12.10.2018

البعد الاجتماعي والقانوني لعقد الكراء المدني الباحث: نورالدين بالخير.

البعد الاجتماعي والقانوني لعقد الكراء المدني الباحث: نورالدين بالخير.







البعد الاجتماعي والقانوني لعقد الكراء المدني الباحث: نورالدين بالخير.




مقدمة
يعتبر السكن من الحاجات الأساسية لمعيشة الإنسان وضمان استقراره وأمنه، ولا يمكن للإنسان الاستغناء عن هذه الحاجة مهما كان شكل المسكن أو نوعها[1]. لذلك حصل الاتفاق بين مختلف التشريعات الدولية على الاعتراف بالحق في السكن كحق أساسي من حقوق الإنسان، يصون كرامة هذا الإنسان ويحفظها من كل ما من شأنه أن يمس بها.
فالإنسان الذي يولد معززا مكرما، لا يمتلك أيا كان حق الانتقاص من شأنه وقدره ومن الكرامة المتأصلة فيه، فصفة الإنسانية في بني البشر تقتضي وجوب احترام تلك الكرامة من أي شكل من أشكال الإهانة والإذلال والتحقير[2]، ولو تمثل ذلك الإذلال أو تلك الإهانة في شغل مسكن يفتقر لأبسط شروط الحياة الكريمة. لأن نمو أفراد الأسرة داخل أكواخ الصفيح، يعتبر انتهاكا لكرامة المواطن وحرمته التي يقع على عاتق الدولة واجب صيانتها.
لذلك اعتنت الحكومات المتعاقبة بقطاع السكن، معتبرة أن نمو هذا القطاع هو من المؤشرات الرئيسة للتقدم والتنمية، لما يكتسيه من أبعاد متعددة، بحيث يحتل مكانة متميزة  ضمن استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، باعتباره أحد مقومات العدالة الإنسانية. وهو أيضا وسيلة لإثبات الإنسان موقعه وهويته واستقراره، وهو المسعى المنشود للتوفيق بين الإنسان ومحيطه.




وتتجلى أهمية هذا الموضوع في الأهمية الكبيرة التي يحظى بها، والتي تتجلى في السعي الحثيث الذي أبان عنه المجتمع الدولي من أجل إعماله كواقع فعلي، باعتباره أصعب الأبعاد من حيث قدرة الدول على الالتزام به بشكل جدي، في ضوء ما تشير إليه البيانات الدولية اليوم حول وجود أزيد من 100 مليون شخص يفتقرون للمأوى، وأكثر من مليار شخص يعيشون في مساكن تفتقد إلى أبسط شروط المأوى المناسب والكرامة الآدمية، كما أن الحق في السكن لم يعد اليوم مجرد أحد حقوق الإنسان فقط، بل أيضا آلية هامة لإعمال حقوق الإنسان الأخرى، لذلك فإن احترام هذا الحق والوفاء به، ينجر عنه آليا انتهاك لطائفة من الحقوق الأخرى، وعلى رأسها التعليم، الصحة، احترام الذات، والأمان الشخصي... إلى جانب نشوء حلقة مفرغة، يضطر فيها الناس لأسباب تتعلق بطبيعة ظروفهم المعيشية غير المستقرة، إلى مكابدة آلام التشرد الداخلي، والعيش في الأحياء العشوائية، وهو ما يمس بالشرعية المحلية والخارجية للسلطات الحكومية في أي بلد على المدى القصير والطويل على حد سواء.
ولتلك الاعتبارات وغيرها نجد موضوع الحق في السكن اللائق قد استأثر باهتمام واسع، من قبل المجتمع الدولي منذ منتصف القرن الماضي، والذي سعى جاهدا لإعمال هذا المفهوم على أرض الواقع في كل أرجاء المعمورة، وذلك من خلال مساعي التحسيس بأهمية هذا المسعى من جهة، وعبر التأسيس لمنظومة تشريعية دولية، تكرس هذا الحق بشكل مباشر أو غير مباشر من جهة أخرى، وهو ما كانت له تداعياته السريعة لاحقا على استجابة الكثير من الحكومات، والتي سعت جاهدة إلى تكييف نصوصها القانونية بما يخدم هذه الغاية.
والمغرب باعتباره عضوا فعالا في المنتظم الدولي نجد بأن سیاسته في ضمان الحق في الولوج إلى السكن اللائق قد انتجهت على المستوى التشريعي إلى إقرار مجموعة من النصوص القانونية التي تهدف إلى مساعدة المواطن في الولوج لسكن لائق، يحفظ كرامته ويضمن استقراره، وذلك بشروط ميسرة تتناسب مع ظروفه ومقدرته المالية.

الفقرة الأولى البعد الاجتماعي لعقد الكراء المدني
الحق في السكنى حق دستوري، نص عليه دستور 2011  في الفصل 31 منه، وهو من أهم الأبعاد الاجتماعية لعقد الكراء المدني، ويتعين على الدولة ضمان هذا الحق كما هو الأمر بالنسبة للحق في الشغل والتمدرس والصحة..الخ[3]. وذلك من خلال وضع مخططات لتنويع العرض السكني للاستجابة لحاجيات السوق العقاري عبر نماذج أخرى من السكن غير الملكية، حيث أطلقت وزارة السكنى وسياسة المدينة برنامجا يهدف إلى إنعاش السكن المعد للكراء، خاصة أن نسبة مهمة من الوحدات السكنية غير مستغلة. حيث تشير الأرقام المتوفرة إلى وجود حوالي 800 ألف مسكن شاغر، منها 163 ألف عقار معد للكراء، وهو ما يشكل ثلث الوحدات السكنية الفارغة، حيث تتمركز 75 في المائة من هذه المساكن في المدن الكبرى التي يرتفع فيها الإقبال على السكن المعد للكراء[4].
وتعزى أسباب عدم استغلال هذه الوحدات السكنية إلى ضعف الثقة بين المكري والمكتري حيث تأخذ المنازعات المرتبطة بالكراء حصة الأسد من القضايا المعروضة أمام المحاكم المغربية مما يدفع جل ملاكي العقارات إلى ترك شققهم فارغة حفاظا على ممتلكاتهم من احتلالها من طرف الغير وضياع واجبات الكراء إما بالابتزاز أو التملص الممارس من طرف المكتري سيء النية، وأيضا لكون نسبة مهمة منها تعود ملكيتها للمغاربة المقيمين في الخارج.
ومن خلال هذه المعطيات فقد اكتسب عقد الكراء في الآونة الأخيرة أهمية بالغة ضمن العقود المسماة لارتباطه اللصيق بحياة أغلب المواطنين الذين ينتمون لشرائح اجتماعية مختلفة، فكل فرد في المجتمع يمكن أن يحمل صفة مكري أو صفة مكتري، وبذلك حظي باهتمامات المشرع لخطورة ما يترتب عليه من آثار تتعلق بالأمن والسلم الاجتماعي في المجتمع بأسره.
ورغم القوانين المتوالية في مجال الكراء المدني، ومن ضمنها القانون 67.12 لم يستطع أن يحقق بعدا اجتماعيا ملحوظا على مستوى الواقع، ولا ضمان حقوق الفئات المجتمعية المختلفة في السكني والمهنة ولاسيما تلك الفئة الفقيرة. وإذا كانت غاية هذا القانون المنظم العقد الكراء المدني هي إسعاد الانسان وضمان استقراره فما قيمة النص القانوني إذا كان الانسان مشردا؟
الفقرة الثانية: البعد القانوني لعقد الكراء المدني
يقصد بالبعد القانوني المدى الذي وصل إليه المشروع من خلال تدخله في تنظيم قانون عقد الكراء المدني وذلك بتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الواجب للمكتري بمنحه ضمانات قانونية كافية لکی يطمئن في محله السكني أو المهني، وفي نفس الوقت لا يؤثر على حق المکري في ملكه، هذا من جهة، وكذلك مسايرة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تتغير في كل وقت وحين من جهة أخرى.
ودراسة هذا البعد يتطلب الإلمام بمختلف النصوص التشريعية الواردة في الموضوع ولا سيما القانون 67.12 المنظم للعلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى والاستعمال المهني، والذي ينبغي أن يكون قد سد الفراغ وأزال الغموض وبث روحا جديدة في النصوص القديمة، وتوفق في إيجاد حلول لمشاكل أبانت عنها التجربة والتطبيق القضائي لتلك النصوص القديمة .
فهل استطاع المشرع وضع توازن بين فئة المكرين وفئة المكترين من خلال النصوص القانونيةوتطبيقاتها على أرض الواقع؟
محاولة منا لفهم هذا القانون الجديد وأملا في الإجابة على هذا السؤال كان لزاما استعراض مستجداته وتناولها كما يلي:
أولا: عقد الكراء المدني والتقييد
حرص المشرع على ترسيخ التوجه السائد في مجال المعاملات المتمثل في اعتماد شكلية الكتابة، حیث کان في القوانين السابقة يبرم العقد شفويا بمجرد تراضي طرفيه، إلا أنه في هذا القنون أصبحت الكتابة واجية بمقتضى المادة الثالثة، وهو بذلك يحمي الطرف المدعي في حالة النزاع من عبء الإثيات ويمنح الحكمة وسيلة إثبات قوية تسرع الفصل في النزاعات من جهة، ومن جهة أخرى تعامل بمنطق غامض مع الحالات التي تخالف شرط الكتابة، ففي المادة 74 من نفس القانون نص على أن العقود المبرمة قبل دخول القانون حيز التنفيذ والمخالفة لشرط الكتابة، يستمر مفعولها، و يمكن لأطرافها تغييرها في كل وقت بما يتناسب مع القانون الجديد، لكن السؤال الذي يبقى مطروحا ما مصير العقود التي ستبرم في ظل هذا القانون دول احترام شرط الكتابة؟
ثانيا: عقد الكراء المدني وضمان الاستقرار
باعتبار السكن اللائق من مقومات الحياة الكريمة ومناط الاستقرار، عمل المشرع من خلال القانون 67.12 على ضمان هذا الحق لفئة المكترين من خلال التنصيص على وجوب توفر المحل المكتري على المواصفات الضرورية للسكن اللائق[5]، من أجل محاربة السكن العشوائي، بالإضافة إلى تفادي النزاعات التي قد تنشأ بين الطرفين، خصوصا أثناء تحديد وضعية المحل في تسليمه واسترجاعه .
وبما أن عقد الكراء المدني من عقود المدة (عقد مؤقت) فإنه ينتهي بانتهاء مدته غير أنه بالرجوع للمادة 44 من نفس القانون 67.12 نجد بها حكما قاطعا وصارما لا يقبل التأويل، فعقود الكراء لا تنتهي حسب المادة إلا بالإشعار بالإفراغ أو تصحيحه عند الاقتضاء، وهي مادة تعطل بشكل ضمني مضمون الفصل 768 من ظهير الالتزامات والعقود الذي يقر انتهاء عقود الكراء بانقضاء المدة المقررة لها، فشرط المدة أصبح متجاوزا نظرا لغيابه في المواد المتعلقة بإنهاء العقد المادة "45" وفسخه المادة"56"، فانتهاء حق المكتري التعاقدي ينشأ عنه حق قانوني هو "حق البقاء" وهو ما يصطلح عليه ب "الامتا۔ اد القانوني العقد الكراء"، و يشكل هذا الحق "شبحا بالنسبة للمستثمرين و الملاك الذين غالبا ما يفضلون تضمين مدة محددة في العقد ينقضي الكراء بانقضائها، و يكون ملكهم في مأمن، وتغيير المكتري مسألة سهلة، لكن مع وجود مثل هذا الشرط الذي يعد قيدا خطيرا على "حق الملكية" فإن الكثير من الملاك يرفضون وضع عقاراتهم للكراء خوفا من أن تصبح عرضة للاستغلال اللامحدود و هو ما ينعكس بشكل سلبي على استقرار المجتمع.
ونظرا لأن استقرار العلاقات الكرائية لا يتحقق بتمديد مفعول هذا العقد من حيث الزمان وحده، وإنما يستلزم تمديدا آخر من حيث الأشخاص المستفيدين منه، فوفاة المكتري لا يعني انقضاء حقه التعاقدي، فهو ينتقل بقوة القانون للأشخاص الذين ذكرهم المشرع ومنحهم حق الاستفادة، والملاحظ في هذا الإطار أن المشرع أصبح يميل إلى تضييق دائرة المستفيدين وحصرهم، ف فئة الأشخاص التي ذكرها المشرع جاءت على سبيل الحصر لا المثال، ولا يمكن توسيع نطاقها بأي شكل من الأشكال، فقد نصت المادة 53 على كل من "الزوج و الأصول و الفروع المباشرين من الدرجة الأولى والمكفول و المستفيدين من الوصية الواجبة" التنص المادة التالية 54 على "الأم المطلقة الحاضنة لأطفالها" .
ولا يمكن الحديث عن استقرار العلاقة التعاقدية بين المكري والمكتري دون التطرق للجانب المالي الذي يعد النواة الصلبة في العلاقة الكرائية، فالمبدأ أن تحدد الوجيبة الكرائية بتراضي الأطراف، و تكون ملزمة لهم، لكن هذا لا يعني عدم وجود إمكانية تعديلها بعد ذلك، فقد يرى المكتري أن الوجيبة الكرائية لا تتناسب مع منافع العين المكتراة فيطالب بخفضها، أو يزيد جشع المكري مع التهاب أثمان العقار فيطالب برفعها، و هنا تدخل المشرع بنص قاس بعض الشيء، حيث نص في المادة 32 على أنه لا يجوز الاتفاق على رفع الوجيبة لمدة تقل عن ثلاث سنوات من تاريخ إبرام العقد أو آخر مراجعة قضائية أو اتفاقية أو الاتفاق على زيادة تتعدى النسب المحددة بمقتضى القانون، وهو بذلك يضع قيدا صارما على إرادة طرفي العقد خصوصا ما يتعلق بالمدة، فثلاث سنوات ليست بالمدة الهينة، خصوصا على الطرف المكري الذي يسعى دائما للزيادة، وهو نفس المقتضى المطبق على المكتري الذي لا يمكنه المطالبة بإنقاص الوجيبة في مدة تقل عن الثلاث سنوات لكن هذا لايمنع من الاتفاق على مدة تزيد عن المدة المحددة قانونا كالاتفاق في العقد على عدم تعديل الوجيبة الكرائيةإلا بعد مرور خمس سنوات، ففي هذه الحالة يكون الشرط صحيحا و غير مخالف للمادة 32.
وتعتبر التولية والتخلي عن كراء المحلات المعدة للاستعمال المهني من أهم الأشياء التي يمكن أن تساهم في استقرار العلاقة التعاقدية، حيث الأصل هو أن تولية المحل الکتری والتخلي عنه لا يجوز بدون موافقة المكري، إلا أنه في حالة المحلات المعدة للاستعمال المهني لا يحق للمكري أن يعترض على التولية أو التخلي لمزاولة نفس النشاط المهني وذلك وفق الشروط المنصوص عليهم في المادتين 40 و 42، وذلك من أجل حماية المهن ومراعاة لخصوصيات هذا النوع من المحلات.
خاتمة:
لابد من التذكير في الأخير أن العلاقة الكرائية، هي علاقة التناقضات بامتياز، فأحد طرفيها هدفه الاستقرار، والطرف الآخر هدفه الربح، وما يمنح لطرف لابد أن ينزع من الآخر، لذلك وجب التعامل مع قوانين الأكرية بمنطق الموازنة لا التقييد، لأن تغييب إرادة الأطراف بكثرة القيود، غالبا ما يؤدي لامتناع المالك من عرض ملكه للكراء، الشيء الذي يخلق شحا في العرض وغلاء  في الأسعار وغيابا للاستقرار، فتكلفة القوانين ذات الطبيعة الاجتماعية غالبا ما تكون باهضة وقاسية ومكلفة، لذا يجب أن ينطلق ميزان تحميل النصوص وشرعنتها من الجانب السوسيولوجي للإنسان مع مراعاة تأمين حاجته الكرائية انطلاقا من طاقته أو ما يسمی توازن الحق مع الواجب.
 ويسقى السؤال قائما على القانون 12 . 67 سيخفف العبء عن الجهاز القضائی بشأن النزاعات القائمة بين المكري والمكتري، وما إذا كان سيسد جميع الثعرات والإشكالات القانونية الناتجة عن تنفيذ أو إنهاء عقد الكراء للمحلات المعدة للسكتى أو للاستعمال المهني على المدى العيد أم أنه بیقی عبارة عن قراءة لنص قديم ومستجداته لا ترقی إلى ما هو مأمول؟





[1] - محمود فضيل التل: " الثقافة السكانية السكان والتنمية وتنظيم الأسرة " دار الباروزي العلمية للنشر والتوزيع، الأردن، الطبعة الأولى 2001 ص:217.
[2] - لماذا حقوق الإنسان، مقال منشور على الموقع الالكتروني لمنظمة العفو الدولية www . amnesty – Arabic زيارة الموقع بتاریخ 12 نونبر 2018.
[3] - عبد القادر العرعاري ، الكراء المديني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص: 9 وما بعدها، بتصرف.
[4]  - هشام النخلي، مشروع قانون الكراء المغربي: هل هو لمصلحة المكري أو المكتري، مقال منشور بالجريد الالكترونية أخبارنا.
[5]  - تنص المادة 5 من القانون 67.12 على أنه: "يجب على المكري أن يسلم المكتري المحل والمرافق التابعة له، وكذا التجهيزات المذكورة في عقد الكراء؛
يجب أن يتوفر المحل المعد للسكنى على المواصفات الضرورية من حيث الأجزاء المكونة له وشروط التهوية والمطبخ ودورة المياه والكهرباء والماء".