4.05.2019

الحق في حرية التنقل (دراسة دستورية مقارنة )

الحق في حرية التنقل (دراسة دستورية مقارنة )







الحق في حرية التنقل (دراسة دستورية مقارنة )






الحق في حرية التنقل ( دراسة دستورية مقارنة )

ياسر عطيوي الزبيدي
تدريسي في كلية القانون - جامعة كربلاء




المقدمة


نبحث في هذا الموضوع حق الأفراد في التنقل سواء كان تنقلاً داخلياً أو خارجياً من خلال استقراء النصوص الدستورية الواردة في الدستور العراقي الدائم لسنة (2005) وكذلك الدساتير المقارنة كدستور مصر لعام (1971) وفرنسا لسنة(1958)والولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال هذه المقارنة سنحدد عناصر القوة والضعف في الدستور العراقي سالف الذكر من اجل الوصول به إلى الدساتير المثالية التي لا تجعل أمام السلطة أي مجال للالتفاف على هذا الدستور ومن ثم المساس بالحقوق والحريات بما فيها حرية التنقل، ولا شك إن حرية التنقل من الحريات التي طالتها يد السلطة السابقة قبل الإطاحة بها عام (2003) وتجلى ذلك من خلال إصدار الكثير من القرارات والقوانين التي أفرغت هذا الحق الدستوري من محتواه.

إن البحث في حق الأفراد في التنقل يتطلب أن نقسم هذا الموضوع إلى خمسة محاور أساسية على وفق ما يأتي:

أولا: التأصيل التاريخي للحق في حرية التنقل.

ثانياً: الطبيعة القانونية للحق في حرية التنقل.

ثالثاً: صور الحق في حرية التنقل.

رابعاً: القيود الواردة على الحق في حرية التنقل.

خامساً: الضمانات القانونية للحق في حرية التنقل.




أولاً/ التأصيل التاريخي للحق في حرية التنقل

إن دراسة حرية التنقل يستلزم منا أن نبحث في الجذور التاريخية لهذه الحرية، إذ إن مثل هذه الدراسة تسّهل عملية البحث، وعلية فإننا سنحاول توضيح مكانة حرية التنقل في الشريعة الإسلامية سواء من خلال استعراض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية الشريفة في هذا الخصوص .

فقد اتخذت الشريعة الإسلامية الحرية الفردية بشكل عام دعامة أساسية بالنسبة لكل ما سنته للناس من عقائد ونظم تشريعية، فاعتبر الإسلام إقراره للحقوق والحريات العامة، إقرارا منه للإنسانية جمعاء لان صيانة الحقوق والحريات العامة إنما هو مرتبط أساسا بكرامة الإنسان استناداً لقوله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم...)(1).

وعليه فان ما يهمنا هنا هو مكانة حرية التنقل في هذه الشريعة الغراء، ومثال على ذلك قوله تعالى (هُو الذّي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور)(2) وهنا نلاحظ إن الشريعة الإسلامية في هاتين الآيتين قد جعلت من طلب الرزق كهدف سام يكون من خلال التنقل وقد يكون الهدف من التنقل لإغراض التجارة كقوله تعالى(لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف....)(3) وكذلك تكون أغراض التنقل هو للخلاص من الاضطهاد وحماية النفس البشرية من الظلم والاضطهاد الذي تعرض له المسلمون من قبل المشركين في مكة وتجلى ذلك في قوله تعالى (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً...)(4) أما من الأحاديث النبوية التي شجعت على التنقل، قوله(ص)(إذا ظهر الطاعون في بلد وانتم فيه فلا تخرجوا منه، وإذا سمعتم به وانتم خارجه فلا تدخلوه)(5) كما إن الشريعة الإسلامية قد وضعت إطاراً قانونياً لتنظيم حرية التنقل من خلال الموازنة بين مصلحة المجتمع من جهة ومصلحة الأفراد في ممارسة هذه الحرية من جهة أخرى. بحيث غلبت المصلحة العامة على المصلحة الخاصة في هذا الخصوص مثال على ذلك إنّ الرسول(ص) قد نهى عن تقييد حرية الناس في ممارسة حقهم بالتنقل أي مراعاة حقوق غيرهم عند استعمال الطرق في الرواح والمجيء حيث قال(ص)(إياكم والجلوس في الطرقات فان كان ذلك فأعطوا الطريق حقها، قالوا وما حقها؟ قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)(6).

ويلاحظ مما سبق بحثه إن الشريعة الإسلامية قد سبقت كافة التشريعات الوضعية في إقرار الأحكام الخاصة بالحق في حرية التنقل سواء بالنص عليها صراحةً في القرآن الكريم أو في السنة النبوية، فضلاً عن ذلك فإنها رسمت الأطر القانونية لتحقيق الموازنة بين المصالح العامة والمصالح الخاصة عند ممارسة حرية التنقل.




ثانيا/ الطبيعة القانونية للحق في حرية التنقل

إن تحديد الطبيعة القانونية للحق في حرية التنقل قد أثار جدلاً من جانب الفقهاء الدستوريين، حيث جاءت آراؤهم متباينة بتباين الزاوية التي ينظر إليها كل فقيه لطبيعة ومضمون هذا الحق، فضلاً عن ذلك فان القضاء بصورة عامة قد حاول في بعض أحكامه أن يتصدى للطبيعة القانونية تلك سواء كان قضاءً دستورياً أم إدارياً، ولتباين تلك الطبيعة فإننا سنقسم دراستنا إلى الموضوعين الآتيين :

"    موقف الفقه الدستوري في الطبيعة القانونية لحرية التنقل، يرى جانب من الفقه الدستوري في الطبيعة القانونية للحق في حرية التنقل، بأنه من الحقوق الشخصية الأساسية باعتبار إن وجوده لازماً لوجود وقيام الحقوق والحريات العامة الأخرى(7). إذ يرون انه لا قيمة لتقرير حق الانتخاب إذا لم يتقرر إلى جانبه حق الفرد في التنقل أي عدم فرض قيود على تنقله أو منعه من ذلك كعدم جواز القبض عليه أو حبسه أو إبعاده بغير مسوغ قانوني، فإذا تم تخويل جهة إدارية معينة بسلطة مطلقة في منع الأفراد من التنقل لأي مكان آخر كان تصدر أمراً بالقبض أو الحبس فإنها تستطيع إن تحرم خصومها من ممارسة حقوقهم الانتخابية من خلال منعهم من الذهاب إلى المراكز الانتخابية، كما إن تقرير حق الأفراد في الصناعة أو التجارة لا قيمة له إذا لم يمكن الأفراد في ممارسة حقهم في التنقل.

ومن جهة أخرى يرى جانب من الفقه الدستوري إن الحق في حرية التنقل من الحريات النسبية أي ليست له صفة مطلقة بل يخضع الأفراد عند ممارستهم لحرية التنقل إلى عدة قيود تفرض في إطار احترام القوانين المرعية في الدولة وحماية النظام العام وكذلك مراعاة الحقوق والحريات العامة ذاتها(8).

"    إذا كان الفقه الدستوري قد جاءت آرائه متباينة حول تبيان الطبيعة القانونية للحق في حرية التنقل، فان الأحكام القضائية هي الأخرى قد حاولت تبيان تلك الطبيعة. فقد أكدت المحكمة الدستورية العليا المصرية في حكمها الصادر عام (1997) إن حرية التنقل من العناصر الأساسية التي تركز عليها الحريات الشخصية الأساسية الأخرى فأقرت على إن حرية الانتقال رواحاً ومجيأً بما تشتمل علية من حق مغادرة الإقليم حقاً لكل مواطن وما يقارنها في اختيار الشخص لجهة يعنيها يقيم فيها هي التي اعتبرها الدستور من عناصر الحرية الشخصية(9). كما أكدت المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية إن حرية التنقل هو حق دستوري أصيل ويعد من الموروثات التي يعتز بها الشعب الأمريكي وهو أيضا حق عزيز على المواطن الأمريكي ملبياً كافة احتياجاته وهذا الحق بلا أدنى شك له صفة أساسية في إطار القيم الدستورية(10)أما المجلس الدستوري الفرنسي، فانه عد هذا الحق من الحريات الشخصية بل وجعله يسمو على باقي الحقوق والحريات الشخصية الأخرى وان كانت تتمتع بالذات بالحماية الدستورية(11).

أما القضاء الإداري فان له أحكاماً جاءت لتتناول الطبيعة القانونية للحق، ومثال ذلك نجد إن مجلس الدولة المصري اقر إن حق التنقل هو فرع من الحرية الشخصية للفرد ولا يجوز مصادرته بغير علة ولا مناهضته دون مسوغ أو تقيده بلا مقتضى(12)أما مجلس الدولة الفرنسي فانه قضى في احد أحكامه إن الحق في حرية التنقل هو من الحقوق الأساسية وهو مظهر من مظاهر الحرية الفردية(13).      




ثالثاً/ صور الحق في حرية التنقل

إن حق التنقل يأخذ صوراً متعددة، وهذه الصور تشكل أهم المرتكزات الأساسية التي يستند عليها حق التنقل ومن هذه الصور ما يلي:
"    حرية الحركة: ويقصد بها حرية التنقل الداخلي في إطار الدولة الواحدة أي في نطاقها الإقليمي، فالإنسان بطبيعته كائن متحرك لا بد له من التنقل والانطلاق من مكان لآخر وفي ذلك حماية لصحته النفسية والجسمية معاً ومن أقسى الأمور التي تحدد إقامته أو حركته في مكان محدد لا يستطيع مغادرته وقد أكدت الكثير من الدساتير على ذلك ومنها الدستور المصري لسنة (1971) حيث نص على إن (الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس...)(13).

ويلاحظ على هذا النص انه أورد بشكل عام حرية التنقل وهي بطبيعة الحال تشمل أيضا حرية التنقل  الداخلي أما الدستور الفرنسي لسنة (1958) فانه قد اعتمد المقدمة(الديباجة) التي وردت في دستور(1946) وهذه الديباجة لها قوة قانونية حيث أقرت بصفة عامة احترام الحقوق والحريات العامة دون الإشارة إلى أي حرية بذاتها. وباستقراء الدستور الأمريكي لسنة (1787) نجده في التعديل(14) احترام الحقوق والحريات بشكل عام دون الأخذ بالجانب التفصيلي لها.

أما الدستور العراقي الدائم لسنة (2005) فانه نص على انه(للعراقي حرية التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه)(15).
"    حرية اختيار مكان الإقامة: إن اختيار الإفراد مكان إقامتهم وعدم تحديد مكان معين لهم على وجه الإلزام، يعد احد مرتكزات حرية التنقل، ففرض الإقامة الجبري يعد قيداً سلباً لحرية التنقل، فالفرد له حرية مطلقة في الإقامة بأي جزء من إقليم الدولة إلا إذا كانت هناك أسباب تسوغ الحرمان من الإقامة في جهة معينة شرط إن يكون الحرمان مؤقت.

وعليه نجد بعض الدساتير قد أقرت حق الأفراد في اختيار مكان إقامتهم، ومن قبيل ذلك دستور تونس لسنة (1959) الذي لا يجيز فرض الإقامة الجبرية على الفرد عند ممارسته لحريته في التنقل( 16) ويصدق الحال كذلك على الدستور المصري لعام(1971) حيث نجد إن المادة (50) قد نصت على عدم جواز حرمان الأفراد من الإقامة في أي مكان إلا في حدود القانون(17). أما الدستور العراقي لعام (2005) فقد اقر صراحة هذا الحق وأكد على أحقية الأفراد في اختيار مكان الإقامة في أي جزء من إقليم الدولة(18)، وقد كان قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية قد أكد ذلك الحق وإزالة كافة القيود التي كانت تفرض عليه في ظل النظام السابق كقرار مجلس قيادة الثورة(المنحل) رقم (666) لسنة(1980) الذي حرم الأفراد العراقيين من الإقامة في البلاد وعمل على تهجيرهم بالقوة خارج الدولة حيث ألغى  قانون إدارة الدولة هذا القرار المجحف(19).

"    حرية الخروج من الدولة: ويعني هذا، حرية الفرد في تلك البلاد بصفة مؤقتة وهو ما يسمى (بحرية السفر) أو الخروج دون العودة إليه وهو ما يسمى بـ (الهجرة) وسواء كان هذا أو ذاك، فان الدساتير بصفة عامة قد جعلت من هذه الحقوق، حقوقاً طبيعية للأفراد، مثل دستور مصر لعام (1971) حيث نص في المادة (52) على إنّه (للمواطنين حق الهجرة الدائمة أو المؤقتة إلى الخارج...)(20) كما أكد الدستور المصري أيضا عدم جواز الأبعاد فنص في المادة(51) على انه(لا يجوز إبعاد أي مواطن عن البلاد.....)(51) وأيضا دستور اليمن لعام(1991) حيث نص على انه(.... وحرية الدخول إلى الجمهورية والخروج منها ينظمها القانون )(52) وباستقراء دستور ايطاليا الدائم لعام (1947) نجده أيضا قد نص على إن (...وكل مواطن حر في أن يغادر أراضي الجمهورية )(53).

"    حرية العودة إلى الدولة: إذا كان للأفراد حرية الخروج من الدولة سواء كان بشكل دائم أو مؤقت، فانه بالمقابل لهم حق العودة إليها، وعلى هذا الأساس جاءت الدساتير لتؤكد هذا الحق، كدستور مصر لسنة (1971) نص في المادة (51) على انه(لا يجوز إبعاد أي مواطن عن البلاد أو منعه من العودة إليها)(54). وكذلك دستور تونس لسنة (1959) الذي ينص على أن( يُحضر تغريب المواطن عن تراب الوطن أو منعه من العودة إلية)(55) أما الدستور العراقي الدائم لعام(2005) فانه تضمن نص مفاده(لا يجوز نفي العراقي أو أبعاده أو حرمانه من العودة إلى الوطن)(56) أما الدستور الأمريكي لسنة (1787) والفرنسي لسنة (1958) فأنهما قد تضمنا نصوصاً عامة تعالج هذا الأمر ضمناً.




رابعا/ القيود الواردة على الحق في حرية التنقل

لا شك إن حرية التنقل ليس حرية مطلقة وإنما هي مقيدة ويأتي هذا التقييد في عدة جوانب يكون هدفها تحقيق الموازنة بين المصالح العامة والمصالح الخاصة ومن ثم  تغليب الأولى على الثانية عند تعارضها، ومن هذه القيود  ما يلي:

1-   القيود الدستورية التنظيمية: وهذه القيود حددتها بعض التشريعات  الدستورية كالحفاظ على النظام العام أو عناصره كالصحة والسكينة والأخلاق العامة وغيرها(57).

كما إن الدساتير قد أقرت صراحة إن حرية التنقل لا يجوز تقيدها إلا بموجب القانون، وقد يكون التنفيذ الدستوري ناشئ عن حالة (الضرورة) أي حدوث ظروف استثنائية طارئة كالحرب أو انتشار وباء أو عصيان أو تمرد من شأنه يمنح السلطة التنفيذية (رئيس الدولة) أو (رئيس الوزراء) سلطات واسعة تضيق من نطاق ممارسة الحقوق والحريات العامة بما فيها حرية التنقل ومثال على ذلك المادة(16) في دستور فرنسا والمادة (74) من دستور مصر لسنة (1971).

2-   القيود الواردة في القانون الإداري: وهنا يمكن تنفيذ حرية التنقل وفق إجراءات تسمى  (إجراءات الضبط الإداري) ويزداد هذا التنفيذ في حالة الظروف الاستثنائية الذي يمنح الإدارة سلطات واسعة من شأنها إن تقيد الحريات العامة بما فيها حرية التنقل مع إعطاء الأفراد حق الطعن بتلك الإجراءات أمام القضاء المختص.

3-   القيود الواردة في القوانين الجزائية: ومثال على ذلك صدور حكم قضائي بالحبس والسجن أو الاعتقال أو فرض الإقامة الجبرية على الأفراد.




خامسا/ الضمانات القانونية للحق في حرية التنقل

إن النص على الحق في حرية التنقل من صلب النصوص الدستورية لا فائدة منه إذا تقرر له الحماية الخاصة، وعليه فان ابرز أوجه هذه الحماية سنذكرها باختصار وفق ما يأتي:

1.    أن ينص الدستور صراحة على عدم جواز تعديل النصوص الدستورية المتعلقة بصيانة الحقوق والحريات العامة بما فيها حرية التنقل إذا كان من شأن هذا التعديل أن ينتقص من هذه الحقوق والحريات والضمانات المقررة لها وعلى هذا الأساس نجد إن دستور العراق الدائم لعام (2005) قد اقر هذا الأمر صراحة في صلب مواده(58) .

2.    الأخذ بالرقابة على دستورية القوانين، ويعد هذا الأمر خير وسيلة لحماية الحقوق والحريات العامة، إذ يتم بموجبه إعطاء هيئة معينة قد تكون قضائية كما هو الحال في مصر والعراق، أو هيئة سياسية كما هو الحال في فرنسا والمتمثل بالمجلس الدستوري، يكون له الحق في رقابة مشروعية القوانين للتأكد من مدى توافقها مع النصوص الدستورية، وهذا ما نجده في الدستور العراقي الدائم لسنة (2005) الذي اوجد محكمة مختصة يرقب مدى ملائمة القوانين الصادرة مع نصوص الدستور حيث يكون للمحكمة الدستورية الاتحادية العليا هذا الحق أي سلطة إلغاء القانون إذا ما رأت انه يخالف النصوص الدستورية فمثلاً إذا اصدر قانون يحد من حرية التنقل لا يستند على أسباب جدية فان هذا القانون يعد ملغياً ويكون قرار المحكمة الصادر في هذا الخصوص له حجية مطلقة وله صفة البتات.

3.    الضمانات الواردة في القوانين الدولية، ونقصد بالقوانين هنا المعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالحقوق والحريات العامة بما فيها حرية التنقل ومن تلك الاتفاقيات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة (1948) حيث نص على انه(لكل فرد الحق في حرية التنقل وفي اختيار محل إقامته داخل حدود الدولة، وان لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده وفي العودة إلى بلده)(59).

كما إن المعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام (1966) قد نص أيضاً على إن حق كل فرد مقيم بصفة قانونية في الدولة في الانتقال وفي اختيار مكان إقامته ضمن ذلك الإقليم وحق كل فرد في مغادرة أي قطر بما في ذلك بلاده(60).
أما من الاتفاقيات الدولية الإقليمية نجد إن الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان لعام (1950) أكدت على حرية التنقل فنصت في المادة الثانية على حرية الأفراد في التنقل وكذلك اختيار مكان الإقامة وحق المغادرة للبلاد(61).

وكذلك الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لعام (1969) التي تضمنت نصوصاً أطرت بموجبها حرية التنقل وهذا ما نجده في المادة (22) التي قررت حق كل شخص يقيم بطريقة قانونية في دولة طرف في الاتفاقية في التنقل داخل الدولة والإقامة فيها وحق المغادرة والعودة لأي بلد بما فيها بلده(62).
كما إن الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان لسنة (1986) هو الآخر قد أكد تلك الحرية فنص في مادته (12) على حق كل فرد إن يتنقل بحرية داخل وطنه ولا يسمح للسلطات تقييد هذا الحق إلا في الظروف الاستثنائية مثل ظروف الحرب ولكل فرد حق السفر بحرية إلى وطنه أو من وطنه إلى الخارج ولا يسمح بفرض قيود إلا في حدود القانون والتي تكون لازمة لحماية الأمن القومي والقانون والنظام والصحة والأخلاق العامة(63).





الخاتمة:
بعد أن انتهينا من بحث موضوع الحق في حرية التنقل (دراسة دستورية مقارنة) فإننا توصلنا إلى النتائج الآتية:

  أولا: إن الشريعة الإسلامية قد سجلت سبقاً في تأكيد الحقوق والحريات العامة بما فيها حرية التنقل وضعت نظاماً قانونيا لممارسة هذه الحرية وفق موازنة المصلحة العامة مع المصلحة الخاصة وتغليب الأولى على الثانية عند تعارضهما وكل ذلك جاء في نصوص صريحة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة.
  ثانيا: إن الحق في حرية التنقل هو من الحقوق الشخصية الأساسية ويعد الركيزة الأساسية التي تستند عليه باقي الحقوق والحريات العامة من دون هذا الحق يتعذر ممارسة الحقوق والحريات الأخرى.

  ثالثاً: إن هذا الحق ذو نطاق واسع فهو يشمل حق التنقل الداخلي واختيار مكان الإقامة وحرية التنقل الخارجي كالسفر أو الهجرة وأيضا حرية العودة إلى البلاد وهذا ما لاحظناه عند استقراء الآراء الفقهية أو النصوص الدستورية ومنها دستور العراق الدائم لسنة (2005).

رابعا: إن هذا الحق ليس مطلقاً بل ترد عليه قيود وهذه القيود أما أن ينص عليها الدستور صراحة أو في اغلب الأحيان يحيل في تنظيمها إلى القوانين العادية لان الدستور لا يمكن إن يشتمل على التفاصيل بل يعرض الخطوط الرئيسة ويترك ما تبقى من التفاصيل إلى القوانين الأدنى منه ذات الصلة.

خامساً: إن الدستور العراقي  الدائم لسنة (2005) يمكن أن يعد دستوراً مثالياً فيما يخص صيانة وضمانة الحق في حرية التنقل حيث جاء بنصوص صريحة تكفل هذا الحق مع إيجاد وسيلة أو آلية لهذا الضمان تتمثل بالرقابة على دستورية القوانين الذي كانت الدساتير السابقة خصوصاً تفتقر إلى مثل هذه الرقابة.
وفي تقديرنا إن هذا الدستور جاء كرد فعل على ما أفرزته السنوات الخمس والثلاثين المنصرمة التي شهدت مصادرة للحقوق والحريات العامة بما فيها حرية التنقل.



الهوامش :
1-              الإسراء (7).
2-              الملك (15).
3-              قريش(1-2).
4-              النساء(75).
5-     د. فيصل شنطاوي، حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ط2، دار حامد للنشر والتوزيع، عمان، 2001، ص35.
6-     د. عبد الحكيم حسن العيلي، الحرية الشخصية بين القانون المعاصر والشريعة الإسلامية، مجلة العلوم الإدارية، العدد(1) السنة(26)،1975، ص118-119.
7-     د. عبد الحميد متولي، القانون الدستوري والأنظمة السياسية،ج1، ط4، دار المعارف، القاهرة،(1965-1966)، ص101.
8- د. احمد حافظ نجم، حقوق الإنسان بين القرآن والإعلان، دار الفكر العربي،بدون سنة نشر، ص34.
8-     د.فاروق عبد البر، دور المحكمة الدستورية المصرية في حماية الحقوق والحريات، القاهرة، 2004، ص381.
9-     د. نعيم عطية، المنع من السفر، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون سنة نشر،ص25.
10-   د.احمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري،ط1،دار الشروق، القاهرة،2001،ص394.
11-    د.فاروق عبد البر، دور مجلس الدولة المصري في حماية الحقوق والحريات العامة، ج1، القاهرة، ص224.
12-    د.احمد فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، مصدر سابق، ص398.
13-    المادة(41) من دستور مصر لسنة 1971.
14-    المادة(43)الفقرة(أولا) من دستور جمهورية العراق الدائم لسنة(2005).
15-    المادة(10) من دستور تونس لسنة1959.
16-   د.طارق فتح الله خضر، حرية التنقل والإقامة بين المشروعية والملائمة الأمنية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، ص30.
17-    انظر المادة(42) الفقرة(أولا) من دستور العراق الدائم لسنة2005.
18-    انظر المادة(11) من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004.
19-    د. طارق فتح الله خضر، مصدر سابق، ص30.
20-   د. احمد جاد منصور، الحماية القضائية لحقوق الإنسان، حرية التنقل والإقامة في القضاء الإداري المصري، دار أبو المجد للطباعة، 1997، ص139.
21-    المادة(57) من دستور اليمن لسنة 1991.
22-    المادة(16) من دستور ايطاليا لسنة1947.
23-    د. احمد جاد منصور ، مصدر سابق، ص139  .  
24-    المادة (11) من دستور تونس لسنة 1959.
25-    المادة(43) الفقرة (ثانياً) من دستور جمهورية العراق الدائم لسنة 2005 .
26-   رافع خضر صالح، الحق في حرية المسكن، رسالة دكتوراه غير منشور، جامعة بغداد، 1997 ،  ص73-77 .
27-   المادة(122) الفقرة(ثانياً) من دستور العراق الدائم لسنة 2005 .
28-   انظر في شأن اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا المادة (90) من دستور العراق الدائم لسنة 2005  .
29-    المادة(13) من ميثاق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948.
30-   المادة(12) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966، انظر كذلك احمد جاد منصور، مصدر سابق، ص68.
31-    د.احمد جاد منصور، مصدر سابق، ص84.
32-    انظر نص الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان.
33-    د.احمد جاد منصور، مصدر سابق، ص102.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق