4.05.2019

الرجوع عن الإقرار فيما موجبه التعزير

الرجوع عن الإقرار فيما موجبه التعزير







الرجوع عن الإقرار فيما موجبه التعزير






الرجوع عن الإقرار فيما موجبه التعزير

نايف بن علي بن عبدالله القفاري



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: 
فهذا كتابة يسيرة حول أثر الرجوع عن الإقرار فيما موجبه التعزير.
وهي مسألة يكثر التسبيب بها في الأحكام القضائية، أحببت أن أشارك فيها بما يفتحه الله تعالى. وقد انتظم البحث في فقرتين: 
الأولى: أثر رجوع المقر اختياراً فيما موجبه التعزير.
الثانية: أثر رجوع المقر كرهاً فيما موجبه التعزير.
وأسجل شكري هنا لكل من تفضل بتصويب هذه الورقات.
أسأل الله تعالى أن يلهمني الصواب وأن يتقبلها بقبول حسن وأن ينفع بها. وبالله التوفيق. 


أولاً: أثر رجوع المقر اختياراً فيما موجبه التعزير 
لو أقر مكلف بأمر عقوبته تعزيرية، وقد أقر بذلك مختاراً لم يمارس عليه أي إكراه، ولم تدل دلالة حاله عند الإقرار على الإكراه -كما لو كان موكلاً به أو سجيناً-، فهذا إذا رجع عن إقراره لم يقبل رجوعه، ولا أثر لرجوعه في النظر القضائي. هذا هو منصوص الفقهاء وقد حكى ابن قدامة الإجماع عليه( ): 
-قال ابن عابدين في حاشيته الشهيرة: (الرجوع يعمل في الحد لا في التعزير)( ).
-و أما المالكية فلم أقف على نص يصلح للإيراد هنا.



-وقال الزركشي الشافعي في المنثور: (كل من أقر بشيء ثم رجع عنه فإنه لا يقبل رجوعه إلا فيما كان حدا لله تعالى)( )، وقريب منه عبارة السيوطي في الأشباه، حيث قال: (كل من أقر بشيء ثم رجع, لم يقبل إلا في حدود الله تعالى)( )، و للشربيني نص آخر أوردته في الحاشية اختصاراً( ). 
-وقال ابن قدامة: (لا يقبل رجوع المقر عن إقراره إلا فيما كان حدا لله تعالى يدرأ بالشبهات ويحتاط لإسقاطه. فأما حقوق الآدميين, وحقوق الله تعالى التي لا تدرأ بالشبهات, كالزكاة والكفارات , فلا يقبل رجوعه عنها ولا نعلم في هذا خلافاً)( ). وللحنابلة نصوص مشابهة تجدها في الحاشية( ). 
ومن عبارة ابن قدامة نستفيد أن الرجوع عما موجبه التعزير لا يقبل بحال، لأنه إما أن يكون التعزير لحق آدمي: وحق الآدمي لا يقبل فيه الرجوع. 
أو يكون التعزير لحق الله تعالى: فلا يقبل فيه الرجوع أيضاً؛ لأن التعزير لحق الله تعالى من الحقوق التي لا تدرأ بالشبهات، بخلاف الحدود التي تدرأ بالشبهة. للاستزاده في المقصود من الشبهة ينظر 
وإنما فرقوا بين الرجوع عن الحدّ والتعزير: لأنهم يتوسعون في درأ الحدود باللبس اليسير ويجعله الجمهور قاعدة في باب الحدود؛ لما فهموه من أن الشارع يتشوف إلى درأ الحد بكل طريق، ولهم في هذا أدلة لا تسلم من معارضة.
وأما من لا يفرق بين الحد وغيره من الحقوق التي لله تعالى أو للآدميين فلا أثر لرجوع المقر المختار مطلقاً، ومن أولئك ابن حزم، حيث يقول: (من أقر لآخر , أو لله تعالى بحق في مال, أو دم , أو بشرة - وكان المقر عاقلاً بالغاً غير مكره - وأقر إقراراً تاماً, ولم يصله بما يفسده-: فقد لزمه, ولا رجوع له بعد ذلك, فإن رجع لم ينتفع برجوعه وقد لزمه ما أقر به على نفسه من دم , أو حد , أو مال)( ).

نخلص مما سبق إلى: أن المقر المكلف إذا أقر بما يوجب التعزير اختياراً، ثم رجع عن إقراره فلا أثر لرجوعه قضاءً، ويستثنى من ذلك ما لو كان إقراره لعلة اطلع عليها القاضي، فحينئذٍ يُرد إقراره وإنْ كان صَدَرَ حال الاختيار؛ والأصل في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة سليمان عليه السلام مع المرأتين اللاتي تنازعن في الولد، فقال سليمان عليه السلام: "ائتوني بالسكين أشقه بينكما فسمحت الكبرى بذلك, فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله, هو ابنها، فقضى به للصغرى " متفق عليه. فلم يعمل سليمان بإقرار الصغرى؛ بل قضى به لها مع إقرارها بأنه لصاحبتها الكبرى( )، يقول ابن القيم معلقاً على هذا الحديث: (وهذا هو الحق, فإن الإقرار إذا كان لعلةٍ اطلع عليها الحاكم لم يلتفت إليه أبداً، ولذلك ألغينا إقرار المريض مرض الموت بمال لوارثه؛ لانعقاد سبب التهمة واعتماداً على قرينة الحال في قصده تخصيصه)( )أهـ.



ثانياً: أثر رجوع المقر كرهاً فيما موجبه التعزير.
لو أقر مكلف بأمر عقوبته تعزيرية، وقد أقر بذلك مكرهاً أو دلت دلالة حاله على الإكراه كما لو كان موكلاً به أو سجيناً، ثم رجع عن إقراره بعد ذلك فهل يقبل رجوعه قضاءً؟. 
لا يخلو: 
إما أن تدل القرينة القوية على صدق إقراره أو لا. 
فإن دلت القرينة القوية على صحة الإقرار الصادر منه: عُمِل بالقرينة لا بالإقرار؛ لأن الإقرار معيب بالإكراه؛ ولأن القرائن القوية إحدى وسائل الإثبات. ودليله قصة مسك ابن أبي الحقيق، فالنبي صلى الله عليه وسلم عاقبه لأجل القرينة القوية وهي وجود المال لا لأجل الإقرار الصادر منه إكراهاً، يقول ابن القيم معلقاً على قصة ابن أبي الحقيق: (وفي ذلك دليل على صحة إقرار المكره إذا ظهر معه المال، وأنه إذا عوقب على أن يقر بالمال المسروق، فأقر به وظهر عنده: قطعت يده، وهذا هو الصواب بلا ريب. وليس هذا إقامة للحد بالإقرار الذي أكره عليه، ولكن بوجود المال المسروق معه الذي توصل إليه بالإقرار)( ). وقال ابن حزم عن الإقرار الصادر بعد الامتحان بالضرب ونحوه: (أما إن لم يكن إلا إقراره فقط فليس بشيء,.. فإن استضاف إلى الإقرار أمر يتحقق به يقيناً صحة ما أقر به - ولا يشك في أنه صاحب ذلك - فالواجب إقامة الحد عليه،..)( ).

أما لو تجرد من القرينة: فلا يصح العمل بإقرار مكره في باب التعزيز بإطباق الفقهاء خلافاً للإمام سحنون من المالكية وقد أشرت إلى خلافه في بحث إقرار السجين 
وهذا من الوضوح بحيث يُظن أنه لا يخفى على فقيه، فإن من شروط الإقرار المعتبر أن يكون المقر مختاراً، سواء في حقوق الآدميين أو في حقوق الله تعالى التي تسقط بالشبهة أو لا تسقط، ومتى ما تخلف شرط الاختيار عن الإقرار تجرد عنه أثره وأصبح كالمعدوم. ومن نصوص الحنابلة في هذا ما جاء في شرح المنتهى للبهوتي: (و (لا) يصح الإقرار من (مكره عليه) للخبر...، (وتقبل) من مقر ونحوه (دعوى إكراه) على إقرار (بقرينة) دالة على إكراه (كتوكيل به) أي ترسيم عليه أو سجنه (أو أخذ ماله أو تهديد قادر) على ما هدد به من ضرب أو حبس أو أخذ مال ونحوه , لدلالة الحال عليه، قال في النكت: وعلى هذا تحرم الشهادة عليه وكتب حجة عليه وما أشبه ذلك في هذه الحال)( ).

وإذا فحصنا.. فإنِّ المقر هنا لم يرجع عن إقراره حقيقةً؛ فهو يدعي أنَّ الإقرار معدوم لاختلال أركانه، فوصفه بأنه رجوع عن الإقرار تَجوّز في العبارة باعتبار الظاهر.

والبعض يرى أن إقرار المكره أو من شهدت له دلالة الحال على الإكراه، إذا جُرجِرَ بأغلاله وسجانيه إلى قاضٍ ثم صدق إقراره لديه، فإنه يسلب عنه صفة الإكراه لأنه لم يدفع بالإكراه عند القاضي في حينه! 
وتناسينا هذه الأغلال والأصفاد ورجال الضبط الذين يزفونه في رواحه إلى القاضي وغدوه.. 
إن لم يكن هذا من صور الإكراه فما هو الإكراه؟!

فإذا ثبت امتداد الإكراه، فإنه (مع الإكراه يغلب على الظن أنه قصد بإقراره دفع ضرر الإكراه, فانتفى ظن الصدق عنه)( )، فكيف يقبل وهذا حاله!
وقد تطرقت لهذا الإشكال في بحث إقرار السجين ونقلت هناك نصاً صريحاً للإمام السرخسي، وأنقل هنا نصاً آخر للإمام الرملي الشافعي. سئل في فتاويه: (عمّا لو أقر زيد لعمرو بشيء وأنه طائع مختار في هذا الإقرار، ثم قال كنت مكرهاً عليه ولي بينة تشهد بالإكراه، فهل تسمع دعواه وتقبل بينته مع مخالفتهما الإقرار المذكور، سواء حكم بموجبه حاكم شرعي أم لا، وسواء كانت هناك قرينة دالة على الإكراه أم لا. فإن قلتم تقبل وتسمع فما الجواب عما ذكره الفقهاء أن من شروط الدعوى أن لا ينافيها دعوى أخرى وأنه لو ادعى على واحد انفراده بالقتل ثم على آخر شركة أو انفرادا لم تسمع الثانية ؟).
فأجاب رحمه الله: (بأنه إن بين في دعواه ما أكره به وأنه أكره على الإقرار بالطواعية والاختيار وشهدت بينته كذلك سمعت دعواه وقبلت بينته وقدمت على تلك البينة في جميع الأحوال المذكورة في السؤال، وإلا فلا تسمع ولا تقبل وحينئذٍ لم يسبق من المدعي ما ينافي دعواه المسموعة إذ السابق منه على وجه الإكراه لا اعتبار به)( ).
قال القرافي: (الأصل في الإقرار اللزوم من البر والفاجر؛ لأنه على خلاف الطبع ..، فضابط ما لا يجوز الرجوع عنه من الإقرار: هو الرجوع الذي ليس له فيه عذر عادي, وضابط ما يجوز الرجوع عنه: أن يكون له في الرجوع عنه عذر عادي)( ).

على كل حال: من الخلط الذي وقفت عليه: تنزيل نقول الفقهاء في المقر المختار على المقر المكره الذي تجرد من قرينة قوية!
فَيُعْمِلون إقرار المكره ومن دلت دلالة حاله على الإكراه!
ثم يسببون لإعمال الإقرار مع رجوع المقرِّ عنه: بأنَّ الإقرار موجبه التعزير، وقد نص الفقهاء على أنَّ الرجوع عن الإقرار فيما يوجب التعزير لا يقبل!
هكذا يخلطون.. ويُنْسَبُ للشريعة ! 

انتهى المقصود وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق