1.03.2019

الحماية الجنائية للعقار على ضوء التشريع المغربي.

الحماية الجنائية للعقار على ضوء التشريع المغربي.







الحماية الجنائية للعقار على ضوء التشريع المغربي





الحماية الجنائية للعقار على ضوء التشريع المغربي
تحت إشراف :  ذ/ حميد بالحاج

من إعداد الملحق القضائي :

يونس الرواعي

لجنة المناقشة

ذ/ سيدي أمين العلمي – رئيس المحكمة الابتدائية بوزان

ذ/ عبدالهادي ببخوثي – وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بوزان

ذ/ حميد بالحاج – رئيس الغرفة العقارية بالمحكمة الابتدائية بوزان

ذ/ عبدالسلام الفشتالي – رئيس قسم قضاء الأسرةبالمحكمة الابتدائية بوزان

ذ/ منير النعماني – رئيس الغرفة الزجرية بالمحكمة الابتدائية بوزان




السنة القضائية 2016
فباستثناء العقارات المحفظة التي تمثل جزءا بسيطا بالمقارنة مع العقارات الغير المحفظة، نجد أن واقع الملكية العقارية لا يخلو من عيوب.

ففي أغلب الأحيان تكون الملكية العقارية مجردة من أي سند ماعدا الممارسة الفعلية لبعض حقوق المالك كالاستعمال و الاستغلال، وحتى على فرض أن هناك سند مكتوب فمشاكله لا تقل عن فوائده حيث لا تحدد مساحة العقار وتذكر حدوده بألفاظ و عبارات يعجز القضاء عن تطبيقها عند الخلاف.

لذلك يمكن القول إن الدعاوي امام القضاء بشأن استرداد الحيازة أو الملكية يمكن أن تتكرر عشرات المرات في نفس العقار حيث يسهل المحكوم عليه أن يعيد الكرة كلما أراد، عن طريق التلاعب باسم العقار و موقعه الغير المنضبطين، و بحدوده القابلة لكل تفسير و تطبيق.

فالنظام الهش للملكية العقارية، انعكست أثاره السلبية على كثرة المنازعات أمام القضاء، كما زعزعت أيضا استقرار المعاملات بين الناس، وساهم في إحداث نوع من الاضطراب والخلل الاجتماعيين. وتخفيفا من وطأة هذه المشاكل التي تطرحها الملكية العقارية والتي كانت منظمة فقط في القانون العقاري، لم يجد المشرع مناصا  من التدخل بسياسة زجرية،ابتغى من ورائها إحاطة الملكية العقارية بسياج زجري يضرب بالمرصاد  كل شخص خولته نفسه ان يتطاول على عقار غيره وينزعه منه دون اتباع الاجراءات و المساطر المرسومة لذلك في القانون العقاري .

وفي هذا الاطار افرد المشرع داخل مجموعة القانون الجنائي، نصا يتيما و فريد توخى من ورائه حماية العقار جنائيا.

إلا انه اذا ما قارنا هذه الحماية  بالحماية  الجنائية المشمولة بالمنقول، نجد ان المشرع المغربي كان خجولا جدا و محتشما في حماية العقار، فالملحوظ ان المنقول نال من الحماية الجنائية ما لم ينله العقار.

ويتضح ذلك في كون ان الجرائم التي تنال بالاعتداء المتقول، اكثر من تلك التي تنال بالاعتداء على العقار.

وهذا التفاوت في الحماية، لا يمكن ان يفسر في الربط بين مقدار الحماية و اهمية الضرر الذي يلحق بالمجتمع من جراء الفعل الجرمي، اذ ان الضرر الذي يترتب من جراء الاعتداء على العقار، غالبا ما يكون اكبر من الاعتداء المترتب عن الاعتداء على المنقول.





        فالتفسير الصحيح لهذه السياسة يتمثل في الاعتبارات القانونية والواقعية والتاريخية، فالاعتبار القانوني يتمثل في حرص المشرع الجنائي على التنسيق بين الحماية التي يكفلها القانون الجنائي، والحماية التي تكفلها القوانين الاخرى التي قررت هذه الحقوق وحددت احكامها.

        فالمشرع الجنائى اثناء حمايته لمجال من المجالات، يقدر دائما الحماية التي تكفلها لهذا المجال بقية القوانين الأخرىفإذا قدر بان هناك حماية كافية في القوانين الأخرى حصر الحماية الجنائية في اضيق الحدود. اما اذا قدر بان الحماية الواردة في القوانين الاخرى هي غير كافية، وسع من نطاق الحماية الجنائية الى الحد الذي يراه كافيا.

وبذلك فقصور المشرع الجنائي في حمايته للعقار يرجع اساسه الى كون ان المشرع الحنائي قدر ان العقار يحظى بحماية شاملة في القانون العقاري، لذلك جاء تدخله خجولا ومحتشما، وهو في حقيقة الامرلم يتدخل لحماية العقار، وانما تدخل فقط لمعالجة الاضطراب الاجتماعي وذلك عكس المنقول فالأصل انه غير محمي في القوانين الأخرى لذلك تدخل المشرع الجنائي لحمايته حماية كافية.

        مما تقدم يتبين ان مالك العقار وخلافا لمالك المنقول يحظى بحماية غير جزائية واسعة ومن تم كانت حاجته الى حماية جزائية قليلة. اما مالك المنقول فحظه من الحماية الغير الجزائية قليل ومن تم كان في حاجة الى حماية جزائية واسعة النطاق . فبقدر ما تتسع الثغرة في القوانين الاخرى تنشط الحماية في القانون الجنائي .

        اما الاعتبار الواقعي فيتمثل في كون أن المنقولات اكثر عددا من العقارات كما انها اكثر طواعية في تحريكها ونقلها و اخفائها مما يجعل الاعتداء امرا سهلا وميسورا،وذلك عكس العقار فثباته يجعله في منأى عن العديد من صور الاعتداء لذلك كان الاعتداء على ملكية المنقول أوسع من الاعتداء على ملكية العقار.

ومن هنا يصبح التساءل مشروعا حول الى اي حد يمكن القول بان المشرع قد نجح في حماية العقار؟

هده الاشكالية سنجيب عنها من خلال محورين:

المحورالاول: اركان جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير

المحور الثاني: وسائل انتزاع عقار من حيازة الغير

أولا:اركان الجريمة

1-الشرط المفترض

        صفة العقار فالمادة 570 كما سبقت الاشارة نطاقها يقتصر على العقار، وبذلك لتحقق جريمة انتزاع عقار من حيازة الغير، يجب من الضروري ان ينصب فعل الاعتداء على العقار، اما المنقول فيخضع لنصوص جنائية اخرى.

        الا ان النقطة التي يجب اثارتها للنقاش في هذا المقام الحميد هي ما هو المقصود بالعقار هل هو نفسه المقصود في القانون العقاري ام ان الامر غير كذلك.؟.

        ففرضا ان مفهوم العقار في القانون الجنائي هو نفسه في القانون العقاري، فان تطبيق مقتضيات الفصل 570 من القانون الجنائي سيكون فيه انزلاق عن قيم ومبادئ العدل و الانصاف سيكون بمثابة صفعة موجهة الى وجه العدالة.

        لأنه مثلا من يكسر باب المنزل ويقوم بسرقة اثاته و أوانيه والتي يعتبرها القانون العقاري عقارا بالتخصيص فانه مهما بلغ   قيمة هذه المسروقات، ومهما توفرت ظروف التشديد فان الجاني سوف لا يخضع لمقتضيات السرقة المنصوص عليها في القانون الجنائي، بل سيخضع لمقتضياتانتزاع عقار من حيازة الغير طبقا لمقتضيات المادة 570 والحال ان هذا ليس عادلا اذا اخذنا بعين الاعتبار حجم الاضرار المترتب عن فعله، ايضا طبيعة النشاط الاجرامي الذي اقدم عليه، نفس الشيء اذا ما قارنا النشاط الذي اقدم عليه هذا الشخص بنشاط اخر يقدم عليه شخص الذي مثلا يقوم بسرقة شيء ، لا يندرج ضمن مفهم عقار بالتخصيص في القانون العقاري ، لكن يندرج ضمن مفهوم المنقول ، فهذا الشخص سيعد سارقا وسيخضع للمقتضيات المتعلقة بالسرقة، ليس المقتضيات المتعلقة بانتزاع عقار، كما هو الشان بالنسبة لمن سرق مثلا هاتف نقالفالبرغم من  ان الضرر المترتب عن هدا النشاط هو قليل مقارنة مع الضرر المترتب عن النشاط السابق الا ان العقوبة ستكون أشد لان الهاتف يعد منقولا وليس عقارا وبالتالي سيخضع لمقتضيات السرقة وليس مقيضيات الفصل 570.

        وبالتالي فان العقوبة التي سيخضع لها هدا الشخص الثاني الذي قام بسرقة المتقول فمهما كانت قيمة هذا المنقول زهيدة، ومهما كانت طبيعة النشاط الذي اقدم عليه بسيطة، حتى لو لم يكن مقترن بأي ظرف من ظروف التشديد فان اخضاعه لمقتضيات جريمة السرقة، تجعل العقوبة التي يخضع لها اشد من العقوبة التي يخضع لها من قام بسرقة اثاث المنزل رغم ارتفاع قيمة هذه الاثاث ورغم ارتباط نشاطه بظروف التشديد.

        فلا يمكن اذن ان يؤدي الشخص ضريبة هفوة المشرع، فليس من العدل و المنطق         خرق قيم ومبادئ العدالة نتيجة ازمة المفاهيم وعدم دقتها.

        فرغم ان صياغة الفصل 570 لا تسعفنا، للقول بان مفهوم العقار في مفهوم القانون الجنائي ليس هو نفسه في القانون العقاري، إلاأن هذا يمكن تبريره بكون ان الاصل في مفاهيم القانون الجنائي انها مستقلة عن بقية المفاهيم الأخرى فمفهوم الجريمة التي تعد قوام القانون المدني مستقل عن مفهوم الجريمة في القانون المدني، فالجريمة الجنائية والجريمة المدنية هما مفهومان، نفس الشيء يقال عن المفاهيم المرتبطة بالمسؤولية الجنائية عن فعل الغير في القانون المدني، مختلف عن مفهوم المسؤولية الجنائية عن فعل الغير في المجال المدني مختلف عنه في المجال الجنائي، ومفهوم الموظف العمومي في قانون الوظيفة العمومية، ليس هو نفسه في القانون الجنائي، نفس الشيء بالنسبة للمفاهيم المرتبطة بين القانون الجنائي ومدونة التجارة، فمفهوم التفالس في مدونة التجارة ليس هو نفسه في القانون الجنائي، وإصدارشيك بدون رصيد في القانون الجنائي، ليس هو نفسه في مدونة التجارة.

        ما يقال عن هذه المفاهيم نفسه يقال عن مفهوم العقار بين القانون الجنائي، والقانون العقاري.

        فمفهوم العقار في القانون العقاري ليس هو نفسه في القانون الجنائي، فالقانون العقاري يميز بين العقار بالطبيعة وعقار بالتخصيص في حين أن القانون الجنائي يتبرأ من هذا التقسيم، ففي القانون الجنائي إما ان يتعلق الأمر بمنقول او بعقار، أي عقار بالطبيعة.

        اذن فالمقصود بالعقار في القانون الجنائي يقتصر على العقار بالطبيعة فقط، دون غيره من العقارات التي تدخل في عداد مفهوم المنقول وبالتالي فما يعتبره القانون العقاري عقارا بالتخصيص يعتبره القانون الجنائي منقولا.

        ومن هنا فان اثاث و اواني المنزل الذي تمت سرقتها في المثال فصحيح انها تعد عقارا بالتخصيص وفق مفهوم القانون العقاري، الا أنهاوفق مفهوم القانون الجنائي تعد منقولا، وبالتالي فان مرتكب هذه الجريمة يخضع للمقتضيات المتعلقة بالسرقة بأحكامها وظروفها المشددة وليس المقتضيات المتعلقة بانتزاع عقار.

        فرغم ان صياغة الفصل 570 من القانون الجنائي لا تسعفنا لقول هذا الكلام، إلاأن مبادئ وقيم العدل والإنصاف والعدالة الاجتماعية تلزمنا بتفسير  مفهوم العقار على هذا النحو.

        2-انتزاع الملك العقاري

        فالهدف من تجريم انتزاع الملك هو تفادي ما يمكن ان يترتب عليه من اعمال الاضطراب و العنف، فارتباط الفلاح بأرضه يدفعه الى التمسك بها، والى استعمال العنف ضد من يأخذها منه، و يتحقق هذا في الاستيلاء المادي  على العقار.

        لذلك يميز الفقيه ذ/ احمد الخمليشي بين انتزاع الملكية للعقار وبين انتزاع العقار ذاته ففي الحالة الاولى اي الحالة المرتبطة بانتزاع حق الملكية للعقار، فلا مجال لتطبيق الفصل 570 ما دام هذا الانتزاع لم يرافقه تغيير لحيازة العقار موضوع الملكية مثل المالك الذي يبيع ملكا محفظا، ثم يلتجأإلى وسائل تدليسية يتوصل بها إلى بيع الملك مرة ثانية ويسبق المشتري الثاني الى تسجيل شرائه في السجل العقاري، وبذلك يكون المالك قد انتزع من المشتري الاول حق الملكية الذي كان قد اكتسبه بعقد الشراء.

        في هذه الحالة وما ماثلها لا تطبق م.570 وإنما يلتجئ مالك العقار المتضرر الى المطالبة بحقوقه وفقا لقواعد القانون المدني ، (ما لم تتوفر عناصر جريمة اخرى مثل النصب او خيانة الأمانة) ، لان مجرد الحرمان من حق الملكية دون عمل يمس حيازة العقار موضوع الحق ،لا يختلف عن المساس بالحقوق المالية الاخرى التي تكفي قواعد القانون المدني لحمايتها، وبذلك فالقانون الجنائي لا يحمي الملكية لكن يحمي الحيازة.

وفي هذا الاطار قضى المجلس الاعلى في قراره عدد 206 على انه يكفي لقيام جريمة انتزاع عقار في ملك غيره ان تتوافر للمشتكي الحيازة التي تفيد وضع اليد ولا تشترط الحيازة بالمفهوم الذي تثبت به الملكية.

        وجاء في قرار آخر عدد 13601/89ان تعليل الملكية بكون الحيازة اصبحت للمطلوب في النقض  استناد على عقد الملكية كاف مادام لم يثبت بصفة قطعية انتقال الحيازة الى المطلوب في النقض وتصرفه فيها تصرفا هادفا الى ان يقع الاعتداء عليها، مما يجعله ناقص التعليل ومعرض للنقص.

        وتجدر الاشارة الى ان المشرع ام يجرم كل انتزاع للحيازة المادية وانما اشترط ان يتم ذلك خلسة او بالتدليس او بالعنف او التهديد.

        ويعود سبب هذا التدخل الضعيف من القانون الجنائي في حماية الحيازة، الى ان ارادة المشرع لم تنصب نحو حماية العقار ذاته طالما ان هذا الاخير محمي في قوانين اخرى، وانما انصبت ارادته الى تفادي الاضطراب الاجتماعي الذي قد يترتب عن هذا الانتزاع، لذلك فالمشرع اخذ بعين الاعتبار ان الاضطراب الاجتماعي لا يترتب الا اذا كان هناك رد فعل من الحائز الاول. وان هذا الاخير هو الاخر لا يمكن ان يتولد لديه اي رد فعل الا اذا تم الانتزاع بإحدى الوسائل التي تصورها المشرع، لذلك لم يتدخل القانون الجنائي الا اذا وقع الانتزاع باحدى الوسائل التي حددها، تفاديا للاضطراب الذي قد يترتب عن ذاك.ف لو كانت ارادة المشرع قد انصبت نحو حماية العقار لجعل الفصل مفتوحا على عواهله ولم يعمل على تقييده بإحدى هذه الوسائل، لان انتزاع عقار ليس من الضروري ان يتم باحد الوسائل المعددة في الفصل بل قد يتم باي وسيلة من الوسائل.

        وعموما فان الفصل 570 من القانون الجنائي يطبق على الانتزاع المادي اي الاستيلاء الفعلي على العقار، وليس من عناصر هذا الاستيلاء ان يكون الحائز السابق مالكا، ولا ان يقصد المنتزع تملك العقار الذي استولى عليه، فقد يكون الحائز السابق غير مالك كالمرتهن او صاحب حق الارتفاق، كما ان المنتزع قد لا يقصد بتصرفه ادخال العقار في ملكه.

        وبذلك فان ما يتحقق به الركن المادي للجريمة هو الاستيلاء الفعلي على العقار وحرمان الحائز السابق من حيازته بغض النظر عما يكون هناك من نزاع حول حق الملكية، بل من الناحية القانونية يمكن ان تتحقق الجريمة مع اقرار الطرفين بان الملكية لمنتزع الحيازة






         يرى الأستاذ الخمليشي انه يجب أن يشترط في هذه الحيازة المحمية جنائيا ان تكون مشروعة اي يستند فيها الحائز الى مبرر مقبول وان لم يكن حقيقيا في الواقع، والأصل ان كل حيازة لها سند مشروع حتى يثبت العكس، فنازع الحيازة هو الذي عليه ان يثبت عدم شرعية الحيازة السابقة لنفي صفة الجريمة عن تصرفه.

        ثانيا: وسائل انتزاع الحيازة.

1- دراسة الوسائل بصورة مستقلة  عن ظروف التشديد

        كما سبقت الاشارة الى ذلك سابقا فالمشرع لم يتوخى من وراء الفصل 570  من القانون الجنائي حماية العقار، لكن ابتغى من ورائها تفادي الاضطراب الاجتماعي الذي قد يترتب عن انتزاع عقار دون مراعاة الاجراءات القانونية فحدد مجموعة من الوسائل التي لا يمكن ان يترتب عن انتزاع عقار اضطراب اجتماعي الا اذا تم انتزاعه بواسطتها.

        وبذلك فان مجرد الاستيلاء على عقار الغير ونزع حيازة صاحبه عنه لا تطبق عليه م.570 وإنما يخضع لأحكام القانون المدني التي تخول من انتزاع عنه عقار ان يسترجعه عن طريق دعوى الاستحقاق، او عن طريق دعوى الحيازة.

        ولا تتدخل الحماية الجنائية الا اذا تم انتزاع الحيازة باحدى الوسائل المنصوص عليها حصرا في م.570 وهي الخلسة والتدليس والعنف والتهديد به.

        فالعنف هو كل مساس بشخص صاحب العقار  او من يوجد فيه او يدافع عن حيازته، مثل ذلك اخراج صاحب العقار من عقاره، دون المساس بشخصه.

        الا ان السؤال الذي يطرح نفسه في هدا الاطار هو هل يعتبر المنع من الحيازة عنفا تتحقق به جنحة انتزاع عقار من حيازة العقار.

        فصياغة الفصل 570 المبهمة والغير الواضحة لا تسعفنا للقول بان المنع من الحيازة يدخل ضمن عناصر انتزاع عقار من حيازة الغير.

        فلذالك لم نجد مناصا من الرجوع الى الفقه والقضاء. لحل هذا المشكل.

يرى الأستاذ احمد الخمليشي انه مجرد المساس بحرية صاحب العقار يشكل عنفا تقوم به جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير مثل منع صاحب العقار من الدخول الى العقار، او إرغامه على تغيير اتجاه دابته او سيارته.

        واضاف الاستاذ الخمليشي في معرض حديثه عن العنف بانه ينبغي التوسع في مفهوم العنف ليشمل العنف ضد الحيوانات او الأشياء وتعزيز لكلامه ، استعرض الأستاذ الخمليشي عدة أمثلة، من بينها امثلة تعكس اعتبار الخمليشي  للمنع من الحيازة صورة من صور العنف الذي يتحقق بها جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير وذلك على الشكل التالي، مثل منع حيوانات صاحب الحيازة من الدخول، او إخراجها من العقار بالقوة، وكذلك استعمال القوة ضد الاشياءمثل وضع حواجز تمنع الدخول الى الملك العقاري.

       ومن هنا فإننا نرى بان الأستاذ الخمليشي يعتبر المنع من الحيازة من العناصر التي تقوم بها جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير، وهو نفس الموقف الذي سار عليه المجلس الاعلى في العديد من القرارات من بينها القرار الصادر في 17/04/1964الذي جاء فيه ان غاية القانون الجنائي ليس هو حماية من يكون بيده التصرف في عقار من ان تنتزع منه الحيازة قهرا ، تلافيا لما عساه ان يحدثه ذلك من اضطراب اجتماعي  وليس من غاية النص تمكين صاحب الحق من ممارسة حقه الذي خول له القانون للتوصل إليه وسائل أخرى " كما جاء في قرار آخر عدد 1313/6يشكل المنع من التصرف والاستغلال انتزاعا للحيازة وأضاف على ان المنع يشكل عنصر قوة وصورة من صور الانتزاع.

       اذن من خلال قراءتنا لهذا القرار قراءة متأنية وباستعمالنا للفكر في الاستنتاج والتفسير نلاحظ ان محكمة النقض وبطريقة غير مباشرة تعتبر المنع من الحيازة صورة من صور العنف التي تتحقق بها جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير.

       فهذا القرار لا يروم حماية العقار بل يروم حماية صاحب العقار، بل ان غايته ليست حتى حماية صاحب العقار غايته هو تلافي وقوع الاضطراب الاجتماعي عن طريق حماية العقار من العنف، ولا شك ان العنف قد يتحقق عن طريق المنع من الحيازة، سواء من طرف الجاني اذ قد يرتكب عنفا ضد صاحب العقار لمنعه من الدخول الى عقاره، او من طرف صاحب العقار نفسه اذ قد يرتكب عنفا ضد الجاني لمقاومته.

       وفي هذا الاطار ايضا قضت محكمة النقض في قرارها عدد 1399/11 على ان المنع من استغلال الحائز لعقار يشكل انتزاع الحيازة وفي نفس الوقت يعد صورة من صور العنف المنصوص عليه في الفصل 570 من ق.ج وان انتزاع الحيازة وفق مقتضيات الفصل المذكور لا يستلزم احتلال الجاني للعقار وبقاءه فيه وانما سيتحقق بمجرد حرمان الحائز من استغلال العقار في الاوجه المخصصة له.

       ومن هنا فان المنع من الحيازة يعد صورة من الصور التي تتحقق بها جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير. ويدخل ضمن المنع من الحيازة العديد من الصور، يبقى من اهمها المنع من الحرث، وحيث ان هذا الفعل في حد ذاته طرح العديد من الاشكالات على صعيد المحكمة الابتدائية بوزان، بل حتى على صعيد محكمة النقض حيث صدرت قرارات مناقضة والتي سنعرض لأهمها. من بين هذه القرارات نجد القرار الصادر عن المجلس الاعلى بتاريخ 28/02/08 تحت عدد 206 في الملف الجنحي عدد 702/70 والذي جاء فيه بصريح العبارة بان المنع من الحرث لا يشكل جرما ولا يعد انتزاعا لعقار من حيازة الغير .

وجاء في قرار اخر ان المنع من الحرث يشكل وجها من اوجه العنف الهادف الى الحرمان من استغلال العقار ويشكل بالتالي انتزاعا للحيازة ." قرار عدد 1842/6.

       وجاء ايضا في قرار صادر بتاريخ 20/2/2008 عدد 375/6 ان المنع من الحرث لا يعد انتزاعا للحيازة حسب صريح الفصل 570 من الجنائي وان القرار حينما اعتبر منع الطاعن للمشتكي من الحرث اعتداء على الحيازة يجعله غير مبني على اساس قانوني سليم وهو ما يعرضه للنقض.

       من خلال قراءتنا لهذه القرارات الثلاث نجد انها تشير ظاهريا الى ان محكمة النقض متضاربة ومتناقضة في قراراتها. فهي ثارة تعتبر المنع من الحرث يشكل جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير وفي احيان اخرى لا تعتبر جرما، ولا انتزاع عقار من حيازة الغير.

رأينا في الموضوع

       في اعتقادنا المتواضع فالمنع  من الحيازة عموما، والمنع من الحرث بصورة خاصة يشكلان جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير وذلك لاعتبارين.

       الاعتبار الأول: هو ان ارادة المشرع انصبت أثناء       صياغة الفصل570 إلى تكملة القانون العقاري، وحيث ان وسائل حماية العقار هي منصوص عليها في القانون العقاري، ويتعلق الامر بدعوى الاسترداد ودعوى الحيازة. ولا يسع صاحب العقار الذي انتزع منه عقاره الا اتباع الوسائل المحددة في القانون العقاري من اجل استرداد عقارهونظرا للمشاكل وأوجه العنف والاضطرابات الاجتماعية التي كانت تترتب عن الصراعات بين الجاني المنتزع، و صاحب العقار من جهة ثانية، الذي كان دائما يختار ان يقاوم الجاني الذي انتزع منه عقاره، ودرء العنف الذي تعرض له لأنه لم يكن يجد في القانون ما يشفي غليله، وتفاديا لكل هذا ودرئا  للاضطرابات التي كانت تترتب عن ذلك، تدخل القانون الجنائي بنص زجري غايته ليس حماية العقار المحمي في القانون العقاري، بل غايته معالجة الاضطراب الاجتماعي الذي قد يترتب عن هذا الفعل وذلك عن طريق ردع الجاني بإقرار عقوبة حبسية في حقه، واشفاء غليل صاحب العقار الذي انتزع منه عقاره، ورد اعتباره خاصة اذا تم تحريك الدعوى العمومية قبل استنفاد  الإجراءات المسطرية التي خوله القانون العقاري اياها لاسترجاع عقاره.

       وحيث ان المنع من الحيازة يعد عنصر قوة وصورة من صور العنف التي ارتأى المشرع الجنائي الى تفاديها، فانه من البديهي ان يترتب عنه قيام جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير.

       الاعتبار الثاني: الفعل المادي لجنحة انتزاع حيازة الملك العقاري من الغير يتحقق بمجرد حرمان صاحب الحيازة من حيازته، ولا يهم بعد ذلك ان ينقل الجاني العقار الى حيازته ام لا، وحيث ان الحرمان من الحيازة قد يتحقق عن طريق المنع فقط ، كالمنع من الحرث او المنع من الحصاد او وضع سياج يمنع صاحب العقار من الدخول الى عقاره او فعل يمنع الحائز السابق من دخول الارض او المنزل. وبهذا يكون مجرد المنع من الحيازة كافيا لتحقيق جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير.

       اما بالنسبة للوسيلة الثانية المتعلقة بالتهديد بالعنف فيرى الأستاذ الخمليشي على انه يشترط فيه ان يكون صريحا يوجهه منتزع الحيازة علانية الى من يحاول اعتراضه فيما عزم عليه، وقد يكون ضمنيا يستفاد من الملابسات والمظاهر المحيطة بعملية انتزاع الحيازة، وهكذا يمكن استنتاج التهديد بالعنف من مجرد استيلاء المتابع على العقار بمحضر حائزه السابق.

فتحديه للحائز قرينة على استعمال العنف اذا بدا منه اي رد فعل.

       اما بالنسبة للخلسة فيشترط لتحققها عنصر زمني متمثل في السرعة، اي ان يكون الحيز الزمني الذي استغرقه الجاني في عملية الانتزاع ضيق جدا.

       اما العنصر الثاني مرتبط بصاحب العقار، وهو ما يسميه الفقه والقضاء بالغفلة اي ان يختلس الجاني العقار وصاحبه غير حاضر، واضرب مثالا لذلك بمن يقوم بحرث الارض او غرسها في ظرف وجيز اثناء غيبة حائزها او ابتعاده عن الارض لعمل ما.

       وقضاء محكمة النقض غني بالقرارات التي تفسر هذين العنصرين فقد قضت محكمة النقض في قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 05/02/70تحت عدد 330 مايلي ان الحكم القاضي بإدانة المتهم من اجل الترامي على ملك الغير يكون قد ابرز بان نزع الحيازة كان خلسة إذا أيد الحكم الابتدائي الذي نص على استماع المحكمة الى شهود الاثبات فيتبين من شهادتهم ان  المتهم ارتكب جريمة الترامي ضد املاك المتضرر خلسة حيث انتهز غيبته.

       وجاء في قرار اخر صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 12/03/1991تحت عدد 2477 "انه لا يكفي ذكر توافر العناصر التكوينية للجريمة دون بيان الفعل الذي قام بهالمتهم الذي يشكل الخلسة او التدليس كقيامه بالاعتداء على العقار في غيبة المشتكي الحائز."

       وجاء ايضا في قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 25/12/209تحت عدد1962/6 في الملف عدد 19371/08 "عنصر الخلسة المتطلب في قيام جنحة اانتزاع عقار من حيازة الغير يتحقق حتى في الحالة التي يقوم فيها الجاني بحرث ارض النزاع وحائزها متواجد بمنطقة قريبة منها، ذلك ان هذا العنصر يتحقق بانتزاع الجاني الحيازة في غفلة سواء اكانت غيبته بعيدة او قريبة من مكان تواجد المترامى عليه.

       فرغم أن هذه القرارات ركزت فقط على عنصر الغفلة دون عنصر الزمن  المتمثل في السرعة، ولم نعثر على اي قرار يركز على عنصر السرعة، الا انه في اعتقادنا هذا العنصر يفرضه الاعتبار الواقعيوالعملي لأنه لا يمكن القول بان العقار ثم انتزاعه في غفلة من صاحبه، وفي نفس الوقت دام مدة طويلة من الزمن فهذا مفهومان متناقضان، فعنصر الغفلة يقتضي بالضرورة ان فعل الانتزاع  اسغرق مدة قصيرة. اضف الى ذلك ان الأستاذ الخمليشي اشترط لتوفر عنصر الخلسة السرعة.

       اما بالنسبة للتدليس فيشترط لتحققه استعمال وسائل الاحتيال التي تمكن المحتال من الاستيلاء على العقار دون معارضة من الحائز. وفي هذا الاطار جاء في قرار للمجلس الأعلى بتاريخ 12/03/1991عدد 2477 ما يلي "يتحقق التدليس باستعمال وسائل احتيالية اتجاه المشتكي للاستيلاء على عقاره.





       ونرى انه لا بأس ونحن نناقش عنصري الخلسة والتدليس ان نثير للنقاش أيضا مسالة انتزاع الحيازة بعد تسليم العقار الى صاحبه تنفيذا لحكم قضائي سابق .

       ذهبت العديد من قرارات المجلس  الاعلى من بينها قرار عدد 347 تاريخ 6/3/67وقرار عدد 095.تاريخ 17/07/75بأنه يشترط لتبرير العقاب بجنحة الترامي ان يكون انتزاع العقار وقع خلسة او باستعمال التدليس " ولذلك نقضت الأحكام التي اكتفت للإدانة بالنص على ان المحكوم عليه راجع الى احتلال الارض بعد ان افرغ منها تنفيذا لحكم قضائي سابق دون ان تبرز ان انتزاع الحيازة كان عن طريق الخلسة او التدليس، الأمر الذي اعتبرها معه المجلس غير معللة وعديمة الاساس القانوني.

       وبمقابل ذلك ذهبت قرارات اخرى الى ان ادانة من يرجع الى ارض بعد افراغه منها تنفيذا لحكم قضائي، تعتبر تطبيقا سليما للمادة 570. ومن ذلك قرار عدد 253 تاريخ 26/02/1976 وقرار عدد 1806 تاريخ 28/03/1983.

       وفي اعتقادنا المتواضع القرارات الاولى هي التي صادفت الصواب، في حين ان القرارات الثانية جانبت الصواب لان القانون الجنائي يتعارض مع مبدأ استعمال القياس، والتوسع في تفسيره، ذلك ان المشرع اشترط صراحة ان يتم نزع الحيازة عن طريق الخلسة او التدليس، او العنف او التهديد، واذا لم تتحقق اي حالة من هذه الحالات فعلى اي اساس يصدر الحكم بالإدانةاكتفاء بالقول بان المدان رجع الى الارض بعد افراغه منها.

       ومن المستحب ايضا ونحن نناقش عناصر الحيازة ان نطرح للنقاش مسألة امكانية ارجاع العقار لحائزه الأول انقسم ايضا المجلس الاعلى الى اتجاهين فاتجاه يرى ان للمحكمة ان تقرر ارجاع العقار لحائزه الأول ولو لم يطلبه، لأنه يعتبر ردا لما يجب رده الذي يحق للمحكمة ان تحكم به تلقائيا طبقا للمادة 106 من ق.ج من ذلك قرار عدد 1715 تاريخ 05/12/1974الذي جاء فيه بأنه لمحكمة الموضوع الصلاحية بالحكم برد ما يلزم رده من غير ان يطلب منها ذلك". وبمقابل ذلك هناك قرارات قالت ان المحكمة لا يمكنها الحكم بإرجاع الحيازة الى صاحبها الا إذا طلب منها ذلك طبقا لأحكام الدعوى المدنية التابعة. ومن ذلك القرار عدد 4971 تاريخ 26/06/1983 الذي جاء فيه ما يلي "لما اعتبرت المحكمة ان المشتكي لم يقدم مطالب مدنية في المرحلة الابتدائية وصرحت بذلك بعدم قبول استئنافه ثم قضت بناء على استئناف ن.ع وحدها بإلغاء الحكم الابتدائي القاضي بالبراءة من اجل الهجوم على ملك الغير وحكمت على المتهم بالإدانةوبإفراغالأملاك المعتدى عليها تكون قد خرقت القانون، لأن الإفراغ يدخل ضمن المطالبة بالحق المدني الذي لم يقدمه المشتكي"

       ونحن نساير الاتجاه الثاني الذي يقضي بان المحكمة لا ينبغي ان تحكمبإرجاع العقار لصاحبه الا اذا طلبه. طالما ان هناك مسطرة ارجاع العقار منصوص عليها في القانون العقاري، فقد يكون صاحب العقار سكت عن المطالبة بعقاره أمام القاضي الجنائي، لأنه اختار إرجاعه عن طريق دعوى الاسترداد و الحيازة المنصوص عليها في القانون العقاري. وبالتالي لا يمكن اجباره على شيء لم يختره.

       النقطة الاخيرة التي اريد مناقشتها في هذا المقام هي الحالة التي يكون فيها العقار في ملك الجماعة، ففي هذه  الحالة خروجا عن المبدأ العام لا يكفي لتحقق جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير توفر فقط عنصر الحيازة بل يجب ان يتوفر الى جانبه عنصر أخر متعلق بالملكية، وهذا ما أكده قرار عدد 426 صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ06/03/1972.

2-دراسة الوسائل بصورة مدمجة مع ظروف التشديد

       هذه الظروف بقرائتنا للفصل 570 نجد انها تتسم بنوع من الغموض، بحيث نجد ان المشرع عرض في الفقرة الاولى لوسيلتين من وسائل انتزاع الحيازة هما الخلسة والتدليس وأقحم الوسيلتينالأخيرتين مع الفقرة الثانية مع ظروف التشديد، الأمر الذي يثير صعوبة في التطبيق، فهل اقحام المشرع لهاتين الوسيلتين وهما العنف والتهديد به مع ظروف التشديد، يعني انه لم يعتبرهما من وسائل انتزاع الحيازة واعتبارهما مجرد ظرف مشدد للعقوبة، وبالتالي لا يمكن توفرهما لوحدهما، بل لابد من اقترانهما بإحدى الوسيلتين المنصوص عليهما في الفقرة الأولى، والواقع ان بعض الاحكام تسير في المنهج بحيث اثناء حديثها عن شروط تطبيق الفصل 570 تشير فقط الى الخلسة والتدليس وحدهما، ولا تشيرإلى العنف والتهديد به المدمجين مع ظروف التشديد في الفقرة الثانية.

       والفرضية الثانية التي يثيرها لبس المادة 570 هل ادماج المشرع لهاتين الوسيلتين في الفقرة الثانية مع ظروف التشديد كان مجرد سهو، وبالتالي فهي لا تعتبر ظروف التشديد وان وسائل انتزاع الحيازة هي اربعة.

       إلا ان القول الصحيح من هذه الفرضيات، والتفسير الصحيح لهذه المادة هو ان ارادة المشرع انصبت حينما ذكر الخلسة والتدليس في الفقرة الأولى، وأقحم العنف والتهديد في الفقرة الثانية.

       الى اعتبار العنف والتهديد اذا انتزع بهما العقار تكون العقوبة مشددة دون حاجة الى توفر اي ظرف من ظروف التشديد، لان المشرع قرر عقوبة واحدة سواء توفر ظرف من ظروف التشديد او لم يتوفر.

       وبمقابل ذلك فان تنصيص المشرع على وسيلتين الخلسة والتدليس لوحدهما مستقلين عن التشديد، معناه ان انتزاع الحيازة عن طريق الخلسة او التدليس ستطبق العقوبة المخففة ولا تشدد العقوبة إلاإذا اقترنت هاتين الوسيلتين بإحدى الظروف المنصوص عليها في الفقرة الثانية وهي الليل، والتسلق، والكسر، وتعدد الاشخاص وحمل السلاح.

       فهذه الظروف من الضروري لكي يظهر اثارها المادي ان توجد الى جانب الخلسة والتدليس، اما اذا وجدت لوحدها، الى جانب العنف او التهديد به فلا يكون لها اي اثر.

فإذا وجدت لوحدها فانه لا مجال لتطبيق الفصل 570 لان اي وسيلة من الوسائل التي يتحقق بها الركن المادي لانتزاع عقار من حيازة الغير لم تتحقق.

       اما اذا اقترنت مع العنف او التهديد به، فانه تطبق العقوبة المقررة في الفقرة الثانية كما لو وجد العنف او التهديد به لوحدهما.

وبالتالي فان نطاق تطبيق الفصل 570 ينحصر في ثلاث حالات هي:

حالة وجود الخلسة او التدليس لوحدهما دون اقترانهما بأي ظرف من ظروف التشديد، فانه في هذه الحالة تطبق العقوبة المخففة الواردة في الفقرة الاولى.

الحالة الثانية هي حالة تحقق جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير عن طريق العنف او التهديد به في هذه الحالة تكون العقوبة مشددة، وتطبق العقوبة الواردة الفقرة الثانية.

       الحالة الثالثة وهي الحالة التي تكون فيه الخلسة او التدليس مقرونين بإحدى الوسائل المعددة في الفقرة الثانية، هنا تعتبر جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير مقرونة بظرف من ظروف التشديد، وتكون العقوبة مشددة وتطبق العقوبة الواردة في الفقرة الثانية.

خــاتمة

       وختاما نستنتج ان المشرع لم يكن موفقا في صياغة الفصل 570 من القانون الجنائي، ومنه في حماية العقار، ذلك ان صياغة الفصل جاءت غامضة مبهمة وفضفاضة تقبل عدة تأويلات وتفسيرات. فهي لم تحدد المقصود بالعقار، أيضا المقصود بالانتزاع، ثم المقصود بالعنف، كما ان صياغة الفصل هي غير منضمة بحيث قام المشرع بإقحام وسائل ارتكاب الجريمة مع الظروف التي تشددها، الأمر الذي اثار العديد من الاشكالات والتساؤلات بخصوص هذه النقطة، أضف الى ذلك ان صياغة الفصل جاءت مختصرة ولم تتطرق لمسألة إرجاع الحيازة للحائز الأول، أيضا مسالة رجوع الحائز إلى عقاره بعد إفراغه منه، ثم مسالة ما اذا كانت هذه الحيازة في ملك الجماعة.