2.08.2019

الرعاية الصحية للسجين

الرعاية الصحية للسجين







الرعاية الصحية للسجين




يتفق جل علماء العقاب بأن دور المؤسسات السجنية يكمن في تأهيل المحكوم عليهم. بمعنى إعدادهم لمواجهة الحياة في المجتمع بعد الإفراج عنهم لذلك فإن الرعاية الصحية تعتبر حجر الأساس لتحقيق هذه الغاية السامية، التي عرفتها الدولة الإسلامية في عصر هارون الرشيد الذي ورد عنه انه كان  يحث القائمين على تسيير السجون  بضرورة الاعتناء  بالمعتقلين وبصحتهم.
كما تجد الرعاية الصحية للسجناء مصدرها كذلك في القواعد النموذجية لمعاملة السجناء، التي تبناها المشرع المغربي في مجموعة من نصوصه القانونية.
ويتمحور هذا الغرض حول وجهتين أولاهما تتجلى من حيث فرض النظافة على  نزلاء المؤسسات العقابية، حيث يؤدي ذلك إلى اعتيادها بحيث تصبح جزءا من حياتهم وهي عنصر من عناصر النجاح في الحياة، كذلك يؤدي الحرص على صحتهم  إلى احتفاظهم بقوامهم البدنية  والنفسية والعقلية، وذلك بعينهم على القيام بدورهم  في المجتمع وكسب رزقهم عن طريق شريف ومن ناحية أخرى، فقد يكون الدافع إلى إجرام بعض المحكوم عليهم هو الإصابة بأحد الأمراض، لذلك فإن معالجة هذه الأمراض يحقق نتيجة هامة بانتزاع هذا الدافع الإجرامي حتى لا يؤدي بالمحكوم عليه إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى. من خلال ما سبق نقترح ملامسة ملامح هذا الموضوع  عبر مبحثين:
المبحث الأول: الحماية الصحية الوقائية للسجين
المبحث الثاني:  الجانب العلاجي لحماية صحة السجين



المبحث الأول: الحماية الصحية الوقائية للسجين
يقصد بالوقاية إيجاد الحد الأدنى  من الاحتياطات الخاصة بتجنب إصابة أحد نزلاء المؤسسات العقابية بمرض معد، لأن ذلك يمثل خطورة كبيرة ليس على باقي النزلاء فحسب وإنما على أفراد المجتمع نفسه، لأن تفشي مرض أو وباء بين المحكوم عليهم يعني معاناتهم قدرا من الإيلام  يفوق القدر الذي تحمله العقوبة وهو أمر يجب أن تتجنبه الدولة.
وتتعلق أساليب الوقاية بعدة نواح تتصل بالمحكوم عليه في فترة تنفيذ العقوبة وأهم هذه النواحي ما يتعلق بالمؤسسات السجنية ( أولا) وعلى مستوى التغذية ( ثانيا).
أولا: على المستوى المؤسسات السجنية
من القواعد الصحية التي يجب مراعاتها في المؤسسة العقابية كأسلوب للوقاية  من الأمراض، ان تكون هذه المؤسسة واسعة بحيث لا تزيد فيها كثافة المحكوم عليهم عن حد معين، كما يجب أن تشمل على عدة أماكن يخصص بعضها للنوم، وبعضها للعمل ففيما  يتعلق بأماكن النوم يجب أن تكون صحية تدخلها أشعة الشمس والهواء  بكميات  كافية، وأن يخصص لكل محكوم عليه سرير لنومه، وأغطية كافية لوقايته من البرد، ويلتزم كل محكوم عليه قادر صحيا أن يرتب  فراشه وينظفه بانتظام.
فيما يتعلق بأماكن العمل أو القراءة أو التعليم والتهذيب فإنها يجب أن تكون جيدة التهوية والإضاءة حتى يكمن المحافظة على صحة النزلاء وعلى قوة بصرهم. كما يجب أن تزود بإضاءة صناعية كافية حتى يستطيع النزلاء القراءة ليلا. ومن ناحية  أخرى يجب أن يتوافر في المؤسسات العقابية عدد وفير من دورات المياه بحيث يتاح للمحكوم  عليهم قضاء حاجاتهم في أي وقت وبصورة تتفق مع الكرامة الإنسانية  ويجب العناية بنظافة هذه الأماكن  بصفة خاصة.
ومن أهم طرق الوقاية من الأمراض نظافة المحكوم عليه نفسه، سواء ما تعلق منها بنظافة بدنه أو نظافة ملابسه. فيجب على السجين ان يتزود بالأدوات اللازمة لاستحمامه  في أوقات دورية منتظمة تتلاءم مع درجة برودة الجو ويجب ان يعني بشعره وبقصه.
 وأما القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء وخاصة في المواد 16-17 و 18 وكذا المادة 81 من المرسوم التطبيقي[1] أكدوا على تمكين السجناء من الحفاظ على مظهر مناسب يساعدهم  على احترام ذواتهم  وتتكفل الإدارة بتجهيز بدل خاصة للمعتقلين تكون ملائمة وفصول السنة.
ثانيا: على مستوى التغذية
إن العناية بتغذية المعتقلين تستوجب توفير تغذية متوازنة وعلى قيمة غذائية كاملة وكما يجب أن تراعي كمية الغذاء اللازمة لمن يقومون بأعمال شاقة والمرضى والحوامل، وهذا ما جاء في المادة 20 من القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء  أن الغذاء هو حق للسجناء وعلى إدارة السجن واجب مراعاته وتوفيره، ويقصد بالغذاء المناسب من حيث الكمية والنوعية والقيمة الغذائية والماء الصالح للشرب، كما نص المشرع المغربي على هذا الحق في الفصول 113-130 و 126 من القانون 98-23 المنظم لسجون من ضرورة تمتع السجناء بالحق في الغذاء المتوازن الذي يحفظ صحتهم وسلامتهم البدنية، وان يكون متنوعا  وجيد التحضير والتجهيز والتقديم ولا يجوز حرمان السجين من الواجبات المقررة أو إنقاص هذه الواجبات إلا لأسباب طبية،[2] بل إنه يمكن إجبار  المعتقل على التغذية إذا أصبحت حياته معرضة للخطر[3].
كما نصت المادة 76 من المرسوم التطبيقي على ان إدارة السجن تتكلف بتغذية السجناء وفق نظام غذائي  متوازن ويجب أن يشتمل على ثلاث وجبات تحدد نوعيتها وكميتها من طرف  المندوبية السامية للسجون بعد استشارة المصالح الخاصة بوزارة الصحة وخلافا لما هو منصوصا عليه سواء في القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء أو قانون المؤسسات السجنية 98-23 فإن الميزانية المخصصة للتغذية  لا تفي بتاتا بالمطلوب.  ولعل رفع الحصة من 5  إلى 15 درهم لكل سجين في اليوم للفطور والغذاء والعشاء لا يمكن أن يوفر الغذاء المتوازن خصوصا مع الارتفاعات المتتالية للمواد وسوء التدبير والتسيير الذي يسود الميزانيات المخصصة للسجون.
ورغبة في تشغيل المعتقلين  وتكليفهم بإعمال داخل المؤسسة السجنية فإنه يجوز لإدارة المؤسسة  السجنية أن تستعين بهؤلاء، في إعداد الوجبات الغذائية وذلك بعد إخضاعهم للفحوصات الطبية الضرورية، ويتعين على إدارة المؤسسة أن تقوم بهذه الإجراءات بشكل منتظم حسب المادة 77 من المرسوم.
والتغذية الصحية للمعتقلين لا تقف عند  المؤونة التي تسلمها لهم إدارة المؤسسة السجنية بل يحق لعائلة المعتقلين من خلال عمليات الزيارة تقديم المؤونة لهم من طرف  عائلتهم وبإمكان إدارة المؤسسة أن تحدد مواعيد خاصة لتقديم هاته المؤونة ( المادة 78 من المرسوم).




المبحث الثاني: الجانب العلاجي لحماية صحة السجين
يعتبر العلاج أهم الوسائل للرعاية الصحية للسجين داخل المؤسسة  السجنية من خلال دور الطبيب المؤسسة السجنية ( أولا) وتوفير العلاج الملائم للسجناء ( ثانيا)
أولا: دور الطبيب المؤسسة السجنية
خصص المشرع المغربي الفرع الثاني من الباب الثامن  لتحديد أبرز مهام التي يضطلع بها طبيب المؤسسة وهو أمر الذي تم تعزيزه في مرسوم المتعلق بتنظيم السجون من الفصل ( 91-102) ويعتبر دور الطبيب من هذه الناحية صلة الوصل بين إدارة المؤسسة والسجناء، بحيث أنه من خلال استقراء هذه مقتضيات القانونية الطبيب يقوم بتزويد الإدارة  بمجموعة من المعلومات التي تخص الوضعية الصحية للسجناء ووفقا للمادة 129 من قانون المنظم للسجون يقوم الطبيب بعملية فحص السجناء حسب التصنيف كل المعتقل على حدة فعلى سبيل الذكر فهو يسهر على فحص المعتقلين الجدد بالمؤسسة السجنية والمعتقلين الذين أشعر بمرضهم أو الذين صرحوا بذلك أو معتقلين الذي تم  ترحيلهم، المعتقلين  الذين طلبوا الأسباب صحية إعفائهم من أي نشاط رياضي أو مهني..
وتجدر الإشارة إلى أن مهام الطبيب لا تقتصر على عملية فحص وإنما تتعداه إلى السهر على مراقبة تغذية السجناء ونظافة المؤسسة ( المادة 130).
كما يعزز المشرع المغربي هذه العملية بضرورة إنجاز الطبيب لتقرير سنوي يشير فيه للحالة الصحية للمعتقلين ونظافة المؤسسة ( المادة 92 من المرسوم التطبيقي) بالإضافة إلى إعمال على تطبيق القواعد المتعلقة بعزل المرضى طريحي الفراش وذوي الأمراض المعدية..
وتكريسا للمبدأ الرعايا اللاحقة للسجناء بعد تنفيذ عقوباتهم فإن للطبيب أن  يقترح أسس استشفاء المرضى المفرج عنهم والذين تعذر عليهم لأسباب الصحية التحاق بسكناهم  كما ان الطبيب أن يسلم الشواهد  الطبية للمعتقلين وعند موافقتهم الصريحة لعائلاتهم ولمحاميهم وهو الأمر الذي يمكن من خلاله معرفة الوضعية الصحية الحقيقية لكل معتقل.
ولتحقيق أكبر ما يمكن للحماية الصحية للسجناء فقد أسند المشرع للطبيب المؤسسة مهمة مراقبة مآل الأدوية سواء الموجودة بحوزة المعتقلين والموجهة إليهم من خارج المؤسسة.
ثانيا: توفير العلاج الملائم للسجناء
يهدف علاج المرضى من المحكوم عليهم إلى عدة أهداف: فهو من ناحية يحقق هدف التأهيل وذلك حينما يكون المرض المصاب به المحكوم عليه قد ساهم في دفعه إلى طريق الجريمة. فعلاج هذا المرض يعني القضاء على مصدر  الإجرام، ويهيئ المحكوم عليه للتآلف مع المجتمع ويعينه التخلص من المرض على الالتحاق بأحد الأعمال التي يرتزق منها. ويمنعه ذلك من العودة إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى. ومن ناحية ثانية يحقق العلاج هدفا إنسانيا فالمحكوم عليه المريض  يخضع لإدارة المؤسسة ولا يملك حرية الالتجاء إلى طبيب للعلاج  من علته  ولما كان تنفيذ العقوبة في العصر الحديث  لا يجوز أن يتضمن إيلاما  يزيد على إيلام سلب الحرية  فإن ترك المحكوم عليه دون علاج يعني تحميله ألما جديدا، لذلك كان من الواجب على الدولة ان تعالج المحكوم عليه من علته ما دامت قد تسببت عن طريق سلب حريته في عدم تمكنه من الالتجاء إلى طبيب معالج.
وقد اهتم المشرع المغربي بالرعاية الطبية للسجناء فقرر تزويد المؤسسات العقابية بالمصحات والأطر اللازمة وتقديم العلاج اللازم للمرضى من السجناء وإلحاقهم بالمستشفيات إذا دعت حالتهم الصحية إلى اتخاذ ذلك الإجراء.
فجاءت المادة 121 من القانون المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية حيث  نصت على أنه ( تتوفر كل مؤسسة سجنية على مصحة، تجهز هذه المصحة تبعا لأهمية  المؤسسة السجنية على ألا يقل  ما بها من تجهيزات كما هو موجود بمستوصفات القطاع العام، للتمكن من تقديم العلاجات والإسعافات المناسبة للمرضى ومن تخصيص نظام ملائم لحاجيات المعاقين والمصابين بأمراض مزمنة ومن عزل المصابين بأمراض معدية).
كما تؤكد  القاعدة 32 من القواعد النموذجية لمعاملة السجناء على أنه : ( يجب أن توفر في كل مؤسسة السجن خدمات طبيب مؤهل واحد على الأقل يكون على بعض الإلمام بالطب النفسي وينبغي ان يتم تنظيم الخدمات الطبية على نحو وثيق الصلة بإدارة الصحة العامة المحلية  أو الوطنية).
كما ان القاعدة 62 من نفس القواعد النموذجية تؤكد على ما يلي ( أن الخدمات الطبية في المؤسسة يجب أن تحاول رصد أي علل أو أمراض جسدية أو عقلية لدى السجين، وأن تعالجها حتى لا تكون  عقبة دون إعادة تأهيله ويجب إضافة لذلك أن توفر للسجين الخدمات الطبية والجراحية والنفسانية الضرورية.
وبذلك يجب ان توفر كل مؤسسة سجنية على الأقل طبيب واحد يسهر على تتبع الحالة الصحية لكل سجين على حدى بملف صحي لكل واحد منهم، تدون فيه كافة المعلومات المتعلقة بالحالة الصحية للسجين ويساعده ممرض واحد وممرضة.
ومن أجل تحقيق هذه  الغاية بادرت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة  الإدماج إلى توظيف 69 طبيبا قارا منهم 48 طبيب في الطب العام و21 طبيبا للأسنان إذ أصبحت تشكل نسبة الأطباء داخل السجون طبيب لكل 1233 سجين في حين نجد ان المعدل الوطني  هو طبيب لكل 5000 مواطن دون احتساب أطباء القطاع الخاص.
وفي مجال محاربة الأمراض المعدية والوقاية منها  عملت المندوبية العامة بتعاون مع وزارة الصحة على وضع برنامج لاستفادة  المعتقلين من جميع  الحملات الوطنية للتلقيح  ضد الأوبئة كالتهاب السحايا والكزاز والشلل بالنسبة للأطفال المرافقين لأمهاتهم، كما تنظم حملات لكشف الإشعاعي عن داء السل داخل المؤسسات السجنية والحيلولة دون انتشار هذا الداء عمدت  المندوبية إلى إنشاء مختبرات داخل 12 مؤسسة سجنية تحت إشراف المراكز الصحية الإقليمية للكشف عن المشكوك في إصابتهم وإخضاع المرضى منهم للعلاج كما تم تكوين  ممرضين تابعين للمؤسسات السجنية للإشراف على هذه المختبرات.
ويشمل أيضا علاج الأسنان كما يشمل علاج المحكوم عليهم المرضى بأمراض عقلية. وقد يصل المرض العقلي إلى حد يجعل من الضروري نقل المصاب إلى مستشفى الأمراض العقلية وتحتسب فترة العلاج من مدة العقوبة. كذلك يمتد نطاق العلاج ليشمل معالجة الأمراض النفسية ويرى أغلب الباحثين في علم العقاب ضرورة أن يلحق بكل مؤسسة عقابية طبيب نفسي يقوم  بعلاج الأمراض النفسية.
وتبدو لهذا النوع من العلاج أهمية خاصة فيما يتعلق بمدمني الخمر والمخدرات من المحكوم عليهم، لأن معالجة هذا الإدمان  يعني القضاء على عامل من العوامل الدافعة إلى الجريمة، وتلتزم  المؤسسة السجنية  بتقديم الدواء للمحكوم عليهم المرضى بناء على تعليمات الطبيب وقد يتطلب علاج  بعض المحكوم عليهم إيداعهم في مستشفى وليس من المناسب نقلهم إلى المستشفيات العامة حيث تتاح لهم فرصة الهرب ولذلك فإن من الأفضل وجود  مصحة داخل المؤسسة السجنية ليودع فيها هؤلاء المرضى على أنه قد يتطلب ظروف بعض المحكوم عليهم المرضى نقلهم من مستشفى السجن إلى مستشفى عام حيث يتوافر نوع من العلاج يفتقده مستشفى السجن.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق