3.11.2019

سلطة القاضي إزاء النص القانوني الخاطئ الاستاذ رضى بلحسين.

سلطة القاضي إزاء النص القانوني الخاطئ الاستاذ رضى بلحسين.







سلطة القاضي إزاء النص القانوني الخاطئ

رضى بلحسين رئيس المحكمة الإبتدائية بميدلت 
أستاذ بالمعهد العالي للقضاء

لا يخلو نشر القوانين الجديدة بالجريدة الرسمية من تسرب بعض الأخطاء المادية إلى أحد موادها ، فيتم تدارك الأمر بعد اكتشافه بنشر استدراك لاحق قصد تصحيح الخطأ عن طريق العبارة المعتادة « بدلا من ... يقرأ...»،  لكن  قد تطرح بعض الإشكالات العملية  سواء قبل  نشر هذا الإستدراك أو بعده .
فقبل نشر الإستدراك ، يطرح إشكال سلطة القاضي إزاء النص القانوني الخاطئ و ما إذا كانت له صلاحية تطبيقه على حالته، أو تصويبه من تلقاء نفسه، أو  عند الإقتضاء عدم تطبيقه بالمرة إلى حين نشر إستدراكه بالجريدة الرسمية .
أما بعد نشر الإستدراك ، فيطرح إشكال أثر تطبيقه من حيث الزمن ، لنتساءل ما إذا كان سيطبق بأثر فوري  من تاريخ نشره ، أم سيطبق بأثر رجعي من تاريخ نشر القانون الأصلي موضوع الإستدراك ؟
سلطة القاضي قبل نشر الإستدراك إزاء النص الخاطئ مرتبط في نظرنا بطبيعة الخطأ المادي نفسه ، فإذا كان الخطأ واضحا و بسيطا و يستشف من القراءة المنطقية للنص و من نسقه الشمولي ، فعلى القاضي أن يطبقه بالمعنى الذي قصده المشرع حتى و إن اقتضى الأمر الرجوع إلى الأعمال التحضيرية و إلى الصيغة النهائية للنص كما تمت المصادقة عليها قبل الإصدار و الطبع لكن بشرط عدم المساس بقرينة العلم بالقاعدة القانونية المترتبة عن نشرها للعموم و التي تستبعد العذر بالجهل بها .
لكن أحيانا قد تكون هذه المكنة غير ذات جدوى إذا كان الخطأ المادي يعزى إلى المشرع نفسه، و هنا نستحضر حالة الخطأ المادي الذي تسرب إلى الباب التاسع من ظهير 19 نونبر 2013 بشأن بتنظيم العلاقة التعاقدية بين المكري و المكتري للمحلات المعدة للسكنى أو للإستعمال المهني و المتعلق باسترجاع حيازة المحلات المهجورة أو المغلقة ،بحيث تم التنصيص على «المكتري» بدلا من «المكري» في الفقرة الثانية من المادتين 65 و 66. 
فالمادة 65 الفقرة 2 نصت على أنه : « تبقى المنقولات في عهدة المكتري إلى حين إتمام إجراءات الفصل 447 من قانون المسطرة المدنية في شأنها» ، و الحال أن الذي يجب أن تبقى في عهدته المنقولات هو المكري طالب التنفيذ ، مادام أن المكتري قد غادر العين المكتراة إلى وجهة مجهولة و غير موجود فعليا بالعين المكتراة  و لهذه العلة تم الأمر لفائدة المكري باسترجاعها .
نفس الخطأ أعلاه تسرب إلى الفقرة الثانية من المادة 66 التي نصت على أنه : « لا يجوز متابعة المكتري إلا بناء على شكاية من المكري أو من يمثله أو يقوم مقامه» ، وهي بذلك قلبت صفة المشتكي و المشتكى به بين المكري و المكتري ، إذ أن منطق الأمور يفرض على أن المكتري هو من له صلاحية تقديم شكاية ضد المكري الذي تقدم بطلب استرجاع العين المكتراة إضرارا بحقوقه بعد ثبوت عدم صحة موجبات الإستجابة لطلبه.
القضاء الإستعجالي المغربي تعامل بإيجابية مع الخطأ المتسرب إلى الفقرة 2 من المادة 65 ،و اعتمد على مقاربة منطقية إعمالا للنص القانوني بدلا من إهماله، ليطبقه وفق الغاية المرصودة له من لدن المشرع ، فتجاوز بذلك الخطأ المادي تلقائيا، و ذلك بتطبيق الفصل على الطرف المعني به حقيقة و هو المكري و ليس المكتري، سيما و أن تطبيق المادة على حالتها يؤول إلى تعطيلها حسب واقع الحال و منطق الأمور لعدم تواجد المعني بها -حسب حرفية النص-بالعين المكتراة، ونستدل على سبيل المثال بالأمر الإستعجالي الصادر عن المحكمة الإبتدائية بمكناس بتاريخ 24/06/2014 في الملف 255/1101/14 الذي أذن في منطوقه  « للمدعي بفتح العين المكتراة الكائنة بـ... مع تحرير محضر وصفي للمنقولات الموجودة بها عند الإقتضاء ، و جعلها في عهدة المكري إلى حين إتمام إجراءات الفصل 447 من قانون المسطرة المدنية بشأنها مع تحميل المدعى عليه الصائر و التصريح بأن الأمر مشمول بالنفاذ المعجل على الأصل» .
و نود التنبيه في هذا الصدد بأنه لا يمكن إعتبار مقاربة القاضي تلك من قبيل الحكم بعلمه الشخصي، لأن القاعدة المانعة تنصرف إلى الوقائع و عناصر الإثبات لا إلى القانون ، و القاضي  ملزم في جميع الأحوال بأن يطبق القوانين المطبقة على النازلة دون أن يتعلل بسكوت القانون أو غموضه .  
منهجية القضاء المغربي في التعامل مع هذا الخطأ ليست وليدة اليوم، فقد عرفها القضاء الفرنسي في بداية الثلاثينات في قضية بايي Bailly الشهيرة التي توبع فيها شخص من أجل مخالفة النزول من القطار قبل توقفه، و قد تمسك دفاعه بحرفية النص الزجري الذي يتضمن خطأ ماديا يجعل من هذا النزول فعلا غير مجرما، إلا أن الغرفة الجنائية لمحكمة النقض الفرنسية اعتبرت في قرارها الصادر بتاريخ 08/03/1930 أن الفهم و التفسير المنطقي للنص موضوع المتابعة يمنع النزول قبل توقف القطار و  ليس بعده ، و بذلك تكون قد أسست لما يمكن تسميته بـالتفسير المنطقي للنص القانوني الخاطئ .  
بالرغم من أن الخطئين أعلاه لم يطرحا أدنى إشكال أمام القضاء المغربي،و الذي تعامل معه و كأنه لم يكن ، إلا أن إصلاحهما لم يكن بالأمر الهيـن ، إذ أن إمكانية اللجوء إلى الإستدراك لم تكن ممكنة من الناحية القانونية، لكون الخطأ لم يكن مطبعيا فحسب -لعدم نسبته لمديرية المطبعة الرسمية - و إنما خطأ ماديا مصدره المشرع نفسه ، و من تم كان لزاما أن يتم إصلاحه في شكل تعديل تشريعي بدلا من مجرد استدراك، و هو الأمر الذي تم فعلا بموجب ظهير 8 فبراير 2019 القاضي بتنفيذ القانون 05.19 (المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6754 تاريخ 21 فبراير 2019 صفحة 844) .
هذا بالنسبة لتعامل القضاء مع النص الخاطئ قبل نشر الإستدراك ، أما بعد نشره فيطرح الإشكال المتعلق بتطبيقه النص القانوني المستدرك من حيث الزمن لتحديد ما إذا كان سيطبق من تاريخ نشره بأثر فوري أم بأثر رجعي من تاريخ نشر النص الأصلي .القضاء الفرنسي كان مستقرا في اعتبار الإستدراك جزءا لا يتجزء من النص الأصلي و بذلك فهو يدخل حيز التنفيذ في نفس تاريخ نشر هذا الأخير، ليكون له بذلك أثر رجعي في التطبيق (قرارمحكمة النقض الفرنسية الصادر بتاريخ 12 يوليوز 1976 النشرة المدنية III عدد 314 صفحة 329).
القضاء المصري ذهب أبعد من ذلك ، و استلزم صدور تعديل تشريعي بدلا من نشر مجرد إستدراك متى كان  من شأن التصويب أن يغير معنى الفصل القانوني بصفة كلية حماية للمخاطبين به من التطبيق بأثر رجعي للإستدراك ، مؤكدا بأن « الخطأ الذي يتطلب تغيير في النص المنشور لفظا و معنى لا يعتبر خطأ مادي مما يمكن تصحيحه بإستدراك و إنما تعديل له و الذي لا يجوز إلا بصدور قانون آخر» (نقض مدني ، رقم الطعن 2345 لسنة 75 تاريخ 08/05/2012 مكتب فني 63 رقم الصفحة 724).
و بذلك وعلى هذي ما ذكر أعلاه ،يعتبر كل حكم قضائي استند على نص قانوني قبل استدراكه مخالفا للقانون لعدم عكسه للإرادة الصحيحة للمشرع ،  و بذلك فهو يكون عرضة للإلغاء أو النقض من طرف محكمة الطعن ، لكن أحيانا قد لا تعلم المحكمة بوجود هذا الإستدراك و تطبق النص الأصلي على حالته و يحوز الحكم قوة الشيء المقضي استنادا على نص خاطئ و هنا يصبح الأمر أكثر تعقيدا سيما في الحالات التي لا يظهر فيها الخطأ من ظاهر الصياغة الأصلية للنص الخاطئ والذي يعرف عموما تسويقا مطبعيا أكثر من الإستدراك، و يتم اعتماده على حالته من طرف القضاء، و هنا نستدل بالخطأ الذي وقعت فيه الغرفة التجارية في قرارها عدد 1346 الصادر بتاريخ 28/12/2005 ملف تجاري عدد 87/3/1/2002 عندما استندت في نقض قرار لمحكمة الإستئناف التجارية بالدارالبيضاء على الصيغة الأولية من الفصل الأول من قرار وزير العدل رقم 414.65 الصادر بتاريخ 23/06/1965 الذي يدخل في زمرة إلزامية التحرير باللغة العربية «الوثائق» ، إلى جانب المقالات و العرائض و المذكرات ،  في حين أن الصيغة المستدركة للفصل و المنشورة في العدد 2757 من الجريدة الرسمية الصادر بتاريخ فاتح شتنبر 1965 ص 1841 تستثنيها من هذه الإلزامية، ليطرح إشكال مسطري أكبر من الأول و هو مدى وجوب تقيد محكمة الإحالة بنقطة قانونية « غير قانونية» ، سيما و أن قرارها المنقوض قد نحى إلى تطبيق الصيغة الصحيحة من الفصل المستند عليه في علة النقض ، مما سيفضي إلى مزاوجة الخطأ القانوني بالخطأ القضائي .
هناك حالة أخرى للإشكال لا يمكن فيها اللجوء إلى إمكانية صدور الإستدراك و لا إصدار تعديل تشريعي حتى ، و هي المتعلقة بالأخطاء المادية الكثيرة و المتعددة التي تعتري النسخة العربية لقانون الإلتزامات و العقود المغربي و التي تعتبر نسخة غير رسمية لعدم نشرها بالجريدة الرسمية لحد الآن ، و هي أخطاء لا تعزى إلى المشرع أو الجهة المكلفة بالطبع،و إنما إلى اللجنة الوزارية التي تكلفت بالترجمة،  و في نظرنا على القاضي المغربي أن يرجع إلى النسخة الفرنسية الأصلية لتطبيق النص الصحيح بدلا من النص العربي الخاطئ ، و قد كرست محكمة النقض هذا التوجه في قرارها الـحديث عدد 1095 الصادر بتاريخ 22/06/2017 ملف عدد 13618/2016 عندما طبقت الصيغة الفرنسية من الفصل 60 من ظهير 10/10/1917 بدلا من الصيغة العربية الخاطئة التي استلزمت تحرير محاضر المخالفات الغابوية بخط اليد كترجمة  لعبارة "ecriront eux memes leurs procès verbaux"، و نقضت بذلك القرار الإستئنافي المعتمد على "الدلالة اللفظية والسطحية للصياغة العربية "
وصفوة القول أنه لا مناص للقاضي بأن يتحلى بالحياد الإيجابي إزاء الأخطاء المادية للقوانين و أن يستحضر في التعامل معها شرط عدم تأثر قرينة العلم بالقاعدة القانونية المستمدة من نشرها بالجريدة الرسمية حتى لا يؤثر في المركز القانوني للمخاطبين بأحكامها.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق