته...
كذلك يجب أن يكون رضا الساحب موجودا وخاليا من عيوب الرضا، وأن يكون موضوع أو محل الشيك هو الأمر الناجز بأداء مبلغ معين من النقود (م 239)، وأن يقوم الالتزام بالشيك على سبب مشروع وإلا كان الشيك باطلا وكأن لم يكن.
المطلب الثاني: الشروط الشكلية:
وتتمثل في الكتابة والبيانات الإلزامية
الفقرة الأولى: الكتابة
كما هو الشأن بالنسبة للكمبيالة، فإن الكتابة شرط أساسي لنشوء الشيك وكذا لإثباته فالشيك يحرر، وهذا التحرير يجب أن يحصل كتابة طبعا.
وتضع البنوك عادة رهن إشارة زبنائها دفاتر شيكات مطبوعة بنماذج موحدة، ويبقى على الزبون فقط ملء بعض البيانات، وتصدر هذه النماذج بألوان بارزة وتوجد بها علامات مغناطيسية وذلك للحد من ظاهرة تزويرها.
وقد أوجب المشرع تحرير الشيك وفقا للنماذج المسلمة من المؤسسات البنكية أو الهيئة المرخص لها بذلك بحيث كل تحرير مخالف لهذه النماذج يعتبر غير صحيح، وبذلك يمنع تحرير الشيكات على ورق عادي بالرغم من إدراجه لجميع البيانات المتطلبة لإنشائه، ولكن قد يعتبر سندا عاديا لإثبات الدين إذا توافرت شروط هذا السند (الفقرة الأخيرة من المادة 240 م ت)
الفقرة الثانية: البيانات الإلزامية
وهي كالتالي حسب ما جاء في المادة 239 م ت:
أولا: تسمية الشيك
كما رأينا بالنسبة للكمبيالة، فإن الشيك كذلك لا بد أن تدرج هذه التسمية "شيك" في نص السند ذاته، وأن تحرر بنفس اللغة المستعملة لتحرير هذا السند (ادفعوا مقابل هذا الشيك...)، والغاية من ذلك هو التعرف على ماهية الورقة والتمييز بينها وبين الكمبيالة التي يمكن أن تكون بدورها مستحقة الأداء بمجرد الإطلاع ومسحوبة على مؤسسة بنكية.
ثانيا: الأمر الناجز بأداء مبلغ معين
باعتبار الشيك أداة وفاء سهلة وسريعة، فإن الساحب عند إصداره الأمر إلى المسحوب عليه بأداء مبلغ الشيك، فإن هذا الأمر الصادر عنه يجب أن يكون ناجزا، لذا لا يجوز أن يعلق على شرط أو أجل حتى وإن كان هذا الأجل محددا. وهنا يختلف الشيك عن الكمبيالة فإن كان الأمر في هذه الأخيرة يمكن أن يرتبط بأجل محدد أو قابل للتحديد، وهو ميعاد الاستحقاق، فإن الشيك باعتباره مستحق الوفاء بمجرد الإطلاع فإنه لا يجوز أن يرتبط بأجل حتى وإن كان هذا الأجل محددا.
وهكذا فإن ارتبط الشيك بأجل فإن ذلك لا يعتد به، فإن تم فيه تأخير تاريخ إنشائه لمنع صرفه فور صدروه، فإن ذلك التاريخ المؤخر لا يتعد به ويكون مستحق الوفاء فور صدوره، وهو ما أكدته المادة 267 م ت: "الشيك مستحق الوفاء بمجرد الإطلاع، ويعتبر كل بيان مخالف لذلك كأن لم يكن.
الشيك المقدم للوفاء قبل اليوم المبين فيه كتاريخ لإصداره يجب وفاءه في يوم تقديمه".
والمبلغ المكتوب في الشيك يجب أن يكون نقدا، إذ لا يجوز سحب شيك في شكل بضائع أو قيم منقولة، ويجب ذكر مبلغ النقود بالحروف والأرقام، وقد جرت العادة على ذكر المبلغ بالأرقام في الأعلى وبالحروف في صلب الشيك، وعند الخلاف يعتد بالمبلغ المكتوب بالحروف طبقا للمادة 247 م ت.
وقد منع المشرع اشتراط الفائدة في الشيك (م 245 م ت)، وكل اشتراط يخالف ذلك يجعل الشرط باطلا وكأن لم يكن، أما الشيك فيبقى صحيحا وقائما بوظيفته كاملة.
ثالثا: اسم المسحوب عليه
يعتبر اسم المسحوب عليه بيانا إلزاميا وجوهريا يترتب على تخلفه بطلان الشيك ولا يجوز أن يكون المسحوب عليه سوى مؤسسة بنكية أو فرعا أو وكالة تابعة لها، أو هيئة أخرى يخول لها القانون صلاحية مسك حسابات يمكن أن تسحب عليها الشيكات (م 241) كالخزينة العامة والقرض العقاري وقابضي إدارة المالية، كما يمكن أن يكون المسحوب عليه مصلحة الشيكات البريدية.
ويعاقب الساحب الذي يصدر شيكا على غير المؤسسات البنكية أو ما في حكمها بغرامة قدرها 6% من مبلغ الشيك على ألا يقل مبلغ هذه الغرامة عن مائة درهم (م 307)
ولا يمكن للمؤسسة البنكية أو الهيئات التي خول لها القانون صلاحيات مسك حسابات أن تقوم بسحب شيكات على نفسها، أي أن تكون ساحبة ومسحوبا عليها إلا استثناء بتوفر شروط معينة حددتها المادة 244 م ت وهي:
- أن يكون سحب الشيك قد تم من بنك على أحد فروعه
- أن يكون هذا الشيك اسميا وليس للحامل
رابعا: مكان الوفاء
هذا المكان غالبا ما يكون هو مكان المسحوب عليه، إلا أنه ليس هناك ما يمنع أن يحدد مكان اختياري للوفاء (المحل المختار)، إلا أن هذا المحل المختار يجب أن يكون بنكا.
واستثناء من قاعدة بطلان بطلان الشيك لتخلف بيان إلزامي، فإن عدم ذكر مكان الوفاء في الشيك لا يؤدي إلى بطلانه، بل يبقى صحيحا، ويعتبر مكان الوفاء هو المكان المذكور بجانب اسم المسحوب عليه، وإذا لم يذكر أي مكان بجانب اسم المسحوب عليه اعتبر مكان الوفاء هو مكان وجود المقر الرئيسي للبنك المسحوب، وإذا ذكرت عدة أماكن بجانب اسم المسحوب عليه، فإن مكان الوفاء يعتبر هو المكان الذي ذكر في الأول (م 240)
خامسا: تاريخ ومكان إنشاء الشيك
جعل المشرع من تاريخ إنشاء الشيك بيانا إلزاميا يؤدي تخلفه إلى بطلان الشيك (م 239)، إذ على إثره يتحدد تاريخ وأجل التقديم للوفاء الذي يبدأ احتسابه من التاريخ المبين في الشيك كتاريخ للإصدار، حيث إذا كان الشيك صادرا في المغرب ومستحق الوفاء به، وجب تقديمه للوفاء داخل أجل 20 يوما.
أما إذا كان الشيك صادرا خارج المغرب وكان مستحق الوفاء به وجب تقديمه للوفاء داخل أجل 60 يوما وهذا ما أكدته المادة 267 م ت
كما يفيد تحديد تاريخ الإنشاء في تحديد أهلية الساحب، وتوفر الرصيد أو المؤونة الذي يجب أن يكون موجودا عند إصدار الشيك، وإلا اعتبر الشيك بدون رصيد أو بدون مؤونة.
ويعاقب الساحب الذي يصدر شيكا دون أن يعين فيه تاريخ الإنشاء بغرامة مالية قدرها 6% من مبلغ الشيك على ألا يقل مبلغ الغرامة عن مائة درهم (م 307)
ولا يترتب على وضع تاريخ إنشاء غير حقيقي أو كاذب بطلان الشيك لأنه مع ذلك يحمل تاريخا، كل ما في الأمر أنه تاريخ كاذب أو مغلوط، يعاقب عليه بالعقوبة المشار إليها أعلاه.
وينبغي أن يتضمن الشيك إلى جانب تاريخ الإنشاء مكان إنشائه، فإن لم يذكر هذا البيان بطل الشيك، ما لم يعين مكان بجانب اسم الساحب (م 240)، ويعاقب الساحب أيضا على هذا الإهمال أو الإغفال بنفس الغرامة المذكورة أعلاه (م307).
وتتجلى أهمية ذكر مكان إنشاء الشيك خاصة في حل مشكل تنازع القوانين، وتحديد القانون الواجب التطبيق.
سادسا: اسم وتوقيع الساحب
طبقا للمادة 239 والمادة 308 من م ت يتوجب على كل مؤسسة بنكية أو هيئة مماثلة أن تسلم لزبونها صيغ شيكات على بياض قابلة للوفاء بصندوقها، أن تضمن في كل صيغة اسم الشخص الذي سلمت له أي الساحب تحت طائلة بطلان الشيك الخالي من هذا البيان، لأن تخلف هذا البيان لا يدخل ضمن الاستثناءات التي حددت على سبيل الحصر.
ويجب على الساحب إن أغفل البنك إدراج هذا البيان أن يتدارك الأمر بوضع اسمه، وإلا تحمل نتيجة بطلان الشيك، وإن كان من الممكن أن يعتبر سندا عاديا لإثبات الدين إن توفرت شروط هذا السند، مع بقاء مسؤولية البنك قائمة عن هذا الإهمال لأنه هو الآخر ملزم بتضمين كل صيغة اسم الشخص الذي سلمت له.
ولا ينشأ الشيك صحيحا ومنتجا لآثاره إلا إذا وقعه الساحب، ولا يمكن أن يكون التوقيع، سواء صدر عن الساحب أو عن وكيله إلا خطيا أي استبعاد وسائل التوقيعات الأخرى.
ويتوجب على البنك قبل الوفاء أن يتأكد من صحة توقيع الساحب، استنادا إلى التوقيع الأصلي المودع لديه قبل فتح الحساب والتأكد من عدم تزويره أو تقليده وإلا تحمل بالمسؤولية عن الإهمال وتوجب عليه إصلاح الأضرار اللاحقة بالساحب
وإلى جانب هذه البيانات الإلزامية يملك الأطراف كامل الحرية لإضافة بيانات اختيارية تنظم العلاقات بينهم، شرط أن لا تكون مخالفة لطبيعة قانون الصرف الذي يحكم الشيك، أو بيانات يمنع إدراجها أو مخالفة للنظام العام
الفقرة الثالثة: الآثار المترتبة عن تخلف البيانات الإلزامية
بعد أن حددت المادة 239 من م ت البيانات التي يجب أن يشتمل عليها الشيك، جاءت المادة 24 منه لتبين الأثر الذي يترتب على تخلف إحدى البيانات المذكورة حيث يصبح الشيك باطلا إلى في حالتين تتعلق بمكان الوفاء ومكان الإنشاء
1- فإذا لم يعين مكان الوفاء يعتبر المكان المعين بجانب اسم المسحوب عليه مكانا للوفاء.
ما لم يرد في السند خلاف ذلك، وإذا عنيت عدة أمكنة إلى جانب المسحوب عليه وجب الوفاء في المكان المعين أولا.
وإذا كان الشيك خاليا من البيانات أعلاه أو من بيان آخر، وجب الوفاء في المكان الذي توجد به المؤسسة الرئيسية للمسحوب عليه.
2- إذا خلا الشيك من بيان مكان إنشائه، اعتبر منشأ في المكان المبين بجانب اسم الساحب.
المبحث الثاني: أنواع الشيكات
 تتخذ الشيكات صورا وأنواعا مختلفة، تتميز بخصائص ومقومات ذاتية تحكمها مقتضيات خاصة بها، أو لمجرد الاتفاق الناشئ بين المؤسسات البنكية المسحوب عليها والساحب من جهة والساحب والحامل والمستفيد من جهة أخرى، أو تخضع للمقتضيات القانونية المنظمة للشيك العادي
المطلب الأول: الشيك المخطط أو المسطر (Le Chèque Barré)
إن الشيك المخطط هو شيك عادي، إلا أن ما يتميز به هو ذلك التخطيط الذي يرد عليه وهو بيان اختياري ووضع هذا البيان الاختياري يجعل هذا الشيك يختلف عن الشيك العادي سواء من حيث الشكل أو الأداء.
الفقرة الأولى: شكل الشيك المخطط
يعتبر الشيك مخططا كل شيك وضع على وجهه خطين متوازيين، سواء ورد هذين الخطين المتوازيين في الأعلى أو الأسفل في اليمين أو اليسار، المهم هو أن يرد هذا التخطيط على وجه الشيك.
والغاية من الشيك هو تلافي مخاطر السرقة والضياع لأن التخطيط يحول دون الوفاء إلى الحامل أو المستفيد شخصيا، وإنما يفرض على المؤسسة البنكية أو الهيئة المسحوب عليها أن تفي بالمبلغ إما لأحد زبائنها أو لمؤسسة بنكية حيث يدرج في حساب الحامل أو المستفيد.
ويكون التسطير بوضع خطين متوازيين من طرف الساحب أو الحامل، وأن يكون عاما أو خاصا (م 280)، ويعد التسطير عاما "Le Barrement Général" إذا وضع الخطين المتوازيين دون كتابة أي شيء بينهما (/      /)، أو كتابة لفظة "مؤسسة بنكية" دون تحديد هوية أو اسم المؤسسة البنكية المعينة \مؤسسة بنكية\.
ويعتبر التسطير خاصا "Le Barrement Spécial" إذا وضع بين الخطين اسم مؤسسة بنكية أي محددة الهوية وهو البنك الذي سيتولى تحصيل مبلغ الشيك لفائدة زبونه مثلا: (/بنك الوفاء/) (/البنك الشعبي/).
ويمكن تحويل التسطير العام إلى تسطير خاص، ويكفي لذلك وضع اسم المؤسسة البنكية بين السطرين العامين، ولكن العكس غير صحيح، أي أنه لا يمكن تحويل التخطيط الخاص إلى التخطيط العام بحيث لا يمكن حذف أو التشطيب على اسم البنك المحدد بين الخطين، ويعتبر ذلك الحذف كأن لم يكن، ويبقى التخطيط الخاص ساري المفعول (م 280 م ت).
كما أن التخطيط ككل لا يمكن حذفه أو شطبه، فإذا تم تخطيط الشيك سواء كان هذا التخطيط عاما أو خاصا فلا بد يمكن التراجع عنه بشطبه أو حذفه (م280).
الفقرة الثانية: أداء الشيك المخطط
أن البنك لا يمكنه أن يستلم شيكا مخططا إلا من أحد زبائنه أو من رئيس مكتب الشيكات البريدية أو من بنك آخر. فلا يجوز للبنك أن يحَصَِل قيمة الشيك المخطط لغير هؤلاء (م 281)، أما بالنسبة لأداء الشيك المخطط فإنه يجب التمييز ما بين إذا كان التخطيط عاما أو خاصا.
- فإذا تعلق الأمر بأداء شيك مخطط تخطيطا عاما فإن البنك المسحوب عليه لا يمكنه أن يؤدي مبلغ هذا الشيك إلا إلى مؤسسة بنكية أو لأحد زبنائها.
- أما إذا تعلق الأمر بأداء شيك مخطط تخططيا خاصا فلا يمكن للبنك المسحوب عليه أن يؤدي مبلغ هذا الشيك إلا للبنك المعين في هذا التخطيط الخاص، أي البنك الذي ذكر بين الخطين المتوازيين.
المطلب الثاني: الشيك المعتمد (Le Chèque Certifié)
يقصد بالشيك المعتمد الإشهاد من طرف المؤسسة البنكية بوجود المؤونة أو الرصيد وتجميدها لفائدة الحامل أو المستفيد تحت مسؤولية البنك إلى حين انتهاء أجل تقديم الشيك للوفاء (م 242).
ويتم الاعتماد بتوقيع المسحوب عليه على وجه الشيك (م 242)، هذا وأن المسحوب عليه ملزم باعتماد الشيك كما طلب منه ذلك الحامل أو الساحب، ولا يمكنه رفض اعتماد الشيك إلا إذا كان الرصيد غير موجود أو غير كافي.
وطلب اعتماد الشيك يتم إما من قبل الساحب فيتم إعتماده قبل أن يسلمه إلى الحامل، أو أن يسلم الشيك للحامل وهو الذي يتقدم إلى المسحوب عليه بطلب اعتماده.
ويترتب عن اعتماد الشيك أن المسحوب عليه يتعهد بأمرين:
1- الإقرار بوجود الرصيد أو المؤونة وكفايتها.
2- المحافظة على الرصيد طيلة مدة التقديم لفائدة حامل الشيك.
المطلب الثالث: الشيك المؤشر عليه (Le Chèque Visé)
يختلف الشيك المؤشر عليه أو الحامل للتأشيرة "La Visa" اختلافا جوهريا عن الشيك المعتمد، حيث أن التأشير لا يفيد سوى وجود مقابل الوفاء في تاريخ التأشير، في حين أن الاعتماد يعني وجود مقابل الوفاء أي الرصيد وتجميده من طرف المؤسسة البنكية تحت مسؤوليتها لفائدة الحامل إلى انتهاء الأجل القانوني لتقديم الشيك للوفاء ضمانا للوفاء.
ويتم التأشير بتوقيع المؤسسة البنكية على الشيك بالتأشير ووضع تاريخه من طرفها، وبالتأشير تشهد المؤسسة البنكية على توفر المؤونة لديها يوم التأشير، فإن لم تكن لديها المؤونة ومع ذلك اشرت تلزم بالوفاء إن قدم لها الشيك للإدلاء يوم التأشير.
ولم يشر المشرع المغربي للتأشير في المواد المنظمة للشيك على عكس الاعتماد، ومع ذلك يجري العمل به، كما أن الممارسة البنكية تقره وإن كان نادر الوقوع من الناحية العملية.
المطلب الرابع: الشيكات البريدية (Les Chèques Postaux)
يعتبر الشيك البريدي نوعا خاصا من الشيكات، ذلك أن المشرع خصه بإطار قانوني، وسن له أحكاما خاصة تختلف عن أحكام الشيك العادي. حيث رخص المشرع المغربي منذ أمد بعيد لمؤسسة البريد بإنشاء وتنظيم مصلحة للحسابات الجارية والشيكات البريدية بموجب ظهير 12 ماي1926 والقرار الوزاري الصادر في 15 ماي1926، إضافة إلى ظهير 11 أبريل1930، والمرسوم الصادر في 29 يناير1997 الذي نسخ بعض أحكام مرسوم 15 ماي 1926.
ولقد ازدادت أهمية الشيك البريدي عند ما فرض المشرع على كل تاجر لأغراضه التجارية أن يفتح حسابا في مؤسسة بنكية أو في مركز للشيكات البريدية (م 18 م ت).
وهكذا يمكن تعريف الشيك البريدي بأنه: "سند أو صك يحرر كتابة وفقا للبيانات الإلزامية يتضمن أمرا صادرا من الساحب إلى مكتب البريد المسحوب عليه بأن يدفع مبلغا نقديا بمجرد الإطلاع إلى شخص ثالث هو المستفيد أو الحامل".
ونظرا للطبيعة الخاصة بالشيك البريدي، فإنه يختلف في العديد من الجوانب عن الشيك العادي والتي سنتعرض لها بإيجاز فيما يلي:
أولا: لكل من الشيكين نظام خاص به وقواعد خاصة تحكمه، فالشيك البريدي يخضع لظهير 12 ماي1926، والقرار الوزاري 25 ماي1926، ومرسوم 29 يناير1997، أما الشيك البنكي أو العادي فيخضع للمواد من 239 إلى 329 من م ت، إلا أن بعض الإجراءات الحمائية والجنائية التي تحكم الشيك البنكي تشمل كذلك الشيك البريدي ضمانا لمصداقية هذا الأخير، وحماية لثقة المتعاملين به (م328).
ثانيا: يختلف أجل تقديم الشيك البريدي عن أجل تقديم الشيك البنكي أو العادي، فمدة التقديم في الشيك العادي هي 20 يوما إذا كان هذا الأخير صادرا في المغرب ومستحق الوفاء فيه، و60 يوما إذا كان صادرا خارج المغرب ومستحق الوفاء فيه، بينما أجل التقديم في الشيك البريدي هي 12 شهرا تبتدئ من تاريخ الإصدار إلى تاريخ وصول الشيك إلى مكتب الشيكات البريدية (م27 من القرار الوزاري لـ29 يناير1997)
إلا أن الشيك البنكي يبقى صالحا وأداة للوفاء حتى بعد فوات أجل التقديم ما لم يدركه التقادم (م 295) عكس الشيك البريدي حيث تعتبر مدة صلاحيته منتهية بمرور مدة 12 شهرا، ويعتبر باطلا ولا عمل به.
ثالثا: إن الشيك العادي يقبل التداول عن طريق التظهير ما لم يرد عليه بيان اختياري يمنعه من ذلك، أما الشيك البريدي فهو لا يقبل التظهير مطلقا.
رابعا: إذا لم يحصل الوفاء للحامل في الشيك العادي، كان هذا الأخير ملزما بإقامة الاحتجاج من أجل الرجوع على بقية الملتزمين بالكمبيالة، بينما حامل الشيك البريدي معفى من القيام بهذا الاحتجاج ما دام مكتب الشيكات البريدية يكون ملزما في حالة عدم الوفاء بإرجاع الشيك للحامل مصحوبا بشهادة عدم الوفاء التي تقوم مقام الاحتجاج.
الفصل الثاني: تداول الشيك والضمان الاحتياطي
يعتبر تداول الشيك عن طريق التظهير قليل الوقوع من الناحية العملية إذا ما قورن مع تداول الكمبيالة، ومرد ذلك لكونه أداة للوفاء لا للإئتمان، ومستحق الوفاء بمجرد الإطلاع. الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف خاصية انتقال الشيك عن طريق التظهير. كما أنه يمكن أن يكون موضوعا للضمان الاحتياطي وعموما تبقى كل من مؤسستي التظهير والضمان الاحتياطي متشابهة لما هو عليه في الكمبيالة، لذلك سنقتصر على دراسة بعض الاختلافات الموجودة بينهما.
المبحث الأول: تداول الشيك (التظهير)
لا يختلف تداول الشيك عن تداول الكمبيالة والسند الإذني إلا قليلا، لذلك سنقتصر على دراسة بعض الاختلافات الموجودة بين هذه المؤسسات القانونية فقط.
1- يمكن أن ينشأ الشيك لأول مرة للحامل (Au Porteur) (م243 م ت) على عكس الكمبيالة والسند لأمر، الذي أوجب القانون أن ينشأ لأول مرة مع ذكر اسم المستفيد تحت طائلة البطلان.
2- لا يمكن للمسحوب عليه في الشيك (المؤسسة البنكية أو الهيئة المماثلة) إن ظهر إليه الشيك أن يظهره من جديد، لأن تظهير الشيك المسحوب عليه يعتبر مخالصة، إلا إذا كان للمسحوب عليه عدة مؤسسات، وحصل التظهير لمصلحة مؤسسة غير التي سحب عليها الشيك (م 254 م ت) وعلى عكس ذلك، ففي الكمبيالة يجوز للمسحوب عليه المظهر إليه أن يظهرها من جديد سواء كان قابلا لها أو غير قابل. (م 167 م ت)
3- إن التظهير التأميني للشيك لا يمكن وقوعه على عكس الكمبيالة والسند الإذني، لأنه يغير من طبيعة الشيك باعتباره أداة الوفاء إلى الائتمان، لذلك لم يتعرض المشرع عند تنظيمه للشيك للتظهير التأميني، مكتفيا بالتظهير التام أو الناقل للملكية م 256 م ت والتظهير التوكيلي (م 262 م ت)، مخافة حدوث تحايل لإخفاء جريمة الاحتفاظ بالشيك على وجه الضمان التي يعاقب عليها المشرع بالحبس من سنة إلى 5 سنوات وبغرامة تتراوح بين 2000 و10000 درهم، دون أن تقل قيمتها عن 25% من مبلغ الشيك أو الخصاص (م 316 م ت).
المبحث الثاني: الضمان الاحتياطي
يخضع الضمان الاحتياطي في الشيك لنظام قانوني شبيه بالضمان الاحتياطي في الكمبيالة (م 264 إلى 266 م ت)، ما عدا في مسألتين:
1- لا يمكن أن يقع الضمان الاحتياطي في الشيك من طرف المؤسسة البنكية المسحوب عليها، (م 266 م ت) على عكس الكمبيالة التي يجوز فيها للمسحوب عليه أن يكون ضامنا احتياطيا.
2- كل توقيع على وجه الشيك غير توقيع الساحب يعد ضمانا احتياطيا (م265 م ت) أما في الكمبيالة فيعتبر الضمان الاحتياطي حاصلا بمجرد توقيع الضامن على وجه الكمبيالة، م لم يتعلق بتوقيع الساحب والمسحوب عليه.
الفصل الثالث: الوفاء والمؤونة (مقابل الوفاء)
يعتبر الشيك أداة وفاء وليس أداة ائتمان ولاستيفاء الحامل لدينه يجب تقديم الشيك للوفاء في أجل معين، ووجود مؤونة لدى البنك المسحوب عليه.
المبحث الأول: تقديم الشيك للوفاء وعوارض الأداء
المطلب الأول: التقديم للوفاء
يعتبر الشيك أداة وفاء، فهو يغني عن استعمال النقود، غير أن قبول الدائن شيكا من طرف المدين استيفاء لدينه لا يعتبر وفاء للدين، إلا إذا تم استخلاص مبلغ هذا الشيك من عند المؤسسة البنكية المسحوب عليها، ولذا يجب على الحامل تقديم الشيك للوفاء داخل الأجل القانوني الذي حدده المشرع وإلا فقد حقه في الرجوع الصرفي.
وتقضي المادة 267 م ت بأن الشيك مستحق الوفاء بمجرد الإطلاع عليه، ما لم يكن هناك تعرض مشروع، كما نصت نفس المادة على أن الشيك المقدم للوفاء قبل اليوم المبين فيه كتاريخ لإصداره يجب وفاءه في يوم تقديمه، لذا يجب على المؤسسة البنكية أداء مبلغ الشيك فور تقديمه إليها إن كانت لديها المؤونة الكافية، حتى لو كان يحمل هذا الشيك تاريخا لاحقا لتاريخ تقديمه للوفاء، فالشيك لا يتضمن تاريخ الاستحقاق، بل يحمل تاريخ الإنشاء وليس من حق المؤسسة البنكية أن تعطي مهلة للوفاء أو ترفض الوفاء ما دامت تتوفر على المؤونة ولا توجد أسباب مشروعة للرفض كعدم مطابقة توقيع الساحب للنموذج المودع لديها، أو تخلف أحد البيانات الإلزامية في الشيك...... أو غيرها.
المطلب الثاني: الوفاء الجزئي
يجوز الوفاء الجزئي في الشيك ولا يستطيع الحامل رفضه إذا ما عرض عليه، وليس كذلك من حق البنك المسحوب عليه الشيك رفض الوفاء الجزئي إذا طولب منه، إذ يحق للحامل أن يطالب بالوفاء في ما هو متوفر من مؤونة لدى المسحوب عليه، وفي هذه الحالة يحق للبنك المسحوب عليه أن يثبت على الشيك المبلغ الذي تم الوفاء به حتى يطمئن إلى عدم إمكانية مطالبة مرة ثانية بالمبلغ الذي دفعه، كما أن للحامل أن يحتفظ به ليباشر بمقتضاه الرجوع على الساحب وبقية الملتزمين لاستيفاء القدر الباقي من قيمته.
المطلب الثالث: آجال تقديم الشيك للوفاء
يجب تقديم الشيك للوفاء داخل أجل عشرين يوما تحتسب من اليوم الموالي لسحبه إذا كان صادرا في المغرب وواجب الأداء به، أو داخل سنتين يوما تحتسب من اليوم الموالي لسحبه إذا كان الشيك صادرا خارج المغرب ومستحق الوفاء به.
لكن أجل الوفاء بالشيك يبقى قائما مع ذلك ولو لم يقع التقديم داخل الأجل القانوني ما لم يطله التقادم، لأن الغاية من التقديم داخل الأجل القانوني هو حماية حقوق الحامل في الرجوع الصرفي على بقية الموقعين في الشيك.
وإذا حالت قوة قاهرة دون تقديم الشيك في الآجال المذكورة أعلاه، أمكن تمديد هذه الآجال (م 291 م ت) مع إخطار الحامل لمن ظهر له الشيك بالقوة القاهرة وتقييد الإخطار وتأريخه مع توقيعه على الشيك ذاته، ولا يمكن تقديم الشيك للأداء إلا في يوم من أيام العمل، وإذا صادف آخر يوم في أجل التقديم يوم عطلة، يمدد الأجل إلى أول يوم عمل موالي للعطلة، غير أن أيام العطل التي تقع ضمن أجل التقديم تدخل ضمن هاته المدة وتحتسب في الآجال.
ويحصل أحيانا أن يؤخر الساحب تاريخ تحرير الشيك، في مثل هذه الحالة يحق للحامل تقديمه فور حصوله عليه دون انتظار الميعاد المحدد فيه كتاريخ لتحريره. والقول بغير ذلك يعني منح مهلة للوفاء عن طريق التلاعب في تاريخ تحرير الشيك، وهذا مخالف لطبيعة الشيك كأداة وفاء واجب الدفع بمجرد الإطلاع، بل أكثر من ذلك نجد أن القانون يعاقب كل شخص قام عن علم بقبول أو تظهير شيك بشرط ألا يستخلص فورا وأن يحتفظ به على سبيل الضمان (م 316 م ت).
المطلب الرابع: التعرض على الوفاء (عوارض الأداء)
يلتزم البنك المسحوب عليه أن يؤدي قيمة الشيك للحامل فور تقديمه إليه ولو بعد انصرام الأجل المحدد للتقديم (20 أو60 يوما حسب الآجال) إذا كانت لديه مؤونة، حيث لا يقبل أي تعرض على أداء الشيك إلا في الحالات التي حددها المشرع في المادة 271 م ت.
أولا: حالات التعرض: وتتمثل في حالة ضياع الشيك أو سرقته أو تزويرية، أو الاستعمال التدليسي له، ثم حالة التسوية أو التصفية القضائية للحامل.
1- حالة ضياع الشيك:
يقصد بها كل حالة تؤدي إلى فقدان الشيك من يد صاحبه لأي سبب خارج عن إدراته، والغاية من التعرض هنا هي حماية حقوق الساحب وكذا الحامل من الضياع، وحرمان من عثر على الشيك من الاستيلاء على أموال الغير دون حق.
2- سرقة الشيك:
على الرغم من أن هذه الحالة تشترك مع الحالة الأولى في كون زوال اليد في كليهما غير إرادي، فإن هناك اختلاف جدري بينهما، ففي حالة الضياع، فإن زوال اليد يكون نتيجة خطأ أو إهمال حامل الشيك، أما في الحالة الثانية فزوال اليد كان بفعل أحد من الأغيار دون أن يكون هناك بالضرورة محل لخطأ أو إهمال ممن ضاع منه الشيك، فهنا نكون أمام جريمة اختلاس مال مملوك للغير طبقا لنص المادة 505 ق الجنائي
3- الاستعمال التدليسي للشيك
عبارة واسعة وعامة وفضفاضة، يبقى للتطبيقات القضائية والنقاشات الفقهية دور كبير في إزالة الغموض عنها، فهي تتمثل في جميع صور خروج الشيك في حوزة الساحب بغير إرادته لنصب أو تدليس.
4- تزوير الشيك:
يقصد به كل تزييف أو تحريف أو تغيير بيان بيانات الشيك بالمحو أو الإضافة أو الزيادة أو النقصان، كتزوير التوقيع أو المبلغ...... وغيره ويخضع التزوير لجزائين: جزاء جنائي (م 316 م ت)، وجزاء مدني (م 294 م ت).
5- الحكم على الحامل بالتسوية أو التصفية القضائية.
من حق الساحب أن يتعرض على الوفاء في هذه الحالة استنادا إلى المادة 271 م ت، إلا أنه يهدف إلى حماية مصلحة الدائنين، حيث يمكن أن يكون واحدا متهم، في حالة إذا كان قد أصدر الشيك ليس وفاء لدينه، وإنما على سبيل السلفة أو القرض، فيعلم بالحكم على الحامل بمسطرة من مساطر المعالجة، فيبادر إلى تدارك الأمر قبل فوات الآوان ويتعرض على وفاء الشيك، كما أن هذا الحق يثبت كذلك للسنديك، وإن لم ينص عليه القانون المنظم للشيك، إذا استنادا إلى المقتضيات القانونية لمساطر معالجة صعوبات المقاولة يحق للسنديك أن يستعمل حسابات المقاولة البنكية أو البريدية لما فيه مصلحة المقاولة (م 577 م ت)، كما أنه يمكن للسنديك أن يقوم بالتسيير الكلي (م 619 م ت) أو الجزئي للمقاولة (م 576 م ت)، وبالتالي يمكنه ممارسته حق التعرض على الوفاء حماية لمصلحة المقاولة ودائنيها.
وللحامل في حالة وقوع التعرض على الوفاء في غير الحالات المذكورة أعلاه، أن يطلب من قاضي الأمور المستعجلة رفع التعرض المذكور بعد تبليغ الطلب إلى الساحب، وعلى قاضي الأمور المستعجلة أن يأمر بناء على طلب الحامل برفع التعرض على الوفاء وقراره هذا يكون مشمولا بالنفاذ المعجل.
ثانيا: إجراءات التعرض
حسب نص المادة 271 م ت فإنه يجب: "على الساحب أن يؤكد تعرضه كتابة وبصفة فورية كيفما كانت الوسيلة المستعملة في تلك الكتابة وأن يدعم ذلك بالوثائق الضرورية". أي أن التعرض يجب أن يكون صريحا، معبرا عن إرادة الساحب في منع الوفاء بقيمة الشيك، عن طريق الكتابة التي تأتي أما في شكل رسالة مضمونة أو برقية أو عبر البريد الالكتروني، أو بأية وسيلة تمكن من وصول التعرض إلى المسحوب عليه بشكل مكتوب وإلا كان عديم الأثر.
المبحث الثاني: وجود المؤونة وانعدامها
المطلب الأول: وجود المؤونة
تعرف المؤونة أو الرصيد بالدين النقدي الذي للساحب على المؤسسة البنكية أو من في حكمها.
وتعتبر المؤونة أهم ضمان في الشيك، وقد تطلب المشرع وجودها عند الإصدار، لأن الشيك يكون مستحق الوفاء بمجرد الإطلاع، ويعتبر كل بيان مخالف لذلك كأن لم يكن (م 267 م ت).
ويجب أن تتوفر في المؤونة مجموعة من الشروط تتجلى في:
أ- يجب أن تكون المؤونة مبلغا من النقود، معينة وناجزة
ب- يجب أن تكون المؤونة موجودة فعلا لدى البنك المسحوب عليه وقابلة للتصرف فيها، أي قابلة للسحب بواسطة الشيك. (م 241 م ت)
ج- يجب أن تكون المؤونة موجودة وقت إصدار الشيك
د- يجب أن تكون مساوية على الأقل لمبلغ الشيك
المطلب الثاني: انعدام المؤونة
يجب أن تكون المؤونة موجودة وقت إصدار الشيك، أي وقت خروج الشيك المحرر والموقع من حوزة الساحب وتسليمه إلى المستفيد، أي إن إغفال الساحب الحفاظ على المؤونة أو تكوينها لأداء الشيك عند تقديمه للوفاء يعرضه للعقاب والمساءلة الجنائية بصرف النظر عن حسن أو سوء نيته، (م 316 م ت) مستبعدا تطبيق المادة 543 من القانون الجنائي من التطبيق على جرائم الشيك.
وقد جاءت مدونة التجارة بتصور جديد لمعالجة معظلة إصدار شيكات بدون مؤونة يقوم أساسا على الإجراءات الوقائية المتمثلة في الحظر البنكي والقضائي قبل اللجوء إلى الردع الجنائي.
أولا: الحظر البنكي
يرجع الأساس القانوني للحظر أو المنع البنكي إلى المادتين 312 و313 من م ت اللتان تقضيان بحرمان صاحب الحساب لدى مؤسسة بنكية من حقه في التعامل أو استعمال الشيكات خلال مدة معينة نتيجة إخلاله بالوفاء لعدم وجود المؤونة أو عدم كفايتها، وهكذا يسقط حق صاحب الحساب في استعمال الشيكات لمدة عشر سنوات تبتدئ من تاريخ التوصل بأمر التوقف، ولا يبقى من حقه إلا استعمال شيكات السحب، إذ خول له المشرع الحق في سحب الودائع النقدية التي لديه لدى المؤسسة البنكية، أو الشيكات التي تم اعتمادها، وكل تصرف مخالف لذلك يؤدي إلى تعرض صاحب الحساب للعقوبة المتمثلة في الحبس من شهر إلى سنتين وبغرامة من 1000 إلى 10000 درهم، وتطبق نفس العقوبة على الوكيل الذي أصدر عن علم شيكات منع إصدارها على موكله عملا بمقتضيات المادتين 313 و317 م ت.
ثانيا: إجراءات التسوية ووقف المتابعة
يمكن لصاحب الحساب وقف الإجراءات المتخذة ضده بمناسبة إخلاله بالوفاء وذلك بمبادرته إلى إجراء التسوية وفق ما نصت عليه م 313 م ت، وذلك في أي وقت طيلة مدة المنع ليستعيد من خلالها الحق في إصدار الشيكات من جديد وذلك بعد استيفاء الشرطين التاليين:
1- أداء مبلغ الشيك غير المؤدى، أو توفير مؤونة كافية وموجودة لأداته من طرف المسحوب عليه.
2- أداء غرامة مالية تتصاعد تدريجيا حسب عدد العوارض المرتكبة من طرف الساحب على الشكل التالي:
+ 5% من مبلغ الشيك أو الشيكات غير المؤداة موضوع الإنذار الأول
+ 10% من مبلغ الشيك أو الشيكات موضوع الإنذار الثاني
+ 20% من مبلغ الشيك أو الشيكات موضوع الإنذار الثالث، وكذا الإنذارات اللاحقة.
ثالثا: المتابعة القضائية
يخضع صاحب الحساب البنكي الذي أغفل أو لم يقم بتوفير المؤونة، أو لم يقم بتسوية وضعية مسبقا لجزاءات تتمثل في العقوبة الحبسية وغرامات مالية ومنع قضائي.
1- العقوبة الحبسية: وتتمثل في الحبس من ستة إلى خمس سنوات م 316 م ت، مع إمكانية الاستفادة من إجراء وقف التنفيذ أو تخفيض عقوبة الحبس أو إسقاطها بالنسبة للساحب أو بالنسبة لكل مساهم أو مشارك إذا قام ساحب الشيك بدون مؤونة بتكوين أو إتمام المؤونة خلال أجل عشرين يوما من تاريخ التقديم (م325 م ت).
2- الغرامة المالية: بالإضافة إلى العقوبة الحبسية، يخضع الساحب الذي أغفل أو لم يقم بتوفير مؤونة الشيك لغرامة مالية تتراوح بين 2000 و10000 درهم دون أن تقل قيمتها عن 25% من مبلغ الشيك أو الخصاص.
3- المنع القضائي: يجوز للمحكمة في الحالات المنصوص عليها في المادة 316 أن تمنع المحكوم عليه خلال مدة تتراوح بين سنة وخمس سنوات من إصدار شيكات غير التي تمكنه من سحب مبالغ مالية لدى المسحوب عليه أو شيكات معتمدة، وهي عقوبة إضافية يجوز للمحكمة النطق بها طبقا لسلطتها التقديرية، على خلاف المنع البنكي الذي هو إلزامي ووجوبي.
كما يجوز للمحكمة أن تأمر بنشر ملخص الحكم القضائي بالمنع في الجرائد التي تعينها طبقا للكيفية التي تحددها على نفقة المحكوم عليه مع التزامها بإعلام بنك المغرب بملخص الحكم بالمنع الذي يجب عليه أن يخبر به المؤسسات البنكية.
وحرصا من المشرع على ضمان فعالية الإجراءات الوقائية والردعية التي جاء بها في مدونة التجارة، فقد عاقب كل من يقوم بخرق هذا المنع بالحبس من شهر إلى سنتين وبغرامة من 1000 إلى 10000 درهم سواء صدر هذا الخرق من صاحب الحساب أو من وكيله الذي يعلم أن موكله ممنوع من إصدار الشيكات، وتضاعف هذه العقوبة متى تم سحب الشيكات خرقا للمنع ورفض وفاؤها عند التقديم لعدم وجود مؤونة كافية.
المبحث الثالث: دعوى الرجوع الصرفي
خلافا للكمبيالة، لا يوجد في الشيك رجوع قبل أو في تاريخ الاستحقاق، كما لا يوجد فيه احتجاج عدم القبول، بل يوجد فيه الرجوع لعدم الوفاء عند التقديم، لأن الشيك يكون مستحق الأداء بمجرد الإطلاع عليه.
المطلب الأول: إجراءات الدعوى الصرفية
أولا: إقامة الاحتجاج: يعتبر الاحتجاج إجراء لا بد منه حتى يتسنى للحامل الرجوع على الملتزمين بالشيك – فرادى أو مجتمعين دون اتباع أي ترتيب معين- إذا ما رفض المسحوب عليه أداء الشيك المقدم إليه، ويتم إقامة الاحتجاج قبل انتهاء أجل التقديم (20 أو 60 يوما حسب الأحوال)، ما لم يعترضه سبب من أسباب القوة القاهرة، فإن لم يقع التقديم إلا في اليوم الأخير من الأجل، أمكن إقامة الاحتجاج في أول يوم عمل يليه.
ويجب أن يقام الاحتجاج بواسطة أعوان كتابة الضبط للمحكمة الموجود بدائرتها موطن الملزم بوفاء الشيك أو أي موطن معروف له وذلك طبقا لما نص عليه المشرع في المادتين 298 و300 م ت.
ثانيا: توجيه الإعلام
يوجه حامل الشيك إعلاما بعدم الوفاء إلى الساحب أو إلى من ظهر إليه الشيك داخل أجل ثمانية أيام الموالية لإقامة الاحتجاج أو ليوم التقديم أن تضمن الشيك بيان الرجوع بلا مصاريف أو بدون احتجاج، وإذا ذكر في الشيك اسم ساحب وموطنه، يلزم أعوان كتابة الضبط بإعلام الساحب المذكور داخل الأربعة الأيام الموالية لإقامة الاحتجاج بأسباب رفض الوفاء عن طريق البريد المضمون، ويجب على كل مظهر توصل بالإعلام أن يخطر من ظهر إليه الشيك داخل أربعة أيام العمل الموالية لليوم الذي توصل فيه بالإعلام، وأن يبين أسماء وعناوين من قدموا الإعلامات السابقة، وهكذا إلى أن يصل إلى الساحب غير أن إهمال توجيه الإعلام داخل الأجل القانوني لا يترتب عليه سقوط الحق في الضمان، وإنما يكون المخل مسؤولا عند الاقتضاء عن الضرر الذي تسبب فيه بإهماله، ولكن دون أن يتجاوز التعويض مبلغ الشيك
المطلب الثاني: سقوط حق الرجوع
إن الحق في إقامة الدعوى الصرفية ليس حقا مطلقا، إذ قد يسقط إما بسبب الإهمال أو التقادم.
أولا: السقوط بسبب الإهمال
عند إهمال الحامل تقديم الشيك داخل الأجل القانوني، أو عند إهماله لإقامة الاحتجاج بعدم الوفاء، يسقط حقه في إقامة الدعوى الصرفية وبالتالي الرجوع الصرفي على الملتزمين بالشيك، غير أن هذه القاعدة ترد عليها بعض الاستثناءات:
1- يحتفظ الحامل المهمل بالحق في الرجوع على الساحب الذي لم يقدم المؤونة ولو لم يقم باحتجاج عدم الوفاء.
2- يحتفظ الحامل ولو كان مهملا بدعوى الإثراء بلا سبب مشروع ضد الملتزمين الآخرين.
3- يحتفظ الحامل المهمل باطلا في متابعة الملتزمين على أساس الدعوى الأصلية العادية.
ثانيا: السقوط نتيجة التقادم
تبعا للمادة 295 م ت فإن دعاوى الشيك تتقادم بمدد قصيرة بالمقارنة مع التقادم العادي، لأن ذلك يتلائم مع طبيعة هذه الورقة باعتبارها أداة وفاء لا ائتمان، الأمر الذي يقضي ألا تبقى الحقوق الناتجة عنها معلقة لمدة طويلة.
وتختلف مدد تقادم دعوى الشيك حسب أطراف الدعوى وذلك على الشكل التالي:
1- تتقادم دعوى الحامل على المظهرين والساحب وغيرهم من الملتزمين بمضي ستة أشهر، تحتسب ابتداء من يوم انتهاء المدة القانونية التي يقدم فيها الشيك
2- تتقادم الدعاوى التي يقيمها مختلف الملتزمين بالشيك بعضهم على بعض بمرور ستة أشهر، تحتسب ابتداء من اليوم الذي دفع فيه الملتزم مبلغ الشيك أو من اليوم الذي أقيمت الدعوى عليه.
3- تتقادم دعوى حامل الشيك ضد المسحوب عليه بمرور سنة، يبدأ احتسابها من يوم انقضاء مدة التقديم.


ويقدم التقادم الصرفي على قرينة الوفاء، أي على افتراض وقوع الوفاء رغم ادعاء الحامل بعدم وقوعه، لذلك خول المشرع بالرغم من انقضاء أجل التقادم إمكانية مطالبة المدين بأداء اليمين على براءة ذمته من الدين، فإن حلف برئت ذمته إبراءا صحيحا، وإن نكل أي رفض أداء الدين حكمت عليه المحكمة بالأداء بالرغم من التقادم، كما يلزم ورثته وذوو حقوقه بأداء اليمين على براءة ذمة موروثهم من الدين. (م 296 م ت).







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق