4.05.2019

حق الاستعانة بمحام في مرحلة الاستدلال

حق الاستعانة بمحام في مرحلة الاستدلال







حق الاستعانة بمحام في مرحلة الاستدلال




حق الاستعانة بمحام في مرحلة الاستدلال
حق الاستعانة بمحام في مرحلة الاستدلال


المقدمة :
إن الاستعانة بمحام يعتبر من الحقوق البارزة والهامة بين حقوق الدفاع ومن الضروري جداً أن يكون بجانب المشتبه به أو المدعى عليه في كل مراحل الدعوى شخصاً محترفاً للقانون ويعلم بالاجراءات ، فيستطيع المحامي من خلال حضوره مراقبة اجراءات المحقق ويمنع أي اساءة لاستعمال السلطة اضافة لذلك فإن لحضور المحامي فائدة مزدوجة فهو بحضوره يبعث الطمأنينة لدى المدعى عليه من جهة ويقوم من جهة أخرى بتذكيره بحقوقه وملاحظة أي اخلال بهذه الحقوق قال الله تعالى في كتابه العزيز :
(( قال رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون )) .
الآيات (33 ـ 34 ) من سورة القصص .
كما قال الفقيه الأميريكي أورفليد في مؤلف له صادر عام 1947 ( ورغماً عن أن المدافع الكفء ذو فائدة عظيمة في المحاكمة إلا أن الوقت الذي يحتاج فيه المتهم حقاً لمساعدة المحامي هو حينما يكون قد قبض عليه ، ومنذ ذلك الحين فصاعداً في المحاكمة ، فهذه الفترة مليئة بالأخطار بالنسبة للمشتبه فيه ) .
وقد لا يكون المشتبه به ممن يحسنون الدفاع عن أنفسهم مما قد يؤدي الى زيادة الشك فيه والحكم عليه بالباطل .
ولقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم الى ذلك بقوله : 
( إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إليَّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه ، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار ) .
وظاهر من هذا الحديث أن القاضي مهما كانت فطنته فقد يستطيع أحد الخصوم أن يدلس عليه بحسن منطقه وسلامة عرضه للحجة والبرهان كما يدلنا على أن المدعي لا يكفي أن يكون صاحب حق بل لا بد له من إظهار هذا الحق بالحجج والبراهين الساطعة وهذا لا يكون إلا لقلة من الناس وهبهم الله تلك القدرة .



*** *** ***
الفرع الأول
التشريعات التي أقرت الحق للمشتبه به بالاستعانة بمحام .
اعترفت التشريعات الأنجلوساكسونية للمشتبه به في مرحلة الاستدلال بجميع الضمانات التي قررتها للمتهم في المراحل اللاحقة استناداً الى ما قررته القواعد الدستورية من عدم الزام الشخص بأن يشهد ضد نفسه أو يساهم في تقديم دليل ادانته وقد طبقت هذه القواعد بالنسبة للمدعى عليه والمشتبه به دون تفرقة بينهما .•
ففي أمريكا مثلاً اعتراف المحكمة الفدرالية العليا بعد قضية ميرندا في •13/6/1966 للمقبوض عليه بحق الاستعانة بمحام منذ بداية التوقيف وقبل أي استجواب فقد قضت المحكمة العليا في قرار لها : ( بأنه يثبت حق الاستعانة بمحام لفرد من الأفراد عندما تتوجه التحقيقات التي تجري معه الى الحصول على اعتراف منه بمعنى آخر عندما تزول عن التحقيق عموميته ) .
كما أكدت في مجال آخر بأنه : ( يجب أن يخطر الشخص الموضوع في الحراسة بوضوح بأن له الحق في أن يبقى صامتاً ، وأن كل ما يقوله سيستخدم ضده في المحاكمة ، كما يجب أن يخطر بأن له الحق في أن يستشير محامياً ، وأن يكون معه محام خلال استجوابه ، أو أن ينتدب له محام في حالة عجزه المالي عن استخدامه ) .
كما نهج القانون الكندي في هذا السبيل في تقرير حق المشتبه به بالاستعانة بمحام في مواجهة اجراءات الشرطة ورفع هذا الحق الى مرتبة الحقوق الدستورية فنص في وثيقة الحقوق الكندية في الفقرة /ج/ من المادة الثانية على أنه : ( يجب ألا يفسر أو يطبق أي قانون في كندا على نحو يحرم أي شخص قبض عليه أو حبس من حقه في استشارة محام دون تأخير ) .•
أما على الصعيد الأوربي اعترفت التشريعات في ألمانيا وايطاليا وفرنسا بحق المشتبه به بالاستعانة بمحام في مرحلة الاستدلال ومن ذلك فقد نص القانون الألماني للاجراءات الجنائية في المادة /136/ على حق المشتبه به في الاستعانة بمحام أثناء اجراءات الاستدلال ومنح المحامي حق الاطلاع على الملف الخاص بالمشتبه فيه دون أن يكون له الحق في مساعدة المشتبه به أثناء التحقيق الذي يجريه معه مأمور الضبط القضائي .•
كما نص القانون الايطالي في المادة /225/ من قانون الاجراءات على حق المشتبه به في الاستعانة بمحام أثناء مباشرة اجراءات الاستدلال بمعرفة مأمور الضبط القضائي . •
كما ألزم القانون الايطالي مأمور الضبط القضائي في حالة عدم وجود محام للمشتبه به أن ينتدب له محام من الجهة المختصة .
أما القانون الفرنسي فقد اعترف مؤخراً ومنذ عام 1993 بحق المشتبه به في الاستعانة بمحام أمام الضابطة العدلية فحتى عام 1993 لم يكن بإمكان المحامي التدخل الى جانب المقبوض عليه أمام الضابطة العدلية ، ولكن ومع صدور القانون الجديد أصبح بإمكان المشتبه به ومنذ بداية التوقيف الاستعانة بمحام أمام الضابطة العدلية ولكن تدخل المحامي أمام الضابطة العدلية في فرنسا لا يبدأ إلا بعد انقضاء عشرون ساعة على بداية التوقيف ولكن مع النص على أنه من الواجب على الضابطة العدلية أن تنبه المقبوض عليه بحقه بالاستعانة بمحام وهذا النظام يطبق في جميع الجرائم باستثناء جرائم الاحداث وجرائم الارهاب وجرائم تهريب المخدرات . ففي جرائم تهريب المخدرات وجرائم الارهاب فإنه ليس بمقدور المحامي التدخل قبل مضي /72/ساعة على توقيف المشتبه به . أما في جرائم الأحداث فالوضع يختلف لحساسية الموقف ففي هذه الجرائم يستطيع الحدث أن يطلب مقابلة محاميه منذ بداية توقيفه وفي أي لحظة لاحقة على ذلك .•



الفرع الثاني
التشريعات التي رفضت الحق للمشتبه به بالاستعانة بمحام
ويأتي في مقدمة هذه الدول ، الدول العربية فلا يوجد في القوانين العربية ما يشير الى وجود نص ينظم تدخل المحامي أمام الضابطة العدلية ، ورغم أن الدساتير العربية تنص على حماية حرية الأفراد ، ورغم أن هذا الأصل الدستوري الذي يستوجب في أبسط تطبيقاته حق المشتبه به بالاستعانة بمحام أمام أي مرجع كان بما يكفل احترام حريته ومنعه من التفوه بما قد يساهم في تقديم دليل ادانته وهو غير مكلف بذلك ، إلا أن هذا الأصل الدستوري غير محترم ويمكن أن ينتهك ببعض القرارات القضائية بل ببعض البلاغات الصادرة عن جهات أمنية تسمح لنفسها بمخالفة أبسط حقوق الانسان ...؟!
على أن القانون المصري نص في المادة /82/من قانون تنظيم مهنة المحاماة على امكانية حضور محامي المشتبه به أمام الضابطة العدلية عندما نص على ما يلي : 
(للمحامين دون غيرهم حق الحضور عن ذوي الشأن أمام المحاكم والنيابات وهيئات التحكيم ودوائر الشرطة والجهات القضائية والادارية ذات الاختصاص القضائي وجميع الجهات الأخرى التي تباشر تحقيقاً جنائياً أو ادارياً أو اجتماعياً ولا يجوز تعطيل هذا الحق في أي صورة أو لأي سبب ) .
ورغم وجود مثل هذا النص إلا أن القضاء استمر على التمسك ببعض الأحكام القضائية التي لا تستند الى أساس في القانون ...!
فقد قضت محكمة النقض المصرية بأن : 
( ما يقوله المتهم بشأن بطلان محضر الاستدلالات بسبب أن البوليس منع محاميه من الحضور معه أثناء تحريره لا يستند الى أساس من القانون ) . نقض مصري رقم /196/لعام 1961 
كما جاء في حكم آخر أنه :
( لمأمور الضبط القضائي السماح للمحامين بالحضور أثناء جمع الاستدلالات إلا أنهم غير ملزمين بتمكينهم من ذلك ، ولا يترتب على عدم تمكينهم منه في هذه المرحلة بطلان ما ) .
ويرى الفقه العربي أنه يجب التفريق في غياب النص في أغلب التشريعات العربية بين حالتين الأولى فيما اذا كان مأمور الضبط القضائي يمارس عملا من أعمال جمع الاستدلال أو في الحالة الثانية فيما اذا كان يمارس عملا من أعمال التحقيق .
ففي الحالة الأولى :
يكون هناك شبهة للاتهام وقد لا تثبت ولذلك لا يجوز للمشتبه به الاستعانة بمحام في هذه المرحلة لغياب النص .
أما المرحلة الثانية :
فإن مأمور الضبط القضائي أو الضابطة العدلية عند قيامهم بعمل من أعمال التحقيق لا يستطيع أن يمنع المتهم والخصوم من استصحاب وكلائهم في التحقيق .
ويرى البعض أن أعمال التحري والاستدلال هي جزء من الحقيق بمعناه الواسع لذلك لا يجوز منع المحامي من حضور هذه الاجراءات متى كان المشتبه به حاضراً لأنه مع المشتبه به يمثلان شخصاً واحداً .
الفرع الثالث
دور المحامي أمام الضابطة العدلية في مرحلة الاستدلال
يختلف دور المحامي تبعاً للوقت الذي يستطيع فيه أن يلتقي مع المقبوض عليه وتبعاً لما هو مسموح له عندما يحضر الى جانب موكله .
فعندما يتدخل المحامي منذ بداية التوقيف يسمح له ذلك بأن يلخص للمشتبه به سير الاجراءات ويسمح له باطلاعه على حقوقه كذلك توجيهه الى طريقة التعامل مع المحقق خلال الاستجواب ، كما أنه اذا كان يسمح للمحامي حضور الاستجواب فإن دوره يختلف حسبما يكون من حقه الكلام والاعتراض أو طرح الأسئلة أم لا .
ودون شك فإن لحضور المحامي الى جانب المقبوض عليه أثناء الاستجواب يسمح للمحامي بالاطلاع على التحقيق وإبداء الملاحظات كذلك توجيه المقبوض عليه أو تذكيره بحقه بالتزام الصمت والرد بالاجابات القصيرة على أسئلة المحقق .
أما اذا كان تدخله لا يتم إلا بعد مضي بعض الوقت على التوقيف حيث يكون قد تم استجواب المشتبه به ، فإن دور المحامي يقتصر على الرقابة على اجراءات التوقيف والتحقيق ، وهذا التأخير في تدخل المحامي لا يسمح إلا بأخذ المعلومات من المقبوض عليه نفسه أو من الاضبارة عندما يكون الاطلاع عليها مسموح بعد أن تكون الاجراءات قد تمت .
وكما رأينا آنفاً فإن دور المحامي في القانون الفرنسي لا يبدأ إلا بعد مرور /20/ ساعة على توقيف المشتبه به على خلاف القانون الأمريكي والكندي وغيرها من القوانين الأوربية التي يستطيع فيها المحامي التدخل منذ اللحظة الأولى لتوقيف موكله .
كما أن المحامي في القانون الفرنسي لا يستطيع الاطلاع على الاضبارة التحقيقية ولكنه يحصل على المعلومات عن طريق موكله وهذا يدلنا على أن دور المحامي في فرنسا لا يتعدى دور المراقب على اجراءات التوقيف بينما نجد أن هذا الدور يعظم في القوانين الأخرى ليصل الى دور الدفاع الحقيقي كما في القانون الأمريكي والكندي .
الخاتمة :
وفي النهاية نجد أن تقرير ق المشتبه به بالاستعانة بمحام في مرحلة الاستدلال أمر ضروري لا غنى عنه ويجب أن لا يترك أمره لمطلق تقدير سلطة الضابطة العدلية ، كما أنه لا يكون لاقرار هذا الحق قيمة عملية اذا لم يرتب القانون عليه البطلان ، خاصة أن لمحضر الاستدلال الذي تحرره الضابطة العدلية قيمة قانونية في الاثبات .
وهذا ما قررته محكمة النقض المصرية بقولها : 
( للمحكمة أن تُعول على ما يتضمنه محضر جمع الاستدلال من اعترافات مادامت قد اطمأنت اليها كما هو مقرر من أن الاعترافات في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحلاية في تقدير صحتها وقيمتها في الاثبات بغير معقب مادامت تقيمه على أسباب سائغة ولها سلطة مطلقة في الأخذ باعتراف المتهم في أي دور من التحقيق بما في ذلك محضر ضبط الاستدلال متى اطمأنت الى صدقه ومطابقته للحق والواقع .
لذلك فإنه لابد من تضمين قانون أصول المحاكمات الجزائية نص يمنح المشتبه به حق الاستعانة بمحام اذا كان حاضراً ، ويلزم الضابطة العدلية بعدم اجراء التحقيق الا بحضور محامي المشتبه به اذا طلب ذلك وأن يجعل البطلان جزاء الاخلال بهذا الحق وذلك تماشياً مع التطور التشريعي الذي يجري في العالم ومع توصيات المؤتمرات والمنظمات الدولية ومن ذلك ما أوصى به مؤتمر الجمعية الدولية لقانون العقوبات في هامبورغ لعام 1979 بضرورة أن يكون لكل متهم في قضية جنائية حق الدفاع عن نفسه أو توكيل محام يختاره في جميع مراحل الدعوى الجزائية بما فيها مرحلة الاستدلال .









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق