4.10.2019

العقوبات البديلة بين الواقع والمأمول

العقوبات البديلة بين الواقع والمأمول







العقوبات البديلة بين الواقع والمأمول




بسم الله الرحمن الرحيم
العقوبات البديلة بين الواقع و المأمول
دكتور/ أحمد براك
النائب العام المساعد / فلسطين



تمهيد : 
لقد بزت منذ اواخر القرن الماضي موضوع العقوبات البديلة وأهميتها في السياسة العقابية لمواجهة مساوئ السجن عموماً والحبس قصيرة المدة بوجه خاص، ولغايات هذه الورقة يقتضي منا التعرف بايجاز على الموضوعات التالية :
أولا : مفهوم العقوبات البديلة.
ثانيا : مقاصد العقوبات البديلة ( السعي نحو تجنيب المخالف دخول السجن والبحث عن بديل عقابي).
ثالثا : مدى تحقيق العقوبات البديلة لمقاصد السياسة العقابية الحديثة في مكافحة الجريمة ( خصائص العقوبات البديلة)
رابعا : تحديد العقوبات البديلة ( انواع العقوبات البديلة).




أولا : مفهوم العقوبات البديلة :
يقصد ببدائل عقوبة السجن، العقوبات أو التدابير الأخرى التي تكفل صيانة شخصية الجاني من الآثار السلبية للسجن، التي قد تترتب دون أن يكون ثمة مبرر للإصرار على هذه العقوبة استناداً إلى أساس علمي سليم. 
وإن الاتجاه إلى البحث عن بدائل لعقوبة السجن لم ينشأ في معزل عن التطور الشامل للقانون الجزائي ذلك التطور الذي كان نتيجة جهود علماء الفكر الجزائي للبحث في شتى مناحي العلوم الجزائية الأصلية والمساعدة. 
لقد كان من بين النتائج الإيجابية التي أسفر عنها ذلك التطور، تأكيد أهمية العناية بشخصية الجاني إلى جانب العناية بالجريمة كواقعة قانونية، بعد أن نالت الأخيرة عناية فائقة من جانب علماء الفكر الجزائي، دون أن تحظى الأولى بمثل هذه العناية. 
ولذا فقد اتسم القانون الجزائي الحديث بالصبغتين المادية التي تعتني بالجريمة، والشخصية التي تعتني بالجاني، حتى يمكن تحقيق أهدافه التي يأتي في مقدمتها تحقيق الردع الخاص، والردع العام، وتأمين سلامة وأمن المجتمع عن طريق اقتلاع الجريمة من جذورها، وإصلاح شخصية الجاني والعمل على إعادته إلى المجتمع كعضو صالح وذلك كله على أسس علمية وواقعية. 
ولقد كشفت الدراسات الجزائية الحديثة – من بين ما كشفت – عن خطورة عقوبة السجن بالنسبة لبعض أنماط من الجناة، تلك الأنماط التي يعكس سلوكها خطورة جزائية ضئيلة، كمرتكب الجريمة بالمصادفة، وهو يمثل فئة من الجناة تقترب صفاتها من السواد الغالب في الناس، حيث يكون الدافع إلى الجريمة لدى أفراد هذه الفئة والمانع من ارتكابها، على درجة سواء، أي حالة توازن ولا تقع الجريمة من الجاني المنتمي إلى هذه الفئة إلا إذا صادفه عارض يخل بهذا التوازن. 
ويصف البعض المجرم بالصدفة بهذا المعنى بقوله: هو ذلك الشخص الذي يكاد يدخل في ذلك الجمهور من الناس الذي يكون الغالبية في كل شعب من الشعوب، والذي يسوده الاستعداد للانقياد لا للقيادة، ويحرص على تقاليد معينة من العسير أن يحيد عنها، ويلتزم مستواه المادي والأدبي في قناعة لا محل معها للطموح أو المغالات في المطالب، ويقضي كل يوم من أيامه على وتيرة واحدة يغلب عليها الهدوء، ويحجم عن الشر أما خوفاً من عقاب القانون، وأما خوفاً من العقاب السماوي الذي ينذر به الدين المجرم بالصدفة شبيه بشخص عادي من أولئك المكونين لغالبية الشعب، يقع في الجريمة تحت تأثير ظرف خارجي استثنائي من شأنه أن ينزل الخلل بذلك التوازن القائم لديه أصلاً، بين القوة الدافعة إلى الجريمة وبين القوة الحائلة دونها وهي لذلك الخلل الطارئ ولا يغيب عن البال أن المجرمين بالصدفة جميعهم أياً كان نوعهم، لا يطغى الدافع إلى الجريمة عندهم على المانع منها إلا بالصدفة وعرضاً. 




فمثل هذا النمط من المخالفين، لا يستحق أن يوصف في أغلب الأحوال بوصف (المجرم)، كما لا يستحق أن يودع السجن بين معتادي الإجرام ومحترفيه فتفسد شخصيته بعد أن كانت في أغلبها صحيحة، وينحرف سلوكه بعد أن كان في جله قويماً، بتأثير اختلاطه في السجن مع تلك الفئات الخطرة، بل والتي تنطوي شخصياتها الإجرامية على درجة خطورة جزائية عالية.
ثانيا : السعي نحو تجنيب المخالف دخول السجن والبحث عن بديل ( مقاصد العقوبات البديلة) :
إن ما أسفرت عنه الدراسات الجزائية الحديثة من نتائج، من بينها التأكيد على خطورة إهمال الفحص والتصنيف للمخالفين، فقد اتجه العلماء إلى أبعد من ذلك ودعوا إلى وجوب تجنيب المذنب قد الإمكان دخول السجن، والحكم عليه بعقوبة أخرى أو تدبير آخر، يناسب مدى جسامة جرمه من ناحية، وطبيعة شخصيته ودرجة خطورته التي يتعين أن تقاس علمياً من ناحية أخرى. 
وبذلك ذاعت فكرة (بدائل عقوبة السجن) وخاصة في الحالات التي يتجه فيها القاضي إلى الحكم بالحبس بمدد قصيرة منها، لما ثبت علمياً بشأن خطورة إيداع المذنب لتلك المدد القصيرة، حيث يتعرض لآثار سلبية كبيرة، سيما إذا أودع سجن لا يعير قواعد الفحص بالاً، ولا قواعد التصنيف العلمي اهتماماً. 
وبناء على ما سبق فقد نبذ علماء العقاب في العصر الحديث عقوبة السجن قصير المدة، واقترحوا بدلاً منها عدة نظم سميت بنظم بدائل العقاب وقد اختلفت الآراء في شأن تحديد المدة التي يوصف السجن معها بأنه (قصير المدة) فذهب رأي إلى انها المدة التي تقل عن سنة وذهب رأي آخر إلى أنها ما كانت أقل من ستة أشهر وذهب رأي ثالث إلى أنها ما كانت أقل من ثلاثة أشهر.
وعلل البعض عدم فعالية تلك المدد القصيرة في تحقيق أهداف الجزاء الجنائي، بأنها لا تكفي بأي حال لتقديم برامج للتأهيل أو العلاج، خاصة إذا ما كانت هناك مدد حبس احتياطي يتم خصمها من مدد الحبس المحكوم بها. 
وقد أظهرت بعض الدراسات الإحصائية التي تمت في بعض البلدان العربية في فترة ما، أن نسبة المحكوم عليهم بالحبس لمدة ستة أشهر فأقل بلغت 81.1% من مجموع النزلاء، وأن نسبة المحكوم عليهم لمدة شهر فأقل تمثل نسبة 56.1% من مجموع النزلاء. 
وهو ما يؤدي في الواقع إلى ازدحام السجون إلى حد خطير، قد يؤدي إلى اضطراب أية برامج يمكن أن توضع لتقويمهم أو تهذيبهم، كما تؤدي في نفس الوقت إلى زيادة التكاليف وزيادة حجم مشكلة اندماجهم في المجتمع بعد الإفراج عنهم. 
وهذا عن الآثار العامة التي إن ترتبت على ازدحام السجون بأشخاص محكوم عليهم بعقوبات سجن قصيرة المدة أما عن الأسباب الخاصة والتي تسهم بدورها في إحداث تلك الآثار النفسية السيئة التي تلحق بشخصية المحكوم عليه من جراء شعوره بالظلم وبوصمة الإجرام وبوصمة السجن وكلها تمثل مقابلاً جزاء جنائياً ضخماً، إذا ما قورن بنوعية المخالفات المقترفة والمعاقب عنها بسجن قصير المدة.
ثالثا : مدى تحقيق العقوبات البديلة لمقاصد السياسة العقابية الحديثة في مكافحة الجريمة (خصائص العقوبات البديلة) :
تتميز العقوبات البديلة بخصائص معينة تنفرد بها عن غيرها مما يجعلها تحقق مقاصد السياسة العقابية الحديثة وهي على النحو التالي :
1- شرعية العقوبات البديلة :
تتميز أنها لا تتقرر الا بموجب نص قانوني يحدد نوعها ومقدارها أو مدتها، فالشرعية لا تشمل شرعية التجريم فقط ولكنها تشمل كذلك شرعية العقاب. الا أنه يجب النظر في شرعية البدائل بمفهوم مرن بأن يتم النص على عدد من العقوبات البديلة كجزء لإقتراف السلوك المجرم، ويمنح القاضي سلطة تقديرية في تحديد نمط ومقدار العقوبة العقوبة البديلة التي تناسب كل حالة مع استعانة القاضي في هذا الصدد بملف الحالة ولا شك أن هذا يؤدي إلى فاعلية العقوبة البديلة في اصلاح الجاني وتأهيله لاعادة اندماجه في المجتمع مرة أخرى لمراعاتها لشخصية الجاني وظروف إرتكابه الجريمة.
2- قضائية العقوبات البديلة :
بمعنى توقيعها بموجب محاكمة عادلة يمكنه من خلالها الجاني ابداء اوجه دفاعه واثبات براءته اذا ما كان لها محل،  وتفنيد ادلة الاتهام الموجهة اليه وتحديد الاسباب والدوافع الكامنة وراء ارتكابه لجريمته والتي يمكن ان تكون محل اعتبار سواء عند تحديد القاضي لنمط العقوبات البديلة او لمدتها. وبذلك فإن قضائية العقوبات البديلة ضمانة هامة للجاني.
3- شخصية العقوبات البديلة :
وهي من اهم مميزات العقوبات البديلة لكونها تحقق لمبدأ شخصية العقوبة عن عقوبة السجن فهي تحقق بكفائة وفعالية عالية مبدأ شخصية العقوبة، نظرا لأنها لا تطول بأثرها كثيرا الا الجاني، اما مساسها بأمره المحكوم عليه وعائلته او الاقتصاد القومي للمجتمع فيبقى في اضيق نطاق.
4- تحقيق العقوبات البديلة لاغراض العقوبة :
من اصلاح الجاني وتاهيله لاعادة الاندماج في النسيج الاجتماعي عقب الافراج وردعه وزجره هو وغيره من تسول له نفسه من ارتكاب هذا الجرم مستقبلا وان كان تحقيق العقوبات البديلة لاصلاح الجاني وتأهيله لاعادة الاندماج في النسيج الاجتماعي ليس محل شك، اما بخصوص تحقيق الردع بأثر من خلال غرس يقين راسخ في نفس الجاني، بأن العقوبة ستطوله لا محاله اذا ما ارتكب هذا الجرم وكان عنصر الايلام في العقوبات البديلة يكون في اقل درجاته وبذلك يتحقق فعالية نظام العقوبات البديلة اذا ما تم بناء نظام قانوني متكامل لها يقوم على الاهتمام بشخص الجاني وظروفه وظروف ارتكابه لجريمته واعداد ملف لحالته قبل الحكم بها وبعد ثبوت الادانة وهو ما يستتبع وجود قاضي مختص للتنفيذ يسمى بقاضي تنفيذ العقوبة وهو المعمول به في بعض الدول الاوروبية ومن الدول العربية المملكة المغربية.
5- تحقيق العقوبات البديلة مبدأ المساواه في العقوبة :
وتعني ان يكون الجميع سواء امام القانون، فكل من يقترف هذا الجرم سينال عقاب دون تمييز وتناسب العقوبات البديلة مع شخصية كل جاني وظروف ارتكابه لجريمته، لا تخل بمبدأ المساواه، لانه لا يخرج عن كونه تفريدا لتلك العقوبات فكل فرد من افراد المجتمع يعلم مسبقا مدى الجرم في السلوك الذي يقترفه، وأنه سيعاقب بالتالي على اقترافه لهذا الجرم، أما اختيار نمط العقوبة فيخضع لظروف كل حالة، وبالتالي ستكون العقوبات البديلة الاقرب لتحقيق العدالة والمساواه، وبدرجة تفوق كثيرا تحقيق عقوبة السجن لها.
رابعا : أنواع العقوبات البديلة ( تحديد العقوبات البديلة) :
يمكن تقسيم العقوبات البديلة إلى عقوبات بديلة ذات طابع مالي أو مادي، ونظام وقف النطقبالعقوبة كبديل، الاتجاه الى نظام الاختيار القضائي كبديل، نظام التوبيخ القضائي كبديل، تطبيق تدبير احترازي وقائي وعلاجي كبديل وهو ما سوف نتناوله في البنود على الوجه التالي :
1- البدائل ذات الطابع المالي او المادي :
يأتي في مقدمة هذه البدائل ( الغرامة والمصادرة واغلاق المحال ،وسحب التراخيص التجارية أو الصناعية أو المهنية ) .
والغرامة كقوبة جنائية اصلية كغيرها من العقوبات لها وعليها بالنظر الى مدى فعاليتها باختلاف انماط الجناة ، فمن مزاياها أنها عقوبات ذات اُثر ردعي بالنسبة لفئه معينة من الجناه هي تلك الفئة محدودة الدخل والتي تتأثر بانتقاص اي مبلغ من دخلها المحدود . كما ان من مزاياها تجنيب بعض الجناه – قليلي الخطوره – مساوئ عقوبة السجن التي قد لا يكون لها اي مبرر .
ومع ذلك فمن مساوئ عقوبة الغرامة ان اثرها الردعي يكاد يكون منعدما بالنسبة لفئه من الجناه تستخف بها ، لانها لا تمثل شيئا بالنسبه لما يملكونه من ثروات .
وعليه فان تطبيق عقوبه الغرامه تطبيقا سليما ينبغي ان يسبقه معرفه تامه بالحاله الماليه للجاني وهل ان الغرامه ستكون بالنسبه له ذات اثرردعي ام لا . 
ولذا فان توقيعها على جان في حالة فقر مدقع يمثل تعسفا واخلالا بالهدف المتوخى من الجزاء ، كما ان توقيعها على جان ثري يستخف بها يمثل عبثا واخلالا كذلك بالهدف المنشود من الجزاء الجزاء الجنائي . 
فالغرامه عقوبه ناجعة وبديل جيد لعقوبه السجن ، بالنسبه لذلك النمط من الجناه الذي يرتدع من جراء انتقاص جزء محدود من ماله ، ويخشى عليه أن تتأثر من شخصيته واعتباره بمساوئ السجن اذا تعرض للحبس بدلا من الغرامه . 
أما المصادره : فقد ترد كقوبه جنائية تكميليه ، بمعنى انه لا يسوغ الحكم بها استقلالا ، وانما تكميلا لحكم جزائي ، على سبيل الوجوب او الجواز على حسب الاحوال وقد ينص عليها كتدابير احترازي وجوبي وقد تكون من قبيل التعويضات المدنية – في بعض القوانين الخاصة – اذا نص على ان تؤول الاشياء المصادره الى المجني عليه او الى خزانه الدوله كتعويض عما سببته الجريمه من اضرار كقانون العقوبات السوري.
وتعني المصادرة نزع ملكيه مال من صاحبه جبرا عنه واضافته الى ملكيه الدوله ، دون مقابل ، جزاء له عن جرم اقترفه .
 كما ان المصادره يمكن ان تكون بديلا عن عقوبه الحبس ، يحكم بها اضافه الى عقوبه الغرامه ، ان كان ثمة مبرر لها لتحقيق درجه من الردع تفوق ما ترتبه عقوبه الغرامه وحدها ، اذا شعر القاضي بعدم كفايه عقوبه الغرامه وكان ثمه نص يجيز له توقيع عقوبه المصادره ويترك تقدير توقيعها له ، على سبيل الجواز لا الوجوب .
وتوجد الى جانب الغرامه و المصادره بدائل اخرى يمكن ان تؤثر في المركز المالي للجاني – وبغير ان تعرضه لمساوئ عقوبة الحبس – منها اغلاق المحل وسحب الترخيص التجاري او الصناعي او المهني ويمكن ان تكون هذه لبدائل ذات اثر ردعي اصلاحي بالنسبه لفئه معينه من الجناه ، بل ان نشر حكم الادانه في جريمه ما كغش تجاري بالنسبه لتاجر كما ورد في قانون حماية المستهلك الفلسطيني لسنة 2005 ، يمكن ان يكون ذا اثر أكبر من ايه عقوبه أخرى ولو كانت الحبس وهنا قد أخذ المشرع الفلسطيني بعقوبة الغرامة والمصادرة . 




2- الاتجاه الى نظام وقف النطق بالعقوبه كبديل :
ظهر هذا النظام – اول ما ظهر – في انجلترا ، حيث لجأ اليه القضاء في الحالات التي كان الشك ياسورهم في قيمه ادله الاثبات التي كانو يستندون اليها  لاصدار قراراتهم بالادانه بيد ان اصبح نظاما يستخدم كبديل عقابي يلجأ اليه القاضي حتى بعد ان تثبت لديه الادانه بشكل قطعي . 
وفي هذا النظام يخول النص القانوني المحكمه سلطه اصدار الحكم الجزائي على المتهم مع وقفت الافصاح عن العقوبه كما ونوعا ، والاحتفاظ بها مسجله عليه لمده محدوده ، حيث يكون لهذه المحكمه الغاء هذا الوقف – في اي وقت – اذا ثبت لها بعد الحكم عدم جداره المحكوم عليه بهذه المعامله ويترتب على الغاء الوقف في هذه الحاله اعلان العقوبه الموقوفه كما ونوعا وتنفيذها عليه . 
ويتميز هذا النظام – عن نظام وقف التنفيذ – بان المحكوم عليه لا يكون على علم بالعقوبه التي تتهدده ، وان كان قد ايقن من ادانته وفي ذلك تقويه لاراده الاصلاح لديه . 
كما يتميز بحفظ نفسيه المحكوم عليه من التشهير به بعقوبه معينه وبان الغاء الوقف لا يكون بقوة القانون – كما في نظام وقف التنفيذ – وانما ينبغي ان يتم بحكم قضائي . 
ومن التشريعات العربيه التي اخذت بهذا النظام البديل ، قانون الاجراءات الجنائيه السوداني وقانون الجزاء الكويتي وقانون الاحداث العراقي كما اخذت به مجموعه من القوانين الاوروبيه والامريكيه .
ففي فرنسا يجوز للقاضي – بموجب القانون 11 يوليو 1975 ان يحكم بهذا النظام كخطوة تمهيديه للحكم بالعفو القضائي الذي لم تكتمل شروطه بعد فيؤجل القاضي النطق بالعقوبه لمده سنه يعمل الجاني خلاله على تحقيق متطلبات العفو كاصلاح الضرر او الاضطراب الناجم عن الجريمه وفي نهايه فتره الوقف اما ان يحكم القاضي بالعفو او ان يؤجل النطق بالعقوبه مره اخرى ، او ينطلق بها . \وتضيف بعض التشريعات الى هذا النظام شرطا او اكثر لامكان الحكم به مثل : 
شرط الالتزام بتقديم ضمان او تعهد للمحافظه على حسن السلوك خلال فتره الوقف .
شرط الاتزام باصلاح الضرر المترتب على الجريمه .
شرط الالتزام بقواعد سلوك معينه .
ولذا لاننا نرى مع البعض صلاحية هذا النظام للاخذ به في البلدان العربيه التي لم تاخذ بها لتجنيب بعض الجناه الاثار السلبيه لعقوبه السجن اذا كانت ظروفهم تساعد المحكمه على ذلك على ان يكون الوقف لمده محدده او ان يصلح الضرر المترتب على جريمته او ان يقدم تعهدا بان يلتزم بحسن السلوك. 
3- عقوبات العمل لمصلحه المجتمع كبديل :
وهي واحده من اهم العقوبات البديله واوسعها تطبيقا ، واكثرها فعاليه في التطبيق وفعاليه للغالب من المحكوم عليهم بعقوبات بديله . وتقوم تلك العقوبه ، على الزام الجاني بالقيام بالعمل في احدى المؤسسات الحكوميه ، لعدد معين من الساعات خلال فتره العقوبه سواء بصفه يوميه او لعدد معين من الايام خلال الشهر يحددها الحكم الصادر ، والذي يحدد كذلك المؤسسه التي سيقوم المحكوم عليه بتنفيذ الحكم بها، وكذلك نمط العمل الذي سيقوم به وعدد ساعاته ، والفتره التي يجب عليه اتمام تنفيذ تلك الساعات خلالها – فتره العقوبه – ويجب ان يحدد القاضي نوع العمل الذي سيلزم به المحكوم عليه بادائه في ضوء دراسته لخبرات الجاني ومهاراته الفنيه ، وقدراته البدنيه والصحيه والنفسيه ومؤهلاته العلميه ، والتي يبينها ملف دراسه الحاله . 
عقوبة العمل لمصلحه المجتمع في التشريعات المقارنه :
هناك العديد من التطبيقات لهذا النمط من العقوبات البديله ، في التشريعات العقابيه في بعض الدول ، مثل الولايات المتحده الامريكيه والتي عرفت تشريعاتها هذه العقوبه منذ عام 1970 م . 
والتشريع الاسكتلندي الصادر عام 1978 م ، والذي تم العمل به منذ الاول من فبراير من عام 1979م. والتشريع الايرلندي الصادر في عام 1983 م ، والذي تم العمل به عام 1984 م ، والتشريع البرازيلي الصادر عام 1984 م ، والذي نص على العمل لمصلحه المجتمع كعقوبه لمصلحه المجتمع كعقوبه بديله لعقوبه الحبس الذي تقل مدته عن سنه ، وكذلك التشريع البرتغالي الصادر 1982 وقانون الاعقوبات الاتحادي لدوله الامارات العربيه المتحده والقانون التونسي .
وهذا وقد أخذ المشرع الفلسطيني بهذا النص في المادة ( 399) من قانون الاجراءات الجزائية رقم ( 3) لسنة 2001، ولكن للأسف لم يضع آلية للعمل مما جعل النص لاغي ، ولكن مشروع قانون العقوبات الفلسطيني أخذ بنظام عقوبة العمل للمصلحة العامة كالقانون التونسي.
4- الاتجاه الى وقف تنفيذ العقوبة كبديل
يعد نظام وقف تنفيذ العقوبة من اشهر البدائل التي لجأت اليها الدول لتجنب بعض الجناه قليلي الخطورة الاثار السلبية التي قد تترتب على الحكم بعقوبات حبس قصيرة المدة كما أوضحنا .
وهو نظام اصلاحي، ظهر نتيجة لأفكار السياسة الجنائية الحديثة في النظام اللاتيني، في مقابلة نظام وقف النطق بالعقوبة الانجليزي المنشأ وترمي أفكار السياسة الجنائية الحديثة الى اصلاح الجناة والاخذ بيدهم الى الطريق القويم خاصة من انحرف عنه بجرم ضئيل الخطورة كالمجرم بالمصادقة والمجرم العاطفي ومقترف جريمة الخطأ جون أن يتكرر ذلك منه ولذا يمكن اعتبار هذا النظام ( معاملة جزائية) حيث يطبق بمناسبة الحكم في جريمة معينة، ويهدف الى تجنيب الجاني مساوئ العقوبة التقليدية المتمثلة أساسا في السجن، لان الزج بالجاني المبتدئ أو المتورط صدفة في جريمة الى السجن، واختلاطه مع المجرمين المحترفين ولاشقياء من شأنه – في اغلب الاحوال – أن يزيد من جرأته وخطورته وقد ينتهي به الامر الى الارتباط ببعض هؤلاء المجرمين العتاة واستمرار علاقته معهم بعد خروجه من السجن.
وفي مقدمة البلاد العربية التي اخذت بهذا النظام البديل فلسطين، مصر، سوريا، لبنان، المغرب، ليبيا، الكويت، قطر، ثم المملكة العربية السعودية.
وستتضح تجربة كل من هذه البلاد من خلال عرضنا لبعض الجوانب القانونية لهذا النظام على النحو التالي :





أ‌- صور نظام وقف العقوبة :
ترد صور هذا النظام الى صورتين رئيسيتين :
الأولى : الصورة اللاتينية.
الثانية : الصورة الجرمانية.
وتختلف الالى عن الثانية من حيث الاثر المترتب على انقضاء فترة الوقف بنجاح.
فوفقنا للصورة الاولى يترتب على فوات مدة الوقف بنجاح اعتبار الحكم بالادانة وبالعقوبة الموقوف تنفيذها ( كأن لم يكن) اما وفقا للصورة الثانية فيترتب على فوات مدة الوقف بنجاح ( اعتبار العقوبة وكأنها نفذت).
والفرق كبير بين الاثرين. ففي الصورة الاولى يعتبر المحكوم عليه في حكم من رد عليه اعتباره بينما لا يعتبر كذلك وفقا للصورة الجرمانية، لان الاثار الجنائية لحكم تبقى قائمة ولا تزول – كما هي الحال في الصورة الاولى – ويظل الحكم مسجلا عليه في صحيفة سوابقه، ولا يرفع الا بعد اتخاذ رد الاعتبار بعد فوات مدد معينة، وبالتالي تحتسب الجريمة التي اوقف تنفيذها- في ظل الصورة الجرمانية – في العود.
وقد التزمت جميع القوانين العربية التي اخذت بهذا النظام بصورته اللاتينية التي ترتبها على فوات مدة الوقف بنجاح، اعتبار الحكم بالعقوبة كان لم يكن على الاطلاق.
اما الصورة الجرمانية، والتي يطبقها القانون الالماني فلا نكاد نجد لها تطبيثا في قوانين الدول العربية، وسنعرض لهذا النظام بعد قليل.
ب‌- تقويم نظام وقف التنفيذ كبديل بوجه عام :
يعد هذا النظام -  في الواقع – من بدئل العقاب الحديثة المفيدة، وهو يوضع بين يدي القاضي ضمن عدة بدائل تهدف الى مساعدته على التفريد القضائي للجزاء الجنائي، ليختار من بينهما ما يكون ملائما لشخصية الجاني، الذي يكون جديرا بالمعاملة المخففة، وان كان يعاب عليه عدم وضع تدابير أو قيود بحق المحكوم لاصلاحه وتقويمه.
والتشريع الجنائي الاسلامي يشتمل على قاعدة كبيرة الاهمية في هذا المقام، وهي القاعدة الواردة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، الا الحدود).
ومقتضى هذا الحديث انه في المجال الجنائي التعزيري يجب الاخذ بيد من له مكانة في المجتمع ويعد عضوا صالحا أصلا فيه ولكنه زال مرة أو انحرف مصادفة عن الطريق القويم وقد يقع ذلك منه عن غير قصد، او تحت تاثير هوى جامح او طيش بين. فلا بد من تجنيب مثل هذا الشخص العقوبة الشديدة واقالته من عثرته. فيكفي لتعزيز ذي الهيئة ( وهو الرفيع بعلمه وعمله في سبيل المصلحة العامة وكل من يتبوأ مكانة رفيعة في المجتمع، يؤدي خدمات جليلة له) الاعراض عنه ففي ذلك معنى العقاب بالنسبة له وسياتي تفصيل ذلك في موضعه.
والحديث الشريف يهدف الى تنبيه اولي الامر الى هذا المعنى حتى لا يكون ثمة اسراف في معاقبة من يخطئ او يقترف اثما محدودا، ويكون اصلا من ذوي الهيئات، اذ يجب صيانة مكانته وشخصيته من كل مساس، لان الخطورة الاجرامية لديه تكاد تكون منعدمة.
وبناء عليه، فان وضع نظام مثل نظام الوقف كبديل لعقوبة الحبس الوجوبي تحت يد جهات الحكم، منشانه ان يتيح لهم فرصة اعمال المعنى الوارد في هذا الحديث الشريف، بشمول الحكم بالايقاف، حماية لهم من الاثار السلبية التي قد يتعرضون لها اذا ما حكم عليهم بالحبس دون توقف.
ويعيب نظام وقف التنفيذ في صورته البسيطة في الواقع – وهي الصورة التي اخذت بها اغلبية الدول العربية – ان موقف الدورة من المحكوم عليه بالوقف، يكون سلبيا خلال فترة الوقف، في الوقت اذي قد يكون في حاجة الى عون او مساعدة، حتى لا يتورط في الجريمة مرة اخرى، وذلك بالنسبة لبعض الجناة فقط، دون البعض الاخر الذي يكون هذا النظام – بصورته البسيطة – ملائما لشخصية ومدى خطورته. وهو ما يعالجه نظام الاختبار القضائي الذي يضاف الى نظام الوقف لمعالجة هذا الجانب السلبي كما سنرى.
كما يعيب نظام الوقف بصورته الحالية طول فترة الوقف نسبيا، حيث تتراوح في الغالب بين ثلاث وخمس سنوات كما رأينا، وهي كثيرة جدا بالنسبة لشخص قليل الخطورة او لا خطورة منه على الاطلاق فيجب الا يعلق مركزه القانوني كمذنب لمثل هذه المدد، ويكفي لذلك عدة اشهر او سنة على الاكثر. كما ام نظام وقف تنفيذ العقوبة اضحى غير ذي اثر حسب راينا يكونه اشبه بحكم البراءة من الناجية العلمية فضلا عن انه اللجوء اليه دون تفرقة حتى مع من يستوجب القانون عقابهم ما دامت توافرت دواعي ايقاف التنفيذ مثال ذلك التصالح في جرائم الضرب والسداد في جرائم الشيك والتي يقضي القاضي فيها بالايقاف في القانون السابق بغض النظر عن شخصية المجرم ولكن من اجل التصالح او السداد وحسب
5- الاتجاه الى نظام الاختبار القضائي كبديل :
نشا هذا النظام في البيئة الانجلوسكسونية بصورة متعددة اهمها صورتان :
الوضع تحت اختبار قبل صدور حكم الادانة، والوضع تحت الاختبار بعد صدور الادانة.





الصورة الاولى : الوضع تحت الاختبار قبل صدور الحكم بالادانة :
في هذه الصورة توقف المحكمة سير الدعوى بعد ان تتثبت من الادانة وترى انه جدير بالمعاملة بهذا النظام الذي يقتضي وضع المذنب تحت التجربة لفترة ما، يقدم له العون خلالها لتقويمه وتاهيله اجتماعيا ونفسيا، ويترت على فوات فترة الاختبار أو التجربة بنجاح انتهاء الدعوى تماما واعتبارها كان لم تكن، اما اذا اخل المذنب خلالها بالقيود والشروط المفروضة عليه او ارتكاب جريمتة ما فان المحكمة تلغي الوقف والاختبار، وتقرر استئناف اجراءات الدعوى واصدار حكم الادانة وتحديد العقوبة المناسبة.
وتهدف هذه الصورة من وراء تعليق اصدار حكم الادانة وتقرير العقوبة الى تقوية ارادة التاهيل لدى المنب، لانها تصون اعتباره الة درجة كبيرة بعدم اعلان ادانته برغم تثبت المحكمة منها الامر الذي يساعده على الانصلاح والعودة الى الاندماج سريعا في المجتمع كعضو صالح وهذا ما يعد من مزاياها.
ولا نجد تطبيقا لهذه الصورة في التشريعات الجنائية العربية، وان كان مشروع قانون العقوبات المصري لسنة 1966م قد نص عليها ( المواد من 89 – 91).
اما في التشريعات الجنائية الاجنبية فتوجد تطبيقات محدودة لها.
ولعل سبب احجام التشريعات الجنائية العربية عن الاخذ بهذه الصورة من نام الاختبار القضائي كبديل، هو ما تعرضت له من انتقادات اهمها : انها لا تتفق مع مقتضيات مبدا الشرعية الجزائية، حيث لا يجوز توقيع جزاء جنائي الا بناء على حكم جنائي والاختبار القضائي جزاء والحكم بالادانة في هذه الصورة معلق، بل ان الوضع تحت الاختبار بهذه الصورة ينطوي على التسليم بكفاية الخطورة الاجتماعية للحكم بتدابير جنائية وذلك لعدم صدور حكم يؤكد توافر الخطورة الجنائية وفضلا عن ذلك فقد انتقد البعض هذه الصورة من زاوية ما قد يتولد عنها من اعتقاد لدى الراي العام من اناه بمثابة البراءة. بيد ان من اهم العيوب – من الزاوية العلمية -  ان المحكمة ستصادف صعوبة في الموقف على الادلة التي سبق ان كونت عقيدتها على اساسها واتجهت بناء عليها الى الادانة وصعوبة كذلك في معايشة القضية مرة اخرى في حالة الفشل في فترة الاختبار، الامر الذي يترتب على صعوبة التقدير القضائي الدقيق للعقوبة، بل وقد يؤدي الى اطالة وتعقيد الاجراءات وتعريض الادلة للطمس او الضياع خلال فترة الاختبار.
الصورة الثانية : الوضع تحت الاختبار بعد الحكم بالادانة :
تعرف هذه الصورة كذلك بصورة ( الاختبار المضاف الى ايقاف التنفيذ).
ومن هذه التسمية تتضح معالم هذه الصورة حيث يصدر القاضي حكمه بالادانة وبالعقوبة، ويقرنه بوقف التنفيذ لمدة معينة، يطلب منهم المحكوم عليه خلالها ان يسلك سلوكا حسنا. ولكنه يكون خلال فترة التجربة تحت رقابة وتوجيه شخص يسمى ( مشرف او مامور الاختبار). وهذا ما يميز هذه الصورة عن نظام وقف تنفيذ العقوبة البسيطة.
وتتميز هذه الصورة بانها تتلافى العيوب والانتقادات التي وجهت الى الصورة الاولى حيث تحس الدعوى بصدور الحكم بالادانة وبالعقوبة وتحافظ في ذات الوقت على هدف تقوية ارادة التاهيل لدى المحكوم عليه بنجاح ويثبت فيها للسطات صلاحية، وانه جدير بالمعاملة بهذا النظام البديل.
وقد اخذ بهذه الصورة من التشريعات الجنائية العربية، القانون السوري والقانون اللبناني والقانون الفلسطيني.
كما اخذت بها مع وقف النطق بالعقوبه ، قوانين السودان والكويت والاحداث العراقي والاحداث المصري .
واخذت بها ( مع وقف النطق بالعقوبه، ومع النطق بها) مجموعه من التشريعات الجنائيه الاجنبيه .
ومن وجهه النظر الاصلاحيه التي تميز القانون الجنائي الحديث فان الفاضله المجرده من نظامي الاختبار ووقف التنفيذ ، تحتم ترجيح نظام الاختبار لانه ينطوي على مجموعه من الالتزامات التي تفرض من يخضع له، كما يتضمن نظام الاشراف الايجابي الذي يتم تحت رقابه السلطه القضائيه .
وليس معنى هذا التفضيل هو طرح نظام الوقف البسيط جانبا لانه ولا ريب نظام يصلح كبديل مستقل ، ابسط نوعا في تطبيقه واجراءاته ، ولا يحتاج الى ضابط اختبار وتحديد التزامات وفرض رقابه قضائيه وغير ذلك من الاجراءات التي قد لا يكون ثمة حاجه اليها وهو لا يزال نظاما بديلا ملائما لفئه من الجناه قليلي الخطورة الذين لا يتصور وصفهم بالمجرمين لمكانتهم بالمجتمع واقترافهم الفعل المجرم تورطا او اهمالا ، مع ضآله ان انعدام الخطوره الاجراميه لديهم فمثل هؤلاء لا يكونون في حاجه الى الاخضاع لمثل هذه الاجراءات.
وعليه يمكن القول باهميه وجود النظامين في قائمه البدائل التي تكون تحت يدي القاضي وهما نظام الوقف في صورته البسيطه ونظام الاختبار او بالاحرى نظام الوقف في صورته البسيطه ونظام الوقف في صورته الموصوفه ، اي مقترنه بالوضع تحت الاختبار بعد النطق بالعقوبه ونظام الاختبار مع وقف النطق بالعقوبه وكلها انظمه مفيده ومن الاهميه بمكان ان تدرج في قائمه بدائل العقاب مع غيرها من البدائل التي تسمح للقاضي بالاختيار من بينها وفقا لشخصيه كل جان على حده. 
6- الاتجاه إلى نظام التوبيخ القضائي كبديل :
يعد هذا النظام جزءاً معنوياً أشد جسامة من مجرد النصح والانذار ولكنه من أخف الجزاءات التي يمكن أن ترد في قائمة البدائل التي بين يدي القاضي والتي يمكن أن يلجأ إليها قبل التشهير، الذي يمكن أن يكون جزاءاً ملائماً لبعض الجناة، كالتجار والصناع والتوبيخ هو نوع من اللوم في صورة مشددة، ويتمثل ف استهجان السلوك وتوجيه زواجر الكلام إلى الشخص، مع إفهامه بأنه سيتعرض لجزاء أشد، إذا تكررت مخالفته. 
وقد عرف هذا النظام على مر العصور ولذا نجده كعقوبة تعزيزية في النظام الجنائي الإسلامي، ومن صوره: إعراض القاضي على الجاني أو النظر إليه بوجه عبوس أو بتوجيه كلام شديد إليه تعنيفاً له وزجراً ودون أن يتضمن ذلك ما قد ينطوي على سب أو قذف، ودون أن يتضمن أيضاً عبارات جارجه مثل (يا أحمق أو يا ظالم أو غير ذلك). 
وقد انقسم رأي الفقه الجنائي بشأن هذا النظام إلى فريقين، أحدهما يرفضه ويرى في نظام وقف التنفيذ ما يغني عنه، بل ويحقق الأهداف المرجوة بشكل أفضل وثانيهما يؤيده ويرى أهمية الأخذ به كبديل ضمن البدائل في التشريعات المعاصرة لصلاحيته لفئة معينة من غير الخطرين الذين نشأوا وأصلاً في بيئة صالحة. 
هذا وقد تباينت الاتجاهات التشريعات في الأخذ به فاتجه بعضها إلى الأخذ به بالنسبة للأحداث فقط، واتجه البعض الآخر إلى تعميم الأخذ به على البالغين والأحداث معاً وقد أخذت بعض القوانين العربية بالاتجاه الأول حيث قصرت الأخذ به على الأحداث فقط ومن هذه القوانين قانون الأحداث المصري لسنة 1974 وقانون العقوبات الجزائري والقانون المغربي ثم الكويتي. 
وقد استبعدت التشريعات التي طبقت هذا النظام الجنايات من نطاق الأخذ به واختلفت بعد ذلك في شأن تعميمه على الجنح والمخالفات. فمنها ما عممه على المجالين بالنسبة للأحداث فقط ومنها ما قصره على نطاق المخالفات وهو الغالب وقد أخذ بذلك من القوانين العربية القانون الكويتي. 
والتوبيخ قد يتم علناً في الجلسة، أو غير علني في غرفة القاضي الخاصة وقد يكون مجرداً كما قد يكون موصوفاً أي مقترناً بشرط أو أكثر. 
والواقع أنه من الأهمية بمكان أن يضم هذا النظام إلى قائمة البدائل بالنسبة للأحداث أساساً – كجزاءاً أشد من النصح والإنذار – بالنسبة لبعض البالغين ممن يرى فيهم القاضي الصلاح والوقار والبعد أصلا عن مجال الانحراف. 
7- الاتجاه إلى تطبيق تدبير احترازي وقائي علاجي كبديل :
تتجه بعض التشريعات الجزائية إلى الجمع بين العقوبة والتدبير الوقائي العلاجي بالنسبة للمجرم الواحد، وتنفيذهما على التوالي، ومن هذه التشريعات القانون الإيطالي بالنسبة للشواذ أي أنصاف المجانين والصم والبكم والمدمنين على المخدرات والمعتادين على الإجرام ومحرفيه وذوي الميول الإجرامية كذلك القانون الفرنسي بالنسبة للمعتادين على الإجرام والقانون الألماني بالنسبة لناقصي الأهلية (أهلية الخضوع للعقاب) والمدمنين على المخدرات وذوي الميول الإجرامية، ثم القانون الإنجليزي بالنسبة للمدمنين. 
ولا ريب أن هذا الاتجاه قد تعرض للانتقاد الشديد الذي يستند إلى ما تتضمنه فكرة الجمع بين العقوبة والتدبير العلاجي من تناقض إذ كيف ينفذ العقوبة مثلاً إذا كانت بالسجن لمدة معينة ثم ينفذ التدبير العلاجي؟ إنه أمر غير مقبول ويدعو إلى البحث عن حل آخر ملائم وليس هو – في نظرنا- مجرد امتناع هذا الجمع وإنما إمكان تطبيقه إن كان ثمة ما يبرر ذلك، على أن يكون الجمع بين عقوبة الغرامة مثلاً والتدبير العلاجي وبذلك يزول التناقض. 
وعلى ذلك يكون لدينا أسلوب الجمع بينهما على النحو المشار إليه وأسلوب الاقتصار على التدبير العلاجي فقط. 
وقد أخذ تشريع المخدرات المصري السوري الموحد الصادر بالقانون رقم 182 لسنة 1960 م بأسلوب الاقتصار على تطبيق التدبير العلاجي فقط بالنسبة لمن يتقدم من متعاطي المخدرات من تلقاء نفسه إلى المصحة للعلاج، ويبقى للمصحة إلى أن تقرر اللجنة المختصة الإفراج عنه، وتتراوح مدة العلاج بين ستة أشهر وسنتين، ويلزم المريض بدفع نفقات العلاج إذا غادر المصحة قبل صدور قرار اللجنة المذكورة وعللت المذكرة الإيضاحية لهذا القانون استحداث هذا الأسلوب، برغبة واضع النص في تشجيع المدمن على الإقبال على العلاج، إذا ما أيقن أن القانون لا يجيز رفع الدعوى العمومية عليه- على حد تعبير النص- إذا ما تقدم من تلقاء نفسه للعلاج. 
وإذا تتبعنا قوانين الدول العربية ومواقفها تجاه هذا التدبير العلاجي بالنسبة للمتعاطين والمدمنين لوجدنا الآتي:- 
-مجموعة من هذه القوانين تتجه إلى العقاب التقليدي وحده في شدة وصرامة، وفي مقدمتها العراقي والقانون الكويتي. 
- مجموعة جمعت بين العقوبة التقليدية(والمتمثلة في الحبس) والتدبير العلاجي وجعلت الخيار للقاضي، من هذه المجموعة، القانون المصري السوري رقم 182 لسنة 1960، والقانون الليبي والقانون البحريني. 
- وقليل من القوانين العربية اقتصر على الأخذ بالتدبير العلاجي المتمثل في الإيداع في مصحة للعلاج فقط، كالقانون المصري السوري رقم 182 لسنة 1960 المشار إليه، حيث تضمن – إلى جانب توقيع عقوبة تقليدية بالحبس والغرامة بشكل وجوبي على المتعاطي – نصاً يجيز للقاضي أن يقصر الجزاء على الإيداع العلاجي فقط، إذا تقدم إلى المصحة من تلقاء نفسه. 
وقريب من ذلك القانون اللبناني الصادر في 18/06/1946 والمعدل في سنتي 1960،1963 حيث جعل التدبير العلاجي هو الجزاء الوحيد. 
وإن سمى هذا التدبير (بالحبس في مأوى علاجي) ومدته تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، مع جواز الإفراج عن المتعاطي دون إكمال الحد الأدنى (مدة السنة) إذا ثبت للمحكمة المختصة أنه قد شفي، وبشرط ألا تقل المدة التي أمضاها في المأوي عن ستة أشهر. 
وإذا كانت بعض الآراء الحديثة تنادي بتطبيق التدبير العلاجي على معتادي الإجرام فمن باب أولى يتعين السماح بتطبيقه على المتعاطين العائدين لذا نرى عدم ملاءمة مثل هذا المنع الوارد في نص المادة 95 من القانون 182 لسنة 1960 المصري السوري. 
ولا مانع من أن يصاحب العلاج التكليف بعمل عام في مصنع أو مزرعة أو أية مهنة أخرى يعرفها أو يتعلمها المتعاطي أو المدمن ففي ذلك كسب له وللمجتمع من كافة الوجوه بدلاً من مجرد استهداف تعذيبه وإيلامه بتنفيذ عقوبة السجن التقليدي أولاً ثم إيداعه المصحة لمجرد العلاج وحده بعد انتهاء مدة السجن كما تنص بعض التشريعات على النحو الذي أوضحناه آنفا. 
وعليه فإننا نؤيد التدبير مع بعض العلاجي كجزاء أصلي وحده أو كجزاء تكميلي لعقوبة أصلية أخرى – غير السجن – كالغرامة مع التكليف بالعمل العام أو ممارسة أو تعلم مهنة ما أثناء فترة العلاج وهذا وقد ورد في مشروع قانون المؤثرات العقلية الفلسطينية على هذا التدابير.





الخاتمة
بعد استعراضنا الموجز لموضوع العقوبات البديلة يتضح لنا أهمية موضوع العقوبات البديلة في معالجة المخالفين المبتدئين ودورها في مكافحة الجريمة وهذا يقتضي منا التالي :
1- وضع هذه العقوبات البديلة في أنظمتنا العقابية.
2- اقتران العقوبات البديلة مع أنظمة بديلة كمثل الوساطة الجنائية والتوعية الجنائية ومفاوضة الاعتراف وليس الاكتفاء بالانظمة التقليدية كالتصالح والاوامر الجنائية       ( الأصول الموجزة).
3- لا يجوز التعذر بالعبء المادي لعدم اقرار هذه العقوبات البديلة في نظامنا العقابي العربي.
4- اقرار نظام قاضي تنفيذ العقوبة لاعمال هذه العقوبة البديلة.



المراجع
1- دكتور/ أحمد براك، العقوبات الرضائية في الشريعة الاسلامية والانظمة الجنائية المعاصرة، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه منشورة دار النهضة العربية، كلية الحقوق -جامعة القاهرة، 2010.
2- دكتور/ أيمن رمضان الزيني، العقوبات السالبة للحرية القصيرة المدة وبدائلها، دراسة مقارنة، ط2، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005م ، ص180.
3- الاستاذ / حسني عبد الحميد، البدائل الشرعية للعقوبات الوضعية، بدائل العقوبات السالبة للحرية في الشريعة الاسلامية، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن، 2007.
4- دكتور / محمد سيف النصر عبد المنعم، بدائل العقوبات السالبة للحرية في التشريعات الجنائية الحديثة، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق - جامعة القاهرة، 2004.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق